Полный текст (8 511 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.
стр. 2136
لكن الإنسان كمشروع مستمر وإمكانية غير متحققة قد يفقد ذاته ويصبح «الهُم» . وهي عبارة تعني ببساطة «الشخصية المتوجهة نحو الآخر» (بالإنجليزية: أذر دايركتيد other directed) والإنسان الاجتماعي بالمعنى السلبي، أو الإنسان المستوعَب تماماً في الأعراف الاجتماعية وآراء الآخرين (ولكن هايدجر يصر دائماً على تحاشي المصطلحات السوسيولوجية ويفضل المصطلحات الفلسفية الأنطولوجية التي ينحتها بسرعة وغزارة تسبب كثيراً من الصداع الذي لا مبرر له) .
هذا «الإنسان الهُم» هو إنسان ذو بُعد واحد يحكم على نفسه بمعايير الآخرين ويُستوعَب في الآخرين ويسقط في لغو الحديث الذي يقف على الطرف النقيض من الحوار، فالحوار هو أن ترى الآخرين باعتبارهم بشراً (دازاين) لهم وجودهم الخاص المتعين، لا باعتبارهم أشياء موضوعية (داس مان: الهُم) بحيث يمكن الدخول معهم في علاقة حميمة تكشف شخصيتهم الأصيلة والحقيقية. والإنسان الهُم هذا لا يشعر بالدهشة الحقيقية وإنما يتسم بحب الاستطلاع، وحب الاستطلاع هو الرغبة في اقتناء الجديد والمختلف دون أي إحساس حقيقي بالدهشة.
стр. 2137
وحتى لا يسقط الإنسان في حالة الهُم هذه فهو دائماً في حاجة إلى الإحساس بالرهبة (بالألمانية: أنجست Angst، وبالإنجليزية: دريد dread) ويظهر هذا الإحساس عندما يدخل الإنسان في علاقة مع العدم من خلال إدراكه للموت (وهي لحظة لا يمكن للعلوم الطبيعية أن تدركها ولا يمكن للحياة اليومية أن تتعايش معها) . وعندما يمارس الإنسان الإحساس بالقلق وبتناهي الوجود الإنساني وبزمنيته، تسقط التفاصيل اليومية ويتوارى العالم العادي ويتفتح الوجود ويكشف عن نفسه وتكتشف الذات أصالتها وإمكانياتها وضمنها إمكانية الحرية والاختيار، حرية أن تختار الذات نفسها وأن تمسك بنفسها، ومن ثم تكتشف الذات قدرتها على تجاوز العالم وعلى الخروج من حدودها الضيقة (الهُم) لا لتعرف العالم وحسب ولتكون فيه وإنما لتوجد فيه، أي أن يتحقق وجودها الأصيل والحقيقي في العالم في الزمان. وتصل قمة الحرية إلى حرية الإنسان في أن يقابل الموت.
ورغم حديث هايدجر عن العلاقة الجدلية التفاعلية التبادلية بين الذات والموضوع، ورغم محاولته المستميتة أن يحافظ على المسافة بين الذات والموضوع إلا أنهما يلتحمان (بسبب غياب المركز المفارق) بعد فترة من التأرجح (المأساوي أحياناً، والملهاوي أحياناً أخرى) بين الذات المطلقة التي لا حدود لها ولا قيود عليها والتي تلتهم الموضوع، والموضوع المطلق، الذي يتجاوز كل شيء، وضمن ذلك الإنسان الفرد، ويبتلع كل الذوات، أي أن هايدجر يتأرجح فلسفياً بين العقل الإمبريالي النيتشوي الدارويني والعقل الأداتي البرجماتي. فلنأخذ على سبيل المثال مفهوم هايدجر للتاريخ الإنساني، التاريخ بالنسبة له ليس تاريخاً متعيناً، وإنما هو زمان وحسب، تجربة ذاتية وجودية، يصبح الوجود من خلالها حضوراً، أي تجربة فريدة معاشة، وهكذا يختفي أي مركز مفارق للإنسان ولا تبقى إلا الذات. (وسنرى كيف أن الذات الهتلرية تبتلع الموضوع الألماني بل كل الوجود) .
стр. 2138
ويحدث الشيء نفسه للذات، إذ يذهب هايدجر إلى أن الذات لا يمكن أن تكون نفسها في أية لحظة، فهي في حالة صيرورة مقلقة، ولا يمكن للإنسان الفرد أن يمسك بوجوده تماماً، فوجود الإنسان يسبقه دائماً كمشروع غير متحقق بعد، وهو مشروع دائم لا ينتهي، ومن ثم فالوجود الفرد إن هو إلا وهم.
وللخروج من هذه الحالة اقترح هايدجر، كما أسلفنا، تجربة الرهبة (أنجست) الناجمة عن مواجهة الموت والعدم والتأمل فيهما. ولكن هذا ليس هو الحل الوحيد، فهناك الحل الألماني المثالي/المادي المألوف، أي افتراض أن الذات والوجود هما شيء واحد، أو أن كليهما موضع الحلول. ولكن هذا الحل الألماني هو حل مؤقت إذ عادةً ما تنحل هذه الوحدة العضوية الكاملة إلى عنصر واحد يغلب الآخر، وهو عادةً العنصر الموضوعي الذي يطوق الذات ويذيبها فيه، أي أن الوحدة العضوية تتحول إلى واحدية مادية. وهذا أمر متوقع تماماً، فالفرد القلق المنعزل الملئ بالقلق والرهبة (أنجست) سيحاول بأقصى جهده أن يخرج من حالة العزلة هذه، حالة الوهم، وإحدى وسائل الخروج التوحد بالذات الجماعية، بالوجود الجمعي بديل الإله (وهذا هو الحل الذي اقترحه هيجل ودوركهايم وغيرهما (.
стр. 2139
والعنصر الموضوعي أو الكلي هنا هو الوجود. وقد لاحظ أحد مؤرخي الفلسفة أن مضمون كلمة «وجود» عند هايدجر لا يختلف كثيراً عن مضمون كلمة «إله» في الفكر البروتستانتي. ولذا فهو يتحدث عن أن "الوجود يدعونا" و "يخبئ نفسه" و"يكشف عن نفسه لنا ". ولكن هذا الإله إله مادي، ولهذا يأخذ أشكالاً مادية مختلفة، وهكذا نكتشف أن الوجود يصبح أحياناً الطبيعة، ومن ثم يطرح هايدجر فكرة المجتمع العضوي الذي يلتحم فيه الإنسان بالطبيعة وبالآخرين (ومن هنا سُمِّي «فيلسوف الغابة السوداء» ) . وتظهر عملية تطويق الموضوع للذات في أن كلمة «دازاين Dasien» لم تعد تعني «وجود الفرد بشكل متعيِّن في الواقع» بل تصبح "الوجود الفردي باعتباره شكلاً من أشكال الوجود الجماعي". ويضيق نطاق الحلول ويتركز فبدلاً من الإنسانية ككل باعتبارها مركزاً للحلول (كما كانت تدَّعي الهيومانية الغربية) يصبح مركز الحلول هو "الوجود الألماني". ("الألمان شعب مختار، مفعم بقوى الأرض والدم، وعلى الطلبة أن يعلنوا التزامهم بذلك" ـ "لقد أدَّت الثورة الاشتراكية الوطنية إلى انقلاب كامل في الوجود الألماني" ـ " الفرد في حد ذاته [أينما كان] لا قيمة له، فأهم شيء هو مصير شعبنا" ـ "أيها الطالب الألماني، خلال تجوالك ومسيراتك الطويلة، تلمَّس بقدميك أراضي الجبال والغابات والأودية في الغابات السوداء فإنك تلمس الأرض التي أنجبت البطل. دونما سلاح، أطلق البطل نظراته متحدياً البنادق الموجهة إليه وعانق النهار وجبال موطنه حتى يموت وعيناه مثبتتان على الأرض الألمانية وعلى الشعب الألماني والرايخ") . وتزداد درجات تركز الحلول ويضيق نطاقه وبدلاً من الشعب الألماني تصبح الدولة الألمانية هي موضع الحلول فيتحدث هايدجر عن "وجود الدولة" (بالألمانية: دازاين ديس شتاتيس Dasein des Staates) "أهم شيء هو مصير شعبنا في دولته". "لقد أيقظ هتلر الإرادة لوجود الدولة في الفولك» . ونصح هايدجر الشباب
стр. 2140
بأن تنمو شجاعتهم دائماً «لينقذوا جوهر الشعب ولإعلاء القوى الداخلية للشعب في إطار الدولة".
وهكذا يهيمن الموضوع أو الذات الجماعية تماماً، ولكن التأرجح مع هذا لا يتوقف إذ تتزايد درجات الحلول تركزاً وضيقاً إلى أن نصل إلى الذروة وننتقل من الموضوع إلى الذات مرة أخرى حين يتم استيعاب الدولة نفسها في الإنسان الفرد الأسمى، هتلر، الذي "جمع إرادة الأمة في فرد واحد". "إن الفوهرر نفسه، هو وحده، الحقيقة الألمانية في الحاضر والمستقبل، وهو قانونها ... هايل هتلر"، أي أن المبدأ الواحد، جوهر وحدة الوجود المادية، يصبح أولاً الوجود الجمعي والوجود كطبيعة، ثم يضيق نطاقه ويتركز فيصبح الشعب الألماني، ثم الدولة الألمانية، وأخيراً الفوهرر. وكما قال هايدجر، إن قاعدة وجود الإنسان الألماني «يجب ألا تكون هي فرضيات أو نظريات [رفض الميتافيزيقا] ، فالفوهرر، هو وحده، حقيقة الحاضر والمستقبل قانونهما، فهو منقذ شعبنا ... هو المعلم ورائد الروح الجديدة» (من رسالة هايدجر إلى الفوهرر) ، هو مركز الحلول، هو الإله المادي والوثن الأعظم. لكل هذا ينحل الدازاين تماماً في الذات النيتشوية: "إن الفلسفة تقف وراء هتلر، لأن هتلر يقف إلى جانب الوجود".
وتظهر علمانية هايدجر الشاملة، وماديته الراديكالية النيتشوية الجديدة، في تحريضه الجامعة الألمانية على أن تخوض غمار حرب حاسمة بروح الاشتراكية الديموقراطية (النازية) التي يجب ألا تخنقها أية نزعات إنسانية (هيومانية) أو مفاهيم مسيحية. كما تظهر هذه العلمانية المادية الشاملة في تبنيه للحل الصهيوني للمسألة اليهودية، إذ كان يرى ضرورة توطين اليهود في فلسطين أو أي مكان آخر خارج ألمانيا وأوربا.
стр. 2141
كان النازيون يعتبرون هايدجر فيلسوفهم، ونحن نرى أنهم كانوا على حق في تصورهم هذا. فقد انضم هايدجر إلى الحزب النازي عام ١٩٣٣ وكان من أعز أصدقائه بيوجين فيشر، وهو ممن دافعوا عن القتل الموضوعي أو الأداتي للمعوقين وعن إبادة اليهود. وانطلاقاً من رؤيته النازية دافع هايدجر عن المشروع الصهيوني الذي يطالب بطرد اليهود من أوطانهم (باعتبارهم شعباً عضوياً) ليُعاد توطينهم في فلسطين (باعتبارها وطناً قومياً لهم) . كما كانت زوجة هايدجر نفسها ترى أن الأمومة هي الحفاظ على الميراث العرْقي. وقد تنكر هايدجر لأستاذه هوسرل عام ١٩٣٣ لأنه يهودي، وكان يتجسس على زملائه لحساب السلطة النازية، وهو ما أدَّى إلى طرد بعضهم. (يُوثق كتاب فيكتور فارياس Victor Farias [عام ١٩٨٧] هذا الجانب من حياة هايدجر الفلسفية) . ومن الجدير بالملاحظة أن أستاذاً ألمانياً اسمه جيدو شنيبرجر Guido Schneeberger نشر عام ١٩٦١ كتاباً يضم ٢١٧ نصاً نازياً لهايدجر.
ويبدو أن هايدجر أدرك خطأه عام ١٩٣٤ ومن ثم استقال من رئاسة جامعة فرايبورج. ولكن من المعروف أنه استمر مع هذا في دفع اشتراكات العضوية في الحزب النازي حتى نهاية الحرب العالمية الثانية. وقد كتب المفكر الألماني كارل أوديث في مذكراته أنه تحدث مع هايدجر عام ١٩٣٦ وأن هايدجر عبَّر عن إيمانه الكامل بهتلر، وأخبره أن الطريقة النازية هي الطريقة الأمثل لألمانيا. وحتى بافتراض أن هايدجر ابتعد عن النازية السياسية، فمما لا شك فيه أن نسقه الفلسفي ظل كما هو، يُشكِّل تربة خصبة لظهور الأفكار النازية، شأنه في هذا شأن كل «فلسفات الحياة» اللاعقلانية المادية.
стр. 2142
كان هايدجر يتصور أن النازية هي روح العالم المتجسدة التي ستزاوج بين التكنولوجيا والثقافة ("رسالة الشعب الألماني") . وهو لم يكن مخطئاً تماماً في تصوره، فقد قام النازيون بالفعل بمزاوجة التكنولوجيا والثقافة الألمانية، بل إنهم كانوا يرون أن التكنولوجيا هي التعبير البراني عن إرادة القوة الألمانية، وكانوا يرون أن ألمانيا بوجودها بين روسيا والولايات المتحدة أصبح بوسعها أن تزاوج بين التكنولوجيا وروح الشعب، فالتكنولوجيا الألمانية تنبع من أعماق الحضارة Kultur الألمانية. وهي روح مطلقة لا تتقيد بأية قيم بورجوازية، روح لا متناهية لا تعرف سوى القيم الجمالية. وهكذا أمسك بروميثيوس الجديد بالنار، مسلحاً بحس جمالي عميق وبشهية لا تعرف الحدود وبإدراك للذات كمطلق، فأحرق الأخضر واليابس. وقد أدرك هايدجر تدريجياً أن هذا الالتحام النازي بين الذات والموضوع وبين التكنولوجيا والثقافة، خارج إطار المنظومات الأخلاقية، هو في واقع الأمر مرض وليس حلاً. ولكن إدراكه هذا ظل مقصوراً على الحالة النازية وحسب، ولهذا لم يراجع منظومته الفلسفية.
ولا تمثل رؤية هايدجر العلمانية الإمبريالية الشاملة انحرافاً عن مسار الحضارة الغربية الحديثة، فهي جزء من نمط عام متكرر يتمثل في التأرجح بين الذات والموضوع، وفي حسم هذا الصراع لصالح الموضوع أو لصالح الموضوع متجسداً في الذات الإمبريالية، كما يتمثل الانتقال التدريجي من العقلانية المادية إلى اللاعقلانية المادية التي تتضح في تقديس هيجل للدولة البروسية (إله يسير على الأرض!) وأفكار نيتشه الداروينية عن إرادة القوة وميول ياسبرز النازية والتوجهات النازية والصهيونية لبول دي مان تلميذ هايدجر النشيط المخلص.
والنازية ما هي إلا تجلٍ متبلور لهذا الاتجاه حين أصبح الدازاين الألماني الجمعي هو الفولك الذي تجسد في هتلر واحد وأصبح الآخرون مثل أيخمان، منفذين عاديين تسير وراءهم الملايين.
стр. 2143
ويمكن فهم نازية هايدجر، شأنها شأن صهيونيته، من خلال هذا السياق. فالنازي الإمبريالي الذي يُجسد إرادة القوة يُحوسل الآخرين ويُحركهم ليخدم مصالحه أو مصالح أمنية، فهو ينقل اليهود إلى فلسطين (أو ينقل الفلسطينيين منها) أو إلى معسكرات الاعتقال واللاجئين، حسبما تمليه عليه الظروف الطارئة والمصالح المادية الثابتة وموازين القوى، دون التقيد بأية قيم أخلاقية، إذ لا توجد إلا قيم جمالية. ومن المعروف أن النازيين تمسكوا بالقيم الجمالية أيما تمسك، فكانت واجهات معسكرات الاعتقال من الطراز التيرولي، كما كان الجنود الألمان يسمعون موسيقى موتسارت وفاجنر بينما كان يُساق الملايين إلى معسكرات الاعتقال التي تتسم بالانضباط الشديد.
ولعل إدراك العالم الغربي للنزعة الإمبريالية (الإبادية) الكامنة في مشروع هايدجر الحضاري الحديث هو ما يدفعه لإخفائها بشتى الوسائل والطرق ومن ذلك محاولة إخفاء الحقائق الصلبة. ولهذا تبذل جهود مضنية لإخفاء حقيقة أن دول الحلفاء (التي تتباكى الآن على ضحايا النازية) لم تفتح أبوابها للمهاجرين من المناطق التي وقعت تحت نفوذ النازي، وأن قوات الحلفاء (بقيادة إيزنهاور) لم تكن متحمسة لضرب السكك الحديدية المؤدية لمعسكرات الاعتقال لتوفير الطاقة العسكرية. وفي هذا الإطار يمكن أن نفهم ما حدث لجيدو شنيبرجر فقد وجد صعوبة بالغة في نشر كتابه عن نازية هايدجر، وحينما نشره بطريقته الخاصة، اختفى الكتاب من أرفف المكتبات، ثم قوبل بالصمت من المؤسسات الأكاديمية (التي تلتزم الصمت أيضاً تجاه توجهات ياسبرز ودي مان النازية) ، فعدم التزام الصمت يعني فتح باب الاجتهاد فيما يتصل بالنازية ودلالتها المركزية بالنسبة للحضارة الغربية الحديثة، الأمر الذي لا يمكن لهذه الحضارة تحمله، إذ قد تشكل ضربة في العمق.
стр. 2144
الباب الخامس: بعض إشكاليات الإبادة النازية ليهود أوربا
إشكالية انفصال القيمة الأخلاقية والغائية الإنسانية عن العلم والتكنولوجيا
The Problematic of Value-free Science and Technology Divorced From Human Teleology
رغم هيمنة الرؤية العلمانية الإمبريالية الشاملة على الإنسان الغربي (بجانبيها النفعي المادي الحيادي الأداتي والدارويني الصراعي الإمبريالي) ، ورغم حوسلتها للعالم وتحويلها المنفعة المادية والقوة إلى قيمة مطلقة متجاوزة للخير والشر، إلا أن هناك من لا يتقبل هذه الرؤية ولا يذعن لها ويثير قضايا مهمة ذات طابع أخلاقي وإنساني من أهمها قضية تطبيق المعايير العلمية المنفصلة عن القيمة وعن الغائية الإنسانية وتطبيق المنظومة الأخلاقية الداروينية النفعية المادية على الإنسان والمجتمع الإنساني. فقد أسس النازيون منظومتهم ـ كما أسلفنا ـ استناداً إلى مفاهيم علمية أو شبه علمية مثل النظرية الداروينية (وما يترتب عليها من مفاهيم مثل التفاوت بين الأعراق والمجال الحيوي والشعب العضوي) ، كما تبنوا الرؤية العلمية المتجردة تماماً من القيمة ومن الغائيات الإنسانية باعتبار أن العلم وما يتولَّد عنه من قوانين وقيم مادية هو القيمة الحاكمة الكبرى والمرجعية النهائية للإنسان. وقد حقق النازيون نجاحاً منقطع النظير في هذا المضمار فركزوا على محاولة التحكم الكامل في كل العناصر البشرية الخاضعة لهم وتطبيق الحسابات الرشيدة المحايدة التي تهدف إلى تعظيم الإنتاج والأرباح وتقليل الاستهلاك والخسائر. ومن ثم يمكن القول بأن الإبادة النازية لليهود وغيرهم هي التحقق الكامل للرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية الشاملة التي تم من خلالها حوسلة كل شيء بطريقة علمية محايدة رشيدة حديثة. ويتبدَّى هذا في عدة أوجه سنوجزها فيما يلي:
стр. 2145
١ ـ كان النظام النازي بمنزلة يوتوبيا تكنولوجية تكنوقراطية حقة تم تنظيمها تنظيماً هرمياً، ففي قاعدته تقف جماهير الشعب العضوي المتماسك تعلوه نخبة من العلماء والساسة، يدورون جميعاً في إطار واحد هو الدولة القومية التي تَجُّب مصالحها كل المصالح. وعلى قمة الهرم يقف الفوهرر: التجسد المادي والمحسوس للمطلق العلماني (الشعب العضوي والدولة) الذي تركزت فيه جميع القوى الحيوية الكامنة في النسق، وهو القادر على تحريكها، وهو القادر على حسم كل الاختيارات السياسية والاجتماعية والأخلاقية، تساعده النخبة العلمية والسياسية الحاكمة.
هذا الهرم الدارويني المنظم تنظيماً دقيقاً تحرك بشكل محايد ليدافع عن مصلحته، كما يراها هو، وعن منفعته، كما حددها هو، أو كما حددتها النخبة الحاكمة من علماء وساسة! وكانت حركة الهرم النازي تتسم بالحياد الصارم، والتجرد المذهل من القيم والعواطف والغائيات الإنسانية. وكانت واحدة من أهم مؤسسات الإبادة تُدعَى «مؤسسة تدعيم القومية الألمانية» ، وقد أُسِّست عام ١٩٣٩ لتوظيف العناصر الألمانية غير المرغوب فيها. وكان هملر (الذي أُسندت له مهمة إدارة هذه المؤسسة القومية) يرى أنها تجسد قيمة قومية عضوية مطلقة، فهي تخدم المصالح العليا المطلقة لألمانيا، وكان رجاله يؤدون واجبهم بأمانة وإخلاص شديدين لوطنهم.
стр. 2146
٢ ـ أدار هملر مؤسسته بطريقة حديثة للغاية تبدت في كيفية استخدامه لليهود من خلال واحد من أهم أسس الإدارة الحديثة فيما يُسمَّى «الإدارة الذاتية» ، إذ كوَّن، انطلاقاً من الرؤية الداروينية النفعية، نخبة من اليهود نواتها الأساسية أعضاء المجالس اليهودية والموظفون الملحقون بها، تدور حولها قطاعات أخرى مثل العمال اليهود في مصانع الذخيرة، وبعض الشخصيات اليهودية العامة، وتم وصفهم جميعاً بأنهم «يهود يتمتعون بالحماية من الترحيل» نظراً لنفعهم. (وهو امتداد للتقسيم الغربي القديم لليهود والذي ظل سائداً منذ العصور الوسطى حتى أوائل القرن التاسع عشر وإن كان قد اكتسب عمقاً خاصاً في القرن الثامن عشر وعصر الاستنارة وظهور مبدأ المنفعة) . وقد أصبح هؤلاء أداة ذات كفاءة عالية في يد الإدارة النازية وتعاونوا معها تماماً.
стр. 2147
٣ ـ وكانت عمليات السخرة والإبادة حديثة رشيدة بمعنى الكلمة يتم إنجازها من خلال إجراءات محايدة. فعلى سبيل المثال، استُخدم خط التجميع (بالإنجليزية: أسمبلي لاين assembley line) في عملية فرز المساجين (والمعروف أن خط التجميع استُخدم في الأصل في المذبح [السلخانة] في شيكاغو، حيث رأى أحد مؤسسي علم الإدارة الحديثة أنه يمكن توفير الوقت والجهد بأن تُعلَّق جثث الحيوانات الواحدة تلو الأخرى على سير متحرك أمام الجزارين، لكي يقومون بتنظيفها وإعدادها) . وقد طُبِّق نفس الأسلوب على المساجين، فكانوا يقفون صفاً واحداً ويُعطَى كل واحد منهم رقم، ثم يتم فرزهم، وهي طريقة أكثر كفاءة من التصنيف على أساس الأسماء. والملاحَظ أن عملية التوحيد والتنميط، مثلها مثل المركزية، تُعدُّ خطوة أساسية في عملية الترشيد ويتطلبها النموذج الآلي المادي، إذ لا تمكن التعامل مع كل المعطيات بكفاءة عالية إن كانت غير متجانسة. فإن اختلفت العناصر أو الوحدات، الواحدة عن الأخرى، أدَّى هذا إلى بطء دولاب العمل. والنموذج الآلي المادي الهندسي يفترض تَشابُه جميع العناصر حتى يمكن معالجتها مادياً وآلياً وهندسياً. وقد طبَّق أيخمان هذه الآلية على نطاق واسع، خصوصاً في حالة ترحيل يهود المجر. ويُقال إنه لم يكن من الممكن إنجاز مهمة الترحيل هذه إلا من خلال خط التجميع.
стр. 2148
٤ ـ كانت آليات السخرة والإبادة كلها تتسم بتعظيم الإنتاج والمنفعة. ومن أطرف الآليات وأجداها اقتصادياً وأقلها إيلاماً وأكثرها شيوعاً إرسال اليهود إلى معسكرات العمل بالسخرة لتزويد الشركات الألمانية بالعمالة الرخيصة، وهو ما أفاد الاقتصاد الوطني الألماني فحقق تقدماً هائلاً لا يمكن للمراقب الموضوعي المحايد المتجرد من كل التحيزات الغائية والأخلاقية إلا أن يقر به. فكان يتم فرز المساجين بعناية شديدة، حيث يُوجَّه القادرون على العمل إلى أعمال السخرة، ومن ثم لا يُبدَّد شيء. وكان المعتقلون يعملون لساعات طويلة، ويعيشون دون حد الكفاف الأمر الذي جعل من الممكن تحقيق أرباح هائلة وإنتاجية منقطعة النظير.
٥ ـ يبدو أن النازيين استفادوا بواحدة من أهم التجارب الحضارية الغربية، وهي التجربة الإمبريالية، إذ أُرسل اليهود أحياناً إلى جيتوات، أسسها النازيون خصيصاً، وكانت تأخذ شكل مناطق "قومية" مستقلة لها مجالسها التي تحكمها ونظامها المصرفي المستقل وعملتها الخاصة ونظامها التعليمي الخاص، أي أن كلاً منها كانت جيتو/دولة أو دولة/جيتو تدخل في علاقة تبادل كولونيالية مع الدولة النازية. فكانت الجيتوات تزود الدولة النازية بالعمالة والخدمات وبعض السلع نظير أن تزودها الدولة النازية بالغذاء والملابس. ولكن علاقة التبادل كانت غير متكافئة لصالح الدولة النازية بحيث تكون الخدمات والعمالة الخارجة من الجيتو أكبر من قيمة ما يحصل عليه سكان الجيتو من المواد الغذائية التي كانت دائماً أقل من أن تفي باحتياجات العاملين اليهود، أي أن العلاقة كانت تؤدي إلى انتقال فائض القيمة إلى النازيين وإلى إبادة العاملين واستهلاكهم كأداة إنتاج سريعة. ولذا يمكن القول بأن العلاقة بين الجيتو والدولة النازية كانت علاقة كولونيالية لا تختلف كثيراً عن علاقة إنجلترا بمستعمراتها أو علاقة الولايات المتحدة ببعض الدول العربية وغير العربية التي تسيطر عليها.
стр. 2149
٦ ـ لم يتخل النازيون قط عن حداثتهم وحيادهم، فكان يتم تقرير من يجب إبادته، ومن يجب الإبقاء عليه وتسخيره بعد دراسة عملية موضوعية، متمعنة ودقيقة، تتفق مع القواعد الصارمة للترشيد المادي. فقد قُسِّم أعضاء الجماعات اليهودية إلى يهود نافعين ومن ثم لا يمكن نقلهم، ويهود غير نافعين ومن ثم يمكن نقلهم والتخلص منهم. ولم تكن ظروف الحرب تعوق الألمان عن التحلي بالموضوعية الكاملة. فعلى سبيل المثال، حينما وصلت القوات الألمانية إلى شبه جزيرة القرم ووجدت فيها بعض اليهود القرّائين، بيَّن لهم هؤلاء أنهم ليسوا يهوداً بالمعنى العام والسائد، وأنهم لا علاقة لهم باليهود من أتباع اليهودية الحاخامية ولا يتسمون بما يتسم به اليهود عموماً من طفيلية (كما تزعم أدبيات العداء لليهود في العالم الغربي) . وأرجأ النازيون تنفيذ عملية الإبادة والتهجير، وأرسلوا بأحد الضباط إلى برلين ليدرس القضية بشكل موضوعي رغم ظروف الحرب. وبالفعل توصَّل هذا الضابط/الباحث إلى أن القرّائين لا يتسمون بالسيكولوجية أو الطبيعة اليهودية، وأخذ النازيون بتقريره، ولذا لم يُطبَّق على اليهود القرّائين قرار الإبادة. بل قرر النازيون، انطلاقاً من الرؤية النفعية البرجماتية المرنة، تجنيد بعض العناصر القادرة من بين اليهود القرّائين في القوات النازية.
стр. 2150
وانطلاقاً من الرؤية النفعية المرنة نفسها طوَّر النازيون مقياساً محدداً لتعريف من هو الآري، ولكنه كان مقياساً مرناً منفتحاً، ولذا كان الشخص السلافي، الذي يتسم بقدر كاف من الصفات العرْقية البيولوجية الألمانية (من بينها الطول ولون العيون) ، يُعاد تصنيفه "آرياً" ثم يُلحق ببرنامج خاص للأرينة (أي التحويل للآرية) ليتعلم الألمانية والسلوك الألماني الأصيل. وكانت هناك مؤسسة خاصة تُسمَّى Ru SHA المكتب الرئيسي للعرْق والتوطين، كانت مهمتها هي تحديد الصفات الآرية وإمكانية الألمنة. (وانطلاقاً من الرؤية البرجماتية نفسها صُنِّف اليابانيون، حلفاء الألمان، «آريون شرفيون» رغم انتمائهم للجنس الأصفر!) .
وفي مؤتمر فانسي (الذي عُقد في ٢٠ يناير ١٩٤٢) أبدى المجتمعون اهتماماً شديداً بتصنيف الضحايا تصنيفاً دقيقاً إذ قُسِّموا إلى أربعة أقسام: فكان القسم الأول يضم من ستتم إبادته على الفور، أما القسم الثاني فكان يضم من ستتم إبادته (إنهاكه) من خلال الجوع والعمل بالسخرة. ويضم القسمان الثالث والرابع من يُعقم ومن يمكن أن يؤلمن (على التوالي) . وقد قام النازيون بالتمييز بين الإبادة من خلال الجوع والإبادة من خلال العمل، ففي عام ١٩٤٢ وجد الجيش الألماني أن المنهج الثاني من الإبادة أكثر رشداً من الأول فقام بتبنيه.
٧ ـ كان النازيون حريصين كل الحرص على استخدام مصطلح علمي محايد لا يحمل أية دلالات عاطفية غير علمية، فإحدى مؤسسات الإبادة كانت تحمل اسم تي فور T٤، وهو اسم يصلح لأية شركة تجارية أو سياحية أو حتى أي دواء مقوٍ، وهو منسوب إلى الشارع الذي تقع فيه المؤسسة وإلى رقم المبنى (تيرجارتن شتراسه رقم ٤ Tiergarten Strasse، أي ٤ شارع حديقة الحيوان) . ومن أسماء المؤسسات الأخرى «جمعية نقل المرضى» أو «المؤسسة الخيرية للعناية المؤسسية» .
стр. 2151
وكان يُشار إلى عملية الإبادة بنفس المصطلح، فيتم أولاً «الإخلاء» ، يليه «النقل» (الترانسفير) ثم «إعادة التوطين» ، وأخيراً «الحل النهائي» . (ويستخدم الصهاينة نفس الخطاب، فهم يستخدمون كلمة مثل «ترانسفير» للإبعاد. وحينما فر الفلسطينيون من قراهم عام ١٩٤٨ خوفاً من الإرهاب الصهيوني، وصف وايزمان هذا الفرار بأنه عملية «تنظيف» ) . وتحييد المصطلح مسألة أساسية في التفكير النازي، فعملية تسييس العمال وترشيد حياتهم، أي السيطرة عليهم وعلى حياتهم الخاصة أُطلق عليها اسم «القوة من خلال المرح» ، وكان مكتوباً على معسكر أوشفيتس «العمل سيحقق لك الحرية» . وكما أسلفنا، فقد جرى الحديث عن إبادة المعوقين وغيرهم باعتبارها نوعاً من «الصحة العرْقية» ومن «علاج الأمراض الوراثية الخطيرة» ، وكانت إبادة المجرمين والمتخلفين تُوصَف بأنها «تجنب العدوى والقضاء على الجراثيم» ، وأفران الغاز هي "أدشاش"، والعملية كلها هي عملية "تطهير" لا أكثر ولا أقل. ويُلاحَظ أن كل المصطلحات لا تذكر أية إبادة (بالمعنى العام أو الخاص الذي نطرحه) ، ولذا فهي تجعل عملية إبادة البشر تبدو وكأنها مسألة مجردة وبعيدة، ومن ثم مقبولة تماماً.
стр. 2152
٨ - كانت عملية تحييد المصطلح بداية عملية تحييد كامل للإدراك، فالمصطلح المحايد للغاية يقترب من المصطلح العلمي الدقيق المنفصل عن القيمة، إذ لا توجد فيه عواطف حُب أو كُره، وهو يحاول أن يصف الظاهرة من الخارج باعتبارها مجرد موضوع، دون أن يعطيها أي معنى إنساني داخلي أو أية قيمة خاصة، بحيث ينظر الموظف النازي أو الألماني إلى الضحية وكأنه ينظر إلى موضوع وحسب؛ حركة مادية خارجية ومادة استعمالية خام خاضعة للإجراءات. وقد كان المشرفين على عمليات الإبادة المختلفة يتم تدريبهم على التحلي بالبرود والتجرد للحفاظ على الحياد وكفاءة الأداء. وقد حذَّرت القيادة النازية من استخدام العنف بلا مبرر، فقد كانت تدافع عما سماه أحد المؤرخين «الإرهاب الرشيد» (أدان بن جوريون "تعذيب العرب بلا مبرر"أثناء حرب ١٩٤٨، وهو ما يعني أن التعذيب الرشيد مسموح به) . وفي إحدى خطبه بيَّن هتلر أن " الإبادة الشاملة لابد أن تُنفَّذ ببرود وبطريقة نظيفة... وأن تصفية العناصر المطلوب تصفيتها لابد أن يتم بطريقة محايدة دون أي نزعات سادية (فمثل هذه النزعات تدل في واقع الأمر على العنف الإنساني الذي يتنافى مع المثل الأعلى النازي) . ولذا كان على رؤساء معسكرات الاعتقال أن يوقِّعوا إقراراً كل ثلاثة شهور بأنهم لم يسيئوا معاملة المساجين". وفي خريف عام ١٩٤٢ أعلن هملر أن إطلاق النار على اليهود لأسباب شخصية (أو صادية أو جنسية) يعاقب عليها القانون بالإعدام. وكان الجنود الألمان ممنوعين من إساءة معاملة الضحايا حتى وهم في طريقهم إلى أفران الغاز، لأن هذا يعني شكلاً من أشكال الانفعال والانغماس العاطفي الذي يتنافى مع الحياد العلمي، والتجرد من العواطف والتحيزات والقيم أمر أساسي ومطلوب.
стр. 2153
وعند اكتشاف أي انحراف عن الخط المحايد، كانت القيادة النازية تعاقب المنحرفين. وقد أصدر هملر توجيهاً لمن يعملون معه بالتدخل الفوري إذا ما تجاوز أحد قادة معسكرات الاعتقال حدوده. وقد وُجِّه اللوم إلى أحد الضباط لأنه كان يحيط أسر الضحايا علماً بإعدام أقاربهم على كارت بوستال مفتوح بدلاً من ظرف مغلق! ويبدو أن الدكتور راشر، العالم النازي، تجاوز هو الآخر الخطوط المحايدة (!) حتى أنه أغضب هملر الذي أمر بإعدامه هو وزوجته قبل نهاية الحرب بقليل. كما أُعدم قائد معسكر بوخنوالد وزوجته (عاهرة بوخنوالد) التي كانت مغرمة بصنع الشمعدانات ومنافض السجائر من أشلاء البشر، الأمر الذي يتجاوز حدود المعقولية والحياد والحوسلة. وقد أوضح المواطن النازي جوزيف كرامر أنه سمَّم ثمانين امرأة بالغاز أثناء خدمته في أوشفيتس. وحينما سُئل عن مشاعره، صرح ببرود أنه لم تكن لديه أية مشاعر على الإطلاق، وقال للقضاة: " لقد تلقيت أمراً بقتل ثمانين من النزلاء بالطريقة التي قلتها لكم. وبالمناسبة هذا هو الأسلوب الذي تدربت عليه "، فهو يرى نفسه باعتباره «موظفاً فنياً» وحسب، ملتزماً بالترشيد الإجرائي ولا يصدع مخه بالقيم الأخلاقية أو بالمطلقات (فهذه مجرد ميتافيزيقا!) .
وحينما صدر قانون التعقيم والذي شمل الحالات المتطرفة لإدمان الكحول، حاول البعض استصدار استثناء للمحاربين القدامى ممن أدمنوا الكحول نتيجة إصابات في المخ لحقت بهم أثناء الخدمة العسكرية في الحرب العالمية الأولى. ولكن الحياد العلمي لا يعرف أي استثناءات ولذا رُفض الطلب، «لأنه لو أُعفي هؤلاء لتم إعفاء المحاربين القدامي الذين أصيبوا في شجار في الشارع، ثم المصابين نتيجة العمل في المصانع» ، الأمر الذي يتناقض مع النموذج العقلاني المادي والنمطية التي يتطلبها الموقف العلمي الصارم.
стр. 2154
٩ ـ تبدَّى الموقف الحيادي الدارويني في موقف النازيين من العلم، وزعمهم انفصاله عن القيمة وعن الغائية الإنسانية، في واحد من أهم المفاهيم الطبية (العلمية المحايدة) في القرن التاسع عشر، وهو مفهوم «الصحة العرْقية» ، الذي ينطلق من ضرورة الحفاظ على وحدة الشعب العضوي وعلى بقائه (فهما سر تفوقه ورقيه) عن طريق التخلص من العناصر الضارة أو غير النافعة (التي تُعدُّ تعبيراً عن انهيار العرْق وانحطاطه) ؛ وثمة كتابات عديدة بجميع اللغات الأوربية في هذا الموضوع. ومن أهم المفاهيم المرتبطة بالصحة العرْقية مفهوم اليوثينيجيا euthenesia أو ما يُسمَّى «القتل الرحيم» (وإن كان من الأفضل تسميته «القتل العلمي» أو «القتل المحايد» أو «القتل الأداتي» أو «القتل الموضوعي» ) ، أي التخلص من المعوقين وغيرهم (مثل المرضى بأمراض مزمنة) عن طريق التصفية الجسدية. وقد يبدو هذا المفهوم لنا مخيفاً، ولكن في إطار الرؤية المادية الشاملة المحضة، وفي داخل إطار دارويني نيتشوي، يصبح الأمر منطقياً ومتسقاً مع نفسه (ولذا، نجد كاتباً مثل برنارد شو أو هـ. جـ. ويلز يدافع عن مثل هذا المفهوم) .
وقد أصدرت النخبة النازية عدة قوانين لضمان الصحة العرْقية، فوضعوا البشر تحت تصنيفات مختلفة:
أ) المستهلكون الذين لا نفع اقتصادي لهم: مثل المعتوهين والمتخلفين عقلياً والمصابين بالشيزوفرنيا (انفصام الشخصية) والأطفال المعوقين والأفراد المتقدمين في السن والمصابين بالسل، والمرضى الميئوس من شفائهم. بل كان يُضَم لهؤلاء الجنود الألمان الذين أصيبوا أثناء العمليات العسكرية، فعلاجهم كان يُشكِّل عبئاً على ميزانية الدولة.
ب) المنحلون: وهم الشيوعيون والشواذ جنسياً وعدد كبير من أعداء المجتمع الذين يتسمون بالسلوك غير الاجتماعي (مدمنو الكحول والعاهرات والمجرمون ومدمنو المخدرات ومن لا مأوى لهم) .
стр. 2155
جـ) أعضاء الأجناس الدنيا: مثل السلاف والغجر واليهود والأقزام، فهم غرباء داخل الفولك الألماني ولا يوجد مبرر قوي لوجودهم إلا باعتبارهم مادة خاماً تُوظَّف لصالح الجنس الآري الأرقى، خاصةً أن بعضهم، مثل البولنديين، يشغلون المجال الحيوي لألمانيا.
وفي ١٤ يوليه ١٩٣٣ (في اليوم التالي لتوقيع المعاهدة مع الفاتيكان) ، أصدر النازيون قانوناً يُسمَّى «قانون التعقيم» لمنع بعض القطاعات البشرية (المعوقين ـ المرضى النفسيين ـ المرضى بالصرع ـ العمى الوراثي ـ الصمم الوراثي ـ التشوه الخلقي ـ الإدمان المتطرف للكحول) من التكاثر. وبالفعل، تم تعقيم أربعمائة ألف مواطن ألماني. وفي عام ١٩٣٥، صدر قانون بمنع العلاقات الجنسية بين اليهود وأعضاء الأعراق غير الراقية من جهة والألمان من جهة أخرى، وذلك للحفاظ على النقاء العرْقي. وأُعلن عام ١٩٣٩ عاماً يراعي فيه المواطن واجب التمتع بصحة جيدة وطُلب من كل طبيب أو داية أن تُبلغ عن أي مولود جديد معوق. وبدأت عملية القتل الموضوعي (أو العلمي أو المحايد) لهؤلاء الذين لا يمكن شفاؤهم مثل المعوقين وغيرهم (مشروع تي فور T٤) . وظهرت وثائق تبين أنه قُتل سبعون ألف معوق وعاجز يأكلون ولا ينتجون (حرفياً: «آكلون غير نافعين» أي «أفراد يأكلون ولا ينتجون» [بالإنجليزية: يوسلس إيترز useless eaters] ) يُشكِّلون عبئاً على الاقتصاد الوطني ويعوقون التقدم. وقد تمت إبادتهم بمقتضى برنامج «تجنب العدوى والقضاء على الجراثيم» (أي برنامج إبادة المجرمين والمتخلفين وربما المسنين) . وأدَّى ذلك إلى توفير ٢٣٩.٠٦٧.٠٢٠ كيلو جراماً من المربى في العام (كما جاء في إحدى الدراسات العلمية الألمانية الرصينة) . وأُنشئت لجنة للعلاج العلمي للأمراض الوراثية الخطيرة أوصت بقتل الأطفال المشوهين. وكان هؤلاء وغيرهم يُرسلون إلى مستشفيات. فكانوا يوضعون في عنابر خاصة ثم يتم الإجهاز عليهم عن طريق أفران غاز مخبأة على هيئة أدشاش،
стр. 2156
ومحارق لحرق الجثث. وقد طُبِّق المعيار نفسه، بعض الوقت، على الجنود الألمان الجرحى في الحرب، إذ أن عملية علاجهم كانت ستُكلف الدولة الكثير. ثم طُبِّقت عمليات الإبادة هذه بصورة أوسع على أسرى الحرب.
وقد صُنِّف اليهود باعتبارهم مرضى، وذلك نظراً لعدم نقائهم العرْقي. ومن ثم أصبح من الضروري إبادتهم، شأنهم شأن العناصر الألمانية غير النافعة. ومن جهة أخرى، تم توسيع نطاق برنامج القتل المحايد أو العلمي ليضم المجرمين كافة، يهوداً وغير يهود. وكان اليهود يُعتبرون أيضاً ذوي استعداد إجرامي طبيعي بسبب اختلاط خصائصهم الوراثية. ولذا، طُبق البرنامج على اليهود الموجودين في المستشفيات جميعاً.
١٠ ـ ومن أهم تجليات الحياد العلمي ذات العائد المرتفع التي اتسمت بها الإبادة، تلك التجارب العلمية التي كان النازيون يجرونها على خنازير التجارب البشرية وهي تجارب منفصلة تماماً عن أية منظومات قيمية. فكان النازيون يختارون بعض العناصر التي لها أهمية تجريبية خاصة لإجراء التجارب عليها. وكان هذا يتم بسهولة ويسر وسلاسة؛ لأن البشر تحولوا إلى موضوع أو مادة محايدة في عقول القائمين على هذه التجارب. فعلى سبيل المثال، كان طبيب بوخنوالد (الدكتور هانس إيسيل) يقوم بعمليات استئصال دون تخدير ليدرس أثرها. وأُجريت تجارب أخرى على نزلاء معسكرات الاعتقال لا تقل رهبة عن تجارب إيسيل. وكان بعضهم يُطلَق عليه الرصاص لاختبار فعاليته في الحرب، وعُرّض آخرون لغازات سامة في عمليات اختبارية. وكان البعض يوضعون في غرفة مفرغة من الهواء لمعرفة المدة التي يستطيع الإنسان خلالها أن يظل حياً وهو على ارتفاعات عالية أو بدون أوكسجين. وكان الأوكسجين يُقلل تدريجياً ويخفض الضغط، فتزداد آلام خنازير التجارب البشرية شيئاً فشيئاً حتى تصبح آلاماً لا يمكن احتمالها حتى تنفجر رئاتهم. كما كان الضغط الداخلي على أغشية طبلات الآذان يسبب لهم عذاباً يوصلهم إلى حد الجنون.
стр. 2157
وكان الدكتور راشر، وهو عالم نازي آخر، شمولياً في أبحاثه إلى درجة عالية، فقام بتزويد غرف الضغط في النهاية بمبردات تجبر عيناته على مواجهة شروط أقرب ما تكون إلى الارتفاعات العالية. وكان راشر مسئولاً أيضاً عن الكثير من تجارب التجميد التي يتعرض فيها الأشخاص إلى البرد الشديد المستمر حتى الموت. وكان الهدف معرفة مدة مقاومتهم، وبقائهم أحياء، وما الذي يمكن صنعه لإطالة حياة الطيارين الذين يسقطون في مياه متجمدة. وكان بعض نزلاء داخاو ضمن ضحايا راشر أو ضمن خنازير تجارية (إن أردنا التزام الدقة والحياد العلميين) . فكان يتم غمر الضحايا/الخنازير في وعاء ضخم أو كانوا يُتركون عُراة في الخارج طوال الليالي الثلجية. وفي أواخر شتاء عام ١٩٤٣، حدثت موجة برد شديدة، فتُرك بعض السجناء عراة في الخلاء أربع عشرة ساعة، تجمدت خلالها أطرافهم وسطوح أجسامهم الخارجية وانخفضت درجة حرارتهم الداخلية. وكان أسلوب العمل هو تجميد السجناء تدريجياً مع متابعة النبض والتنفس ودرجة الحرارة وضغط الدم وغير ذلك.
وكانت هناك تجارب أخرى من بينها تدفئة أشخاص مثلجين. وبناءً على تقرير راشر، أُجريت أكثر من أربعمائة تجربة على ثلاثمائة ضحية. وقد مات من هؤلاء زهاء تسعين شخصاً نتيجةً لمعالجتهم، وجُنَّ عددٌ ممن بقى. أما الآخرون، فقد قُتلوا لكيلا يتحولوا إلى شهود مزعجين فيما بعد. وقد توصل راشر إلى حقائق علمية جديدة تتحدى كثيراً من المقولات العلمية السائدة في عصره. وأُجريت بالطبع تجارب لا حصر لها على نزلاء أحياء في معسكرات الاعتقال، من بينها الحقن بالسم أو بالهواء أو البكتريا، معظمها مؤلم وكلها قاتلة، كما أُجريت تجارب زرع الغرغرينا في الجروح وترقيع العظام وتجارب التعقيم.
стр. 2158
وفي الإطار التجريبي نفسه كان يتم اختيار التوائم وإرسالهم إلى الطبيب النازي الشهير الدكتور منجل لإجراء تجارب علمية فريدة عليهم، لا يمكن للعلماء الآخرين القيام بها نظراً لعدم توفر العينات اللازمة. فكان يفصل التوأمين ويضعهما في غرفتين منفصلتين، ثم يعذب أحدهما أحياناً ليدرس أثر عملية التعذيب على الآخر، بل كان يقتل أحدهما لدراسة أثر هذه العملية على الآخر. وكما قال بريمو ليفي: إن ألمانيا النازية هي المكان الوحيد الذي كان بوسع العلماء أن يدرسوا فيه جثتى توأمين قُتلا في نفس اللحظة. ويُقال إن دراسات منجل على التوائم لا تزال أهم الدراسات في هذا المجال، ولا تزال الجامعات الألمانية والأمريكية تستفيد من النتائج التي توصل إليها الباحثون العلميون الألمان في ظروف فريدة لم تُتح لعلماء غيرهم من قبل من بعد. وقد أُثيرت مؤخراً قضية مدى أخلاقية الاستفادة من معلومات تم الحصول عليها في مثل هذه الظروف التجريبية الجهنمية، وبهذه الطريقة الموضوعية الشيطانية.
وقد أجرى بعض العلماء تجارب على أمخاخ الضحايا وقد اختار د. برجر، التابع لإدارة الإس. إس. عدداً من العينات البشرية (٧٩ يهودياً ـ بولنديان ـ ٤ آسيويين ـ ٣٠ يهودية) تم إرسالهم لمعسكر أوشفيتس ثم قتلهم بناء على طلب عالم التشريح الأستاذ الدكتور هيرت الذي أبدى رغبة علمية حقيقية في تكوين مجموعة كاملة وممثلة من الهياكل العظمية اليهودية (كما كان مهتماً بدراسة أثر الغازات الخانقة على الإنسان) . أما الدكتور برجر نفسه فكان مهتماً بالآسيويين وجماجمهم، وكان يحاول أن يكوِّن مجموعته الخاصة.
стр. 2159
ويبدو أن عملية جمع الجماجم هذه وتصنيفها لم تكن نتيجة تخطيط محكم، وإنما نتيجة عفوية للرؤية النفعية المادية المتجردة من القيمة. إذ ورد إلى علم البروفسور هاليروفوردن أنباء عن إبادة بعض العناصر البشرية «التي لا تستحق الحياة» ، فقال للموظف المسئول بشكل تلقائي: «إن كنتم ستقتلون كل هؤلاء، فلماذا لا تعطوننا أمخاخهم حتى يمكن استخدامها؟، فسأله: كم تريد؟ فأجاب: عدد لا يحصى، كلما زاد العدد كان أفضل. ويقول البروفسور المذكور إنه أعطاهم بعد ذلك الأحماض اللازمة والقوارير الخاصة بحفظ الأمخاخ. وكم كانت فرحة البروفسور حينما وجد أمخاخ معوقين عقليين (في غاية الجمال، على حد قوله) و «أمخاخ أطفال مصابة بأمراض الطفولة أو تشوهات خلقية» . وقد لاحظ أحد العاملين في مركز من مراكز البحوث أن عدد أمخاخ الأطفال المتوفرة لإجراء التجارب أخذت تتزايد بشكل ملحوظ، ونتيجةً لهذا تم الحصول على مواد مهمة تلقي الضوء على أمراض المخ.
ومن أطرف الأمثلة الموضوعية قضية البروفسير النازي كلاوس الذي اكتشف البعض أنه يعيش مع سكرتيرته اليهودية، وفي «دفاعه» عن نفسه قال إنه يواجه مشكلة في دراسته لليهود وهي أنه لا يمكنه أن يعيش بينهم ولذا كان عليه أن يحصل على «مُخْبر» أو «دليل» (بالإنجليزية: إنفورمانت informant) أو عينة مُمثِّلة يمكنه دراستها عن قرب، فهي بالنسبة له لم تكن سوى موضوع للدراسة فكان يراقبها «كيف تأكل وكيف تستجيب للناس وكيف تقوم بتركيب الجُمل بطريقة شرقية عربية» [كذا] .
стр. 2160
ويتضح حياد النازيين وحسهم العملي الفائق، بشكل آخر تماماً. فقد كانوا على استعداد لأن يطوِّعوا النظرية العرْقية ذاتها لمتطلبات الواقع. فاليابانيون (أعضاء الجنس الأصفر، حسب الرؤية النازية) أُعيد تصنيفهم «آريين شرقيين» ، بسبب عمق التحالف بين ألمانيا النازية واليابان ذات النزعة الإمبريالية، ولم يكن اليابانيون هم وحدهم الذين حظوا بهذا الشرف، فهناك «برامج الأرينة» للسلاف ممن كانوا يتسمون بنسبة ٨٠% من السمات الآرية. بل قد بدأت تظهر قرائن على أن آلاف الجنود الألمان كانوا يهوداً أو نصف يهود، رغم أن القانون الألماني في ظل الحكم النازي كان يمنع، اعتباراً من عام ١٩٣٥، أي شخص ينحدر عن أجداد يهود أن يشغل وظيفة ضابط في الجيش الألماني (الديلي تلجراف ديسمبر ١٩٩٦) . وكان مكتب الأفراد في الجيش الألماني (عام ١٩٤٤، أي قرب نهاية الحرب) على علم بوجود سبع وسبعين ضابطاً من ذوي الرُتب العالية من أصول مُختلَطة يهودية أو متزوجين من يهوديات. ومع هذا وقَّع هتلر شهادات تبيِّن أنهم من «ذوي الدم الألماني» ، أي ينتمون للعرْق الألماني. ومن بين هؤلاء الفيلد مارشال أبرهارد ميلخ، الذي كان نصف يهودي (حسب التعريف النازي) ومع هذا كان يشغل منصب نائب هرمان جورنج، قائد السلاح الجوي الألماني، والخلف المختار لهتلر. وقد غض جورنج الطرف عن هذه الحقيقة، بل زوَّر المعلومات المتعلقة بوالد نائبه. وتبيِّن الوثائق التي تم كشف النقاب عنها مؤخراً أن القيادة النازية منحت وسام الصليب الفارس، أعلى وسام عسكري ألماني، إلى عسكريين سبق أن طُردوا من الخدمة بسبب انحدارهم من أصل يهودي ثم أُعيدوا إليها.
стр. 2161
وتتضح المفارقة في تلك الزيارة التي قام بها أحد كبار الضباط الألمان لوالده الذي كان قد نُقل إلى أحد معسكرات الاعتقال والسخرة. وقد حرص الضابط على أن يرتدي النياشين والأوسمة التي مُنحت له بسبب مشاركته في الحملات العسكرية التي شنها النظام النازي، هذا النظام الذي كان يقوم بإبادة أعضاء كثير من الأقليات الإثنية والدينية، ومن بينهم أعضاء الجماعات اليهودية.
إن المفارقة هنا تدل على حس عملي عميق مستعد لتجاوز كل الأفكار المسبقة للتعامل بكفاءة مادية بالغة مع الواقع العملي وتجاوز الميتافيزيقا والمطلقات والكليات. وحينما وجد النازيون فرصة للاستفادة من أعضاء الجماعات اليهودية، هذه المادة البشرية الاستعمالية النافعة، لم يترددوا في تعديل عقائدهم الدينية العرْقية نفسها.
١١ ـ ولكن إلى جوار المادة البشرية الاستعمالية النافعة التي تُجرى عليها التجارب وتُدرس بعناية وموضوعية وحياد، كانت هناك المادة التي لا يُرجى منها نفع أو الضارة من منظور النازيين، وكان أمثال هؤلاء يُبادون ببساطة شديدة من خلال عمليات التصفية الجسدية السريعة، التي تقوم بها جماعات خاصة أو فرق متنقلة تقف وراء خطوط الجيوش الألمانية (بالألمانية: آينساتس جروبين Einsatzgruppen) . وكانت طريقة الإبادة هذه سريعة وغير مكلفة إذ كانت تُقام مقابر جماعية يُلقى فيها بالضحايا بعد أن يحفروها بأنفسهم. كما كانت الإبادة تتم أحياناً بواسطة سيارات مجهزة بحجرة غاز يتم التخلص فيها من الضحايا دون حاجة إلى نقلهم إلى معسكرات الإبادة. وقد تم التخلص بهذه الطريقة من جرحى الحرب الألمان ممن لا يُرجى لهم شفاء أو ستتكلف عملية تمريضهم الكثير، كما تمت إبادة أعداد كبيرة من أعضاء النخبة الثقافية البولندية، والفائض السكاني الروسي.
стр. 2162
١٢ ـ وحتى بعد قرار الإبادة) بمعنى التصفية الجسدية) ، كان ديدن النازيين دائماً هو الحوسلة الكاملة وتعظيم الفائدة والحرص الكامل على ممتلكات الدولة وخدمة مصالحها، ولذا كان يتم تجريد الضحايا من أية مواد نافعة (حتى من الحشوات الذهبية التي في أسنانهم) ، ولا شك في أن هذا ساهم في تحسين ميزان المدفوعات الألماني. وقد أشرنا من قبل إلى استخدام الأمخاخ البشرية ولكن يبدو أن عملية التوظيف كانت أعمق من ذلك بكثير فقد كانت البقايا البشرية (مثل الشعر) تُستخدَم في حشو المراتب، ويُقال إنها كانت مريحة للغاية وزهيدة الأسعار. ولم يكن الرماد البشري يُستخدَم كشكل من أشكال السماد وحسب، وإنما كمادة عازلة أيضاً. وكانت العظام البشرية تُطحن وتُستخدَم في أغراض صناعية مفيدة مختلفة. بل يُقال إن بعض الأنواع الفاخرة من الصابون صُنعت من الشحومات البشرية. (ومع هذا، صدرت مؤخراً دراسات تشكك في هذا) .
كانت الجدوى الاقتصادية لمعسكرات الإبادة إذن عالية للغاية، كما كان التحكم كاملاً، أي أنها عملية رشيدة بالمعنى الفيبري، إذ يرى ماكس فيبر أن رشد الحضارة الغربية الحديثة ينصرف إلى الإجراءات وحسب، ولا ينطبق على الأهداف فهو ترشيد مادي إجرائي أداتي، منفصل عن القيم والعاطفة، وأنه لهذا السبب سينتهي بالإنسان إلى «القفص الحديدي» حيث يوجد فنيون بلا قلب؛ حسّيون غير قادرين على الرؤية، وهذا لا يختلف كثيراً عن معسكرات الاعتقال والإبادة. وقد أشار أحد العلماء الذين درسوا الظاهرة النازية إلى أن العلماء النازيين تبنوا ما سموه موقفاً موضوعياً متجرداً من الأحكام القيمية، ولكن هذا الموقف العلمي ذاته جعل كل شيء ممكناً. فقتل المصابين بالأمراض العقلية، إن كان لازماً للبحث العلمي الموضوعي، يصبح أمراً مقبولاً وربما مرغوباً فيه.
стр. 2163
وتتبلور هذه النقطة في قضية المسئولية الخُلقية للتنفيذيين النازيين، فهناك من ينطلق من المنظور الترشيدي المادي الإجرائي المنفصل عن القيمة ويذهب إلى أن المواطن النازي الذي اشترك في عمليات الإبادة لم يكن سوى بيروقراطي، موظف تنفيذي ("عبد المأمور"، كما نقول بالعامية المصرية) ، يؤدي عمله بكفاءة عالية، ويُنفذ ما يصدر إليه من أوامر تأتيه من علٍ، ولا يتساءل عن مضمونها الأخلاقي ويُنفذها حتى لو تنافت مع القيم الأخلاقية والإنسانية المطلقة. فهذا الموظف لا يدين بالولاء الكامل إلا للدولة والوطن ولا يعيش في ازدواجية الدين والدولة أو الأخلاق والدولة، فالمطلق الوحيد الذي يؤمن به، شأنه في هذا شأن أي إنسان علماني شامل، هو الدولة والوطن، ولذا فعليه أن يذعن لما يصدر له من أوامر تأتيه من هذه الدولة التي تخدم صالح الوطن. وهذا ينطبق على الأوامر النازية الخاصة بالإبادة!
ولكن هناك آخرون، ممن يؤمنون بالمطلقات الأخلاقية والإنسانية، يذهبون إلى أن الإنسان الفرد كائن حر مسئول، ولذا فعليه أن يتحمل المسئولية الأخلاقية الكاملة لما يأتيه من أفعال، ومن ثم عليه أن يقف ضد عمليات إبادة الضعفاء (من المسنين والمعوقين وأعضاء الأقليات) ، حتى لو كانت عملية الإبادة تخدم «الصالح العام» أي صالح الدولة والوطن! أي أن الإنسان الفرد يدين بالولاء لمجموعة من القيم الأخلاقية والإنسانية المطلقة تتجاوز ولاءه للدولة والوطن وكفاءة الأداء في الوظيفة.
стр. 2164
وهذه إشكالية فلسفية وأخلاقية وإنسانية عميقة تواجهها المنظومة العلمانية الشاملة، فهي منظومة فلسفية تنكر الميتافيزيقا والثنائيات والمطلقات وتؤكد نسبية المعرفة وكل القيم الأخلاقية، وهو ما يعني، بطبيعة الحال، غياب المرجعية المتجاوزة (التي تتجاوز الأفراد) وظهور المرجعية المادية الكامنة، حين يحدد كل إنسان قيمه بنفسه دون العودة إلى أية مطلقات أو ثوابت إنسانية (كما يدعو فكر ما بعد الحداثة) . وإذا كان الألمان، انطلاقاً من المرجعية المادية الكامنة فيهم، قد حدَّدوا قيمهم الأخلاقية على أسس نفعية مادية داروينية، وسلكوا على هذا الأساس، فكيف يمكن لنا أن نتجاوز ذاتيتهم الكامنة فيهم؟ وكيف يمكن لنا أن نهيب بقيم أخلاقية وإنسانية، عامة مطلقة، تقع خارج نطاق مُثُلهم الذاتية؟ كيف يمكن أن نفعل ذلك إن كنا نحن أنفسنا نؤمن بالنسبية المطلقة؟ كيف يمكن اختراق المطلق الذاتي؟ كيف يمكن أن نبيِّن للشعب المختار، صاحب الحقوق المطلقة، المسلح بالمدافع الرشاشة والقنابل النووية، أن ثمة إنسانية عامة وثمة قيم أخلاقية عامة، إن كنا نحن أنفسنا نسبيين، علمانيين شاملين حركيين نرفض الثبات ولا نرى إلا حركة المادة وقوانينها الصماء؟ يقول البعض ممن يحاول اتخاذ موقف أخلاقي دون الإهابة بأية مرجعية متجاوزة، إن الإنسان بوسعه أن يأخذ موقفاً ذاتياً وجودياً، ويرفض إبادة الآخر بإصرار وعناد، أي أن الإنسان بوسعه أن يتبنى موقفاً أخلاقياً دون السقوط في الميتافيزيقا ودون الإهابة بأية مرجعية متجاوزة أو كليات مجردة. ولكن هل يمكن محاكمة الآخر من هذا المنظور إن كان لا يؤمن به؟ ألا يعني هذا أنني أفرض ذاتيتي الأخلاقية الوجودية على ذاتيته الداروينية النفعية المادية؟
стр. 2165
هذه هي الإشكالية التي نبهنا لها ماكس فيبر وغيره من علماء الاجتماع والمفكرين الغربيين حينما بدأوا في إطلاق التحذيرات، منذ أواخر القرن التاسع عشر، من العلم المنفصل عن القيمة، وهي إشكالية تثيرها، وبحدة، الإبادة النازية لليهود والأطفال والمعوقين والعجزة والغجر، وكل من لا فائدة له، من المنظور النازي. والحوار الدائر في الغرب بشأن الإبادة يُركِّز على تفاصيل مثل عدد الضحايا وهل هم يهود فقط أو غيرهم (مما أسميه «لعبة الأرقام» ) ويهمل قضية إنسانية جوهرية مثل هذه تتجاوز حدود الإبادة النازية لتصل إلى مستوى المجتمع الحديث بأسره، ومستقبل الإنسان على هذه الأرض.
стр. 2166
وقد أثيرت مؤخراً قضية وثيقة الصلة تماماً بقضية انفصال العلم عن القيمة ألا وهي قضية انفصال الإجراءات الديموقراطية عن القيمة. فالديموقراطية هي في واقع الأمر اتفاق على مجموعة من الإجراءات تمكن من خلالها معرفة رأي الأغلبية، وجوهر هذه الإجراءات كمي، أي حساب عدد الأصوات المؤيدة والمعارضة، فإن زادت الأصوات المؤيدة عن الأصوات المعارضة ولو صوتاً واحداً تم تمرير مشروع القانون، وإن نقصت ولو صوتاً واحداً رُفض المشروع. فالاتفاق هنا اتفاق بشأن الإجراءات وحسب (وقوانين اللعبة، كما تُسمَّى) ، وليس متصلاً بمضمونها أو اتجاهها، فهذه أمور تحددها العملية الديموقراطية نفسها، دون الالتزام بأية قيم أو مرجعيات مسبقة، أي أن الديموقراطية تدور في إطار النسبية الكاملة ولا تتقيد بأية قيم أخلاقية مطلقة. ومن ثم سُمِّيت الأخلاق الحاكمة للديموقراطية بأنها «أخلاقيات الإجراءات والصيرورة» (بالإنجليزية: إثيكس أوف بروسيس ethics of process) . فالديموقراطية، شأنها شأن الترشيد الإجرائي، معقمة من الميتافيزيقا والكليات والمطلقات والثوابت. فكما أن العلم انفصل عن الغائيات والقيم الإنسانية وأصبح مرجعية نفسه، انفصلت الإجراءات الديموقراطية عن الغائيات والقيم الإنسانية وأصبحت مرجعية ذاتها، ولا يمكن محاكمتها من خلال مرجعية متجاوزة لها.
стр. 2167
والقضية التي تثيرها النازية هي أن هتلر وصل إلى الحكم من خلال إجراءات ديموقراطية سليمة، تماماً كما أن المشروع الإمبريالي الغربي قامت به حكومات تم انتخابها بطرق ديموقراطية سليمة. ومن المعروف أن عمليات السخرة والإبادة التي قام بها النظام النازي كانت تحظى بموافقة الأغلبية الساحقة للشعب الألماني. وهذا لا يختلف كثيراً عما حدث في الولايات المتحدة حينما قامت الحكومة الأمريكية بوضع ألوف المواطنين الأمريكيين من أصل ياباني في معسكرات اعتقال إبَّان الحرب العالمية الثانية كإجراء أمني، وقد حظى القرار العنصري الإرهابي بموافقة الأغلبية. وتصبح القضية أكثر خطورة حينما تظهر بين جماهير الشعب نزعات عسكرية وإمبريالية تتجاوز طموحات النخبة الحاكمة، الأمر الذي يضطرها إلى القيام بعمليات عسكرية عدوانية لتحظى برضى الجماهير. ويُلاحَظ أثناء حملات الرئاسة الأمريكية أن حكومة الولايات المتحدة تأخذ مواقف عسكرية متشددة قد لا تضطر لاتخاذها بعد الانتخاب. وتظهر المشكلة بشكل أكثر حدة حينما يرى أحد الشعوب أن قطاع الاتجار في المخدرات هو عصب اقتصادها الوطني، وتُنتخب حكومة تدافع عن مثل هذه السياسة. ومؤخراً رشحت إحدى نجمات أفلام الإباحية نفسها في انتخابات البرلمان الإيطالي، وكانت حملتها الانتخابية تتلخص في خلعها لملابسها لإقناع وإغواء الناخبين (وقد نجحت في حملتها وتم انتخابها بالفعل بتفوق) . وفي الجيوب الاستيطانية، مثل إسرائيل وجنوب أفريقيا، عادةً ما تحكمها حكومات تم انتخابها بطريقة ديموقراطية لا شبهة فيها، وهذه الجيوب تستند إلى فعل سرقة تاريخي تقبل به أغلبية المستوطنين الساحقة، وتصوت (بل تقاتل) من أجل استمراره. ففعل الاغتصاب الإرهابي يحظى بدعم سياسي وقبول ديموقراطي.
стр. 2168
والسؤال الآن هو: هل علينا أن نقبل بمثل هذه القرارات (ابتداءً من الإبادة النازية وانتهاءً بقبول المخدرات والإباحية واغتصاب الأوطان) باعتبار أنها تعبير عن إرادة الشعب وصوت الجماهير طالما أنها اتبعت الإجراءات الديموقراطية السليمة، أم ينبغي علينا أن نرفض مثل هذه القرارات الديموقراطية، استناداً إلى مرجعية أخلاقية متجاوزة للإجراءات الديموقراطية؟ ولكن هل يحق لنا أن نسأل أي سؤال يقع خارج نطاق أخلاقيات الإجراءات والصيرورة؟ ألا يُشكِّل هذا سقوطاً في الميتافيزيقا والماهوية والمطلقية؟
توظيف الإبادة
Instrumentalization of the Holocaust
стр. 2169
تتسم المجتمعات الغربية الحديثة بمقدرتها الفائقة على حوسلة كل شيء، دون أي اعتبار لقداسة أو محرمات، ويحدث الشيء نفسه بالنسبة للإبادة. وتبدأ عملية توظيف الإبادة ـ على يد الصهاينة ـ بمحاولتهم فرض معنى صهيوني ضيق علىها باعتبارها جريمة العصر التي ارتكبها الألمان والأغيار ضد اليهود فحسب. ثم تُعطي واقعة الإبادة مكانة محورية في تاريخ أوربا وتاريخ العالم. ولذا صدرت عشرات الأفلام والدراسات والأعمال الفنية لحفر الإبادة في الذاكرة باعتبارها واقعة حدثت لليهود وحدهم، لا باعتبارها جريمة ارتكبتها الحضارة الغربية ضد قطاعات كبيرة من سكانها. وقد دخلت دراسة الهولوكوست عشرات الجامعات والكليات الأمريكية، وأُقيمت نصب تذكارية للإبادة بالعبرية والإنجليزية في واشنطن ونيويورك ولوس أنجلوس وغيرها. وأنشأت الحكومة الأمريكية المجلس الأمريكي للتذكير بالإبادة، وتم إنشاء متحف تُخلَّد فيه ذكرى الإبادة النازية في واشنطن بجوار المتاحف القومية الأمريكية. وباسم الإبادة، حاولت المؤسسة الصهيونية التدخل (دون نجاح كبير) في انتخابات الرئاسة في النمسا عام ١٩٨٦، واعترضت بشدة (دون نجاح مرة أخرى) على زيارة الرئيس الأمريكي ريجان لمقبرة بتبرج الألمانية التذكارية لمجرد أن بعض المدفونين فيها من رجال قوات الصاعقة النازية.
ومن أهم أشكال توظيف الإبادة لصالح الصهيونية هو استخدامها كسحابة كثيفة لتبرير الفظائع التي ارتكبتها وترتكبها الدولة الصهوينة ضد الفلسطينيين. كما تُوظَّف الإبادة في جمع التعويضات التي تمول الكيان الاستيطاني الصهيوني (بلغ حجم التعويضات الألمانية وحدها ٧٠ بليوناً من الدولارات في ٣٥ عاماً) . ومن المعروف أن هذه التعويضات التي تلقتها الدولة الصهيونية انعشت الاقتصاد الإسرائيلي، ومكنت الدولة الصهيونية من شراء مزيد من الأسلحة والمستوطنات والقنابل العنقودية!
стр. 2170
والتعويضات تعني، في واقع الأمر، حصول إسرائيل (وبعض أعضاء الجماعات اليهودية) على مقابل مالي تعويضاً عن الآلام التي لحقت بهم. وهذا يخفف من البُعد الأخلاقي للقضية، إن لم يكن يلغيه. ففي موقف مماثل رفضت الصين أن تتقاضى تعويضات مالية من اليابان على جرائمها ضد الصينيين باعتبار أن قبول التعويضات فيه تنازل عن الحق الأدبي، وفيه تخلٍّ عن المنظور الأخلاقي (المطلق) حيث تتحول القضية إلى ما يشبه المقايضة.
ومن الواضح أن عملية توظيف الإبادة تتم من منظور نفعي مادي انتقائي محض، لا علاقة له بالقيم الأخلاقية. وفي هذا الإطار يثير بعض الدارسين قضية علاقة الدولة الصهيونية مع بعض الشخصيات والدول التي كانت لها علاقة بالنظام النازي. إذ لا تُمانع إسرائيل البتة في توثيق علاقتها مع بعض حكومات دول أمريكا اللاتينية التي تأوي مجرمي الحرب النازيين (الذين تزعم إسرائيل أنها تطاردهم في كل زمان ومكان!) مادام هذا يخدم مصلحتها. وقد تعاونت إسرائيل مع حكومة جنوب أفريقيا العنصرية التي كانت معروفة بتعاطفها الكامل مع النظام النازي. وقامت باستضافة رئيس وزراء جنوب أفريقيا السابق، بلثازا فورستر، وهو جنرال سابق في الحركة الوطنية في جنوب أفريقيا الموالية للنازيين والتي كانت تقاوم المجهود الحربي للحلفاء، وقد اعتُقل لمدة عشرين شهراً بسبب اشتراكه في المقاومة. ورغم مرور عشرات السنين إلا أنه لم يُنكر موقفه الموالي للنازية. وقد سمحت له الحكومة الصهيونية بوضع إكليل من الزهور على ياد فاشيم (النصب التذكاري) المقام لضحايا الإبادة النازية لليهود، الأمر الذي دفع جريدة الجيروساليم بوست (الصهيونية) إلى الاحتجاج وإلى الإشارة إلى الحقيقة البدهية التي أغفلتها إسرائيل وهي أن اليهود ينبغي عليهم ألا يرتبطوا بأحد المؤيدين السابقين للنازية.
стр. 2171
وفي مجال توظيف الإبادة يلجأ الصهاينة أحياناً لاختلاق القصص أو تزييف الحقائق كما حدث في حادثة آن فرانك (١٩٢٩ ـ ١٩٤٥) ، وهي فتاة ألمانية هاجرت إلى هولندا مع أسرتها بعد وصول هتلر إلى السلطة في عام ١٩٣٣. وحينما قرر النازيون إرسال أختها إلى معسكرات العمل، اضطرت هي وأسرتها إلى الاختباء، فعاشوا في مخبئهم ما يزيد على عام، ثم أُلقي القبض عليهم ورُحِّلوا إلى معسكرات الاعتقال حيث لقيت آن وأختها حتفهما بسبب المرض.
ويُقال إن آن فرانك كتبت، أثناء فترة اختبائها، مذكراتها التي نُشرت بعد الحرب وتُرجمت إلى الإنجليزية. وهناك الكثير من الشكوك التي تحيط بهذه المذكرات إذ يُقال إنها لم تكتبها بنفسها بل كتبها أبوها (أو بعض من حوله) بعد موتها بطريقة مثيرة ليحقق من ورائها ربحاً مالياً. ولهذا فهي لا تُعتبَر وثيقة تاريخية يُعتد بها. ومع أنها ليست ذات قيمة أدبية كبيرة، إلا أنها أصبحت مصدراً لعدة أفلام ومسرحيات. كما غدت آن فرانك إحدى الأساطير التي تُستخدَم لتحويل الإبادة النازية من جريمة غربية ضد قطاعات بشرية عديدة داخل التشكيل الحضاري الغربي (تضم السلاف والغجر والجماعات اليهودية) إلى جريمة ألمانية ضد اليهود وحسب. وأصبح المنزل الذي اختبأت فيه أسرة فرانك متحفاً.
стр. 2172
وتحاول الدعاية الصهيونية توظيف واقعة الإبادة في تعبئة أعضاء الجماعات اليهودية (باعتبارهم الضحية الوحيدة) وراء الأهداف الصهيونية. ولتحقيق هذا يحاول الصهاينة أن يجعلوا من الإبادة حجر الزاوية الذي تستند إليه الوحدة بين يهود العالم في إسرائيل وخارجها. فالإبادة، بعد فرض المعنى الصهيوني عليها، تنهض دليلاً على رفض العالم لليهود، وعلى أن الأغيار يتربصون دائماً بالضحية اليهود الذين يُقدَّمون قرباناً على المحرقة. وهذا تأكيد للمقولة الصهيونية الخاصة بأزلية معاداة الأغيار لليهود وحتميتها، ومن ثم يتعيَّن على يهود العالم الهجرة إلى الوطن القومي. (ولكن يهود العالم، مع هذا، يتصرفون على أساس أن الإبادة أمر مستحيل الوقوع مرة أخرى، ومن الصعب أن يخطط المرء على أساس حادثة استثنائية وفريدة) .
стр. 2173
ويحاول الصهاينة تقديم قراءة كاملة لما يسمونه «التاريخ اليهودي» بحيث تصبح الإبادة أهم معلم فيه، فيُقال «قبل الإبادة» و «بعد الإبادة» ، تماماً مثل «قبل هدم الهيكل» و «بعد هدم الهيكل» . ويُشار للإبادة بأنها «حُربان» وهي كلمة عبرية تستخدم للإشارة إلى «هدم الهيكل» . والإبادة هي إذن هدم الهيكل للمرة الثالثة، الأمر الذي يدخلها دورة التاريخ اليهودي المقدَّس. بل يذهب بعض المفكرين الدينيين اليهود إلى أن الإبادة غيَّرت من النسق الديني اليهودي ذاته. ولذا، فإن من الضروري، حسب رأيهم، الحديث عن «لاهوت ما بعد أوشفيتس» ، أو «لاهوت الإبادة» الذي يرى حادثة الإبادة باعتبارها حادثة مطلقة لا يمكن فهمها، وهي أكثر الحوادث أهمية وقداسة، ويصبح الشعب اليهودي هو المسيح المصلوب. وينادي هؤلاء المفكرون بحتمية أن تصبح الإبادة هي المرجعية الأساسية لليهود، ومن ثم ضرورة مناقشة مدى عدالة الرب، وهل هو رب خيِّر أم شرير، وهل يتدخل في التاريخ بمنحه الغرض والغاية أم يترك التاريخ في حالة فوضى كاملة؟ كما أن البقاء (بقاء الشعب اليهودي) يصبح هو المطلق الوحيد الذي يَجُبُّ سائر الاعتبارات الأخلاقية الأخرى ويصبح النقطة المرجعية النهائية الوحيدة. ويساعد التركيب الجيولوجي لليهودية على السماح بإفراز مثل هذه الأفكار وإعطائها قسطاً من الشرعية. (ومما يجدر ذكره أن الجماعات الأصولية ذات التوجه الصهيوني المسيحي الواضح ترى أن الإبادة هي بالفعل دليل على أن الرب قد هجر اليهود بسبب الذنوب التي اقترفوها) .
стр. 2174
ويذهب بعض المفكرين الدينيين اليهود (الأرثوذكس) إلى أن الإبادة ذات مغزى ديني عميق، فيرى بعضهم أن إبادة اليهود هي هدم الهيكل الثالث وأن هتلر هو أداة الخالق في حرق اليهود، كما يذهبون إلى أنهم بمثابة الماشيَّح المذبوح الذي سيُولَد العالم من جديد بعد ذبحه. (ولكن هناك رأي مغاير لهذا، إذ يذهب بعض الحاخامات [مثل مناحم هارتوم وإليعازر شاخ، الأب الروحي لحزبي شاس وديجيل هاتورا] إلى أن الإبادة لها حقاً مغزى ديني ولكنها عقاب على خطيئة اليهود لابتعادهم عن تنفيذ الأوامر والنواهي، وسوف يقوم الإله بتدميرهم مرة أخرى إن لم يندموا ويعودوا عن طريق المعصية) .
وقد جعلت المؤسسة العسكرية الخوف من الإبادة أحد أسس الإستراتيجية الصهيونية، فقد أشار كل من أبا إيبان ورابين إلى حدود إسرائيل قبل عام ١٩٦٧ بأنها «حدود أوشفيتس» . وهناك قدر كبير من الادعاء في هذه التشبيهات وصل إلى قمته حينما قال مناحيم بيجين إن ياسر عرفات حينما كان مُحاصَراً في بيروت يشبه هتلر في مخبئه، فالقائد الفلسطيني المحاصر والذي اغتُصبت أرض شعبه يشبه القائد النازي المُحاصَر الذي جيَّش جيوشه وأرسلها إلى الشعوب المجاورة ليستولي على أراضيها ويستعبدهم أو يبيد أعداداً منهم. وفي هذا تزييف كامل للحقائق، ولكن هذه هي عقلية العنصري الفاشي الذي يرى أنه عضو في الشعب المختار، ولذا فهو دائماً مضطهد، حتى حينما يقوم بتدمير الآخرين.
стр. 2175
وقد نجح الصهاينة في ترسيخ واقعة الإبادة النازية ليهود أوربا في وجدان الأغلبية العظمى من الإسرائيليين. فالصحف لا تكف عن الكتابة عنها. وهناك يوم محدَّد لإحياء ذكرى الإبادة يُسمَّى «يوم الذكرى (يوم هازكرون) » ويقع في يوم ٤ ايار، أي قبل عيد الاستقلال والذي يقع في يوم ٥ آيار (وهو اليوم الذي يحتفل فيه المستوطنون بإنشاء الدولة الصهيونية على أرض فلسطين بعد طرد سكانها منها) . ويبدأ اليوم بإطلاق صفارة إنذار في كل أنحاء الدولة في مغرب اليوم السابق فتُنكس الأعلام، وتُغلَق دور اللهو بأمر القانون، وتُقام الصلوات في المعابد اليهودية وتُوقد الشموع فيها، كما تُعلن صفارات الإنذار في الصباح عن دقيقتين حداداً يتوقف فيهما النشاط تماماً في الدولة الصهيونية بكاملها. ثم تُطلَق صفارة إنذار أخرى للإعلان عن انتهاء اليوم وبداية عيد الاستقلال. وقد لاحَظ الفيلسوف الديني الإسرائيلي اليهودي يشياهو لابيوفيتش أن الاحتفال بيوم الذكرى يزداد حدة عاماً بعد عام لأن قائمة أسماء الضحايا تزداد يوماً بعد يوم. بل تؤكد بعض الأبحاث الإسرائيلية أن شبح الكارثة لا يزال منعكساً وجاثماً على عقل الإسرائيليين من الجيل الثاني. ويرى واحد وستون بالمائة من الإسرائيليين أن الكارثة كانت عنصراً أساسياً من عناصر قيام الدولة الإسرائيلية والمسوغ الأساسي له. ويعتقد اثنان وستون بالمائة أن قيام الدولة الإسرائيلية يمنع حدوث كارثة مماثلة في المستقبل.
следующие страницы →