Полный текст (8 511 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.
стр. 2171
وفي مجال توظيف الإبادة يلجأ الصهاينة أحياناً لاختلاق القصص أو تزييف الحقائق كما حدث في حادثة آن فرانك (١٩٢٩ ـ ١٩٤٥) ، وهي فتاة ألمانية هاجرت إلى هولندا مع أسرتها بعد وصول هتلر إلى السلطة في عام ١٩٣٣. وحينما قرر النازيون إرسال أختها إلى معسكرات العمل، اضطرت هي وأسرتها إلى الاختباء، فعاشوا في مخبئهم ما يزيد على عام، ثم أُلقي القبض عليهم ورُحِّلوا إلى معسكرات الاعتقال حيث لقيت آن وأختها حتفهما بسبب المرض.
ويُقال إن آن فرانك كتبت، أثناء فترة اختبائها، مذكراتها التي نُشرت بعد الحرب وتُرجمت إلى الإنجليزية. وهناك الكثير من الشكوك التي تحيط بهذه المذكرات إذ يُقال إنها لم تكتبها بنفسها بل كتبها أبوها (أو بعض من حوله) بعد موتها بطريقة مثيرة ليحقق من ورائها ربحاً مالياً. ولهذا فهي لا تُعتبَر وثيقة تاريخية يُعتد بها. ومع أنها ليست ذات قيمة أدبية كبيرة، إلا أنها أصبحت مصدراً لعدة أفلام ومسرحيات. كما غدت آن فرانك إحدى الأساطير التي تُستخدَم لتحويل الإبادة النازية من جريمة غربية ضد قطاعات بشرية عديدة داخل التشكيل الحضاري الغربي (تضم السلاف والغجر والجماعات اليهودية) إلى جريمة ألمانية ضد اليهود وحسب. وأصبح المنزل الذي اختبأت فيه أسرة فرانك متحفاً.
стр. 2172
وتحاول الدعاية الصهيونية توظيف واقعة الإبادة في تعبئة أعضاء الجماعات اليهودية (باعتبارهم الضحية الوحيدة) وراء الأهداف الصهيونية. ولتحقيق هذا يحاول الصهاينة أن يجعلوا من الإبادة حجر الزاوية الذي تستند إليه الوحدة بين يهود العالم في إسرائيل وخارجها. فالإبادة، بعد فرض المعنى الصهيوني عليها، تنهض دليلاً على رفض العالم لليهود، وعلى أن الأغيار يتربصون دائماً بالضحية اليهود الذين يُقدَّمون قرباناً على المحرقة. وهذا تأكيد للمقولة الصهيونية الخاصة بأزلية معاداة الأغيار لليهود وحتميتها، ومن ثم يتعيَّن على يهود العالم الهجرة إلى الوطن القومي. (ولكن يهود العالم، مع هذا، يتصرفون على أساس أن الإبادة أمر مستحيل الوقوع مرة أخرى، ومن الصعب أن يخطط المرء على أساس حادثة استثنائية وفريدة) .
стр. 2173
ويحاول الصهاينة تقديم قراءة كاملة لما يسمونه «التاريخ اليهودي» بحيث تصبح الإبادة أهم معلم فيه، فيُقال «قبل الإبادة» و «بعد الإبادة» ، تماماً مثل «قبل هدم الهيكل» و «بعد هدم الهيكل» . ويُشار للإبادة بأنها «حُربان» وهي كلمة عبرية تستخدم للإشارة إلى «هدم الهيكل» . والإبادة هي إذن هدم الهيكل للمرة الثالثة، الأمر الذي يدخلها دورة التاريخ اليهودي المقدَّس. بل يذهب بعض المفكرين الدينيين اليهود إلى أن الإبادة غيَّرت من النسق الديني اليهودي ذاته. ولذا، فإن من الضروري، حسب رأيهم، الحديث عن «لاهوت ما بعد أوشفيتس» ، أو «لاهوت الإبادة» الذي يرى حادثة الإبادة باعتبارها حادثة مطلقة لا يمكن فهمها، وهي أكثر الحوادث أهمية وقداسة، ويصبح الشعب اليهودي هو المسيح المصلوب. وينادي هؤلاء المفكرون بحتمية أن تصبح الإبادة هي المرجعية الأساسية لليهود، ومن ثم ضرورة مناقشة مدى عدالة الرب، وهل هو رب خيِّر أم شرير، وهل يتدخل في التاريخ بمنحه الغرض والغاية أم يترك التاريخ في حالة فوضى كاملة؟ كما أن البقاء (بقاء الشعب اليهودي) يصبح هو المطلق الوحيد الذي يَجُبُّ سائر الاعتبارات الأخلاقية الأخرى ويصبح النقطة المرجعية النهائية الوحيدة. ويساعد التركيب الجيولوجي لليهودية على السماح بإفراز مثل هذه الأفكار وإعطائها قسطاً من الشرعية. (ومما يجدر ذكره أن الجماعات الأصولية ذات التوجه الصهيوني المسيحي الواضح ترى أن الإبادة هي بالفعل دليل على أن الرب قد هجر اليهود بسبب الذنوب التي اقترفوها) .
стр. 2174
ويذهب بعض المفكرين الدينيين اليهود (الأرثوذكس) إلى أن الإبادة ذات مغزى ديني عميق، فيرى بعضهم أن إبادة اليهود هي هدم الهيكل الثالث وأن هتلر هو أداة الخالق في حرق اليهود، كما يذهبون إلى أنهم بمثابة الماشيَّح المذبوح الذي سيُولَد العالم من جديد بعد ذبحه. (ولكن هناك رأي مغاير لهذا، إذ يذهب بعض الحاخامات [مثل مناحم هارتوم وإليعازر شاخ، الأب الروحي لحزبي شاس وديجيل هاتورا] إلى أن الإبادة لها حقاً مغزى ديني ولكنها عقاب على خطيئة اليهود لابتعادهم عن تنفيذ الأوامر والنواهي، وسوف يقوم الإله بتدميرهم مرة أخرى إن لم يندموا ويعودوا عن طريق المعصية) .
وقد جعلت المؤسسة العسكرية الخوف من الإبادة أحد أسس الإستراتيجية الصهيونية، فقد أشار كل من أبا إيبان ورابين إلى حدود إسرائيل قبل عام ١٩٦٧ بأنها «حدود أوشفيتس» . وهناك قدر كبير من الادعاء في هذه التشبيهات وصل إلى قمته حينما قال مناحيم بيجين إن ياسر عرفات حينما كان مُحاصَراً في بيروت يشبه هتلر في مخبئه، فالقائد الفلسطيني المحاصر والذي اغتُصبت أرض شعبه يشبه القائد النازي المُحاصَر الذي جيَّش جيوشه وأرسلها إلى الشعوب المجاورة ليستولي على أراضيها ويستعبدهم أو يبيد أعداداً منهم. وفي هذا تزييف كامل للحقائق، ولكن هذه هي عقلية العنصري الفاشي الذي يرى أنه عضو في الشعب المختار، ولذا فهو دائماً مضطهد، حتى حينما يقوم بتدمير الآخرين.
стр. 2175
وقد نجح الصهاينة في ترسيخ واقعة الإبادة النازية ليهود أوربا في وجدان الأغلبية العظمى من الإسرائيليين. فالصحف لا تكف عن الكتابة عنها. وهناك يوم محدَّد لإحياء ذكرى الإبادة يُسمَّى «يوم الذكرى (يوم هازكرون) » ويقع في يوم ٤ ايار، أي قبل عيد الاستقلال والذي يقع في يوم ٥ آيار (وهو اليوم الذي يحتفل فيه المستوطنون بإنشاء الدولة الصهيونية على أرض فلسطين بعد طرد سكانها منها) . ويبدأ اليوم بإطلاق صفارة إنذار في كل أنحاء الدولة في مغرب اليوم السابق فتُنكس الأعلام، وتُغلَق دور اللهو بأمر القانون، وتُقام الصلوات في المعابد اليهودية وتُوقد الشموع فيها، كما تُعلن صفارات الإنذار في الصباح عن دقيقتين حداداً يتوقف فيهما النشاط تماماً في الدولة الصهيونية بكاملها. ثم تُطلَق صفارة إنذار أخرى للإعلان عن انتهاء اليوم وبداية عيد الاستقلال. وقد لاحَظ الفيلسوف الديني الإسرائيلي اليهودي يشياهو لابيوفيتش أن الاحتفال بيوم الذكرى يزداد حدة عاماً بعد عام لأن قائمة أسماء الضحايا تزداد يوماً بعد يوم. بل تؤكد بعض الأبحاث الإسرائيلية أن شبح الكارثة لا يزال منعكساً وجاثماً على عقل الإسرائيليين من الجيل الثاني. ويرى واحد وستون بالمائة من الإسرائيليين أن الكارثة كانت عنصراً أساسياً من عناصر قيام الدولة الإسرائيلية والمسوغ الأساسي له. ويعتقد اثنان وستون بالمائة أن قيام الدولة الإسرائيلية يمنع حدوث كارثة مماثلة في المستقبل.
стр. 2176
ومما لا شك فيه أن الإحساس بخطر الإبادة إحساس حقيقي متجذر في الوجدان الإسرائيلي. ولكننا نذهب إلى أن أساسه الحقيقي ليس خطر الإبادة على يد النازيين، وإنما هو الطبيعة الاستيطانية للتجمع الصهيوني الذي لم يضرب بجذوره في المنطقة، وبخاصة أن أصحاب الأرض الأصليين لم تتم إبادتهم، بل لم يكفوا عن المقاومة، الأمر الذي يخلق عند الإسرائيليين ما نسميه «عقدة الشرعية» والخوف الدائم من عودة صاحب الأرض الذي يؤكد حضوره كذبهم (أرض بلا شعب) ، بل قد يؤدي إلى غيابهم في نهاية الأمر. ولكن بدلاً من أن يواجه المستوطنون حقيقة وضعهم كمستوطنين ومغتصبين للأرض، وبدلاً من أن يدركوا الأصل الحقيقي لمشاعرهم ومخاوفهم، فإنهم يتجاهلونها ويفرضون عليها هذا التفسير الصهيوني. فالإدراك الحقيقي سيُفقدهم ثقتهم بأنفسهم وإحساسهم بشرعية وجودهم وأخلاقيته، أما التفسير الصهيوني فسيسبغ عليهم المزيد من الشرعية وسيزيد إصرارهم على حقهم في البقاء وإبادة كل من يقف في طريق الضحية الوحيدة للمجازر؛ المهددة دائماً وأبداً بالإبادة!
وقد لاحظ بعض التربويين أن هذا التركيز على فكرة الإبادة، كفكرة رئيسية في وجدان أعضاء الجماعات اليهودية داخل وخارج إسرائيل، يسبب لهم مشاكل نفسية عميقة، إذ لا يمكن أن يعيش الإنسان حياة نفسية سوية، وسط بلاد العالم أو بين أحد الشعوب، وهو يعتقد أنهم قد يبيدونه تماماً في أية لحظة وأنه الضحية الوحيدة. ولذا، بدأت ترتفع أصوات للتحذير من خطورة هذا الاتجاه. ولكن الصهيونية عقيدة تستند شرعيتها إلى الكوارث التي حاقت باليهود في الماضي والتي قد تحيق بهم في المستقبل، ومن ثم، فإن أية رؤية مُركَّبة للتاريخ تسحب هذه الشرعية منها. وعلى هذا، فليس من المتوقع أن يتغيَّر هذا الاتجاه في القريب.
احتكار الإبادة
Monopolizing the Holocaust
стр. 2177
يحاول الصهاينة احتكار دور الضحية لليهود وحدهم دون غيرهم من الجماعات أو الأقليات أو الشعوب، بحيث تُصوَّر الإبادة النازية باعتبارها جريمة موجهة ضد اليهود وحدهم. ولهذا يرفض الصهاينة والمدافعون عن الموقف الصهيوني أية محاولة لرؤية الإبادة النازية باعتبارها تعبيراً عن نمط تاريخي عام يتجاوز الحالة النازية والحالة اليهودية. كما يرفض الصهاينة تماماً محاولة مقارنة ما حدث لليهود على يد النازيين بما حدث للغجر أو البولنديين على سبيل المثال، أو بما حدث لسكان أمريكا الأصليين على يد الإنسان الأبيض أو ما يحدث للفلسطينيين على أيديهم.
وتثبت الدراسات التاريخية أن الإبادة النازية لم تكن موجهة ضد اليهود وحسب، فعدد ضحايا الحرب العالمية الثانية من جميع الشعوب الأوربية يبلغ ما بين خمسة وثلاثين وخمسين مليوناً. وأظهر معرض لحكومة بولندا كان يطوف أمريكا عام ١٩٨٦ أن أكبر معسكرات الاعتقال هو أوشفيتس وأن التركيز النازي كان أساساً على البولنديين والاشتراكيين واليهود والغجر (بهذا الترتيب) لتفريغ بولندا جزئياً وتوطين الألمان فيها.
стр. 2178
وتوحي الأدبيات الصهيونية بأن العالم كله تجاهل اليهود وتركهم يلاقون حتفهم ومصيرهم وحدهم. ولكن من الواضح أن المسألة أكثر تركيباً من ذلك بكثير. فصحيح أن بعض الشعوب ساعدت النازيين، كما حدث في النمسا، ولكن البعض الآخر ساعد اليهود وآواهم كما حدث في بلغاريا (خصوصاً بين أعضاء الجماعة الإسلامية) وفي الدنمارك وفنلندا ورومانيا وإيطاليا وهولندا. وفي فرنسا، تم تسليم خمسة وسبعين ألف يهودي للقوات النازية، ولكن تمت، في الوقت نفسه، حماية أضعاف هذا العدد. كما رفض السلطان محمد الخامس تطبيق القوانين النازية على يهود المغرب رغم مطالبة حكومة فيشي الفرنسية بذلك. ولا يمكن أيضاً تجاهل جهود الحكومة السوفيتية في نقل مئات الآلاف من اليهود بعيداً عن المناطق التي احتلها النازيون (رغم تحالفها في بداية الأمر مع هتلر) . وتتجاهل التواريخ الصهيونية كل هذا، تماماً مثلما تتجاهل العلاقة الفكرية والفعلية بين النازية والصهيونية والزعامات الصهيونية التي تعاونت مع النازيين.
стр. 2179
ولكن هناك من يتحدى هذا الاحتكار الصهيوني للإبادة، وقد بدأت الكنيسة الكاثوليكية المواجهة حين قامت بتنصيب الأخت تريزا بنديكتا قديسةً. والأخت تريزا هي إيديث شتاين سكرتيرة الفيلسوف الألماني مارتن هايدجر، وكانت يهودية. وعندما قرأت قصة حياة القديسة تريزا شعرت بإحساس ديني غامر وتنصرت وتكثلكت ثم ترهبنت، وقام النازيون باعتقالها وقتلها. ويُصر الصهاينة على أن سبب قتلها هو كونها يهودية بينما ترى الكنيسة أنها راهبة كاثوليكية استُشهدت من أجل عقيدتها. والحادثة الثانية هي الخاصة بدير الراهبات الكرمليات في أوشفيتس، الذي طالب اليهود بإزالته وتمسكت المؤسسة الكاثوليكية في بولندا بالإبقاء عليه. وقد قامت معركة إعلامية ساخنة بين الطرفين. وكتب باتريك بيوكانان (الصحفي والمرشح الجمهوري في انتخابات الرئاسة الأمريكية عام ١٩٩٦) ما نتصور أنه خير احتجاج على هذا الموقف في مقال بعنوان «الكاثوليك ليسوا بحاجة إلى محاضرات في الأخلاق من سفاح عصابة شتيرن السابق» جاء فيه:
"وفي متحف المذبحة النازية، هناك ثلاثة ملايين يهودي بولندي سيظلون في الذاكرة، ولكن ماذا عن ثلاثة ملايين تقريباً من الأوكرانيين والصرب والليتوانيين والمجريين واللاتفيين والإستونيين، نُحروا في ساحات القتل على أيدي الوثنيين العنصريين في برلين وعلى أيدي الملحدين المتعاونين معهم في موسكو؟ وما الذي يتطلبه الأمر حتى يكون المرء ضحية من الدرجة الأولى؟
فإذا كانت ذكرى الضباط اليهود الذين ماتوا إلى جانب إخوانهم الكاثوليك في كاتين قد خُلدت بنجمة داود، فلماذا لا يتم تخليد ذكرى المليون كاثوليكي الذين أفنُوا في أوشفيتس بصليب؟ وإذا كان التذكار حيوياً، فلماذا يُستثنى المسيحيون؟ ".
стр. 2180
ونحن، بطبيعة الحال، نرى أن الإبادة لم تكن موجهة ضد اليهود وحسب، وإنما ضد سائر العناصر التي اعتُبرت، من منظور النازية، غير نافعة، خصوصاً وأنه لو انتصرت قوات روميل في العلمين لامتدت آلة الفتك النازية إلى أعراق يعتبرها النازيون متدنية (مثل العرب) . ومن ثم، فإن احتكار الصهاينة واقعة الإبادة ليس له ما يبرره في الواقع التاريخي.
إنكار الإبادة والخطاب الحضاري الغربي
Denial of the Holocaust and Western Cultural Discourse
«إنكار الإبادة» مصطلح يتواتر الآن في الصحف الغربية وفي بعض الأدبيات الخاصة بالإبادة النازية لليهود، وهو يشير إلى أي كتاب أو مؤلف تجرَّأ صاحبه وكتب دراسة (علمية أو غير علمية) تطعن فيما ذهب إليه الكثيرون من أن عدد ضحايا النازية من اليهود ستة ملايين، أو تثير الشكوك بخصوص أفران الغاز وغاز زيكلون بي. وقد صدرت في السنوات الأخيرة عدة كتب ودراسات تدور حول هذا المحور:
١ ـ كتب بول راسينيه Paul Rassinier في الخمسينيات دراسة ضخمة بعنوان أسطورة غرف الغاز. وكان المؤلف قد رُحِّل إلى أحد معسكرات الاعتقال. وفند في كتابه وجود مثل هذه الغرف أساساً وبيَّن أنها أكذوبة تاريخية وأورد إحصاءات ديموجرافية (رسمية) عن عدد اليهود في كل أوربا قبل الحرب وبعدها، وعقب صدور الكتاب حُوكم راسينيه وناشره وعُوقب بالسجن (مع إيقاف التنفيذ) كما فُرضت عليه غرامة مالية فادحة.
٢ ـ من أهم الكتب التي صدرت في هذا المجال كتاب البروفسور آرثر باتس Arthur Butz الأستاذ بجامعة نورث ويسترن أكذوبة القرن العشرين الذي يثير الشكوك حول عملية الإبادة نفسها. ولا يزال البروفسير باتس يُدرِّس في الجامعة في الولايات المتحدة.
٣ ـ أصدر روبير فوريسون R. Faurisson (أستاذ الأدب في جامعة ليون) سلسلة مقالات ثم مؤلفاً كبيراً كتب مقدمته اللغوي الأمريكي الشهير نعوم تشومسكي يثبت أنه لم تكن هناك أصلاً أفران غاز.
стр. 2181
٤ ـ تقدَّم هنري روكيه Henri Roques برسالة للدكتوراه إلى جامعة نانت يُشكك فيها في وجود غُرف الإعدام بالغاز «زيكلون بي» . وقد أجازت الجامعة الرسالة ومنحته الدرجة العلمية بامتياز. ولكن الحكومة الفرنسية ألغت قرار اللجنة وسحبت منه الدرجة. ويُعَدُّ هذا التدخل سابقة ليس لها مثيل في تاريخ الجامعات الفرنسية الذي يمتد ألف عام.
٥ ـ أصدر ستاجليش Staglish، أحد قضاة مدينة هامبورج، كتاباً بعنوان أسطورة أوشفيتس. والكتاب هو رسالة للدكتوراه كان القاضي قد قدمها إلى جامعة جوتينجن، وتوصَّل فيها إلى أن كثيراً من النصوص وشهادات الشهود بخصوص معسكر أوشفيتس أو عما كان يجري فيه غير صحيح بالمرة ومليئة بالتناقضات. وقد أُجيزت الدكتوراه بالفعل. وما إن صدر الكتاب حتى قررت الجامعة سحب الدكتوراه من الرجل. كما أصدرت السلطات القضائية قراراً بخصم ١٠% من راتبه.
٦ ـ يتعرض المؤرخ البريطاني ديفيد إيرفينج David Irving للمطاردة منذ نهاية الثمانينيات لأنه ينكر الإبادة رغم أن مجلة ذا نيويورك ريفيو أوف بوكس The New York Review of Books وصفته بأنه "يعرف عن الاشتراكية الوطنية (أي النازية) أكثر من أي عالم آخر متخصص في هذا الحقل، وأشارت إلى كتابه عن حرب هتلر بأنه أحسن دراسة عن الجانب الألماني في الحرب". ورغم كل هذا طُرد من كندا وبعد ذلك من أستراليا، ومُنع من إلقاء محاضراته فيهما. وأصدرت إحدى المحاكم الألمانية حكماً بتغريمه عشرة آلاف مارك لمجرد أنه نفى أن اليهود كانوا يموتون في غرف الغاز في معسكر أوشفيتس.
стр. 2182
وقد وصل هذا الاتجاه إلى ذروته (أو هوته) مع صدور قانون فابيوس (رقم ٤٣) في مايو ١٩٩٠ المسمى «قانون جيسو» (وهو اسم النائب الشيوعي الذي َتبنَّى هذا القانون) . ويُحرِّم هذا القانون أي تشكيك في الجرائم المقترفة ضد الإنسانية بإضافة المادة ٢٤ مكرر إلى قانون حرية الصحافة عام ١٨٨١، جاء فيها: "يُعاقب بإحدى العقوبات المنصوص عليها في الفقرة السادسة من المادة ٢٤، كل من ينكر وجود أي من الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية كما وردت في المادة ٦ من النظام الأساسي للمحكمة العسكرية الدولية الملحق باتفاق لندن الموقع في ٨ أغسطس ١٩٤٥".
وقد يظن المرء لأول وهلة أن كل القضايا المرتبطة بالإبادة النازية مثل: هل هي حقيقة أم مجرد اختلاق؟ وعدد الضحايا اليهود، وهل يبلغ عددهم ستة ملايين بالفعل أم أنه أقل من ذلك بكثير؟ هي قضايا تم حسمها تماماً في الأوساط العلمية. وقد يظن المرء كذلك أن الدراسات السابقة هي دراسات عنصرية تآمرية كتبها مهيجون يحاولون إثبات أن اليهود وراء كل الشرور والجرائم. ولكن الأمر أبعد ما يكون عن ذلك، فهي دراسات علمية، ذات مقدرة تفسيرية معقولة تتناول قضايا خلافية. وهي دراسات تطرح وجهة نظر قد تكون متطرفة أو خاطئة (والوصول إلى قدر من الحقيقة في مثل هذه الأمور الخلافية أمر جد عسير) ، إلا أنها تدلل على وجهة نظرها من خلال الأرقام والحقائق والمعلومات. ومما لا شك فيه أن هناك المئات من الكتب الأخرى التي كتبها بعض المؤلفين العنصريين، ومثل هذه الكتب لا تستحق القراءة لأنها كتابات عصبية متشنجة لا تبرهن على وجهة نظرها بطريقة علمية تفسيرية هادئة.
стр. 2183
ولكن الإعلام الغربي والصهيوني يُهاجم هذه الكتب بشدة، العلمي منها وغير العلمي، ويشجبها بعصبية واضحة، ويهيج ضدها بطريقة غوغائية، ويوجه الاتهام لكل من تسول له نفسه أن يُنكر الإبادة أو يثير الشكوك حول موضوع الملايين الستة حتى لو كان من العلماء المتخصصين، مع العلم بأن هناك دراسات كتبها علماء إسرائيليون يُعبِّرون فيها عن شكوكهم بخصوص رقم ستة ملايين. ولعله كان من الأجدى أن يميِّز الإعلام الغربي بين الدراسات العلمية والدراسات غير العلمية، وأن يُخضع الدراسات العلمية للنقد العلمي الهادئ، وأن يُطالب بفتح كل الملفات السرية والأرشيفات الغربية والشرقية لنتبيَّن مدى صحة هذه الأطروحات. وقد أصبح هذا متيسراً بعد سقوط الاتحاد السوفيتي إذ أصبحت وثائقه متاحة للدراسة. ولعل حالة ديمانجوك الذي اتُهم بأنه «إيفان الرهيب» ، الذي اشترك في إبادة اليهود وغيرهم في معسكر تربلينكا، تكون مثلاً على الخطوات المطلوب اتخاذها. فقد كانت كل الدلائل التي جمعها الأمريكيون والإسرائيليون تبيِّن أن ديمانجوك هو إيفان الرهيب، وأصدرت المحاكم الإسرائيلية حكماً ضده بالفعل. ولكن، بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، ظهرت وثائق تبيِّن بما لا يقبل الشك أن هناك شخصاً آخر هو الذي قام بعمليات الإبادة فأُفرج عن ديمانجوك.
ومن الصعب فهم تلك الاستجابة الهستيرية لدى الإعلام الغربي والصهيوني إزاء عمليات إثارة الشكوك حول الإبادة وعدد الستة ملايين، ومع هذا فلنحاول تناول هذه الظاهرة غير العقلانية. ونحن نذهب إلى أن الخطاب الحضاري الغربي له حدوده التي يفرضها على عملية الإدراك. فقد قام الغرب بتحديد معنى الإبادة النازية لليهود ومستواها التعميمي والتخصيصي، فقام باختزالها وفرض منطق غربي ضيق عليها من خلال التلاعب بالمستويات التعميمية والتخصيصية، ومن خلال نزعها من سياقها الغربي، الحضاري والسياسي الحديث.
стр. 2184
١ ـ بالنسبة للمسئول عن الجريمة: تُخضَع الإبادة النازية لعمليتين متناقضتين:
أ) يتم تضييق نطاق المسئولية إلى أقصى حد بحيث تصبح الإبادة النازية جريمة ارتكبها الألمان وحدهم ضد اليهود.
ب) يتم توسيع نطاق المسئولية إلى أقصى حد بحيث تختفي كل الحدود وتصبح الإبادة النازية ليهود أوربا جريمة كل الأغيار بشكل مطلق، أو جريمة كلٍّ من الألمان والأغيار، أو الألمان باعتبارهم أغياراً، أو الألمان بموافقة وممالأة الأغيار.
٢ ـ بالنسبة للضحية: تُخضَع الإبادة كذلك لعمليتين متناقضتين:
أ) يتم تضييق نطاق الجريمة إلى أقصى حد بحيث تصبح جريمة موجهة ضد اليهود وحدهم، لا ضد الملايين من اليهود وغير اليهود (من الغجر والسلاف وغيرهم) .
ب) يتم تعميم الجريمة إلى أقصى حد بحيث تصبح جريمة موجهة ضد اليهود، كل اليهود، لا يهود العالم الغربي وحسب.
стр. 2185
وبعد أن تم تعريف الإبادة بهذه الطريقة، وبعد أن تم التلاعب بالمستويات التعميمية والتخصيصية وضبطها بما يتفق مع مصلحة الغرب، قام الغرب بأيقنة الإبادة، أي جعلها مثل الأيقونة تشير إلى ذاتها حتى لا يمكن التساؤل بشأنها، فهي مصدر المعنى النهائي. وكما قال دان داينر إن أوشفيتس هي أرض لا يمتلكها أحد، هي فراغ يبتلع كل التفسيرات التاريخية (فهو يشبه الثقوب السوداء التي تتحطم فيها قوانين الضوء والزمان) . فأوشفتس هو "المعيار المطلق الذي يُحكَم من خلاله على التاريخ، ولا يمكن أن يصبح هو نفسه جزءاً من التاريخ"، وهو كلام لا معنى له بطبيعة الحال، فأوشفيتس حدث تاريخي، وقع في الزمان، ولا يصلح أن يكون معياراً أخلاقياً أو تاريخياً يُحكم به على كل الأمور الإنسانية في كل زمان ومكان (ألا يشكل هذا قمة التمركز الأوربي حول الذات [بالإنجليزية: إيورو سنترستي Euro-Centricity] ) . ولكن مثل هذا الكلام الأجوف له معنى داخل الخطاب الحضاري الغربي بسبب عملية الأيقنة التي أشرنا لها (وتجدر ملاحظة أن الأيقنة ليست مقصورة على المفكرين اليهود وإنما تشمل أعداداً كبيرة من غير اليهود) . فالإبادة بهذا المعنى أصبحت من المسلمات، التي تُشكِّل فَهْم الإنسان الغربي المسبق، شأنها في هذا شأن مقولة " عبء الرجل الأبيض " في القرن التاسع عشر، وشأن إحساس الغرب بمركزيته في القرن العشرين أو الإيمان بالتقدم المادي وتحقيق الذات باعتبارهما الغاية النهائية لوجود الإنسان في الأرض. والمسلمات هي الركيزة الأساسية للنموذج، فهي التي تحدد حلاله وحرامه، وما هو مقدَّس وما هو مدنَّس. ومن ثم أصبح التساؤل بشأن الإبادة هو تساؤل بشأن إحدى المسلمات (المقدسات أو المطلقات، إن شئت) وهو ما لا يمكن لأية حضارة، مهما بلغت من سعة صدر وليبرالية وتعددية قبوله.
стр. 2186
وقد يُقال إنهم في الغرب ينتجون أفلاماً تُعرِّض بالسيد المسيح ﵇ مثل فيلم سكورسيزي Scorsese "الإغواء الأخير للمسيح"، وأعمالاً فنية مثل لوحة الفنان أندريه سيرانو Andre Serrano الشهيرة بعنوان "فلتتبول على المسيح" (Piss Christ) حيث وَضَع الفنان صورة المسيح على الصليب في البول، وعرضها في معرض قامت الدولة بتمويله، إن كانوا يفعلون ذلك فلم لا يقبلون بفتح ملفات الإبادة؟ والرد على هذا هو أن السيد المسيح لم يعد ضمن المقدسات، أما الإبادة فقد أصبحت كذلك. وقل الشيء نفسه عن الشذوذ الجنسي، فحتى الستينيات كان الخطاب الغربي يرى أن ثمة معيارية ما وثمة انحراف عنها، ولهذا كان هناك مفهوم للشذوذ والانحراف، ولكن مع غياب المعيارية تآكل بالتالي مفهوم الشذوذ تماماً، وبالتدريج أصبح الشذوذ شكلاً من أشكال تأكيد الحرية الفردية المطلقة (التي تتجاوز أية معيارية اجتماعية) ، وتعبيراً عن حق الفرد في اختيار الهوية الجنسية التي تعجبه والتي يمكنه من خلالها تحقيق ذاته على أفضل وجه ممكن. وبذلك تحوَّل الشذوذ الجنسي من كونه انحرافاً إلى علامة من علامات التفرد وتعبيراً نماذجياً متبلوراً عن المنظومة الحضارية والأخلاقية السائدة في المجتمع في تمركزها حول الذات والمتعة (وفي عدم اكتراثها بالقيم الدينية والاجتماعية أو بأية ثوابت إنسانية) . وأصبح تقبل الشذوذ الجنسي علامة من علامات التحضر وسعة الأفق والتعددية، وأصبح رفضها دليلاً قاطعاً على تزمت الشخص وتطرفه بل "أصوليته".
стр. 2187
لكل هذا أصبح من الممكن، داخل الخطاب الحضاري الغربي، ربط الشذوذ بالمقدسات العلمانية (المادية) الجديدة. وهذا بالضبط ما يفعله الروائي الأمريكي اليهودي ليف روفائيل، فهو يربط بين الشذوذ الجنسي والهولوكوست، فبطل إحدى رواياته يهودي يخاف من تأكيد الأبعاد الثلاثة لهويته: هويته اليهودية، وهويته كشاذ جنسي، وهويته كأحد ضحايا الهولوكوست. فيقوم صديقه الذي يعيش معه بتشجيعه على تجاوز مخاوفه. ومنذ عدة سنوات أُقيم مؤتمر للشواذ والسحاقيات في إسرائيل، وأقام أعضاء المؤتمر صلاة القاديش في نصب ياد فاشيم من أجل الشواذ جنسياً والسحاقيات ممن سقطوا ضحايا للاضطهاد النازي. ولا شك في أن ربط الشذوذ الجنسي بالهوية اليهودية بالهولوكوست تصدمنا، ولكن علينا أن ندرك ما هو مقدَّس وما هو مدنَّس في خطاب الآخر قبل أن نشعر بالصدمة، والهولوكوست أيقونة مقدَّسة والشذوذ أمر عادي، بل أمر محبب، ومن يدري لعله أصبح أمراً له «قداسته» الخاصة، ونحن لا نعرف بعد، إذ أننا لا نتابع ما يجري هناك بكفاءة عالية؟
ولنا الآن أن نطرح السؤال التالي: لم تم تحويل الإبادة إلى أيقونة مقدَّسة، ومسلمة نهائية؟ والإجابة على هذا السؤال تتطلب منا الانتقال من عالم القرائن والوثائق والاستشهادات إلى عالم محفوف بالمخاطر وهو عالم الخطاب الحضاري والنماذج الحضارية. ولذا سنحاول أن نقدح زناد الفكر وأن نقنع بإجابات ذات مقدرة تفسيرية معقولة وليست ذات طابع يقيني عال. وسوف نعمد بدايةً إلى استبعاد الصيغة العربية الجاهزة للإجابة على كل الأسئلة، أي «اللوبي الصهيوني» أو «المؤامرة اليهودية» أو «النفوذ اليهودي» وغير ذلك من مقولات ما أنزل الله بها من سلطان لأنها تُفسِّر كل شيء ببساطة بالغة، وما يُفسِّر كل شيء بهذه البساطة لا يُفسِّر شيئاً على الإطلاق!
стр. 2188
ونحن نذهب إلى أن ثمة خطاباً غربياً واحداً فيما يتصل بالإبادة، يتفرع عنه الخطاب الصهيوني، وهو خطاب لا يختلف عن الخطاب الغربي العام إلا في التفاصيل، فهما يكادان يكونان وجهين لعملة واحدة، وعلاقة الواحد بالآخر هي علاقة الكل بالجزء والأصل بالفرع. وتتلخص خصوصية الخطاب الصهيوني في تعميق الجوانب اليهودية وفي إضافة ديباجات يهودية (دينية وإثنية) كثيفة. فالخطاب الصهيوني ينزع، هو الآخر، حادثة الإبادة من سياقها الحضاري والتاريخي الغربي، ويتلاعب بالمستوى التعميمي والتخصيصي، فيُحوِّل واقعة الإبادة من جريمة ارتكبتها الحضارة الغربية ضد مجموعات بشرية داخلها إلى جريمة ألمانية أو جريمة الأغيار ضد اليهود. ولكن الخطاب الصهيوني (انطلاقاً من مفهوم الشعب المختار والحلولية اليهودية التي تسبغ القداسة على اليهود) يُعمِّق عملية التخصيص فتتحوَّل الإبادة من قضية اجتماعية تاريخية إنسانية إلى إشكالية غير إنسانية تستعصي على الفهم الإنساني، وإلى سر من الأسرار يتحدى العقل، وإلى نقطة نهائية ميتافيزيقية تتجاوز الزمان والمكان والتاريخ. والاختلاف هنا هو اختلاف في الدرجة وليس في النوع، إذ تظل هناك وحدة أساسية، ولذا لا يجوز في الخطاب السياسي الغربي والصهيوني تشبيه إبادة أية أقلية بإبادة اليهود.
ويمكننا الآن أن ندرج بعض الأبعاد التي أدَّت إلى أيقنة الإبادة:
١ ـ يعيش الغرب في إطار أن الإبادة جريمة ألمانية نازية وحسب ضد اليهود وحدهم، وليست حلقة في سلسلة الجرائم الإبادية التي ارتكبتها الحضارة الغربية ضد شعوب العالم، والتي تنبع من رؤيتها النفعية المادية الإمبريالية المتجردة من القيمة. وقد استقر هذا المفهوم وأصبح إطاراً مرجعياً ينظر الإنسان الغربي إلى نفسه وإلى تاريخه من خلاله. وعملية الأيقنة تفصل هذه الجريمة عن نمط حضاري عام متكرر ولا تُذكِّر هذه الحضارة بماضيها الإبادي، كما تعفيها من مسئولية الجريمة النازية ذاتها.
стр. 2189
ورغم أن الإبادة هي إحدى ثمرات النازية والعلم المنفصل عن القيمة، فإن عملية أيقنة الإبادة تصاحبها عملية أخرى، وهي عملية تهميش النازية ومنظومتها القيمية رؤيتها للكون، بحيث تصبح النازية وجرائمها مجرد انحراف عن الحضارة الغربية. والتخلي عن هذا الإطار (الذي يُأيقن الإبادة ويُهمِّش النازية) سيكشف فضيحة الحضارة الغربية ومسئوليتها عن هذه الجريمة البشعة المنظمة وعن غيرها من الجرائم التي هي جزء من نمط عام متكرر.
وفي هذه الإطار يمكن فهم الحرج الزائد الذي يسببه اكتشاف تورط كثير من الشخصيات الفكرية الأساسية في الحضارة الغربية (مثل هايدجر) مع النازيين، ومحاولة إخفاء هذه الحقيقة وغيرها من الحقائق (مثل تلكؤ أيزنهاور في ضرب القطارات التي كانت تقل اليهود إلى معسكرات الاعتقال والسخرة، ورفض الدول الغربية فتح أبوابها للمهاجرين) . فإبراز تورط هايدجر وغيره قد يشير إلى تورط الحضارة بأسرها وقد يقوض المعنى الغربي المفروض على الإبادة.
٢ ـ لا يمكن إنكار الدور الذي يلعبه شعور الغربيين بالذنب تجاه ما حدث لليهود على يد النازيين. ولكن الإحساس بالذنب هنا يوجه نحو الأيقونة (الفريدة التي تشير إلى ذاتها) ومن ثم يتحول من إحساس خُلقي عميق ورغبة في إقامة العدل إلى حالة شعورية تدغدغ الأعصاب بل إلى مصدر راحة، إذ يمكن للإنسان الغربي أن يهنئ نفسه بأنه لا يزال يمارس مثل هذه المشاعر النبيلة. وبدلاً من أن يحفز الشعور بالذنب الإنسانَ الغربي إلى التصدي لما يجري في العالم من عمليات إبادة (تقوم بها حكوماته أو تقف موقف «الحياد» تجاهها) فإنه يتجه نحو تأكيد تفرد الهولوكوست والمبالغة في أهوالها، وبالتالي يتحول الحس الخُلقي إلى حس جمالي أو حالة شعورية لا تُترجم نفسها أبداً إلى فعل فاضل؛ إلى أمر بالمعروف ونهي عن المنكر. وأيقنة الإبادة بذلك تغطي على ما يجري من مذابح سواء في فيتنام أو البوسنة والهرسك أو الشيشان أو لبنان.
стр. 2190
٣ ـ لكن الفضيحة الأساسية التي تغطيها عملية أيقنة الإبادة النازية هي الجريمة التي ارتكبتها الحضارة الغربية في حق الشعب الفلسطيني الذي طُرد من أرضه بموجب وعد بلفور وقرار هيئة الأمم المتحدة وبدعم كل الدول الغربية. فإذا كانت الجريمة هي حقاً جريمة الألمان على وجه الخصوص أو الأغيار على وجه العموم، وضد اليهود على وجه العموم وضد اليهود وحدهم كما يدَّعي الخطاب الحضاري الغربي، فلابد إذن من حلها على مستوى عالمي وألماني، ولابد من تعويض الضحايا اليهود وحسب وإهمال الضحايا الآخرين. ومن ثم، يصبح من المنطقي أخذ (لا اغتصاب) فلسطين من "الأغيار" وردها «لليهود» بسبب الجرم الذي حاق بهم على يد هؤلاء الأغيار. كما يمكن أخذ التعويضات من الألمان وتمويل المستوطن الصهيوني باعتباره المأوى الذي "عاد" إليه ضحايا الإبادة. وإذا كانت الإبادة هي حقاً جريمة موجهة ضد اليهود وحسب، فإن المتحدثين اليهود هم وحدهم أصحاب الحق في فرض المعنى الذي يريدونه على الواقعة، وهم وحدهم أصحاب الحق في التعويض.
٤ ـ ترتكز المنظومة الغربية التحديثية بأسرها إلى العلم المنفصل عن القيمة وعن الغائية الإنسانية. ورغم الإدراك المتزايد لوحشية هذا الافتراض، فإنه لا يزال هو المقولة المعرفية الحاكمة. وفتح باب الاجتهاد بخصوص الإبادة يعني في واقع الأمر فتح باب الاجتهاد بخصوص الأساس الفلسفي الذي تستند إليه الحداثة الغربية بأسرها.
стр. 2191
٥ ـ ويمكننا الآن أن نثير قضية ليست ذات علاقة مباشرة بالإبادة، إلا أنها قد تلقي الضوء على عملية أيقنتها. فالمجتمعات الغربية مجتمعات تسيطر عليها العلمانية الشاملة، وتسود فيها النسبية المعرفية والأخلاقية، ولذا فهي تعيش بلا مقدَّسات أو ميتافيزيقا، وهو أمر مستحيل بالنسبة لمعظم البشر. إذ يبدو أن حياة الإنسان لابد أن يكون فيها شيء مقدَّس ما، فإن لم يكن الإله فيمكن أن يكون أي شيء، وكل شيء. وما حدث بالنسبة للإنسان الغربي أنه فقد إيمانه بمقدَّساته الدينية التقليدية، فأخذ يبحث عن مقدَّسات مادية حديثة يمكنه أن يدركها بحواسه الخمس (المصدر الوحيد للمعرفة بالنسبة له) وبوسعه أن يُقسِّم العالم من خلالها إلى مقدَّس ومدنَّس، وإلى محرَّم ومباح. إن الإنسان الغربي دائب البحث عن ميتافيزيقا علمانية مادية، تريحه نفسياً ولا تُحمِّله أية أعباء أخلاقية (مثل الإيمان بالأطباق الطائرة أو علاقة الأبراج بمصير الإنسان وسلوكه) . ويبدو أنه وجد ضالته في الإبادة النازية لليهود التي تولِّد فيه إحساساً لذيذاً بالذنب، لا يكلفه أي جهد أخلاقي. وقد تحولت الإبادة إلى أيقونة تجسِّد ميتافيزيقا كاملة من خلال علمنة المفاهيم الدينية المسيحية، إذ أصبح اليهود (في لاهوت موت الإله وفي الخطاب الحضاري الغربي ككل) هم المسيح المصلوب وأصبح ظهور الدولة اليهودية هو قيامه. والصلب والقيام هنا أمران ماديان يتمان داخل الزمان والتاريخ. فكأن الإبادة النازية لليهود هي الأيقونة العلمانية الشاملة المقدَّسة في الوجدان الغربي، فهي مفهوم قبلي بُنيت عليها مجموعة من المفاهيم الأخرى، فإن سقطت الأيقونة سقط كل ما بُني عليها وأصبح من الضروري مراجعة كل شيء، وهو أمر صعب للغاية على البشر.
وهذا لا يعني بطبيعة الحال إنكار أهمية البُعد الصهيوني للاستجابة الغربية الهستيرية.
стр. 2192
١ ـ لا يمكن إنكار وجود قدر كبير من الضغط الذي تمارسه المؤسسات اليهودية والصهيونية للإبقاء على الوضع المعرفي والمعلوماتي القائم، الذي يُحقق لها فوائد جمّة. كما أن هناك الآلاف من أعضاء الجماعات اليهودية ممن تقاضوا التعويضات الألمانية عما لحق بهم من أذى وممن لا يزالون يطالبون بها، وهؤلاء أيضاً أصبحوا جزءاً من "جماعة مصالح" تحوَّلت إلى جماعة ضغط. وليس من صالح هؤلاء كشف حقيقة ما حدث.
٢ ـ أصبح الخطاب الصهيوني يستند بشكل شبه كامل إلى الإبادة النازية، وأصبحت الشرعية الصهيونية ذاتها تستند إلى حادث الإبادة. والشرعية عادةً لا تستند إلا إلى مطلقات، لا يمكن إخضاعها للتساؤل.
ويميل كاتب هذه الموسوعة إلى القول بأن معسكرات الاعتقال والسخرة والإبادة حقيقة مادية لا شك فيها، وأن أفران الغاز هي الأخرى حقيقة (ومن ثم لا يمكن إنكار الإبادة باعتبارها تصفية جسدية متعمدة) . ولكن حجم هذه الأفران ومدى كفاءتها وعدد ضحاياها ودلالة هذه الحقائق المادية وتفسيرها تظل كلها موضوعات قابلة للاجتهاد والفحص العلمي والوثائقي بل تتطلبها، فهي موضوعات خلافية. وهناك فيما يبدو مصلحة للبعض في أن يُضخمها أو يُقلل من أهميتها. فإذا كان الحياد الكامل مستحيلاً في مثل هذه الأمور (كما في غيرها) ، فلابد، على الأقل، أن ننفصل إلى حدٍّ ما عن الظاهرة موضع الدراسة ونُعيد قراءة الوثائق المتاحة ونطالب بإتاحة كل الوثائق السرية، وخصوصاً أن الموضوع أصبح موضوعاً تاريخياً مر عليه أكثر من خمسين عاماً.
إشكالية الحل النهائي ومؤتمر فانسي
The Problematic of the Final Solution and the Wannsee Conference
стр. 2193
تزعم الأدبيات الصهيونية أنه في ٢٠ يناير ١٩٤٢ عُقد مؤتمر يُسمَّى «مؤتمر فانسي» بهدف التنسيق بين الوزارات المختلفة التي اشتركت هي والحزب النازي وقوات الإس. إس. في محاولة تنفيذ الحل النهائي، باعتباره التصفية الجسدية لليهود. ويُقال إن رينهارد هايدريش دعي إلى هذا المؤتمر بناء على خطاب من هرمان جورنج بتاريخ ٣١ يوليه ١٩٤١، وأشار إلى «الحل الكامل للمسألة اليهودية» . وقد أعد أيخمان الإحصاءات والبيانات اللازمة لمناقشة الموضوع. وحضر المؤتمر كبار موظفي الدولة والحزب وناقشوا كيفية تهجير اليهود وإرسالهم إلى معتقلات العمل والسخرة.
وعبارة «الحل الكامل» هي صيغة أخرى لعبارة «الحل النهائي» (بالألمانية: إندلوسونج Endlosung) التي ترد في بعض الأدبيات النازية، وتعني في الأدبيات الغربية التي تتناول الحركة النازية «المخطط الواعي الذي وضعه النازيون لحل المسألة اليهودية بشكل جذري ونهائي ومنهجي وشامل عن طريق إبادة اليهود» ، أي بمعنى تصفيتهم جسدياً. والمفترض أن هذا المخطط تم تنفيذه من خلال المؤسسات الحكومية النازية. (وهذا المعنى خلافي كما سنبين فيما بعد) .
стр. 2194
ويمكن القول بأن مقولة «الحل النهائي» ، مثلها مثل مقولة «نهاية التاريخ» ، كامنة في بنية الأيديولوجيا النازية، وفي كثير من الأيديولوجيات الأخرى الشبيهة التي تعتمد العلم الطبيعي مصدراً أساسياً وربما وحيداً للمعرفة والقيم الأخلاقية. فهذه الأيديولوجيات تؤمن بإمكانية، أو حتى بحتمية، التقدم الدائم من خلال تراكم المعرفة حتى تتم معرفة قوانين الحركة أو قوانين الضرورة أو القوانين الطبيعية (التي تسري على الطبيعة والإنسان) . ومن خلال هذه المعرفة الكاملة أو شبه الكاملة، يمكن ترشيد الواقع تماماً والهيمنة عليه ووضع الحلول النهائية لكل المشاكل وإعلان «نهاية التاريخ» (كما فعل فوكوياما في الولايات المتحدة في أواخر الثمانينيات) . والنازية، من هذا المنظور، ما هي إلا إحدى هذه الأيديولوجيات. ومن ثم، فحتى لو لم يعلن النازيون الحل النهائي، فإن الفكرة كامنة في بنية الفكر الغربي والنازي. وعلى كلٍ، لا يمكن فهم التجارب الاستيطانية الإحلالية، سواء في الولايات المتحدة أو في أستراليا أو فلسطين، إلا في إطار فكرة الحل النهائي الذي يُطبَّق على السكان الأصليين، هنوداً كانوا أم فلسطينيين، ويمكن إنجاز الحل النهائي إما عن طريق الإبادة أو عن طريق التهجير. ووعد بلفور وثيقة سياسية تهدف إلى وضع حل نهائي للمسألة اليهودية عن طريق التهجير. والمسألة الفلسطينية أو العربية، من هذا المنظور، هي نتيجة لعدم تطبيق الحل النهائي الصهيوني أو سببها الفشل في تطبيق هذا الحل حتى الآن. وقد عبَّر عن هذا المعنى صراحةً رحبعام زئيف (رئيس حزب موليديت) الذي انضم إلى الوزارة الإسرائيلية وطالب صراحةً بتهجير العرب، فقد بيَّن بما لا يقبل الشك أن مقولة «الحل النهائي» مقولة أساسية في الفكر الصهيوني، وتنتمي إلى عائلة من الأيديولوجيات الغربية الحديثة التي تبحث عن حل جذري ونهائي ومنهجي لمشكلتها السكانية كما فعل المستوطنون الأمريكيون من قبل، وكما فعل
стр. 2195
النازيون في ألمانيا، وكما يفعل الصرب في البوسنة والهرسك، وكما يفعل المستوطنون الغربيون في كل زمان ومكان!
ويمكننا الآن أن نثير قضية ترادف عبارة «الحل النهائي» مع عبارة «الإبادة كتصفية جسدية» ، كما تزعم الأدبيات الصهيونية، وهو ترادف ينكره رجاء جارودي، وغيره من الدارسين، للأسباب التالية:
١ ـ لوحظ عدم ورود لفظ «الإبادة كتصفية جسدية» مقروناً بعبارة «الحل النهائي» في أية مذكرة نازية. وقد بيَّن ريمون آرون وجاك فيوريت (عام ١٩٧٩) - في ختام مؤتمر عُقد خصيصاً لهذه القضية وغيرها من القضايا المتعلقة بالإبادة النازية ليهود أوربا - أنه لم يتم العثور على أية مذكرة تحمل هذا المعنى رغم كل الجهود المبذولة. وقد وافقهما المؤرخ الصهيوني النزعة وولتر لاكير على رأيهما هذا (عام ١٩٨١) ، ولذا أضاف أن مثل هذا الأمر لم َيصدُر قط.
٢ ـ يروج بعض الصهاينة فكرة مؤداها أنه لم يتم العثور على مثل هذه المذكرة لسبب بسيط وهو أن النازيين كانوا يستخدمون لغة مشفرة أو رمزية حتى لا يكتشف أحد أمرهم. والرد على مثل هذا الرأي ـ كما بيَّن جارودي ـ هو الإشارة إلى عدد لا حصر له من الوثائق النازية تضم أوامر صريحة بإبادة السكان الذكور في ستالينجراد (على سبيل المثال) وقتل الجنود البريطانيين الذين يتم أسرهم أثناء تأديتهم بعض العمليات الخاصة (الكوماندوز) ، وقتل المسنين بالوسائل العلمية. فلماذا يُشفر النازيون الأوامر الخاصة بإبادة اليهود وحدهم؟
стр. 2196
٣ - حينما يذكر النازيون الإبادة فهي بديل ضمن بدائل عديدة، كما أنها تتم بعدة طرق. فقد تحدَّث هتلر عن الإبادة من خلال "التجويع والقتال غير المتكافئ"، بل تحدَّث عن "هجرة الألمان الاستيطانية" في شرق أوربا وحرب ألمانيا ضد عناصر "المقاومة الشعبية" باعتبارها شكلاً من أشكال الإبادة (وهو تعريف جيد للإبادة يخرج بها عن معناها الضيق المباشر، ويُوسِّع حقلها الدلالي بحيث تصبح الحروب الاستعمارية حروب إبادة، ويصبح الاستعمار الاستيطاني الصهيوني الذي يلجأ إلى التجويع والقتال غير المتكافئ وتهجير اليهود وضرب المقاومة الشعبية أيضاً شكلاً يُصنَّف بكل تأكيد ضمن أشكال الإبادة) .
وبغض النظر عن رؤية هتلر للتاريخ، فإن مؤتمر فانسي قد قسَّم طريقة التخلص من العناصر غير الاجتماعية غير المرغوب فيها من خلال أربعة طرق مختلفة: التعقيم أو الإبادة بالجوع أو الإبادة بالعمل أو حتى من خلال برنامج الألمنة.
٤ ـ كان النازيون يتحركون في إطار الحل الإمبريالي للمسألة اليهودية وهو تصديرها للخارج. وقد بيَّن هتلر أنه يميِّز بين معاداة اليهود العاطفية ومعاداة اليهود المنهجية، فالأولى تنتهي بالمجازر، أما الثانية فتنتهي بتهجير (ترانسفير) اليهود. وقد حدد هتلر مشروعه بالنسبة لليهود باعتباره عملية تهجير. وفي رده على سؤال وُجه إليه في اجتماع عام بشأن حقوق اليهود الإنسانية، قال: «ليبحث اليهودي عن حقوقه الإنسانية في دولته فلسطين» .
وفي ١٠ أغسطس ١٩٤١ دافع هتلر عن الحل الشامل للمسألة اليهودية باعتباره نقل ٦٠٠ ألف من أراضي الرايخ. وكانت مجلة الإس. إس. قد استخدمت العبارة نفسها بهذا المعنى في عددها الصادر في ٢٤ نوفمبر ١٩٣٨ حين تحدثت عن الحل الشامل باعتباره «الفصل والعزل الكلي لليهود» .
стр. 2197
٥ ـ طبق النازيون هذه الرؤية الإمبريالية (الصهيونية) على اليهود، ولذا بدأ الحل النهائي بتهجير اليهود من أصل بولندي إلى بولندا، ولكن الحدود أُوصدت دونهم. ثم طرح النازيون مشاريع صهيونية عديدة تهدف إلى توطين اليهود وتأسيس وطن قومي لهم في أي مكان خارج أوربا (أكوادور ـ سوريا ـ مدغشقر) .
وقد تعاون النازيون مع الصهاينة انطلاقاً من قبول هذا الحل الصهيوني النازي للمسألة اليهودية فتم توقيع معاهدة الهعفراة للمساعدة في تهجير اليهود إلى فلسطين. وحقق النازيون بعض النجاح في هذا المضمار إذ بلغ عدد اليهود الذين هاجروا من ألمانيا وحدها حوالي ١٥٠ ألف (بين ١٩٣٣ ـ ١٩٣٨) وهي نسبة مئوية عالية. وظل النازيون يدافعون عن فكرة تهجير اليهود، وكانوا لا يكفون عن الشكوى من أن سيل الهجرة لم يكن سريعاً بما فيه الكفاية، ومن أن الدول الغربية توصد أبوابها في وجه المهاجرين اليهود.
وفي السنين الأخيرة للحرب، بعد مؤتمر فانسي (يناير ١٩٤٢) وبعد وقوع مساحات شاسعة من الأرض السوفيتية البولندية في أيدي النازيين، بدأت فكرة توطين اليهود فيها تراود النازيين ( «ترحيل اليهود إلى الشرق» في المصطلح النازي) . وقد جاء في مذكرة رسمية بتاريخ ١٠ فبراير ١٩٤٢ صادرة من وزارة الخارجية الألمانية ما يلي: «إن الحرب ضد الاتحاد السوفيتي وفرت لنا أراضي جديدة لتنفيذ الحل النهائي. وقد قرر الفوهرر أنه بدلاً من إرسال اليهود إلى مدغشقر فسيقوم بإرسالهم إلى الشرق. ولذا ليس هناك ما يدعو إلى التفكير في مدغشقر باعتبارها [مجال] الحل النهائي» .
وكل هذا يعني في واقع الأمر أن الحل النهائي هو حل صهيوني إقليمي، يعني التخلص من اليهود عن طريق ترحيلهم (ترانسفير) من مكان لآخر، تماماً كما فعلت الحضارة الغربية مع اليهود حيث نقلتهم إلى فلسطين، وكما فعل الصهاينة مع الفلسطينيين بنقلهم منها.
стр. 2198
٦ ـ كان النازيون في حاجة ماسة للأيدي العاملة، فلماذا تُضيِّع آلة الحرب النازية وقتها في إبادة الملايين بدلاً من توظيفهم في أعمال السخرة؟ ومن الواضح أن النازيين كانوا أكثر رشداً ونفعية مما يتصوره الدارسون الصهاينة. فكانوا يزيدون من عدد العمال الذين يعملون نظير دولار واحد في اليوم للاستفادة من العمالة الرخيصة. وقد أرسل هملر مذكرة إلى أحد رؤساء معسكرات الإبادة (بتاريخ ٢٥ يناير ١٩٤٢) يخبره فيها أن يستعد لاستقبال ٢٠٠ ألف يهودي حيث ستسند للمعسكر مهام اقتصادية مهمة. وفي مايو ١٩٤٤ أصدر هتلر أمراً باستخدام ٢٠٠ ألف يهودي كعمال في أحد المشاريع الإنسانية. وقد أصدرت قيادة الإس. إس S. S. أمراً بمنح مكافأة لكل السجناء (ومنهم اليهود) الذين أبلوا بلاءً حسناً في العمل. كما وفرت المؤسسات النازية لهؤلاء العاملين كل الأنشطة الترفيهية، وضمنها بيت دعارة، لزيادة الإنتاجية.
٧ ـ حينما يرد لفظ «الإبادة» في نصوص نازية فإنه لم يكن يعني دائماً «التصفية الجسدية» ، ففي ٢٦ مارس ١٩٤١ في حفل افتتاح معهد فرانكفورت لدراسة المسألة اليهودية أشار أحد المتحدثين إلى الإبادة (بالألمانية: فولكشتود Volkstod) باعتبارها الحل الشامل للمسألة اليهودية وعُرِّف هذا الحل بأنه «أن يترك اليهود أوربا» . وقد أفاض المتحدث وقال إنه يمكن أن يترك اليهود أوربا عن طريق وضعهم في معسكرات عمل في بولندا (حيث يتم إفقارهم) أو في مستعمرة. ولعل تجربتي جيتو وارسو وتيرس آينشتات (وغيرهما من التجارب) قد تمتا في هذا الإطار.
стр. 2199
٨ ـ لوحظ أثناء محاكمات نورمبرج أن المدّعين الذين مثلّوا الحلفاء كانوا يحاولون قصارى جهدهم أن يلووا عنق بعض الكلمات الألمانية ليترجموها بكلمة «إبادة» . فكلمة «أوسروتونج Ausrottung» على سبيل المثال، والتي تعني «استئصال شأفة» شيء ما بأية طريقة فعلية أو مجازية تُرجمت إلى «إبادة» بمعنى «تصفية جسدية متعمدة» ، مع أن النازيين استخدموا في إحدى وثائقهم عبارة «استئصال شأفة المسيحية» ، ولم يُفسِّر أحد هذه العبارة باعتبارها مخططاً نازياً لإبادة المسيحيين.
٩ ـ ما تهمله كثير من الدراسات الغربية هو ما يمكن تسميته «الاختفاء» ، أي اختفاء أعداد كبيرة من اليهود من خلال عوامل طبيعية مثل الزواج المختلط والموت بسبب الغازات والأوبئة أثناء الحرب.
لكل هذا فعبارة «الحل النهائي» تعني ما تقول دون زيادة أو نقصان، ومن ثم فهي لا تعني بالضرورة «تصفية جسدية متعمدة» ، وقد تعني «تصفية من خلال التهجير وأعمال السخرة» .
معسكرات الاعتقال (السخرة والإبادة)
Concentration and Extermination Camps
أُقيمت معسكرات الاعتقال في ألمانيا عام ١٩٣٣ بعد استيلاء النازيين على الحكم، فكان البوليس السري الألماني (جستابو) يقوم بالقبض على خصوم الحكومة النازية واحتجازهم في هذه المعسكرات. وحين عظم نفوذ الجستابو وأُعطي الحرية المطلقة في التصرف، أصبحت عمليات القبض تتم على نطاق واسع، فقُبض على جماعات بأكملها ثم أُرسلت إلى معسكرات الاعتقال. ولم تكن هذه العمليات موجهة ضد اليهود بالذات، وإنما كان يُعتقل كل من يشكل خطراً على الدولة الجديدة بغض النظر عن دينه أو جنسيته. وقد وقعت أول حادثة موجهة ضد اليهود في نوفمبر ١٩٣٨ عندما وُضع عشرون ألف يهودي في هذه المعسكرات في داخاو وبوخنوالد. ومن معسكرات الاعتقال الشهيرة الأخرى، معسكر برجن بلسن.
وقد أُقيمت ستة معسكرات للاعتقال والإبادة في بولندا، وهذه المعسكرات هي:
١ ـ كلمنو (بالقرب من لودز) .
стр. 2200
٢ ـ بلزك (بالقرب من لفوف ولوبلين) .
٣ ـ سوبيبور (بالقرب من لوبلين) .
٤ ـ مايدانيك (على حدود لوبلين) .
٥ ـ تربلينكا.
٦ - أوشفيتس ـ بيركناو، وهو أشهرها جميعاً.
وقد أُرسل إلى هذه المعسكرات كثير من الضحايا اليهود والغجر والسلاف وغيرهم، من كل أنحاء أوربا. ويُقال إن كل معسكر كان مزوداً بأدوات متنوعة للإبادة مثل فرق إطلاق النيران، وأدشاش المياه التي تطلق الغاز، والمحارق. ومع هذا يثير كثير من الباحثين الشكوك حول وجود أفران الغاز أصلاً وقد صدرت عدة دراسات موثقة في هذا الشأن.
كما تُثار الشكوك حول استخدام غاز زايكلون بي Zyclon B. في أفران الغاز. إذ تشير معظم الدراسات إلى أن استخدام مثل هذا الغاز يتطلب احتياطات فنية عالية، مكلفة للغاية (يجب أن تكون الغرفة محكمة تماماً ـ لابد من تهويتها لمدة عشر ساعات بعد استخدامها ـ يجب أن تكون المفاصل مصنوعة من الإسبستوس أو التيفلون) . ومثل هذه الاحتياطات لم تكن متوفرة للألمان تحت ظروف الحرب، وهو ما يعني استحالة استخدامه على نطاق واسع. وقد ورد كل هذا في تقرير ليوشتر Leuchter Report، الذي كان يعمل مستشاراً لولاية ميسوري وكان متخصصاً في مثل هذه الأمور (ومما له دلالته أن كثيراً من حكومات الولايات المتحدة، التي كانت تستخدم هذا الغاز في عمليات إعدام المجرمين، قررت الاستغناء عنه، بسبب تكلفته العالية) .
стр. 2201
وثمة نظرية تذهب إلى أن غُرف الغاز الموجودة إنما كانت غُرف غاز لتعقيم الخارجين والداخلين إلى المعسكر. أما المقابر الجماعية فهي مقابر الآلاف الذين لقوا حتفهم بعد انتشار الأوبئة كالملاريا والتيفود، وهو أمر مُتوقَّع في ظل ظروف الحرب وفقر الرعاية الصحية. ويرى أنصار هذه النظرية أن الإبادة لم تكن عملية منظمة مقصودة تمت دفعة واحدة، وإنما تمت نتيجةً لعناصر مختلفة فرضت نفسها بسبب ظروف الحرب مثل سوء التغذية والأوبئة وغيرها، وأن من أُبيدوا بطريقة منهجية منظمة أعداد صغيرة جداً، وهي قضية خلافية. ويُقال إن كثيرين ممن أُبيدوا بطريقة منظمة لم تكن إبادتهم بدافع الحقد العنصري وإنما كانت جزءاً من محاربة النازيين للمرض وللتشوهات والانحرافات النفسية والخلقية. ولذا حينما كان يندلع وباء في أحد المعسكرات لم يكن النازيون يلجأون لمحاربته (فهذا أمر مكلف، بخاصة في ظروف الحرب) وإنما كانوا يلجأون للتخلص من المرضى بطريقة عملية سريعة.
стр. 2202
ولم تكن معسكرات الاعتقال مخصصة لليهود وحدهم وإنما كانت أداة من أدوات النظام النازي تُستخدَم لتحقيق أهدافه القومية، بل إن عدد ضحاياها من غير اليهود يفوق عدد ضحاياها من اليهود. ومن المهم بمكان أن نضع معسكرات الاعتقال والإبادة في سياقها الحضاري والمعرفي العام. فمنذ بداية التشكيل الحضاري الغربي الحديث أصبحت معسكرات الاعتقال والإبادة نمطاً متكرراً، حيث تم نقل سكان أمريكا الأصليين (الهنود الحمر) إلى معسكرات اعتقال منعزلة كان يُطلَق على كل واحد منها اسم «ريزيرفيشن reservation» تمهيداً لإبادتهم بشكل مباشر أو غير مباشر. وكانت عملية النقل ذات طابع إبادي. وكان السود، الذين يجري اصطيادهم في أفريقيا ونقلهم (ترانسفير) إلى أمريكا، يتم وضعهم في معسكرات أيضاً ويسكنون في مساكن هي أقرب ما تكون إلى معسكرات السخرة. وفي الحرب العالمية الثانية، وضعت الولايات المتحدة الغالبية الساحقة من المواطنين الأمريكيين من أصل ياباني في معسكرات مماثلة. وفي جنوب أفريقيا قامت حكومة التفرقة اللونية (الأبارتهايد) البيضاء بوضع المواطنين الأصليين في معازل جماعية يُقال لها "البانتوستان". وغني عن القول إن هذا الوضع لا يختلف كثيراً عما يحدث في فلسطين المحتلة بعد عام ١٩٦٧.
ولم تكن الإبادة مصير كل من يذهب إلى معسكرات الاعتقال، التي كانت أساساً معسكرات سخرة، ولذا نجد أن العدد الأكبر كان يُستخدَم في أعمال السخرة. وقد أُسِّس بجوار أوشفيتس، على سبيل المثال، ثلاثة مصانع كبرى لإنتاج بعض المواد اللازمة للعمليات العسكرية. وكانت الشركات الألمانية تستأجر المعتقلين عشر ساعات يومياً من العمل الشاق مقابل دولار واحد يومياً (وهو موقف كولونيالي تماماً) ، ونظراً لحرصها الشديد على الأيدي العاملة الرخيصة كانت توفر لهم بعض الأنشطة الترفيهية (ضمنها بيت دعارة) . كما اختير عدد من نزلاء المعسكرات لإجراء التجارب الطبية والعلمية عليهم.
стр. 2203
وكانت المعسكرات تدار بطريقة تتسم بنوع من الإدارة الذاتية، فكان يتم اختيار بعض العناصر من بين المساجين يشكلون نخبة داخل هذه المعسكرات، وتكون بمنزلة حلقة الوصل بين المساجين والألمان. ويُطلَق عليهم اسم «كابو» ،وكان بعضهم من اليهود بطبيعة الحال. وكان كثير من هؤلاء يحرصون على إظهار القسوة نحو المساجين حتى يحظوا برضا الألمان. ومن المعروف أن المساجين الألمان كانوا يُعاملون غالباً بقسوة تفوق ما يعامل به الآخرون لأنهم كانوا يُعتبَرون خونة.
واتسمت معسكرات الاعتقال بكفاءتها الشديدة وتحكُّمها الكامل في المادة البشرية التي كانت تُصنَّف بعناية وتُوظَّف على أحسن وجه. وقد حققت هذه المعسكرات عائداً كبيراً للاقتصاد الوطني الألماني. هذا، بخلاف التخلص من أعداد كبيرة من الأفراد الذين يشكلون عبئاً على ألمانيا، أي أن التجربة لا غبار عليها البتة إن نظرنا إليها من منظور نفعي مادي لا يكترث بالمطلقات. وبالطبع، يختلف الأمر تماماً إن نظرنا للقضية من المنظور غير المادي، أي من منظور قداسة الإنسان وحقوقه المطلقة.
أوشفيتس
Auschwitz
стр. 2204
يُعَدُّ «أوشفيتس» أهم معسكرات الاعتقال. وكان يُقال دائماً إن عدد ضحايا أوشفيتس هو أربعة ملايين، منهم مليون ونصف مليون يهودي، والباقون غير يهود. والسند الأساسي لأسطورة إبادة هذه الملايين في أوشفيتس هي اعترافات رودولف هس أثناء محاكمات نورمبرج. وقد ثبت أن كثيراً من " أدلة " الاتهامات في محاكمات نورمبرج هي في معظمها اعترافات يدين خلالها المتهمون أنفسهم، بعد أن ظلوا في الأسر عامين أو يزيد تعرضوا فيها للتعذيب والامتهان. وقد استُبعد عدد كبير من الوثائق والشهادات التي كان من شأنها تحطيم الأساطير التي حاول الحلفاء نسجها. وهناك من البحوث ما يشير إلى أن العدد الإجمالي لا يمكن أن يزيد على ١.٦ مليون، وأنهم قضوا حتفهم لا من خلال أفران الغاز وإنما بسبب الجوع والمرض، والموت أثناء التعذيب، والانتحار. وفي عام ١٩٩٤ تم تغيير اللافتة الموضوعة على المعسكر، فبعد أن كانت اللافتة القديمة تتحدث عن مقتل أربعة ملايين رجل وامرأة وطفل أصبحت اللافتة الجديدة تتحدث عن مليون ونصف فقط.
стр. 2205
وقد أصبح معسكر أوشفيتس (في الخطاب السياسي والحضاري الغربي) رمزاً ودالاً على عدة مدلولات. فهو رمز مباشر على الإبادة النازية لليهود (بمعنى التصفية الجسدية المتعمدة) ، أي أنه الجزء الذي يتبدَّى الكل من خلاله. كما أصبح معسكر أوشفيتس دالاً يشير إلى كل جرائم الإبادة التي تتم بشكل منهجي لا شخصي بيروقراطي (ولكن الصهاينة يرفضون استخدام الاسم على هذا النحو حتى يحتفظ معسكر أوشفيتس بقداسته اليهودية) . ويقول تيودور أدورنو (أحد مفكري مدرسة فرانكفورت) : "لا شعر بعد أوشفيتس"، أي لا يمكن لأي إنسان أن يقرض الشعر بعد أن كشفت الإنسانية عن وجهها القبيح في أوشفيتس. وفي هذا تلاعب بمستويات التعميم والتخصيص، ولعله كان من الأجدر بأدورنو أن يتحدث عن حضارة العقلانية المادية، بدلاً من الحديث العام، العائم الغائم، عن الإنسانية جمعاء. وهذا ما فعله فاكيلاف هافيل، المؤلف المسرحي ورئيس جمهورية التشيك، حينما تحدث عن كبرياء العقل المادي الحديث وغروره الذي يطور مخططات علمية مجردة يحاول فرضها على الحياة الإنسانية (بكل ما تحويه من أسرار لا يسبر لها غور) ويفرض عليها التجانس والتنميط وينتهي به الأمر إلى اختزالها وتدميرها. ثم قال: "وماذا يكون معسكر الاعتقال سوى محاولة من جانب دعاة اليوتوبيا [التكنولوجيا البيروقراطية] أن يتخلصوا من العناصر غير الملائمة [للمخطط التكنولوجي] ؟ ".
стр. 2206
أما في التفكير الديني (المسيحي واليهودي) في الغرب، فقد أصبح معسكر أوشفيتس رمزاً للعالم المادي الذي لا معنى له والذي لا هدف له ولا غاية، فهو عالم انسحب منه الإله، ولذا يُقال «لاهوت ما بعد أوشفيتس» بمعنى «لاهوت موت الإله» . ويذهب البعض إلى أن معسكر أوشفيتس أصبح مدلولاً (متجاوزاً) لا يمكن لأي دال أن يدل عليه. فالتجربة اليهودية في أوشفيتس لا يمكن فهمها أو تفسيرها وإنما يمكن تجربتها وحسب. ومن لم يعش التجربة لن يفهم ما حدث، ومن ثم فإن كلمة «أوشفيتس» بمثابة الأيقونة حيث يلتحم الدال بالمدلول وتختفي المساحة بينهما، وتصبح الأيقونة (الرمز) هي نفسها ما ترمز إليه. إن أوشفيتس تتجاوز اللغة الإنسانية ولذا "لا شعر بعد أوشفيتس".
وفي استخدام مغاير تماماً للكلمة صرح ناحوم جولدمان بأن إسرائيل هي كارثة تاريخية كبرى، تفوق ما حدث في أوشفيتس، ومن ثم تحل الدولة الصهيونية محل أوشفيتس باعتبارها أكبر كارثة حاقت بالجماعات اليهودية في العالم.
وقد أصبح معسكر أوشفيتس موضع جدل كبير في الوقت الحالي فقد أُقيم دير للراهبات الكرمليات في بقعة أباد فيها الألمان كثيراً من البولنديين اليهود وغير اليهود، على أن تُقام الصلوات يومياً من أجل الجميع. ولكن بعض القيادات اليهودية في الولايات المتحدة أصرت على ضرورة أن يُزال هذا الدير حتى تظل أوشفيتس رمزاً يهودياً. وقد أذعنت القيادة الكاثوليكية في نهاية الأمر لهذا المطلب.
ستة ملايين يهودي: عدد ضحايا الإبادة النازية ليهود أوربا؟
Six Milion Jews: Number of European Jewish Victims of Nazi Extermination?
стр. 2207
يرد في وسائل الإعلام الغربية رقم «ستة ملايين» باعتباره عدد ضحايا الإبادة النازية لليهود. وقد استقر الرقم تماماً حتى أصبح من البدهيات، ولكن هناك رفضاً مبدئياً للرقم في الأوساط العلمية اليهودية وغير اليهودية. فعلى سبيل المثال قام راؤول هيلبرج في كتابه تدمير يهود أوربا (١٩٨٥) بتخفيض العدد من ستة إلى خمسة ملايين (بعد دراسة إحصائية مستفيضة للموضوع) . وذكر سيسيل روث، في موسوعته اليهودية، أن الهولوكوست نُفذ بطريقة يصعب معها التحقق من دقة الأرقام، وأن العدد يتراوح بين أربعة ملايين ونصف المليون وستة ملايين يهودي. ويميل المؤرخ الأمريكي اليهودي (صهيوني النزعة) هوارد ساخار إلى الأخذ برقم أربعة ملايين ونصف مليون. وهناك من الأدلة الإحصائية ما يرجح الأخذ برأي ساخار، فالكتاب السنوي ورلد ألماناك لعام ١٩٣٩ يقدر يهود العالم آنذاك بنحو ١٥.٦ مليون. وفي عام ١٩٥٠، قُدِّر عددهم بنحو ١٦.٦ مليوناً، في حين قدرته صحيفة نيويورك تايمز عام ١٩٤٨ بما بين ١٥.٧ و١٨.٦مليون، وهناك تقديرات تذهب إلى أن عددهم أقل من ذلك، وقد يصل إلى ما بين ١٣ و١٤ مليوناً. وفي جميع الحالات، لا يمكن أن يزيد عدد من اختفوا على أربعة ملايين. ومؤخراً، ذكر المؤرخ الإسرائيلي يهودا باور، مدير قسم دراسات الهولوكوست في معهد دراسات اليهود في العصر الحديث التابع للجامعة العبرية، أن الرقم ستة ملايين لا أساس له من الصحة، وأن الرقم الحقيقي أقل من ذلك. وبيَّنت بحوث المؤرخ الفرنسي جورج ويلير G. Wellers أن العدد الإجمالي لمن أُبيدوا في أوشفيتس من اليهود وغير اليهود ليس أربعة ملايين وإنما هو ١.٦ مليون وحسب، وأن هؤلاء لم يقضوا حتفهم من خلال أفران الغاز وحسب وإنما أيضاً بسبب الجوع والمرض والموت أثناء التعذيب والانتحار. ومما يجدر ذكره أن من يتبنون رقم ستة ملايين وغيره من الأرقام لا يشيرون من قريب أو بعيد إلى ظاهرة اختفاء اليهود من خلال عوامل طبيعية مثل
стр. 2208
الزواج المختلط وسوء التغذية والغازات والأوبئة (التي تتزايد بسبب ظروف الحرب) .
وبغض النظر عن الرقم مليون أو الأربعة أو الستة ملايين، فإن ثمة خللاً أساسياً في المنطق الصهيوني يمكن تلخيص بعض جوانبه فيما يلي:
١ ـ التركيز على اليهود بالذات دون الجماعات الأخرى. فمع أن اليهود عانوا، مثلهم في ذلك مثل غيرهم من ضحايا النازية، إلا أن سياسة هتلر في الإبادة كانت موجهة أيضاً نحو الغجر والكاثوليك والمعارضين السياسيين والمرضى والمتخلفين عقلياً والسلاف عامة والبولنديين والروس على وجه الخصوص. وقد بلغ عدد ضحايا الحرب ما بين خمسة وثلاثين مليوناً وخمسين مليون، وخسر الاتحاد السوفيتي في الحرب العالمية الثانية ما بين سبعة عشر وعشرين مليوناً بين مدنيين وعسكريين، وخسر البولنديون نحو خمسة ملايين بعضهم من اليهود. وخسر الصينيون ما يزيد على عشرة ملايين ماتوا جوعاً أو قتلاً على يد الاحتلال الياباني.
٢ ـ التركيز على المدنيين دون العسكريين. ومع ذلك، فإنه من بين العشرين مليون سوفيتي الذين قُتلوا في الحرب، كان هناك أربعة ملايين ونصف مليون مدني والباقون من العسكريين، ناهيك عن عدة ملايين من الألمان أرسلهم هتلر للموت في ساحة القتال. كما كان هناك كثيرون من جنود الحلفاء ضمن من قُتلوا في الحرب. ويجب ألا ننسى الجنود من الأفارقة والآسيويين الذين جُندوا، رغم أنفهم، ليشتركوا في حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، حيث كانوا يوضعون في الصفوف الأمامية باعتبارهم مادة بشرية رخيصة.
стр. 2209
٣ ـ التركيز على الماضي دون الحاضر، وعلى ملايين اليهود الذين هلكوا قبل نحو نصف قرن، دون اهتمام مماثل بالملايين التي أُبيدت بعد ذلك. فقد فقدت كمبوتشيا منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية نحو مليوني شخص، وفَقَدت الجزائر أكثر من مليون شخص، وفقدت أفغانستان منذ الغزو السوفيتي عام ١٩٧٨ نحو مليون قتيل، فضلاً عن مليوني مهاجر داخل البلد وخمسة ملايين مهاجر إلى خارجها حتى صاروا يمثلون نصف مجموع اللاجئين في العالم.
٤ ـ وهناك، بطبيعة الحال، مشكلة ملايين الفلسطينيين الذين طُردوا من ديارهم والذين يخضعون لظروف إرهابية شبه دائمة.
لكن التشكيك في مدى دقة الرقم (الستة ملايين) لا يعني بحال من الأحوال التشكيك في الجريمة النازية ذاتها، فالجريمة النازية هي إحدى جرائم الحضارة الغربية الحديثة العديدة التي لا يمكن التهوين من شأنها. وما نهدف أساساً إليه من خلال مناقشة هذه الإشكالية هو تصحيح الرقم ووضع الظاهرة في سياق إنساني عام ومنظور تاريخي شامل، بحيث نُحدِّد هويتها باعتبارها جريمة غربية محددة ضد قطاعات بشرية عديدة بدلاً من أن تكون جريمة ألمانية ضيقة أو جريمة عالمية غير محدَّدة ضد اليهود كلهم، وضد اليهود دون سواهم. ونحن بهذا ننقذ واقعة الإبادة من سخافات الإعلام الغربي والصهيوني، ولعبة الأرقام الطفولية التي تخبئ الأبعاد التاريخية والأخلاقية والإنسانية العامة للواقعة.
اختفاء وموت الشعب اليهودي بعد الحرب العالمية الأولى
Disappearance and Death of the Jewish People after the First World War يروج المدافعون عن الرؤية الصهيونية للإبادة النازية لرقم ستة ملايين، كجزء من عملية الأيقنة وتحويل الإبادة إلى لغز من الألغاز وسر من الأسرار المقدَّسة. وقد أهمل هؤلاء تماماً بعض العناصر التي أدَّت إلى اختفاء اليهود من خلال عناصر طبيعية مختلفة سنتناولها في هذا القسم.
стр. 2210
فمن المعروف أن الفترة ما بين عامي ١٩٦٧ و ١٩٨٢ شهدت تَناقُص عدد يهود العالم مليوناً، فانخفض من ١٣.٨٣٧.٥٠٠ إلى ١٢.٩٨٨.٦٠٠، دون حدوث إبادة بل دون حالة حرب أو أوبئة. وقد تناقص عددهم لمركب من الأسباب أدَّى إلى ما يُسمَّى «موت الشعب اليهودي» . ومن الواضح أن يهود أوربا، أي أغلبية يهود العالم آنذاك، بدأوا يدخلون في مرحلة التناقص ابتداءً من القرن العشرين، للأسباب التالية:
١ ـ أسباب تؤدي إلى العزوف عن الإنجاب وإلى تناقص الخصوبة ومعدلات التكاثر:
أ) أدَّت الهجرة اليهودية الكبرى في نهاية القرن التاسع عشر إلى انتقال أعداد كبيرة من اليهود إلى الولايات المتحدة الأمريكية. ويُقال إن هجرة اليهود قضت تقريباً على اليهود في المرحلة العمرية من عشرين إلى أربعين عاماً، وهي مرحلة الخصوبة التي تجعل بإمكان الجماعة أن تُعيد إنتاج نفسها.
ب) كان أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب يضطلعون بدور الجماعة الوظيفية الوسيطة، أي بأعمال التجارة والمال. وكانوا، لهذا، مركزين إما في المدن أو المناطق شبه الحضرية. ومع منتصف القرن التاسع عشر، تصاعد هذا الاتجاه وتزايد تركزهم في المدن بحيث أصبحت أغلبيتهم الساحقة تسكن في المدن عشية الحرب العالمية الثانية، فقد كان ثلث يهود روسيا يوجدون في خمس مدن وبقيتهم تعيش في مدن صغيرة. وكان أربعة وثمانون في المائة من يهود الولايات المتحدة يعيشون في ثماني عشرة مدينة كبيرة ونصفهم في نيويورك. كما كان معظم يهود النمسا في فيينا، ومعظم يهود فرنسا في باريس، وهكذا. ومن المعروف أن سكان المدن من أقل القطاعات البشرية خصوبة.
جـ) كان اليهود، حتى عشية الحرب العالمية الثانية، جماعة بشرية مهاجرة، ومن المعروف أن أعضاء مثل هذه الجماعات يعزفون عن الإنجاب لعدم استقرارهم.
следующие страницы →