Полный текст (8 511 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.
стр. 2311
أسياداً في بلادهم وإنما غرباء في المنفى، وأن يخضعوا للسخرة، وأن تُسلب منهم كتب الصلوات الخاصة بهم والتلمود وأن يُمنع الحاخامات من تلقين تعاليم دينهم وأن لا يُسمح لهم بالسفر من خلال طرق الإمبراطورية.
وصاغ لوثر في هذا الكتاب فكرة الشعب العضوي المنبوذ صياغة متبلورة، فهو يطالب بعدم إعاقة اليهود عن العودة إلى أرضهم في يهودا (أي فلسطين) ويوصي بتزويدهم «بكل ما يحتاجون إليه في رحلتهم لا لشيء إلا لنتخلص منهم، إنهم عبء ثقيل وهم بلاء وجودنا» . ونحن نرى في هذه العبارات نمطاً متكرراً في الحضارة الغربية. فمعاداة اليهود تُترجم نفسها دائماً إلى دعوة صهيونية، أي طرد اليهود وتوطينهم في فلسطين. وتشبه عبارات لوثر بعض العبارات التي وردت في المقدمة التي كتبها بلفور، صاحب الوعد المشهور، لكتاب تاريخ الصهيونية الذي كتبه ناحوم سوكولوف. وكانت آخر موعظة ألقاها لوثر، قبل موته بأربعة أيام، نوعاً من الهجوم على اليهود والمطالبة بطردهم.
وأثناء محاكمات نورمبرج، صرح جوليوس سترايخر بوجوب محاكمة لوثر بدلاً منه لأن كل ما قاله هو عن اليهود قاله لوثر من قبله، وإن كان بشكل أكثر تطرفاً وحدة. ومن الأمور الجديرة بالتأمل أن ألمانيا هي بلد الإصلاح الديني أي البلد الذي فك الحلول الإلهي (النعمة) من الكنيسة وأطلق عقاله ليفيض على كل الدنيا وكل الناس فيتوحدوا بالإله. وبلد لوثر هو أيضاً البلد الذي ظهر فيه هيجل صاحب المنظومة الحلولية المتطرفة التي تصل إلى مرحلة وحدة الوجود التاريخية أو مرحلة نهاية التاريخ، وهو أيضاً بلد نيتشه الذي اكتشف أن وحدة الوجود تؤدي إلى موت الإله، وهو أخيراً بلد هتلر الذي نصب نفسه إلهاً يحكم بلده في إطار من الحلولية بدون إله.
стр. 2312
ومع هذا، يُلاحَظ أن موقف الكنيسة اللوثرية من اليهود أثناء الفترة النازية يختلف باختلاف البلد والانتماء السياسي، فالأوساط المحافظة كانت تؤيد النازيين في حين وقفت العناصر الليبرالية ضدهم. وبينما كان موقف الكنيسة في ألمانيا ممالئاً للنازيين، وقفت الكنيسة اللوثرية ضدهم في السويد والدنمارك. بل إن بعض كبار المفكرين اللوثريين الألمان تنبهوا إلى العلاقة الوثيقة بين فكرة الشعب الواحد الصهيونية، والأفكار النازية التي تُقدِّس التراث القومي. وفي عام ١٩٨٢، عُقد مؤتمر بمناسبة مرور خمسمائة عام على مولد لوثر وحضره ممثلون عن الكنائس اللوثرية، وأعلن الحاضرون فيه رفض أفكار مؤسس الكنيسة اللوثرية المتصلة باليهود.
ولا يتسم موقف المفكر الديني البروتستانتي جون كالفن (١٥٠٩ ـ ١٥٦٤) بهذا الوضوح والعنف، فلم تكن لديه علاقة كبيرة بأعضاء الجماعات اليهودية سواء في فرنسا أو سويسرا. ومع هذا، فقد كتب كالفن كتيباً أخذ شكل حوار بين يهودي ومسيحي يحاول كل منهما أن يدافع عن عقيدته ويدحض عقيدة الآخر.
ولكن أثر كالفن في أعضاء الجماعات اليهودية يظهر بشكل غير مباشر، فقد أباح كالفن الربا، وهو ما أسبغ شرعية على أحد النشاطات الاقتصادية الأساسية للجماعات اليهودية. كما أن البروتستانتية الكالفنية التي ابتدعها كالفن، والتي سيطرت على معظم العالم الأنجلو ـ ساكسوني، ساهمت في ظهور الرأسمالية حسب أطروحة ماكس فيبر. وهو الأمر الذي ترك أثراً عميقاً في اليهود. وقد كان اهتمام كالفن بالعهد القديم بالغاً، كما ركز تركيزاً قوياً على النزعة القانونية والتقيد الحرفي والمفرط بالقانون. ومن هنا كان قربه من روح العقيدة اليهودية واتهامه، مثل كثير من المفكرين البروتستانت الأوائل، بأنه يهودي أو من دعاة التهويد. وثمة صدى لهذا الاتهام حتى في كتابات ماركس الذي وصف سيطرة البورجوازية على المجتمع بأنها عملية تهويد له.
стр. 2313
ويُلاحَظ أن ثمة علاقة وثيقة بين البروتستانتية من جهة والصهيونية والجماعات اليهودية من جهة أخرى:
١ ـ تأثرت اليهودية بالإصلاح الديني، فظهرت اليهودية الإصلاحية في ألمانيا (مهد الإصلاح الديني) متأثرة بفكر الإصلاح الديني المسيحي بشكل عام وبفكر لوثر على وجه الخصوص. وقد صرح الفيلسوف اليهودي هرمان كوهين أنه لا يرى أي فارق بين التوحيد اليهودي والبروتستانتية.
٢ ـ لاحظنا ظهور الفكر الاسترجاعي الصهيوني داخل الفكر البروتستانتي. ويمكن الإشارة إلى أن كثيراً من يهود أوربا كانوا، ابتداءً من القرن السابع عشر، يستقرون في البلاد البروتستانتية (هولندا وإنجلترا ... إلخ) ، والتي كان لها النصيب الأكبر في التشكيل الاستعماري الاستيطاني الغربي. ولذا، نجد أن معظم يهود العالم مركزون في البلاد البروتستانتية الاستيطانية التي تتحدث الإنجليزية: الولايات المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا وجنوب أفريقيا. ولم يَعُد لهم وجود يذكر في البلاد الكاثوليكية. ومع هجرة اليهود السوفييت، سيتركز يهود العالم إما في البلاد البروتستانتية أو في إسرائيل.
٣ ـ يُلاحَظ ارتباط الحركة الصهيونية بالبلاد البروتستانتية. وقد تبنت إنجلترا المشروع الصهيوني بعد منافسة قصيرة مع ألمانيا وتبعتها الولايات المتحدة، وذلك بينما كان هناك دائماً رفض للمشروع الصهيوني في الأوساط الكاثوليكية. ويُلاحَظ أنه، مع تزايُد انتشار البروتستانتية في أمريكا اللاتينية، يُتوقع تزايد التعاطف مع المشروع الصهيوني.
٤ ـ ارتبطت هجرة أعضاء الجماعات اليهودية في العصر الحديث بالتشكيل الاستعماري الاستيطاني البروتستانتي الأنجلوساكسوني، ولذا نجد أن الغالبية الساحقة من يهود العالم توجد في الولايات المتحدة وكندا وجنوب أفريقيا وأستراليا ونيوزيلندا (وأخيراً إسرائيل التي هي جزء من هذا التشكيل الأنجلو ساكسوني) .
стр. 2314
٥ ـ ثمة علاقة غير مباشرة بين البروتستانتية والجماعات اليهودية تتحدد في أن الرأسمالية، حسب أطروحة فيبر، وُلدت في المجتمعات البروتستانتية، كما أن ميلاد الرأسمالية الرشيدة كان أهم حدث في تاريخ الجماعات اليهودية، خصوصاً في الغرب.
٦ ـ ولا يزال كثير من غلاة البروتستانت يأخذون بالتفسير الحرفي للعهد القديم، وينظرون إلى فلسطين باعتبارها أرضاً مرتبطة باليهود، وينظرون إلى اليهود باعتبارهم العبرانيين القدامى، ويتفشى في صفوفهم تفكير صهيوني وحُمَّى استرجاعية ألفية. ويرى كثير منهم أن دولة إسرائيل هي تحقيق للنبوءات التي وردت في العهد القديم.
لكن هذا لا يعني أن ثمة علاقة عضوية أو سببية بين البروتستانتية والصهيونية. وكما أسلفنا، تحوي الرؤية الاسترجاعية البروتستانتية قدراً كبيراً من كراهية اليهود ورفضهم. وتتحدث إذاعات غلاة البروتستانت في الولايات المتحدة عن ضرورة عودة اليهود، ولكنها ترى أيضاً أن هتلر هو سوط العذاب الذي أرسله الإله لتعذيب اليهود لإنكارهم المسيح.
عصر النهضة (القرنان السادس عشر والسابع عشر (
The Renaissance (Sixteenth and Seventeenth Century)
стр. 2315
رغم التفتح العام الذي شهدته الحضارة الغربية في عصر النهضة، فإنه لم تكن له مردودات إيجابية على أعضاء الجماعات اليهودية. وربما يعود هذا إلى وضع اليهود الخاص داخل المجتمع الغربي وإلى أنهم لم يكونوا جزءاً من القوى الاجتماعية التي أدَّت إلى ظهور النهضة والاستنارة فيما بعد. كما أن بنية المجتمع، برغم تغيرها في كثير من الوجوه، ظلت جامدة وتقليدية. ولذا، لم يشهد عصر النهضة (بشكل عام) تغيراً جوهرياً في أحوال أعضاء الجماعات اليهودية، كما لم تحدث تطورات فكرية عميقة إلا في بعض الجماعات مثلما حدث في إيطاليا في بداية عصر النهضة. وكانت أوربا خالية من اليهود بعد أن طُردوا من إسبانيا عام ١٤٩٢، ومن البرتغال عام ١٤٩٦، ومن نافار وصقلية وسردينيا عام ١٤٩٨، ومن سويسرا وألمانيا عام ١٤٩٠. أما إنجلترا وفرنسا، فكانتا قد طردتا أعضاء الجماعات اليهودية في فترة سابقة ولم يسمح لهم بالاستيطان فيهما. ولم تكن هناك جماعات يهودية إلا في شرق أوربا (بولندا) التي كانت خارج نطاق عصر النهضة (في بدايته) ، أو في بعض الإمارات الألمانية التي استقبلت اليهود الذين كانوا قد طُردوا من إمارات أخرى. كما كان يوجد بعض اليهود في المدن/الدول الإيطالية في بداية عصر النهضة. بل إن هذه الفترة شهدت تكريس عزلة اليهود، وشهدت تحوُّل الجيتو من المكان الذي كانوا يعيشون فيه إلى المكان الذي يتعين عليهم العيش فيه. فمع عصر النهضة، فقدت كثير من الجماعات اليهودية في غرب أوربا دورها كجماعة وظيفية وسيطة تعمل بالتجارة والربا وحلت محلها جماعات مسيحية محلية أو دولية.
стр. 2316
ومع هذا، شهدت تلك الفترة بعض التحولات العميقة للجماعات اليهودية، وهي تحولات كان مقدراً لها أن تتصاعد في الفترات التاريخية اللاحقة بعد تزايُد أعداد يهود بولندا، وبدأ تشابكهم مع طبقة الشلاختا داخل إطار الإقطاع الاستيطاني في أوكرانيا (نظام الأرندا) . ويُلاحَظ بدايةً الانفجار السكاني بين يهود بولندا الأمر الذي أدَّى إلى تحوُّلهم إلى الغالبية الساحقة من يهود العالم. كما بدأ يهود المارانو في تكوين مراكزهم السكانية والثقافية فى أمستردام وبوردو وسالونيكا (وفي كثير من مدن الدولة العثمانية) وكان يُطلَق عليهم «السفارد» أو «البرتغاليين» . وكان السفارديون على مستوى ثقافي رفيع (نظراً لاحتكاكهم بالثقافة العربية الإسلامية) ، وكانت النخبة بينهم على دراية بالأمور المصرفية المتقدمة. وكانت تربطهم فضلاً عن ذلك علاقات وثيقة باليهود السفارديين في الإمبراطورية العثمانية، الأمر الذي سهل عليهم القيام بالعمليات التجارية الدولية، وبذلك أمكنهم أن يلعبوا دوراً في الاقتصاد الجديد. وقد بدأ الأدب والفن في عصر النهضة ينفتحان على المواضيع العبرية واليهودية، فرسم رمبرانت يهود أمستردام (ومن بينهم إسبينوزا) وأبطال العبرانيين. ويُلاحَظ أن الأعمال الأدبية بدأت هي الأخرى تعالج شخصيات مثل شمشون ويهوديت وإستير.
стр. 2317
ومن المفارقات أنه حين بدأت أوربا في نبذ اليهود، اكتسب يهود أوربا مركزية بين يهود العالم بسبب ثقلهم السكاني (إذ أصبحوا يشكلون غالبية يهود العالم) وزاد وزنهم الثقافي مع تزايُد طباعة الكتب العبرية، وكذلك بسبب تزايد أهمية أوربا في العالم مع تزايد غزواتها الإمبريالية لأركان المعمورة الأربعة. ويُلاحَظ أن ظاهرة يهود البلاط بدأت في هذه الفترة ولكنها لم تتبلور إلا في القرن السابع عشر الميلادي. وقد بدأ تحرُّك أعضاء الجماعات اليهودية مع التشكيل الاستيطاني الغربي في هذه المرحلة، وهي عملية انتهت في الوقت الحاضر بوجود معظم يهود العالم في بلاد استيطانية.
ويُلاحَظ أنه، في هذه الفترة، بدأ ظهور الفكر الصهيوني بين المسيحيين في البلاد البروتستانتية على وجه العموم وفي إنجلترا على وجه الخصوص. وهو فكر يذهب إلى أن خلاص العالم لن يتم إلا بالاستيلاء على فلسطين واسترجاع اليهود، أي عودتهم لها، وتنصيرهم حتى يتم الإعداد لعودة المسيح المخلِّص. والفكرة الصهيونية هي ذاتها الفكرة الاسترجاعية مع إحلال العنصر اليهودي محل العنصر المسيحي.
وعصر النهضة، كما أسلفنا، هو عصر الاكتشافات الجغرافية وبدايات الرأسمالية المركنتالية برغبتها في التوسع. ومن ثم، بدأت الفكرة الاسترجاعية في كسب المؤيدين لها، وبخاصة في البلاد البروتستانتية، وبدأ الحديث عن عودة اليهود إلى صهيون أي فلسطين. وبدأت محاولات إنشاء مستوطنات يهودية خارج أوربا، وقد جرت أولى المحاولات الاستيطانية في العالم الجديد. ولكن عصر النهضة، وانقلابه التجاري، والأفكار الصهيونية المسيحية التي سادت خلاله، لم تكن سوى إرهاصات للثورة الفرنسية والصناعية وللحركة الإمبريالية التي تركت أثرها العميق في العالم بأسره، وفي الجماعات اليهودية بطبيعة الحال.
عصر الاستنارة (القرن الثامن عشر)
The Enlightenment (Eighteenth Century)
стр. 2318
كان التيار الفكري الأساسي في هذه الفترة هو فكر حركة الاستنارة، وهو فكر يدعو إلى تحرير الإنسان من الغيبيات بهدف ترشيده. وهي عملية ترشيد أدَّت، فيما أدَّت، إلى تطويع الإنسان لخدمة الدولة المركزية المطلقة. وقد أدَّى ذلك إلى الهجوم على كل أشكال الغيب والخصوصية وكل الجيوب الإثنية. ولا شك في أن هذا الفكر، وكذلك التحولات الاجتماعية التي أدَّت إليه ونجمت عنه في الوقت نفسه، قد تركا أعمق الأثر في أعضاء الجماعات اليهودية في العالم بأسره، فقد استفادوا من هذه التحولات أيما استفادة مع أنهم اصطدموا بها في نهاية الأمر. والواقع أن هذه العملية التاريخية هي التي قضت على الجيتو وأعتقت اليهود، ولكنها قضت أيضاً على دورهم كجماعة وظيفية وسيطة، وزادت من معدلات الاندماج والعلمنة بينهم.
ويُلاحَظ أن حركة أعضاء الجماعات اليهودية في أوربا خلال العصور الوسطى في الغرب كانت قد أخذت شكل الانسحاب أو الهجرة إلى الماضي؛ فكانت هجرة من أوربا الغربية، حيث نشأت طبقات تجارية محلية، إلى الشرق السلافي حيث كان نمط التنظيم الاجتماعي شبيهاً بأوربا في العصور الوسطى وحيث كان بوسع أعضاء الجماعات اليهودية الاستقرار في مسام المجتمع وعلى هامشه ليلعبوا دوراً حدودياً. وكان اليهود المنسحبون هم أساساً اليهود الإشكناز الذين يشتغلون بالتجارة البدائية والربا، وكان أكبر تجمُّع لهم في هولندا وروسيا، وهو التجمُّع الذي نشأت فيه المسألة اليهودية (والأفكار الصهيونية فيما بعد) . وقد استمرت هذه الحركة حتى بداية القرن السابع عشر الميلادي حين بدأت الدولة العثمانية (التي كانت تستوعب الفائض الأوربي من اليهود) في التجمد.
стр. 2319
أخذت الهجرة اليهودية منذ ذلك التاريخ تتجه نحو بلاد وسط وغرب أوربا، وهي البلاد التي كانوا قد طُردوا منها. وقد عاد اليهود إلى هذه البلاد بعد أن تساقط النظام الإقطاعي الوسيط وظهر حكم الملكيات المطلقة التي حطمت سلطة الأمراء الإقطاعيين وظهرت الدولة المركزية المطلقة. وكان يهود المارانو، بما لديهم من خبرة في الأمور المالية والتجارة الدولية، عنصراً أساسياً في الحركة الثانية لليهود.
وفي عام ١٦١٢، سمحت هامبورج ليهود المارانو (وهم من السفارد) بالاستيطان فيها، وقد أعلن بعضهم يهوديته صراحة بعد الاستيطان. أما في فرنسا، فكان هناك بعض الجيوب اليهودية. ومع عصر النهضة، تغيَّرت الصورة. ففي أواخر القرن السادس عشر الميلادي، سُمح لبعض اليهود السفارد من المارانو بالاستيطان في بوردو وبايون. كما تم ضم منطقة الألزاس واللورين التي كانت تضم يهوداً من الأشكناز، وبعدها انتشر اليهود، وبخاصة من الألزاس، في كل فرنسا. أما في إنجلترا، فقد سُمح بعودة اليهود عام ١٦٦٤، وأُسِّس معبد يهودي في لندن عام ١٦٩٠ ولم يكن هناك، في إنجلترا، جيتو يهودي بالمعنى المعروف، ولم تُفرَض عليهم هناك أية قيود.
وقد هاجر يهود المارانو أيضاً إلى هولندا واستوطنوا في أنتورب، ثم في أمستردام، وتحالفوا مع البروتستانت في حربهم ضد الهيمنة الإسبانية، كما لجأ بعض يهود المارانو إلى الإمبراطورية العثمانية. وكان نمط الهجرة يأخذ في العادة شكل استيطان سفاردي في البداية ثم يتوافد المهاجرون الإشكناز.
стр. 2320
وقد أدَّى هذا، في بداية الأمر، إلى تزايُد عدم تجانس اليهود داخل القارة الأوربية. وفي داخل كل مدينة، كانت الجماعات اليهودية مستقلةً الواحدة عن الأخرى تماماً، ففي إيطاليا مثلاً كانت هناك جماعة يهودية إيطالية وأخرى إسبانية سفاردية وثالثة ألمانية إشكنازية، وكانت كل جماعة منفصلة عن الأخرى وتتصارع معها في بعض الأحيان. بل كانت الجماعة الواحدة تنقسم إلى عدَّة أقسام حسب المدينة التي ينتمي إليها أعضاؤها أصلاً.
ومع هذا، كان هناك فريقان أساسيان هما: السفارد ممن يتحدثون اللادينو، والإشكناز المتحدثون باليديشية، وبخاصة بعد أن انضمت الجماعات الصغيرة الأخرى إلى أحد الفريقين وفقدت هويتها بينهم. وتركز يهود المارانو في شبه جزيرة أيبريا وثغور البحر الأبيض المتوسط، وداخل الدولة العثمانية، وداخل أوربا، وفي العالم الجديد. أما اليهود الإشكناز فقد تركزوا في شرق أوربا وداخل بعض مدن وسط ألمانيا.
وكان الهرم الطبقي لليهود في الغرب يتكون من خمس أو ست طبقات. وعلى قمة الهرم، كانت تقف نخبة صغيرة من كبار المموّلين ويهود البلاط ويهود الأرندا ووكلاء الأمراء، وكان هؤلاء يُشكِّلون قيادة الجماعة اليهودية كما هو الحال مع يهود البلاط في وسط أوربا، والمهاماد في غربها، والقهال في شرقها، تليها طبقة أكبر من كبار التجار والوكلاء التجاريين وأصحاب المعامل. أما الطبقة الثالثة، وهي أكبرها حجماً، فهي جمهور الباعة الجائلين وبائعو الملابس القديمة وغيرهم من صغار التجار. وكانت هناك طبقة رابعة صغيرة من الحرفيين. وفي أسفل الهرم، كانت توجد قاعدة كبيرة من الجائلين والمتسوّلين والمتعطِّلين.
стр. 2321
وكما ذكرنا من قبل، كان بناء بعض المجتمعات الغربية فيما قبل الثورة الفرنسية هرمياً جامداً، وكانت حقوق الفرد تزداد بارتفاع مستواه الطبقي والاجتماعي. ولذا، لم يكن للفلاحين والأقنان أية حقوق تُذكَر. وكذلك الوضع بالنسبة ليهود ألمانيا، إذ كان يهود البلاط في قمة المجتمع ولهذا فقد كانوا يتمتعون بكل الحقوق تقريباً، أما يهود الجيتو فلم تكن لهم حقوق تذكر. وكان أعضاء الجماعة اليهودية في بروسيا يُقسَّمون حسب وضعهم في المجتمع ومدى نفعهم للدولة، وهو تقسيم تبنته فيما بعد معظم دول أوربا في القرن الثامن عشر الميلادي وتبنته روسيا في القرن التاسع عشر الميلادي.
وكانت قاعدة الهرم الطبقي اليهودي تمتد من القرى إلى المدن، وُيلاحَظ خلو هذا الهرم من الطبقة الوسطى المرتبطة بالصناعة ومن التجار متوسطي الحال ومن العمال والفلاحين والنبلاء. وكان أعضاء الجماعة اليهودية، نظراً لعلاقتهم المباشرة مع الحاكم من خلال يهود البلاط أو كبار المموِّلين الذين لعبوا دور الوسطاء (شتدلان) بين الحاكم وأعضاء الجماعة، أحسن حالاً من بقية أعضاء المجتمع الخاضعين لأهواء النبلاء وموظفي بقايا النظام الإقطاعي الذي لم يكن له قانون موحَّد أو قواعد ثابتة. وبرغم تزايد اندماج أعضاء الجماعات اليهودية في مجتمعاتهم، فقد ظلت الجماعات اليهودية محتفظة بشيء من تماسكها وبكثير من مؤسساتها، وهو ما جعلها منفصلة نوعاً ما عن المجتمع ومنعزلة عنه ومتمتعة بهوية شبه مستقلة.
стр. 2322
وبعد تناقص دور اليهود كجماعة وظيفية وسيطة تتشكَّل من تجار صغار ومرابين، بدأت الحضارة الغربية تحوِّلهم مرة أخرى إلى جماعة وظيفية وسيطة أخرى تضطلع بالدور التجاري نفسه ولكن بما يُعبِّر عن التغيرات التي خاضها المجتمع الغربي. فبعد أن كان أعضاء الجماعة اليهودية هم الإسفنجة أو الأداة التي يمتص بها الحاكم الإقطاعي فائض القيمة من داخل مجتمعه، تحولوا إلى أداة يستخدمها حاكم الدولة المطلقة في النشاطات التي تقوم بها هذه الدولة داخل وخارج حدودها، إذ لم تعُد هناك ضرورة لامتصاص فائض القيمة لأن مؤسسات الدولة كانت تقوم بذلك على وجه أفضل. ومع هذا، استمر بعض أعضاء الجماعة اليهودية في لعب دور الجماعة الوسيطة القديمة أي التجارة البدائية والربا، وهؤلاء هم اليهود الذين كانوا يوجدون في قاعدة الهرم. والواقع أن معظم، إن لم يكن كل، أعضاء الجماعات اليهودية (في قمة الهرم وقاعدته) كانوا يضطلعون بأشكال مختلفة من الوساطة.
وقد كوَّنت الجماعات اليهودية في هذه المرحلة شبكة علاقات تجارية على مستويين: عالمي متقدم، ومحلي بدائي. فكان كبار المموِّلين اليهود، من يهود البلاط وغيرهم، يربطون بين الدول المختلفة ويسدُّون احتياجات الأمراء للأموال وحاجات الجيوش إلى التموين. فكان يهود الأرندا في بولندا يزوّدون يهود البلاط في وسط أوربا بالأخشاب والمحاصيل الزراعية التي كان يحتاج إليها غرب أوربا ووسطها بسبب زيادة عدد السكان آنذاك. وكان بوسع يهود أمستردام تدبير المعادن النفيسة التي قد يحتاج إليها نبلاء شرق أوربا أو وسطها. كما كانت تساندهم القاعدة الكبيرة من كبار تجار الجملة، والسماسرة والوكلاء التجاريين الذين كان يساندهم آلاف الباعة الجائلين وصغار تجار العملة والحرفيون اليهود الذين كانوا يعملون في العادة بالقرب من الوسيط اليهودي فيقومون بتقطيع الماس والصياغة والنسيج وخياطة الملابس وإصلاحها.
стр. 2323
ولهذا السبب، كان بوسع كبار المموِّلين اليهود، من يهود البلاط أو غيرهم، أن يدبِّروا أية كمية من الذهب يريدها الإمبراطور أو الأمير، ويعدوا له التموين اللازم للحملات العسكرية التي يجرِّدها، وذلك في أسرع وقت ممكن ورغم ظروف الحرب. كما كان بوسعهم، من خلال الشبكة نفسها، القيام بأعمال التجسس لصالح هذا الفريق أو ذاك، وتوصيل المعلومات بسرعة غير متوفرة لأيٍّ من الفريقين المتحاربين، وذلك من خلال حلقة الاتصال اليهودية، سواء مع يهود الأرندا في بولندا أو يهود المارانو في الدولة العثمانية، أو المئات من صغار التجار والمموِّلين اليهود في طول أوربا وعرضها.
وقد استفادت كل دول أوربا المتحاربة من هذا الهرم التجاري اليهودي الممتد، فاستفاد منهم الكاثوليك والبروتستانت، والألمان والسويديون. ولذا، لم يمس أيٌّ من الأطراف المتحاربة أعضاء الجماعات اليهودية بأذى. ومن هنا، فإن الادعاء النازي بأن اليهود استفادوا من الحرب له أساس من الصحة، ولكنه لا يصور الحقيقة بأكملها، ولا يُفسِّرها.
وترجع إلى هذه الفترة بداية ارتباط الجماعات اليهودية بالاستعمار الغربي الحديث، وبخاصة في جانبه الاستيطاني، وكذلك تزايد اهتمام الغرب بالجماعات اليهودية باعتبارها عنصراً استيطانياً مالياً يشجع التجارة. فعلى سبيل المثال، كان أغلبية المستوطنين الأوربيين في سورينام من اليهود، وثار العبيد عليهم هناك. وقد سيطر المموّلون اليهود على كثير من أشكال التجارة الإستراتيجية، واشتركوا في كثير من المشاريع الاستعمارية، فساهموا في شركة الهند الشرقية الهولندية وفي غيرها من الشركات. كما اشتركوا في تجارة العبيد بنشاط كبير. واستوطنت بعض الجماعات اليهودية في العالم الجديد، وهو ما وسع نطاق الشبكة التجارية اليهودية.
стр. 2324
ويُلاحَظ أن أعضاء الجماعات اليهودية في شرق أوربا كانوا مرتبطين بالاقتصاد الإقطاعي التقليدي فيها، وبالنبلاء من خلال نظام الأرندا. أما في الغرب والوسط، فكانوا جزءاً من اقتصاد الدولة المطلقة، وبخاصة في مجال التجارة والنشاط الكولونيالي، أي تلك النشاطات المرتبطة بأهداف الدولة القومية الجديدة. وكان القاسم المشترك بين هذه النشاطات أن أعضاء الجماعات اليهودية كانوا في أغلب الأحيان مرتبطين بأهداف الحاكم ومعادين لكثير من طبقات المجتمع. كما أنهم، رغم تراكم ثرواتهم، لم يصبحوا قط جزءاً من الاقتصاد الرأسمالي الجديد، فلم يستثمروا أموالهم في الصناعات الجديدة بل ظلوا بمنأى عنها. وظل رأس المال اليهودي مرتبطاً بالدولة، فحين كان رأس المال اليهودي يؤسس المصانع، كانت هذه المصانع تابعة للدولة. ولأنهم لم يؤسسوا مصانع مستقلة، فقد ظلوا تحت حماية الدولة، لا علاقة لهم بالرأسماليين الآخرين ولا بالجماهير ولا بأيٍّ من الطبقات المهمة في المجتمع، ولذا فإنهم لم يساهموا في تطور الرأسمالية الرشيدة.
وكان أعضاء الجماعة اليهودية في الدولة المطلقة، وبخاصة في المراحل الأولى من تاريخها، إحدى أدوات التوحيد وفرض المركزية، بل كانوا أداة على درجة كبيرة من الكفاءة والموضوعية والحياد نظراً لوجودهم خارج المجتمع الغربي.
стр. 2325
ووضع الجماعات اليهودية في المجتمع الغربي كجماعة وظيفية وسيطة، وعلاقتهم الخاصة بالنخبة الحاكمة، يُفسِّر سرَّ تدهورهم بعد صعودهم. وتشكل الفترة من اندلاع حرب الثلاثين عاماً (١٦١٨ ـ ١٦٤٨ حتى توقيع معاهدة أوترخت عام ١٧١٣، بعد حرب الخلافة الإسبانية، قمة ازدهار الجماعات اليهودية، والتي تلتها مرحلة التدهور، فقد كان الحاكم يصادر أموال اليهودي بعد موته وهو ما كان يعوق أي تراكم رأسمالي. وكان الملك يرفض أحياناً دفع ما عليه من ديون، فيدفع جزءاً منها وحسب، الأمر الذي كان يؤدي إلى القضاء على ثروة المموّل اليهودي. وكان هذا أمراً سهلاً على الحاكم، نظراً لعدم وجود قاعدة جماهيرية تساند اليهودي، ونظراً لاعتماده الكامل والمذل على الحاكم. وكانت علاقة الشك المتبادل بين الحاكم والمموِّل اليهودي، رغم حاجة الواحد منهما إلى الآخر، تؤدي بالمموِّل إلى تهريب جزء من رأسماله خارج حدود البلد الذي يعيش فيه، فقد كان الشك يجعل من المستحيل على أعضاء الجماعة اليهودية أن ينتموا انتماءً قومياً كاملاً.
وقد بدأ التدهور بين السفارد في أواخر القرن السابع عشر الميلادي، فلم يعد هناك وكلاء يهود لأي بلاط أوربي في مدينة هامبورج ذات الأهمية التجارية. وعلى سبيل المثال، حينما عُيِّن مندوب يهودي للبلاط الدنماركي في أمستردام، اضطر مجلس الشيوخ بضغط من الجماهير إلى رفض الاعتراف به. كما انتقلت وكالتا إسبانيا والبرتغال في أمستردام من أيدي أعضاء الجماعة اليهودية في أوائل القرن الثامن عشر الميلادي. ولحق هذا التدهور نفسه بأعضاء الجماعة اليهودية من السفارد البرتغاليين في أمستردام، فتناقص استثمارهم في التجارة الدولية وفقدوا جزءاً كبيراً من رأسمالهم في مضاربات البورصة.
стр. 2326
وحدث الشيء نفسه بالنسبة إلى يهود ألمانيا، إذ دخلت السياسة المركنتالية الألمانية في مرحلة جديدة بعد عام ١٧٢٠، فبدأت تحمي الصناعات والبضائع المحلية ومنعت استيراد الصوف والمواد الخام الأخرى. وكان ازدهار الجماعة اليهودية في ألمانيا يستند إلى استيراد البضائع من هولندا وإنجلترا. ومن أهم البضائع التي كانوا يستوردونها الأقمشة الهولندية وبضائع أخرى من التي طُبِّق عليها الحظر. وقد أدَّى كل هذا إلى تدهور وضع الجماعات اليهودية. ورغم تحسن وضعهم لفترة وجيزة (عام ١٧٤٠) بسبب حرب الخلافة النمساوية، إلا أنهم لم يعودوا إلى سابق عهدهم، بل تزايد عدد الفقراء بينهم، فقد تضاعف مثلاً عدد فقراء اليهود السفارد البرتغاليين في أمستردام أربع مرات في فترة لا تتجاوز بضعة أعوام إذ زاد من ١١٥ إلى ٤١٥، إلى نحو ٤٠% من جملة أعضاء الجماعة السفاردية. وقد بدأ كبار المموِّلين اليهود بنقل رأسمالهم من التجارة اليهودية التقليدية إلى الصناعات الجديدة التي لم تكن صناعات يهودية (إن صح التعبير) ؛ إذ كانت الدولة المطلقة تضع القوانين التي تجعل من الصعب على صاحب رأس المال اليهودي أن يستأجر يهوداً وحسب.
стр. 2327
أما فيما يتصل بيهود بولندا، فقد كانت هجمات شميلنكي أول ضربة تلقوها ثم تلتها الفوضى السياسية التي تسببت في اضمحلال الجماعة اقتصادياً. ووضعت معاهدة أوترخت حداً لحالة الحرب التي ازدهرت بسببها الجماعات اليهودية، وساد السلام الذي ساهم في القضاء على الأساس الاجتماعي للتجارة اليهودية وفي القضاء على الحاجة إليها. وأثَّر هذا أيضاً على يهود الأرندا إذ لم تَعُد أوربا في حاجة إلى المحاصيل الزراعية أو الأخشاب. أما التجارة الكولونيالية، فقد بدأت تتسع وتحتاج إلى قاعدتين بشرية ورأسمالية واسعتين للغاية؛ وهو ما جعل رأس المال اليهودي الهزيل بدون أهمية كبيرة. وقد أدَّى تقسيم بولندا ثم اختفاؤها، كوحدة سياسية مستقلة، إلى تقسيم أهم وأكبر تجمُّع يهودي على الإطلاق. ولذا، فمع النصف الثاني من القرن الثامن عشر الميلادي، بدأ يتفاقم ضعف الحالة الاقتصادية ليهود أوربا: شرقها ووسطها وغربها. وبدأ أعضاء الجماعات اليهودية يعانون من الهامشية وانعدام الإنتاجية، لا لكسل طبيعي فيهم وإنما بسبب التطورات الاجتماعية والثقافية السريعة. وظهرت ظاهرة الشحاذ اليهودي (باليديشية: شنورير) ، وهذه كلها جوانب مما يُسمَّى «المسألة اليهودية» . ومما يجدر ذكره أن هذه المرحلة شهدت أيضاً تقلُّص نفوذ الجماعة اليهودية في الدولة العثمانية، وذلك نظراً لتزايُد النفوذ الغربي الذي شجع الأقليات المسيحية على حساب الجماعات اليهودية. وأخذ نصيب يهود الدولة العثمانية من تجارتها الدولية يتناقص ابتداءً من القرن السابع عشر الميلادي، حتى اختفى تماماً مع نهاية القرن الثامن عشر الميلادي.
стр. 2328
وكان أعضاء الجماعة اليهودية مرتبطين بالنظام السياسي الإقطاعي والدولة الإقطاعية في بولندا وفي غيرها من الجيوب نظراً لارتباطهم بالنخبة الحاكمة، ففي بداية الفترة التي نتناولها كان أعضاء الجماعة يقفون على مقربة من الدولة المطلقة ويخدمون أهدافها ومآربها. ولذا، فقد كانوا عرضة لهجوم أعداء السلطة الحاكمة نتيجة التطور التاريخي وتزايد نفوذ الدولة المطلقة ورغبتها في تصفية الجيوب الإثنية والدينية المختلفة كافة وكل الجماعات الوظيفية الوسيطة بما في ذلك تلك الجماعات التي خدمتها بعض الأوقات. ومن هنا جاء دور الجيب اليهودي، فقررت الدولة المطلقة أن تحل مسألتها اليهودية على طريقتها المألوفة وهي ترشيد اليهود، بإخضاعهم للإجراءات نفسها التي طبقت على مواطني الدولة المطلقة. وإذا كان الهدف من هذه العملية أن تصل الدولة إلى الفرد مباشرة بحيث يمكنها توظيفه لصالحها تماماً، وإدارته من خلال مؤسساتها العامة، فإنها لذلك أخذت شكل تحرُّك على مستويين؛ مؤسسي وفردي. فعلى مستوى المؤسسات، أُلغيت كل المؤسسات اليهودية الوسيطة مثل القهال والمهاماد وغيرها. ولكن ثمة أسباباً داخلية خاصة باليهود ساهمت في عملية ضعف المؤسسات الوسيطة ومن بينها ازدياد عدم التجانس المهني والوظيفي بين أعضاء الجماعات اليهودية وتدنِّي المستوى الحضاري والثقافي لقيادتهم، الأمر الذي جعل هذه القيادات غير مؤهلة لتمثيل الجماعة اليهودية أمام الحكام غير اليهود. أما على المستوى الفردي، فقد حدث ترشيد اليهود وتطبيعهم أي تحويلهم إلى إنسان عصر الاستنارة الطبيعي. وقد سُميَّت العملية «عملية إصلاح اليهود» ، أي تخليصهم من هامشيتهم وطفيليتهم وانعدام إنتاجيتهم وتحويلهم إلى عناصر نافعة يمكن توظيفها مع ما يوظَّف من عناصر مادية وبشرية أخرى في خدمة الدولة، ويمكن دمجها مع بقية المادة البشرية التي تكوِّن مواطني الدولة. ولم يكن هذا الأمر مقصوراً على أعضاء الجماعة
стр. 2329
اليهودية فقد أكد فكر حركة الاستنارة الحرية الشخصية وضرورة الحكم على الفرد من منظور مدى نفعه للدولة، ولذا كانت عملية الإعتاق والتحرير تتم بهدف زيادة نفع الإنسان وتحويله إلى مواطن منتج مستهلك (وقد وجدت فكرة تطبيع اليهود وتحويلهم إلى عناصر نافعة طريقها إلى الفكر الصهيوني) .
وقد تدخلت الدولة المطلقة في أخص خصوصيات الفرد اليهودي: متى يتزوَّج؟ ومن يتزوَّج؟ وأين يقيم؟ وماذا يرتدي؟ وكيف يحلق شعر رأسه؟ ومما يجدر ذكره أن الدولة المطلقة لم تكن تتدخل في شئون اليهود وحسب، بل كانت تتدخل في شئون كل الرعايا. ففي عام ١٦٦٦، أصدرت الدولة الفرنسية قراراً يقضي بأن يُعفَى من الضرائب كل من يتزوج وهو دون العشرين، وذلك حتى يبلغ سن الخامسة والعشرين. كما كان يُعفَى من الضرائب ربُّ كل أسرة يبلغ عدد أفرادها عشرة، بشرط ألا يكون أحدهم منخرطاً في سلك الرهبان! وصدر قرار عام ١٦٦٩ بفرض غرامة على الآباء الذين لا يزوجون أولادهم قبل سن العشرين، أو بناتهم قبل سن السادسة عشرة!
стр. 2330
كما تدخلت الدولة المطلقة في الأمور الدينية، فألغت المحاكم الحاخامية، وحرَّمت دراسة التلمود قبل سن السابعة عشرة، وهي إجراءات كانت تهدف إلى تحديث أعضاء الجماعة اليهودية وعلمنتهم حتى يصبحوا جزءاً عضوياً نافعاً يساهم في الإنتاج القومي للدولة. وهي كذلك عملية لم تنطبق ـ كما أسلفنا ـ على أعضاء الجماعة وحدهم وإنما على أعضاء المجتمع كافة. كما أن السلطات التي كانت تمارسها الدولة لم تختلف في أساسياتها عن السلطات التي كانت تمارسها الإدارة الذاتية اليهودية. بل ربما كانت السلطات الحكومية أكثر ليبراليةً وعقلانية، ولكنها مع هذا كانت أكثر قسوة بسبب ضخامة حجمها وبُعدها عن الفرد. ويظهر ذلك بشكل أكثر حدَّة في حالة أعضاء الجماعة اليهودية بسبب خصوصيتهم اليهودية، وبسبب أن عمليتي العلمنة والتحديث استخدمتا في البداية ديباجات مسيحية أخفت الجوهر العلماني التحديثي عن المسيحيين من مواطني الدولة المطلقة ومن ثم زادتها إيلاماً بالنسبة إلى اليهود.
стр. 2331
وإذا كانت عملية الإصلاح ترتبط بأسماء حكام مطلقين مثل جوزيف الثاني ونابليون بونابارت وألكسندر الثاني، في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، فإنها لم تختلف كثيراً عن السياسة التي طرحتها الثورة الفرنسية. فالفكر الكامن في الملكيات المطلقة والجمهوريات الثورية هو فكر عصر الاستنارة، والنموذج الكامن هو نموذج الإنسان الطبيعي. ومع هذا، كان وضع أعضاء الجماعة اليهودية وطريقة حلّ المسألة اليهودية يختلفان من بلد إلى آخر بحسب مستوى تطوُّر هذا البلد. فبالنسبة إلى الإمبراطورية النمساوية المجرية التي كانت تضم النمسا والمجر وبوهيميا ومورافيا، ثم جاليشيا التي كانت تضم كتلة يهودية كبيرة نوعاً ما، حاول الإمبراطور جوزيف الثاني أن يدمج اليهود في الإمبراطورية فأصدر عدة تشريعات في الفترة من ١٧٨١ إلى ١٧٨٩ كما أصدر عام ١٧٨٢ براءة التسامح التي كانت تهدف إلى تحديث المجتمع ككل وإلى إلغاء انعزالية اليهود المتمثلة في مؤسسات الإدارة الذاتية. وحدَّدت التشريعات حقوق النبلاء، كما استهدفت تحسين أحوال الفلاحين والحد من سلطان رجال الدين الكاثوليكي. وقد أُلغيت الشارة اليهودية التي كان على اليهود ارتداؤها خارج الجيتو. كما أُلغي كثير من القوانين التي كانت تحد من حركتهم، فأصبح من حقهم ممارسة أية حرفة وأن يعملوا بالتجارة والصناعة أو في أية وظيفة مدنية أو عسكرية، وأصبح من حقهم أن يشيِّدوا منازل خاصة بهم في أي مكان. ومُنحوا حق التمتع بشرف الخدمة العسكرية عام ١٧٨٧، كما حُظر عليهم استخدام اليديشية، وبخاصة التجار الذين كان عليهم أن يكتبوا حساباتهم بالألمانية. كما أصبح من المحظور على أعضاء الجماعات اليهودية ارتداء أزياء خاصة بهم، بل وفرضت عليهم الأزياء الأوربية، ومُنع الآباء من تدريس التلمود لأبنائهم قبل اكتمال دراستهم، وفُرض عليهم اختيار أسماء جديدة ألمانية. وقد حاولت حكومات الإمارات والدويلات الألمانية تطبيق
стр. 2332
سياسة ترمي إلى دمج اليهود، فأصدر فريدريك الأكبر ميثاقاً يضمن لهم حرية العبادة ولكنه يحدد في الوقت نفسه مكان سكناهم ونسبة المصرح لهم بالزواج.
وقد خاض اليهود في روسيا وبولندا عملية تحديث مماثلة في مرحلة لاحقة، وإن كانت قد أخذت شكلاً خاصاً نظراً لخصوصية وضع اليهود فيها ونظراً لتعثر عملية التحديث. هذا على عكس الوضع في فرنسا وإنجلترا وهولندا، وهي بلاد ذات بورجوازيات محلية قوية لم تخش منافسة التاجر اليهودي ولم ترفض توطين اليهود، وبخاصة المارانو، بل أتاحت أمامهم فرصة الاشتغال بجميع الحرف. وكانت اللاأهلية الشرعية (القانونية) المفروضة عليهم محدودة وآخذة في الاختفاء، كما لم تظهر في مثل هذه البلاد مسألة يهودية إذ أخذت فيها المسألة اليهودية شكلاً غير مستعص على الحل لأن الجماعة اليهودية لم تكن جسماً غريباً فيها، ولم تكن أيضاً متميِّزة اقتصادياً أو اجتماعياً أو ثقافياً، كما أن عدد أعضائها كان صغيراً. وكان لمعظم هذه البلاد مشروع استعماري قوي في فترة مبكرة، وأمكنها عن طريقه حلّ كثير من مشاكلها الاجتماعية.
стр. 2333
وكما أسلفنا، كان الاقتصاد المركنتالي يمثل تحدِّياً للمسيحية وقيمها، ومن ثم شكَّل تحدِّياً للاقتصاد التقليدي المسيحي المبني على القيم المسيحية التقليدية. وكانت التجارة اليهودية عنصراً مهماً من عناصر التحدي التي ساهمت في تقويض دعائم الاقتصاد التقليدي. وتمثَّل هذا التحالف بين القوى المدافعة عن المركنتالية والتجارة اليهودية فيما يُسمَّى «فيلوسيمتزم) Philo-Semitism» حب السامية) أي التحيُّز لليهود وحبّ المعرفة التي ينقلونها. وقد شهدت هذه المرحلة بالفعل تزايُد الاهتمام بالدراسات العبرية، وهو اهتمام على مستوى من المستويات يُعدُّ تحدِّياً للقيم المسيحية والتقليدية ويُعبِّر عن تراجعها فهو من ثم شكل من أشكال العلمنة. كما أنه مرتبط بظهور الشك الفلسفي في هذه المرحلة، أي أن حب السامية أو التحيز لليهود هو تعبير آخر عن تزايُد معدلات العلمنة في المجتمع الغربي. وقد تنبه بعض رجال الكنيسة إلى أن هذا الاهتمام باليهودية والدراسات العبرية يشكل هجوماً مقنَّعاً على المسيحية.
стр. 2334
ولعب المارانو دوراً أساسياً في علمنة الجماعات اليهودية، فقد كانوا كتلة بشرية متحركة لا جذور لها في بقعة جغرافية. ومن ثم، ساهموا بشكل فعّال في عملية التحديث والعلمنة على المستويين الاقتصادي والثقافي باشتراكهم في التجارة الدولية وفي بناء الدولة المطلقة، وبنشرهم لأول مرة كتباً وضعها يهود ولكن بإحدى اللغات الأوربية، وبإشاعتهم فكرهم الديني الذي كان جوهره تفكيراً لادينياً رافضاً لليهودية الحاخامية دون قبول دين آخر. وكانت اليهودية الحاخامية في ذلك الوقت قد بدأت تدخل أزمتها العميقة التي أودت بها في نهاية الأمر كعقيدة لأغلبية اليهود، إذ تحجرت تماماً داخل الجيتو وأصبحت خالية من المعنى منفصلة عن الواقع. وظهرت القبَّالاه لسد الفراغ النفسي والمعرفي، كما ظهر إسبينوزا من صفوف المارانو ووجه سهام نقده لليهودية وللفكر الديني بشكل عام، وترك اليهودية دون أن يؤمن بدين آخر. وبذلك، وضع إسبينوزا أساس اليهودية العلمانية بل والعلمانية ككل. وظهر شبتاي تسفي في الفترة نفسها، فطرح تصوراته التي قوَّضت دعائم اليهودية وتحدَّت القيادة الحاخامية الأرثوذكسية وأحرز شعبية غير عادية، بل وانضم إليه عدد كبير من الحاخامات. والواقع أن نجاح الشبتانية هو أكبر دليل على مدى عمق التغير الذي حدث لليهود واليهودية. وقد تزايدت معدلات العلمنة بين اليهود وتزايد ابتعادهم عن تراثهم الديني وغربتهم عنه بل واحتقارهم له، وهو احتقار كان يشعر به حتى المتدينون منهم. ومما عجل بعملية العلمنة أن قيادات الجماعات اليهودية انتقلت من يد الحاخامات إلى يد الأثرياء، من أمثال يهود البلاط الذين كانوا مُستوعَبين في الحضارة الغربية العلمانية حيث استمدوا شرعيتهم من تقبُّل مجتمع الأغيار لهم، هذا المجتمع الذي تشبهوا به وبطرقه، ولذا فقد كانوا هم النموذج الذي يُحتذى بين من يودُّون تحقيق النجاح.
стр. 2335
وأدَّت عمليات التحديث والعلمنة التي قامت بها الدولة المطلقة إلى ظهور نواة مستنيرة داخل الجماعات اليهودية يُقال لها «المسكليم» أي دعاة الاستنارة، وهي جماعات كانت منتمية بشكل شبه كامل للفكر الغربي غير اليهودي. كما ظهرت في صفوف اليهود جماعات مهنية وقطاعات اقتصادية مرتبطة بالاقتصاد الغربي الرأسمالي الجديد. لكل هذا، انتشر فكر عصر الاستنارة بينهم، وكانت الجماعات اليهودية عشية الثورة الفرنسية والانعتاق السياسي مهيأة لتقبُّل تحولات عنيفة. وتُعَدُّ معظم الفلسفات اليهودية الحديثة التي طُرحت في القرن التاسع عشر الميلادي، مثل الصهيونية وقومية الجماعات (الدياسبورا) ، استجابات لهذه التحولات.
وقد أخذت الفكرة الصهيونية تتغلغل في الفكر الغربي، الديني والعلماني، حتى أصبحت الإطار المرجعي الأساسي الذي يتم إدراك اليهود من خلاله، وأصبحت فلسطين مرتبطة في الذهن الغربي باليهود. ومع تزايد معدلات العلمنة في المجتمع الغربي، لم تختف الفكرة بل تم ترشيدها، واستُبعدت منها العناصر الغيبية مثل الشعب الشاهد والعقيدة الاسترجاعية، واكتسبت شكلاً علمانياً وأصبحت جزءاً من المشروع الاستعماري الغربي، فدعا توماس شيرلي إلى أن توطين اليهود في إنجلترا «لا لأنهم يهود وإنما لأنهم عنصر تجاري» .
стр. 2336
وقد ساد الخطاب العلماني في نهاية الأمر وضمر الخطاب الديني وتحوَّل إلي ديباجات تستخدمها شخصيات هامشية. وشهدت هذه المرحلة بروز ظاهرة معاداة اليهود بالمعنى العرْقي الحديث. والواقع أن فكر عصر الاستنارة، بطرحه فكرة الإنسان الطبيعي، وجد أن الخصوصية اليهودية تشكل تحدِّياً لهذه الفكرة. ولكن الفكر التنويري، بتأكيده على فكرة نفع الإنسان، وبانطلاقه من فكرة الإنسان الطبيعي العام، طلب من أعضاء الأقليات أن يُطبِّعوا أنفسهم ويرشِّدوها وأن يتَّبعوا القانون العام. ومن ثم طُلب منهم أن يتخلوا عن خصوصيتهم وعن كل ما يميِّزهم كأقلية إثنية أو دينية في الحياة العامة، ثم انسحب ذلك على الحياة الخاصة أيضاً حتى أصبح الجميع مواطنين نافعين، أي أن ما بدأ كمحاولة لإعتاق الأقليات انتهى بعملية دمجها وتذويبها، وهو النموذج الكامن في عصر الاستنارة: تحرير الإنسان من المطلقات ثم تفكيكه وتذويبه.
ويجب التنبه إلى أن عداء مفكري الاستنارة للخصوصية لم يكن مقصوراً على الخصوصية اليهودية بل كان هذا العداء عاماً لسائر الخصوصيات. كما كان بعض أعداء الخصوصيات المحلية يجدون أن خصوصية البريتون والفلامنج والأوكستينيان تسبب لهم قدراً من الضيق أكبر مما تسببه الخصوصية اليهودية. وكان مفكرو عصر الاستنارة يهاجمون المسيحية تحت ستار الهجوم على اليهودية (التي كانوا يسمونها «المسيحية البدائية» ) . ومن هذين العنصرين، ظهر الهجوم الشرس على اليهود في فكر الاستنارة. ولقد شكلت فكرة الشعب العضوي المنبوذ التي سادت في الفكر الغربي، وهي علمنة لبعض المفاهيم الدينية، الإطار المشترك للفكر الصهيوني والمعادي لليهود.
ومع العقود الأخيرة من القرن الثامن عشر الميلادي (١٧٧٠) ، بلغ عدد يهود العالم مليونين ومائتين وخمسين ألفاً، كان يوجد منهم في أوربا مليون وسبعمائة وخمسون ألفاً، أي الأغلبية العظمى، وكانت أغلبيتهم من يهود اليديشية في روسيا وبولندا وجاليشيا.
стр. 2337
الرومانسية والعداء للاستنارة (القرن التاسع عشر (
(Romanticism and the Counter-Enlightenment (Nineteenth Century
تأثر المفكرون اليهود في العالم الغربي بالرومانسية والفكر المعادي للاستنارة في النواحي التالية:
١ ـ الفكر العنصري الغربي هو إحدى ثمار الفكر المعادي للاستنارة.
٢ ـ فكرة القومية العضوية (والشعب العضوي [فولك] ) ، وهي فكرة تضرب بجذورها في الفكر المعادي للاستنارة، هي حجر الزاوية في الفكر الصهيوني.
٣ ـ اليهودية المحافظة واليهودية التجديدية متأثرتان بالفكر المعادي للاستنارة.
ونحن نذهب إلى أن الصهيونية، في بعض جوانبها، حركة «رومانسية» ، فالرومانسية هي عودة إلى مطلق لا زمني متجسد في شيء ما يوجد في الزمان والمكان يُطلَق عليه بشكل عام «الطبيعة» وإن كان يأخذ أسماء أخرى، والصهيونية هي عودة إلى مطلق متجسد في الزمان والمكان: فهي عودة للأرض أو لروح الشعب اليهودي. أما فيما يتصل بالجوانب السياسية والاقتصادية فيمكن العودة للباب المعنون «التحديث وأعضاء الجماعات اليهودية» .
الجماعات اليهودية في عصر ما بعد الحداثة (القرن العشرون (
Jewish Communities in the Age of Post-Modernism (Twentieth Century)
مع نهاية القرن التاسع عشر، وتزايد هيمنة الإمبريالية على العالم، تبدأ الصهيونية في إحكام قبضتها على الجماعات اليهودية في الغرب. ويصبح تاريخ الجماعات اليهودية، من الناحية السياسية، هو تاريخ صهينة هذه الجماعات أو رفضها للصهيونية ومحاولتها التملص منها. وقد تناولنا هذا الجانب وخلفياته التاريخية والفكرية والسياسية في المجلد الخامس.
стр. 2338
ولكن من الناحية الحضارية والثقافية، يدخل أعضاء الجماعات اليهودية عصر ما بعد الحداثة فيزداد اندماجهم في مجتمعاتهم ولا يوجد أي تمايز مهني أو حرفي قسري، كما لا يوجد أي تمييز ضدهم. ويزداد تهميش اليهودية الحاخامية في حياة أعضاء الجماعات اليهودية، فهم يصبحون إما يهوداً إثنيين (أي ملحدين) أو يهوداً إصلاحيين أو محافظين، وهي صيغ يهودية مخففة للغاية فقد بعضها كل علاقة باليهودية الحاخامية المعيارية. فهم، على سبيل المثال، يتقبلون الشذوذ الجنسي ويسمحون بقيام أبرشيات للشواذ جنسياً يقودها حاخامات (من الذكور والإناث) من الشواذ أيضاً ويظهر لاهوت موت الإله (تناولنا هذا الجانب في الأبواب الأخيرة من المجلد السادس) .
ويظهر ما نسميه «الهوية اليهودية الجديدة» ، وهي هوية غربية تماماً تغطيها قشرة زخرفية يهودية لا تؤثر في جوهر سلوك أعضاء الجماعات اليهودية. ويُلاحَظ أن المفكرين من أعضاء الجماعات اليهودية يصبحون جزءاً عضوياً من الفكر الغربي الحديث، فهوسرل ودريدا (رغم أصولهما اليهودية) مفكران غربيان تماماً. (انظر الأبواب الخاصة بالفكر والفلسفة وعلم النفس والاجتماع في هذا المجلد) .
الباب الثانى: العلمانية (والإمبريالية) واليهودية وأعضاء الجماعات اليهودية
الحلولية والتوحيد والعلمنة: حالة اليهودية (أطروحة ماكس فيبر وبيتر برجر)
Pantheism, Monotheism, and Secularism: Judaism as a Case Study-Max Weber's and Peter Berger's Theses
من القضايا الأساسية التي أُثيرت في علم الاجتماع الغربي قضية علاقة التوحيد والتجاوز بالعلمنة، إذ يذهب بعض المفكرين إلى أن التوحيد هو الذي يؤدي إلى العلمنة عَبْر مرحلتين:
١ ـ مرحلة ترشيد العبادة وحياة المؤمن والعالم بأسره في إطار التوحيد والمطلق المتجاوز.
стр. 2339
٢ ـ يعقب هذا مرحلة أخرى يَضْمُر فيها المطلق تدريجياً (وتحل المرجعية الكامنة محل المرجعية المتجاوزة) إلى أن يختفي الإله تماماً. حينئذ يتم ترشيد حياة الإنسان والعالم بأسره في إطار الواحدية المادية.
وهي إشكالية قد تبدو غريبة بعض الشيء، ولكنها إشكالية مهمة للغاية يمكن فهمها حين تُفهم حلقات المتتالية التي يطرحها دعاة هذا النموذج التفسيري. ونحن نطرح تصوُّراً مغايراً ومتتالية مختلفة تستند إلى تعريفنا للعلمانية (الشاملة) باعتبارها منظومة كامنة في الحلولية الكمونية وليس في التوحيد. فنحن نرى - كما أسلفنا - أنه لا يوجد فرق جوهري بين الحلولية الكمونية الروحية والحلولية الكمونية المادية، وأن وحدة الوجود الروحية هي في أساسها وحدة الوجود المادية، أي العلمانية الشاملة.
ولنبدأ بتعريف العلمانية (الشاملة) بأنها رؤية واحدية تدور في إطار المرجعية الكامنة المادية؛ تَرُدّ الكون بأسره إلى مبدأ واحد كامن فيه. ومن ثم فهي لا تفرِّق بين الإنسان والطبيعة بل تراهما مادة واحدة (نسبية) لا قداسة لها، خاضعة لقانون طبيعي واحد، ومن ثم يمكن إخضاعها للمقاييس الكمية الرياضية دون الرجوع إلى أية قيم مطلقة (معرفية كانت أو أخلاقية) بهدف زيادة التحكم فيها وتوظيفها، أي أنها رؤية تستبعد الإنسان المركب الرباني وتستبعد أيضاً مقدرته على تجاوز ذاته الطبيعية والطبيعة/المادة ليحل محله الإنسان الطبيعي المادي.
стр. 2340
وقد أشرنا إلى أن الترشيد هو إعادة صياغة الواقع والذات في ضوء «نموذج ما» . وقد يكون هذا النموذج دينياً (الإله المتجاوز) ، ولكن يمكن أيضاً أن يكون مادياً كمونياً متمركزاً حول الإنسان وعقله أو متمركزاً حول الطبيعة/المادة. وما يهمنا في سياق هذا المدخل هو النموذج الثاني، والأكثر شيوعاً في العصر الحديث، وهو النموذج الواحدي المادي الذي يجعل الطبيعة/المادة (لا عقل الإنسان) هي موضع الكمون. والترشيد العلماني هو ترشيد مادي يأخذ شكل تبنِّي الأساليب العلمية الموضوعية والبيروقراطية اللاشخصية في عملية تفسير الواقع وإدارة المجتمع وإعادة صياغته ورفض الالتفات إلى التقاليد والأعراف الأخلاقية والموروثة وكل المطلقات المتجاوزة والثنائيات، وهي عملية شاملة تُخضع كل شيء لقانون الأرقام والعقل. والترشيد، بهذا المعنى، هو عملية تجريد للعالم في إطار النموذج الواحدي الكموني المادي بحيث يُستبعَد كل ما لا يتطابق مع هذا النموذج، أي كل ما هو متجاوز لعالم الطبيعة/المادة. والعلمنة أيضاً عملية تطبيع، أي إدراك الإنسان باعتباره ظاهرة طبيعية وجزءاً عضوياً لا يتجزأ من الطبيعة/المادة، وعلى أساس أن ما يسري عليها يسري عليه، أي أن العلمنة هي عملية نزع القداسة عن الكون ورؤيته في إطار قانون مادي واحد كامن فيه، ومن ثم فهي عملية ترشيد وتجريد وتطبيع. ويُشكِّل هذا التعريف إطار مناقشتنا لآراء عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر وآراء عالم الاجتماع الأمريكي بيتر برجر في موضوع علاقة التوحيد بالترشيد ومن ثم العلمنة، وتطبيق هذا على حالة اليهودية.
стр. 2341
يذهب ماكس فيبر إلى أن اليهودية، بوصفها ديانة توحيدية، قامت بدور أساسي في عملية الترشيد. فديانات الشرق الأقصى الحلولية الكمونية تهدف إلى أن يصبح المؤمن في حالة اتزان مع نفسه ومع الطبيعة ومع الخالق. وهي تختزل المسافة بين الإنسان من جهة والإله والطبيعة من جهة أخرى، فهي ديانات ترى الإله حالاًّ في الطبيعة والإنسان كامناً فيهما. أما الديانات التوحيدية فهي تخلق مسافة بين الخالق والمخلوق إذ أن الخالق متجاوز للطبيعة والإنسان منزَّه عنهما، ولذا لم يَعُد هدف المؤمن هو توازن علاقته مع نفسه ومع الدنيا وعالم الطبيعة وإنما التحكم فيها. ويرى فيبر أن هذه المحاولة للتحكم في الذات والعالم، باسم مَثَل أعلى موحَّد، هي خطوة أولى نحو الترشيد. واليهودية، باعتبارها أولى الديانات التوحيدية، لعبت (حسب تصوره) دوراً حاسماً في هذا المضمار، فهو يرى مثلاً أن السحر يعوق التقدم وترشيد الحياة الاجتماعية والاقتصادية. واليهود هم أول من تحرروا من نير السحر، فقد أسقطوا الآلهة المختلفة وحولوها إلى شياطين لا قداسة لها. ويعود هذا إلى تبنِّي اليهودية لما سماه فيبر «الروح الشعبية أو الجماهيرية» التي تتلخص رؤيتها فيما يلي:
١ ـ صاغت الروح الشعبية فكرة العدالة الإلهية (بالإنجليزية: ثيوديسي theodicy) وهي قضية لماذا خلق الإله العادل الشر. والرد اليهودي على هذه القضية رد عقلاني، فالإله كيان عقلاني رشيد، ويأتي بأفعال ذات دوافع عقلانية مفهومة للإنسان، والإنسان كيان حر مسئول عما يقترفه من آثام وعما يأتيه من أفعال خيِّرة.
стр. 2342
٢ ـ حارب المدافعون عن الرؤية الشعبية ضد فكرة أن قرارات الخالق نهائية ولا يمكن تغييرها، وطرحوا بدلاً من ذلك فكرة أن الإنسان، من خلال طاعة الخالق وتنفيذ وصاياه، يمكنه أن يحوز الرضا فيكافئه ويرفع عنه العذاب. ولكن الإنسان، داخل هذا الإطار الأخلاقي، لا يتسم بالخيلاء أو الثقة بالنفس، وهو ما يسميه فيبر «سيكولوجيا الفرسان» ، فخالق الجماهير يتطلب الطاعة والتواضع والثقة فيه.
٣ ـ تنظر الروح الشعبية إلى المبادئ الأخلاقية باعتبارها نسقاً من الأخلاقيات العملية المرتبطة بالحياة واحتياجاتها.
٤ ـ ولذا، فإنها تخلو من أية عناصر سحرية، فالإنسان الذي لا يطيع الخالق سيُنزل به العقاب، ولا يمكن لأية صيغ سحرية أن تنقذه منه.
стр. 2343
وحسب تصوُّر فيبر، كانت السمتان الثالثة والرابعة هما الإضافة الإبداعية للتراث اليهودي الديني التوحيدي التي لم تظهر في الديانة المصرية أو البابلية (وهو رأي غريب بعض الشيء يغرق في التعميمات الكاسحة، ولكننا لن نناقشه حتى نستمر في عرض أطروحة فيبر) . وقد ساهمت طبيعة المجتمع العبراني في تطوير السمات الأربعة السابقة كلها (التي يمكن أن نسميها «توحيدية» باعتبار أنها تؤكد مسئولية الإنسان الأخلاقية وحريته وعدم جدوى اللجوء للسحر والقرابين) لأنه كان مجتمعاً بدائياً مقسماً إلى قبائل تدخل في علاقة متكافئة فيما بينها في زمن الحرب، علاقة تستند إلى عقد أو ميثاق أو عهد (بالعبرية: بريت) يُعقَد بين القبائل من جهة ويهوه (إله الحرب) من جهة أخرى. وقد ظهرت يسرائيل باعتبارها «شعب إله الحرب» (وهذا هو المعنى الحقيقي لكلمة «يسرائيل» حسب تصور فيبر) . ولم يكن هناك إطار ثابت يضم كل هذه القبائل، وإنما كانت هذه القبائل تدخل في علاقة مؤقتة تحت قيادة كاريزمية يُطلَق عليها اسم «القضاة» ، وهم «أنبياء حروب» على حد قول فيبر. وكان الجميع متساوين داخل هذا الإطار، فكلهم يضطلعون بالوظائف نفسها ويؤدون الواجبات نفسها ويتمتعون بالحقوق نفسها. وقد كان هذا ممكناً لأن التكنولوجيا العسكرية كانت بدائية جداً، إذ كانت الحروب تتم إما على الأقدام وإما على ظهور البغال. وكان على الجميع أن يتحملوا الأعباء نفسها ويتجشموا المصاعب نفسها، ومن ثم ظهرت فكرة العهد التي ظلت شائعة في صفوف الجماهير اليهودية بكل ما تنطوي عليه من عقلانية وأخلاقية ومساواة بين أعضاء المجتمع العبراني، إذ كان المذنب يُطرَد من حظيرة الدين أو يُرجَم بالحجارة، الأمر الذي يعني استبعاد السحر كوسيلة للتقرب من الخالق.
стр. 2344
ثم ظهر النظام الملكي العبراني وغيَّر هذا الوضع تماماً، فقد أعاد صياغة البناء الطبقي للمجتمع وشكل حرساً ملكياً خاصاً وجيشاً نظامياً وإدارة مركزية يتبعها نظام كهنوتي تابع للبلاط الملكي.
وقد تزامن ذلك مع تغيُّر فنون الحرب وأدواتها، إذ ظهرت العربات الحربية والأحصنة. وكان المجتمع العبراني، قبل ظهور الملكية، مكوناً من ثلاث طبقات:
أ) طبقة أرستقراطية حضرية تضم في صفوفها كبار الملاك الذين يعيشون من ريع ضياعهم.
ب) طبقة الجماهير (يستخدم فيبر الكلمة اللاتينية «بلبز plebs» ) التي تضم الفلاحين الذين كانوا يتمتعون بقدر من الاستقلال الاقتصادي في بادئ الأمر قبل أن تتدهور أحوالهم فيما بعد، كما كانت تضم الحرفيين والرعاة.
جـ) طبقة البدو الرحل.
وقد قامت الملكية بضم الأرستقراطية الحضرية إلى صفوفها وحولتها إلى نخبة حاكمة مع الكهنة والأرستقراطية العسكرية التي كوَّنت طبقة الفرسان، وحل كهنة البلاط المدربون محل أنبياء الحرب. وكل هذا يعني ظهور طبقات سياسية وعسكرية ودينية حاكمة متخصصة يتم تجنيد أعضائها من شريحة صغيرة من السكان، وهو ما يعني استبعاد القاعدة العريضة من الجماهير (بلبز) . وقد أدَّى ذلك إلى اتساع الهوة بين طبقات المجتمع وإلى ظهور عقيدتين سياسيتين متصارعتين. فتبنَّى أعضاء النخبة الحاكمة، بثقتهم الزائدة في أنفسهم، سيكولوجيا الفرسان (الحلولية) . كما أن اعتمادهم على ريع ضياعهم جعلهم يتبنون عبادة إله الخصب بعل (الحلولية) الذي كان يحكم الناس تماماً كما يحكم الإقطاعي أقنانه وفلاحيه.
стр. 2345
أما الجماهير، فقد ازداد ارتباطها بالماضي البدوي البسيط وبُمثله العليا وبعبادة يهوه. وقد قامت طبقة المثقفين الذين لم يجدوا مكاناً لأنفسهم في الهيكل السياسي الملكي الجديد بقيادة هذه الجماهير، كما أن هؤلاء المثقفين هم الذين عمَّقوا وطوَّروا ديانة يهوه. وكانت القضية الأساسية التي واجهوها هي قضية العدالة الإلهية (إذ كيف يمكن تفسير بؤس الجماهير؟) ، فقاموا بتطوير العقيدة على أسس عقلانية للإجابة عن هذا السؤال بطريقة تلائم نفسية الجماهير وحسها الديني وتطلعها إلى توضيح الأمور بالنسبة لمصيرها وحلمها بمستقبل مزهر. ومن هنا، كان الإيمان بأن يهوه يتصرف ككائن عاقل يمكنه أن يُغيِّر قراراته. ويصبح أساس هذه الرؤية هو أن يحاول الإنسان أن يكتشف إرادة يهوه وتعاليمه وأن يكشفها للجماهير حتى يمكنها أن تحيا حسب هذه التعاليم، وبالتالي يمكن التأثير في يهوه ليغيِّر قراراته ولينقذ المؤمنين به من البؤس السياسي والاجتماعي.
وقد ورث الأنبياء تراث اللاويين وأنبياء الحروب (القضاة) ، فحاولوا كأسلافهم اكتشاف إرادة يهوه وتحاشوا الطقوس السحرية. والنبي، بحسب تعريف فيبر، هو «إيش هارواح» ، وهي عبارة عبرية تعني «رجل الروح» . ويضيف فيبر إلى هذه العبارة كلمة «عقلانية» ليصبح النبي هو «رجل الروح العقلانية» ، أي المعادي للسحر والمنتمي إلى دعاة الترشيد، وهو أيضاً رجل جماهير ( «ديماجوج» أي «مهيج» ) . وربط الأنبياء فكرة العهد أو الميثاق مع يهوه برؤيتهم للمستقبل وللحرية النهائية لأعضاء جماعة يسرائيل، وكانوا يتصورون أن يهوه سيدخل مستقبلاً في ميثاق لا مع جماعة يسرائيل وحسب بل ومع أعدائها ومع كل الشعوب، وحتى مع المملكة الحيوانية. ويرى فيبر أن إسهام الأنبياء يتلخص في أنهم عمَّقوا عقلانية مفهوم يهوه فربطوا بينه وبين الجماهير، وجعلوا من يهوه إلهاً للعالمين، وبذا حققوا الانتصار النهائي لعملية الترشيد التوحيدي على العناصر السحرية.
стр. 2346
وقد ورث الفريسيون تراث الأنبياء، وكانوا يمثلون طبقة البورجوازية الصغيرة، خصوصاً الحرفيين، ومن هنا جاء التوجه العملي لعقيدتهم. وكانت شرعية الفريسيين لا تستند إلى أية أعمال سحرية وإنما إلى التوراة، أي إلى تعاليم الخالق. وقد سيطرت رؤيتهم على اليهود في شتاتهم، أي في انتشارهم، بحيث أصبح نشاط اليهود الفكري الأساسي هو دراسة التوراة. إن هذه الرؤية لابد أن تكون معادية للسحر ولعبادة بعل الحلولية المرتبطة بالسحر والطقوس الجنسية والقرابين البشرية، فهي رؤية تؤدي إلى ترشيد عملية الخلاص بحيث لا يتم بطريقة عشوائية عن طريق إرضاء الإله بالقرابين والتعاويذ كلما ظهرت الحاجة، وبلا منطق أخلاقي واضح وبالوسائل السحرية، وإنما يتم بطريقة منهجية منظمة عن طريق العمل الصالح (في الدنيا) وضبط النفس واتباع المُثُل الأخلاقية والتعامل مع الذات ومع الواقع وإخضاع الذات والعالم لقانون الإله الواحد بطرق متكاملة لا تترك أية تفاصيل خارج نطاق عملية الخلاص المنهجية، بحيث يقوم المؤمن بإخضاع نسق حياته بكل تفاصيله لقواعد خارجية فيكافئه الإله العادل على أفعاله. وتؤكد هذه الرؤية أيضاً تزايد تحكم الإنسان في مصيره وفي بيئته وتركُّز الاهتمام على هذه الدنيا. ولذا، فإن الخلاص لا يتم عن طريق الشطحات الصوفية والانسحاب من الدنيا وإنما بإطاعة قانون الإله وتسخير الذات والواقع في خدمته بشكل منهجي، ومن ثم ظهرت روح الإنجاز بين اليهود إذ توجد علاقة وثيقة بين الرغبة في التحكم وروح الإنجاز. ومع تزايد التحكم وروح الإنجاز، يزداد التوجه إلى المستقبل والتركيز عليه.
стр. 2347
كل هذه العناصر هي، في نظر فيبر، أشكال من ترشيد علاقة الخالق بالمخلوق. ومع أن هذا الترشيد يتم في إطار ديني، فهو ترشيد تقليدي متوجه نحو القيمة التي تحددها المعايير الأخلاقية المطلقة، إلا أن الصيغة المنهجية التي يتم بها هي بمثابة إعداد نفسي للإنسان والمجتمع يخلق تبادلاً اختيارياً أو قابلية للترشيد العلماني الحديث (وهو ترشيد إجرائي يتم خارج إطار أية مطلقات معرفية أو أخلاقية في مرحلة تاريخية لاحقة) . فإخضاع الحياة الدينية لمنهج متسق أدَّى إلى استبعاد الطرق الارتجالية للتحكم؛ مثل السحر والأشكال البدائية للتنبؤ. فحل النبي محل الساحر، ثم استمرت العملية حتى حل البيروقراطي الحديث محل الجميع (وهذا هو ما يسميه فيبر «نزع السحر عن العالم» ) ، أي أن اليهودية (باعتبارها ديانة توحيدية) دعمت الاتجاه نحو الترشيد في الحضارة الغربية (ومن ثم الحضارة الحديثة بشكل عام) .
الجدير بالذكر أن فيبر يشير إلى أن اليهودية لم تكمل العملية الترشيدية نظراً لظهور عقائد غير رشيدة داخل اليهودية. فالأنبياء أكدوا أن الإله هو إله العالمين، ولكنهم مع هذا أكدوا أيضاً أن جماعة يسرائيل هي وحدها شعبه المختار، وأن كل الشعوب الأخرى ليست إلا وسيلة لتحقيق غايته، أي أن يهوه أصبح إلهاً عالمياً وإله شعب يسرائيل في آن واحد. وقد فُسِّر هذا التناقض على أساس أن يهوه هو رب العالمين حقاً بمقدار دخوله في ميثاق أو عهد مع شعب يسرائيل وحده.
وبهذا، أصبح أعضاء جماعة يسرائيل هم الشعب المختار. ولكنهم حينما أصبحوا فيما بعد شعباً منبوذاً ليس لهم أي استقلال سياسي، بدأوا في تفسير هذا المفهوم تفسيراً جديداً. فهذا الشعب المختار المنبوذ بوسعه، من خلال المعاناة والإيمان بالخالق، أن يصبح مخلّصاً للإنسانية جمعاء، وبذا أصبح الشعب منبوذاً لأنه مختار، بل أصبح النبذ هو أكبر شاهد على اختياره.
стр. 2348
وقد واكب ذلك ظهور الأخلاقيات المزدوجة التي تعني وجود مقياس للحكم على الشعب مختلف عن ذاك الذي يُستخدَم للحكم على الشعوب الأخرى. ثم قام عزرا ونحميا بتشديد قبضة الشعائر على اليهود وقويا دعائم الجيتو الداخلي، وبذا بدأ الشعب اليهودي في عزل نفسه طواعية عن بقية الشعوب. وهذه الأفكار (خصوصية يهوه ـ الشعب المختار ـ الأخلاقيات المزدوجة ـ العزلة الشعائرية) تتنافى مع عملية الترشيد، تلك العملية التي قام بها، وبشكل كامل، المسيحيون البروتستانت وليس اليهود. ولكن فيبر يذهب، مع هذا، إلى أن اليهودية ساهمت بشكل أكيد في توليد عملية الترشيد، وأن المسيحية الغربية ورثت هذه العناصر الرشيدة والترشيدية من العقيدة اليهودية، ثم قامت بتطويرها ووصلت بهذا التطوير إلى منتهاه: العلمنة الكاملة للمجتمع.
ويتفق بيتر برجر مع ماكس فيبر في أن اليهودية لعبت دوراً في عملية الترشيد، ولكنه ينسب لها أهمية أكبر من تلك التي ينسبها لها فيبر. ولتوضيح هذه النقطة يُعرِّف برجر العلمنة بأنها «استقلال مجالات مختلفة من النشاط الإنساني عن سيادة المؤسسات الدينية ورموزها» ، أي انحسار القداسة عن الدنيا بشكل تدريجي نتيجة لتزايد ترشيد العالم. ويشير برجر إلى أن ثمة واحدية كونية (بالإنجليزية: كوزميك مونيزم cosmic monism) تسم العبادات المصرية والشرقية القديمة التي تنطلق من الإيمان بأنه لا يوجد فارق كبير بين عالم الطبيعة والإنسان من جهة وعالم الآلهة من جهة أخرى، إذ يحل الإله في الإنسان والطبيعة ويوحِّد بينهما (المرجعية الكمونية) . ويرى برجر أن اليهودية تختلف عن الرؤى الكونية الوثنية (التي تتسم بالحلولية الكمونية) والتي سادت الحضارات المجاورة، وأن نقط الاختلاف هي نفسها التي جعلت اليهودية تلعب دوراً مهماً في ترشيد الواقع ومن ثم في ظهور العلمانية:
١ ـ الإيمان بإله مفارق:
стр. 2349
آمن العبرانيون، أو جماعة يسرائيل (حسب رأي برجر) بإله مفارق للدنيا (المرجعية المتجاوزة) ، وهو ما يعني وجود ثغرة ومسافة بين الخالق والطبيعة وبين الخالق والمخلوقات، ومن ثم فإن القداسة تم نزعها إلى حدٍّ ما من العالم. فإله العهد القديم لا يحل في الدنيا أو في أرض الوطن التي ينتمي إليها العابد، كآلهة العالم الوثني، وإنما يقف خارج الكون ويواجهه، فهو ليس بإله قومي مرتبط بشكل حتمي ونهائي بجماعة يسرائيل في الماضي والحاضر والمستقبل، وإنما يرتبط بهذه الجماعة بعقد محدَّد واضح.
٢ ـ رؤية التاريخ باعتباره منفصلاً عن الطبيعة إذ يتجلَّى فيه الإله:
يصف برجر العقد بين الإله وجماعة يسرائيل بأنه تاريخي، أي يتحقق في التاريخ الإنساني لا في آخر الأيام. ومعنى ذلك أن اليهودية ديانة تاريخية على عكس الديانات الوثنية الحلولية (الكمونية) حيث يحلُّ الإله في الطبيعة، ومن ثم فهي عبادات طبيعية. والعهد القديم لا يحوي أساطير كونية تخلع القداسة على كل شيء في الطبيعة وإنما يحوي تاريخ أفعال الإله وبعض الأفراد المتميِّزين من ملوك وأنبياء. والأعياد اليهودية، في تصوُّره، لا تحتفل بقوى كونية، فهي ليست أعياداً طبيعية تحتفل بتغير الفصول، وإنما هي أعياد تحتفل بأحداث تاريخية محددة. وكل هذا يعني أن القداسة تم انتزاعها من الطبيعة، بل ومن بعض أحداث التاريخ، ولا تتجلى القداسة إلا في جوانب محدَّدة من تاريخ جماعة يسرائيل على وجه الخصوص وتاريخ العالم بأسره على وجه العموم، أي أن بعض جوانب التاريخ، لا الطبيعة بأسرها، أصبحت هي موضع الكمون والحلول الإلهي.
٣ ـ ترشيد الأخلاق:
стр. 2350
ثمة انفصال، إذن، بين الإله والتاريخ من جهة والطبيعة من جهة أخرى. ولا تنتمي الشرائع والأخلاق التي يهتدي الإنسان بهديها لعالم الطبيعة الكوني، فهي أوامر من الخالق يتم تنفيذها في المجتمع داخل الزمان. ولكل هذا، يرى برجر، مثله مثل فيبر، أن الرؤية اليهودية تذهب إلى أن حياة الفرد والأمة يجب أن تسخَّر في خدمة الإله بشكل منهجي ومنظم حسب القواعد التي أرسل بها، وبذلك يكون قد تم ترشيد الأخلاق الإنسانية بفصل الإنسان والأخلاق عن عالم الطبيعة، ومن ثم تم استبعاد التعاويذ والصيغ السحرية كوسائل للخلاص.
والمتتالية الكامنة في كتابات فيبر وبرجر، والتي تربط بين التوحيد والعلمنة من خلال عملية الترشيد، هي كما يلي: ثورة توحيدية على الواحدية الكمونية الكونية ـ الإيمان بالإله الواحد المتجاوز للطبيعة والتاريخ (المرجعية المتجاوزة) ـ الإيمان بمقدرة الإنسان على تجاوز واقعه وذاته ـ انعدام التوازن بين الذات والطبيعة ـ ترشيد (أي إعادة صياغة) عملية الخلاص وحياة المؤمن، وأخيراً العالم بأسره، في ضوء الإيمان بالإله الواحد (المبدأ الواحد) لاسترجاع شيء من التوازن ـ عدم التعامل مع الواقع بشكل ارتجالي وإنما بشكل منهجي بهدف التحكم فيه لخدمة الإله أو المبدأ الواحد (ترشيد تقليدي متوجه نحو القيمة) ـ اختفاء القيمة والمقدرة على التجاوز وظهور الترشيد المتحرر من القيم والمتوجه نحو أي هدف يحدده المرء (الترشيد الإجرائي) ـ وهذا النوع من الترشيد يتم دائماً في واقع الأمر في إطار الطبيعة/المادة والإنسان الطبيعي/المادي (المرجعية الكامنة) - العلمنة الكاملة.
следующие страницы →