← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

«رابطة الثقافة اليهودية» (بالألمانية: يوديشر كولتوربوند Juedischer Kulturbund) منظمة ألمانية يهودية تأسست في ألمانيا النازية عام ١٩٣٣، بمبادرة من النظام النازي وبعض المثقفين الألمان اليهود مثل كورت باومان وكورت سنجر ويوليوس باب وفرنر ليفي. وتصدر الجماعة عن الإيمان بفكرة الشعب العضوي والشعب العضوي المنبوذ. حيث ذهبوا إلى أن أعضاء الجماعة اليهودية هم أعضاء في شعب عضوي (فولك) ، ومن ثم لا يحق لهم المشاركة أو المساهمة في الحياة الثقافية العامة في ألمانيا، وهو افتراض قبله الصهاينة وكثير من المثقفين اليهود في ألمانيا وخارجها قبولاً تاماً. وكان مفهوم الشعب العضوي هو القيمة الحاكمة والمسلمة النهائية في المنظومة النازية، ولذا بارك جوبلز وزير الدعاية النازي نفسه فكرة تأسيس الرابطة التي استمرت في نشاطها حتى عام ١٩٤١، وكانت بمنزلة المنبر الأساسي للكُتَّاب والموسيقيين اليهود. وقد بلغ عدد أعضائها ١٧ ألفاً ثم زاد إلى ١٩ ألفاً بعد عدة شهور، وكان يعمل فيها عدد كبير من الموظفين و١٢٥ من الموسيقيين والممثلين والمغنين، وكانت تطبع بعض منشوراتها بالعبرية واليديشية (الوعاء الثقافي لتراث الشعب العضوي) .

стр. 2277

ونظراً لنجاح الرابطة، تم في عام ١٩٣٨ تأسيس شبكة قومية من فروع الرابطة في كل أنحاء ألمانيا بلغ عددها ١٦٨ فرعاً، وبلغ عدد أعضائها ١٨٠ ألفاً (أي أنها كانت تضم معظم يهود ألمانيا الراشدين) ، بل بلغ حجم العضوية في برلين وحدها ما بين ١٢ ألفاً و١٨ ألفاً. وبلغ عدد الفنانين اليهود التابعين للرابطة حوالي ألفين. وقامت الرابطة بتنظيم ما يقرب من ٨٤٥٧ برنامجاً تشمل محاضرات وحفلات ومسرحيات وعروضاً فنية. وحققت إيراداً بلغ مليوناً وربع مليون مارك. كما كان لها جريدتها الخاصة. وقد شاركت الرابطة بنشاط ملحوظ في الدعاية النازية، سواء في الداخل أم في الخارج. ففي الداخل، قامت الرابطة بزيادة التماسك العضوي والوعي اليهودي بين أعضاء الجماعة اليهودية، الأمر الذي يعني زيادة عزلتهم وإعطاء مصداقية للرؤية النازية لليهود. أما بالنسبة للخارج، فكانت تعطي صورة مشرقة للحكم النازي في علاقته باليهود وفي سماحه لهم بالإفصاح عن هويتهم العضوية. ورغم أن أغلب البرامج الثقافية والعلمية المقدمة من قبَل الرابطة كانت تخضع لرقابة البوليس السري (جستابو) وغرفة الفنون والثقافة ثم لرقابة قيادات الحزب النازي في برلين، إلا أن السلطات النازية حرصت على استمرار نشاط الرابطة حتى بعد أحداث عام ١٩٣٨، حينما تم الهجوم على الممتلكات اليهودية وإلقاء أعداد كبيرة من أعضاء الجماعة اليهودية في معسكرات الاعتقال، واستجابت لمطالب رؤساء الرابطة الخاصة بالسماح لهم باستخدام المسارح الألمانية لتقديم عروض الرابطة وتأسيس دور عرض سينمائي خاصة بها. كما عرضت تقديم دعم مالي لها، وقامت بتقديم الأرباح التي حققتها من خلال جريدتها ودور العرض السينمائي إلى المنظمات المختصة بتنظيم هجرة أعضاء الجماعة اليهودية إلى خارج ألمانيا. وقد نجح بعض قادة الرابطة في الهجرة، وتم حل الرابطة بشكل نهائي عام ١٩٤١ بأمر من الحكومة.

стр. 2278

ولم تكن هذه الرابطة حادثة عرضية في تاريخ علاقة النازيين بالجماعة اليهودية. فقد أظهر النازيون دائماً اهتماماً غير عادي بالثقافة اليهودية باعتبارها تعبيراً عن أن الشعب اليهودي شعب عضوي مستقل. ولذا، أسست السلطات النازية أهم متحف يهودي في العالم آنذاك في تشيكوسلوفاكيا (ولا يزال هذا المتحف قائماً) . وفي مستوطنة تيريس آينشتات، ازدهرت الثقافة اليهودية، وكانت الفرق الموسيقية تقدم عروضاً للزوار الأجانب وتصور الأفلام وتوزعها على العالم. ولم يكن سلوك النازيين (هذا) ينم عن أي تسامح أو اضطهاد، وإنما هو تعبير عن إيمان بأن القومية العضوية تشكل أرضية تفاهم مشتركة بينهم وبين الصهاينة، وهي أرضية لا توجد بينهم وبين أي فريق يهودي آخر. تيريس آينشتات Thereseinstadt » تيريس آينشتات Thereseinstadt» مدينة في تشيكوسلوفاكيا (وتُسمَّى «تيريزين» بالتشيكية) حولها النازيون إلى مستوطنة نموذجية بين عامي ١٩٤١ و١٩٤٥. رُحِّل إليها حوالي ١٥٠.٠٠٠يهودي من يهود وسط أوربا وغربها من المتميِّزين أو المسنين أو اليهود من أبناء الزيجات المختلطة. وقد أيد زعماء الجماعة اليهودية في تشيكوسلوفاكيا الخطة، باعتبار أن هذا يعني بقاء يهود تشيكوسلوفاكيا في وطنهم. ويُقال إن الهدف النازي من تأسيس هذه المستوطنة النموذجية كان إعلامياً بحيث تقدم للإعلام العالمي باعتبارها مثالاً على "حياة اليهود الجديدة تحت حماية الرايخ الثالث" (وهو اسم أحد الأفلام التي صُورت في المستوطنة (.

стр. 2279

وقد أدار المستوطنة مجلس من الكبراء يضم القادة اليهود ويترأسه أحد كبراء اليهود كانت تعينه السلطات الألمانية. وتمتعت المستوطنة بحريات كثيرة، حيث كان لها نظامها التعليمي ونظامها البريدي المستقل ومكتباتها وهويتها الثقافية. ومن ثم، كان من مسئوليات مجلس الكبراء الحفاظ على النظام في المستوطنة وتوزيع العمل فيها وتوطين المستوطنين الجدد والعناية بالصحة وبالمسنين والأطفال والإشراف على النشاط الثقافي. كما كان يتبع المستوطنة نظام قضائي مستقل (أي أن تيريس آينشتات كانت تتمتع بالحكم الذاتي) . وقد سمحت السلطات النازية لسلطات الصليب الأحمر بزيارة المستوطنة وبالاجتماع بمجلس الكبراء. وقد رُحِّل حوالي ١٤٠.٩٣٧ يهودياً إلى مستوطنة تيريس آينشتات من بينهم ٣٣.٥٢٩ ماتوا فيها، أي حوالي ٢٥%، ورُحِّل حوالي ٨٨.١٩٦إلى معسكرات الاعتقال. وحينما تم تحرير المستوطنة وكان يوجد فيها ١٧.٢٤٧ شخصاً. وتثير هذه المستوطنة الكثير من القضايا: ١ ـ يُلاحَظ اشتراك المجالس اليهودية مع السلطات النازية في كل الأنشطة سواء الإعداد والتخطيط للمستوطنة أو إدارتها أو مقابلة مندوبي الصليب الأحمر الدولي. وهذا التعاون يثير واحدة من أهم القضايا الأساسية في ظاهرة الإبادة النازية لليهود، أي مدى اشتراك قيادات الجماعات اليهودية في عملية الإبادة. ٢ ـ وتثير المستوطنة قضية ترشيد الإبادة، فلم يكن النازيون مجرد جزارين على الطريقة التقليدية، وإنما كانوا يلجأون إلى التخطيط العلمي الدقيق وإلى التفرقة بين اليهود المتميِّزين واليهود العاديين. ٣ ـ ويمكن التساؤل أيضاً عما إذا كان هدف النازيين هو توظيف اليهود أم إبادتهم.

стр. 2280

٤ ـ ولا تختلف علاقة المستوطنة بالسلطات النازية عن علاقة أية دولة في العالم الثالث بالقوة الإمبريالية التي تحكمها، والحريات التي كان يتمتع بها سكان المستوطنة لا تزيد كثيراً عن تلك التي تعرضها الحكومة الصهيونية على سكان الضفة الغربية باسم الحكم الذاتي، وهو ما يجعلنا نذهب إلى القول بأن التجربة النازية جزء لا يتجزأ من الحضارة الغربية. ٥ ـ ومن القضايا الأخرى التي تثيرها المستوطنة، عدد اليهود الذين تمت إبادتهم عن طريق أفران الغاز. فالموسوعة اليهودية (جودايكا) تتحدث عن أن ربع سكان هذه المستوطنة المثالية التي تتمتع بظروف خاصة ماتوا بسبب ظروف الحرب، وأنه في أبريل ١٩٤٥ وصل إلى تيريس آينشتات ١٤.٠٠٠ سجين من معسكرات الاعتقال الأخرى، فاجتاحت الأوبئة سكان المستوطنة وهلك منهم ومن المرحلين الجدد الآلاف، واستمرت الأوبئة في حصدهم حتى بعد سقوط النظام النازي. فإذا كانت الأوبئة قد حصدت حياة الألوف قبل بعد انتهاء الحرب، ألا يثير هذا قضية عدد اليهود الذين أُبيدوا عن طريق أفران الغاز؟ جيتو وارسو Warsaw Ghetto أسس النازيون جيتوات كانت تأخذ شكل مناطق قومية تتمتع بقدر كبير من الاستقلال، فكان يتم إخلاء رقعة من إحدى المدن من غير اليهود ثم يُنقل إليها عشرات الآلاف من اليهود. ومن أشهر هذه المناطق جيتو وارسو ولودز وريجا في بولندا ومستوطنة تيريس آينشتات «النموذجية» في بوهيميا.

стр. 2281

ومن أهم الجيتوات جيتو وارسو الذي بلغ عدد القاطنين فيه عام ١٩٤١ حوالي نصف مليون يهودي يعيشون في رقعة صغيرة حولها حائط ارتفاعه ثمانية أقدام، وكان له اثنان وعشرون مدخلاً يقف على كلٍّ منها ثلاثة جنود، أحدهم ألماني والثاني بولندي مسيحي والثالث بولندي يهودي. وكان التعريف الذي تبناه الألمان للهوية اليهودية هو تعريف قوانين نورمبرج وهو أن اليهودي يهودي بالمولد وليس بالعقيدة (وهو التعريف الذي تبنته فيما بعد دولة إسرائيل والذي يستند إليه قانون العودة الصهيوني) . ويجب النظر إلى تجربة الجيتو هذه في ضوء المخطط النازي ذي الطابع الصهيوني الواضح الذي ينطلق من تصور استقلال اليهود كشعب عضوي منبوذ له شخصيته القومية المستقلة. ولذا كان للجيتو مؤسساته المستقلة الخاصة به (عملة خاصة ـ وسائل نقل خاصة ـ خدمة بريدية ـ مؤسسات الرفاه الاجتماعي) . كما سُمح لجيتو وارسو بأن يكون له نظامه التعليمي، وبأن يفتح المكتبات لبيع الكتب واستعارتها، وبأن يصدر جريدته اليومية بل كان له ميليشيا ومحاكم خاصة به، أي أن الجيتو كان بمثابة دولة صغيرة منعزلة ثقافياً واقتصادياً عما حولها، وهو بهذا استمرار لتقاليد القهال والإدارة الذاتية والشتتل التي يمجدها الصهاينة في كتاباتهم، وهو يشبه في كثير من الوجوه الدولة الصهيونية المشتولة في الشرق الأوسط.

стр. 2282

وكان يدير الدويلة/الجيتو «سلطة يهودية» أو «مجلس كبراء» ، تُعيِّن السلطات النازية أعضاءه. ولكن استقلالية الدويلة/الجيتو لم تكن كاملة، إذ كان الجيتو يقوم باستيراد كل المواد الخام والطعام والملابس التي يحتاجها من سلطة الاحتلال النازية على أن يسدد ثمن الواردات بالمنتجات الصناعية (الملابس والمصنوعات الجلدية) التي كان ينتجها الجيتو. كما كان على المجلس أن يقدم عدداً من العمال يومياً يبيعون عملهم لتسديد واردات الجيتو. وكان العامل البولندي، يهودياً كان أم غير يهودي، يتقاضى ربع ما يتقاضاه العامل الألماني. ولا ندري هل وضع النازيون مخططاً لإبادة يهود جيتو وارسو (بالمعنى الخاص للكلمة، أي بمعنى التصفية الجسدية) من خلال فرض وضع اقتصادي غير متكافئ عليهم بحيث يمكن استنزافهم لصالح النازيين، أم أن عملية الإبادة تمت كنتيجة حتمية، ليست بالضرورة متعمدة، للبنية الاستغلالية التي فرضها النازيون؟ فقيمة السلع التي كان ينتجها الجيتو والخدمات التي يقدِّمها كانت دائماً دون حد الكفاف ولا تفي بالاحتياجات المادية الأساسية للعاملين اليهود الأساسيين، الأمر الذي كان يعني سوء التغذية داخل الجيتو وتناقص عدد سكانه مع ضمان تدفق فائض القيمة بشكل مستمر إلى النازيين. وقد أدَّى عدم تكافؤ العلاقة بين الدولة النازية والدويلة/الجيتو اليهودية إلى أن السكان زادوا فقراً وزادت حاجتهم إلى المواد الغذائية، فكانوا يموتون جوعاً ويهلكون بالتدريج وببطء دون أفران غاز.

стр. 2283

وقد قام أحد الباحثين بدراسة إحصائية دقيقة لهذه الإبادة التدريجية البطيئة (عن طريق التجويع) مستخدماً جيتو وارسو أساساً لدراسة الحالة. فأشار إلى أن الفترة من ١٩٣٩ إلى ١٩٤٢، أي خلال ستة وثلاثين شهراً، شهدت زيادة عدد الوفيات بشكل ملحوظ. فحسب معدل الوفيات بين أعضاء الجماعة اليهودية قبل الحرب كان من المفروض أن يكون عدد الوفيات ١٢.٦٠٠ في العام. ولكن الجوع والمرض (وكذا غارات الحلفاء وأحكام الإعدام) أدَّت معاً إلى موت ٨٨.٥٦٨ ألفاً في العام، وهو عدد يشكل ١٩% من مجموع سكان جيتو وارسو البالغ عددهم خمسمائة ألف، الأمر الذي يعني أنه كان من الممكن اختفاء كل سكان الجيتو خلال ثمانية أعوام دون أفران غاز. ويمكن أن نضيف أن هذه العملية كانت ستتسارع في السنوات الأخيرة بسبب زيادة ضعف وهزال سكان الجيتو، ومن ثم، فإن خمس أو ست سنوات كانت كافية في تصوُّرنا لإتمام هذه العملية. وكانت علاقة الدولة النازية بدويلة/جيتو وارسو علاقة كولونيالية لا تختلف كثيراً عن علاقة إنجلترا بمستعمراتها أو علاقة الدولة الصهيونية بالسلطة الفلسطينية في غزة وأريحا (كما يتخيلها الصهاينة) . وربما كان الفارق الأساسي هو درجة التحكم، إذ أن جيتو وارسو كان كياناً صغيراً متخلفاً، ومن ثم كان بالإمكان التحكم فيه بدرجة كاملة أو شبه كاملة، على عكس الضفة الغربية وغزة حيث يوجد كيان حضاري مركب يعود إلى أعماق آلاف السنين ويتسم بتجذره، كما أن سكان " المناطق " المحتلة لم يتوقفوا قط عن المقاومة. وكل هذا جعل التحكم في فلسطين المحتلة بعد عام ١٩٦٧ أمراً صعباً إن لم يكن مستحيلاً. ويدل سلوك الإسرائيليين تجاه السلطة الفلسطينية في غزة وأريحا أنهم استبطنوا هذا الجانب من تجربة يهود أوربا مع النازية. فهم يحاولون أن تكون علاقتهم مع هذه السلطة تشبه في معظم الوجوه علاقة الحكم النازي بالسلطة اليهودية في جيتو وارسو أو مستعمرة تيريس آينشتات.

стр. 2284

جماعة شتيرن والنازية Stern and Nazism جماعة صهيونية مراجعة حاولت التعاون مع النازيين باعتبار أن ثمة فارقاً عميقاً بين ما سمته الجماعة «مضطهدي الشعب اليهودي» وأعدائه. فمضطهدو الشعب اليهوي أمثال هامان وهتلر موجودون في كل زمان (فالصهاينة يؤمنون بحتمية العداء لليهود واليهودية) . ولكن الأمر جدُّ مختلف بالنسبة لأعداء اليهود، فهؤلاء هم الأجانب الذين يهيمنون على فلسطين ويمنعون اليهود من العودة إليها لينهوا حالة المنفى ويؤسسوا وطنهم القومي فيها. وبناءً على هذه الأطروحة الصهيونية الراديكالية لم يجد أعضاء شتيرن أية غضاضة في التفاوض مع النظم الشمولية بهدف التعاون الوثيق معها. فعقدوا اتفاقاً مع حكومة موسوليني تعترف بمقتضاه الحكومة الفاشية بالدولة الصهيونية على أن يقوم أعضاء شتيرن بالتنسيق مع القوات الإيطالية حين تقوم بغزو فلسطين. ولكن التعاون مع النازيين كان هو الهدف الحقيقي. ولتحقيق هذا الغرض أرسل أعضاء شتيرن مندوباً إلى بيروت (التي كانت تحت سيطرة حكومة فيشي الموالية للنازيين) للتفاوض مع قوات المحور. وقد قابل هذا المندوب، في يناير ١٩٤١، مواطنين ألمانيين أحدهما هو أوتو فون هنتج، رئيس القسم الشرقي في وزارة الخارجية الألمانية، والذي كان يشعر بالإعجاب العميق بالصهيونية.

стр. 2285

وبعد الحرب اكتُشفت وثيقة (في أرشيف السفارة الألمانية في أنقرة) أرسلتها جماعة شتيرن للحكومة الألمانية تتصل بإيجاد حل للمسألة اليهودية في أوربا واشتراك أعضاء جماعة شتيرن إلى جانب القوات النازية في الحرب ضد قوات الحلفاء. وتنص الوثيقة على أن إجلاء الجماهير اليهودية من أوربا هو شرط مسبق لحل المسألة اليهودية. وقد عبَّر كاتب الوثيقة عن وجود نقط تماثل بين النازية والصهيونية. (وصفت شتيرن نفسها بأنها حركة تشبه الحركات الشمولية في أوربا في أيديولوجيتها وبنيتها) . كما تذكر الوثيقة وجود مصالح مشتركة بين النازيين والصهيونية، وتُعبِّر عن تقدير جماعة شتيرن للرايخ الثالث لتشجيعه النشاط الصهيوني داخل ألمانيا وللهجرة الصهيونية إلى فلسطين. وتؤكد الوثيقة ضرورة التعاون بين ألمانيا الجديدة والفولك العبري في المجال السياسي والعسكري. ولم يتلق الجانب الصهيوني رداً، ولذا أرسلت جماعة شتيرن مندوباً آخر في ديسمبر من نفس العام إلى تركيا (بعد احتلال البريطانيين للبنان) ولكن قُبض على هذا العميل. وكان إسحق شامير، رئيس وزراء إسرائيل السابق، عضواً في جماعة شتيرن. ويؤكد الباحث الإسرائيلي باروخ نادل أن شامير كان يعرف بخطة شتيرن للتعاون مع النازيين. وحينما عُيِّن وزيراً للخارجية ثار الرأي العام العالمي بسبب تعيين إرهابي مثله (قام بتدبير عملية اغتيال اللورد موين في القاهرة عام ١٩٤٢ والكونت فولك برنادوت عام ١٩٤٨) ، ولكن أحداً لم يتطرق إلى ماضيه النازي. عصبة الأشداء Brit Habiryonim

стр. 2286

«عصبة الأشداء» (أي الأقوياء) (بالعبرية: «بريت هابريونيم» ) جماعة صهيونية مراجعة أسسها آبا أحيمئير (١٨٩٨ ـ ١٩٦٢) ومجموعة من المثقفين الصهاينة مثل الشاعر أوري جرينبرج. وكان معظم مؤسسي الجمعية أعضاء في منظمات صهيونية عمالية ثم استقالوا منها. وقد تبنت الجماعة صياغة صهيونية لا تخفي إعجابها بالفكر النازي أو العنصرية النازية. وكما قال أحد كبار الصهاينة التصحيحيين «نحن التصحيحيين نكن الإعجاب الشديد لهتلر، فهو الذي أنقذ ألمانيا ولولاه لهلكت خلال أربعة أعوام، وسنتبعه إن هو تخلى عن معاداته لليهود» . وكانت مجلة عصبة الأشداء في فلسطين تزخر بالمقالات التي تمجد هتلر والهتلرية. وكان من بين هتافات أعضاء العصبة «ألمانيا لهتلر، وإيطاليا لموسوليني، وفلسطين لجابوتنسكي» . كما مجَّد أعضاء الجمعية الجوانب العسكرية في تاريخ العبرانيين، فكانوا يشبهون أنفسهم بجماعة حملة الخناجر، وهم فريق من جماعة الغيورين كانت تغتال الرومان واليهود الذين يتحالفون معهم، وذلك أثناء التمرد اليهودي الأول في فلسطين بين عامي ٦٦ و٧٣ ميلادية (واسم الجمعية نفسه «بريت هابريونيم» هو اسم إحدى الجمعيات الإرهابية اليهودية في تلك الفترة) . وكان أتباع الجمعية يرون أن الاغتيال السياسي ليس جريمة وإنما هو فعل ذو هدف ومعنى، وأن الدم والحديد هما الطريق الوحيد للتحرر. وكما قال أحميئير، فإن "الماشيَّح لن يأتي راكباً على حمار"، وهو ما يعني أن الماشيَّح الصهيوني سيأتي راكباً دبابة، حاملاً القنابل العنقودية! وتعود أهمية الجمعية إلى تأثيرها في حركة التصحيحيين ككل، فقد تحولت مجلتهم (التي صدرت ابتداءً من يناير ١٩٣٢) إلى لسان حال العمال التصحيحيين، وشنت حملات شعواء على المعسكر العمالي بأسره.

стр. 2287

ورغم أن جابوتنسكي كان يحاول أحياناً أن يحتفظ بمسافة بينه وبين أعضاء الجمعية، إلا أنه كان يُعبِّر في خطاباته عن إعجابه بهم وتعاطفه معهم. ولم يتخذ أي إجراء تنظيمي ضدهم بل أطلق على أحيمئير (بنبرة لا تخلو من التهكم) اسم «معلمنا ومرشدنا الروحي» ، كما أن الحاخام إسحق كوك دافع عنهم. وتذكر موسوعة الصهيونية وإسرائيل أن مناحيم بيجين انضم إلى الجناح الراديكالي لحركة التصحيحيين الذي كان مرتبطاً بعصبة الأشداء (لم تذكر الموسوعة في المدخل عن أحميئير أي شيء عن اتجاهاته النازية المذكورة، واكتفت بالإشارة إلى أفكاره "الراديكالية") . وقد استمرت العلاقة بين بيجين وأحميئير حتى بعد إعلان الدولة، فسمح بيجين، باعتباره رئيس حزب حيروت، بأن يكتب أحميئير في الجريدة اليومية للحزب، إلى أن مات عام ١٩٦٢. ألفريد نوسيج (١٨٦٤-١٩٤٣) Alfred Nossig أحد مؤسسي الحركة الصهيونية مع هرتزل، وأهم شخصية يهودية صهيونية متورطة في التعاون مع النازيين، وهو فنان وشاعر وموسيقار من أصل بولندي وخلفية ثقافية ألمانية، كانت مواهبه متعددة ومتنوعة عبَّر عنها من خلال الأدب (قصائد ومسرحيات ومقالات في النقد الأدبي) والموسيقى (لبريتو لإحدى الأوبرات) والنحت (عُرضَت تماثيله في معظم أرجاء أوربا وذاعت شهرته كنحات) . وقد بدأ حياته، شأنه شأن معظم الزعماء الصهاينة، خصوصاً الذين كانوا من أصل ثقافي ألماني، بالمطالبة بالاندماج الكامل لليهود، ثم أصبح محرراً في إحدى الصحف البولندية. وفي عام ١٨٨٧، نشر كتيبه محاولة لحل المسألة اليهودية (بالبولندية) ، حيث اقترح إنشاء دولة يهودية في فلسطين والدول المجاورة. وقد ترك هذا الكتيب أثراً عميقاً على المثقفين اليهود في أوربا وخصوصاً في جاليشيا. ومنذ ذلك التاريخ، أصبح نوسيج نشيطاً في المجال الصهيوني فألَّف الكتب ودبج المقالات عن موضوع الاستيطان وغيره.

стр. 2288

وقد يتصوَّر البعض أن ثمة تناقضاً بين نزعته الاندماجية الأولى ونزعته الصهيونية بعد ذلك. ولكن هذا النمط معروف تماماً بين مؤسسي الحركة الصهيونية، ولا سيما أصحاب الخلفية الثقافية الألمانية. فهؤلاء يهود غير يهود، بمعنى أنهم حاولوا الاندماج بل الانصهار في الأغلبية لرفضهم لهويتهم اليهودية (الدينية والعرْقية) . ولكن المجتمع صنفهم «يهوداً» . ولهذا، أخذوا يبحثون عن طريقة أخرى للتخلص من اليهود، ووجدوا ضالتهم في الحل الصهيوني، الذي يرمي إلى نقل (ترانسفير) يهود أوربا خارجها، إلى أن يفرغها من يهودييها في نهاية الأمر. وهذه عملية ستقضي على الفائض البشري وتُسهِّل اندماج القلة التي ستبقى. شارك نوسيج في المؤتمر الصهيوني الأول (١٨٩٧) ، واصطدم مع هرتزل لأسباب لا تذكرها المراجع التي عدنا إليها. ولكنه استمر في حضور المؤتمرات الصهيونية، وصوت ضد مشروع شرق أفريقيا (باعتبار أنه مشروع بريطاني، بينما كان متحمساً للمشروع الاستعماري الألماني) . ويبدو أن نوسيج كان عضواً في العصبة الديموقراطية، إذ أنه ساهم (عام ١٩٠٢) مع مارتن بوبر وحاييم وايزمان وليو موتسكين في تأسيس أول دار نشر صهيونية في برلين نشرت العديد من الكتب. ويُعتبَر نوسيج واضع أساس علم الإحصاء الخاص بين الجماعات اليهودية، فنشر أعمالاً بين عامي ١٨٨٧ و١٩٠٣ ووضع أساس إنشاء المعهد الإحصائي والسكاني (الديموجرافي اليهودي.)

стр. 2289

وهدف الصهيونية (حسب تعريف معظم مؤسسيها) هو نقل اليهود من أوربا وإفراغها منهم لحل المسألة اليهودية، ونوسيج ينتمي إلى هذه المنظومة الفكرية التوطينية (الترانسفيرية) . فكان معظم فكره يدور حول تهجير اليهود، وكان هذا يأخذ شكل محاولة زيادة وعيهم بهويتهم اليهودية العضوية حتى َيضمُر ويذوي إحساسهم بالانتماء إلى أوربا. وقد أنجز نوسيج ذلك من خلال أعماله الفنية مثل تماثيله: «اليهودي التائه» و «يهودا المكابي» و «الملك سليمان» و «الجبل المقدَّس» (كان نوسيج يود أن توضع على جبل الكرمل رمزاً للدولة اليهودية) . كما أسس عام ١٩٠٨ منظمة استيطانية تُسمَّى إيكو AIKO للتعجيل بنقل اليهود. فهو، شأنه شأن نوردو، كان في عجلة من أمره. ولعل طول الانتظار هو الذي دفعه إلى التعاون مع النازيين، لأنهم أيضاً ذوو نزعة توطينية ترانسفيرية. فعمل كمخبر للسلطات النازية إبان الحرب العالمية الثانية، وعيَّنه تشيرنياكوف، رئيس مجلس اليهود في وارسو إبان حكم النازي، عضواً في المجلس ورئيساً لقسم الفنون. ونظراً لمعرفته الوثيقة بأعداد اليهود وتوزعهم ومراحلهم العمرية المختلفة (بسبب دراساته التي أسلفنا الإشارة إليها) ، ونظراً لرغبته العميقة في إفراغ أوربا من يهودييها، وضع نوسيج خطة متكاملة لإبادة اليهود الألمان المسنين والفقراء (غير النافعين) وتهجير الباقين أو إبادتهم. وقد اكتشف أعضاء المقاومة اليهودية في جيتو وارسو تعاونه مع النازي وأنه عضو في الجستابو، فحُكم عليه بالإعدام رمياً بالرصاص ونُفِّذ الحُكم في ٢٢ فبراير ١٩٤٣. وقد اختفى نوسيج تماماً من الأدبيات الصهيونية والغربية. مردخاي رومكوفسكي (١٨٧٧-١٩٤٤ ( Mordechai Rumkowski

стр. 2290

صهيوني بولندي ورئيس المجلس اليهودي في جيتو لودز خلال الحرب العالمية الثانية. وُلد في روسيا ثم استقر في مدينة لودز مع بداية القرن العشرين. كان عضواً في الحزب الصهيوني العمومي، وقام بتمثيله في لجنة الجماعة اليهودية في لودز. كان رومكوفسكي مؤمناً بأن التعاون مع الألمان سيُعزِّز وضع اليهود، خصوصاً إذا زادت مساهمتهم وأهميتهم بالنسبة للمجهود الحربي الألماني. ولهذا عُيِّن، بعد احتلال الألمان لمدينة لودز عام ١٩٣٩، رئيساً للمجلس اليهودي فيها، أي كبيراً لليهود، ومنحه المسئولون الألمان في جيتو لودز (الذي ضم ١٧٠ ألف يهودي) سلطات إدارية واسعة. وتَعزَّز موضعه القيادي بسبب مهارته التنظيمية، فكان مسئولاً عن إقامة الورش التي أمر الألمان بإنشائها لاستغلال عمل اليهود، والتي بلغ عددها ١٢٠ ورشة. ومع مرور الوقت، عمل رومكوفسكي على تركيز جميع السلطات في يده وأصبحت إدارته أكثر استبداداً. وعندما أمرت السلطات الألمانية الجيتو بإصدار عملة نقدية خاصة به (باعتباره كياناً يهودياً مستقلاً بدلاً من استخدام العملة البولندية أو الألمانية) ، طُبعت على الأوراق المالية الجديدة صورته. اشترك رومكوفسكي في عمليات ترحيل ونقل يهود لودز إلى معسكرات الاعتقال الألمانية، وكان مسئولاً مع معاونيه عن تحديد من سيتم ترحيله، الأمر الذي جلب عليه كراهية كثير من سكان الجيتو. وقد ضمت قوائم المرحلين كثيراً من معارضيه داخل الجيتو. وخلال الفترة بين يناير ومايو عام ١٩٤٢، تم ترحيل ٥٢ ألف يهودي من الجيتو بمعاونة رومكوفسكي الذي ظل مؤمناً بأن التعاون مع الألمان هو أفضل سبيل لتخفيف وطأة هذه المأساة. وقد قام الألمان بتصفية الجيتو في نهاية الأمر عام ١٩٤٤، ورُحِّل رومكوفسكي مع أسرته إلى معسكر أوشفيتس حيث مات.

стр. 2291

وتُعَدُّ شخصية رومكوفسكي شخصية مثيرة للجدل في الأدبيات اليهودية التي تؤرخ لفترة الإبادة النازية، حيث يحمِّله البعض مسئولية إبادة يهود جيتو لودز. وهو يُعَدُّ مثلاً جيداً على ذلك التعاون بين قيادات الجماعات والمجالس اليهودية من جهة والسلطات النازية من جهة أخرى. آدم تشرنياكوف (١٨٨٠-١٩٣٢ ( Adam Czerniakow صهيوني بولندي ورئيس مجلس الجماعة اليهودية في وارسو خلال الحرب العالمية الثانية. وأول رئيس للمجلس اليهودي في وارسو، والذي شكلته سلطات الاحتلال النازية. كان تشرنياكوف من النشطين في مجال شئون الجماعة اليهودية في بولندا عقب الحرب العالمية الأولى، واهتم بشكل خاص بشئون الحرفيين اليهود الذين كانوا يشكلون ٤٠% من تعداد الجماعة، وقام بالتدريس في شبكة المدارس اليهودية المهنية في وارسو. وانتُخب في الفترة بين عامي ١٩٢٧ و١٩٣٤ عضواً في مجلس مدينة وارسو، كما انتُخب قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية مباشرة عضواً في المجلس التنفيذي للجماعة اليهودية، ثم عيَّنه عمدة وارسو بعد اندلاع الحرب رئيساً لمجلس الجماعة اليهودية. وبعد احتلال القوات الألمانية للمدينة، عينته السلطات النازية رئيساً للمجلس اليهودي، وأوكلت إليه مهمة تنظيم الجماعة اليهودية في جيتو خاص بها، وكان على اتصال وثيق بالسلطات النازية، خصوصاً مع قوميسار الجيتو الألماني. وقد وجه بعض أعضاء الجماعة اليهودية انتقادات حادة للمجلس اليهودي ونشاطه وحاول بعضهم إقصاء تشرنياكوف. ويُقال إن تشرنياكوف لم يصدق، عندما بدأت عمليات ترحيل اليهود إلى معسكرات الاعتقال، أنه سيتم ترحيل اليهود بالفعل. ولكنه أدرك في نهاية الأمر أبعاد المخطط، فرفض التعاون مع الألمان ورفض التوقيع على أوامر الترحيل ولم يجد مخرجاً من مأزقه سوى الانتحار.

стр. 2292

وقد ترك تشرنياكوف يوميات دوَّن فيها جميع الأحداث الهامة التي جرت داخل الجيتو وجميع ملاحظاته ومشاهداته. وتعتبر هذه اليوميات مرجعاً مهماً لأوضاع وظروف جيتو وارسو إبان الاحتلال النازي. وتثير حياة تشرنياكوف قضيتين: أولهما قضية مدى مسئولية القيادات اليهودية عن نجاح النازيين في تنفيذ مخططهم. أما القضية الثانية فهي خاصة بمدى معرفة العالم الخارجي بما كان يدور في ألمانيا من عمليات تهجير وقمع وإبادة، إذ يذهب بعض الدراسين إلى أن العالم بأسره لم يكن يعرف شيئاً عما يدور في ألمانيا النازية وعن عمليات الإبادة، ومن ثم لم يتخذ أية إجراءات للحيلولة دون وقوع مثل هذه العمليات، بينما تصر الأدبيات الصهيونية على أن العالم ترك اليهود وحدهم لمصيرهم، الأمر الذي يعني صدق المعادلة الصهيونية البسيطة: اليهود ضد الأغيار. ولكن تشرنياكوف (وهو، كما بيَّنا، واحد من أهم الشخصيات القيادية اليهودية وكان يعيش داخل بولندا ويترأس الجيتو اليهودي في وارسو، وكانت تربطه علاقة يومية مع السلطات النازية) لم يكن يعرف شيئاً عن الترحيل أو عن أفران الغاز ولم يصدق ما كان يحدث من حوله، وقد تعاون مع النازيين، كما تُقرِّر المراجع الصهيونية، لأنه لم يكن يدرك إطلاقاً ما كان يحدث من حوله، ولم يصل إلى مسامعه شيء إلا في عام ١٩٤٢، أي قرب نهاية الحرب، فكيف كان يمكن للعالم الخارجي أن يعرف عن الاعتقال والتهجير والإبادة؟ حاييم كابلان (١٨٨٠-١٩٤٢ ( Hayyim Kaplan

стр. 2293

مرب بولندي صهيوني دوَّن يومياته في جيتو وارسو أثناء الاحتلال النازي لبولندا. وُلد في بلوروسيا وتلقى تعليماً تلمودياً في المدرسة التلمودية العليا (يشيفا) ، ثم درس في المعهد الحكومي التربوي في فلنا. وفي عام ١٩٠٢، استقر في وارسو حيث أسس مدرسة ابتدائية عبرية كانت جديدة في نوعها، وظل مديراً لها لمدة أربعين عاماً، وكان كابلان شديد التحمس للغة العبرية ومن العارفين بها والدارسين لها. وقد تبنى في تدريسه للعبرية الأسلوب أو المنهج المباشر، فكان يدرسها كلغة حية متداولة باستخدام اللهجة السفاردية. وأصدر كابلان عدة كتب بالعبرية يدعو فيها إلى تبني هذا المنهج في التدريس، وذلك رغم المعارضة القوية من المؤمنين بالأساليب التقليدية. كما اشترك كابلان بشكل نشط في جمعية الكُتَّاب والصحفيين اليهود في وارسو ونشر العديد من المقالات وأصدر العديد من المجلات العبرية واليديشية على مدى الأعوام الأربعين التي عمل بها في التدريس. كما أصدر، إلى جانب ذلك، كتباً خاصة بالنحو العبري وكتباً للأطفال تتناول ما يُسمَّى «الثقافة اليهودية» و «التاريخ اليهودي» . وكان كابلان من المؤمنين بالقومية اليهودية، أي الصهيونية، والتاريخ اليهودي الواحد، وكانت يهوديته ذات طابع قومي حيث لم يكن متمسكاً بممارسة الشعائر والتقاليد الدينية. وقد اتجه إلى فلسطين في عام ١٩٣٦ حيث كان ينوي الاستقرار مع ابنيه اللذين هاجرا للاستيطان بها من قبل، إلا أنه عاد إلى وارسو بعد أن فشل في العثور على عمل.

стр. 2294

وتعود أهمية كابلان إلى أنه دوَّن يومياته وهو في جيتو وارسو أثناء الاحتلال النازي لبولندا وقبل أن يُدمَّر الجيتو بأكمله. وقد بدأ كابلان في كتابة يومياته بالعبرية ابتداءً من عام ١٩٣٣ وسجل فيها الأحداث اليومية لمجتمع الجيتو، كما سجل أفكاره وحواراته مع أصدقائه وانطباعاته العديدة. وقد أدان كابلان القيادات اليهودية في الجيتو ومن بينها آدم تشرنياكوف رئيس المجلس اليهودي، الذي كان يقوم بتسليم اليهود إلى النازيين والذي انتحر فيما بعد. وقد نجح كابلان في تهريب يومياته إلى خارج الجيتو قبل أن يلقى حتفه عام ١٩٤٢. وتتضمن اليوميات إدراكاً كاملاً للتشابه البنيوي بين النازية والصهيونية، إذ يُعبِّر كابلان عن دهشته لاضطهاد النازيين لليهود رغم أن الحل النازي هو نفسه الحل الصهيوني: الاعتراف باليهود كشعب عضوي منبوذ وطنه فلسطين ومن ثم يتعيَّن عليه أن يهاجر إليها. وقد دوَّن كابلان في مذكراته أن هذه الكلمات كانت جديدة على النازيين تماماً، وأنهم لم يصدقوا آذانهم حينما سمعوا ذلك لأول مرة من أحد اليهود. وهذه الملاحظة تدل على مدى جهل كابلان بمستوى المعرفة النازية بالمسألة اليهودية والعقيدة الصهيونية، وتدل على أنه لم يكن متابعاً للتعاون الوثيق بين النازيين والصهاينة في ألمانيا النازية. وتُرجمت يوميات كابلان إلى لغات عدة منها الإنجليزية والألمانية والفرنسية والدنماركية واليابانية، ونُشرت بالإنجليزية تحت عنوان مخطوطات العذاب. كورت بلومنفلد (١٨٨٤-١٩٦٣ ( Kurt Blumenfeld

стр. 2295

أحد الزعماء الصهاينة في ألمانيا، والقوة المحركة للمنظمة الصهيونية فيها. وهو يهودي ألماني وُلد لأسرة مندمجة، ولكنه خَلُص إلى أنه لا جدوى من الانعتاق وأن اليهود لن يكون في وسعهم الاندماج في المجتمع الألماني. تزوج بلومنفلد من فتاة من شرق أوربا، وبعد أن درس في كلية الحقوق في إحدى الجامعات الألمانية، انضم إلى المنظمة الصهيونية وأصبح سكرتيرها الأول عام ١٩٠٩، ثم أصبح السكرتير العام للجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية العالمية (ورئيس قسم النشر) ، وترأس تحرير مجلة دي فيلت لسان حال المنظمة. وبعد الحرب العالمية الأولى، قام بحملات واسعة لجمع التبرعات للصندوق القومي اليهودي وأصبح رئيساً للمنظمة الصهيونية الألمانية عام ١٩٢٤، وظل يشغل هذا المنصب حتى عام ١٩٣٣، أي عندما تولى هتلر السلطة في ألمانيا. وقد هاجر بلومنفلد عندئذ إلى فلسطين واستوطن فيها وأصبح الرئيس التنفيذي للصندوق القومي اليهودي في فلسطين. ومات بلومنفلد عام ١٩٦٣، ولكن المصادر الصهيونية لا تَذكُر شيئاً عن نشاطه السياسي منذ عام ١٩٤٤ حتى وفاته، أي مدة عشرين عاماً، وهو أمر يحتاج إلى دراسة.

стр. 2296

كان بلومنفلد يرى نفسه «نبي» الصهيونية الألمانية في عصر ما بعد الاندماج وفشله، وبدأ يعلن عن مواقفه ويقوم بالجولات الإعلامية داخل ألمانيا وخارجها بوصفه مسئولاً صهيونياً، كما دأب على إلقاء خطب نارية ورفع شعارات سببت كثيراً من الحرج لأعضاء الأقلية اليهودية في ألمانيا. وكان بلومنفلد وراء إصدار ما يُسمَّى «قرار بوزن» الذي أصدرته المنظمة الصهيونية الألمانية عام ١٩١٢ وحدَّدت فيه الصهيونية كحركة قومية تُترجم نفسها إلى هجرة إلى فلسطين «الوطن القومي لليهود» . ووصف بلومنفلد هذا القرار بأنه كان بمنزلة إعلان للهجوم على صهيونية الإحسان (الغربية) ، أي الصهيونية التوطينية، وأن الصهيونية بصدوره أصبحت حركة ذات طابع قومي (استيطاني) واضح (وقد اعترف بلومنفلد أيضاً بأن الأعضاء وافقوا على قراره لأنهم لم يدركوا تضميناته السياسية الراديكالية (. رودولف كاستنر (١٩٠٦-١٩٥٧ ( Rudolph Kastner أحد زعماء الحركة الصهيونية في المجر. ترأس عدداً من المنظمات الشبابية الصهيونية، ورأس تحرير مجلة أوج كيليت Uj Kelet (أي «الشرق الجديد» ) ، وكان نائب رئيس المنظمة الصهيونية في المجر، ثم أصبح مسئولاً عن «إنقاذ» المهاجرين اليهود من بولندا وتشيكوسلوفاكيا، فقد كان يشغل منصب رئيس لجنة الإغاثة في بوادابست التابعة للوكالة اليهودية.

стр. 2297

قام كاستنر بالاتصال بالمخابرات المجرية والنازية (التي كان لها عملاء يعملون داخل المجر، حتى قبل احتلال القوات الألمانية لها) ، ثم استمر في التعاون مع النازيين بعد احتلالهم للمجر. وتشير بعض الدراسات إلى أن أيخمان حضر إلى المجر ومعه ١٥٠ موظفاً وحسب، وكان يتبعه عدة آلاف من الجنود المجريين، هذا بينما كان يبلغ عدد يهود المجر ما يزيد عن ٨٠٠ ألف، وهو ما يعني استحالة ترحيلهم إلى معسكرات الاعتقال (السخرة والإبادة) إن قرروا المقاومة. ومع هذا نجح أيخمان في مهمته بفضل تعاون كاستنر معه، إذ يبدو أن كاستنر أقنع أعضاء الجماعة اليهودية في المجر بأن النازيين سيقومون بنقلهم إلى أماكن جديدة يستقرون فيها أو إلى معسكرات تدريب مهني لإعادة تأهيلهم وليس إلى معسكرات الاعتقال. ومقابل ذلك سمحت السلطات النازية (عام ١٩٤١) بإرسال ٣١٨ يهودياً ثم ١٣٨٦ يهودياً من أحد معسكرات الاعتقال إلى فلسطين ( «يهود من أفضل المواد البيولوجية» على حد قول أيخمان) . استقر كاستنر في فلسطين عام ١٩٤٦، وانضم إلى قيادة الماباي ورُشِّح للكنيست الأول. وانتقلت معه مجلة أوج كيليت، وأصبح رئيساً لتحريرها، بل كان يُعَدُّ مسئولاً عن شئون يهود المجر (أو من تبقى منهم) في الحزب الحاكم.

стр. 2298

ولكن في عام ١٩٥٢ أرسل المواطن الإسرائيلي مايكل جرينوولد كتيباً لبعض القيادات الصهيونية اتهم فيها كاستنر بالتعاون مع النازيين، وأنه قام بالدفاع عن أحد ضباط الحرس الخامس (الإس. إس.) أثناء محاكمات نورمبرج الأمر الذي أدَّى إلى تبرئته وإطلاق سراحه. وقد قام الحزب الحاكم في إسرائيل بمحاولات مضنية لإنقاذ كاستنر وتبرئته. كما بيَّن كاستنر أثناء محاكمته أنه لم يكن يسلك سلوكاً فردياً وإنما تَصرَّف بناءً على تفويض من الوكالة اليهودية (التي أصبحت الدولة الصهيونية عام ١٩٤٨) . ولم يكن كاستنر مبالغاً في قوله فالمواطن الإسرائيلي جويل براند كان على علم ببعض خفايا القضية وبمدى تورط النخبة الحاكمة في عملية المقايضة الشيطانية التي تمت. وقد طُلب منه الإدلاء بشهادته، ولكنه آثر ألا يفعل وبدلاً من ذلك كتب كتاباً بعنوان الشيطان والروح يقول فيه «إن لديه حقائق تبعث على الرعب وتدمغ رؤوس الدولة اليهودية (الذين كانوا رؤساء الوكالة اليهودية) » . وأضاف قائلاً «إنه لو نشر مثل هذه الحقائق لسالت الدماء في تل أبيب» . وقد قضت المحكمة الإسرائيلية بأن معظم ما جاء في كتيب جرينوولد يتطابق مع الواقع. وبعد إشكالات قضائية كثيرة، حُسمت المسألة (لحسن حظ الحزب الحاكم) حينما أطلق «أحدهم» الرصاص على كاستنر وهو يسير في الشارع. وقد تمت الجريمة رغم ورود تحذيرات لسلطات الأمن الإسرائيلية عن وجود مؤامرة لاغتيال كاستنر، بل كانت السلطات تعرف موعد تنفيذ المؤامرة. وقد سجل موشيه شاريت، رئيس الوزراء الإسرائيلي، هذه الكلمات في مذكراته: "كاستنر. كابوس مرعب. حزب الماباي يختنق. بوجروم.". ويشير براند في كتابه إلى أن "رجال السياسة الذين يتسمون بالحذر، كانوا لا يعرفون ماذا سيفعلون مع هذا الرجل بعد محاكمته"، وكانوا يفكرون في "إسكاته". العرب والمسلمون والإبادة النازية ليهود أوربا Arabs, Moslems, and the Nazi Extermination of European Jewry

стр. 2299

لعل من الضروري أن نتناول إشكالية تخصنا وحدنا كعرب وكمسلمين ومسيحيين وهي موقفنا من الإبادة النازية لليهود. أما موقفنا من الإبادة النازية كمسلمين وكمسيحيين فهو واضح تماماً لا لبس فيه. فالقيم الأخلاقية الدينية (الإسلامية والمسيحية واليهودية) لا تسمح بقتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق. وقد جاء في الذكر الحكيم: "من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض، فكأنما قتل الناس جميعاً". (المائدة ـ ٣٢) . ويحاول الغرب إقحام الجريمة النازية داخل التاريخ العربي حتى يُبرِّر غرس الدولة الصهيونية الاستيطانية في وسط الوطن العربي، تعويضاً لليهود عما لحق بهم من أذى داخل التشكيل الحضاري الغربي وداخل حدود أوربا الجغرافية. وتحاول الدعاية الصهيونية، بممالأة الغرب، أن تنجز ذلك من خلال آليتين أساسيتين: ١ ـ تحاول الدعاية الصهيونية جاهدة أن تصوِّر المقاومة العربية للغزو الصهيوني لفلسطين وكأنها دعم مباشر أو غير مباشر للإبادة النازية، لأنها حالت في بعض الأحيان دون دخول المهاجرين اليهود لفلسطين. ومثل هذه الحجة لا أساس لها من الصحة. فالمقاومة العربية لم تكن ضد مهاجرين يبحثون عن المأوى وإنما كانت ضد مستوطنين جاءوا لاغتصاب الأرض وطرد أصحابها، تحت رعاية العالم الغربي، وبدعم من حكومة الانتداب البريطانية (ومن النازيين أنفسهم) ، وفي الوقت الذي كانت الدول الغربية توصد أبوابها دون المهاجرين اليهود. ومهما فعل الصهاينة (يؤيدهم في هذا العالم الغربي دون تحفُّظ) يظل حق المقاومة حقاً إنسانياً مشروعاً بل اجباً على كل إنسان يحترم إنسانيته، ويظل رفض الإنسان للظلم تعبيراً عن نبله وعظمته، بل إنسانيته.

стр. 2300

٢ ـ تحاول الدعاية الصهيونية أن تبين أن بعض الساسة العرب أظهروا تعاطفاً مع النظام النازي. وهذه أكذوبة أخرى. فمعظم الحكومات العربية وقفت مع الحلفاء (فالعالم العربي على أية حال كان يقع في دائرة الاستعمار الغربي) . كما أن النظرية النازية العرْقية كانت تضع العرب والمسلمين في مصاف اليهود، ولذا فأي تحالف مزعوم كان تحالفاً مؤقتاً لا يختلف عن حلف ستالين/هتلر. وهؤلاء الساسة (وبعض القطاعات الشعبية) ممن أظهروا التعاطف مع النازيين فعلوا ذلك لا كُرهاً في اليهود أو حباً في النازيين، وإنما تعبيراً عن عدائهم للاسعمار الإنجليزي والاستيطان الصهيوني. وهو، على أية حال، تعاطف يُعبِّر عن سذاجة وعن عدم مقدرة على القراءة الجيدة للأحداث، وعن عدم إلمام بطبيعة الغزوة النازية ومدى تَجذُّرها في المشروع الحضاري والإمبريالي الغربي ومدى رفضها العنصري للمسلمين والعرب. ولم يُترجم هذا التعاطف العام نفسه إلى اشتراك فعلي في الجريمة النازية، التي تحتفظ بخصوصيتها كظاهرة حضارية غربية. ولكن كل هذه المحاولات الدعائية الإعلامية الغربية الصهيونية لا تغيِّر شيئاً من الحقائق التاريخية أو الجغرافية أو الأخلاقية، الدينية والإنسانية. فالإبادة النازية لا تُشكِّل جزءاً من التاريخ العربي أو تواريخ المسلمين، ولم يلوث العرب والمسلمون أيديهم بدماء ضحايا النازية من يهود أو سلاف أو غجر. وهذه المحاولات تُبيِّن في نهاية الأمر اتساق الغرب مع نفسه، الذي يُكفر عن جريمة إبادية ارتكبها في ألمانيا بأخرى لا تقل عنها بشاعة في وطننا العربي.

стр. 2301

ومن المعروف أنه حينما حدث احتكاك مباشر بين المسلمين والعرب من جهة والإبادة النازية من جهة أخرى فإن موقف المسلمين والعرب كان يتسم بالإنسانية. فعلى سبيل المثال قامت الأقلية المسلمة في بلغاريا بدور كبير في حماية أعضاء الجماعات اليهودية من الإبادة، كما أن الملك محمد الخامس عاهل المغرب رفض تسليم رعاياه اليهود إلى حكومة فيشي الفرنسية الممالئة للنازي. وأثناء كتابة هذه الموسوعة لاحظت تكرار كلمة «مسلم» في مقال عن التدرج الاجتماعي في معسكر أوشفيتس، وقال مرجع آخر إن الضحايا الذين كانوا يُقادون لأفران الغاز كانوا يسمونهم تسمية «غريبة» . وقد تبيَّن بعد قراءة عدة مراجع وموسوعات إلى أنهم كانوا يسمون في واقع الأمر «ميزلمان Muselmann» أي «مسلم» بالألمانية، وقد ورد ما يلي في مدخل مستقل في الموسوعة اليهودية Enyclopedia Judaica (جزء ١٢ ص ٥٣٧ ـ ٥٣٨) عنوانه «مسلم» : «ميزلمان» أي مسلم بالألمانية، هي إحدى المفردات الدارجة في معسكرات (الاعتقال) والتي كانت تُستخدَم للإشارة للمساجين الذين كانوا على حافة الموت، أي الذين بدأت تظهر عليهم الأعراض النهائية للجوع والمرض وعدم الاكتراث العقلي والوهن الجسدي. وكان هذا المصطلح يُستخدَم أساساً في أوشفيتس ولكنه كان يُستخدَم في المعسكرات الأخرى» . هذه هي المعلومة، فكأن العقل الغربي حينما كان يدمر ضحاياه كان يرى فيهم الآخر، والآخر منذ حروب الفرنجة هو المسلم. ومن المعروف في تاريخ العصور الوسطى أن العقل الغربي كان يربط بين المسلمين واليهود، وهناك لوحات لتعذيب المسيح تصور الرسول ﷺ وهو يقوم بضرب المسيح بالسياط.

стр. 2302

إن التجربة النازية هي الوريث الحقيقي لهذا الإدراك الغربي، والنازيون هم حملة عبء هذه الرؤية، وهم مُمثِّلو الحضارة الغربية في مجابهتها مع أقرب الحضارات الشرقية، أي الحضارة الإسلامية. وهم لم ينسوا قط هذا العبء حتى وهم يبيدون بعضاً من سكان أوربا. وهم في هذا لا يختلفون كثيراً عن الغزاة الأسبان للعالم الجديد الذين كانوا يبيدون سكانه الأصليين وكانوا يسمونهم «الترك» أي «المسلمين» . كل ما في الأمر أن نطاق الحقل الدلالي لكلمة «مسلم» تم توسيعه لتشير "للآخر" على وجه العموم، سواء أكان من الغجر أم السلاف أم اليهود (وهذا لا يختلف كثيراً عن توسيع نطاق الحقل الدلالي لكلمة "عربي" في الخطاب الصهيوني لتصبح "الأغيار") . وقد حاول كاتب مدخل «مسلم» في الموسوعة اليهودية أن يفسر أصل استخدام الكلمة، فهو يدَّعي أن الضحايا سُموا «مسلمين» استناداً إلى طريقة مشيهم وحركتهم: "إنهم كانوا يجلسون القرفصاء وقد ثُنيت أرجلهم بطريقة «شرقية» ويرتسم على وجوههم جمود يشبه الأقنعة". والكاتب في محاولة التفسير هذه لم يتخل قط عن عنصريته الغربية أو الصور النمطية الإدراكية، كل ما في الأمر حاول أن يحل كلمة «شرقيين» العامة محل كلمة «مسلمين» المحددة. مسلم Muselmann انظر: «العرب والمسلمون والإبادة النازية ليهود أوربا» .

стр. 2303

المجلد الثالث:الجماعات اليهودية: التحديث والثقافة الجزء الأول: التحديث الباب الأول: من التحديث إلى ما بعد الحداثة البروتستانتية (القرنان السادس عشر والسابع عشر) (Protestantism (Sixteenth and Seventeenth Century ثمة علاقة وثيقة بين البروتستانتية من جهة والعقيدة اليهودية والجماعات اليهودية من جهة أخرى. ولعل من أكثر العناصر أهمية شكل الحلول في كل من البروتستانتية واليهودية. فبدلاً من الحلول الفردي المؤقت المنتهي (في شخص المسيح أو في الكنيسة، جسد المسيح) نجد أن الحلول يكون في الشعب أو الجماعة، وهو حلول مستمر تنجم عنه حلولية ثنائية صلبة. ويمكن، انطلاقاً من هذا، عقد مقارنة بين العقيدتين لنكتشف بعض نقاط التشابه بينهما (وبإمكان القارئ أن يعود للقسم المعنون «الرأسمالية والجماعات اليهودية» حيث تعرضنا لبعض نقاط الاختلاف والاتفاق) . وقد خلق هذا التشابه تربة مواتية في أوربا لتقبُّل اليهودية، وهي تربة لم تكن موجودة في أوربا الكاثوليكية. وإلى جانب هذا، نجد أن النزعة الأصولية التبسيطية الاختزالية في البروتستانتية جعلت الإصلاحيين يفضلون المبادئ اليهودية البسيطة التي يستطيع القوم فهمها على تعقيدات اللاهوت الكاثوليكي. وقد أكدت البروتستانتية الجانب العبراني في المسيحية على حساب ما وسمته بأنه الجانب الهيليني أو الوثني، وهو ما خلق تعاطفاً مع اليهود ومع الثقافة الدينية اليهودية، خصوصاً أن الكتاب المقدَّس أصبح أكثر الآثار الأدبية شيوعاً، فبدأ الاهتمام باللغة العبرية والتلمود والقبَّالاه.

стр. 2304

وقد أثار اللاهوت البروتستانتي قضية شديدة الخطورة وهي قضية الخلاص. فالخلاص ليس ممكنا من خلال إقامة الشعائر المقدَّسة، إذ أن مفتاح الخلاص أصبح من خلال النعمة الإلهية والاختيار الإلهي المستمر للبقية الصالحة. ومع تزايد أهمية الاختيار ومركزيته، طُرح سؤال عن العلاقة بين الميثاق والعهد الجديد، هل يفسخ العهدُ الجديد العهدَ القديم أم يُضاف إليه؟ وهذا ما يطرح سؤالاً آخر: هل يظل اليهود شعباً مختاراً؟ كانت المسيحية الكاثوليكية ترى نفسها «إسرائيل الحقيقية» (باللاتينية: إسرائيل فيروس Israel verus) . وكان رأي الكنيسة الكاثوليكية أن مجئ المسيح قد نقض العهد الإلهي لإسرائيل وأنهاه. فبعد المسيح لا وعد ولا اختيار إلا لمن آمن بالخلاص وسعى إليه. وباب الخلاص مفتوح لكل الناس بلا استثناء، وعلى اليهود أن يؤمنوا بالمسيح مثلهم مثل غيرهم إذا أرادوا الخلاص. أما النبوءات الخاصة بعودة اليهود فكانت تُؤوَّل على أنها تحققت حينما أعادهم قورش إلى فلسطين. أما الفقرات الأخرى التي تتنبأ بمستقبل مُشرق لإسرائيل، فقد كانت تنطبق ـ حسب تفسير القديس أوغسطين ـ على إسرائيل الجديدة وحسب، أي الكنيسة المسيحية. وبعد ظهور المسيح وإنكار اليهود له أصبح اليهود إسرائيل الجسدية الزائفة والشعب المختار للعنة الإله وأصبحت اليهودية إسماً لا ديناً. ونتيجةً لذلك، كانت الكنيسة الكاثوليكية تفصل بين العبرانيين القدامى الذين كانوا يُعتبَرون شعباً مثالياً وإسرائىل التي ورثتها الكنيسة الكاثوليكية من جهة، واليهود المعاصرين الذين كانوا يقفون في ضعفهم وذلتهم شعباً شاهداً على عظمة الكنيسة من جهة أخرى.

стр. 2305

كان التفسير البروتستانتي لهذه القضية جدَّ مختلف إذ أكد على ديمومة اختيار اليهود رغم التناقض بين الوعد القديم بالاختيار والوعد الجديد بالخلاص. فبحسب وجهة النظر البروتستانتية، لم يتغيَّر الميثاق. وقد فسر كالفن كلمة «الجديد» بمعنى «التجديد» . وكما أن العهد الجديد لا يحتوي على نقض لما كان قديماً، فمحتوى الوعد واحد إنما أخذ أبعاداً جديدة، فالوعد لم يقم بحد ذاته بل ارتبط بمفهوم الوفاء به، أي أن الإله لم يُعط الوعد لليهود دون أن يتعهد بأن يفي به. والمسيح في نظر كالفن هو الوفاء بالعهد أو الوعد الإلهي دون نقض لما كان قبله، وهذا، على حد قول كالفن، ما قال به المسيح نفسه: إنه ما جاء لينقض الناموس بل ليكمله، وإن كلامه لن يزول حتى يتم الكل. فنعمة الإله على اليهود في رأي كالفن لا يمكن إهمالها كعمل عظيم كان في الماضي ومرّ عليه الزمن بل هو متضمَّن في حياة الكنيسة، أي أنه وعد أزلي. ولأنه أزلي، فإن الماضي يشبه الحاضر ويشبه المستقبل، وثمة استمرارية صلبة تؤدي إلى التفسيرات الحرفية. وتقوم التفسيرات الحرفية بتحويل نصوص العهد القديم وقصصه الديني إلى حقائق ووقائع (حوادث) تاريخية. كما ساد الاعتقاد بين البروتستانت بأن اليهود المعاصرين هم العبرانيون القدامى، وهم الفلسطينيون الغرباء في أوربا الذين سيعادون إلى فلسطين عندما يحين الوقت، ومن ثم ظهرت العقيدة الألفية الاسترجاعية وحلت محل فكرة الشعب الشاهد. وقد أدَّى هذا إلى ظهور ضرب من الفكر الصهيوني الاسترجاعي الذي يطالب بعودة اليهود إلى فلسطين.

стр. 2306

ومما ساعد على ذلك، نزوع البروتستانت نحو الخلط بين المقدَّس والتاريخي وبين المطلق والنسبي. فالوجدان البروتستانتي دائب البحث عن قرائن وإشارات (مادية) من الإله، ودائم الانتظار للرؤي (أبوكاليبس) التي تتحقق داخل التاريخ، وهذا جزء من نزعته الحرفية. وهذه الرؤية صهيونية في بنيتها، فهي رؤية تنكر التاريخ المتعيِّن، وتنتقل بسهولة من العهد القديم إلى فلسطين وبالعكس، وهي تحوِّل اليهود المعاصرين إلى شعب الإله المختار، الذي له حقوق أزلية في أرض الميعاد. ومما يجدر ذكره أن الأسطورة الاسترجاعية هي أسطورة صهيونية ومعادية لليهود في آن واحد. فهي ترى أن الخلاص لا يتم إلا بتحقيق عودة اليهود إلى وطنهم وتنصيرهم، أي التخلص منهم عن طريق التهجير والتنصير. وما حدث بعد ذلك في الاستعمار الاستيطاني هو إقرار أن الخلاص يتم عن طريق التخلص من اليهود بتهجيرهم، أما التنصير فلم يعد أمراً ذا بال في المجتمع العلماني الغربي الحديث.

стр. 2307

وقد تزامن ظهور البروتستانتية وحركة الإصلاح الديني مع تزايُد النشاط التجاري الرأسمالي في المجتمعات الغربية. ويرى ماكس فيبر أن ثمة علاقة تبادلية بين الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية الرشيدة) فالبروتستانتية هنا هي «تهويد» للمجتمع المسيحي بالمعنى الذي استخدمه ماركس) . وقد كان اليهود جماعة وظيفية وسيطة تعمل بالتجارة والأعمال المالية مثل الربا، وهو ما زاد من أهميتها ونشاطها في المجتمع وخروجها عن هامشه وتحركها نحو مركزه. وقد وجد اليهود المارانو، المطرودون من شبه جزيرة أيبريا الكاثوليكية ومن محاكم التفتيش، ملجأ في الدول والمدن البروتستانتية مثل أمستردام وهامبورج ولندن وغيرها. ولم تَعُد الجماعات اليهودية تنفرد بكونها الأقليات الدينية في المجتمع، إذ كانت توجد الفرق البروتستانتية في الدول الكاثوليكية والفرق الكاثوليكية في الدول البروتستانتية التي كان أعضاؤها يواجهون رفضاً ومقاومة عنيفة أكثر من تلك التي كان يواجهها أعضاء الجماعة اليهودية. ففي أمستردام التي كان يُقال لها القدس الثانية، كان المجتمع البروتستانتي هناك يرحب باليهود ويضطهد الكاثوليك. وقد حاول المفكر الهولندي هيوجو جروتيوس (من منظِّري فكرة القانون الدولي العام والقانون الطبيعي) أن يُعرِّف المصادر المشتركة بين المسيحية واليهودية في بحثه المعنون حقيقة الدين المسيحي فبيَّن أن الفرق المسيحية (الكاثوليكية أو البروتستانتية) كان يُنظَر لها باعتبارها مصدر خطر حقيقي داخلي يفوق كثيراً الخطر اليهودي، فاليهود جماعة معزولة ضعيفة قليلة العدد وهامشية، وكان المجتمع يجيد التعامل معها. كما ظهرت فرق بروتستانتية متطرفة، كالمعمدانيين، هدَّدت البناء السياسي والاجتماعي ذاته، فضلاً عن أنها كانت ذات جذور جماهيرية راسخة.

стр. 2308

ولقد خلخل ظهور البروتستانتية في حد ذاته الإطار المسيحي الكاثوليكي العالمي الموحَّد، فبدأت تظهر تعددية عقائدية في المجتمع الغربي. ويشكل هذا، بطبيعة الحال، بداية تقهقر العقيدة المسيحية وتزايد العلمنة في المجتمع الغربي. وقد ألقى انقسام النخبة الحاكمة إلى بروتستانت وكاثوليك بظلال من الشك على العقيدة ذاتها، الأمر الذي أدَّى بدوره إلى ظهور أو تشجيع الشك الفلسفي واليقين الإلحادي والحركة الإنسانية التي تحوِّل الإنسان إلى مطلق يحل محل الإله.

стр. 2309

وقد ساهم مارتن لوثر في إشاعة جو التسامح تجاه أعضاء الجماعات اليهودية في بادئ الأمر، حيث تصوَّر أن بإمكانه هداية اليهود وتنصيرهم. ففي عام ١٥٢٠ هاجم لوثر هؤلاء الذين يضطهدون اليهود، وأدان اضطهادهم من قبل الكنيسة الكاثوليكية محتجاً بأن المسيحيين واليهود ينحدرون من أصل واحد. بل ورفض لوثر المقولة الإقطاعية الدينية الغربية التي ترى أن اليهود هم أقنان البلاط أو المَلك، ووجد أنهم على حق في رفض المسيحية في صورتها الكاثوليكية الوثنية. ووردت كل هذه الأفكار في كتابه الذي نشره عام ١٥٢٣، وطُبع سبع مرات في العام نفسه، بعنوان عيسى وُلد يهودياً. ودفاع لوثر عن اليهودية هو جزء لا يتجزأ من نزعته التبشيرية، أي أنه غير مهتم باليهود في حد ذاتهم وإنما مهتم بهم بمقدار إمكان تنصيرهم، فهو يختم كتابه هذا بقوله: " إذا أردنا أن نجعلهم خيراً مما هم، فعلينا أن نعاملهم حسب قانون المحبة المسيحي لا قانون البابا، علينا أن نحسن وفادتهم وأن نسمح لهم بأن يتنافسوا وأن نتيح لهم فرصة فهم الحياة والعقيدة المسيحيتين، وإذا أصر بعضهم على عناده فما الضرر في ذلك؟ نحن أنفسنا لسنا جميعاً مسيحيين صالحين". وقد عارض لوثر حرق التلمود ومصادرة الكتب الحاخامية، ولعل هذا هو ما حدا بالسلطات الكنسية إلى أن تعتبر لوثر «يهودياً» و «راعياً لليهود» و «شبه يهودي» . بل وتصوَّر بعض اليهود أيضاً أنه يهودي متخفٍّ من يهود المارانو.

стр. 2310

ولكن موقف لوثر تغيَّر في أواخر الثلاثينيات، إذ اتخذ موقفاً متطرفاً متعصباً يفوق في تطرفه موقف الكنيسة الكاثوليكية. فالكنيسة الكاثوليكية كانت دائماً ملتزمة بالدفاع عن اليهود وبحمايتهم باعتبارهم الشعب الشاهد، أما لوثر فأسقط هذا الدور تماماً (ضمن ما أسقط من مؤسسات وسيطة) . ويُلاحَظ أن تزايُد اشتغال المسيحيين بالتجارة كان له جانبه المظلم بالنسبة لأعضاء الجماعات اليهودية إذ كان ذلك يعني تزايُد التنافس معهم. وقد أدَّى الإصلاح الديني إلى فتح الباب على مصراعيه للاجتهادات والانشقاقات، فظهرت مجموعات المسيحيين الذين تمسكوا بحرفية العهد القديم والذين اتخذوا طابعاً يهودياً، كما هو الحال مع جماعة السبتيين الذين كانوا يستريحون يوم السبت بدلاً من يوم الأحد. وكتاب لوثر خطاب ضد السبتيين يتضمن هجوماً حاداً على اليهود الذين اتهمهم بأنهم يجمعون الأنصار لعقيدتهم. ثم ظهر في عام ١٥٤٢ كتابه عن اليهود وأكاذيبهم، أما عام ١٥٤٣ فشهد نشر كتاب عن شيم هامفوراش، أي الاسم الذي لا يُنطَق به، والكتابان يتضمنان سيلاً من الشتائم والهجوم على اليهود إذ وصفهم بأنهم خبثاء ولصوص وقطاع طرق وديدان مقزِّزة. ولكن الجدير بالذكر أن لوثر كان عنيفاً في هجومه على كل أعدائه من أمراء وأساقفة وبابوات ومحامين وغيرهم. وقد تأثر لوثر في كتابيه بيهوديين متنصرين. والأكاذيب التي يتحدث عنها لوثر تتعلق بمفهوم الاختيار والميثاق مع الخالق من خلال الختان في سيناء، وإيمان اليهود بأن الرب أعطاهم إرتس يسرائيل (أي فلسطين) والقدس. واستخدم لوثر في كتابه كل الاتهامات التي كانت توجَّه إلى اليهود في العصور الوسطى، مثل تهمة الدم وتسميم الآبار، واتهمهم بأنهم يلعنون المسيحيين في معابدهم، ووصف اليهودية بأنها أصبحت شكلاً من أشكال الوثنية. كما أوصى لوثر بضرورة إحراق معابد اليهود وتدمير منازلهم وأن يُجمَعوا كالقطيع في الحظائر حتى يتحققوا من أنهم ليسوا

стр. 2311

أسياداً في بلادهم وإنما غرباء في المنفى، وأن يخضعوا للسخرة، وأن تُسلب منهم كتب الصلوات الخاصة بهم والتلمود وأن يُمنع الحاخامات من تلقين تعاليم دينهم وأن لا يُسمح لهم بالسفر من خلال طرق الإمبراطورية. وصاغ لوثر في هذا الكتاب فكرة الشعب العضوي المنبوذ صياغة متبلورة، فهو يطالب بعدم إعاقة اليهود عن العودة إلى أرضهم في يهودا (أي فلسطين) ويوصي بتزويدهم «بكل ما يحتاجون إليه في رحلتهم لا لشيء إلا لنتخلص منهم، إنهم عبء ثقيل وهم بلاء وجودنا» . ونحن نرى في هذه العبارات نمطاً متكرراً في الحضارة الغربية. فمعاداة اليهود تُترجم نفسها دائماً إلى دعوة صهيونية، أي طرد اليهود وتوطينهم في فلسطين. وتشبه عبارات لوثر بعض العبارات التي وردت في المقدمة التي كتبها بلفور، صاحب الوعد المشهور، لكتاب تاريخ الصهيونية الذي كتبه ناحوم سوكولوف. وكانت آخر موعظة ألقاها لوثر، قبل موته بأربعة أيام، نوعاً من الهجوم على اليهود والمطالبة بطردهم. وأثناء محاكمات نورمبرج، صرح جوليوس سترايخر بوجوب محاكمة لوثر بدلاً منه لأن كل ما قاله هو عن اليهود قاله لوثر من قبله، وإن كان بشكل أكثر تطرفاً وحدة. ومن الأمور الجديرة بالتأمل أن ألمانيا هي بلد الإصلاح الديني أي البلد الذي فك الحلول الإلهي (النعمة) من الكنيسة وأطلق عقاله ليفيض على كل الدنيا وكل الناس فيتوحدوا بالإله. وبلد لوثر هو أيضاً البلد الذي ظهر فيه هيجل صاحب المنظومة الحلولية المتطرفة التي تصل إلى مرحلة وحدة الوجود التاريخية أو مرحلة نهاية التاريخ، وهو أيضاً بلد نيتشه الذي اكتشف أن وحدة الوجود تؤدي إلى موت الإله، وهو أخيراً بلد هتلر الذي نصب نفسه إلهاً يحكم بلده في إطار من الحلولية بدون إله.

стр. 2312

ومع هذا، يُلاحَظ أن موقف الكنيسة اللوثرية من اليهود أثناء الفترة النازية يختلف باختلاف البلد والانتماء السياسي، فالأوساط المحافظة كانت تؤيد النازيين في حين وقفت العناصر الليبرالية ضدهم. وبينما كان موقف الكنيسة في ألمانيا ممالئاً للنازيين، وقفت الكنيسة اللوثرية ضدهم في السويد والدنمارك. بل إن بعض كبار المفكرين اللوثريين الألمان تنبهوا إلى العلاقة الوثيقة بين فكرة الشعب الواحد الصهيونية، والأفكار النازية التي تُقدِّس التراث القومي. وفي عام ١٩٨٢، عُقد مؤتمر بمناسبة مرور خمسمائة عام على مولد لوثر وحضره ممثلون عن الكنائس اللوثرية، وأعلن الحاضرون فيه رفض أفكار مؤسس الكنيسة اللوثرية المتصلة باليهود. ولا يتسم موقف المفكر الديني البروتستانتي جون كالفن (١٥٠٩ ـ ١٥٦٤) بهذا الوضوح والعنف، فلم تكن لديه علاقة كبيرة بأعضاء الجماعات اليهودية سواء في فرنسا أو سويسرا. ومع هذا، فقد كتب كالفن كتيباً أخذ شكل حوار بين يهودي ومسيحي يحاول كل منهما أن يدافع عن عقيدته ويدحض عقيدة الآخر. ولكن أثر كالفن في أعضاء الجماعات اليهودية يظهر بشكل غير مباشر، فقد أباح كالفن الربا، وهو ما أسبغ شرعية على أحد النشاطات الاقتصادية الأساسية للجماعات اليهودية. كما أن البروتستانتية الكالفنية التي ابتدعها كالفن، والتي سيطرت على معظم العالم الأنجلو ـ ساكسوني، ساهمت في ظهور الرأسمالية حسب أطروحة ماكس فيبر. وهو الأمر الذي ترك أثراً عميقاً في اليهود. وقد كان اهتمام كالفن بالعهد القديم بالغاً، كما ركز تركيزاً قوياً على النزعة القانونية والتقيد الحرفي والمفرط بالقانون. ومن هنا كان قربه من روح العقيدة اليهودية واتهامه، مثل كثير من المفكرين البروتستانت الأوائل، بأنه يهودي أو من دعاة التهويد. وثمة صدى لهذا الاتهام حتى في كتابات ماركس الذي وصف سيطرة البورجوازية على المجتمع بأنها عملية تهويد له.

стр. 2313

ويُلاحَظ أن ثمة علاقة وثيقة بين البروتستانتية من جهة والصهيونية والجماعات اليهودية من جهة أخرى: ١ ـ تأثرت اليهودية بالإصلاح الديني، فظهرت اليهودية الإصلاحية في ألمانيا (مهد الإصلاح الديني) متأثرة بفكر الإصلاح الديني المسيحي بشكل عام وبفكر لوثر على وجه الخصوص. وقد صرح الفيلسوف اليهودي هرمان كوهين أنه لا يرى أي فارق بين التوحيد اليهودي والبروتستانتية. ٢ ـ لاحظنا ظهور الفكر الاسترجاعي الصهيوني داخل الفكر البروتستانتي. ويمكن الإشارة إلى أن كثيراً من يهود أوربا كانوا، ابتداءً من القرن السابع عشر، يستقرون في البلاد البروتستانتية (هولندا وإنجلترا ... إلخ) ، والتي كان لها النصيب الأكبر في التشكيل الاستعماري الاستيطاني الغربي. ولذا، نجد أن معظم يهود العالم مركزون في البلاد البروتستانتية الاستيطانية التي تتحدث الإنجليزية: الولايات المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا وجنوب أفريقيا. ولم يَعُد لهم وجود يذكر في البلاد الكاثوليكية. ومع هجرة اليهود السوفييت، سيتركز يهود العالم إما في البلاد البروتستانتية أو في إسرائيل. ٣ ـ يُلاحَظ ارتباط الحركة الصهيونية بالبلاد البروتستانتية. وقد تبنت إنجلترا المشروع الصهيوني بعد منافسة قصيرة مع ألمانيا وتبعتها الولايات المتحدة، وذلك بينما كان هناك دائماً رفض للمشروع الصهيوني في الأوساط الكاثوليكية. ويُلاحَظ أنه، مع تزايُد انتشار البروتستانتية في أمريكا اللاتينية، يُتوقع تزايد التعاطف مع المشروع الصهيوني. ٤ ـ ارتبطت هجرة أعضاء الجماعات اليهودية في العصر الحديث بالتشكيل الاستعماري الاستيطاني البروتستانتي الأنجلوساكسوني، ولذا نجد أن الغالبية الساحقة من يهود العالم توجد في الولايات المتحدة وكندا وجنوب أفريقيا وأستراليا ونيوزيلندا (وأخيراً إسرائيل التي هي جزء من هذا التشكيل الأنجلو ساكسوني) .

стр. 2314

٥ ـ ثمة علاقة غير مباشرة بين البروتستانتية والجماعات اليهودية تتحدد في أن الرأسمالية، حسب أطروحة فيبر، وُلدت في المجتمعات البروتستانتية، كما أن ميلاد الرأسمالية الرشيدة كان أهم حدث في تاريخ الجماعات اليهودية، خصوصاً في الغرب. ٦ ـ ولا يزال كثير من غلاة البروتستانت يأخذون بالتفسير الحرفي للعهد القديم، وينظرون إلى فلسطين باعتبارها أرضاً مرتبطة باليهود، وينظرون إلى اليهود باعتبارهم العبرانيين القدامى، ويتفشى في صفوفهم تفكير صهيوني وحُمَّى استرجاعية ألفية. ويرى كثير منهم أن دولة إسرائيل هي تحقيق للنبوءات التي وردت في العهد القديم. لكن هذا لا يعني أن ثمة علاقة عضوية أو سببية بين البروتستانتية والصهيونية. وكما أسلفنا، تحوي الرؤية الاسترجاعية البروتستانتية قدراً كبيراً من كراهية اليهود ورفضهم. وتتحدث إذاعات غلاة البروتستانت في الولايات المتحدة عن ضرورة عودة اليهود، ولكنها ترى أيضاً أن هتلر هو سوط العذاب الذي أرسله الإله لتعذيب اليهود لإنكارهم المسيح. عصر النهضة (القرنان السادس عشر والسابع عشر ( The Renaissance (Sixteenth and Seventeenth Century)

стр. 2315

رغم التفتح العام الذي شهدته الحضارة الغربية في عصر النهضة، فإنه لم تكن له مردودات إيجابية على أعضاء الجماعات اليهودية. وربما يعود هذا إلى وضع اليهود الخاص داخل المجتمع الغربي وإلى أنهم لم يكونوا جزءاً من القوى الاجتماعية التي أدَّت إلى ظهور النهضة والاستنارة فيما بعد. كما أن بنية المجتمع، برغم تغيرها في كثير من الوجوه، ظلت جامدة وتقليدية. ولذا، لم يشهد عصر النهضة (بشكل عام) تغيراً جوهرياً في أحوال أعضاء الجماعات اليهودية، كما لم تحدث تطورات فكرية عميقة إلا في بعض الجماعات مثلما حدث في إيطاليا في بداية عصر النهضة. وكانت أوربا خالية من اليهود بعد أن طُردوا من إسبانيا عام ١٤٩٢، ومن البرتغال عام ١٤٩٦، ومن نافار وصقلية وسردينيا عام ١٤٩٨، ومن سويسرا وألمانيا عام ١٤٩٠. أما إنجلترا وفرنسا، فكانتا قد طردتا أعضاء الجماعات اليهودية في فترة سابقة ولم يسمح لهم بالاستيطان فيهما. ولم تكن هناك جماعات يهودية إلا في شرق أوربا (بولندا) التي كانت خارج نطاق عصر النهضة (في بدايته) ، أو في بعض الإمارات الألمانية التي استقبلت اليهود الذين كانوا قد طُردوا من إمارات أخرى. كما كان يوجد بعض اليهود في المدن/الدول الإيطالية في بداية عصر النهضة. بل إن هذه الفترة شهدت تكريس عزلة اليهود، وشهدت تحوُّل الجيتو من المكان الذي كانوا يعيشون فيه إلى المكان الذي يتعين عليهم العيش فيه. فمع عصر النهضة، فقدت كثير من الجماعات اليهودية في غرب أوربا دورها كجماعة وظيفية وسيطة تعمل بالتجارة والربا وحلت محلها جماعات مسيحية محلية أو دولية.
следующие страницы →