← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

مصطلح «يهودي ملحد» يبدو وكأنه تركيب واضح التناقض، إذ أننا نتصور أن اليهودي هو من يؤمن باليهودية قياساً على أن المسلم هو من يؤمن بالإسلام، والمسيحي هو من يؤمن بالمسيحية، بكل ما يتبع ذلك من إيمان بالإله. ولكن المعيار في تعريف اليهودي ليس كونه مؤمناً بالعقيدة وإنما كونه مولوداً لأم يهودية. وبحسب الشريعة اليهودية، يمكن أن يكون اليهودي من الناحية النظرية يهودياً وملحداً في الوقت نفسه. وانطلاقاً من ذلك الإبهام والتناقض في الشريعة اليهودية، ذهب الأخ دانيال (وهو راهب كاثوليكي وُلد لأبوين يهوديين ثم تنصَّر) إلى إسرائيل وطالب بأن يحصل على الجنسية الإسرائيلية حسب قانون العودة، فإذا كانت الشريعة اليهودية تعترف بالملحد يهودياً فيمكنها (من باب أولى) أن تعترف بالمسيحي يهودياً! لكن طلبه رُفض. وقد استندت حيثيات الحكم إلى مقولة علمانية وهي أن الأخ دانيال، باعتناقه المسيحية، فصل نفسه عن «المصير اليهودي» ، أي أن المعيار هنا هو مدى الارتباط بالشعب اليهودي لا بالعقيدة أو العقائد اليهودية. ولكن يبدو أن الرأي العام الإسرائيلي بدأ يتجه اتجاهاً مغايراً في الآونة الأخيرة، بحيث أصبح لا يمانع من إطلاق مصطلح «يهودي» على مسيحي هاجر إلى إسرائيل مدفوعاً بدوافع صهيونية. وترتبط بهذا المصطلح مصطلحات أخرى مثل «اليهودية العلمانية» و «يهودي إثني» . يهودي إثني Ethnic Jew «اليهودي الإثني» هو اليهودي الذي يرى أن يهوديته لا تنبع من إيمانه بالقيم الدينية والأخلاقية اليهودية وإنما من الإثنية اليهودية، أي من موروثه الثقافي. وربما كان هذا ما يعنيه إسحق دويتشر بمصطلح «اليهودي غير اليهودي» . انظر:» اليهودية الإثنية. « اليهودية الإثنية Ethnic Judaism

стр. 2382

«اليهودية الإثنية» تعبير عن الانتماء اليهودي الذي يستند إلى الإثنية اليهودية. وكلمة «الإثنية» مأخوذة من الكلمة اليونانية «إثنوس» بمعنى «قوم» أو «جماعة لها صفات مشتركة» . وتُستخدَم كلمة «إثنية» للإشارة إلى الجماعة الإنسانية التي قد لا يربطها بالضرورة رباط عرْقي ولكنها جماعة تشعر بأن لها هوية مشتركة تستند إلى تراث تاريخي مشترك ومعجم حضاري واحد. وكلمة «حضارة» هنا تستخدم في أوسع دلالاتها، فهي تشير إلى كل فعل إنساني وكل ما هو ليس بطبيعة، مثل: الأزياء وطرق حلاقة الشعر، وطريقة تنظيم المجتمع، والرقص. ومن أهم العناصر الإثنية، اللغة والأدب. ويمكن أن يكون الدين عنصراً من بين هذه العناصر الإثنية فينظر المرء، دون أن يؤمن بالإله، إلى الشعائر الدينية بوصفها تعبيراً عن الهوية، تماماً مثل الرقص والطعام. ويستطيع المرء أن يشير إلى طعام إثني (بمعنى أنه يُعبِّر عن هويته) له مضمون رمزي يتجاوز وظيفته المادية، فهو ليس مجرد طعام لسد حاجته الجسدية. وبالتالي، فإن الملوخية أو الكبسة طعام إثني، أما الهامبورجر فهو طعام ليس له مدلولات إثنية. وعلى أية حال، فإن الإثنية اليهودية هي مجموعة الصفات المحددة التي يُفترَض أنها تشكل ما يُسمَّى «الهوية اليهودية» من منظور إثني. والإيمان بالذات القومية (الإثنية) هو إحدى السمات الأساسية للتشكيل الحضاري الغربي في القرن التاسع عشر. فبعد ضعف المسيحية وانتشار العلمانية، ظهر الفكر القومي الذي أسقط أي مطلق ديني أو أخلاقي وحلَّت محله الذات القومية كمطلق وموضع للقداسة ومصدر وحيد للقيمة ونقطة مرجعية وركيزة نهائية.

стр. 2383

وتجب التفرقة بين الإثني والعرْقي، فالوحدة على أساس عرْقي تعني وحدة الدم والجنس (العرْق) .أما الوحدة على أساس إثني فتعني وحدة التاريخ والثقافية. ومعظم الحركات القومية (مثل القومية الإنجليزية أو الفرنسية أو الجامعة السلافية والألمانية والقومية الطورانية، وكذلك النازية والصهيونية) ، تستند إلى تعريف عرْقي إثني للذات القومية. ولكن، بعد تجربة الإبادة النازية، أصبح من الصعب قبول التعاريف العرْقية، وبخاصة من جانب أعضاء الجماعات اليهودية، فبدأ القبول بفكرة الوحدة الإثنية وأُسقطت الديباجات العرْقية وحلت محلها ديباجات إثنية دون أي تعديل للقداسة أو المطلقية اللتين تُنسبان إلى الذات القومية. فالوحدة على أساس عرْقي تشبه الوحدة على أساس إثني، إذ تدَّعي كلتاهما نقاءً ما يتمتع به أصحاب الهوية. كما أن العرْقية، مثلها مثل الإثنية تماماً، تعطي صاحبها حقوقاً مطلقة.

стр. 2384

وتتَّسم الدعوة القومية في الولايات المتحدة بأنها كانت دعوة إثنية، لأن المجتمع الأمريكي مجتمع مهاجرين، فيه أعراق كثيرة، ولذا أصبح التضامن الإثني هو الإمكانية الوحيدة المتاحة أمام الأمريكيين، وكانت بوتقة الصهر هي الآلية التي يمكن من خلالها إذابة الإثنيات الخاصة السابقة للمهاجرين لتحل محلها الإثنية الأمريكية العامة الجديدة. كان العنصر العرْقي موجوداً منذ البداية (ويظهر في التمييز العنصري، أي العرْقي، ضد السود والآسيويين والعرب) ولكنه كان هامشياً، ومع تزايُد معدلات العلمنة في الولايات المتحدة، وظهور حركات الأقليات مثل حركة تحرُّر السود، ظهرت حاجة لدى المواطن الأمريكي أن يشعر بانتماء ما يضرب بجذوره في شكل من أشكال الخصوصية، وهو ما أدَّى إلى بعث الإثنيات المختلفة. وقد شجع المجتمع هذا البعث الإثني شريطة ألا يتعارض مع الولاء القومي أو مع العقد الاجتماعي الأمريكي، فبإمكان المواطن الأمريكي أن يأكل من طعامه الإثني ويرقص من رقصاته الإثنية في حياته الخاصة وربما العامة، ما حلا له من مأكل ومرقص، على أن يظل سلوكه في رقعة الحياة العامة غير متناقض في أساسياته مع رؤية المجتمع وإيقاعه الأساسي وحياته، أي أن الانتماءات الإثنية الخاصة تُعامَل تماماً معاملة الانتماءات الدينية المختلفة، التي أظهر المجتمع إزاءها التسامح طالما لا تتجاوز رقعة الحياة الخاصة.

стр. 2385

ومعظم يهود العالم في الوقت الحالي يهود إثنيون، أي أن يهوديتهم لا تنبع من الإيمان بالعقيدة الدينية وإنما من إثنيتهم اليهودية، وهي تنبع من اليهودية لا باعتبارها نسقاً دينياً وإنما باعتبارها فلكلوراً. وبالتالي، فالشعب اليهودي يصبح ما يُسمَّى «الفولك اليهودي» ، أو «الشعب العضوي» ، (تماماً مثل «الفولك الألماني» ) . وربما كان التركيب الجيولوجي لليهودية هو الذي جعل ظهور مثل هذا التعريف ممكناً، وبخاصة وأن الشريعة اليهودية عرَّفت اليهودي بأنه من وُلد لأم يهودية! ويمكن القول بأن الإثنية اليهودية في الواقع هي صهيونية أعضاء الجماعات اليهودية التوطينية. فهم لا يرغبون في الهجرة إلى فلسطين، كما أنهم لا يؤمنون بالإله أو باليهودية كنسق ديني. ولكنهم، مع هذا، يؤمنون بقداسة صفاتهم الإثنية القومية، أو على الأقل يؤمنون بأن إثنيتهم تشكل النقطة المرجعية الأساسية لوجودهم كيهود وبأن إسرائيل تُعبِّر عن هذه الإثنية. ومن ثم، فهم يستمرون في تعظيم ذاتهم القومية أو الإثنية وتمجيدها، وفي تعظيم الدولة الصهيونية وتمجيدها، ولكنهم لا يهاجرون إليها قط. ولحل هذه المشكلة وضمان الاستمرار في التمتع بالهوية الإثنية، قام يهود الولايات المتحدة بإعادة تعريف إسرائيل باعتبارها بلدهم الأصلي أو وطنهم القومي، كمثل إيطاليا بالنسبة للأمريكيين من أصل إيطالي، وكذلك بولندا بالنسبة للأمريكيين من أصل بولندي. أما الولايات المتحدة، فهي وطنهم القومي الحالي. ولأن إسرائيل هي بلدهم الأصلي، فهي تمنحهم هوية إثنية خاصة ولا تلقي عليهم أية أعباء أخلاقية. والأهم من ذلك أن التعريف الإثني للهوية اليهودية على الطريقة الأمريكية لا يتطلب منهم الهجرة، فالإنسان لا يهاجر إلى بلده الأصلي وإنما يهاجر منه! (أي أن الإثنية اليهودية تجمع كل اليهود تحت لواء الصهيونية في الظاهر، وتيسر عليهم الهرب منها في الباطن. وهذا ما نسميه «التملص اليهودي من الصهيونية» بدلاً

стр. 2386

من قبولها أو رفضها) . هذا ويُلاحَظ أن هذه الإثنية اليهودية ذاتها (شأنها شأن الإثنية الإيطالية أو الآسيوية) أصبحت مجرد قشرة زخرفية فارغة. الإثنية اليهودية Jewish Ethnicity انظر: «اليهودية الإثنية» . الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية والجماعات اليهودية The Secular Imperialist Epistemological Outlook and the Jewish Communities كان للرؤية المعرفية الإمبريالية والتشكيل الاستعماري الغربي أثر واضح في أعضاء الجماعات اليهودية. ويتضح هذا في فكر نيتشه الذي اكتسح كثيراً من المفكرين اليهود في القرن التاسع عشر (انظر: «النيتشوية والمفكرون من أعضاء الجماعات اليهودية» ) ، وفي تمثُّل كثير من المفكرين اليهود لأفكار داروين (على سبيل المثال، انظر: «جومبلوفيتش، لودفيج» ) والفكر الصهيوني بأسره هو أساساً إفراز من إفرازات الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية والأفكار البرجماتية (انظر: «كالن، هوارس» ) . هذا على مستوى الفكر. أما على المستوى السياسي والاجتماعي والتاريخي، فقد قامت الدولة القومية المطلقة في الغرب بترشيد أعضاء الجماعات اليهودية وبتحويلهم إلى مادة بشرية وبطرح الحل العلماني الإمبريالي للمسألة اليهودية، أي تصدير المادة البشرية اليهودية إلى الخارج وبطرح الفكرة الصهيونية وفرضها على أعضاء الجماعات اليهودية. ولا يمكن فهم حركة انتقال الجماعات اليهودية إلى الأمريكتين وأستراليا ونيوزيلندا وكندا وجنوب أفريقيا وفلسطين إلا في إطار حركة الاستعمار الاستيطاني الغربي، وبخاصة الأنجلو ساكسوني. كما لا يمكن فهم تركُّزهم في الولايات المتحدة إلا باعتبارها التجربة الاستيطانية الكبرى التي استوعبت حوالي٨٠% من الفائض البشري في أوربا.

стр. 2387

ويمكن القول بأن مصير يهود العالم أصبح مرتبطاً تماماً بالإمبريالية بعد أن تركَّز يهود العالم في العالم الغربي، وبخاصة في الولايات المتحدة وإسرائيل. فالمصير اليهودي أصبح هو نفسه مصير الإمبريالية. ولعل هذا يُفسِّر تصهيُن الجماعات اليهودية في العالم وتراجُع الجماعات المعادية للصهيوينة. الاستعمار الاستيطاني الغربي والجماعات اليهودية Western Settler Colonialism and the Jewish Communities يمكن القول بأن نمط هجرة أعضاء الجماعات اليهودية هو حركة تنقُّل تتم دائماً داخل إطار حركة الإمبراطوريات الكبرى التي تيسر لهم هذه الحركة وتتيح لهم فرص الحراك وتوظفهم كجماعة وظيفية استيطانية أو مالية. وإذا كان التهجير البابلي قد تم قسراً، فإن حركة الهجرة العبرانية (اليهودية) التي تعاظمت بالتدريج حتى وصلت ذروتها مع نهاية الألف الأولى قبل الميلاد (حين أصبح عدد اليهود خارج فلسطين أكثر من ضعف عددهم داخلها) ، هذه الحركة كانت هجرة تلقائية بحثاً عن الفرص الاقتصادية وتتم في إطار الإمبراطوريات الهيلينية والرومانية. ويمكن القول بأن هجرة يهود شرق أوربا إلى الولايات المتحدة وكندا وفلسطين وغيرها من الدول الاستيطانية بأعداد هائلة حتى انتقلت الكتلة البشرية اليهودية من أوربا (روسيا ـ بولندا) إلى الولايات المتحدة وإسرائيل (فلسطين) ، وهي الأخرى هجرة تلقائية تمت داخل إطار إمبراطوري، فهي تتم داخل التشكيل الاستعماري الغربي وتجربته الاستيطانية في أنحاء العالم.

стр. 2388

وقد اشترك أعضاء الجماعات اليهودية كمموِّلين ومستثمرين في كثير من النشاطات المرتبطة بالاستيطان الغربي (شركتا الهند الشرقية والغربية الهولنديتان وغيرهما من الشركات، وتجارة العبيد ... إلخ) . كما اشتركوا في التجارة المثلثة (العبيد من أفريقيا - المشروبات الكحولية والسلع من أوربا - المولاس من جزر الهند الغربية) . واشترك كثير من المموِّلين من أعضاء الجماعات اليهودية في الاستثمار في جنوب أفريقيا والولايات المتحدة الأمريكية. كما اشتركت أعداد من أعضاء الجماعات اليهودية في عملية الاستيطان نفسها. وفي بداية الأمر، كان أعضاء الجماعة جزءاً من النشاط الاستيطاني الهولندي فاستوطنوا ابتداءً من منتصف القرن السابع عشر جزر الهند الغربية (مثل: ترينداد، وسورينام، والمارتينيك، وجاميكا، وجزر الباهاما) . ولكن سورينام كانت أهم التجارب الاستيطانية الأولى. وقد استوطن اليهود كذلك معظم بلاد أمريكا اللاتينية، وبخاصة في الأرجنتين التي وطَّن فيها المليونير هيرش آلاف اليهود، والتي كانت تُعَدُّ أهم تجربة استيطانية زراعية في العصر الحديث باستثناء تجربة إسرائيل.

стр. 2389

ويُلاحَظ أن هذه النشاطات الاستيطانية كانت تدور إما في إطار الاستعمار الهولندي أو في إطار الاستعمار الإسباني البرتغالي، والمادة البشرية الأساسية هنا هي يهود السفارد (المارانو) . ولكن المادة الاستيطانية الحقيقية كان مصدرها يهود اليديشية (الإشكناز) من شرق أوربا الذين كانوا يشكلون أغلبية يهود العالم الساحقة مع نهاية القرن التاسع عشر. وكان النشاط الاستيطاني الأكبر ليهود اليديشية داخل التشكيل الاستيطاني الأنجلو ساكسوني، فاتجهت ملايين اليهود إلى جنوب أفريقيا وكندا ونيوزيلندا وأستراليا وهونج كونج، لكن غالبيتهم (٨٥% اتجهت إلى الولايات المتحدة، أهم التجارب الاستيطانية، ثم إلى إسرائيل التي تلي الولايات المتحدة في الأهمية، وهي تجربة استيطانية تمت برعاية إنجلترا ثم الولايات المتحدة، أي التشكيل الأنجلو ساكسوني في جانبه الاستيطاني. والإطار التفسيري السابق يجعلنا نرى مدى ارتباط الجماعات اليهودية في العالم (الغربي بالذات) بالتشكيل الاستعماري الاستيطاني الغربي، ويضع يدنا على الحقائق الأساسية التالية في واقع أعضاء الجماعات اليهودية في العالم: ١ ـ الدياسبورا اليهودية (أي انتشار أعضاء الجماعات اليهودية في أرجاء العالم) ليست انتشاراً عشوائياً وإنما انتشار يصاحب انتشار التشكيل الاستعماري الغربي، وبخاصة في جانبه الاستيطاني، فهجرة أعضاء الجماعات اليهودية لا تحددها حركيات التاريخ اليهودي أو الطبيعة اليهودية وإنما حركيات الاستعمار الغربي، وبخاصة الاستعمار الأنجلو ساكسوني في جانبه الاستيطاني. ولا يمكن فهم تركُّز أعضاء الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة إلا باعتبارها التجربة الاستيطانية الكبرى.

стр. 2390

٢ ـ لا تشكل إسرائيل استثناء من هذه القاعدة، فهي جزء من نمط وحركية غربية هي الإمبريالية الغربية التي جعلت العالم مسرحاً لنشاطها سواء في أستراليا أو أمريكا اللاتينية أو جنوب أفريقيا أو فلسطين. فالمشروع الصهيوني جزء لا يتجزأ من التشكيل الاستعماري الاستيطاني في الغرب، وما كان بمقدوره أن يتحقق دون إمكانيات الإمبريالية الغربية ودون طموحاتها أو آلياتها. واستيطان اليهود في فلسطين هو نقل لفائض بشري غربي إلى بقعة في آسيا أو أفريقيا حيث يتم تحويله إلى دولة وظيفية استيطانية تقوم على خدمة مصالح الغرب نظير أن يقوم هو على حمايتها. فإسرائيل من هذا المنظور هي إعادة إنتاج لنمط قديم، على حين أن وعد بلفور، ثم دعم حكومة الانتداب للمستوطن الصهيوني، ثم دعم الولايات المتحدة لإسرائيل، وتوقيع الاتفاق الإستراتيجي معها، يبين أن الدولة الصهيونية هي امتداد لارتباط أعضاء الجماعات اليهودية بالاستعمار الاستيطاني الأنجلو ساكسوني. ٣ ـ بل يمكن القول بأن يهود الشرق والعالم الإسلامي تم تحويلهم إلى مادة استيطانية تابعة للتشكيل الاستيطاني الغربي من خلال مدارس الأليانس والدعاية الصهيونية وهجرة أعداد ضخمة من اليهود الإشكناز إلى العالم العربي. وهذه العمليات كلها أفقدتهم هوياتهم المحلية المختلفة وأحلَّت محلها هوية يهودية عالمية اسماً ولكنها استيطانية فعلاً جوهرها فك الصلة بين اليهودي ووطنه، ومن ثم يتم استيعابه في المنظومة الاستيطانية. وبالفعل، حينما أُعلن إنشاء إسرائيل، هاجرت الأغلبية الساحقة من يهود البلاد العربية إليها وظل الباقون يجلسون على حقائبهم في انتظار السفر إما إلى الولايات المتحدة أو إلى إسرائيل. موسى ليفي (١٧٨٢ – ١٨٥٤ ( Moses Levy

стр. 2391

أمريكي يهودي سفاردي من أوائل من استوطنوا ولاية فلوريدا الأمريكية. وُلد في المغرب لعائلة يهودية تجارية من أصل برتغالي، وكان والده وزيراً للسلطان. وفي عام ١٨٠٠، استقر في جزيرة سانت توماس في بحر الكاريبي ونجح في تجارة الأخشاب ثم نقل نشاطه إلى كوبا حيث أصبح متعهد تموين للحكومة عام ١٨١٦. وفي عام ١٨١٩، بدأ ليفي في شراء مساحات كبيرة من الأراضي في فلوريدا التي كانت خاضعة آنذاك لإسبانيا. ثم استقر بها بشكل دائم بعد أن أصبحت جزءاً من الولايات المتحدة عام ١٨٢١. وقد قام ليفي باستثمار أمواله في المشاريع الزراعية والتجارية، كما سعى إلى جذب المستوطنين البيض من اليهود والمسيحيين للعمل في المزارع الكبيرة التي أقامها، وسافر إلى إنجلترا لهذا الغرض. كما نشط ليفي بين المهاجرين اليهود الجدد في فيلادلفيا ونيويورك لتشجيعهم على الاستيطان في فلوريدا، وأقام في نيويورك مدرسة زراعية عام ١٨٢١. ولكن مساعي ليفي لم تنجح في جذب القدر الكافي من المستوطنين. كان ليفي من ملاك العبيد وقد استخدمهم في زراعة أراضيه وتطوير مشاريعه الاستيطانية. وبحلول عام ١٨٤٠، أصبح يمتلك مساحات كبيرة من الأراضي والضياع ولكنه صار يواجه أيضاً عدداً كبيراً من المشاكل المالية والدعاوى القضائية المرفوعة ضده، كما تعرضت كثير من أراضيه للتدمير أثناء حروب السيمينول، وهي الحروب التي شنها الجيش الأمريكي ضد الهنود الحمر لطردهم من أراضيهم وتوسيع مناطق استيطان الرجل الأبيض. وقد نجح ليفي في التخلص من مشاكله القانونية، وانخرط في النشاط السياسي في فلوريدا وكتب عدداً من المقالات في الصحف تحت اسم «يولي» . وبرغم اهتمامه ببعض القضايا اليهودية وبالكتابة حول بعض المسائل الدينية اليهودية إلا أن ولديه الاثنين ابتعدا تماماً عن اليهودية، وأحدهما ديفيد يولي أصبح أول عضو يهودي في مجلس الشيوخ الأمريكي.

стр. 2392

ولا يمكن فهم سيرة حياة ليفي في إطار يهوديته أو هويته السفاردية، فهو يستولي على الأرض ويطرد أهلها منها ويحارب ضدهم ويبيدهم ويوظف الأفريقيين السود فيها، ليس لأنه يهودي شرير وإنما لأنه ينتمي إلى التشكيل الاستعماري الاستيطاني الإحلالي الأمريكي، وسلوكه يتحدَّد داخل هذا الإطار. ويُقال إنه شخصياً كان ضد استخدام العبيد السود، ولكنه تنازل عن آرائه حتى يمكنه الاستمرار داخل إطار نمط الإنتاج السائد في مجتمعه. ناثانيل أيزاكس (١٨٠٨ -١٨٦٠ ( Nathaniel Isaacs تاجر ومستكشف جنوب أفريقي يهودي من أوائل من فتحوا إقليم ناتال في جنوب أفريقيا للاستيطان الأوربي، وُلد في إنجلترا وأرسلته أسرته عام ١٨٢٢ إلى جزيرة سانت هيلينا القريبة من أفريقيا ليكتسب خبرة تجارية في تجارة عمه. وفي عام ١٨٢٥، أبحر أيزاكس إلى بورت ناتال على الساحل الجنوبي الشرقي من أفريقيا وقام على رأس مجموعة من الأوربيين باستكشاف المناطق الداخلية من البلاد، حيث التقى بقبائل الزولو الأفريقية ونجح في إقامة علاقة طيبة مع ملكهم الذي منحه مساحات واسعة من الأراضي وامتيازات كثيرة للاتجار مع قبائل الزولو، وذلك مكافأة له على تعاونه معهم في حروبهم ضد القبائل الأخرى التي انتصروا فيها بفضل الأسلحة الأوربية. وقد أمضى أيزاكس حوالي سبعة أعوام في ناتال عمل فيها بالتجارة (وبخاصة تجارة العاج) وساهم في تعليم الزولو الزراعة وتربية الماشية، كما أسس مدينة دوربان. ومن جهة أخرى، شجع أيزاكس السلطات البريطانية في مدينة الكاب على توسيع تجارتهم مع إقليم ناتال، وحث الحكومة البريطانية على ضم الإقليم واستيطانه. وهو ما أقدمت عليه الحكومة البريطانية بالفعل عام ١٨٤٣. وقد رحل أيزاكس عن ناتال بشكل نهائي عام ١٨٢١ واشتغل بالتجارة في سيراليون. وفي عام ١٨٣٦، أصدر أيزاكس كتابه سفريات ومغامرات في شرق أفريقيا الذي يُعَدُّ مرجعاً عن حياة وتقاليد قبائل الزولو الأفريقية.

стр. 2393

ويبيِّن تاريخ حياة أيزاكس مدى تفاعُل أعضاء الجماعات اليهودية مع التشكيل الاستعماري الغربي وكيف أن حركتهم وهجراتهم منذ القرن السابع عشر تتم في إطار هذا التشكيل خارج حركيات ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» . أمرام دارمون (١٨١٥-١٨٧٨) Amram Darmon جندي فرنسي وُلد في الجزائر لعائلة دارمون اليهودية المرموقة، وقد رحب دارمون بحماس شديد بالاحتلال الفرنسي للجزائر عام ١٨٣٠ وانضم إلى الجيش الفرنسي حيث اشترك في جميع حملاته اللاحقة ضد السكان المسلمين. ونظراً لمعرفته باللغتين العربية والفرنسية وبطبيعة البلاد، عُيِّن مترجماً حيث اشترك بهذه الصفة في عدة حملات عسكرية. وفي عام ١٨٥٢، عُيِّن بشكل رسمي مترجماً من الطبقة الأولى. ومُنح وساماً ولقب فارس. وفي الفترة بين عامي ١٨٥٣ و ١٨٦٨، ترأس المكتب العربي في ماسكارا حيث توفى. وقد مُنح دارمون الجنسية الفرنسية قبل أربعة أعوام من صدور قانون كرميو عام ١٨٧٠ الذي أعطى يهود الجزائر حق المواطنة الفرنسية بشكل تلقائي. ويُعتبَر دارمون نموذجاً لتحوُّل أعضاء الجماعات اليهودية في الجزائر وفي المغرب العربي بصفة عامة على أيدي الاحتلال الفرنسي إلى جماعات وظيفية استيطانية من خلال اكتسابهم الثقافة الفرنسية وحصولهم على الامتيازات الممنوحة للأجانب، وقد أدَّى كل هذا إلى ارتباط مصالحهم بمصالح المحتل، وبالتالي عملوا على خدمة مصالحه ودعم وجوده في المنطقة. ألفريد بيت (١٨٥٣-١٩٠٦ ( Alfred Beit

стр. 2394

من رجال المال في جنوب أفريقيا، وشريك سيسل رودس في تأسيس رودسيا التي سُمِّيت زمبابوي بعد استقلالها. وُلد في هامبورج، وانتقل إلى أمستردام حيث تعلَّم تجارة الماس، ثم انتقل إلى جنوب أفريقيا عام ١٨٧٥ حيث حقق في فترة وجيزة مكانة مهمة في مجال تطوير مناجم الماس والذهب. وقد التقى بسيسل رودس وترسخت علاقتهما. وظل منذ ذلك الحين مرتبطاً بالنشاط المالي لرودس وبطموحاته الإمبريالية والاستعمارية. ووقف بيت إلى جانب رودس في تنافسه مع بارناتو (وهو من رجال المال والماس من اليهود في جنوب أفريقيا) للسيطرة على مناجم الماس في البلاد. واستعان في ذلك بفرع عائلة روتشيلد في لندن. وقد أسسا معاً عام ١٨٨٨ شركة دي بيرز للتعدين والتي أصبحت الشركة المسيطرة على تجارة الماس في جنوب أفريقيا وفي العالم أجمع. اشترك بيت مع رودس في إدارة وتطوير المنطقة التي أصبحت تُعرَف فيما بعد باسم «رودسيا» ، وذلك من خلال شركة جنوب أفريقيا البريطانية التي أسساها معاً. ويأتي بيت في المرتبة الثانية بعد رودس في مساهمته في استعمار رودسيا وتطويرها وترسيخ وجود الرجل الأبيض بها. كما تورط في المؤة التي دبرها رودس ضد النظام الحاكم في رودسيا عام ١٨٩٥. وقد حقق بيت ثراءً كبيراً، وكان له العديد من المساهمات الخيرية، وبخاصة في مجال التعليم.

стр. 2395

الباب الثالث: التحديث وأعضاء الجماعات اليهودية التحديث وأعضاء الجماعات اليهودية: دورهم فيه وأثره فيهم Modernization: Role of Members of Jewish Communities and its Impact on Them «التحديث» (في إطار المنظومة المعرفية العلمانية الشاملة) هو عملية تعديل البيئة الاجتماعية والرؤية المعرفية والأخلاقية بحيث يُخضَع الواقع بأسره (الإنسان والبيئة أو الطبيعة) للقواعد والإجراءات العامة وغير الشخصية ويزداد التحكم فيه، فتُستبعَد كل المطلقات (الأخلاقية والإنسانية والدينية) من الدنيا وتُصفَّى كل الثنائيات ويصبح مصدر المعرفة هو العقل وما يصله من معطيات من خلال الحواس. وينبع من هذه المعرفة نسق أخلاقي يجعل الأخلاق مترادفة مع المنفعة واللذة (وهذه العملية هي في جوهرها عملية ترشيد وعلمنة وفرض للواحدية المادية) . وينتج عن ذلك أن الشخصية التقليدية تتحول بالتدريج إلى المواطن الحديث القادر على الاستجابة للقانون العام، والذي لا يدين بالولاء إلا للدولة (المطلقة) أو الوطن والذي يفضل الدخول في علاقات تعاقدية واضحة محدَّدة. وهو بذلك، يصبح منتجاً ومستهلكاً بالدرجة الأولى. كما أن البيئة الاجتماعية نفسها تسيطر عليها مؤسسات الدولة التي تحل محل المؤسسات التقليدية مثل الكنيسة أو الأسرة، أي أن الجماعة العضوية المترابطة (جماينشافت) تتحول إلى المجتمع التعاقدي (جيسيلشافت) . ويؤدي كل هذا إلى تزايد هيمنة المؤسسات الحديثة التي يصبح بوسعها توظيف الواقع (الإنسان والطبيعة) وتعظيم الإنتاج (من خلال توحيد السوق وتوحيد القوانين والنظم الاقتصادية) وزيادة الدخل (عن طريق وضع الخطط وإقناع الناس بها من خلال الإعلام) . وتصاحب هذه العملية نمو الديموقراطية، وانتشار التعليم، وزيادة الإبداع والحراك الاجتماعي، ونزع القداسة عن الرموز والأفراد، وتزايُد تكيُّف المرء مع القيم والمخترعات الجديدة التي تظهر يوماً بعد يوم، وتعاظُم دور الإعلام والمخابرات. وقد عرَّف أحد العلماء الغربيين الإنسان الحديث بأنه الإنسان القادر على تغيير قيمه بعد إشعار قصير، أي أنه إنسان حركي للغاية لا يهدأ ولا يخضع لأية ثوابت أو مطلقات. كما

стр. 2396

يُلاحَظ أن عملية التحديث يصاحبها تزايُد التركز في المدن، والاغتراب، وانتشار الإباحية والنزعات العدمية. ويمكن وصف التحديث بأنه علمنة المجتمع. وعملية التحديث، سواء في الشرق الإسلامي أم في الغرب، هي أهم عملية تاريخية في هذا العصر، وهي سمته الأساسية، فهي تمس كل جوانب المجتمع الإنساني من الاقتصاد إلى أسلوب الحياة. ويعود تاريخ عملية التحديث والعلمنة في الغرب إلى بدايات عصر النهضة، وقد زادت حدتها مع بداية القرن التاسع عشر، ووصلت هذه المرحلة إلى نهايتها مع الحرب العالمية الأولى حيث تحولت المجتمعات الغربية من كونها مجتمعات زراعية إقطاعية وشبه إقطاعية إلى مجتمعات تجارية وأخيراً إلى مجتمعات صناعية رأسمالية إمبريالية. وقد تركت هذه العملية التاريخية أعمق الأثر في أعضاء الجماعات اليهودية، ولا يمكن فهم الحركات السياسية والفكرية وحركة الهجرة بين اليهود إلا بفهم أثر عملية التحديث فيهم ودورهم فيها. وقد لعب أعضاء الجماعات اليهودية دوراً في تحديث العالم الغربي والشرق العربي من خلال كونهم جماعة وظيفية وسيطة. ولكنه كان دوراً محدوداً بسبب ارتباطهم إما بالطبقة الحاكمة، كما هو الحال في الغرب، أو بالاستعمار في الشرق، إذ أن عملية التحديث لابد أن تتم في صلب المجتمع ذاته وأن يقوم بها أعضاء المجتمع الذين يعيشون فيه وينتمون إليه انتماءً كاملاً. وقد هاجر يهود البلاد العربية والعالم الإسلامي إلى العالم الغربي أو الدولة الصهيونية قبل أن تتصاعد عملية التحديث في هذا الجزء من العالم، ولذا لم تُبذَل محاولات لتحديثهم ودمجهم في المجتمع.

стр. 2397

أما يهود العالم الغربي، فقد كانت تجربتهم مختلفة، إذ تصاعدت معدلات التحديث في المجتمع الغربي ابتداءً من منتصف القرن السابع عشر ودخلت عليه تحولات عميقة غيَّرت بنيته ورؤيته تماماً، وهي تحولات كان اليهود بمعزل عنها، وبخاصة في شرق أوربا، حيث كانوا لا يزالون يلعبون دور الجماعة الوظيفية الوسيطة. ومع نهاية القرن الثامن عشر، كان اليهود من أكثر القطاعات البشرية تَخلُفاً في كل أرجاء أوربا. ومن هنا وجدت الحكومات المركزية المطلقة، التي كانت تود توحيد السوق القومي والسيطرة على كل جوانب الحياة، أن من الضروري تحديث اليهود حتى تتم عملية دمجهم. وفي الأدبيات التي تتناول ذلك الموضوع، يرد المصطلح مرادفاً لمصطلحات مثل «دمج اليهود» أو «صبغهم بالصبغة البولندية أو الروسية أو النمساوية في بولندا أو روسيا أو النمسا» أو «تحويلهم إلى قطاع اقتصادي منتج» أو تخليصهم من «هامشيتهم» الإنتاجية أو «إصلاحهم» أو «تحويلهم إلى عنصر نافع» . والصعوبات التي واجهت عملية التحديث هذه ومدى نجاحها وفشلها هي التي تشكل جوهر ما يُسمَّى «المسألة اليهودية» . وقد كانت عملية تحديث اليهود تتم في أحيان نادرة بناءً على اقتراح من دعاة التنوير بين أعضاء الجماعات اليهودية، كما حدث في بولندا حين قدم أحدهم عام ١٧٩٢ إلى البرلمان البولندي كتيباً بالفرنسية يقترح فيه الخطوات اللازم اتخاذها لتحديث اليهود. ولكن مثل هذه المبادرات اليهودية كانت نادرة، إذ أن عملية التحديث لم تكن تنبع من الحركيات الداخلية للجماعات اليهودية، وإنما من حركيات المجتمع الذي يحتويها. ولذا، كان التحديث في معظم الأحوال يتم بمبادرة من العالم غير اليهودي الذي يعيش اليهود بين ظهرانيه، كما كان يُفرَض عليهم فرضاً.

стр. 2398

وقد أخذ التحديث شكلين أساسيين. أحد هذين الشكلين سياسي مباشر، وهو ما يُطلَق عليه الإعتاق، أي منح اليهود حقوقهم المدنية والسياسية نظير أن يدينوا بالولاء للدولة التي عرَّفت القومية على أساس لا ديني (عرْقي أو إثني) ، وهو الأمر الذي خلق عند اليهود أزمة هوية، حيث إن تعريف الشريعة لليهودي على أنه من تهود أو من وُلد لأم يهودية يتضمن عناصر إثنية شبه قومية تتناقض مع فكرة الولاء الكامل للدولة ولقيمها الحضارية والسياسية في حياتهم العامة (على أن يحتفظوا بقيمهم الإثنية والدينية في حياتهم الخاصة إن شاءوا) . كما أخذ التحديث شكلاً اجتماعياً واقتصادياً أكثر عمقاً، مثل تشجيعهم على الاشتغال بالزراعة وتحريم اشتغالهم بالربا أو التجارة وغير ذلك من المحاولات والأشكال. وقد تأثر أعضاء الجماعة اليهودية بهذا المناخ الثقافي وبالتحولات الاجتماعية التي واكبته، فيُلاحَظ أن الهوة التي تفصل بينهم وبين بقية أعضاء المجتمع أخذت تضيق بسرعة حتى اختفت تماماً في بعض البلاد مثل دول غرب أوربا والولايات المتحدة. وبالتالي، تحوَّلت القضية بالنسبة إلى اليهود من قضية حقوق ومزايا خاصة يحصلون عليها، كما كان الأمر من قبل، إلى قضية إعتاق واندماج، إذ أن الاندماج (حسب افتراض فكر الاستنارة والليبرالية) سيحل مشكلة الحقوق بشكل آلي. ولكن الأمور لم تكن بالبساطة التي تصوَّرها مفكرو عصر الاستنارة، فالجماعات اليهودية كان لها خصوصيتها المرتبطة بدورها كجماعة وظيفية وسيطة متميِّزة إثنياً ووظيفياً. لذا، لم تكن عملية الانتقال هينة أو سهلة، خصوصاً أن الفكر القومي العضوي انتشر في أوربا، وهو فكر استبعادي يطرح تصوراً للدولة القومية لا مجال فيه للتعدد الإثني أو الديني، ولا مكان فيه للأقليات.

стр. 2399

ومع هذا، فَقَد اليهود تميُّزهم بدرجات متفاوتة، إذ أن ما يحدث عادةً أن القيم العامة التي تسود في الحياة العامة تبدأ في التغلغل في حياة أعضاء الأقليات الخاصة ثم تسود فيها فيفقدون أية خصوصية، دينية أو إثنية، ويصبحون مثل بقية أعضاء المجتمع في حياتهم الخاصة والعامة، فتتزايد معدلات الاندماج بينهم، بل يكتسب الاندماج حركية مستقلة، إذ يصبح نابعاً من داخل الأقليات ذاتهم بعد أن كان مفروضاً عليهم. ثم تظهر مشاكل جديدة لم يجابهها أعضاء الأقليات من قبل، مثل تزايُد معدلات الزواج المُختلَط والانصهار الكامل. والجماعات اليهودية مثل جيد على هذه الظاهرة، فبعد أن كانوا يشكون من معاداة اليهود ومن العزلة والعزل، تسري الآن الشكوى من الزواج المختلط ومن الانصهار. وكانت معدلات الاندماج تختلف من منطقة إلى أخرى في أوربا التي يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام من منظور معدلات التحديث وأشكاله: ١ ـ بلاد التحديث الناجح، وهي بلاد غرب أوربا ما عدا ألمانيا. ٢ ـ بلاد التحديث الشمولي في وسط أوربا وألمانيا. ٣ ـ بلاد التحديث المتعثر أو المتوقف في شرق أوربا، وبالأساس في بولندا وروسيا. وقد اندمج اليهود في مجتمعات غرب أوربا، وبدأت عملية الاندماج في وسطها وشرقها، ولكنها تعثرت ثم توقفت. وقد ظهرت موجة من موجات معاداة اليهود في ثمانينيات القرن التاسع عشر في معظم أنحاء أوربا، وبخاصة في وسطها وشرقها. ونتيجةً لكل هذا، بدأت الهجرة اليهودية من شرق أوربا إلى وسطها وغربها، ثم إلى الولايات المتحدة التي أصبحت تضم أكبر جماعة يهودية في العالم.

стр. 2400

وقد ظهرت استجابات يهودية كثيرة لحركة التحديث، فكانت هناك اليهودية الإصلاحية والدعوة للاندماج والاستفادة من الفرص الثقافية والاقتصادية الجديدة، وهذا هو الحل الذي ساد أساساً في الغرب. أما في شرق أوربا، فقد ساد الفكر الحسيدي والأرثوذكسي. وتتلخص الاستجابة الحسيدية في تفضيل البقاء في الماضي وتجاهُل الحاضر، بينما تأخذ الاستجابة الأرثوذكسية شكل تفضيل البقاء في الماضي والعزلة مع محاولة التصدي للحاضر. ولكن كلتا الاستجابتين الحسيدية والأرثوذكسية لم تؤثرا في مصير اليهود ككل. أما الاستجابة الصهيونية واستجابة دعاة قومية الجماعات (سواء من البوند الاشتراكيين أو من الليبراليين) ، فإنهما تتجاوزان الإطار الديني التقليدي وترفضان الجيتو كإطار مرجعي وتقبلان المجتمع الغربي الحديث كحقيقة نهائية. ويمكن تصوُّر قومية الدياسبورا باعتبارها قامت بعلمنة الصيغة الحاخامية التقليدية التي عارضت النزعات المشيحانية وعارضت العودة الفعلية إلى فلسطين ونادت بتقبُّل الشتات (أي انتشار الجماعات اليهودية في أنحاء العالم) بوصفه حالة نهائية إلى أن يأذن الإله بغير ذلك. أما الصهاينة، فقد علمنوا الصيغة الشبتانية (نسبة إلى شبتاي تسفي) ، وهي صيغة مشيحانية تؤكد أهمية عودة اليهود الفعلية إلى فلسطين وإنشاء دولة يهودية قومية حديثة مثل كل الدول.

стр. 2401

والصهيونية، رغم أنها إحدى الاستجابات اليهودية لعملية التحديث، وذلك باعتبارها محاولة لتقديم حل حديث للمسألة اليهودية (العنوان الفرعي لكتاب هرتزل دولة اليهود) ، فإنها استجابة سطحية للغاية. فقد امتصت كثيراً من ديباجات التحديث المختلفة، مثل العلمانية والاشتراكية، وطرحت شعارات تحديثية مثل «تطبيع اليهود» وغير ذلك من الشعارات مع احتفاظها ببنية تقليدية جيتوية. طرحت الصهيونية مفاهيم، مثل الشعب اليهودي والتاريخ اليهودي، تبدو كأنها مفاهيم حديثة، ولكن الباحث المدقق سيكتشف أن الشعب اليهودي هو الشعب المختار بعد علمنته، والتاريخ اليهودي، هو امتداد للتاريخ المقدَّس الذي ورد في العهد القديم والذي يفترض علاقة خاصة مع الإله بعد أن تم صبغه بصبغة دنيوية. والدولة الصهيونية دولة وظيفية تجارية قتالية تشبه في كثير من النواحي الجماعات اليهودية الوظيفية الوسيطة. ولقد أنجزت الصهيونية تحديث بعض أعضاء الجماعات اليهودية في شرق أوربا عن طريق ضمهم إلى المشروع الاستعماري الغربي، الذي حولهم إلى مستوطنين في فلسطين يعيشون داخل جيب غربي يدار بطريقة غربية حديثة. ولكن مجتمعات المستوطنين البيض لم يكن لها أي أثر تحديثي في المجتمعات الآسيوية والأفريقية التي تواجدت بين ظهرانيها. فمؤسسات المجتمع الاستيطاني المقصورة على المستوطنين تتسم بأنها مؤسسات حديثة تدار بطريقة حديثة، بما يتضمنه ذلك من محاولات للترشيد وتعظيم الربح وخلافه، ومع هذا تحاول هذه المؤسسات قصارى جهدها أن تمنع تطبيق المثل نفسه على المجتمعات المحيطة بها وتحاول أن تُبقيها في حالة التخلف والتجزئة، لأن تحديث هذه المجتمعات فيه قضاء على الخلية الاستيطانية وعلى فرص استغلال الأرض ومَنْ عليها من بشر. ولذا، نجد أن المجتمع الاستيطاني هو مجتمع حديث للغاية يبذل قصارى جهده لئلا تنتشر عملية التحديث!

стр. 2402

وفي الحقيقة، فإن سلوك الصهاينة هو تعبير عن هذا النمط المألوف. فمنذ البداية، رفض الصهاينة التعامل مع القيادات الفلسطينية الحديثة، وكانوا يفضلون دائماً التعامل مع شيوخ القبائل، كما رفضوا أن ينظروا إلى الفلسطينيين كجزء من التشكيل العربي القومي الحديث، وفضلوا أن ينظروا إلى المنطقة ككل باعتبارها فسيسفاء من شيعة وسنة وأكراد وكاثوليك ودروز وأرثوذكس. كما يحاولون منع الفلسطينيين من إنشاء مؤسسات ذات طابع حديث، مثل الأحزاب السياسية التي تتمتع بحرية التعبير، ويرفضون الاعتراف بقيادتهم القومية. ومع هذا، يمكن القول بأن النمط الصهيوني، برغم انتمائه إلى النمط الاستعماري، له تفرُّده. فهو لم يُعق المجتمع الفلسطيني عن النمو والتحديث، وإنما (نظراً لإحلاليته) شوَّه بنيةالمجتمع الفلسطيني الاجتماعية والثقافية تماماً، وذلك بطرده الفلسطينيين، أي أن هذه العملية ليست محاولة للقضاء على عملية تحديث المجتمع وحسب، وإنما تهدف أيضاً إلى القضاء على تاريخه بل وجوده. إصلاح اليهود واليهودية Reformation or Improvement of the Jews and Judaism «إصلاح اليهود واليهودية» عبارة تُستخدَم للإشارة إلى موضوع أساسي كامن في الخطاب السياسي الغربي في أواخر القرن الثامن عشر، وهو إمكانية تحديث اليهود، أي تحويلهم من جماعة وظيفية وسيطة تقف على هامش المجتمع (التقليدي) إلى أعضاء مندمجين في طبقات المجتمع (الحديث) كافة. ومن أهم كلاسيكيات إصلاح اليهود كتاب كريستيان دوم بخصوص إصلاح المكانة المدنية لليهود (١٧٨١) حتى يصيروا عناصر قادرة على الانتماء للدولة الجديدة نافعة لها.

стр. 2403

وقد ترك كتاب دوم أثراً عميقاً في مفكري عصره، وظهرت كتابات أخرى تتبنَّى المقولة نفسها للأب هنري جريجوار وميرابو وغيرهما. وقد نوقشت قضية إصلاح اليهود في إطار مفهوم المنفعة (العقلاني المادي) . وتُجمع هذه الكتابات على إمكانية إصلاح اليهود عن طريق تطبيعهم، وجعلهم جزءاً لا يتجزأ من المجتمع في وظائفهم وأزيائهم ولغتهم، وذلك بتوجيههم (بعيداً عن التجارة) نحو الحرف اليدوية والمهن الصناعية، ومنعهم من استخدام «هذه الرطانة الألمانية العبرية الحاخامية» ، أي اليديشية التي يستخدمها اليهود، ومن ارتداء الأزياء الخاصة بهم، وكذلك منعهم من بيع الكحول. وكل هذه الإجراءات تعني، في واقع الأمر، فكّ عزلتهم كجماعة وظيفية وسيطة، ودفعهم إلى أن يُجَنَّدوا في الجيش حتى يتسنى تطبيعهم تماماً، ويصبحوا مادة بشرية نافعة. وقد تبنَّى الصهاينة أيضاً هذا المصطلح أو المفهوم الذي يُستخدَم باعتباره مصطلحاً مترادفاً مع مصطلحات أخرى، مثل: «تطبيع اليهود» أو «تحويل اليهود إلى قطاع اقتصادي منتج» أو تخليصهم من «هامشيتهم» و «شذوذهم» . لكن دوم طالب كذلك بأن يُحظَر على اليهود كتابة حساباتهم التجارية بالحروف العبرية حتى تزداد الثقة بينهم وبين جماهير الشعب المسيحي، وبأن يتم الإشراف على مدارسهم لاستبعاد العناصر غير الاجتماعية في ثقافتهم والموجهة ضد الآخرين أو الأغيار. وقد طالب كذلك بفرض الاتجاه العقلاني عليهم وتلقينهم احترام الدولة والاعتراف بواجباتهم تجاهها. ويمكن القول بأنه وضع مشروعاً يهدف إلى التخلص من كل أبعاد الخصوصية اليهودية.

стр. 2404

لكن فكر دوم هو نتاج عصره، عصر الملكيات الأوتوقراطية المستنيرة وفكرة الاستنارة. ومن هنا، فإن برنامجه المجرد العام يشبه، في كثير من النواحي، برنامج جوزيف الثاني إمبراطور النمسا لتحديث اليهود ودمجهم. والواقع أن فكرة إصلاح اليهود مرتبطة بفكرة نفعهم وإمكانية حوسلتهم، فإصلاح اليهود يهدف إلى جعلهم نافعين يمكن تحويلهم إلى مادة استعمالية، ومن ثم فهو في جوهره عملية علمنة. ولم تكن عملية الإصلاح مقصورة على اليهود وحسب، وإنما امتدت لتشمل اليهودية كذلك، ولا يختلف مشروع إصلاح اليهودية وتحديثها في أساسياته عن مشروع إصلاح اليهود. وكان هذا الإصلاح يأخذ شكل تحديث وتطبيع حتى تقترب اليهودية من المسيحية البروتستانتية (كانت ألمانيا مهد الإصلاح الديني المسيحي، وهي نفسها بلد الإصلاح الديني اليهودي) . وحاول الإصلاح الديني اليهودي التقليل من أهمية الشعائر وتخليص اليهودية من العناصر القومية فيها. واليهودية الإصلاحية هي ثمرة هذه المحاولة وتبعتها اليهودية المحافظة والتجديدية في الاتجاه نفسه. نفع اليهود Utility of the Jews «نَفْع اليهود» مصطلح يعني النظر إلى أعضاء الجماعات اليهودية من منظور مدى نفعهم للمجتمعات التي يوجدون فيها، وهو واحد من أهم الموضوعات الأساسية، الواضحة والكامنة، التي تتواتر في الكتابات الصهيونية والمعادية لليهود، وبخاصة النازية.

стр. 2405

والدفاع عن اليهود من منظور نفعهم يتضمن داخله قدراً كبيراً من رفضهم وعدم قبولهم كبشر لهم حقوقهم الإنسانية المطلقة. فالعنصر النافع عنصر متحوسل يُستفاد منه طالما كان نافعاً ومنتجاً، كما يجب التخلص منه إن أصبح غير نافع وغير منتج. وهذا المقياس لم يُطبَّق على أعضاء الجماعات اليهودية وحدهم، وإنما على كل أعضاء المجتمع الذي تحكمه الدولة القومية المطلقة العلمانية التي تقوم بحوسلة الطبيعة والإنسان. ومفهوم نَفْع الإنسان مفهوم محوري في فكر حركة الاستنارة نابع من الواحدية المادية.

стр. 2406

وقد كانت الجماعات اليهودية تضطلع بدور الجماعة الوظيفية في كثير من المجتمعات، فكان بعضها يضطلع بدور الجماعة الوظيفية القتالية والاستيطانية في العصور القديمة، وتحولوا إلى جماعة وظيفية تجارية في العصور الوسطى في الغرب. وكان يُنظَر إليهم باعتبارهم مادة بشرية تُستجلَب للمجتمع كي تقوم بدور أو وظيفة محددة، ويتم قبولها أو رفضها في إطار مدى النفع الذي سيعود على المجتمع من جراء هذه العملية. ومما دعَّم هذه الرؤية، فكرة الشعب الشاهد التي تنظر إلى اليهود كأداة للخلاص، ومن ثم ينبغي الحفاظ عليهم بسبب دورهم الذي يلعبونه في الدراما الدينية الكونية، وهي الفكرة التي سادت أوربا الكاثوليكية الإقطاعية. وقد استقر اليهود في إنجلترا وفرنسا في العصور الوسطى في الغرب كأقنان بلاط وكمصدر نَفْع ودَخْل للإمبراطورية. وكان يُشار إليهم أحياناً على أنهم سلع أو منقولات. ويمكن القول بأنه قد يكون من الأدق النظر إلى اليهود باعتبارهم أدوات إنتاج وإدارة، لا باعتبارهم بشراً أو قوى إنتاج. وقد استقر اليهود في ألمانيا ثم في بولندا على هذا الأساس. وظهر بينهم يهود البلاط أو يهود الأرندا، وكانوا هم أيضاً جماعات وظيفية، وكان يُنظَر إليهم من حيث إنهم يؤدُّون وظيفةً ما، كما كان يُحكَم عليهم بمقدار النجاح أو الإخفاق في أدائها. ومن أكثر الأمثلة إثارةً على أن اليهود كان يتم التسامح معهم والتصريح لهم بالاستيطان كمادة نافعة، وضعهم في شبه جزيرة أيبريا، فقد كانت توجد عناصر يهودية كثيرة في بلاط فرديناند وإيزابيلا. بل إن أحد أثرياء اليهود لعب دوراً مهماً في عقد القرآن بينهما وفي توحيد عرش قشطالة وأراجون. وقام بعض أثرياء اليهود بتمويل حرب الملكين ضد المسلمين، وهو ما أدَّى إلى هزيمتهم وإنهاء الحكم الإسلامي. ومع هذا، تم طرد أعضاء الجماعات اليهودية بعد سبعة شهور فقط من إنجاز هذه العملية العسكرية التي مولوها، ذلك أن نجاحها قد أدَّى إلى

стр. 2407

أن دورهم كجماعة وظيفية مالية نافعة لم يَعُد لازماً. وقد كان وضع اليهود مستقراً تماماً داخل المجتمعات الغربية كجماعة وظيفية وسيطة ذات نَفْع واضح. ولكن هذا الوضع بدأ في التقلقل مع التحولات البنيوية العميقة التي خاضها المجتمع الغربي ابتداءً من القرن السابع عشر وظهور الثورة التجارية. ولم يَعُد بالإمكان الاستمرار في الدفاع عن وجود اليهود من منظور فكرة الشعب الشاهد (الدينية) . فظهرت فكرة العقيدة الألفية أو الاسترجاعية التي تجعل الخلاص مشروطاً بعودة اليهود إلى فلسطين. ولكن هذه الأسطورة ذاتها لا تزال مرتبطة بالخطاب الديني، ولم يكن مفر من أن يتم الدفاع عن اليهود على أسس لادينية علمانية، كما لم يكن بد من طرح أسطورة شرعية جديدة ذات طابع أكثر علمانية ومادية. ومن ثم، ظهرت فكرة نَفْع اليهود للدولة، هذا المطلق العلماني الجديد، فتم الدفاع عن عودة اليهود إلى إنجلترا في القرن السابع عشر من منظور النفع الذي سيجلبونه على الاقتصاد الإنجليزي، حيث نُظر إليهم كما لو كانوا سلعة أو أداة إنتاج. وكان المدافعون عن توطين اليهود يتحدثون عن نقلهم على السفن الإنجليزية بما يتفق مع قانون الملاحة الذي صدر آنذاك ويجعل نَقْل السلع، إلى إنجلترا ومنها، حكراً على السفن الإنجليزية. كما أن كرومويل فكر في إمكانية توظيفهم لصالحه كجواسيس. وعمل اليهود في تلك المرحلة في وسط أوربا كيهود بلاط، وهم جماعة وسيطة يستند وجودها أيضاً إلى مدى نَفْعها.

стр. 2408

وحينما قام أعداء اليهود بالهجوم عليهم من منظور ضررهم وانعدام نَفْعهم، دافع أعضاء الجماعات اليهودية عن أنفسهم لا من منظور حقوقهم كبشر، وإنما من منظور نفعهم أيضاً. فكتب الحاخام سيمون لوتساتو عام ١٦٣٨ كتاباً بالإيطالية تحت عنوان مقال عن يهود البندقية عدَّد فيه الفوائد الكثيرة التي يمكن أن تعود على البندقية وعلى غيرها من الدول من وراء وجود اليهود فيها، فهم قد طوَّروا فروعاً مختلفة من الاقتصاد، يضطلعون بوظائف لا يمكن لغيرهم الاضطلاع بها مثل التجارة، ولكنهم على عكس التجار الأجانب خاضعون لسلطة الدولة تماماً، ولا يبحثون عن المشاركة فيها. وهم يقومون بشراء العقارات، ومن ثم لا ينقلون أرباحهم خارج البلاد. إن اليهود من هذا المنظور يشبهون رأس المال الوطني (مقابل رأس المال الأجنبي) لابد من الحفاظ عليه والدفاع عنه. وقد تبنَّى منَسَّى بن إسرائيل المنطق نفسه في خطابه لكرومويل حتى يسمح لليهود بالاستيطان في إنجلترا. كذلك تبنَّى أصدقاء اليهود المنطق ذاته، فطالب جوسيا تشايلد رئيس شركة الهند الشرقية عام ١٦٩٣ بإعطاء الجنسية لليهود الموجودين في إنجلترا بالفعل. وأشار إلى أن هولندا قد فعلت ذلك وازدهر اقتصادها بالتالي. كما كتب جون تولاند عام ١٧١٤ كتيباً هاماً للغاية عنوانه الأسباب الداعية لمنْح الجنسية البريطانية لليهود الموجودين في بريطانيا العظمى وأيرلندا دافع فيه عن نَفْع اليهود مستخدماً المنطلقات نفسها التي استخدمها لوتساتو. ومن أهم المدافعين عن نَفْع اليهود، الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو، حيث بيَّن أهمية دورهم في العصور الوسطى، وكيف أن طَرْد اليهود ومصادرة أموالهم وممتلكاتهم اضطرهم إلى اختراع خطاب التبادل لنقل أموالهم من بلد إلى آخر، ومن ثم أصبحت ثروات التجار غير قابلة للمصادرة، وتمكنت التجارة من تحاشي العنف، ومن أن تصبح نشاطاً مستقلاًّ، أي أنه تم ترشيدها.

стр. 2409

ولعل أدقَّ وأطرف تعبير عن أطروحة نَفْع اليهود ما قاله إديسون في مجلة سبكتاتور في ٢٧ سبتمبر ١٧١٢ حين وصف بدقَّة تحوُّل اليهود إلى أداة كاملة، فاليهود منتشرون في كل الأماكن التجارية في العالم، حتى أصبحوا الأداة التي تتحدث من خلالها الأمم التي تفصل بينها مسافات شاسعة والتي تترابط من خلالها الإنسانية. فهم مثل الأوتاد والمسامير في بناء شامخ. ورغم أنهم بغير قيمة في ذاتهم، غير أن أهميتهم مطلقة لاحتفاظ هيكل البناء بتماسكه.

стр. 2410

وقد استمر هذا الموضوع الكامن شائعاً في الفكر الغربي، ثم ازداد انتشاره وتواتره مع علمنة الحضارة الغربية وسيادة الفلسفات المادية النفعية التي تحكم على مجالات الحياة كافة، وليس على اليهود بمفردهم، من منظور المنفعة. ولذا، نجد أن فكرة نَفْع اليهود تزداد محورية في الفكر الغربي في أواخر القرن الثامن عشر، وهي أيضاً المرحلة التي لم يَعُد فيها وضع أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب مقلقلاً وحسب، بل صل فيها إلى مرحلة الأزمة. وقد تزامنت هذه العمليات الانقلابية مع ظهور فكر كلٍّ من آدم سميث في إنجلترا والفيزيوقراط في فرنسا، حيث كان كل منهما يطالب الدولة بتنظيم وزيادة ثروتها، كما كانا يتقبلان فكرة أن الهدف النهائي (والمطلق) لكل الأشياء هو مصلحة الدولة. ومن هنا، ظهر الفكر النفعي الذي يرى العالم كله من منظور المنفعة. وكان أعضاء الفريق الأول يرى أن الصناعة هي المصدر الأساسي للثروة، في حين كان أعضاء الفريق الثاني، بحكم وجودهم في بلد زراعي أساساً، يرون أن الزراعة هي المصدر الأساسي للثروة. ولكن، مع هذا، تظل فكرة المنفعة هي الفكرة الأساسية. فأعلنت الأكاديمية الملكية في متز عن مسابقة عام ١٧٨٥ لكتابة بحث عن السؤال التالي: هل بالإمكان جَعْل يهود فرنسا أكثر نفعاً وسعادة؟ ونشر كريستيان دوم كتابه الشهير عن موضوع نَفْع اليهود عام ١٧٨١ بعنوان بخصوص إصلاح المكانة المدنية لليهود. كما نشرت كتابات عديدة بأقلام الكُتَّاب الفرنسيين الذين ساهموا في الثورة الفرنسية مثل ميرابو وغيره، دافعوا فيها عن نَفْع اليهود أو إمكانية إصلاحهم أو تحويلهم إلى شخصيات نافعة منتجة. وموضوع نَفْع اليهود يشكل إحدى اللبنات الأساسية في كتابات السياسي الإنجليزي والمفكر الصهيوني المسيحي اللورد شافتسبري، الذي اقترح توطين اليهود في فلسطين لأنهم جنس معروف بمهارته ومثابرته، ولأنهم سيوفرون رؤوس الأموال المطلوبة، كما أنهم سيكونون بمثابة إسفين

стр. 2411

في سوريا يعود بالفائدة لا على إنجلترا وحدها، وإنما على العالم الغربي بأسره. وقد سيطر الفكر الفيزيوقراطي وفكر آدم سميث على كثير من الحكام المطلقين، حيث كانت حكومات البلاد الثلاثة التي اقتسمت بولندا واليهود فيما بينها، في أواخر القرن الثامن عشر، يحكمها حكام مطلقون مستنيرون (فريدريك الثاني في بروسيا، وجوزيف الثاني في النمسا، وكاترين الثانية في روسيا) . فتبنت هذه الحكومات مقياس المنفعة تجاه أعضاء الجماعات اليهودية، فتم تقسيمهم إلى نافعين وغير نافعين. وكان الهدف هو إصلاح اليهود وزيادة عدد النافعين، وطرد الضارين منهم أو عدم زيادتهم. كما كان معظم أعضاء الجماعة اليهودية مركَّزين في التجارة، وقد أخذت عملية تحويل اليهود إلى عناصر نافعة شكل تشجيعهم على العمل في الصناعة أو الزراعة، وهو ما يُسمَّى «تحويل اليهود إلى قطاع اقتصادي منتج» . كما لم يكن ممكناً أن يُعتَق من اليهود سوى النافعين منهم. وكان يُنظَر إلى اليهود كمادة بشرية، فكانت تُحَدُّ حريتهم في الزواج حتى لا يتكاثروا. وكان الشباب يُجندون حتى يتم تحديثهم وتحويلهم إلى عناصر نافعة.

стр. 2412

ولا يمكن فهم تاريخ الحركة الصهيونية ولا تاريخ العداء لليهود (بما في ذلك النازية) إلا في إطار مفهوم المنفعة المادية هذا. فقد تبنَّى المعادون لليهود هذا المفهوم وصدروا عنه في رؤيتهم وأدبياتهم، فراحوا يؤكدون أن أعضاء الجماعة اليهودية شخصيات هامشية غير نافعة، بل ضارة يجب التخلص منها، وتدور معظم الأدبيات العنصرية الغربية في القرن التاسع عشر حول هذا الموضوع، وهي أطروحة لها أصداؤها أيضاً في الأدبيات الماركسية، وضمن ذلك أعمال ماركس نفسه، حيث يظهر اليهودي باعتباره ممثلاً لرأس المال الطفيلي الذي يتركز في البورصة ولا يغامر أبداً بالدخول في الصناعة. وتظهر الأطروحة نفسها في كتابات ماكس فيبر الذي يرى أن رأسمالية اليهود رأسمالية منبوذة، بمعنى أنها رأسمالية مرتبطة بالنظام الإقطاعي القديم ولا علاقة لها بالنظام الرأسمالي الجديد (ومن المفارقات أن اليهودي الذي كان رمزاً لرأس المال المحلي المتجذر، أصبح هنا رمز رأس المال الأجنبي الطفيلي المستعد دائماً للرحيل والهرب) . وقد وصل هذا التيار إلى قمته في الفكر النازي الذي هاجم اليهود لطفيليتهم وللأضرار التي يُلحقونها بالمجتمع الألماني وبالحضارة الغربية. وقد قام النازيون بتقسيم اليهود بصرامة منهجية واضحة إلى قسمين: ١ ـ يهود غير قابلين للترحيل، وهم أكثر اليهود نفعاً. ٢ ـ يهود قابلون للترحيل (بالإنجليزية: ترانسفيرابل tranferable) وقابلون للتخلص منهم (بالإنجليزية: ديسبوزابل disposable) ويُستَحسن التخلص منهم بوصفهم عناصر غير منتجة (أفواه تأكل ولا تنتج [بالإنجليزية: يوسلس إيترز useless eaters] حسب التعبير النازي المادي الرشيد الطريف) وبوصفهم عناصر ضارة غير نافعة لا أمل في إصلاحها أو في تحويلها إلى عناصر نافعة منتجة.

стр. 2413

ومما يجدر ذكره والتأكيد عليه، أن هذا التقسيم تقسيم عام شامل، غير مقصور على اليهود، فهو يسري على الجميع، فقد صنَّف الألمان المعوقين والمتخلفين عقلياً وبعض العجزة والمثقفين البولنديين باعتبارهم «غير نافعين» ،أي قابلين للترحيل ويستحسن التخلص منهم. وقد سويت حالة كل هؤلاء (بما في ذلك اليهود) عن طريق الترحيل إلى معسكرات السخرة أو الإبادة، حسب مقتضيات الظروف والحسابات النفعية المادية الرشيدة المتجاوزة للقيم والغائيات الإنسانية. وقد تقبُّل الصهاينة هذا الإطار الإدراكي، فنجد أن هرتزل يرى أن اليهود عنصر بشري فائض غير نافع يجب توظيفه وجعله عنصراً نافعاً للحضارة الغربية عن طريق تحويله إلى مستوطنين، بل عن طريق تحويل أعضاء الجماعات كافة إلى عُمَلاء للقوة الاستعمارية الراغبة في الاستفادة منهم. ويمكن القول بأن الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة هي فكرة الشعب العضوي المنبوذ مضافاً إليها فكرة نَفْع اليهود. ويتحدث ناحوم سوكولوف بالطريقة نفسها عن اليهود وكيفية تحويلهم إلى مادة نافعة. كما كان مفكرو الصهيونية العمالية يصرون على إمكانية تحويل اليهود إلى عنصر نافع ومنتج من خلال غزو الأرض والعمل.

стр. 2414

ويجب أن نشير هنا إلى ألفريد نوسيج الفنان الصهيوني الذي عاون هرتزل في تأسيس المنظمة الصهيونية وكان أحد زعماء الصهيونية في ألمانيا. وامتد به العمر إلى أن استولى النازيون على السلطة واحتلوا بولندا. فتعاون نوسيج مع الجستابو ووضع مخططاً لإبادة يهود أوربا باعتبارهم عناصر غير نافعة. وقد حاكمه يهود جيتو وارسو وأعدموه. وقد فعل رودولف كاستنر، المسئول الصهيوني في المجر، الشيء نفسه حينما تفاوض مع أيخمان (المسئول النازي) بخصوص تسهيل نَقْل يهود المجر (باعتبارهم عناصر غير نافعة قابلة للترحيل والإبادة) مقابل السماح لبعض الشباب اليهودي بالسفر إلى فلسطين والاستيطان فيها ( «شباب من أفضل المواد البيولوجية» على حد قول أيخمان أثناء محاكمته) . وفي الاعتذاريات الصهيونية، قبل ١٩٤٨، نجد أن الزعماء الصهاينة يصرون على مدى نَفْع القاعدة الصهيونية للمصالح الإمبريالية ومدى رخصها. وقد فعل ذلك كلٌّ من وايزمان وجابوتنسكي في خطاباتهم وخطبهم. وبعد إنشاء الدولة، لا يزال هذا بُعداً أساسياً في الإدراك الإسرائيلي للذات وفي الإستراتيجية الإسرائيلية، إذ تحاول الدولة الصهيونية أن تظل قاعدة يفوق نفعها كل ما تحصل عليه من معونات، وأن يظل دورها عنصراً أساسياً مهماً ونافعاً للغرب.

стр. 2415

والتعبيرات المجازية التي تُستخدَم للإشارة إلى الدولة الصهيونية تؤكد كلها كونها أداة نافعة؛ فالدولة هي حصن ضد الهمجية الشرقية (وضد الأصولية الإسلامية في الوقت الحالي) ، وهي مؤخراً حاملة طائرات لأمريكا، وهي في كلتا الحالتين ليس لها قيمة ذاتية، وإنما تنبع قيمتها مما تؤديه من خدمات وما تجلبه من منفعة، فالدولة هنا وظيفة ودور وليست كياناً مستقلاً له حركياته. وهي تستمد استمرارها، بل وجودها، من مدى مقدرتها على أداء هذا الدور. ولذا فنحن نشير إلى الدولة الصهيونية باعتبارها دولة مملوكية، علاقتها بالغرب تشبه علاقة المملوك بالسلطان فهي علاقة نفعية محضة، مستمرة طالما استمرت حاجة السلطان إلى الأداء المملوكي، ونحن نشير لها كذلك باعتبارها الدولة الوظيفية، أي الدولة التي تضمن استمرارها وبقاءها من خلال أدائها لوظيفتها. وربما يبيِّن هذا مدى أهمية الانتفاضة التي أثبتت أن الدولة الصهيونية غير قادرة على أداء دورها ووظيفتها كقاعدة إستراتيجية في الشرق الأوسط، وأن نفعها ليس كبيراً، وأن أداءها لوظيفتها أصبح أمراً مُكلِّفاً للغاية. ومن هنا تحرُّك الدولة الصهيونية السريع لتجد لنفسها وظيفة جديدة، فبدلاً من أن تكون حاملة طائرات أو معسكراً للمماليك، ستصبح «سوبر ماركت» مثل سنغافورة، ومركزاً للسماسرة والصيارفة، وربما ركيزة أساسية لقطاع اللذة (ملاهي ـ كباريهات ـ مصحات ـ سياحة) . ومن هنا أهمية توقيع اتفاقية السلام والإصرار على ضرورة رفع المقاطعة العربية، حتى يتسنى للدولة الصهيونية أن تلعب دورها الجديد الذي لا يختلف كثيراً عن بعض الأدوار التي كان يلعبها أعضاء الجماعات الوظيفية اليهودية في الغرب. إن الدولة الصهيونية ستصبح سوبر ماركت، أي فردوساً أرضياً يضم كل السلع التي يحلم بها الإنسان، فيذوب فيها ويفقد حدوده وينسى كل المُنغِّصات، مثل التاريخ، والذاكرة القومية، والهوية، والكرامة، والقيم الأخلاقية.

стр. 2416

ومما يجدر ذكره أن سياسة البلاشفة تجاه اليهود لا تخلو من هذا المنظور النفعي. فعندما كان من مصلحة الاتحاد السوفيتي دَمْج اليهود تماماً، قررت الدولة السوفيتية أن هذا هو الحل الوحيد للمسألة اليهودية، وذلك باعتبار أنه لا يوجد شعب يهودي. ولكن الاتحاد السوفيتي وجد في الأربعينيات أن من مصلحته الاعتراف بالشعب اليهودي وبدولته اليهودية في فلسطين، على أمل أن تشكل الدولة اليهودية خلية اشتراكية في الوسط العربي الإقطاعي المتخلف فتقوم بتثوير المنطقة، ومن ثم سمح بالهجرة السوفيتية، بل دافع المتحدثون السوفييت عن حقوق الشعب اليهودي بشراسة غير معهودة فيهم. وكان الاتحاد السوفيتي أول دولة اعترفت بشكل قانوني بالدولة الصهيونية وسمحت بهجرة يهود بولندا وغيرهم. وفي الوقت الحالي، يسمح الاتحاد السوفيتي مرة أخرى بهجرة اليهود السوفييت، بعد البريسترويكا، لإرضاء الغرب والحصول على التكنولوجيا المتقدمة والدعم المادي، وربما للتخلُّص من أعضاء الجماعة اليهودية، أي أن السوفييت يدورون في إطار النمط النفعي المادي، خصوصاً أن هذا التخلص يأخذ شكل تصدير السلعة البائرة للشرق. المادة البشرية Human Material

стр. 2417

مصطلح «مادة بشرية» يُستخدَم في الأدبيات الصهيونية حتى الوقت الحاضر للإشارة إلى البشر بشكل عام، بما في ذلك أعضاء الجماعات اليهودية. وقد استخدمه هرتزل في كتابه دولة اليهود وفي مذكراته، وكذا ناحوم سوكولوف. ولا يزال المصطلح سائداً في إسرائيل. والعبارة تشبه عبارات أخرى مثل «فائض بشري» أو «الفائض اليهودي» ، وهي كلها جزء من الخطاب السياسي الغربي العلماني، وتصلح للإشارة إلى الإنسان، لا باعتباره مطلقاً، وإنما باعتباره مادة استعمالية نسبية يمكن توظيفها وحوسلتها. وقد تبنَّى الصهاينة هذا المصطلح، حيث طرحوا المشروع الصهيوني باعتباره مشروعاً يهدف إلى تحويل الفائض البشري اليهودي غير النافع إلى مادة استيطانية نافعة تُوظَّف في خدمة الاستعمار الغربي في أي مكان من العالم (ثم استقر الأمر على فلسطين) . وهذا المصطلح متَّسق تماماً مع الرؤية العلمانية للإنسان التي تخلع عنه كل قداسة وتحوسله وتنظر إليه بمقدار نفعه أو ضرره. وهو مصطلح متَّسق تماماً مع الرؤية المعرفية الإمبريالية للعالم الذي تراه كله مسرحاً لنشاط الإنسان الغربي يهيمن عليه ويوظفه لصالحه. والعبارة تصف، وبدقة شديدة، رؤية الإنسان الغربي إلى أعضاء الجماعات اليهودية، حيث كان يُنظَر إليهم ابتداءً من القرن السابع عشر كأداة تُستخدَم ويُحكَم عليها بمقدار نفعها. وقد تبنَّى النازيون المصطلح نفسه بالنسبة إلى الجنس البشري ككل، بما في ذلك أعضاء الجماعات اليهودية.

стр. 2418

وفي إسرائيل، أشار أيخمان، في دفاعه عن نفسه، إلى الصفقة التي عقدها الصهاينة مع النازيين، حيث قام الصهاينة بتهدئة اليهود الذين كانوا في طريقهم إلى أفران الغاز في نظير تسليمهم بعض العناصر اليهودية الشابة التي وصفها أيخمان بأنها من أفضل المواد البيولوجية التي يمكن ترحيلها إلى فلسطين. ومصطلح «المادة البشرية» مرتبط، في افتراضاته المعرفية، بمصطلحات أخرى مثل «تحويل اليهود إلى قطاع اقتصادي منتج» و «تطبيع اليهود» . سيمون لوتساتو (١٥٨٣-١٦٦٣) Simon Luzzato حاخام إيطالي، من أهم كتبه مقال عن يهود البندقية (١٦٣٨) وهو محاولة للدفاع عن اليهود على أساس نفعهم. فهم يضطلعون بوظائف لا يستطيع غيرهم الاضطلاع بها، مثل التجارة، كما يطوِّرون فروعاً مختلفة من الاقتصاد. ولكنهم على عكس التجار الأجانب خاضعون لسلطة الدولة تماماً، ولا يبحثون عن المشاركة فيها، ولا ينقلون أرباحهم خارج البلاد (وهذا وصف دقيق لما نسميه بالجماعة الوظيفية الوسيطة) . وقد بيَّن لوتساتو إمكانية زيادة ريع الدولة بتشجيع النشاطات اليهودية، وأشار إلى الفوائد التي جنتها الدولة من علاقتها بهم. وهذه كانت أول مرة تُستخدَم أطروحة نَفْع اليهود التي دافع عنها بعد ذلك جون تولاند في إنجلترا عام ١٧١٤، كما دافع عنها مفكرو عصر الاستنارة.

стр. 2419

وكان لوتساتو من أوائل المؤلفين الذين قدموا تحليلاً لما يُسمَّى «الشخصية اليهودية» ، فوصف اليهود بأنهم جبناء ومخنثون وجهلة لا يمكنهم أن يحكموا أنفسهم، يهتمون بمصالحهم وحسب ولا يهتمون بالصالح العام. وبيَّن لوتساتو أن سلوك اليهود الاقتصادي يُعبِّر عن الطمع والجشع، وأنهم يعيشون أسرى الماضي ولا يهتمون بالحاضر، كما يبالغون في اتباع تعاليم دينهم وشعائره. ولكن اليهود، مع هذا، يتمتعون أيضاً ببعض الصفات الحميدة، مثل الثبات والاحتمال والصمود والحفاظ على العقيدة وعلى نظام الأسرة، وهم مطيعون ويخضعون لأي شخص إلا إخوانهم في الدين. ونقائص اليهود، كما يرى، هي نتيجة الجبن والضعف لا القوة والوحشية. وقد ألَّف لوتساتو كتابه هذا وهو في حالة أزمة، إذ اكتُشف أن بعض العائلات اليهودية التجارية كانت متورطة في عملية غش تجارية على نطاق واسع. منَسَّى بن إسرائيل (١٦٠٤-١٦٥٧ ( Manasseh Ben Israel يهودي من المارانو، وحاخام ومؤلف، وُلد في البرتغال وعمل فيها، ثم فر أبواه واستقرا في أمستردام حيث أصبح منَسَّى حاخاماً في أحد المعابد (١٦٢٢ ـ ١٦٣٩) . أسس أول مطبعة عبرية في أمستردام عام ١٦٢٦ نشرت عدة كتب من بينها معجم لأحد كتب المدراش وكتاب نحو اللغة العبرية وطبعة لكتاب المشناه. وقد كان منَسَّى نفسه مؤلفاً غزير الإنتاج، وتعرَّف إلى كثير من الشخصيات المهمة في عصره، مثل هيوجو جروتيوس وملكة السويد كريستينا، وكان يعرف كذلك رمبرانت الذي رسم صورته.

стр. 2420

ويعد منَسَّى شخصية نماذجية للقيادة الجديدة التي تسلمت زمام الجماعات اليهودية من الحاخامات والتجار الهامشيين. فهو أولاً من يهود المارانو الذين كان تكوينهم الثقافي مُركَّباً، إذ كانوا على معرفة بكلٍّ من الحضارة الغربية المسيحية والتقاليد الدينية اليهودية. وقد انتقل من شبه جزيرة أيبريا إلى أمستردام في هولندا، أي من اقتصاد إقطاعي تقليدي وحضارة كاثوليكية إلى الاقتصاد الجديد والحضارة ذات التوجه البروتستانتي التجاري. وفكَّر منَسَّى في الاستيطان في البرازيل، أي في التحرك مع التشكيل الغربي الاستيطاني. تلقَّى تعليماً حديثاً وتقليدياً وكان يؤمن إيماناً عميقاً بالقبَّالاه، وانشغل بالحسابات القبَّالية لمعرفة موعد وصول الماشيَّح، وتوصل إلى أن ذلك لن يتحقق إلا بعد أن يتم تشتيت اليهود في كل أطراف الأرض. وقد كان هذا المفهوم القبَّالي هو الديباجة التي استخدمها للدفاع عن ضرورة إعادة توطين اليهود في إنجلترا، وذلك في كتابه أمل إسرائيل الذي ترجمه إلى الإنجليزية عام ١٦٥٠ ولكن إلى جوار الديباجة القبَّالية كانت توجد ديباجة تجارية دنيوية. والواقع أن تداخل الديباجتين الدينية والدنيوية هو إحدى سمات الصهيونية الأساسية. وقد استرعى الكتاب اهتمام كرومويل (حكم في الفترة من ١٦٤٨ حتى ١٦٦٨) الذي دعا منَسَّى إلى زيارة إنجلترا لمناقشة الموضوع. وكان منَسَّى على اتصال بجماعات المارانو التي كانت قد استقرت بالفعل في الأراضي البريطانية، وانتهت المفاوضات بالفشل شكلياً. ولكن كرومويل أعطى أمره، مع هذا، للسلطات بالتغاضي عن استقرار اليهود. كما أن كرومويل منح منَسَّى معاشاً سنوياً قدره مائة جنيه. ويعود اهتمام كرومويل بطلب منَسَّى واليهود عامة إلى عدة أسباب:
следующие страницы →