Полный текст (8 511 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.
стр. 2416
ومما يجدر ذكره أن سياسة البلاشفة تجاه اليهود لا تخلو من هذا المنظور النفعي. فعندما كان من مصلحة الاتحاد السوفيتي دَمْج اليهود تماماً، قررت الدولة السوفيتية أن هذا هو الحل الوحيد للمسألة اليهودية، وذلك باعتبار أنه لا يوجد شعب يهودي. ولكن الاتحاد السوفيتي وجد في الأربعينيات أن من مصلحته الاعتراف بالشعب اليهودي وبدولته اليهودية في فلسطين، على أمل أن تشكل الدولة اليهودية خلية اشتراكية في الوسط العربي الإقطاعي المتخلف فتقوم بتثوير المنطقة، ومن ثم سمح بالهجرة السوفيتية، بل دافع المتحدثون السوفييت عن حقوق الشعب اليهودي بشراسة غير معهودة فيهم. وكان الاتحاد السوفيتي أول دولة اعترفت بشكل قانوني بالدولة الصهيونية وسمحت بهجرة يهود بولندا وغيرهم. وفي الوقت الحالي، يسمح الاتحاد السوفيتي مرة أخرى بهجرة اليهود السوفييت، بعد البريسترويكا، لإرضاء الغرب والحصول على التكنولوجيا المتقدمة والدعم المادي، وربما للتخلُّص من أعضاء الجماعة اليهودية، أي أن السوفييت يدورون في إطار النمط النفعي المادي، خصوصاً أن هذا التخلص يأخذ شكل تصدير السلعة البائرة للشرق.
المادة البشرية
Human Material
стр. 2417
مصطلح «مادة بشرية» يُستخدَم في الأدبيات الصهيونية حتى الوقت الحاضر للإشارة إلى البشر بشكل عام، بما في ذلك أعضاء الجماعات اليهودية. وقد استخدمه هرتزل في كتابه دولة اليهود وفي مذكراته، وكذا ناحوم سوكولوف. ولا يزال المصطلح سائداً في إسرائيل. والعبارة تشبه عبارات أخرى مثل «فائض بشري» أو «الفائض اليهودي» ، وهي كلها جزء من الخطاب السياسي الغربي العلماني، وتصلح للإشارة إلى الإنسان، لا باعتباره مطلقاً، وإنما باعتباره مادة استعمالية نسبية يمكن توظيفها وحوسلتها. وقد تبنَّى الصهاينة هذا المصطلح، حيث طرحوا المشروع الصهيوني باعتباره مشروعاً يهدف إلى تحويل الفائض البشري اليهودي غير النافع إلى مادة استيطانية نافعة تُوظَّف في خدمة الاستعمار الغربي في أي مكان من العالم (ثم استقر الأمر على فلسطين) . وهذا المصطلح متَّسق تماماً مع الرؤية العلمانية للإنسان التي تخلع عنه كل قداسة وتحوسله وتنظر إليه بمقدار نفعه أو ضرره. وهو مصطلح متَّسق تماماً مع الرؤية المعرفية الإمبريالية للعالم الذي تراه كله مسرحاً لنشاط الإنسان الغربي يهيمن عليه ويوظفه لصالحه. والعبارة تصف، وبدقة شديدة، رؤية الإنسان الغربي إلى أعضاء الجماعات اليهودية، حيث كان يُنظَر إليهم ابتداءً من القرن السابع عشر كأداة تُستخدَم ويُحكَم عليها بمقدار نفعها. وقد تبنَّى النازيون المصطلح نفسه بالنسبة إلى الجنس البشري ككل، بما في ذلك أعضاء الجماعات اليهودية.
стр. 2418
وفي إسرائيل، أشار أيخمان، في دفاعه عن نفسه، إلى الصفقة التي عقدها الصهاينة مع النازيين، حيث قام الصهاينة بتهدئة اليهود الذين كانوا في طريقهم إلى أفران الغاز في نظير تسليمهم بعض العناصر اليهودية الشابة التي وصفها أيخمان بأنها من أفضل المواد البيولوجية التي يمكن ترحيلها إلى فلسطين. ومصطلح «المادة البشرية» مرتبط، في افتراضاته المعرفية، بمصطلحات أخرى مثل «تحويل اليهود إلى قطاع اقتصادي منتج» و «تطبيع اليهود» .
سيمون لوتساتو (١٥٨٣-١٦٦٣)
Simon Luzzato
حاخام إيطالي، من أهم كتبه مقال عن يهود البندقية (١٦٣٨) وهو محاولة للدفاع عن اليهود على أساس نفعهم. فهم يضطلعون بوظائف لا يستطيع غيرهم الاضطلاع بها، مثل التجارة، كما يطوِّرون فروعاً مختلفة من الاقتصاد. ولكنهم على عكس التجار الأجانب خاضعون لسلطة الدولة تماماً، ولا يبحثون عن المشاركة فيها، ولا ينقلون أرباحهم خارج البلاد (وهذا وصف دقيق لما نسميه بالجماعة الوظيفية الوسيطة) . وقد بيَّن لوتساتو إمكانية زيادة ريع الدولة بتشجيع النشاطات اليهودية، وأشار إلى الفوائد التي جنتها الدولة من علاقتها بهم. وهذه كانت أول مرة تُستخدَم أطروحة نَفْع اليهود التي دافع عنها بعد ذلك جون تولاند في إنجلترا عام ١٧١٤، كما دافع عنها مفكرو عصر الاستنارة.
стр. 2419
وكان لوتساتو من أوائل المؤلفين الذين قدموا تحليلاً لما يُسمَّى «الشخصية اليهودية» ، فوصف اليهود بأنهم جبناء ومخنثون وجهلة لا يمكنهم أن يحكموا أنفسهم، يهتمون بمصالحهم وحسب ولا يهتمون بالصالح العام. وبيَّن لوتساتو أن سلوك اليهود الاقتصادي يُعبِّر عن الطمع والجشع، وأنهم يعيشون أسرى الماضي ولا يهتمون بالحاضر، كما يبالغون في اتباع تعاليم دينهم وشعائره. ولكن اليهود، مع هذا، يتمتعون أيضاً ببعض الصفات الحميدة، مثل الثبات والاحتمال والصمود والحفاظ على العقيدة وعلى نظام الأسرة، وهم مطيعون ويخضعون لأي شخص إلا إخوانهم في الدين. ونقائص اليهود، كما يرى، هي نتيجة الجبن والضعف لا القوة والوحشية. وقد ألَّف لوتساتو كتابه هذا وهو في حالة أزمة، إذ اكتُشف أن بعض العائلات اليهودية التجارية كانت متورطة في عملية غش تجارية على نطاق واسع.
منَسَّى بن إسرائيل (١٦٠٤-١٦٥٧ (
Manasseh Ben Israel
يهودي من المارانو، وحاخام ومؤلف، وُلد في البرتغال وعمل فيها، ثم فر أبواه واستقرا في أمستردام حيث أصبح منَسَّى حاخاماً في أحد المعابد (١٦٢٢ ـ ١٦٣٩) . أسس أول مطبعة عبرية في أمستردام عام ١٦٢٦ نشرت عدة كتب من بينها معجم لأحد كتب المدراش وكتاب نحو اللغة العبرية وطبعة لكتاب المشناه. وقد كان منَسَّى نفسه مؤلفاً غزير الإنتاج، وتعرَّف إلى كثير من الشخصيات المهمة في عصره، مثل هيوجو جروتيوس وملكة السويد كريستينا، وكان يعرف كذلك رمبرانت الذي رسم صورته.
стр. 2420
ويعد منَسَّى شخصية نماذجية للقيادة الجديدة التي تسلمت زمام الجماعات اليهودية من الحاخامات والتجار الهامشيين. فهو أولاً من يهود المارانو الذين كان تكوينهم الثقافي مُركَّباً، إذ كانوا على معرفة بكلٍّ من الحضارة الغربية المسيحية والتقاليد الدينية اليهودية. وقد انتقل من شبه جزيرة أيبريا إلى أمستردام في هولندا، أي من اقتصاد إقطاعي تقليدي وحضارة كاثوليكية إلى الاقتصاد الجديد والحضارة ذات التوجه البروتستانتي التجاري. وفكَّر منَسَّى في الاستيطان في البرازيل، أي في التحرك مع التشكيل الغربي الاستيطاني. تلقَّى تعليماً حديثاً وتقليدياً وكان يؤمن إيماناً عميقاً بالقبَّالاه، وانشغل بالحسابات القبَّالية لمعرفة موعد وصول الماشيَّح، وتوصل إلى أن ذلك لن يتحقق إلا بعد أن يتم تشتيت اليهود في كل أطراف الأرض. وقد كان هذا المفهوم القبَّالي هو الديباجة التي استخدمها للدفاع عن ضرورة إعادة توطين اليهود في إنجلترا، وذلك في كتابه أمل إسرائيل الذي ترجمه إلى الإنجليزية عام ١٦٥٠ ولكن إلى جوار الديباجة القبَّالية كانت توجد ديباجة تجارية دنيوية. والواقع أن تداخل الديباجتين الدينية والدنيوية هو إحدى سمات الصهيونية الأساسية. وقد استرعى الكتاب اهتمام كرومويل (حكم في الفترة من ١٦٤٨ حتى ١٦٦٨) الذي دعا منَسَّى إلى زيارة إنجلترا لمناقشة الموضوع. وكان منَسَّى على اتصال بجماعات المارانو التي كانت قد استقرت بالفعل في الأراضي البريطانية، وانتهت المفاوضات بالفشل شكلياً. ولكن كرومويل أعطى أمره، مع هذا، للسلطات بالتغاضي عن استقرار اليهود. كما أن كرومويل منح منَسَّى معاشاً سنوياً قدره مائة جنيه.
ويعود اهتمام كرومويل بطلب منَسَّى واليهود عامة إلى عدة أسباب:
стр. 2421
١ ـ كان الكسب التجاري هو الحافز الأساسي نحو اتخاذ خطوة توطين اليهود. فالحرب الأهلية التي سبقت العهد البيوريتاني، ألحقت ضرراً بالغاً بمركز إنجلترا كقوة تجارية وبحرية. وحين استقرت المنافسة بين التجار البيوريتان والألمان، أراد التجار الإنجليز الاستفادة من خبرات التجار المارانو واتصالاتهم الدولية، وبخاصة أنهم كانوا يعرفون الإسبانية والبرتغالية لغة الكتلة الكاثوليكية التجارية المعادية للكتلة البروتستانتية الناشئة في هولندا وإنجلترا.
٢ ـ كان كرومويل يطمح إلى تحويل أعضاء الجماعات اليهودية إلى جواسيس يزوِّدونه بمعلومات عن السياسات التجارية للدول المنافسة له، وعن المؤامرات التي يديرها أنصار الملكية في الخارج، بفضل اتصالاتهم وتنقلهم في أوربا، في وقت كان فيه الحصول على معلومات أمراً صعباً للغاية.
٣ ـ كان كرومويل يطمح أيضاً إلى أن يستثمر التجار اليهود بعض رؤوس أموالهم الضخمة في الاقتصاد الإنجليزي.
ومن أهم مؤلفات منَسَّى الأخرى، كتابه الموفِّق، الذي حاول فيه أن يُوفِّق بين المتناقضات الواضحة في الكتاب المقدَّس، كما ألَّف كتاباً عن هنود العالم الجديد يُوضِّح فيه أنهم أسباط يسرائيل العشرة المفقودة. أما كتابه الدفاع عن اليهود (الذي نُشر بعد وفاته عام ١٦٦٦) فقد بيَّن فيه أن الدين يجب أن يظل مسألة اختيارية، وبالتالي يجب ألا يُسمح للسلطات الدينية بأن تفرض شيئاً على أتباع الدين قسراً. وقد وجد مندلسون أن الكتاب من الأهمية بمكان بحيث طلب إلى أحد أصدقائه ترجمته، وكتب هو مقدمة له. ويُعَدُّ الكتاب، بذلك، من الكتب التي مهدت لحركة التنوير والعلمنة بين اليهود.
جون تولاند (١٦٧٠- ١٧٢٢)
John Toland
стр. 2422
مفكر إنجليزي ودبلوماسي وعالم إنجيلي، وُلد ونشأ كاثوليكياً، ولكنه هرب وهو في سن السادسة عشرة ودخل الكنيسة الأنجليكانية. كان نشيطاً للغاية في المناقشات الدينية والسياسية في عصره (في بداية القرن الثامن عشر) . كما كان من أوائل المفكرين الذين اتخذوا موقفاً عقلانياً من الدين، ومن المدافعين عن فلسفة الربوبية، أي عن الإيمان بالرب دون حاجة إلى دين أو وحي إلهي، وهي أولى حلقات علمنة العقل الغربي. وفلسفته، في جوهرها، فلسفة حلولية. ورغم تأثره بالفلسفة التجريبية الإنجليزية (لوك) ، إلا أنه ظل عقلانياً على نمط برونو (ترجم بعض أعماله) وديكارت وإسبينوزا (كتب تعليقات على أعماله) ولايبنتس (تعرَّف إليه وتراسلا بعض الوقت) ، وسواء أكان تجريبياً أم عقلانياً، فإن تولاند كان حلولياً. ويُقال إنه هو الذي نحت كلمة «بانثيزم pantheism» الإنجليزية.
نشر تولاند عام ١٦٩٦ كتابه المسيحية لا تحتوي على أية أسرار حيث يذهب فيه إلى أن المسيحية ديانة عقلية يستطيع العقل البشري أن يدركها دون حاجة إلى وحي إلهي، وهذه هي الربوبية. وقد اتُّهم الكتاب بمعاداة عقيدة التثليث وأثار ضجة في حينه ظهرت في عدد الردود عليه التي زادت عن الخمسين. وفي عام ١٦٩٨، كتب تولاند حياة ملتون التي يثير فيها قضايا تتصل بالعهد الجديد (وهل نصه محرف أو لا؟) . وفي العام الذي يليه، نشر كتاب أمينتورا أو الدفاع عن حياة ملتون (١٦٩٩) طوَّر فيه أطروحته السابقة. ويمكننا رؤية تَصاعُد معدلات العلمنة في كتابه المنشور عام ١٧٢٠ بعنوان تيترا ديموس الذي يتضمن مقالاً يُقدِّم تفسيرات علمية طبيعية للمعجزات التي وردت في العهد القديم.
стр. 2423
وقد كان تولاند يعرف اللغة السلتية، فدرس العقائد الدينية البدائية في إنجلترا، كما قام بدراسة العقيدة اليهودية في مراحلها الأولى. واستناداً إلى هذا، ألَّف كتابه خطابات لسيرينا عن أصل الأديان، وحاول أن يُبيِّن فيه (على طريقة الربوبيين) أن الكهنة (القساوسة) هم الذين أفسدوا الدين وتاريخ خلود الروح بين الوثنيين وأصل عبادة الأوثان.
وقد بدأ تولاند يتجه نحو الدعوة لما يُسمَّى «الدين الطبيعي» ويُفسِّر معجزات العهد القديم تفسيراً طبيعياً مادياً. وتعمَّقت اتجاهات المادية الواحدية لديه، فترجم أحد أعمال جيوردانو برونو عام ١٥١٤ عن العالم اللامتناهي والعوالم اللانهائية. وآخر كتب تولاند هو الحلولية (١٧٢٠) وهو كتاب غامض يضم شرحاً لفلسفة الحلولية ولبعض الأناشيد الغنوصية التي تسخر من العقيدة المسيحية ومحاولة لتقديم عقائد الحركة الماسونية ودفاع عن الإلحاد.
стр. 2424
ولا تنبع أهمية تولاند من كتاباته الحلولية وشبه الوثنية وحسب، وإنما من كتاباته الصهيونية أيضاً، فقد نشر عام ١٧١٤ كتاباً يُسمَّى الأسباب الداعية لمنح الجنسية البريطانية لليهود الموجودين في بريطانيا العظمى وأيرلندا. ويطالب الكتاب بمنح الجنسية البريطانية لليهود حتى يتم اجتذاب المزيد منهم ليستوطنوا في إنجلترا كعناصر نافعة. وبعد أربعة أعوام، نشر تولاند كتاباً آخر بعنوان نازارينوس عن الإبيونيين يضم ملحقاً يحتوي على أفكار صهيونية، فرؤية تولاند رؤية حلولية كمونية مادية تُهمِّش الإله أو تلغيه وتضع الإنسان في مركز الكون، ولذا فإن العالم بأسره يصبح بالنسبة له مادة نافعة استعمالية يمكن توظيفها. ولكن الإنسان هنا هو كائن لا حدود له ولا قيود عليه، هو مرجعية ذاته. ولذا، يتحول التمركز الإنساني الهيوماني حول الإنسان إلى تمركز عرْقي مادي حول الإنسان الغربي. وحينما يُطبِّق تولاند هذا على الآخر (اليهود) ، فإنه يرفضهم تماماً ويُعبِّر عن احتقاره العميق لهم ولتراثهم التلمودي، الذي يرى أنه لا جدوى من ورائه ويؤدي إلى تشوه ما يسميه «الشخصية اليهودية» .
وكحل للمسألة اليهودية، يطرح تولاند حلاًّ علمانياً إمبريالياً، فهو ينظر لليهود باعتبارهم مادة نافعة أو على الأقل مادة يمكن إصلاحها لتصبح نافعة، وهنا تظهر الصهيونية كتطبيق عملي للرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية، إذ يقترح تولاند أن تقوم القوى العالمية (أي الغربية) بمساعدة اليهود على استرجاع أرضهم.
ويمكن أن نرى في كتابات تولاند كل عناصر المُركَّب الإدراكي الغربي الحديث للعالم ولليهود (مقابل المركب القديم الوسيط) وهي رؤية تدور في إطار رؤية حلولية كمونية.
إسحق دي بنتو (١٧١٥-١٧٨٧)
Isaac De Pinto
стр. 2425
أحد أثرياء اليهود، وأحد أكبر المساهمين في شركة الهند الشرقية الهولندية. من أصل ماراني برتغالي، وُلد في هولندا واستقر بين باريس ولندن ابتداءً من عام ١٧٥١. له مؤلفات فلسفية عن المادية، ودراسات عن البورصة والترف والثورة الأمريكية. وقد عارض الثورة الأمريكية، وعبَّر عن تأييده للحقوق الاقتصادية للدول المستعمرة. نشر دي بنتو دراسة عن الدورة المالية والائتمان بدأ كتابتها أثناء إقامته في باريس عام ١٧٦١، وهي محاولة للرد على نظرية الفيزيوقراط حيث يذهبون إلى أن الزراعة (ومن ثم الأرض) هي المصدر الأساسي لثروة الأمم وليس الصناعة. ودافع عن الائتمان ودورة رأس المال باعتبارهما الأشكال الأساسية في الاقتصاد مقابل ما سماه «جنون الأرض» . ورغم أن هذه قضية اقتصادية عامة شغلت المفكرين السياسيين والاقتصاديين في القرن الثامن عشر، إلا أنها ارتبطت بشكل مباشر بالجماعة اليهودية التي لم تكن ممثَّلة على الإطلاق في الاقتصاد الزراعي، بل كانت مرتبطة تماماً بالاقتصاد التجاري الصناعي. وقد بيَّن دي بنتو أن الاقتصاد الثابت (الزراعي) يُجمِّد المجتمع بأسره مع أن حركية النشاط التجاري (العناصر الخارجية) يمكن أن تحقق حراكاً اجتماعياً. ولم يذكر دي بنتو اليهود مباشرة إلا في آخر الكتاب، حيث بيَّن أن العهد القديم لا يعارض الإقراض بالربا.
стр. 2426
وفي الفترة ذاتها، وإبان إقامته في باريس، نشر فولتير ملحوظاته السلبية عن اليهود، فكتب دي بنتو خطاباً مفتوحاً له عام ١٧٦٢ بعنوان دفاع الأمة اليهودية: تأملات نقدية. وجاءت في الكتاب أطروحة شديدة الأهمية، وهي أن الجماعات اليهودية في العالم اكتسبت خصائصها الحضارية من المجتمعات التي تعيش فيها، وأنها، لذلك، لا علاقة للواحدة منها بالأخرى. وقد وظَّف هذه الأطروحة في الدفاع عن السفارد البرتغاليين، إذ بيَّن أنهم لا علاقة لهم باليهود الإشكناز، وأنهم (السفارد) لا يختلفون عن شعوب أوربا المستنيرة إلا في العقيدة، بل يتنافسون معهم «في الأناقة والذوق» . ولأن السفارد من نسل أنبل عائلات قبيلة يهودا وعاشوا في إسبانيا منذ السبي البابلي، فليس لهم أدنى علاقة عرْقية أو ثقافية بالإشكناز، بل إن السفارد يرفضون التزاوج أو الاتجار معهم. وبيَّن دي بنتو أنه يوافق فولتير على ما جاء في مقاله بشأن اليهود الإشكناز. غير أنه ينسب اضطلاعهم بوظائف وضيعة غير شريفة، مثل الربا، إلى معاناتهم وعذابهم والإذلال الذي تعرَّضوا ومازالوا يتعرَّضون له. وبهذا، فإن فكر بنتو يعتبر ثمرة من ثمرات عصر الاستنارة الذي يحاول تفسير تدهور أحوال اليهود على أساس تدهور أوضاعهم.
وكذلك، فإن دي بنتو قام بتأييد يعقوب رود ريجيز (١٧١٥ ـ ١٧٨٠) حين تقدَّم بالتماس في عام ١٧٦٠ إلى لويس الخامس عشر يطلب فيه ضرورة طرد اليهود الألمان (الإشكناز) ويهود أفينيون النازحين من الولايات البابوية. وقد وافقته الحكومة الفرنسية على طلبه الذي نُفِّذ في العام التالي.
آرون إيزاك (١٧٣٠ – ١٨١٦)
Aron Isak
стр. 2427
مؤسس الجماعة اليهودية في السويد وأول يهودي يُسمَح له بالإقامة فيها بصفة دائمة. وُلد في ألمانيا، واشتغل بائعاً متجولاً، ثم تعلَّم حفر الأختام ليصبح ماهراً ومتميِّزاً في هذه الحرفة. وخلال حرب السنوات السبع (١٧٥٦ ـ ١٧٦٣) ، كانت له تعاملات مع الجيش السويدي حيث تعرَّف إلى كثير من ضباطه الذين شجعوه بعد انتهاء الحرب على الهجرة إلى السويد نظراً لعدم وجود أحد يحترف مهنة حفر الأختام بها (أي أن دعوته ليستوطن في السويد تمت باعتباره صاحب كفاءة غير متوافرة في المجتمع المضيف) . وبالفعل، وصل إلى السويد عام ١٧٧٤ ولكنه وجد أن إقامة اليهود بها ممنوعة وفقاً للقانون وتحت تأثير المؤسسة الدينية البروتستانتية اللوثرية، التي كانت تشترط على أي مهاجر لا يعتنق المذهب اللوثري أن يُغيِّر دينه. ورفض إيزاك اعتناق المسيحية ودخل مفاوضات طويلة مع الحكومة السويدية حتى يُسمَح له ولغيره من اليهود بالاستقرار في السويد وممارسة شعائرهم الدينية بشكل شرعي. ولم تكن الحكومة السويدية (وعلى رأسها الملك) تعارض استقرار إيزاك أو غيره من اليهود في السويد. ومن المؤكد أنها كانت على يقين من نَفْع اليهود والفائدة التي يمكن أن تجنيها من وراء استيطان أعضاء الجماعات اليهودية بها باعتبارهم جماعة وظيفية تُحوسَل لصالح الطبقة الحاكمة والملك بسبب نفعها لهم. ولذلك فقد خططت الحكومة لفتح باب الهجرة أمامهم، ولكن مساعيها في هذا المجال قُوبلَت بالرفض والمقاومة من كلٍّ من المؤسسة الدينية وأعضاء الطبقة المتوسطة والجماهير الشعبية.
стр. 2428
ولابد أن أعضاء الطبقة البورجوازية الناهضة في السويد كانوا على علم بدور يهود الأرندا في بولندا، التي كانت على علاقة وثيقة بالسويد والتي احتلت السويد أجزاء منها بعض الوقت، ذلك أن طبقة النبلاء من الشلاختا استخدمت يهود الأرندا في ضرب البورجوازية البولندية وإحباط كل جهودها في تحقيق شيء من التراكم الرأسمالي والمشاركة في السلطة. ولذا، فإننا نجد أن معارضة استقرار أعضاء الجماعات اليهودية لم تكن مقصورة على المؤسسة الدينية، فقد قادها أعضاء البورجوازية في السويد، وبخاصة تلك القطاعات التي كانت ستُضار بشكل مباشر من استقرار اليهود، مثل فئة الصياغ وتجار الجواهر المسيحيين، بل انضم للمعارضة بعض اليهود المتنصرين (ربما بسبب تخوفهم مما قد تشكله هجرة أعضاء الجماعة اليهودية على نطاق واسع من منافسة لهم، ومن تهديد لمكانتهم الاجتماعية) .
وبدأت عملية توطين اليهود في السويد بفتح باب الهجرة أمامهم عام ١٧٤٥، فوقفت المؤسسة الدينية والبورجوازية ضد هذا الإجراء. ولكن عمدة إستكهولم شجع آرون إيزاك على البقاء في السويد بعد أن رُفض طلبه أول مرة، أرشده إلى الإجراءات اللازمة لتقديم التماس للملك، وقد قُبل هذا الالتماس وسُمح لإيزاك بالإقامة هو وشقيقه وشريكه وأسرهم، كما سمحت السويد عام ١٧٧٩ بحرية العبادة الدينية.
وتدعَّم وضع إيزاك بالتدريج، وبخاصة بعد أن قدم للملك السويدي خدمات مهمة خلال حربه ضد روسيا (١٧٨٨ ـ ١٧٨٩) ، واستقر وضع الجماعة اليهودية كما تزايد عدد أفرادها، وترأسها إيزاك بعد أن استقر في إستكهولم حتى وفاته. وفي عام ١٨٠٤، انتهى إيزاك من كتابة مذكراته التي دبجها باليديشية.
حاييم سالومون (١٧٤٠-١٧٨٥)
Haym Salomon
стр. 2429
تاجر ومالي أمريكي يهودي، وأحد الشخصيات البارزة في حرب الاستقلال الأمريكية. وُلد في بولندا ثم هاجر إلى الولايات المتحدة عام ١٧٧٥ حيث عمل في عدة مهام من تلك التي كان يضطلع بها أعضاء الجماعات اليهودية (السمسرة ـ العمل كمتعهد عسكري ـ التجسس ـ الترجمة) ، وهو ما يُبيِّن تأثير الموروث الاقتصادي فيه. فافتتح أولاً مكتباً للسمسرة والتجارة بالعمولة في نيويورك، واستطاع بفضل درايته الواسعة باللغات وخبرته المالية وعلاقته الوثيقة بالعديد من الشخصيات المالية والتجارية الأوربية أن يتقدم سريعاً في وطنه الجديد. ثم عمل عام ١٧٧٦ متعهد تموين للجيش الأمريكي. وبعد احتلال البريطانيين لمدينة نيويورك، سُجن بتهمة التجسس، ثم أُفرج عنه وعُيِّن مترجماً في قسم التموين في الجيش البريطاني. كذلك نجح سالومون في إدارة تجارة مربحة للتموين في نيويورك في ظل الوجود البريطاني. ولكنه قام في الوقت نفسه بتقديم المعلومات للجانب الأمريكي والمساعدة في تهريب السجناء الأمريكيين والفرنسيين، وهو ما اضطره إلى الفرار إلى فيلادلفيا عام ١٧٧٨ عقب افتضاح أمره. وفي فيلادلفيا أسس مكتباً جديداً للسمسرة في الأوراق المالية والتجارية وقدم خدماته المالية للجيش الفرنسي المتمركز في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث كان يعمل سمساراً ومديراً لماليته. وفي عام ١٧٨١، اختير سالومون ليصبح مساعداً لروبرت موريس رئيس مكتب المالية (وقد وصفه موريس بأنه "نافع للصالح العام") . وقد أشرف سالومون على أغلب المعاملات المالية المهمة للدولة الأمريكية الجديدة، كما قام بتدبير قروض بلا فائدة لعدد كبير من الشخصيات الأمريكية المهمة (من بينهم بعض الرؤساء اللاحقين) . وفي عام ١٧٨٤، وسَّع نطاق أعماله فافتتح في نيويورك بيتاً للسمسرة والبيع بالمزاد، كما ساهم في تأسيس أول معبد يهودي في فيلادلفيا، وعمل من أجل إقرار حقوق اليهود السياسية، وكان عضواً نشيطاً في الحركة الماسونية.
стр. 2430
وقد تبيَّن بعد وفاته أنه مات مفلساً.
كريستيان دوم (١٧٥١-١٨٢٠ (
Christian Dohm
كاتب ومؤرخ ألماني وأحد المدافعين عن إعتاق اليهود وإصلاحهم ودمجهم. درس اللاهوت وانخرط في سلك الحكومة الروسية، وكان يعمل مشرفاً على الأرشيف الملكي حيث قابل موسى مندلسون ونشأت بينهما صداقة. وقد ألَّف كتابه بخصوص إصلاح مكانة اليهود المدنية عام ١٧٨١ بناءً على طلب أحد أصدقائه لمناقشة أحوال يهود الألزاس واللورين والدفاع عنهم. وقد طرح دوم فكره منطلقاً من فكرة المنفعة ونفع اليهود، ومن فكر آدم سميث، وكذلك من فكرة القانون الطبيعي وتطبيقها في عالم الاقتصاد. ويعني هذا أنه انطلق من الإيمان بضرورة علمنة القطاع الاقتصادي علمنة تامة وتجريده من أية خصوصية قومية أو أخلاقية، بحيث يصبح الهدف الأوحد هو إنتاج الثروة وتعظيمها بكل السبل المتاحة. ولتحقيق هذا، لابد من تجنيد أكبر عدد ممكن من البشر، فكلما زاد عدد المنتجين زاد النفع ومن ثم زاد الرخاء. وقد أشار دوم إلى الولايات المتحدة (التجربة العلمانية الشاملة الكبرى) باعتبارها مثالاً على دولة نجحت في تجربتها الاقتصادية بسبب عدم التفرقة بين الناس، فهم بالنسبة إليها مادة بشرية منتجة، وأعطتهم جميعهم حقوقهم المدنية حتى يصبحوا نافعين منتجين. وانطلاقاً من هذا المفهوم الليبرالي العلماني، بدأ دوم في النظر إلى المسألة اليهودية مشيراً إلى أن شخصية اليهود الشريرة، ووضعهم المتدني في المجتمع، وضعف خدماتهم للاقتصاد القومي، ليست نابعة منهم هم أنفسهم ولا من دينهم. وقد لاحظ دوم أن العقيدة اليهودية تشجِّع اليهود على ضيق الأفق، وأنهم يتسمون بالمبالغة في البحث عن الربح بأية طريقة وبحب الربا، وهي عيوب ساعدت على تفاقمها العزلة التي يضربونها على أنفسهم بسبب مبادئهم الدينية وسفسطتهم الحاخامية. وأضاف أن الجرائم التي يرتكبها اليهود، مثل خرق قوانين الدولة التي تحدُّ من التجارة واستيراد وتصدير السلع
стр. 2431
الممنوعة وتزييف النقود والمعادن الثمينة، هي نتيجة طبيعية وحتمية لعيوب الشخصية اليهودية. ولكنه يُلاحظ أن اليهود يتَّسمون أيضاً بالحكمة والعقل الثاقب، وهم مجدُّون ومثابرون ويمكنهم أن يشقُّوا طريقهم في أي موقف. ولنلاحظ أن الصفات الحميدة التي يكتشفها في اليهود هي ما يمكن أن نصنفه باعتباره صفات إجرائية (أو علمانية) لا علاقة لها بالأخلاق، فهم مادة بشرية جيدة.
ماذا حدث إذن لليهود حتى تشوَّهت شخصيتهم على هذا النحو؟ يرى دوم أن عوامل مختلفة مثل التعصب المسيحي، وموقف الدولة منهم منذ سقوط الإمبراطورية الرومانية، ومنعهم من الاشتغال بالزراعة، ولَّدت الشكّ في نفوسهم تجاه المسيحية والدولة القومية، فاهتموا بمصالحهم الاقتصادية دون مصالح الدولة، واشتغلوا بالتجارة اليهودية الصغيرة وحدها، وانهارت شخصيتهم، وازدادوا تمسكاً بديانتهم المفعمة بكره المسيحيين.
стр. 2432
ويرى دوم أن اليهود من الممكن أن يصبحوا مواطنين يدينون بالولاء لوطنهم إذا أُلغيَت التفرقة ضدهم واضطهادهم، وإذا تم تلقينهم القيم العلمانية الجديدة التي تضمن الولاء للدولة (المطلق الجديد) . ثم يقترح استصدار عدة تشريعات تهدف إلى تحسين وضع اليهود، ومن ثم إصلاح شخصيتهم، فاقترح أن يحصل اليهود على حقوقهم المدنية كاملةً، وإلغاء القيود المفروضة على حركتهم الاقتصادية، وأن يتم تشجيعهم على الاشتراك في الثقافة السائدة (أي أن يتخلوا عن ثقافتهم اليديشية) وإتاحة فرص التعليم العلماني أمامهم. كما ذهب دوم إلى ضرورة الإشراف على مدارس اليهود لاستبعاد العناصر غير الاجتماعية في ثقافتهم التي تشجِّع عداءهم للأغيار. ونادى بضرورة أن يتم تشجيعهم على الاشتغال بالحرف اليدوية، وأن يتعلموا العلوم والفنون كافة، وأن يتعلموا احترام الدول واحترام كل واجباتهم تجاهها. كما طالب دوم بمنحهم حرية العبادة، وبناء المعابد، وحرية الالتحاق بالمدارس المسيحية أيضاً. فاليهود بهذه الطريقة يمكن أن يصبحوا نافعين بالنسبة إلى دولة تريد أن تزيد من عدد سكانها وقوتها الإنتاجية. واليهود على كل حال مفضلون عن أي مستوطنين جدد لأنهم ذوو جذور في البلاد التي يقطنونها أكثر من الأجنبي الذي عاش في البلد بعض الوقت. وقد لاحظ دوم أنه قد بدأ يظهر رعيل جديد من المثقفين اليهود من دعاة التنوير يتبنون هذه الأفكار المستنيرة.
стр. 2433
ومع هذا، طالب دوم بأن يُعتَق اليهود لا باعتبارهم أفراداً، وإنما باعتبارهم مجموعة عضوية متماسكة، وأن يظلوا جماعة قومية دينية تبقى داخل الجيتو لها مؤسسات الإدارة الذاتية الخاصة بها، وألا يشغلوا وظائف عامة مهمَّة حتى لا يثيروا حفيظة المواطنين المسيحيين. ومعنى هذا أن دوم كان يود تحويل اليهود إلى مادة نافعة متماسكة تعيش في وسط المجتمع الألماني فيمكنه الاستفادة منها، على ألا تصبح جزءاً منه، وأن يظل اليهود في المجتمع دون أن يكونوا منه. وهذه هي بقايا رؤية اليهود كشعب شاهد أو أداة للخلاص أو جماعة وظيفية. وهي الرؤية الصهيونية لليهود ولإسرائيل في الشرق العربي، وهي أيضاً الرؤية النازية لأعضاء الجماعة اليهودية. وانطلاقاً من هذا، تم تأسيس معسكرات الاعتقال النازية وجيتو وارسو النازي. وغني عن القول أن الفيلسوف مندلسون عارض هذا الجانب من المشروع.
نابليون بونابرت (١٧٦٩-١٨٢١)
Napoleon Bonaparte
стр. 2434
إمبراطور فرنسا في الفترة بين ١٨٠٤ ـ ١٨١٤، وهو يُعَدُّ من أهم القادة العسكريين في التاريخ ويتمتع بمقدرات إدارية. وُلد نابليون في جزيرة كورسيكا وتولى قيادة الجيش الجمهوري أثناء حروب الثورة الفرنسية، وأحرز نجاحاً كبيراً في حملته على إيطاليا (١٧٩٦ ـ ١٧٩٧) ، ولكن حملته على مصر (١٧٩٨ ـ ١٧٩٩) أخفقت تماماً. وعاد إلى فرنسا والحكومة الثورية على وشك الانهيار، فقام بانقلاب عسكري واستولى على الحكم وقاد حروب فرنسا «الثورية» . ثم أدخل إصلاحات على النظام التعليمي وفي مجال القانون ونظَّم العلاقة مع الكنيسة (١٨٠١) ، ثم أصبح إمبراطوراً عام ١٨٠٤، وبدأ في تكوين أرستقراطية جديدة وبلاط ملكي. وقد امتدت رقعة الإمبراطورية الفرنسية في عهده لتضم كل أوربا تقريباً. وساهم في تحديث أوربا ومؤسساتها السياسية والإدارية من خلال غزواته. ولكن شوكة نابليون انكسرت حينما حاول غزو روسيا، وانتهى الأمر بأن هُزم تماماً ونُفي إلى جزيرة إلبا (١٨١٤) ثم إلى سانت هيلينا (١٨١٥) .
وتأخذ علاقة نابليون بالجماعات اليهودية ثلاثة أشكال، تستند في معظمها إلى مبدأ نَفْع اليهود:
١ ـ كانت جيوش فرنسا تكتسح النظم الإقطاعية في طريقها وتنصب نظماً أكثر ليبرالية. وقد وصلت هذه الجيوش حتى بولندا، حيث كانت توجد الكثافة السكانية اليهودية. وأينما حلَّت هذه الجيوش، كانت تقوم بإعتاق أعضاء الجماعات اليهودية ووضْع أسس تحديث هوياتهم المختلفة. ورغم هزيمة جيوش فرنسا ونابليون، فإن العملية التاريخية التي بدأتها هذه الجيوش كان لها أعمق الأثر في أعضاء الجماعات اليهودية. ومع هذا، لابد من الإشارة إلى أن نابليون قام بتجنيد بعض أعضاء الجماعة اليهودية في روسيا واستغلهم كطابور خامس خلال حربه مع روسيا، أي أنه حولهم إلى جماعة وظيفية جاسوسية (لكن غالبية يهود روسيا الساحقة وقفت ضد نابليون وساعدت الحكومة القيصرية) .
стр. 2435
٢ ـ كان لعلاقة نابليون بأعضاء الجماعات اليهودية في فرنسا أعمق الأثر فيهم. فبعد اندلاع الثورة وإعتاق اليهود في فرنسا، انتشر يهود الألزاس (الإشكناز) الذين كانوا متخلفين حضارياً ويعملون أساساً بالتجارة والأعمال الطفيلية كما كانوا يعملون بالربا، وهو ما أدَّى إلى ظهور مشكلة بينهم وبين فلاحي الألزاس. وقد نشأت مسألة يهودية إشكنازية في فرنسا لم يكن السفارد طرفاً فيها، فأبدى الإمبراطور اهتماماً بالقضية (عام ١٨٠٦) دعا مجلس وجهاء اليهود في باريس، وجمَّد بشكل مؤقت الديون التي اقترضها الفلاحون من المرابين اليهود. وقام الوجهاء بمناقشة القضايا التي قدمتها لهم السلطات مثل: عادات الزواج بين اليهود، والأعمال التي يقومون بها، وواجبهم تجاه الدولة، ومدى إحساسهم بالولاء تجاهها والانتماء إليها. ووافق المجتمعون على أن ولاءهم يتجه إلى الدولة الفرنسية أساساً، وأن اليهود يشكِّلون جماعة دينية، لا جماعة قومية أو إثنية أو عرْقية. ثم دعا نابليون عام ١٨٠٧ لعقد السنهدرين الأكبر، وأسَّس إدارة يهودية مركزية تعمل من خلال مجالس مختلفة هي المجالس الكنسية. ولا يزال هذا النمط هو المعمول به في فرنسا بل طُبِّق أيضاً في الجزائر. ثم أصدر نابليون قرارات تحد من النشاط التجاري والمالي لليهود؛ ليتحوَّلوا إلى عناصر نافعة في المجتمع مندمجة فيه، كما أصدر قرارات تشجعهم على الاشتغال بالزراعة والصناعة لدمجهم في المجتمع الفرنسي.
стр. 2436
٣ ـ قام نابليون بأولى حملات الثورة الفرنسية الاستعمارية في الشرق، فاحتل مصر عام ١٧٩٨. وكانت حكومة الإدارة الفرنسية قد أعدت خطة لإقامة كومنولث يهودي في فلسطين، وذلك مقابل تقديم المموِّلين اليهود قروضاً مالية للحكومة الفرنسية التي كانت تمر آنذاك بضائقة مالية. وكان المفروض أن يموِّل اليهود الحملة المتجهة صوب الشرق، وأن يتعهدوا ببث الفوضى وإشعال الفتنة وإحلال الأزمات في المناطق التي سيرتادها الجيش الفرنسي لتسهيل أمر احتلالها. ويبدو أن نابليون كان مطلعاً على الخطة. ولذا، فقد أصدر، بمجرد وصوله إلى مصر، بياناً يحث فيه اليهود على الالتفاف حول رايته لإعادة مجدهم الغابر ولإعادة بناء مملكة القدس القديمة، أي أن نابليون أصدر أول وعد بلفوري في تاريخ أوربا.
وكانت أهداف نابليون مركبة:
١ ـ كان نابليون يحذو حذو مؤسسي الإمبراطوريات الذين كانوا يهتمون بفلسطين لأهميتها الإستراتيجية، ولذا كانوا يحاولون غَرْس عنصر سكاني موال لهم. ويبدو أن نابليون وجد في يهود الشرق ضالته، حيث يمكن تحويلهم إلى مادة استيطانية تدور في مدار المصالح الفرنسية وتكون عوناً له في دعم نفوذه وتثبيت سلطانه. واليهود إن وُطِّنوا في فلسطين فإنهم سيكونون بمثابة حاجز مادي بشري يفصل ما بين مصر وسوريا، ويدعِّم الاحتلال الفرنسي، ويهدِّد المصالح البريطانية من خلال إغلاق طرق مواصلاتها إلى الهند. ويبدو أن نابليون كان يحاول كسب رضا وتأييد حاييم فارحي، اليهودي الذي كان يتمتع بنفوذ مالي في عكا ويتولى مسئولية تزويدها بالمؤن الغذائية. وأخيراً، فإن نابليون كان يهمه كسب ثقة يهود فرنسا ودعمهم المالي في صراعه الذي بات وشيك الوقوع مع حكومة الإدارة.
стр. 2437
٢ ـ ولكن، مهما كانت الدوافع، فإن نابليون كان من نتاج عصر الاستنارة، وكان نفعياً لا يؤمن بأية عقيدة دينية، ولذا فإنه لم يكن ليتوانى عن استغلال الدين أو أية عقيدة أخرى. وعلى هذا، فإنه، في ندائه إلى يهود العالم، يتحدث عن حقوقهم التي وردت في العهد القديم وعن احترام الأنبياء (وهو لا يؤمن بأيٍّ منهم) . وحينما يصل إلى مصر، فإنه يتحدث عن الإسلام بإجلال شديد ويعلن أنه لم يأت إلى ديار المسلمين إلا للدفاع عن الإسلام ولحمايتهم من الظلم.
ومما يجدر ملاحظته أنه، على الرغم من أن سياسة نابليون بالنسبة ليهود فرنسا كانت ترمي إلى تحويلهم من جماعة وظيفية وسيطة لها سماتها وخصوصيتها إلى جزء من التشكيل الطبقي والحضاري الفرنسي، لا خصوصية له بل مندمج تماماً في محيطه، فإن سياسته في الشرق كانت تقف على الطرف النقيض من ذلك، فقد كانت ترمي إلى تأكيد خصوصية اليهود باعتبارهم شعباً عضوياً، إذ أن هذه الخصوصية هي مصدر عزلتهم، وعزلتهم هي التي ستجعل بالإمكان تحويلهم إلى جماعة وظيفية قتالية استيطانية تُوطَّن في فلسطين لتقوم على خدمة الاستعمار الفرنسي والغربي.
ويُلاحَظ أن المسألة الشرقية، أي ضعف الدولة العثمانية والميراث الذي ستتركه بعد موتها، قد بدأت تلتقي بالمسألة اليهودية. وتتبدَّى عبقرية نابليون في أنه قرر توظيف المسألة اليهودية والجماعات اليهودية في حل المسألة الشرقية حلاًّ يتناسب مع مصالحه.
والنمط الكامن في تفكير نابليون هو أيضاً النمط الكامن في النظرية الاستعمارية الغربية تجاه الشرق وتجاه أعضاء الجماعات اليهودية، وقد تبدى هذا النمط في وعد بلفور في بداية الأمر، ثم وصل ذروته مع توقيع الاتفاق الإستراتيجي بين إسرائيل والولايات المتحدة عام ١٩٨٢.
تحويل اليهود إلى قطاع اقتصادي منتج
Productivization of the Jews
стр. 2438
«تحويل اليهود إلى قطاع اقتصادي منتج» عبارة إصطلاحية تُستخدَم للإشارة إلى المحاولات التي قامت بها حكومات فرنسا وروسيا وبولندا، وبعض حكومات وسط أوربا، مثل النمسا، لتحويل اليهود عن الاشتغال بالتجارة البدائية والربا وبعض الحرف الأخرى التي كانوا يقومون بها كجماعة وظيفية وسيطة، وتشجيعهم على الاشتغال بالزراعة والحرف والوظائف الأخرى. وقد نجحت المحاولة في فرنسا، ولكنها تعثَّرت في جاليشيا وروسيا وغيرهما من المناطق، وهو ما اضطر الحكومة الروسية، على سبيل المثال، إلى إصدار قوانين مايو١٨٨١. ونحن نفضل استخدام مصطلح «تحديث اليهود» فهو أكثر عمومية وحياداً، ولا يحمل أية تضمينات قدحية، وخصوصاً أن اليهود لم يكونوا قط غير منتجين في المجتمعات الزراعية التقليدية، وإنما أصبحوا كذلك نتيجة تطور المجتمع. كما أن المصطلح يؤكد العلاقة بين التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي خاضتها الجماعات اليهودية في شرق أوربا والتحولات الاجتماعية المماثلة التي مرت بها الأقليات الاقتصادية والإثنية التي تلعب دور الجماعة الوظيفية الوسيطة في مجتمعات أخرى، كالصينيين في شرق آسيا.
وقد دخل المصطلح في الأدبيات الصهيونية العمالية التي تنطلق من الإيمان بهامشية وطفيلية يهود المنفى والشتات وتنادي بضرورة تطبيعهم.
تطبيع الشخصية اليهودية
Normalization of the Jewish Character
стр. 2439
بعد توقيع معاهدة كامب ديفيد، شاع مصطلح «تطبيع» في الخطاب السياسي في مصر، بمعنى محاولة جعل العلاقات بين مصر والدولة الصهيونية علاقات عادية طبيعية مثل العلاقات التي تنشأ بين أي دولتين. ولكن المصطلح في الأدبيات الصهيونية، حينما يُستخدَم للإشارة إلى ما يُسمَّى «الشخصية اليهودية» ، تكون له مدلولات مختلفة تماماً. وقد شاع المصطلح في أوربا ابتداءً من القرن الثامن عشر مع مصطلحات أخرى إما مشابهة أو مرتبطة به، مثل «تحويل اليهود إلى قطاع منتج» أو «نفع اليهود» ، وهي كلها مصطلحات تفترض شذوذ وضع اليهود وهامشيتهم، وتؤكد الحاجة إلى تغييره عن طريق «إصلاح اليهود» وتحويلهم إلى مادة بشرية استعمالية نافعة يمكن توظيفها في خدمة المجتمع، وهذا يعني أن يصبح اليهودي إنساناً طبيعياً لا يختلف عن غيره من البشر (والإنسان الطبيعي هو مفهوم محوري في فكر عصر الاستنارة) الذي ركَّز على العناصر العامة في البشر، وحاول أن يقلل من أهمية الخصوصيات وأن يلغيها تماماً.
стр. 2440
ولكن الظاهرة نفسها، بغض النظر عن المصطلح، تعود إلى تواريخ قديمة، فقد كانت الحاجة إلى تطبيع اليهود أو إصلاحهم تنشأ حينما يواجهون حضارة متفوقة، كما حدث عند التهجير البابلي. وبرزت الظاهرة ذاتها بشكل أكثر إثارة في العصر الهيليني، إذ بدأ أعضاء الجماعة اليهودية التي كانت متركزة أساساً في فلسطين ثم في مصر يشعرون بالإحساس بالنقص وبالتدني الحضاري إزاء الحضارة المتفوقة، فاصطنعوا أساليبها، وتأغرقت أعداد كبيرة منهم، وبخاصة أعضاء الطبقات الثرية، وبذلوا جهداً غير عادي ليصبحوا مثل الإغريق. وعلى سبيل المثال، كان بعض اليهود الذين يشتركون في الألعاب الأولمبية يجرون عملية جراحية تجميلية حتى يبدو وكأنهم لم يُختنوا (أي حتى يبدوا وكأنهم مواطنون طبيعيون) فلا يكونوا محط سخرية المشاهدين أو نساء الأغيار. ويمكن اعتبار الحركات المشيحانية أول محاولات تطبيع اليهود في الواقع. ولذا، كان من أهداف هذه الحركات إسقاط الأوامر والنواهي المسئولة عن تميُّز اليهود وعزلتهم.
стр. 2441
ولكن عملية التطبيع التي تهمنا هي التي بدأت في نهاية القرن الثامن عشر نتيجةً للانقلاب الصناعي الرأسمالي في الغرب، والتحولات البنيوية التي خاضتها المجتمعات الغربية، إذ أدَّت هذه التحولات إلى ظهور الدولة القومية الحديثة والرأسمالية الرشيدة والاقتصاد الحديث مما أدَّى إلى الاستغناء عن الجماعات الوظيفية، اليهودية وغير اليهودية، وقد تطلَّب هذا التحول نوعية جديدة من المواطنين ذوي كفاءات وولاءات محددة يختلفون بشكل جوهري عن عضو الجماعة الوظيفية. وقد كان مؤسسو الدولة القومية الحديثة في غرب أوربا ووسطها وشرقها يرون أن اليهود، بوضعهم الذي كانوا عليه، كجماعات وظيفية وسيطة، أصبحوا شخصيات هامشية غير منتجة وغير محددة الولاء أو الانتماء ودون دور محدد تلعبه، أي أن وَضْعهم لم يعُد طبيعياً في الإطار القومي المركزي الجديد. ولذا، ينبغي تطبيعهم، أي صبغهم بالصبغة القومية ليتم دمجهم في المجتمع. فأصدرت حكومة فرنسا ثم النمسا وروسيا وغيرها قرارات لإعادة صياغة هوية أعضاء الجماعات. وقد تفاوتت درجات نجاح المحاولة وإخفاقها من بلد إلى آخر.
стр. 2442
والتطبيع هو أيضاً من أهم المفاهيم المحورية في الفكر الصهيوني، فهو العملية التي يتخلَّص اليهودي من خلالها من أمراض المنفى أو الشتات (الانتشار في العالم) خارج الوطن القومي، والتي تتمثل في عقلية استجداء الأغيار والاعتماد السياسي عليهم وتتمثَّل كذلك في ازدواج الولاء. وهي تعني أيضاً التخلُّص من أية قداسة يخلعها عليه تراثه الديني، وبالتالي يتعيَّن على اليهود الجدد من المستوطنين الصهاينة ألا ينغمسوا في أعمال السمسرة والمضاربات والأعمال الهامشية غير المنتجة مثل بني ملتهم أو جلدتهم من يهود المنفى، وعليهم أن يتحولوا إلى شعب يهودي منتج بمعنى الكلمة، يسيطر على كل مراحل العملية الإنتاجية، وبالتالي على مصيره الاقتصادي والسياسي. كما أن عليهم أن يطرحوا كل المفاهيم الدينية مثل «الشعب المختار» و «الالتزام بأداء الأوامر والنواهي» ، وأية مطلقات دينية أو أخلاقية. وقد عبَّر المفكر الصهيوني العمالي دوف بير بوروخوف عن القضية نفسها بقوله إن اليهود أعضاء في هرم إنتاجي (أي أنهم مادة إنتاجية) ، وأن الحل الصهيوني يتلخَّص في أن يقف الهرم الإنتاجي اليهودي على قاعدته، بحيث يتركز اليهود في العمليات الإنتاجية في قاعدة الهرم ويعملون بأيديهم وتصبح أغلبيتهم من العمال والفلاحين، أما المهنيون والعاملون في القطاع التجاري والمالي فإنهم يصبحون قلة في قمة الهرم، شأنهم في هذا شأن قرنائهم في أي مجتمع آخر. وهذا ما يُطلَق عليه مصطلح «العمل العبري» و «غزو العمل» ، أي أن يستولى الصهيوني على الأرض عن طريق العنف الذي يُطهِّره من مخاوف المنفى، ويعمل فيها بيديه ويسيطر على كل مراحل الإنتاج. وهو، إن فعل، يكون قد أنجز الثورة الصهيونية الحقَّة، فاستولى على الأرض وزرعها، وعلى الهيكل الاقتصادي وعمل فيه، وعلى الهيكل السياسي وتحكَّم فيه. ثم تحوَّل هو نفسه من شخصية هامشية خائفة لا سيادة لها، إلى شخصية شجاعة منتجة ذات سيادة قومية، وبذلك
стр. 2443
يكون قد تم تطبيعه، ويصير اليهود شعباً، مثلهم مثل كل الشعوب، لهم وطنهم ولغتهم وجيشهم. ومن هنا، لا يكون الاستيطان الإحلالي (الاستيلاء على الأرض وطرد سكانها والعمل فيها) مجرد فعل خارجي يحمل مدلولاً اقتصادياً محدوداً، وإنما فعل شامل ذو أبعاد سياسية وقومية، وفي نهاية الأمر نفسية. وهو أيضاً يحل مشكلة المعنى بالنسبة للصهاينة، ويُعقلن وجودهم في فلسطين التي تلفظهم والتي يقاتل أهلها ضدهم.
ولكن التطبيع في السياق الصهيوني يعني أيضاً التغريب، أي أن يصبح لليهود وطن يؤسَّس على النسق العلماني الغربي. فالصهاينة يرون دولتهم الاستيطانية جزءاً من التشكيل الإمبريالي الغربي. وقد أسس الصهاينة دولتهم، التي حوَّلت الدين إلى رموز قومية خالية من المضمون الأخلاقي على طريقة الدول الغربية الحديثة، المتمسكة بقيم المنفعة وبالقوة كوسيلة لحل كل مشاكلها. وبعد حرب ١٩٦٧، مع تلاشي ما تبقى من أوهام عن روح الريادة والعمل العبري، ازدادت الروح النفعية والاستهلاكية. ولذا، زادت حدة التطبيع، وأصبح يهود إسرائيل مثل كل الشعوب، والأمريكيين على وجه الخصوص. وربما يفسر هذا نزوح كثير من الإسرائيليين إلى الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية الاستهلاكية، فهذه هي النتيجة المنطقية لمنطق التطبيع بمعنى التغريب.
стр. 2444
ولكن، يبدو أن الدولة الصهيونية لم تنجح تماماً في أن تُطبِّع نفسها أو سكانها، فهي دولة تعتمد على الغرب، وتنتشر فيها الجريمة، كما أن عدداً كبيراً من سكانها يشتغلون بأعمال السمسرة ويرفضون العمل اليدوي، وهو الأمر الذي كشفت عنه الانتفاضة بشكل واضح وجليّ. أما أعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة، وهم أكبر جماعة يهودية في العالم، فقد تم تطبيعهم وعلمنتهم تماماً، فقد تبنُّوا أسلوب الحياة الأمريكي دون تحفُّظ. ونصفهم لا يؤمن بالخالق، كما أن الأغلبية الساحقة ممن يظنون أنهم يؤمنون بالعقيدة اليهودية ينتمون إلى اليهودية الإصلاحية والمحافظة والتي لا تعترف بها اليهودية الأرثوذكسية، ولا يقيمون شعائر السبت، وإن احتفلوا به فهم يرونه جزءاً من عطلة نهاية الأسبوع (الويك إند) بما تتضمنه من نشاطات علمانية عديدة لا يربطها رابط بشعائر السبت. بل يُقال إن يهود الولايات المتحدة أكثر ملكية من الملك، وأكثر طبيعية وأمريكية من الأمريكيين أنفسهم. وثمة رأي يذهب إلى أن النشاط الصهيوني، الهستيري في شكله، المترهل في مضمونه، والذي لا يتجاوز في واقع الأمر دفع التبرعات والاشتراك في التظاهرات ووضع اللافتات على السيارات، ولا يأخذ شكل سلوك ديني في المنزل أو هجرة إلى إسرائيل، ما هو إلا تغطية لعملية التطبيع الجذرية التي تتم بين أعضاء الجماعة اليهودية، والتي تترجم نفسها إلى أمركة كاملة وانصهار تام في المجتمع الأمريكي. ولهذا السبب، يطلق بعض الصهاينة على يهود الولايات المتحدة اسم «الهيلينيين الجدد» .
وغنيٌّ عن القول إن مفهوم شذوذ الشخصية اليهودية مفهوم محوري في أدبيات معاداة اليهود، وبخاصة في الفكر النازي. وقد وجد النازيون أن حلَّ قضية الشذوذ هذه لا يتم عن طريق تطبيع اليهود كما يقترح الصهاينة، وإنما عن طريق إبادة العناصر غير النافعة منهم.
المسألة اليهودية
The Jewish Question
стр. 2445
«المسألة اليهودية» مصطلح يتواتر في الكتابات الصهيونية وفي غيرها بصيغة المفرد، وهو مصطلح يفترض أن ثمة مشاكل محدَّدة ثابتة لا تختلف تقريباً باختلاف الزمان والمكان، يواجهها اليهود وحدهم ولا يواجهها غيرهم من أعضاء الجماعات أو الأقليات الدينية أو الإثنية. ولذا تتم الإشارة إليها بعبارة «المسألة اليهودية» (الواحدة) لا «المسائل اليهودية» المتنوعة بتنوع تجارب أعضاء الجماعات اليهودية عبر الزمان والمكان. وحلَّ هذه المسألة يكون عن طريق التخلص من اليهود، إما عن طريق تهجيرهم إلى وطنهم القومي اليهودي، وهذا هو (الحل الصهيوني) ، أو عن طريق طردهم (الحل المعادي لليهود) ، أو إبادتهم (الحل النازي) .
стр. 2446
ويمكن تصنيف المصطلح، بشكله هذا، ضمن مصطلحات شبيهة أخرى، مثل «الشخصية اليهودية» التي تفترض وجود شخصية يهودية ثابتة مستقلة عما حولها من ظروف. و «التاريخ اليهودي» ، الذي يفترض وجود تاريخ مستقل له سماته المحددة، ووحدته الواضحة، وفتراته المتتالية التي تعرَّف بالعودة إلى جوهر يهودي أو وجود مستقل، هو أمر يتناقض مع الواقع التاريخي الحي المركب. فالمشاكل التي واجهها يهود الإمبراطورية الرومانية هي جزء من تاريخ هذه الإمبراطورية، والمشاكل التي واجهها يهود المدينة أيام الرسول ﵊ ناجمة عن وجودهم داخل التشكيل الحضاري الإسلامي في الجزيرة العربية، كما أن المشاكل التي واجهها يهود روسيا في القرن التاسع عشر الميلادي كانت نابعة من وجودهم داخل التشكيل السياسي الروسي في عهد القيصرية، تماماً كما أن المشاكل التي واجهوها بعد عام ١٩١٧ هي جزء من تاريخ روسيا السوفيتية. أما من هاجر من يهود اليديشية إلى الولايات المتحدة، فقد أصبح تاريخه وكذلك مشاكله جزءاً من تاريخها. ومع أن هذا لا ينفي وجود مشاكل خاصة نابعة من خصوصية وَضْع أعضاء الجماعة اليهودية داخل هذه التشكيلات، فإنه لا يوجد عنصر مشترك واحد يجمع بين هذه المشاكل الخاصة، إذ أن هذه الخصوصية نفسها مستمدة من طبيعة علاقة الجماعة اليهودية بالمجتمع الذي تعيش في كنفه (وتتشكَّل في إطاره) وليس لها علاقة بخصوصية يهودية تشمل كل اليهود. وقد غيَّر حدث ضخم، مثل الثورة البلشفية، نوعية المشاكل التي كان يواجهها أعضاء الجماعة اليهودية. فبعد أن كان يُفرَض عليهم الانعزال داخل منطقة الاستيطان، أصبح يتهددهم الاندماج، وبعد أن كانوا بعيدين تماماً عن مؤسسات صُنْع القرار، أصبحوا قريبين منها، لدرجة أن أعداء اليهود والبلاشفة كانوا يسمون الثورة البلشفية «الثورة اليهودية» . بل كانت هناك داخل التشكيل السياسي الروسي القيصري ثم البلشفي عدة تشكيلات يهودية مختلفة لكلٍّ
стр. 2447
مشاكلها الخاصة، فيهود جورجيا واجهوا مشاكل تختلف نوعياً عن مشاكل يهود اليديشية. أما اليهود القرَّاءون، فلم يواجهوا مشاكل حقيقية نظراً لأن الحكومة القيصرية اعتبرتهم جماعة منتجة، وبالتالي فإنها لم تُطبِّق عليهم أياً من القرارات التي طبقتها على يهود اليديشية. كما أن تواتر المسائل اليهودية داخل المجتمعات البشرية لا يعني بالضرورة أن هذه المسائل متشابهة أو أن الواحدة لها علاقة بالأخرى. فقد تتشابك المسائل كما حدث حينما هاجر يهود اليديشية بأعداد كبيرة إلى ألمانيا وقوضوا وضع يهود ألمانيا ومكانتهم. ولكن، مع هذا، تظل كل مشكلة أو مسألة يهودية مستقلة ولا يمكن فهمها إلا بالعودة إلى سياقها التاريخي والحضاري والاجتماعي.
لكل هذا، يكون مصطلح «المسألة اليهودية» الذي يَفترض أن هناك مسألة يهودية واحدة، عالمية وعامة، مصطلحاً منافياً تماماً للحقائق المتعيِّنة للتاريخ، ومن ثم فإن قيمته التصنيفية والتفسيرية ضعيفة إلى أقصى حد. ومن الأفضل استخدام صيغة الجمع والتحدث عن «مسائل يهودية» . وحين يُستخدَم المصطلح في صيغة المفرد، فإنه يشير، في واقع الأمر، إلى المشاكل التي واجهها أعضاء الجماعات اليهودية (في القرن التاسع عشر) في أوربا، وبخاصة في شرقها، وبذلك تُستبعَد الجماعات اليهودية الأخرى كافة. وهذا التحديد الزماني المكاني يعطي المصطلح مضموناً حقيقياً ودلالة ومقدرة تفسيرية وتصنيفية عالية.
стр. 2448
ويجب التمييز بين المسألة اليهودية في العصر الحديث من جهة، وبين المذابح التي كانت تُدبَّر ضد أعضاء الجماعة اليهودية في الماضي من جهة أخرى. ورغم أن كلاًّ من الظاهرتين ينبع من أساس واحد وهو كون اليهود جماعة وظيفية وسيطة، فإن أوجه الاختلاف بين الظاهرتين أساسية وجوهرية، فالمذابح التي دُبِّرت ضد أعضاء الجماعة اليهودية حتى بداية القرن السابع عشر تقريباً كانت، في كثير من الأحيان، من قبيل الثورة الشعبية ضد جماعة وظيفية إثنية تُشكِّل أجزاء من الطبقة الحاكمة وتُعَدُّ أداتها. أما المسألة اليهودية الحديثة، فهي مرتبطة بظهور الرأسماليات المحلية وتآكل دور الجماعات اليهودية كجماعات وظيفية "نافعة" وتحولها إلى فائض بشري ومحاولة الدولة القومية التخلص من هذا الفائض البشري عن طريق دمجه أو تصديره أو تحويله إلى عنصر بشري نافع. وهي عملية لم تكن مقصورة على أعضاء الجماعات اليهودية وإنما كانت تسري على أعضاء الجماعات الإثنية والدينية الأخرى في المجتمع، أي أنها مرتبطة بآليات وحركيات خاصة بالمجتمع الغربي بعد تآكل النظام الإقطاعي وانتقاله من الاقتصاد الزراعي إلى الاقتصاد الرأسمالي، وأخيراً بالتشكيل الإمبريالي الغربي. ويجب الانتباه إلى أن مسألة يهود شرق أوربا في القرن التاسع عشر ليست مسألة فريدة، فهي نمط متكرر في معظم المجتمعات التي تنتقل من النمط الزراعي التقليدي في الإنتاج إلى النمط الحديث. وعلى هذا، توجد مسألة هندية أو عربية في أفريقيا، ومسألة إيطالية أو يونانية في مصر، ومسألة صينية في جنوب شرق آسيا، ولعل التشابه بين المسألة الصينية في الفلبين والمسألة اليهودية في بولندا أمر ملحوظ بشكل ما ويستحق الإشارة إليه. لقد كان أعضاء الجماعة الصينية يشكلون جماعة وظيفية وسيطة فكانوا يعملون وسطاء بين المستعمرين الإسبان والعنصر الفلبيني المحلي، تماماً كما كان اليهود وسطاء بين النبلاء البولنديين (الشلاختا) والفلاحين
стр. 2449
والأقنان الأوكرانيين داخل مؤسسات الإقطاع الاستيطاني ونظام الأرندا. وكان الصينيون يعيشون في جيتو يُسمَّى «باريان Parian» خارج مانيلا، تماماً كما كان اليهود يعيشون في الجيتوات والشتتل. وكان يُحظَر خروج الصينيين من الجيتو الخاص بهم بعد الساعة الثامنة. وقد طُرد الصينيون من الفلبين عدة مرات (١٥٦٩ و١٧٥٥) ودُبِّرت المذابح والهجمات ضدهم (في سنوات ١٦٠٣ و١٦٣٩ و١٦٦٢ و١٧٦٤) ، وفُرضت عليهم ضرائب خاصة باهظة. وتركَّز الصينيون في مانيلا في الأعمال التجارية والمالية، ونظموا أنفسهم داخل مؤسسات تشبه القهال. وكان الصينيون يضطلعون بدور مهم في المجتمع الفلبيني، ولكنهم بعد استقلال الفلبين فقدوا دورهم كجماعة وظيفية وسيطة، فحدثت محاولات للتخلص منهم بطردهم أو دمجهم عن طريق تحديثهم.
ويمكن القول بأن المسألة اليهودية في أوربا، في العصر الحديث، هي محاولة لتحديث أعضاء الجماعات اليهودية في أوربا بهدف دمجهم في مجتمعاتهم بعد أن فقدوا دورهم كجماعة وظيفية وسيطة، وهي محاولة حققت درجات متفاوتة من النجاح والإخفاق. ولفهم هذه الظاهرة، لابد أن نتعامل مع مركب من الأسباب الاقتصادية والسياسية والتاريخية والثقافية التي أدَّت إلى ظهورها، ومع الطريقة التي حاولت كل دولة التعامل بها مع الجماعات اليهودية ومع الجماعات الإثنية والدينية كافة، كما يجب أن نتعامل مع العناصر التاريخية والسياسية التي أدَّت إلى نجاح أو تعثُّر أو توقُّف هذه المحاولات. ويمكن القول بأن جذور المسألة اليهودية تعود إلى ما أسميناه «المسألة العبرانية» الناجمة عن ضعف الدولة العبرانية القديمة سواء في مواردها البشرية أو في مواردها المادية ووجودها في منطقة مهمة إستراتيجياً بين عدة إمبراطوريات عظمى، وهو ما أدَّى إلى تحوُّلها إلى معبر لهذه الإمبراطوريات، وجعل المجتمع العبراني مجتمعاً طارداً لقطاعات من سكانه وأصبح مصدراً أساسياً للمادة البشرية.
стр. 2450
وقد أدَّى هذا الوضع، في نهاية الأمر، إلى انتشار اليهود، كما جعل عندهم قابلية لأن يتحولوا إلى جماعات وظيفية (قتالية أو استيطانية أو تجارية) . ومع العصور الوسطى، كانت معظم الجماعات اليهودية في الغرب جماعات وظيفية وسيطة تضطلع بوظيفة التجارة والربا وجمع الضرائب وأعمال مالية وإدارية مماثلة أخرى. لكن التجارة التي كان يضطلع بها أعضاء الجماعة الوسيطة هي ما يُطلق عليه «التجارة البدائية» . فالتاجر اليهودي لم يكن يُوظِّف أمواله في الإنتاج، كما كان يفعل تجار مدن العصور الوسطى الكبيرة، ولا يشتري مواد أولية ولا ينفق على صناعة الأقمشة جزءاً من رأسماله، بل كان مجرد وسيط يوزع منتجات لا يسيطر عليها ولا يخلق ظروف إنتاجها. وهكذا، لم تكن التجارة اليهودية تنطوي على أسلوب معيَّن لإنتاج فائض القيمة، وإنما كانت، على عكس التجارة المسيحية التي كانت تجارة تبادلية مرتبطة بالاقتصاد والإنتاج ذاته، تعيش على فائض القيمة الذي ينتجه الفلاحون، فهي تجارة توجد في الشقوق بين المجتمعات. وحينما تحوَّل الرأسمالي اليهودي إلى الإقراض كان إقراضه أيضاً استهلاكياً، على عكس الإقراض المصرفي الذي كان يساهم مباشرة في إنتاج فائض القيمة لأنه كان يُموِّل المشاريع التجارية والصناعية الكبيرة. ولقد لعب اليهود دور التاجر والمرابي والخمَّار ووكيل السيد الإقطاعي والوسيط في جميع الأمور. والمجتمع الإقطاعي المستند إلى إنتاج القيم الاستعمالية لا يتناقض مع الرأسمالية بشكلها التجاري الربوي البدائي، بل يضمن بقاءها واستمرارها. ولذلك لم يكن هناك وجود لأية مسألة يهودية في المجتمعات الإقطاعية، فالتاجر والمرابي اليهوديان كانا يقومان بدور حيوي مهم، إذ كان التاجر يُورِّد للمجتمع الإقطاعي السلع التي يحتاج إليها ويُصدِّر الفائض الإنتاجي، بينما كان المرابي يقرض الأمير الإقطاعي، وكذلك الفلاح، لشراء السلع الكمالية. بل إن التاجر أو المرابي اليهودي كانا
стр. 2451
أداة في يد النخبة الحاكمة الإقطاعية. وبهذا، كان اليهود أقنان بلاط (مماليك تجارية) يُستخدَمون لامتصاص الثروة من المجتمع ولضرب الطبقات التجارية الصاعدة. وقد ظهر، بين اليهود، يهود البلاط، وهم من كبار المموِّلين الذين كانوا يقومون بإدارة الشئون المالية لبعض الإمارات الألمانية والدول الغربية في عصر الملكية المطلقة، ويساعدون حكامها على تأسيس صناعات جديدة وارتياد آفاق اقتصادية لم يرتدها أحد من قبل. ولكن الوضع لم يختلف كثيراً، إذ كان يهود البلاط مرتبطين ارتباطاً كاملاً بالنخبة الحاكمة، وظل نشاطهم الاقتصادي محصوراً بحدود الملكيات والإمارات المطلقة. كل هذا كان يعني أن أعضاء الجماعة الوظيفية الوسيطة اليهودية (أقنان بلاط أو يهود بلاط) كانوا خارج التشكيلات البورجوازية والرأسمالية الغربية الصاعدة التي يشير إليها ماكس فيبر باعتبارها «الرأسمالية الرشيدة» . كما أن تبعيتهم هذه كانت تعني أن نشوء رأسمالية يهودية مستقلة مستحيل، إذ كان الحاكم يصادر أموالهم حينما يصلون إلى درجة عالية من الثراء كما حدث لكثير من يهود البلاط.
وهذا الوضع في حد ذاته لا يخلق مسألة يهودية، بل إن مثل هذه المسألة تبدأ في الظهور حينما تتناقص حاجة المجتمع إلى اليهودي كتاجر أو مراب أو مدير مالي أو متعهد عسكري، وذلك بعد أن تنشأ طبقات تجارية ومالية محلية أو بعد أن تضطلع الدولة نفسها بمثل هذه الوظائف. وهذه عملية تتطور بالتدريج إلى أن يستغني المجتمع عن الجماعات الوظيفية الوسيطة تماماً.
وقد بدأ تقلقل وضع اليهود كجماعة وظيفية وسيطة في غرب أوربا (في إنجلترا وفرنسا) في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين وطُردوا منهما، كما طُردوا من إسبانيا في القرن الخامس عشر الميلادي. وكان يتم طردهم من الولايات الألمانية حتى القرن السابع عشر الميلادي، ولكنهم كانوا ينتقلون من واحدة إلى الأخرى، ولذا لم يتم طردهم منها نهائياً.
стр. 2452
وقد كان اليهود يحلون مشكلتهم بالتقهقر إلى الماضي، إذ هاجرت أعداد كبيرة منهم إلى شرق أوربا، وبخاصة بولندا، حيث لعبوا دورالتاجر والمرابي ومحصِّل الضرائب مرة أخرى، واستمر وضعهم مزدهراً حتى أواخر القرن الثامن عشر الميلادي. ولكن، بنشوء طبقات رأسمالية محلية في مجتمعات شرق أوربا، وتزايد دور الدولة فيها، بدأ اليهود يواجهون مشكلة التأقلم مع الوضع الجديد. فمراكز التجارة الإقطاعية كانت قد بدأت تنحل لتحل محلها مدن صناعية وتجارية جديدة، وهو ما ضيَّق الخناق على جماهير التجار اليهود وأدَّى إلى تدفُّق المهاجرين إلى مناطق أكثر قدرة على استيعابهم داخل روسيا ذاتها في بداية الأمر، ثم إلى غرب أوربا، وأخيراً إلى الولايات المتحدة.
стр. 2453
وعند هذه النقطة، تُطرَح قضية مدى نَفْع اليهود ومدى إنتاجيتهم، وتُثار الأسئلة الخاصة بازدواج الولاء، بكون اليهود يشكلون دولة داخل دولة. وبالتالي، فإن المسألة اليهودية (أي بداية الاستغناء عن الجماعات الوظيفية اليهودية) بدأت مع الثورة التجارية وظهور الدولة القومية المركزية (المطلقة ثم الليبرالية ثم الشمولية) التي قامت بتوحيد جميع مناحي الحياة ودمج المواطنين كافة، وطالبتهم بالولاء الكامل والانتماء غير المشروط لها، وحاولت أن تصهرهم جميعاً (بما في ذلك أعضاء الأقليات) في بوتقة واحدة ينتظمها إطار واحد. وعلى هذا، أُعطىَ اليهود حقوقهم السياسية (أي تم إعتاقهم) ، وفُتحت أمامهم مجالات الحراك الاجتماعي، وسُمح لهم بالعمل في جميع الوظائف وفي الخدمة العسكرية، وأُسقطت حوائط الجيتو. ولكنهم طُولبوا في المقابل بأن يصلحوا أنفسهم وأن يتخلوا لا عن انعزاليتهم وحسب، وإنما عن خصوصيتهم أيضاً، فالمُثُل السائدة في الغرب آنذاك كانت هي مُثُل عصر الاستنارة "الأممية" التي تدور حول فكرة الإنسان الطبيعي. ومن ثم تعيَّن على أعضاء الجماعات اليهودية ألا يستخدموا سوى لغة الوطن الأم وأن ينبذوا اليديشية أو أية لغات أو لهجات أو رطانات سرية أو علنية خاصة بهم. وبخاصة في المعاملات التجارية حتى لا يغشوا أحداً (مثلما حُرِّم على الصينيين استخدام الصينية في المعاملات التجارية في الفلبين) ، كما طولبوا بتغيير أزيائهم وأسمائهم، بل إدخال إصلاحات على عقيدتهم الدينية بحذف الجوانب القومية من عقيدتهم لتصفية أي اشتباه في ازدواج الولاء. كما أصبح مفروضاً على اليهود عدم تدريس التلمود إلا بعد سن معينة. وكانت الدولة تقوم بتدريب حاخامات في مدارس دينية يهودية تشرف عليها، كما كانت تتدخل في تعليم اليهود كلَّ شيء بما في ذلك تعليمهم الدين، بل كانت تتدخل أحياناً في تحديد سن الزواج وعدد الأطفال المصرَّح بإنجابهم.
стр. 2454
التحديث وظهور الرأسمالية الرشيدة والمسألة اليهودية
Modernization, Emergence of Rational Capitalism and the Jewish Question
أدَّت عمليات التحديث وظهور الرأسمالية الرشيدة إلى تدهور وَضْع أعضاء الجماعات الوظيفية اليهودية في الغرب بسبب فقدانهم دورهم، وهو ما يُسمَّى «المسألة اليهودية» . ولكن التحديث نفسه وكذا الرأسمالية الرشيدة هما اللذان أدَّيا إلى حل المسألة. ويمكن تقسيم أوربا إلى ثلاث مناطق أساسية، وأساس التصنيف هو نمط التحديث السائد ومدى قوة أو ضعف الرأسمالية الرشيدة:
١ ـ غرب أوربا (إنجلترا وفرنسا وهولندا وغيرها) ، ثم الولايات المتحدة فيما بعد، وهي دول التحديث الحر: وهي مجتمعات حققت معدلات عالية من التقدم الاقتصادي في فترة مبكرة، وكان لها مشروع استعماري قوي ساهم في حل معظم مشاكلها الاقتصادية والاجتماعية وحقق قدراً من الوفرة ساعد على خفض حدة الصراعات الطبقية والتوترات الاقتصادية الداخلية.
وقد قامت الطبقة البورجوازية بعملية التحويل الاجتماعي في هذا البلد وتبنَّت مُثُلاً ليبرالية منفتحة. وكانت الرؤية القومية التي سادت هذه المجتمعات هي الأخرى منفتحة، فكانت مسألة الانتماء للوطن مسألة غير عضوية أو عرْقية، وإنما مسألة انتماء قومي متاح لكل من وُلد داخل المجتمع ونشأ على أرضه وكان على استعداد للاضطلاع بوظيفته وأداء واجبه. ولذا، لم تستبعد المُثُل القومية في هذه المجتمعات أعضاء الجماعات اليهودية، وإنما فتحت الأبواب والفرص أمامهم فحققوا الحراك الاجتماعي الذي يحتاجون إليه.
стр. 2455
وحتى النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادي، لم تكن معظم هذه البلاد تضم جماعات يهودية كبيرة، إما لعدم وجود يهود فيها أصلاً أو لأنهم طُردوا منها في مرحلة سابقة. وحينما استوطن اليهود مرةً أخرى في هذه البلاد، ابتداءً من القرن السادس عشر الميلادي أي مع بدايات التحديث، فإنهم استقروا في بلاد تحددت فيها الملامح الأساسية للاقتصاد التجاري الرأسمالي، وكانت تضم طبقة تجارية محلية قوية لا تخشى منافسة رأس المال اليهودي بل ترحب به لحاجتها إلى الاستثمارات في المشاريع الرأسمالية والاستعمارية المختلفة. وقد تم توطين أعضاء الجماعات اليهودية في هولندا وإنجلترا في القرن السابع عشر، ثم في العالم الجديد داخل هذا الإطار.
وقد كان اليهود الذين استقروا في هذه البلاد من أصل سفاردي ولديهم كثير من الكفاءات المطلوبة والاتصالات الدولية المهمة، كما كانوا متقدمين من الناحية الحضارية. ثم انضمت إليهم عناصر من الإشكناز شكلوا الأغلبية فيما بعد واستوعبوا كثيراً من عناصر الحضارة الغربية حولهم.
ورغم أن العنصر الإشكنازي كان متمايزاً حضارياً ووظيفياً، إلا أن هذا التمايز تقوَّض بمرور الوقت من خلال المعدلات السريعة للتحديث وفتح باب الحراك الاجتماعي، وكذلك من خلال التقاليد السياسية الليبرالية السمحة. واستمرت عملية دمجهم في المجتمع حتى زال التمايز الوظيفي والاقتصادي تماماً، ثم تبعه التمايز السياسي والحضاري.
следующие страницы →