Полный текст (8 511 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
٢ ـ ولكن الأمر يمكن أن يكون أعمق من ذلك. فبعد أن يصوغ الفيلسوف الإرهابي نموذجه المعرفي، يشعر بتوحشه الكامل ولا إنسانيته وسيولته. ولذا فهو، من خلال الديباجات الزخرفية، يُدخل قدراً من الإنسانية عليها، ولكن هذه اللحظة تظل إنسانية على مستوى البنية الظاهرة والأقوال والديباجات، أما البنية الكامنة والمرجعيات النهائية فتظل على وحشيتها ولا إنسانيتها. وهذه الزخارف تزيد القيمة التعبوية للنموذج، فالبشر (بسبب تركيبيتهم وإنسانيتهم) لا يمكنهم أن يقبلوا نموذجاً وحشياً لا إنسانياً ولا يمكنهم تبنِّيه، ولهذا فإن الأقوال والديباجات الزخرفية تيسر لهم هذا الأمر.
стр. 247
ويمكن هنا أن نثير قضية النوايا المعلنة الحقيقية، وطبيعة علاقة النموذج بالنوايا. فإن كان هناك فيلسوف يدافع عن فلسفة وحشية، فهو لابد يظن (عن نية صادقة) أن مثل هذه الفلسفة ليست وحشية، بل يرى أنها ستأتي بالخير للبشر. ويمكن أن نقول الشيء نفسه عن الأيديولوجيات السياسية. ففي حالة الصهيونية، على سبيل المثال، هناك كثير من الصهاينة كانوا "صادقي النية" بالفعل في رغبتهم ألا يلحقوا الأذى بالعرب. وفي التحليل النماذجي يمكن لنا أن نقول إن النوايا (ودوافع الفاعل بشكل عام) هي مجرد عنصر من بين عناصر كثيرة تشكل الواقع أو النموذج ويمكن إخضاعها لنفس العملية التحليلية، أي التحليل من الداخل (منطق النموذج) ومن الخارج (تجلياته في البنية) . وفي حالة الصهيونية، على سبيل المثال، أخبر هرتزل صديقه عالم الاجتماع الدارويني جومبلوفيتش أنه ينوي إقامة الدولة الصهيونية بالطرق الليبرالية، أي أنه عبَّر عن نيته الالتزام بالنموذج الليبرالي. فكتب له هذا الأخير قائلاً: "أتظن أن بإمكانك أن تقيم مثل هذه الدولة بدون خديعة وإرهاب؟ ". وما فعله جومبلوفيتش هو أنه درس المنطق الصهيوني الداخلي ودرس التجارب المماثلة وتَوصَّل إلى أن هرتزل ساذج وأن نواياه الطيبة ودوافعه الليبرالية لا علاقة لها بالنموذج أو الظاهرة التي ستتحقق والتي تحققت في نهاية الأمر بكل ما صاحبها من طرد وبطش وتهجير وإبادة. وقد علق أحد المؤرخين الإسرائيليين على نوايا هرتزل الطيبة بقوله: "إنه يود أن يطبخ أومليت دون أن يكسر البيض"، فنموذج الأومليت وتَحقُّقه يتطلب ويحتم بنية كسر البيض! وفي هذه الموسوعة، حاولنا تَجاوُز الادعاءات والأقوال الصهيونية لنصل إلى البنية الكامنة التي تشكَّلت في الواقع. ونحن نميل إلى التفرقة بين النوايا والديباجات من جهة، والبنية من جهة أخرى.
الديباجة
стр. 248
تعني كلمة «ديباجة» حسب معجم الرائد: "١ـ القطعة من الديباج (ثوب لحمته وسداه من الحرير) ؛ ٢ ـ من الوجه (حُسْنُ بَشرَته) ؛ ٣ ـ من الكتاب (فاتحته) ؛ ٤ ـ ديباجة الكاتب (أسلوبه) ". وبالتالي تفترض الكلمة وجود مسافة بين الشكل والمضمون وبين الظاهر والباطن وبين الواقع والاعتذاريات، ولكنها لا تستبعد في الوقت نفسه إمكانية التوافق التام والامتزاج (فحُسن بشرة الوجه قد يكون رمزاً جيداً ينم عن شخصية صاحبه، وقد يكون قناعاً يخبئ ما وراءه، وكذا الثوب والأسلوب) . ومن ثم، فهي كلمة يمكن أن نصفها بأنها مركبة. ونحن نرى أنها مصطلح مهم يمكن أن تستفيد منه العلوم العربية الإنسانية في محاولة دراسة ظاهرة ما، إذ يمكن تفتيتها مع الاحتفاظ بوحدتها. وفي الظواهر ذات الطابع الأيديولوجي الحاد، مثل النازية، التي تصاحبها اعتذاريات مصقولة تحاول فرض تفسير ما على حَدَث أو فعل، فإنها تصبح مصطلحاً حيوياً ومهماً. وفي ظاهرة مثل الصهيونية تشارك فيها قوى مختلفة (متحالفة ومتصارعة، يحاول كل منها أن يفرض تفسيره عليها بما يتفق مع مصلحته وبما يمليه عليه موقعه) ، يصبح مصطلح «الديباجة» ضرورياً، وربما حتمياً. وتحل كلمة «ديباجة» إشكالية الفرق بين النموذج من جهة والأقوال والنوايا من جهة أخرى.
الكلى والنهائى
يُوصَف «المعرفي» بأنه ما يتعامل مع الظاهرة من منظور «كلي ونهائي» . و «الكلي» مقابل «الجزئي» هو ما يُنسَب إلى الكل. و «الكل» في اللغة اسم لمجموع أجزاء الشيء. وكلمة «كلي» في هذه الموسوعة تفيد الشمول والعموم، وهي لا تعني الكليات بالمعنى الفلسفي، أي الحقائق التي لا تقع تحت حكم الحواس بل تُدرَك بالعقل والمنطق وحسب. وعلى هذا، فإن كلمة «كلي» في هذه الموسوعة تشمل كل شيء في جوانبه كافة؛ ما يقع منها تحت حكم الحواس وما لا يقع.
стр. 249
أما كلمة «نهائي» فهي كلمة منسوبة إلى «نهاية» ، ونهاية الشيء غايته وآخره وأقصى ما يمكن أن يبلغه الشيء. قال ابن سينا "النهاية ما به يصير الشيء ذو الكمية إلى حيث لا يوجد وراءه مزاد شيء فيه".
المسلمات الكلية والنهائية للنموذج (الركيزة النهائية)
عملية الإدراك، في أبسط أشكالها، تتم من خلال نماذج. والنماذج هي نتاج عملية تجريد وانتقاء، تُبقي وتستبعد، تُضخَّم وتُهمَّش. وعملية التضخيم والاستبعاد لابد أن تتم في إطار رؤية معيَّنة (نموذج إدراكي) هي مصدر اليقين الخاص بالنموذج ومعياره الداخلي الذي يتكون من معتقدات وفروض ومسلمات وإجابات عن أسئلة كلية ونهائية تشكل جذره وأساسه العميق وتزوده ببعده الغائي النهائي، وهي جوهر النموذج والقيمة الحاكمة التي تحدد حدود النموذج وضوابط السلوك (حلال النموذج وحرامه، وما هو مطلق وما هو نسبي) وتُوجِّه الفكر والسلوك (النشاط الذهني والاجتماعي) ، فهي باختصار ميتافيزيقا والنموذج مرجعيته أو بُعده المعرفي (الكلي والنهائي) أو مسلماته الكلية والنهائية التي تجيب عن الأسئلة الكلية والنهائية.
ويمكن لهذه المسلمات الكلية والنهائية أن تأخذ أشكالاً متنوعة كثيرة نصنفها نحن في نوعين أساسيين: أن تكون الركيزة الأساسية والنهائية (المركز) كامنة في النموذج أو الظاهرة نفسها، وهذه هي المرجعية الكامنة، أو أن تكون الركيزة النهائية مفارقة للنموذج أو الظاهرة متجاوزة لهما، وهذه هي المرجعية المتجاوزة (وهذا هو الفرق بين النموذج المادي والنموذج الحلولي الكموني من جهة والنموذج المادي الروحي والنموذج التوحيدي من جهة أخرى) . ويمكن للمُسلَّمة الكلية والنهائية أن تُعبِّر عن نفسها في شكل صورة مجازية نهائية أو مجموعة صور مجازية أو أساطير.
البعد المعرفى (الكلى والنهائى)
стр. 250
كلمة «معرفي» في الخطاب الفلسفي العربي هي عادةً ترجمة لكلمة «إبستمولوجيا» ، وهي كلمة مشتقة من كلمتين يونانيتين «إبستيم» بمعنى «معرفة» أو «علم» و «لوجوس» بمعنى «دراسة» أو «نظرية» . والإبستمولوجيا هي علم دراسة ما نزعم أنه معرفة، إما عن العالم الخارجي (المادي) أو عن العالم الداخلي (الإنساني) ، وهو علم يدرس (بشكل نقدي) المبادئ والفرضيات والنتائج العلمية بهدف بيان أصلها وحدودها ومدى شموليتها وقيمتها الموضوعية ومناهجها وصحتها. والإبستمولوجيا، في اللغة الإنجليزية، هي بشكل عام نظرية المعرفة (التي تتناول العلاقة بين الذات العارفة والموضوع المعروف) . أما في اللغة الفرنسية، فهي تعني أساساً نظرية العلوم أو فلسفة العلوم وتاريخها. وقد سبب اختلاف المعنى بين المعجمين الإنجليزي والفرنسي اختلاطاً كبيراً في اللغة العربية، إذ يتخذ كل مؤلف على حدة من معجم غربي معيَّن دون غيره مرجعيته، فتظهر الكلمة في اللغة العربية بمدلولين مختلفين. وسوف نحاول أن نصل إلى تعريف يتجاوز إلى حدٍّ ما الاختلاط الدلالي.
стр. 251
وفي تصوُّرنا، فإن الكلمة تعني «كلي ونهائي» . ومن هنا، فإننا عادةً ما نضع المستوى المعرفي في مقابل المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي بل الحضاري (وهذا المعنى، رغم جدته، مُتضمَّن في كثير من تعريفات كلمة «إبستمولوجيا» ) . والإبستمولوجيا، بالمعنى الضيق للكلمة، تتناول موضوعات مثل طبيعة المعرفة ومصادرها وإمكانية تحققها ومصداقيتها وكيفية التعبير عنها، ولكنها تعني أيضاً المسلمات الكامنة وراء المعرفة. وهذا المجال الأخير ينقلنا من المعنى الضيق إلى المعنى الواسع. فالإبستمولوجيا تعني أيضاً توضيح المقولات القَبْلية في الفكر الإنساني، ولذا يذهب البعض إلى أن الميتافيزيقا تنقسم إلى: أنطولوجيا وإبستمولوجيا، وأن كل رؤية للعالم تحوي داخلها ميتافيزيقا (أي أنطولوجيا وإبستمولوجيا) . كما يرى البعض أن الإبستمولوجيا تعني «رؤى العالم» . ولتوضيح مفهوم الإبستمولوجيا بالمعنى العريض للكلمة، سنضرب بعض الأمثلة بإشكاليات وقضايا وُصفت بأنها «معرفية» و «إبستمولوجية» :
١ ـ تورد بعض المعاجم المسألة التالية باعتبارها مسألة معرفية: ما الفرق بين هذه المفاهيم: العقيدة ـ الإيمان ـ الرأي ـ الخيال ـ التفكير ـ الفكرة ـ المعرفة ـ الحقيقة ـ الواقع ـ الخطأ ـ الإمكانية ـ اليقين؟
٢ ـ تحاول الإبستمولوجيا (حسب أحد التعريفات) أن تُوضِّح الفرق بين الثنائيات المتعارضة التالية: المعرفة الذهنية مقابل المعرفة غير الذهنية ـ التبرير مقابل الوصف ـ القَبْلية مقابل البَعْدية ـ الضروري مقابل العرضي ـ التحليلي مقابل التركيبي ـ العارف مقابل المعروف ـ المدرك مقابل المدرَك ـ المعرفة المادية مقابل المعرفة الحدسية ـ الحقيقي مقابل الوهمي ـ الكلي مقابل الجزئي ـ اليقين مقابل الشك.
٣ ـ من القضايا الأساسية التي وُصفت بأنها «معرفية» قضية التناقض الأساسي في الحضارة الغربية الحديثة بين النزعة العقلية والنزعة التجريبية.
стр. 252
٤ ـ من القضايا الأخرى الأساسية في الحضارة الغربية التي وُصفت بأنها «معرفية» فكرة الجوهر وفكرة الكل. وهما في رأي البعض فكرتان مرتبطتان تمام الارتباط. فالجوهر هو الدعامة الأساسية والثابتة لكل الظواهر، وهو الناحية الأولية والكلية في الشيء. وتعتمد الظواهر على الجوهر لوجودها ولا يعتمد هو على أي شيء آخر لوجوده. ومن ثم، فإن الجوهر هو الحقيقي، وما عداه فهو وهم. والجوهر هو الباطن والوهم هو الظاهر. ولا يمكن لشيء أن يُوجَد دون جوهر، وبدونه لا يمكن أن يكون على ما هو عليه. والإيمان بفكرة الجوهر يعني الإيمان بأن ثمة ثباتاً في الواقع. وأن هناك كليات ثابتة وراء الجزئيات المتغيرة.
٥ ـ قضية الحقيقة هي الأخرى من القضايا التي تُوصَف بأنها «معرفية» : ما معيار الحقيقة؟ وقد كان الفكر الغربي حتى عصر النهضة يؤمن بنظرية التقابل بأن الحقيقي هو الشيء الذي له ما يناظره في الواقع. ثم بدأت هذه النظرية في الانحسار تدريجياً لتحل محلها نظرية التماسك، فالحقيقي هو الشيء المتماسك (بشكل عضوي) المتسق مع ذاته. وأخيراً هناك النظرية البرجماتية، وهي ترفض كلاًّ من نظريتي التقابل التماسك وترى أن الحقيقي هو ما ينجح، أي أن المنظور الوحيد هو دائماً منظور إجرائي. وهذه القضية، مثل السابقة، هي قضية ليست مقصورة على الحقل المعرفي وإنما تُناقَش أيضاً على مستوى علم الأخلاق وعلم الجمال وعلى المستوى الأنطولوجي، بل على مستوى تاريخ الأفكار وتاريخ الحضارة وفلسفة التاريخ.
стр. 253
وتبيِّن الأمثلة السابقة أن كلمة «معرفي» قد يكون لها معنى ضيق مع أنها ذات معنى واسع وعريض، وليس هناك ما يُلزمنا بأن نأخذ بالتعريف الضيق دون التعريف العريض. وهنا، تنشأ مشكلة وهي أن التعريف العريض يتداخل مع الميتافيزيقا، فالأسئلة الكلية والنهائية هي ذاتها الأسئلة التي تطرحها الميتافيزيقا، ولذا كان من الأجدى أن نتحدث عن الميتافيزيقا (وهذا ما يفعله أنصار ما بعد الحداثة) . ولكن هذه الكلمة فقدت مكانتها تماماً في اللغة العربية وفي اللغات الأوربية، سواء بين المتخصصين أو بين العامة، وأصبحت مرتبطة في العقول بالخزعبلات والخرافات، ولذا سنحتفظ بكلمة «معرفية» ونُسقط مرجعيتها المعجمية الإنجليزية (نظرية المعرفة) أو الفرنسية (فلسفة العلوم) ونرجع بالكلمة إلى المعجم العربي حيث تُعرَّف المعرفة بأنها «إدراك الشيء على حقيقته» (عَرف الشيء: أدركه بعلمه) . وحيث إننا نرى أن إدراك الشيء على حقيقته يعني ضرورة التجريد للوصول إلى المعنى الكلي أو إلى النموذج الكامن، فإن عبارة مثل «المستوى المعرفي» تعني "المستوى الذي يتم فيه إدراك الحقيقة الكلية والنهائية الكامنة وراء ظاهرة أو نص ما، ويتم ذلك من خلال عملية تجريدية تزيح جانباً التفاصيل التي يراها الباحث غير مهمة وتُبقي السمات الأصلية الجوهرية للشيء التي تشكل في واقع الأمر إجابة النص أو الظاهرة على الأسئلة الكلية والنهائية".
стр. 254
والأسئلة الكبرى أو الكلية أو النهائية هي أسئلة عما يُسمَّى في النقد الأدبي الغربي الموضوعات الكبرى (بالإنجليزية: ميجور ثيمس major themes) في حياة الإنسان، وهي أسئلة تدور حول الإنسان والإله والطبيعة. ولكن هذه المحاور الثلاثة مترابطة إلى درجة أنه يمكن من خلال التعمق في دراسة عنصر واحد الوصول إلى رؤية النموذج للعنصرين الآخرين. وفي هذه الموسوعة سنُركِّز على الإنسان: طبيعة وجوده وكيفية إدراكه للواقع وعلاقته بالطبيعة وما وراء الطبيعة والهدف من وجوده في الكون وخواص الطبيعة وسماتها الأساسية.
ويمكن تلخيص كل هذه الموضوعات الأساسية في ثلاثة محاور أساسية:
١ ـ علاقة الإنسان بالطبيعة/المادة، وأيهما يسبق الآخر: هل الإنسان جزء لا يتجزأ من الطبيعة/المادة أم هو جزء يتجزأ منها وله استقلاله النسبي عنها؟ هل الإنسان وجود طبيعي/مادي محض أم أنه يتميَّز بأبعاد أخرى لا تخضع لعالم الطبيعة/المادة؟ هل يتسم الكون بالثنائية أم تسود فيه الواحدية؟ هل الإنسان سابق للطبيعة/المادة متجاوز لها أم أنها سابقة عليه، متجاوزة له؟
٢ ـ الهدف من الوجود: هل هناك هدف من وجود الإنسان في الكون؟ هل هناك غرض في الطبيعة أم أنها مجرد حركة دائمة متكررة، حركة متطورة نحو درجات أعلى من النمو والتقدم أم حركة خاضعة تماماً للصدفة؟ ما هو المبدأ الواحد في الكون، القوة المحركة له التي تمنحه هدفه وتماسكه وتضفي عليه المعنى؟ هل هو كامن فيه أم متجاوز له؟
٣ ـ مشكلة المعيارية: هل هناك معيارية أساساً؟ ومن أين يستمد الإنسان معياريته: من عقله المادي أم من أسلافه أم من جسده أم من الطبيعة/المادة أم من قوى متجاوزة لحركة المادة؟
стр. 255
وهذه أسئلة مجردة عميقة ولكن حياة الإنسان هي محاولة للإجابة عنها. وحتى محاولة التهرب منها ورفضها يُشكِّل إجابة. ولذا، فهي تتجلى في فكره الواعي وغير الواعي وفي أعماله ذات الدلالة العميقة وفي أفعاله التي تبدو تافهة وغير ذات دلالة على الإطلاق.
والمستوى السياسي في التحليل يتوجه لأسئلة سياسية، كما أن المستوى الاقتصادي يتوجه لأسئلة اقتصادية ويحاول أن يجيب عنها بطريقة سياسية واقتصادية "محايدة" لا تصل إلى الأسئلة الكلية النهائية. فمثلاً يمكن لأحد علماء السياسة أن يقول "الأزمة السياسية لهذا المجتمع هي في جوهرها أزمة اقتصادية ويمكن حلها عن طريق رفع مستوى المعيشة والتنمية السريعة"، فهو يرى أن الأزمة السياسية تضرب بجذورها في الوجود الاقتصادي للإنسان ويتأتى حلها عن طريق آليات اقتصادية. وقد يتصور هذا العالِم السياسي أنه لم يتوجه لأية أسئلة كلية أو نهائية مثل تكوين الإنسان والهدف من وجوده ومعياريته. ولكن التحليل المعرفي المتعمق يمكنه أن يكشف أن اجابته تفترض إجابة اقتصادية (مادية) عن هذه الأسئلة الكلية والنهائية، فالإنسان هو جسد ومادة وحسب، احتياجاته ودوافعه ومعياريته اقتصادية، ومن ثم فإنه حين لا يحقق ذاته اقتصادياً تنشأ الأزمة في المجتمع ويمكن حلها عن طريق إشباع الرغبات والدوافع الاقتصادية. وإن كانت هناك دوافع غير اقتصادية فلا شك في أنها ثانوية وهامشية، ولذا فإن حل أزمة المجتمع لا يتوجه لها، كما أن عملية رصد المجتمع تستبعدها. ومن ثم فإن هناك بُعداً معرفياً كلياً ونهائياً في أي خطاب تحليلي مهما بلغ من الحيادية والتجريدية والسطحية والمباشرة.
стр. 256
ونحن نرى أن لكل كاتب تحيزاته الخفية الكامنة أو الواضحة الظاهرة، وأن السبيل الوحيد للوصول إلى نوع من الموضوعية هو أن يحاول كل كاتب أن يوضح هذه التحيزات، فالتحيز حتمي ولكنه ليس نهائياً. والتحيزات الحقيقية كامنة في المسلمات الكلية والنهائية للنموذج التفسيري الذي يستخدمه الكاتب. وقد حاولت قدر استطاعتي أن أوضح هذه التحيزات حتى يدركها القارئ ويختبرها ويقبلها أو يرفضها كلياً أو جزئياً. ونحن، كما هو واضح، في كثير من صفحات هذه الموسوعة نَصدُر عن نموذج توحيدي متجاوز يستند إلى ثنائية أساسية هي ثنائية الخالق والمخلوق، وهي ثنائية لا يمكن إلغاؤها (في تصوُّرنا) . وهي تتبدَّى في ثنائية أساسية أخرى هي ثنائية الإنسان والطبيعة. ونحن نرى أن إلغاء الثنائية يؤدي إلى القضاء على إمكانية التجاوز وإلى السقوط في الواحدية وظهور النماذج الاختزالية البسيطة. ومع هذا، فنحن لا نرى علاقة سببية بسيطة بين التوحيد والنماذج المركبة، وإنما نرى أن ثمة علاقة تفضيل اختياري بمعنى أن التوحيد يخلق تربة خصبة لظهور النماذج التفسيرية التركيبية.
стр. 257
كما نرى أن من الممكن أن تُولَد ثنائية داخل النظم العلمانية فيما يعُرف بـ «الفلسفة الإنسانية الهيومانية» ، فهي فلسفة مادية ولكنها مع هذا ترى أن ثمة ثنائية أساسية هي ثنائية الإنسان والطبيعة تعصم هذه الفلسفات من السقوط في الواحدية المادية الفظة. ورغم أن هذه الثنائية تستند (في تصوُّرنا) إلى أساس واهٍ (الاختيار الوجودي للمفكر الإنساني وإيمانه العميق بالإنسان كمطلق) ، إلا أنه يُبقي داخل النظم الإنسانية مطلقاً ما، متجاوزاً للطبيعة، يمكن استناداً إليه تأسيس نظم معرفية وأخلاقية وكذا الإفلات من قبضة الصيرورة المادية وشبح ما بعد الحداثة. ومن ثم، توجد رقعة مشتركة بين النظم الإنسانية والنظم التوحيدية، فكلاهما يستند إلى ثنائية الإنسان والطبيعة، وكلاهما لا يذعن لحركة المادة والضرورة والصيرورة، وكلاهما يؤمن بالتجاوز. ورغم اختلاف الأساس الفلسفي، إلا أن الرقعة المشتركة، على مستوى المسلمات الكلية والنهائية، تشكل أساساً راسخاً لحوار مثمر قد يخرج بنا من المأزق الذي أوصلتنا إليه العقلانية المادية وقد يؤدي إلى التوصل إلى رؤية جديدة لحداثة جديدة أكثر إنسانية وأكثر مقدرة على الاستمرار وتحقيق قسط معقول من السعادة للبشر.
الصورة المجازية
стр. 258
قد تكون لغة المجاز أحياناً مجرد زخرفة لفظية ومن قبيل المحسنات البديعية. ولكنها، في كثير من الأحيان، تكون جزءاً أساسياً من عملية التفسير والإدراك ونسيج الخطاب، ولا يمكن الوصول إلى المعنى دون إدراك علاقاتها الكامنة وتضميناتها الخفية. ونحن نذهب إلى أن معظم النصوص (المكتوبة والشفوية) ، وكل رؤية للكون، تحوي داخلها صورة مجازية أساسية. ونحن نطلق على مثل هذه الصورة اصطلاح «صورة أساسية إدراكية» لأنها صور استخدمها صاحب النموذج (بوعي أو بغير وعي) للتعبير عن نموذجه المعرفي، ولذا فإن النموذج المعرفي الكامن في النص يَتَجَّلى من خلالها بشكل متعيِّن مباشر وتظهر مرجعيته النهائية. وقد لا يمكن إدراك طبيعة النموذج وبنيته بدونها. وإن لم يصل الإنسان إلى فهم الصورة المجازية الإدراكية الأساسية، فإن كثيراً من التفاصيل ستبدو كما لو كانت تفاصيل غير مترابطة. والصورة المجازية الأساسية كامنة عادةً، لكن درجة كمونها تتفاوت من نسق فكري إلى آخر. وما يحدث هو أن عقل المُفسِّر يتوصل إلى الصورة المجازية الأساسية الكامنة ويستخدمها لتحويل الأجزاء المتبعثرة إلى كلٍّ متماسك. وكما أن النماذج بنية عقلية سكونية تترجم نفسها عبر الزمان إلى متتالية، فإن الصور المجازية الأساسية يمكن أن تتطور هي الأخرى بتطور المتتالية، ولذا يمكن دراسة تاريخ الأفكار والنماذج الإدراكية من خلال دراسة تتابع الصور المجازية وتتاليها وتحولاتها.
стр. 259
وقد قمنا في هذه الموسوعة بتحليل الصور المجازية الأساسية في النصوص الصهيونية. كما درسنا الصهيونية باعتبارها تعبيراً عن الاتجاه القومي العضوي، وعلى أساس أن الصور المجازية العضوية مركزية في النموذج الصهيوني (شأنه في هذا شأن معظم النماذج الشمولية مثل النازية والفاشية) . وقد استخدمنا صورة النموذج الجيولوجي التراكمي لدراسة العقائد والجماعات اليهودية. وحلَّلنا الصور المجازية القبَّالية مثل الآدم قدمون وتهشم الأوعية (شفيرات هكليم) ، وبيَّنا علاقة صورة الجسد والجنس والرحم بالنظم الحلولية.
الوصف المكثف ولغة المجاز
«الوصف المكثَّف» ترجمة لعبارة «ثيك ديسكربشان thick description» وهي عبارة من كتابات الأنثروبولوجي كليفورد جيرتز. وآلية الوصف المكثف مأخوذة من عالم الأدب. فالقصيدة الشعرية، على سبيل المثال، هي نص ذو معنى مُركَّب كُتب بلغة ثرية يحتوي على العديد من التفاصيل المتعينة التي تتجاوز أحياناً المعنى الظاهر والمباشر.
والباحث الواعي يعرف أن آلاته التحليلية (ونماذجه التفسيرية) هي في واقع الأمر، ومهما بلغت من دقة، نماذج لا يمكنها الإحاطة بشكل كامل بالواقع الحي، ويعرف أن بعض أبعاد هذا الواقع تظل خارج حدود النموذج. ولذا، فهو يلجأ إلى الوصف المكثف، أي يصف الظاهرة أو بعض جوانبها بشكل أدبي متعيِّن لعل القارئ قد يصل إلى بعض الدلالات الخفية التي فشل النموذج التحليلي إلى توصيلها. والوصف المكثف بهذا المعنى يتجاوز النموذج دون أن يلغيه، ويتحداه دون أن يرفضه، ويُعدِّله دون أن يقوضه.
ويمكننا أن نقول الشيء نفسه عن استخدام لغة المجاز، فهي محاولة للوصول إلى بعض المعاني المُتضمَّنة والمركبة التي تعجز اللغة التحليلية المباشرة عن توصيلها. وقد لجأ كاتب الموسوعة إلى الوصف المكثف في كثير من مداخلها.
صياغة النموذج وتشغيله
стр. 260
صياغة النموذج التفسيري التحليلي عملية مركبة وإبداعية تتضمن عمليات عقلية عديدة متنوعة ومتناقضة. فالنموذج لا يوجد من العدم أو من أعماق الذات وثناياها وحدها (كما قد يتراءى للبعض) ، وإنما هو ثمرة فترة طويلة من ملاحظة الواقع والاستجابة له ومعايشته والتفاعل معه ودراسته والتأمل فيه وتجريده وبعد التوصل إلى نموذج يتم اختباره وإثراؤه وإعادة اختباره (إلى ما لا نهاية) . إن النموذج كأداة تحليلية يربط بين الذاتي والموضوعي ولذا يمكن القول بأن عملية صياغة النموذج تجمع بين الملاحظة الإمبريقية واللحظة الحدسية، وبين التراكم المعرفي والقفزة المعرفية، وبين الملاحظة الصارمة والتخيل الرحب، وبين الحياد والتعاطف، والانفصال والاتصال. وهو يفتح مجال البحث العلمي من خلال الخيال الإنساني ومقدرته على التركيب وعلى اكتشاف العناصر والعلاقات الكامنة، ولكنه في الوقت نفسه يكبح جماح هذا الخيال بأن يجعل النتائج خاضعة للاختبار، وهي مسألة تقع خارج ذاتية من صاغ النموذج. وبدون كل هذه العمليات المركبة، يحل محل النموذج التحليلي المركب فرضية اختزالية شائعة (أي نموذج اختزالي شائع) ، وتصبح الملاحظة عملية اختزال للواقع ويصبح البحث عملية توثيق أفقية مملة، هي تأييد للأطروحات السائدة في حقل ما.
стр. 261
- تبدأ عملية صياغة النموذج بإدراك أن المعطيات الحسية في ذاتها لا تقول شيئاً، وأن المعلومة ليست النهاية وإنما البداية، وأنها ليست حلاًّ للإشكالية وإنما هي الإشكالية ذاتها. فإن قُلت إن زيداً ضرب عمراً فهذا مجرد خبر يحتمل الصدق أو الكذب في ذاته كما يقول البلاغيون العرب. ولا يمكن إقرار مدى صدقه أو أهميته أو دلالته، كما لا يمكن فهمه في ذاته، فهو حدث مادي محض. كما لا يمكن التعميم منه، فهو يكاد يكون دالاً دون مدلول (كلاماً دون معنى) . أو ذا معنى خاص جداً أو معنى عام جداً، تماماً كما لو قُلت "فستان أحمر" و"قطة زرقاء" ولن يُضير كثيراً إن أضفت و"كلب أخضر".
- ينطبق نفس الشيء على أي نص (قصيدة ـ إعلان ـ خبر صحفي) ، فرسالته ليست أمراً بسيطاً يوجد في السطح وفي المعنى المباشر للكلمات، فهي ليست مجرد كلمات مرصوصة جنباً إلى جنب.
- يجب أن يُدرك الباحث أنه لا يأتي للنص أو للظاهرة بعقل يشبه الصفحة البيضاء، وإنما بعقل مُثقل بالإشكاليات والأنماط والتساؤلات، عقل له مسلماته الكلية والنهائية، وهذا ما سماه بروفسير ديفيد كارول David Carroll «ما قبل الفهم» (بالإنجليزية: بري أندرستاندنج pre-understanding) ، وهذا لا يعني بالضرورة السقوط في الذاتية، بل بالعكس فإدراك الباحث أنه يأتي للظاهرة وللنص مسلحاً (أو مثقلاً) ببعض الأفكار والتساؤلات والتحيزات والمسلمات، يجعله قادراً على الاحتفاظ بمسافة بينه وبينها وإخضاعها للتساؤل وتجاوزها إن ظهر عجزها التفسيري. كما أن إدراكه لوجود مقولات قَبْلية كامنة فيما قبل الفهم أو الفهم المسبق تمنعه من أن يسقط صريع المقولات العامة المهيمنة التي نقبلها باعتبارها حقائق كلية نهائية (مثل التقدم ـ الصراع ـ البقاء) ولا نُخضعها للتمحيص. ومعظم هذه المقولات في حالتنا مستوردة من العالم الغربي، ولذا وصف أحد الباحثين هذه الحالة بأنها «إمبريالية المقولات «.
стр. 262
- صياغة النموذج في جوهرها هي عملية تفكيك للظاهرة (أو النص) وإعادة تركيب لها. وإن كان ينبغي ملاحظة أن النص عادةً ما يكون أكثر تماسُكاً ووحدة من الظاهرة التي تتسم بقدر من التناثر. ولذا، فإن صياغة النموذج لدراسة الظواهر تختلف عن صياغة النموذج لدراسة النصوص، ومع هذا، فثمة وحدة أساسية بين الأمرين.
- تبدأ عملية التفكيك بأن يُقسِّم الباحث الظاهرة أو النص إلى وحدات منفصلة بعضها عن البعض.
- يقوم الباحث بعد ذلك بتجريد هذه الوحدات، أي عزلها إلى حدٍّ ما عن زمانها ومكانها المباشر وعن ماديتها المباشرة (فهو بهذه الطريقة وحدها يمكن أن يربط الواحدة منها بالأخرى وبغيرها من التفاصيل (.
- يربط الباحث هذه الوحدات الصغيرة ويجعل منها مجموعات أكبر.
- يُجرِّد الباحث هذه المجموعات الأكبر ثم عليه بعد ذلك أن يربط بينها وأن يضع كل مجموعة من المجموعات المجردة المتشابهة داخل نمط مستقل، إلى أن يضع كل المجموعات (بكل ما تحوي من وحدات وتفاصيل) داخل أنماط مختلفة.
- يقوم الباحث بعد ذلك بتجريد هذه الأنماط نفسها، ويحاول من خلال عمليات عقلية استنباطية أن يُدخلها في أنماط من التشابه والاختلاف أكثر تجريداً. عندئذ، ستبدأ العبارات المحايدة والتفاصيل المتناثرة تكتسب معنى محدداً أو أبعاداً أكثر عمقاً. وتبدأ ملامح النموذج في الظهور.
- حتى هذه اللحظة يتحرك الباحث داخل حدود الظاهرة أو النص لا يفارقهما، فهو يقوم بعمليات تجريد من الداخل، ولكن لابد أن يترك تلك الحدود ويتحرك خارجها، إذ لابد أن يحاول المقارنة بين ما توصَّل إليه من أنماط (وتفاصيل وإشكاليات) وأنماط مماثلة خارج الظاهرة نفسها، فهذا من أفضل السبل للتوصل إلى أنماط ذات مقدرة تصنيفية وتفسيرية عالية.
стр. 263
- لابد أن يُركِّب الدارس مجموعة من الأنماط الافتراضية ويجرب مقدرتها التفسيرية فيستبعد الأنماط ذات المقدرة التفسيرية الضعيفة ويُبقي الأنماط ذات المقدرة العالية إلى أن يكتشف الأنماط الأكثر تفسيرية فيُعدِّلها ويُكثِّفها.
- لابد أن يرصد الباحث الأنماط من خلال عدة متتاليات: متتالية مستقرة لها مقدرة تفسيرية عالية وتتعامل مع ما هو كائن، وأخرى احتمالية تتعامل مع ما هو كائن وما يمكن أن يكون، وثالثة مستحيلة بمعنى أن يكون جاهزاً لإدراك لحظات الانقطاع الكامل.
- يُلاحَظ، في عملية البحث عن أنماط، أن الدارس لابد أن يبدأ بملاحظة ما يمكن تسميته «التفاصيل القلقة» ، فهي غير مستقرة ولا تتبع نمطاً واضحاً، وبالتالي قد تقوده إلى أنماط جديدة.
- الصور المجازية منبع خصب للوصول إلى النماذج التحليلية أو الكامنة، فالصورة المجازية ترجمة مباشرة غير واعية أحياناً لطريقة تنظيم النص. ولذا، لابد وأن يحاول الباحث رصد التعبيرات المجازية وتحليلها لأنه سيصل من خلالها إلى الأنماط الكامنة في النص.
- من المهم بمكان أن يدرك الباحث أن عملية صياغة الإشكاليات الأساسية والتوصل للنمط الأساسي الكامن وتصنيفه وإعطائه مضموناً متعيناً لا يمكن أن تتم من خلال تحليل داخلي بنائي محض وحسب، ولا يمكن أن تتم إلا من خلال معرفة الباحث بالأنماط (والإشكاليات) التاريخية والثقافية المحيطة بالظاهرة أو النص والتي تشكل مرجعيتها. ولذا، لابد أن يقوم الباحث بتثقيف نفسه فيما يتصل بالموضوع موضع الدراسة حتى يصبح أفقه أكثر اتساعاً من أفق اللحظة المباشر والإدراك المباشر للظاهرة.
- أثناء عملية التجريد، يجب أن تظل عيون الباحث على التفاصيل حتى لا يتوه في الكل ويهمل الجزئيات، وحتى لا يطفو على سطح العموميات مهملاً المنحنى الخاص للظاهرة (لابد من التحليق والتحديق، على حد قول جمال حمدان) .
стр. 264
- أثناء محاولة الوصول إلى الأنماط الكامنة، لابد أن تتضمن الأنماط والمتتاليات الافتراضية عناصر من الواقع كما هو في الحقيقة، وعناصر من الواقع كما يتخيله الآخر، ومن الرموز التي يدرك الواقع من خلالها، ومن المعاني التي يُسقطها عليه، كما لابد أن تتضمن الحدود الواقعية المادية والإمكانيات الكامنة والطموحات المثالية، فبدون تضمين هذه العناصر في النمط الافتراضي ستُستبعَد العناصر غير المادية ولن يتم رصدها.
- ستؤدي هذه العملية (بإذن الله) إلى الوصول إلى إدراك النمط الأساسي الكامن وراء كل هذه الأنماط المتشابهة أو المتنوعة والمتناقضة.
- بعد هذه العملية، لابد أن يحاول الباحث اكتشاف البُعد المعرفي الكامن وراء كل هذه الأنماط، فهو وحده الذي سيحدد جوهر الرؤية الكامنة للكون وراء الأنماط (رؤية الإنسان والطبيعة والإله) .
- عند هذه النقطة، يمكن للباحث أن يعيد ترتيب الأنماط وتركيبها حسب أهميتها، وأن يربط بعضها ببعض داخل منظومة متكاملة بطريقة تجعل العلاقات بينها تشاكل ما يُتصوَّر أنه العلاقات الجوهرية بين عناصر الواقع.
стр. 265
ويمكننا الآن أن نضرب مثلاً بإحدى الظواهر ولتكن واقعة ضرب زيد لعمرو، حيث يمكن أن نرصد عدد المرات التي ضرب فيها زيد عمراً، ويمكن أن نسأل هل يضرب زيد عمراً أم أنه يضرب آخرين أيضاً؟ وما السمة الأساسية في هؤلاء الذين يضربهم زيد؟ ونبدأ في تجربة هذه العناصر ونسأل: هل من يضربهم زيد من الفقراء أم هم من الأغنياء؟ من السود أم من البيض؟ من الذكور أم من الإناث؟ وهل الضرب يتم كل يوم أم في فصول معيَّنة؟ ثم بعد قراءة كُتب التاريخ، نسأل: لم استولى جد زيد على أرض عمرو؟ هل هناك علاقة بين الضرب والاستيلاء على الأرض؟ وما مصلحة زيد من الناس في عملية البطش المستمرة هذه؟ هل يدرك كل من زيد وعمرو طبيعة علاقتهما؟ هل يقبلانها، أم أن عمراً يرفضها ويتمرد عليها؟ ما الرؤية الكامنة للكون في هذه العلاقة؟ هل يريد زيد أن يجعل من عمرو مادة استعمالية يوظفها لحسابه؟ وهل يرى عمرو نفسه باعتباره مادة أم يرى نفسه باعتباره بشراً كاملاً؟
ولنضرب مثلاً بنصين مكتوبين، وهما حديثان شريفان: قال رسول الله ﷺ "عُذِّبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت فدخلت فيها النار، فلا هي أطعمتها وسقتها إذ هي حبستها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض". أما الحديث الثاني فهو قول رسول الله ﷺ "بينما رجل يمشي، فاشتد عليه العطش فنزل بئراً فشرب منها ثم خرج، فإذا هو بكلب يلهث، يأكل الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي، فملأ خفه ثم أمسكه بفيه، فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له. قالوا: يا رسول الله وإن لنا في البهائم أجراً؟ فقال: في كل ذات كبد رطبة أجر" (أي في كل حي من الحيوان والطير ونحوهما) .
стр. 266
وبإمكان الباحث أن يقوم بتقسيم الحديثين إلى وحدات مختلفة تشكل عناصرهما الأولية. ويمكن القول بأن العناصر الأولية في الحديث الأول هي: امرأة ـ قط ـ جوع ـ زيادة الجوع ـ موت ـ جهنم. أما العناصر الأولية في الحديث الثاني فهي: رجل ـ كلب ـ عطش ـ سُقيا ـ حياة ـ جنة.
عند هذه اللحظة، سيقف الحديثان كما لو كانا متناقضين، ففي الحديث الأول امرأة وفي الثاني رجل، وفي الأول هرة وفي الثاني كلب، وفي الأول جوع وفي الثاني عطش، وفي الأول بطش بالحيوان وزيادة الجوع، وفي الثاني رفق بالحيوان وري للعطش، وينتهي الحديث الأول بالموت وجهنم وينتهي الثاني بالحياة والجنة. وتحليل المضمون السطحي دائماً يقف عند هذا المستوى لا يتجاوزه وينهمك الباحث في إحصاء عدد الكلمات!
ولابد أن نزيد مستوى تجريدنا قليلاً بحيث تتجاوز عناصر كل حديث الفضاء الزماني والمكاني المباشر لكل منهما، حتى يمكن رؤيتهما في علاقة كل منهما بالآخر. وستأخذ عملية التجريد الشكل التالي: المرأة والرجل يجردان إلى إنسان ـ القطة والكلب: حيوان ـ الجوع والعطش: حالة طبيعية (حياة ـ موت) ـ البطش بالحيوان وزيادة الجوع والرفق بالحيوان وري العطش: فعل إنساني ـ موت القطة وحياة الكلب: نتيجة مادية ـ الجنة والنار: نتيجة روحية.
ثم نزيد من التجريد على النحو التالي: فاعل ـ مفعول ـ فعل ـ عاقبة. والإنسان هو الفاعل، والحيوان هو المفعول به، وثمة فعل يؤدي إلى نتيجة.
стр. 267
ويمكن، عند هذه النقطة، أن نرتفع بالعملية التجريدية إلى المستوى المعرفي ورؤية الكون. ولابد من معرفة بعض المفاهيم الأساسية الحاكمة في الإسلام (الاستخلاف ـ الأمانة ـ وضع الإنسان في الكون) فهذا سيساعدنا على الوصول إلى البُعد المعرفي وإلى تحديد العلاقة بين الإنسان (الفاعل) والحيوان (المفعول به) . ومن كل هذا سنستنتج أن الحديثين يتحدثان عن علاقة الإنسان بالطبيعة وهي علاقة استخلاف واستئمان، فالإنسان يُوجَد في مركز الكون لأن الله كرمه وحباه عقلاً وحكمة. وقد أعطاه الله الطبيعة ولكنه ليس صاحبها فقد استخلفه الله فيها وحسب، وقد قَبل هو أن يحمل الأمانة، ولذا فلا يجوز أن يبددها وكأنه وحده في الكون: كائن لا متناه متأله. (لابد أن نشير هنا إلى الفلسفة البنيوية التي ترصد الواقع من خلال نماذج رياضية ولغوية عامة وتظل تُصعِّد مستوى التجريد لتصل إلى ثنائيات متعارضة عامة أو قيمة لغوية لا تقل عمومية. وهذا المستوى من التجريد وهذا المفهوم للنموذج يختلف تماماً عما نطرحه هنا) .
стр. 268
- بعد تصاعدُ معدلات التجريد وظهور الأنماط الأساسية وربطها داخل منظومة متماسكة وبعد أن يتوصل الباحث إلى معالم النموذج التحليلي الذي يمكن من خلاله فهم الظاهرة أو معالم النموذج المعرفي الكامن في النص، ينبغي أن يدرك أن هذه ليست النهاية، بل هي بداية عملية جديدة إذ يتعيَّن عليه العودة إلى النص أو الظاهرة لاختبار المقدرة التفسيرية للنموذج (الذي صاغه أو اكتشفه) . فقد يكتشف الباحث بعض العناصر أو الجوانب التي لم يتوجه إليها النموذج، فيحاول أن يوسع نطاقه حتى يستوعب هذه العناصر ويفسرها. ثم يعود الباحث بعد ذلك ليختبر النموذج مرة أخرى، فعملية الصياغة عملية حلزونية، لا نهائية، مستمرة مادامت التطبيقات ممكنة على حالات مختلفة، ولا شك في أن النموذج يزداد ثراء بتعدد تطبيقاته. بل قد تتغيَّر هويته تماماً بعد أن يحاول تفسير بعض الحالات التي تشكل انقطاعاً جذرياً.
- يستطيع الباحث أن يزيد من ثراء النموذج (وتماسكه وترابطه) بأن يُجري بعض العمليات العقلية الاستنباطية ويتخيل مواقف مختلفة لم تتحقق في الواقع.
- إذا تمت عملية التفكيك والتركيب في إطار اختزالي، فإن ثمرة العملية ستكون نموذجاً اختزالياً. أما إذا تمت في إطار مركب، فإن الثمرة ستكون نموذجاً مركباً.
- إن تمت عملية التفكيك والتركيب في إطار نموذج مستقر مهيمن فهي عملية تطبيقية. ولكن بإمكان الباحث أن يقوم بعملية تفكيك وتركيب في إطار نماذج ومسلمات جديدة، وهو ما يؤدي إلى إعادة تفسير المعلومات تفسيراً جديداً ومن ثم يُعاد تصنيفها على أسس جديدة، وحينذاك يكون النموذج نموذجاً تأسيسياً.
стр. 269
- من الضروري أن يدرك الباحث أن عملية التجريد (بما تنطوي عليه من تفكيك وتركيب) هي تاكتيك منهجي، فعناصر أية ظاهرة هي في نهاية الأمر غير منفصلة عن بعضها البعض ولا عن الظاهرة التي تنتمي إليها، فالظاهرة توجد ككل مُتعيِّن غير قابل للتجزيء. ولذا، لابد أن يذكِّر الباحث نفسه أن النموذج أشبه بالصورة المجازية التي لا تعكس الواقع وإنما تفسره، ولا تحيط بكل تفاصيله وإنما تحاول الوصول إلى جوهره.
- يمكن القول بأن عملية التفكيك والتركيب ونحت النماذج هي عملية «استنطاق» (أي «دفعه إلى النطق» ) . فما يحدث هو أن الباحث حين يتوصل للنموذج الكامن في نص ما ويحدد مفرداته ومفاهيمه الأساسية الكلية فإنه يصبح في مقدوره إضافة مفردات ومفاهيم أخرى غير منظورة ولكنها مُتضمَّنة في النص (ما بين السطور) ، وتُستخدَم هذه الكلمات والمفاهيم في ملء بعض الفراغات التي قد توجد في النص أو الظاهرة. وبهذه الطريقة، نحدد المعنى الدقيق لمفردات نص أو ظاهرة عن طريق ربط الجزئي بالكلي والظاهر بالكامن. والنموذج، بهذا، يوضح المسلمات (أو الكليات القَبْلية) الكامنة في الخطاب الإنساني، كما يوضح المعنى المقصود من المفردات.
- يتم تشغيل النموذج من خلال عمليتي تفكيك وتركيب تشبه تماماً عملية صياغة النموذج.
وغني عن القول أن الجهد الفكري الأساسي في هذه الموسوعة ينصب على محاولة صياغة مجموعة من النماذج التحليلية المركبة وتوضيح العلاقة بينها وربطها وتطبيقها على مجموعة من النصوص والظواهر اليهودية والصهيونية. وقد تمت عملية التفكيك والتركيب في إطار مسلمات جديدة، ومن هنا فهي موسوعة تأسيسية.
المقدرة التنبؤية للنموذج
стр. 270
يمكن القول بأن النموذج كلما ازداد إحاطة بجوانب الظواهر وأبعادها المختلفة، أي كلما ازداد تركيبية، زادت مقدرته التفسيرية والتنبؤية. ونحن نرى أن استرداد العامل الإنساني (بدوافعه ورؤاه وذكرياته وأحزانه وأفراحه ومصالحه ومصلحته الحقيقية والمتخيلة) هي أهم عناصر التركيب، ومن ثم أهم العناصر في زيادة المقدرة التنبؤية للنموذج. وقد يكون من المفيد أن أضرب مثلاً بمحاولة سابقة قمت بها في محاولة رصد الواقع من خلال نموذج مركب وكيف أن زيادة التركيب تؤدي إلى زيادة المقدرة التفسيرية والتنبؤية. فقد نشرت في جريدة الرياض (المملكة العربية السعودية) مقالاً بعنوان "إلقاء الحجارة في الضفة الغربية" وذلك في ٢٤ فبراير ١٩٨٤. وتنبأت في هذا المقال بأن استخدام الحجارة سيكون أحد أشكال النضال الأساسية. والواقع أنني توصَّلت إلى هذه النتيجة من خلال عملية مركبة للغاية بدأت بإدراكي للمنحنى الخاص للوضع في الضفة الغربية. كنت أتحدث في القاهرة مع إحدى طالباتي الفلسطينيات من غزة، ولاحظت مدى ازدرائها للإسرائيليين وعدم خوفها منهم. وبدأت ألاحظ أن فلسطينيي الداخل غير منكسرين على عكسنا نحن عرب الخارج، فالفاعل الإنساني العربي هنا قوي متماسك. ثم قرأت إعلاناً عن إحدى المستوطنات الصهيونية في الضفة الغربية، فلم أجد فيه إشارة واحدة لأرض الميعاد أو صهيون أو المُثُل "العليا" الصهيونية، أي أن الفاعل الإنساني الصهيوني محايد غير مكترث، متمركز حول ذاته.
стр. 271
وبعد أن استرجعت كلاً من الفاعل الإنساني العربي والصهيوني، بدأت أرصدهما في تفاعلهما ومواجهاتهما اليومية، فأدركت أن الفاعل الصهيوني يدرك العالم من خلال حرصه الشديد على المعدلات الاستهلاكية مادية العالية التي يتمتع بها، ولذا فهو لا يملك إلا أن يسقط هذه الرؤية على العرب فيدركهم من خلال رؤيته هو للعالم. إنطلاقاً من هذا أشرت ـ في مقالي ـ إلى الوهم الإسرائيلي الذي يستند إلى الرؤية المادية بأن «المقاومة قد اجتُثَّت تماماً من جذورها» وأن هناك علامات وقرائن على ما سماه الجنرال بنيامين بن أليعازر (منظم الأنشطة في الضفة الغربية وحاكمها العسكري) " الاتجاه المتردد أو الحذر نحو البرجماتية " والذي يعني في نهاية الأمر «التكيف مع الأمر الواقع وتَقبُّله» (الجيروساليم بوست ١٤ نوفمبر ١٩٨٣) . وقد رأى الجنرال إمكانية تقوية هذا الاتجاه عن طريق إنشاء عدد أكبر من البنوك والشركات الاستثمارية، أي عن طريق إشباع حاجات العرب الاقتصادية وإغراق هويتهم، الأمر الذي يؤدي إلى استغراقهم فكرياً في أمور الدنيا والمال بدلاً من قضايا الوطن والأرض والهوية!
ولم تكن الولايات المتحدة بعيدة عن هذا الاتجاه التطبيعي البرجماتي، فقامت الولايات المتحدة (كما أذكر في المقال) بمد يد المساعدة إلى الجنرال الإسرائيل المذكور، فدُعي إلى الولايات المتحدة ليجتمع مع وزير الخارجية الأمريكية وكبار موظفي الوزارة ليبحث معهم كيفية تحسين مستوى معيشة العرب في الأرض المحتلة (أي مزيد من البنوك) وكيف يمكن أن تساهم الولايات المتحدة في تخفيف حدة بعض جوانب الاحتلال الإسرائيلي عن طريق المساعدات الفنية والتنموية.
стр. 272
وبعد أن عرضت للرؤية الصهيونية المادية الاختزالية للعرب، حاولت أن أحدد الحالة العقلية والنفسية للصهاينة والأهداف المحددة التي يرمون إلى إنجازها، فوصفت الاستعمار الصهيوني بأنه استعمار استيطاني إحلالي لا يود استغلالنا أو استغلال مواردنا الطبيعية وحسب (كما كان الحال مع الاستعمار الإنجليزي في مصر) وإنما يرمي إلى ما يلي:
١ ـ استلاب الأرض.
٢ ـ العيش فيها ناعماً براحة البال والهدوء.
٣ ـ أن يسلبنا أسباب الحياة والاستمرار حتى نرحل من الأرض ليحل محلنا فيها.
والمستوطنون الصهاينة، في تصوُّرنا، هم أساساً مرتزقة، ولكن بينما كان القدامى منهم على استعداد لتَحمُّل شظف العيش وإرجاء الإشباع وانتظار المكافأة المادية المؤجلة، نجد أن المستوطنين الجدد، مع تَزايُد معدلات العلمنة، يُصرون على تحقيق مستويات معيشية وأمنية عالية عاجلة دون تأجيل. ولذا، فإن المنظمة الصهيونية تدفع لهم الرشاوي الباهظة على هيئة منازل مريحة وطرق مُعدَّة خصيصاً لهم ومدارس لأطفالهم وحراسة مشددة حتى ينعموا بالعيش في هواء «أرض الميعاد المكيَّف» . إن النموذج الإدراكي للصهاينة نموذج آلي اختزالي مادي، وبالتالي كانت رؤيتهم للعرب ولأنفسهم آلية اختزالية مادية.
стр. 273
في مقابل ذلك، رصدت موقف العرب فلاحظت أنهم يرفضون الانصياع للنموذج الاختزالي المادي الذي يُطبَّق عليهم. وقد لاحَظ الجنرال بن أليعازر نفسه أن العرب يُلقون بالحجارة على الإسرائيليين، وصرَّح لجريدة معاريف (١٤ نوفمبر ١٩٨٣) بأنه قرر وضع حد لظاهرة إلقاء الحجارة. ثم بعد يومين اثنين، اصطحب الجنرال الإسرائيلي البرجماتي أحد مؤسسي روابط القرى لافتتاح مبنى بلدية جديد في إحدى مدن الضفة. ولكن الجماهير الفلسطينية العنيدة لم تُبد أية برجماتية أو اعتدال أو تَقبُّل للقانون الطبيعي المادي، ولم تُقابل أبطال البنوك والاستثمارات بالزهور وإنما بالحجارة (الجيروساليم بوست ١٦ نوفمبر ١٩٨٣. وقد أشرت في المقال إلى وقائع عديدة أخرى عن إلقاء الحجارة أدَّت إلى غضب المستوطنين الصهاينة وإلى مطالبتهم الجيش الإسرائيلي بالتدخل لوضع حد لهذه الظاهرة. بل إن رئيس وزراء الكيان الصهيوني (كما ورد في الجيروساليم بوست ٢٤ يناير ١٩٨٤) اجتمع مع عضوي الكنيست من كتلة هتحيا وأخبرهما بأن إلقاء الحجارة من أسباب قلقه العميق ووعد بأن يدرس القضية شخصياً.
بعد أن رصدت ما تصوَّرته النموذج الإدراكي للفلسطينيين العرب وتَصوُّرهم لأنفسهم، حاولت أن أرصد إدراكهم لحالة الإسرائيليين النفسية والعقلية ولنموذجهم الإدراكي، فقلت بالحرف الواحد: "إن مواطني الضفة الغربية أدركوا أن كل ما يُنغِّص على المستوطنين (مكيفي الهواء) حياتهم هو في نهاية الأمر إحباط للمخطط الصهيوني"، ومن هنا أصبح إلقاء الحجارة سلاحاً أساسياً في الضفة الغربية. وتنبأت في المقال نفسه بأن هذا السلاح، رغم ضعفه وبدائيته، قد أصبح سلاحاً فعّالاً ستزداد أهميته.
стр. 274
والواقع أنني وصلت إلى ما توصلَّت إليه من نتائج لا من خلال عملية رصد خارجية لأحداث لا معنى لها تتم على مساحة، وإنما من خلال مراقبتي لبشر لهم رؤية محدَّدة تحدِّد استجابتهم وتوقعاتهم وبالتالي سلوكهم. فالصهيوني الذي يحاول أن يرفع مستوى معيشة العرب، حتى ينسوا الوطن والهوية، هو نفسه الذي يودُّ أن يتمتع بحمام السباحة في المستوطنة والذي يصر على مستويات عالية من الراحة والمتعة. والعربي الذي يرفض الانصياع للرؤية البرجماتية التي تودُّ تطبيعه وتدجينه هو نفسه القادر على أن يدرك التآكل الداخلي للمستوطنين وتحولهم إلى شخصيات شرهة مستهلكة غير منتجة. من هنا الحجر الذي قد لا يَقتُل ولكنه يُعكر صفو المستوطنين ويُسقط معنى حياتهم. ومن هنا كانت الانتفاضة.
وتهدف هذه الموسوعة إلى تحسين المقدرة التنبؤية عند العرب عن طريق صياغة نماذج تفسيرية مركبة تتسم بقدر معقول من العمومية والخصوصية.
الباب الثانى: أنواع النماذج
أنواع النماذج: مقدمة
ليست كل النماذج نوعاً واحداً. ويمكننا تصنيف النماذج على عدة أسس:
١ ـ يمكن تصنيف النماذج على أساس مدى الكمون أو الظهور (الوعي أو عدم الوعي) :
- أهم أنواع النماذج الواعية هو ما نسميه «النموذج التحليلي» . ويتسم هذا النموذج بأن من يستخدمه واع به تمام الوعي إذ يقوم الباحث بصياغة النموذج بشكل واع لرصد وتحليل الظواهر. ومثل هذا النموذج عادةً ما يتسم بقدر عال من التكامل والاتساق المنطقي الداخلي. وعادةً ما يحاول الباحث صاحب النموذج أن يوضح للمتلقي مسلماته الكلية الكامنة. لكن وعي صاحب النموذج التحليلي بنموذجه لا يعني أنه قد نفض تحيزاته عن نفسه تماماً، فهو ولا شك يخضع لنفوذ النموذج الإدراكي الذي ورثه عن مجتمعه وبيئته. ويمكن أحياناً أن يكون النموذج التحليلي هو نفسه النموذج الإدراكي.
стр. 275
- مقابل النموذج التحليلي الواعي (والمتتاليات المثالية المُفترَضة) ، نضع «النموذج الإدراكي الكامن» غير الواعي، أي النموذج الذي يُوجِّه سلوك الناس دون أن يعوا وجوده فهو يُشكِّل رؤيتهم للكون، ويُشبه قواعد اللغة الأم بالنسبة للمتحدث بها. فنحن حين نتحدث العربية لا نفكر في المبتدأ والخبر ولا في أي من القواعد التي نستخدمها إذ أننا استبطناها تماماً. والنماذج الإدراكية (غير الواعية) عادةً ما تكون غير متجانسة ولا تتسم بالنقاء أو الاتساق، بل كثيراً ما تحوي أفكاراً متناقضة مع المنطق الأساسي للنموذج (ولذا نُفضِّل تسمية هذه النماذج بـ «المنظومة» (.
٢ ـ ويمكن تصنيف النماذج على أساس مدى يقينيتها واستقرارها واحتماليتها:
- والنماذج المستقرة هي تلك التي تم تجريبها واكتسبت قدراً معقولاً من اليقينية، فهي «نماذج تفسيرية مستقرة» .
- أما النماذج الاحتمالية، فهي لا تزال فرضية منفتحة تحاول أن ترصد ما هو كامن لترى هل سينتقل من عالم الإمكان إلى عالم التحقق أم لا، كما أنها محاولة لرصد ما هو مجهول لنرى هل هو موجود بالفعل أم هو مجرد وهم، فهي «نماذج تفسيرية احتمالية» .
٣ ـ ويمكن تصنيف النموذج من واقع عملية التفكيك والتركيب ونوعيتها:
- فالتجريد يمكن أن يكون تفكيكاً بدون تركيب وثمرة هذه العملية هي «النموذج التفكيكي» .
- ويمكن أن يكون تفكيكاً ثم تركيباً على أسس جديدة. في هذه الحالة، يمكن القول بأن النموذج «نموذج تأسيسي» لأنه لم يكتف بتحليل الواقع أو النص من خلال المسلمات القائمة وإنما أعاد التفسير من خلال مسلمات ورؤية جديدة.
٤ ـ يمكن تصنيف النماذج على أساس انفتاحها وانغلاقها:
- فإن كان النموذج يحتوي على عناصر معروفة مضبوطة بحيث تكون النتائج كامنة تماماً في المقدمات، فهو «نموذج مغلق» أو «نموذج تكامل عضوي» .
стр. 276
- أما إذا كان النموذج يعترف بالمجهول ويحتوي على عناصر من المعروف والمستقر وعناصر احتمالية وعنده مقدرة على اكتشاف الجديد وغير المادي فهو «نموذج مفتوح» أو «نموذج فضفاض» أو «نموذج تكامل غير عضوي» .
٥ ـ ويمكن تصنيف النماذج من منظور تركيبيتها واختزاليتها:
- فإن كان النموذج بسيطاً، ينطوي على عنصر واحد أو عنصرين، فإنه سيختزل الواقع بأسره إلى هذا العنصر أو هذين العنصرين، والنموذج هو «نموذج اختزالي» .
- أما إذا كان النموذج مركباً ينطوي على عدة عناصر ومنفتحاً على العناصر التي قد تجدُّ وعلى ما هو مادي وغير مادي فهو إذن «نموذج مركب» .
٦ ـ ويمكن تصنيف النموذج على أساس درجة ارتباطه بالزمان والمكان أو تَجرُّده منها:
- فإن كان عنصر الزمان والمكان واضحاً فيه، فهو «نموذج تعاقبي» . ويرتبط بالنموذج التعاقبي مفهوم المتتالية النماذجية، وهي حلقات تَحقُّق النموذج في الزمان والمكان.
- أما إذا بهت عنصر الزمان واختفى فهو «نموذج تزامني» أو «نموذج بنيوي» يركز على البنية وحدها دون التعاقب التاريخي.
- ويمكن أن تستمر درجة التجريد إلى أن نصل إلى «النموذج الأوَّلي» (بالإنجليزية: آرك تايب archetype) ، وهو نموذج يتكرر عَبْر كل الأزمنة والأمكنة في اللاوعي الجمعي عند البشر، مثل اليهودي التائه أو فاوستوس أو السندباد البحري أو النبي الذي لا كرامة له في وطنه أو الشاطر حسن، وهو نموذج ساكن يتعامل مع الثوابت متحرراً تماماً من الأزمنة والأمكنة.
- ويمكن أن يصل التجريد درجة عالية تصل بنا إلى النماذج الرياضية أو اللغوية التي تحاول دراسة الواقع الإنساني من منظور العلاقات الرياضية أو القواعد اللغوية وهذه هي «النماذج البنيوية» .
٧ ـ ويمكن تصنيف النماذج على أساس الهدف الذي يرمي صاحب النموذج إلى تحقيقه:
стр. 277
- فإذا كان صاحب النموذج يتعامل مع الواقع (وخصوصاً الطبيعي/المادي) باعتباره مجموعة علاقات بسيطة يمكن رصدها بدقة، كما هي، فهو «نموذج موضوعي» (وعادةً «مادي» ) .
- أما إذا كان صاحب النموذج يتعامل مع الواقع (وخصوصاً الإنساني) باعتباره مجموعة علاقات بين عناصر بعضها معروف وبعضها مجهول وأن هذه العلاقات مركبة إلى أقصى درجة، ومن ثم فشرحها شرحاً كاملاً وردها إلى قوانين عامة مجردة أمر مستحيل ومن ثم لا مناص من أن يقنع الإنسان بعملية التفسير، فهو «نموذج تفسيري» .
٨ ـ يمكن تقسيم النماذج على أساس مفهوم العقل وعلاقته بالواقع وطبيعة الإدراك:
- فإن كان النموذج ينطوي على تَصوُّر للعقل باعتباره سلبياً متلقياً، فهو «نموذج متلقي» .
- وإذا كان النموذج ينطوي على مفهوم للعقل باعتباره مبدعاً في أية عملية إدراكية، فهو «نموذج اجتهادي» .
٩ ـ ويمكن تصنيف النماذج على أساس فكرة التراكم والتوليد:
- فإن كان النموذج موضوعياً، كان اكتساب المعرفة عملية تراكم (على صفحة العقل) وكان النموذج «نموذجاً تراكمياً» .
- وإن كان النموذج تفسيرياً، فإن اكتساب المعرفة لا يكون عملية تراكم وإنما هي أيضاً عملية إبداع وتوليد (من داخل العقل) ، وكان النموذج «نموذجاً توليدياً» .
١٠ ـ ويمكن تصنيف النماذج على أساس مدى واقعيتها ومثاليتها:
стр. 278
- فإن أخذنا مفهوم «مثالي» بمعنى «مُتخيَّل» أو «غير متحقق بعد» أو «ما ينبغي أن يكون» ، فإننا نضع «النموذج المتحقق الفعلي» مقابل «النموذج المثالي» أي الذي لم يتحقق بعد، ويكون النموذج حينذاك منتمياً إلى عالم الآمال والتوقعات والبرامج الثورية. فالاشتراكية في الاتحاد السوفيتي كانت حلماً وصورة مُتخيَّلة إذ تصوَّر الناس أنهم لو فعلوا كذا وكذا لحققوا العدالة في المجتمع والسعادة للأفراد. ونحن نذهب إلى أن النموذج يتحقق من خلال متتالية متعددة الحلقات، وما حدث في المجتمع الاشتراكي أنه حينما تتابعت حلقاته ظهر أن النتيجة النهائية (المتتالية التي تحققت بالفعل) عكس ما كان مُتوقَّعاً (المتتالية المفترضة أو المثالية) ، وأن الأحلام لم تكن سوى كوابيس.
- ولكن كلمة «مثالي» تعني أيضاً أنه يدور في إطار المرجعية المتجاوزة للمادة. و «النموذج المثالي» بهذا المعنى هو النموذج الذي يحوي عناصر لا تنتمي للواقع المادي وتتجاوزه. ويمكن أن نضعه مقابل «النموذج الواقعي أو المادي» الذي يدور في إطار الطبيعة/المادة.
١١ ـ ويمكن تصنيف النماذج على أساس الصورة المجازية الأساسية الكامنة فيها فنقسمها (على سبيل المثال) إلى «نماذج عضوية» وأخرى «آلية» أو «جيولوجية تراكمية» .
١٢ـ ويمكن تصنيف النماذج على أساس مضمونها المباشر:
- فيمكن أن يكون المضمون هو السياسة فنقول «نموذج سياسي» أو «نموذج اقتصادي» وهكذا.
стр. 279
- من أهم أنواع النماذج «النموذج الحضاري» وهو النموذج الذي نتصور أنه النموذج الحاكم في حضارة ما. ودراسة هذا النوع من النماذج محفوف بالمخاطر لأن الأبعاد والاتجاهات الحضارية التي يتم التعميم بناءً عليها، عناصر غير محسوسة أو ملموسة، توجد كامنة في الواقع، داخل آلاف التفاصيل التي لا يمكن فصلها الواحدة عن الأخرى، وهي ليست تفاصيل عادية وإنما مرتبطة بالمعنى الرمزي الذي يُسقطه الفاعل الإنساني عليها. ولذا فالتعميم، بناءً على مثل هذه الأبعاد والاتجاهات، أكثر خلافية وأقل يقينية من التعميم بناءً على العناصر الاقتصادية والسياسية. ولذا فحينما نتحدث عن النموذج الحضاري الغربي الحديث، فنحن نفعل ذلك بكثير من الحيطة والحذر.
- نحن نذهب إلى أن نموذج التأرجح بين الواحدية الذاتية (التمركز حول الذات) والواحدية الموضوعية (التمركز حول الموضوع) وبين الصلابة والسيولة هو نموذج عام له مقدرة تفسيرية عالية.
- ومن أهم النماذج التي ظهرت مؤخراً نموذج الما بعد (كما في مصطلح «ما بعد الحداثة» (.
стр. 280
ورغم أننا قمنا بفصل هذه النماذج بعضها عن بعض، فإن هذا ضرورة تحليلية وحسب، فكل النماذج رغم اختلاف مضامينها وبنيتها مترابطة. فالنموذج، مهما بلغ من سطحية ومباشرة، يحوي بُعداً معرفياً نهائياً. وأي نموذج تفسيري، تحليلي أو إدراكي، يتسم بصفات مختلفة حيث إن نموذجاً ما يمكن أن يكون نموذجاً تفسيرياً اجتهادياً توليدياً مركباًً ويكون الآخر نموذجاً موضوعياً متلقياً تراكمياً اختزالياً، وهكذا. وعادةً ما تتسم النماذج المادية الموضوعية بالتراكمية والاختزالية والانغلاق، فهي تطمح إلى أن تَردَّ الواقع بأسره إلى مستوى واحد تدركه الحواس، أما ما لا تُدركه الحواس فلا وجود له. كما أنها تحاول أن تفسر الواقع تفسيراً شاملاً يحيط بكل جوانبه وأن تصل إلى مستوى عال من اليقينية. هذا على عكس النماذج التي تصدر عن رؤية مادية وغير مادية في آن واحد، فهي نماذج تفسيرية اجتهادية تتسم بالتوليدية والتركيبية والانفتاح، تطمح للوصول إلى مستوى معقول من التفسيرية ولا تطمح إلى الوصول إلى تفسيرات جامعة مانعة، ولذا فهي تقنع بقدر معقول من اليقينية دون محاولة للوصول إلى اليقينية التامة.
وقد استخدمنا كلمة «نموذج» في هذه الموسوعة للإشارة لكل هذه المدلولات. وحاولنا توضيح المعنى المقصود إما صراحةً أو من خلال السياق.
النموذج التصنيفى
стр. 281
«صَنَّف الأشياء» عبارة معناها: جعل الأشياء أصنافاً وميَّز بعضها عن بعض. ومن ذلك تصنيف الكتب وتصنيف العلوم. التصنيف، إذن، هو أن تجعل الأشياء أصنافاً وأضرباً على أساس يَسهُل معه تمييز بعضها عن بعض، أو أن تُرتَب المعاني بحسب العلاقات التي تربط بعضها بالبعض الآخر كعلاقة الجنس بالنوع أو الكل بالجزء. والنظام التصنيفي نظام هرمي بالضرورة يفترض وجود مركز وهامش، وقمة وقاع، ومهم وغير مهم. وهناك أسس تصنيفية عديدة، كل تصنيف له منطقه الخاص. فيمكن أن يتم التصنيف على أساس الانتماء الديني أو على أساس الانتماء العرْقي، كما يمكن التصنيف على أساس تاريخي أو على أساس بنيوي، المهم أن يتم التصنيف من خلال نموذج تفسيري يمكنه أن يبيِّن ما هو مهم ومركزي في ظاهرة ما. فالرصد الموضوعي الأفقي التراكمي يأتي بالمعلومات والمعطيات المختلفة ولكنه لا يمكنه ترتيبها أو تصنيفها إلا بشكل سطحي أو عشوائي، كأن يصنفها على أساس ألفبائي أو على أساس أي عنصر ثانوي يرد فيها. فيُقال إن قصة " ذات الرداء الأحمر " هي قصة عن الذئاب أو عن الغابة أو عن النبات أو عن اللون الأحمر وليس عن الانتقال من البراءة إلى الخبرة أو المواجهة بين الإنسان والطبيعة ... إلخ. كما أن الرصد الموضوعي قد يكون عاماً جداً فيُقال " تعاملت هذه الدراسة مع اليهود " دون تخصيص أو تحديد.
стр. 282
وهذه الموسوعة تطرح نموذجاً تفسيرياً جديداً، ومن ثم فإن منطقها التصنيفي مختلف عن الدراسات الأخرى. على سبيل المثال، نحن نرى أن الصهيونية حركة ليست ذات جذور يهودية وإنما حركة ذات جذور غربية استعمارية تهدف إلى تخليص أوربا من اليهود عن طريق توطينهم في فلسطين، ومن ثم فنحن نرى أنها لا تُوضَع (أو تُصنَّف) كمقابل ظاهرة العداء لليهود وإنما هي امتداد لها. وقد طُرحت الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة بعد صياغتها على أيدي بعض المفكرين غير اليهود على الجماهير اليهودية، وفي بعض الأحيان فُرضت على هذه الجماهير فرضاً. ومن هنا، يصبح عداء بلفور لليهود أمراً بالغ الأهمية، وتصبح شخصية مثل ألفريد نوسيج، الذي شارك في تأسيس الحركة الصهيونية مع هرتزل (لتخليص أوربا من اليهود) ثم امتد به العمر ليُقدِّم للجستابو مخططاً لإبادة يهود أوربا، ليس مجرد شخصية هامشية تشكل انحرافاً عن مسار الصهيونية وإنما يجب تصنيفه باعتباره شخصية نماذجية دالة، ومن هنا أهمية معاهدة الهعفراه بين النازيين والصهاينة. وقد طرحنا أيضاً نموذج الجماعة الوظيفية كنموذج تفسيري أساسي، وبناءً عليه أصبحت تجربة يهود بولندا في ظل الإقطاع الاستيطاني ونظام الأرندا في أوكرانيا وعلاقتهم بطبقة النبلاء البولنديين (شلاختا) ذات أهمية محورية. فمن خلال نموذجنا التفسيري أصبحت هذه الوقائع التي تُهمَّش في كتب التاريخ الصهيونية ذات دلالة نماذجية عميقة، وتم تصنيفها على هذا الأساس.
التعاقب والتزامن (نموذج تاريخى وبنيوى أو يدور حول موضوعات)
стр. 283
«تعاقَب الشيئان» عبارة معناها «خَلَف أحدهما الآخر» ، و «تعاقَب القوم في الشيء أو الأمر» معناها «تناوبوه» ، ومن ذلك كلمة «تعاقُب» . أما «التزامن» ، في علم الطبيعة، فهو ما يتفق مع غيره في الزمن. ومن ثم، يجيء «التعاقُب» في مقابل «التزامن» . والوجود الإنساني يكون داخل كل من التعاقُب والتزامن، فالأيام تجري الواحدة تلو الأخرى، ومراحل حياة الإنسان تتعاقب وكذا الفصول. والتجربة الأساسية في حياة الإنسان (التاريخ والزمن) هي أيضاً تجربة تعاقُب، فتدول الدول وتحل محلها أخرى.
ولكن، إلى جانب التعاقُب، توجد تجربة التزامن. فإذا كان الزمان متغيِّراً، فإن المكان يتسم بقدر أكبر من الثبات، بل إن الزمان المُتعاقب نفسه يأخذ شكل أنماط متكررة تتسم بنفس السمات ومن ثم بقدر من الثبات. وهكذا يعيش الإنسان في تَعاقُب وتَزامُن يتغير ويتطور دون أن يعني تغيُّره وتطوُّره تحوُّله الكامل.
стр. 284
والتضاد بين التعاقب والتزامُن مقولة أساسية في الفلسفة البنائية التي تُعرِّف البنية بأنها مجموعة العلاقات بين العناصر المختلفة للظاهرة والتي تعطي لهذه الظاهرة هويتها وتضفي عليها خصوصيتها. ومن يؤمن بالتَعاقُب وحسب يرى أن العالم لا ثبات فيه وأن كل الأمور زمنية نسبية (وهذا هو جوهر التفكير التاريخاني [بالإنجليزية: هيستوريسيست historicist] ) ، أما من يؤمن بالتزامُن فهو يؤمن بالثبات والجمود وكأن الشيء الوحيد الحقيقي هو المُثُل الأفلاطونية وأن الواقع إن هو إلا انعكاس خافت لها، ومن ثم يكون البحث عن الثابت دون المتحول. والفكر الكموني الواحدي المادي يتأرجح بين التعاقُب والتزامُن (تماماً مثلما يتأرجح بين الذات والموضوع من جهة، واليقين الكامل والنسبية الكاملة من جهة أخرى) . وهو انعكاس للإشكالية الأساسية في النظم الكمونية بين النزعة نحو تأليه الكون وإنكاره. فالنزعة نحو تأليه الكون تأخذ شكل تَبنِّي نماذج تفسيرية لا تعرف سوى التَعاقُب (نماذج تاريخية) ، أما النزعة نحو إنكاره فتتبني نماذج تفسيرية لا تعرف سوى التزامُن والثبات (نماذج بنيوية) . ويُلاحَظ الانتقال من النماذج التفسيرية التاريخية إلى النماذج التفسيرية البنيوية في الحضارة الغربية، فقد كانت النماذج التفسيرية التاريخية تسود فيها في عصر المادية البطولي والتحديث مع الإيمان بفكرة التقدم وبمقدرة الإنسان على أن يسيطر على الزمان والمكان من خلال مسار التاريخ. ومع أن النزعة الإمبريالية الغربية تنزع نحو إنكار تواريخ الآخرين (كما يفعل الصهاينة مع الفلسطينيين) ، إلا أنها نزعة تستند أيضاً إلى رؤية تاريخية محددة للذات باعتبارها ثمرة تطور تاريخي حتمي وضعها في قمة سلم التقدم والتطور وأسبغ عليها حقوقاً مطلقة لهذا السبب. ولكن، مع فقدان الإنسان الغربي ثقته في نفسه ومع تراجُع الإمبريالية، بدأ الإنسان الغربي يفقد ثقته في التاريخ كمجال لتَحقُّق ذاته التاريخية،
стр. 285
وبدأ الانتقال إلى نماذج بنيوية (الانتقال من هيجل وماركس إلى كيركجارد ونيتشه وأخيراً دريدا) ، وبدأ الاهتمام بالأسطورة التي عرَّفها ليفي شتراوس بأنها آلات لخنق الزمان إلى أن نصل إلى أسطورة نهاية التاريخ.
والنموذج الذي نتبناه في هذه الموسوعة لا هو بالمتعاقب ولا هو بالمتزامن وإنما يحاول الجمع بينهما. فنحن نؤمن بوجود إنسانية مشتركة توجد داخل النظام الطبيعي، جانب منها خاضع لقوانين المادة والحركة والتعاقب (النزعة الجنينية) ، وهي في الوقت نفسه متميِّزة عن النظام الطبيعي المادي إذ يوجد فيها أيضاً القبس الإلهي (النزعة الربانية) . ولذا، فهي جزء من الطبيعة/المادة خاضعة لقوانين الحركة والتغير (التعاقب) التي لا تتم بشكل عشوائي وإنما حسب سنن وتأخذ شكل أنماط ثابتة (التعاقب) . وهذه الإنسانية تدور داخل أنماط إنسانية عامة مشتركة (التزامن) ولكنها لا تتحقق دائماً (كلها وبنفس الصورة) ، كما أنها تتحقق داخل الزمان (التعاقب) ويمكنها أن تحقق قدراً من الاستقلال والثبات (التزامن) ، (الثبات الكامل لله وحده وهو يوجد خارج النظام الطبيعي تماماً) .
وبهذا المعنى، فإننا نرى أن ثمة تداخلاً بين المتعاقب والمتزامن، ولذا فإن البنَى التاريخية بنَى متغيرة متعاقبة ولكنها تتبع نمطاً معيَّناً (ليس مطلقاً ثابتاً ومقرراً بصورة مسبقة) ، وهذا يعني أن ثمة مجالاً دائماً للحرية والفوضى، والانتصار والانكسار؛ أن ثمة إمكانية دائمة للمأساة والملهاة. ونحن في هذه الموسوعة نستخدم نماذج تحليلية تاريخية (مبنية على التعاقب) ونماذج تحليلية بنيوية (مبنية على التزامن) .
النموذج الآلى والنموذج العضوى
следующие страницы →