← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

«صَنَّف الأشياء» عبارة معناها: جعل الأشياء أصنافاً وميَّز بعضها عن بعض. ومن ذلك تصنيف الكتب وتصنيف العلوم. التصنيف، إذن، هو أن تجعل الأشياء أصنافاً وأضرباً على أساس يَسهُل معه تمييز بعضها عن بعض، أو أن تُرتَب المعاني بحسب العلاقات التي تربط بعضها بالبعض الآخر كعلاقة الجنس بالنوع أو الكل بالجزء. والنظام التصنيفي نظام هرمي بالضرورة يفترض وجود مركز وهامش، وقمة وقاع، ومهم وغير مهم. وهناك أسس تصنيفية عديدة، كل تصنيف له منطقه الخاص. فيمكن أن يتم التصنيف على أساس الانتماء الديني أو على أساس الانتماء العرْقي، كما يمكن التصنيف على أساس تاريخي أو على أساس بنيوي، المهم أن يتم التصنيف من خلال نموذج تفسيري يمكنه أن يبيِّن ما هو مهم ومركزي في ظاهرة ما. فالرصد الموضوعي الأفقي التراكمي يأتي بالمعلومات والمعطيات المختلفة ولكنه لا يمكنه ترتيبها أو تصنيفها إلا بشكل سطحي أو عشوائي، كأن يصنفها على أساس ألفبائي أو على أساس أي عنصر ثانوي يرد فيها. فيُقال إن قصة " ذات الرداء الأحمر " هي قصة عن الذئاب أو عن الغابة أو عن النبات أو عن اللون الأحمر وليس عن الانتقال من البراءة إلى الخبرة أو المواجهة بين الإنسان والطبيعة ... إلخ. كما أن الرصد الموضوعي قد يكون عاماً جداً فيُقال " تعاملت هذه الدراسة مع اليهود " دون تخصيص أو تحديد.

стр. 282

وهذه الموسوعة تطرح نموذجاً تفسيرياً جديداً، ومن ثم فإن منطقها التصنيفي مختلف عن الدراسات الأخرى. على سبيل المثال، نحن نرى أن الصهيونية حركة ليست ذات جذور يهودية وإنما حركة ذات جذور غربية استعمارية تهدف إلى تخليص أوربا من اليهود عن طريق توطينهم في فلسطين، ومن ثم فنحن نرى أنها لا تُوضَع (أو تُصنَّف) كمقابل ظاهرة العداء لليهود وإنما هي امتداد لها. وقد طُرحت الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة بعد صياغتها على أيدي بعض المفكرين غير اليهود على الجماهير اليهودية، وفي بعض الأحيان فُرضت على هذه الجماهير فرضاً. ومن هنا، يصبح عداء بلفور لليهود أمراً بالغ الأهمية، وتصبح شخصية مثل ألفريد نوسيج، الذي شارك في تأسيس الحركة الصهيونية مع هرتزل (لتخليص أوربا من اليهود) ثم امتد به العمر ليُقدِّم للجستابو مخططاً لإبادة يهود أوربا، ليس مجرد شخصية هامشية تشكل انحرافاً عن مسار الصهيونية وإنما يجب تصنيفه باعتباره شخصية نماذجية دالة، ومن هنا أهمية معاهدة الهعفراه بين النازيين والصهاينة. وقد طرحنا أيضاً نموذج الجماعة الوظيفية كنموذج تفسيري أساسي، وبناءً عليه أصبحت تجربة يهود بولندا في ظل الإقطاع الاستيطاني ونظام الأرندا في أوكرانيا وعلاقتهم بطبقة النبلاء البولنديين (شلاختا) ذات أهمية محورية. فمن خلال نموذجنا التفسيري أصبحت هذه الوقائع التي تُهمَّش في كتب التاريخ الصهيونية ذات دلالة نماذجية عميقة، وتم تصنيفها على هذا الأساس. التعاقب والتزامن (نموذج تاريخى وبنيوى أو يدور حول موضوعات)

стр. 283

«تعاقَب الشيئان» عبارة معناها «خَلَف أحدهما الآخر» ، و «تعاقَب القوم في الشيء أو الأمر» معناها «تناوبوه» ، ومن ذلك كلمة «تعاقُب» . أما «التزامن» ، في علم الطبيعة، فهو ما يتفق مع غيره في الزمن. ومن ثم، يجيء «التعاقُب» في مقابل «التزامن» . والوجود الإنساني يكون داخل كل من التعاقُب والتزامن، فالأيام تجري الواحدة تلو الأخرى، ومراحل حياة الإنسان تتعاقب وكذا الفصول. والتجربة الأساسية في حياة الإنسان (التاريخ والزمن) هي أيضاً تجربة تعاقُب، فتدول الدول وتحل محلها أخرى. ولكن، إلى جانب التعاقُب، توجد تجربة التزامن. فإذا كان الزمان متغيِّراً، فإن المكان يتسم بقدر أكبر من الثبات، بل إن الزمان المُتعاقب نفسه يأخذ شكل أنماط متكررة تتسم بنفس السمات ومن ثم بقدر من الثبات. وهكذا يعيش الإنسان في تَعاقُب وتَزامُن يتغير ويتطور دون أن يعني تغيُّره وتطوُّره تحوُّله الكامل.

стр. 284

والتضاد بين التعاقب والتزامُن مقولة أساسية في الفلسفة البنائية التي تُعرِّف البنية بأنها مجموعة العلاقات بين العناصر المختلفة للظاهرة والتي تعطي لهذه الظاهرة هويتها وتضفي عليها خصوصيتها. ومن يؤمن بالتَعاقُب وحسب يرى أن العالم لا ثبات فيه وأن كل الأمور زمنية نسبية (وهذا هو جوهر التفكير التاريخاني [بالإنجليزية: هيستوريسيست historicist] ) ، أما من يؤمن بالتزامُن فهو يؤمن بالثبات والجمود وكأن الشيء الوحيد الحقيقي هو المُثُل الأفلاطونية وأن الواقع إن هو إلا انعكاس خافت لها، ومن ثم يكون البحث عن الثابت دون المتحول. والفكر الكموني الواحدي المادي يتأرجح بين التعاقُب والتزامُن (تماماً مثلما يتأرجح بين الذات والموضوع من جهة، واليقين الكامل والنسبية الكاملة من جهة أخرى) . وهو انعكاس للإشكالية الأساسية في النظم الكمونية بين النزعة نحو تأليه الكون وإنكاره. فالنزعة نحو تأليه الكون تأخذ شكل تَبنِّي نماذج تفسيرية لا تعرف سوى التَعاقُب (نماذج تاريخية) ، أما النزعة نحو إنكاره فتتبني نماذج تفسيرية لا تعرف سوى التزامُن والثبات (نماذج بنيوية) . ويُلاحَظ الانتقال من النماذج التفسيرية التاريخية إلى النماذج التفسيرية البنيوية في الحضارة الغربية، فقد كانت النماذج التفسيرية التاريخية تسود فيها في عصر المادية البطولي والتحديث مع الإيمان بفكرة التقدم وبمقدرة الإنسان على أن يسيطر على الزمان والمكان من خلال مسار التاريخ. ومع أن النزعة الإمبريالية الغربية تنزع نحو إنكار تواريخ الآخرين (كما يفعل الصهاينة مع الفلسطينيين) ، إلا أنها نزعة تستند أيضاً إلى رؤية تاريخية محددة للذات باعتبارها ثمرة تطور تاريخي حتمي وضعها في قمة سلم التقدم والتطور وأسبغ عليها حقوقاً مطلقة لهذا السبب. ولكن، مع فقدان الإنسان الغربي ثقته في نفسه ومع تراجُع الإمبريالية، بدأ الإنسان الغربي يفقد ثقته في التاريخ كمجال لتَحقُّق ذاته التاريخية،

стр. 285

وبدأ الانتقال إلى نماذج بنيوية (الانتقال من هيجل وماركس إلى كيركجارد ونيتشه وأخيراً دريدا) ، وبدأ الاهتمام بالأسطورة التي عرَّفها ليفي شتراوس بأنها آلات لخنق الزمان إلى أن نصل إلى أسطورة نهاية التاريخ. والنموذج الذي نتبناه في هذه الموسوعة لا هو بالمتعاقب ولا هو بالمتزامن وإنما يحاول الجمع بينهما. فنحن نؤمن بوجود إنسانية مشتركة توجد داخل النظام الطبيعي، جانب منها خاضع لقوانين المادة والحركة والتعاقب (النزعة الجنينية) ، وهي في الوقت نفسه متميِّزة عن النظام الطبيعي المادي إذ يوجد فيها أيضاً القبس الإلهي (النزعة الربانية) . ولذا، فهي جزء من الطبيعة/المادة خاضعة لقوانين الحركة والتغير (التعاقب) التي لا تتم بشكل عشوائي وإنما حسب سنن وتأخذ شكل أنماط ثابتة (التعاقب) . وهذه الإنسانية تدور داخل أنماط إنسانية عامة مشتركة (التزامن) ولكنها لا تتحقق دائماً (كلها وبنفس الصورة) ، كما أنها تتحقق داخل الزمان (التعاقب) ويمكنها أن تحقق قدراً من الاستقلال والثبات (التزامن) ، (الثبات الكامل لله وحده وهو يوجد خارج النظام الطبيعي تماماً) . وبهذا المعنى، فإننا نرى أن ثمة تداخلاً بين المتعاقب والمتزامن، ولذا فإن البنَى التاريخية بنَى متغيرة متعاقبة ولكنها تتبع نمطاً معيَّناً (ليس مطلقاً ثابتاً ومقرراً بصورة مسبقة) ، وهذا يعني أن ثمة مجالاً دائماً للحرية والفوضى، والانتصار والانكسار؛ أن ثمة إمكانية دائمة للمأساة والملهاة. ونحن في هذه الموسوعة نستخدم نماذج تحليلية تاريخية (مبنية على التعاقب) ونماذج تحليلية بنيوية (مبنية على التزامن) . النموذج الآلى والنموذج العضوى

стр. 286

نحن نذهب إلى أن ثمة نموذجين أساسيين في الحضارة الغربية، نموذج آلي ونموذج عضوي، وقد سُميا كذلك لأن كل واحد منهما يحوي صورة مجازية مختلفة: الصورة المجازية الآلية (العالم آلة) أو الصورة المجازية العضوية (العالم كائن حي) يُعبِّران عن الطبيعة/المادة. الصورة المجازية الأولى تُصوِّر العالم على هيئة آلة حركتها آلية والمبدأ الواحد فيها براني، ولذا فهي تتحرك مدفوعة من الخارج. أما الثانية فتُصوِّر العالم على هيئة كائن حي حركته حركة عضوية والمبدأ الواحد فيها جواني، ولذا فهي تتحرك مدفوعة من خلال نموها الداخلي وكلا النموذجين يستبعد الحيز الإنساني ويستوعبه. ويُلاحَظ أنه في عصر ما بعد الحداثة بدأت كل من الصور المجازية العضوية والآلية في الاختفاء أو التحرك نحو الهامش ليحل محلها صور تُعبِّر عن التفتت أو عن سطح مصقول بلا أعماق. ونحن نستخدم في هذه الموسوعة نموذج التكامل غير العضوي أو النموذج الفضفاض. نموذج التركيب الجيولوجى التراكمى «التركيب الجيولوجي التراكمي» عبارة نستخدمها لنشير إلى أحد النماذج التفسيرية الذي يحاول أن يصف عمق عدم التجانس الذي تتسم به العقيدة/العقائد اليهودية، والهوية/الهويات اليهودية، وإلى أن نقط الاختلاف بين هذه العقائد والهويات أهم من نقط التشابه بينها. ويمكن لنسق ما أن يتسم بعدم التجانس وعدم الترابط (كما هو الحال في نموذج التكامل غير العضوي) . ولكن التنوع يظل داخل إطار من الوحدة، فالنموذج لابد أن يكون له مركز وركيزة نهائية وحدود وسمات بنيوية تفصله عن غيره من الأنساق، وقد يتشابك النموذج مع غيره من النماذج ويتداخل. ولكن مهما بلغت درجة التنوع في النموذج ودرجة تشابكه مع النماذج الأخرى، فلابد أن يتصف بعدة سمات أساسية وجوهرية (ركيزة أساسية) تشكل هويته وتَصلُح أساساً لتفسيره وتصنيفه وعزله عن غيره من النماذج.

стр. 287

ولكن التركيب الجيولوجي التراكمي يتسم بأنه يتكون من طبقات جامدة مستقلة تراكمت الواحدة فوق الأخرى ولم تُلغ أية طبقة جديدة ما قبلها. وقد تتشابه هذه الطبقات وقد تختلف وقد تتفق أو تتناقض، غير أن السمة الأساسية لها هي أنها تتجاور وتتزامن وتتواجد مع بعضها ولكنها لا تتمازج ولا تتفاعل ولا تُلغي الواحدة الأخرى. ويمكن تشبيه التركيب الجيولوجي التراكمي بالجبل الذي قد تكون داخله طبقة جيولوجية من الحجر الجيري وأخرى من الحجر الرملي وثالثة من الفوسفات ورابعة من الذهب، لكل طبقة طبيعتها المستقلة وبنيتها المادية وتاريخها الذي يزداد طولاً وقصراً حسب الطبقة، ولا ينتظم كل الطبقات سوى وحدة شكلية خارجية، أي وجودها كجزء من هذا الجبل. وبالطبع، يمكن الاستمرار في التشبيه لنقول إن بعض هذه الطبقات توجد في الجبل عن طريق الصدفة، وأنها ممتدة في باطن الأرض قبل الجبل مستمرة بعده في الوادي المجاور، وأن وجودها في الجبل حدث مصادفة. وإذا كانت الصورتان المجازيتان الآلية والعضوية صورتين مجازيتين واحديتين تؤكدان أشكالاً مختلفة من الوحدة والتماسك، فإن استعارة التركيب الجيولوجي التراكمي تشير إلى عدم التماسك وعدم وجود وحدة من أي نوع، فكل طبقة جيولوجية هي بنية مستقلة. والنموذج الجيولوجي لا يتسم بالتعددية كما قد يبدو لأول وهلة، فالتعددية تفترض قدراً من الوحدة المبدئية، حيث لا تنوع دون قدر من الوحدة ولا بنية إن غابت المعايير المركزية والسمات الأساسية، والتركيب الجيولوجي يفتقر إلى مثل هذه الوحدة.

стр. 288

وتوجد داخل العقيدة اليهودية طبقات مختلفة متصارعة أهمها الطبقة التوحيدية والطبقة الحلولية الكمونية. وتاريخ اليهودية هو تاريخ الصراع بين هاتين الطبقتين والذي انتهى بانتصار الحلولية الكمونية وهيمنتها. أما داخل الهويات اليهودية، كتركيب جيولوجي، فإن تَحوُّل أعضاء الجماعات اليهودية إلى جماعات وظيفية هو أهم الطبقات أو مكونات الهويات اليهودية المختلفة. ومن المعروف أن أعضاء الجماعات الوظيفية يؤمنون برؤية حلولية كمونية للكون، ومن ثم تلتقي الطبقات الحلولية والوظيفية (وكلاهما يؤدي إلى العلمانية الشاملة) . النموذج الموضوعى المادى (المتلقى) «النموذج الموضوعي المادي (المتلقي) » هو النموذج الذي ينطلق من الرؤية الموضوعية المادية المتلقية (انظر: «مشكلة الموضوعية الذاتية» ) . ونحن نذهب إلى أن النماذج الموضوعية المادية لها فعاليتها في مجالها (عالم الظواهر الطبيعية) ولكنها تفقد فاعليتها وتصبح أداة اختزال حين تُطبَّق على الظواهر الإنسانية، فهي حينذاك تختزل الإنساني إلى الطبيعي. ولذا لابد من استخدام نماذج تفسيرية اجتهادية. والنماذج الموضوعية المادية يمكن أن تكون اجتهادية مبدعة ولكن يمكن أن تكون متلقية، وهذا ما يحدث عادةً حين تُستخدَم في رصد الإنساني. ونحن نضع «النموذج التفسيري (الاجتهادي) » مقابل «النموذج الموضوعي المادي (المتلقي) » ، ومنطلقاتهما المعرفية مختلفة تماماً، بحيث يمكن تقسيم كل النماذج إلى موضوعية متلقية (تتسم بالتراكم والانغلاق والاختزال) وتفسيرية اجتهادية (تتسم بالتوليدية والانفتاح والتركيب (. النموذج التفسيرى (الاجتهادى (

стр. 289

يمكن القول بأن منطلقات النموذج التفسيري (الاجتهادي) هي عكس منطلقات النموذج الموضوعي المادي (المتلقي) . ولذا قد يصلح النموذج الموضوعي المادي في تفسير بعض جوانب الواقع الطبيعي، ولكنه يخفق تماماً حينما يحاول تطبيقه على ظاهرة الإنسان. إذ يقوم النموذج الموضوعي المادي باستبعاد الإنسان كعنصر فاعل مركب كما يقوم أحياناً بتبسيط الطبيعة نفسها ثم إعطائها الهيمنة على الإنسان، أما النموذج التفسيري فهو ينظر إلى الطبيعة باعتبارها كياناً مركباً تنبض بالحياة وتمور بالأسرار وتتسم باللاتحدد، ولكنها، مع هذا، تتبع سنناً ولها هدف وغاية. وكل شيء في الطبيعة له مكانته ووظيفته وقيمته في ذاته، فالعالم كل متكامل (ومن المنظور التوحيدي، كل شيء في الكون قد ناله نصيب من التكريم لأنه من خلق الله وبديع صنعه) . وهذا يعني أن الإنسان ليس موجوداً في الكون بمفرده، فالكائنات الأخرى لها مكانها، والإنسان لم يُمنَح هذه الأرض ليهزمها ويوظفها ويسخرها لنفعه وحده دون حدود، فلابد له من الحفاظ عليها (لأنه ـ حسب الرؤية التوحيدية ـ قد استخلفه فيها من هو أعظم منه، فكرَّمه ووضع حدوداً عليه) . إن العالَم المبارك المدهش الذي نعيش فيه عالَم مركب ثري، مليء بالمسافات والثغرات والثنائيات الفضفاضة والأسرار (التي لا يُسبَر لها غور) . هذا العالَم يحوي داخله ما هو معروف ومحسوس وما هو مجهول وغير محسوس، وما هو حلم وما هو غيب (والغيب هنا هو غير المادي الذي لا يُقاس ولا يمكن إدخاله بقضه وقضيضه في شبكة السببية الصلبة) وهو ليس بسطح أملس يمكن رده إلى مبدأ واحد كامن فيه (كما يرى دعاة الكمونية الواحدية المادية من العقلانيين الموضوعيين الماديين) .

стр. 290

ولكن أهم منطلقات النموذج التفسيري (الاجتهادي) هو إدراك أن ثمة حيزاً إنسانياً يتحرك فيه الإنسان ويمارس فيه إنسانيته، ومن ثم يصبح مختلفاً عن الكائنات الطبيعية، فهو كائن مركب وعنصر حر مسئول، يتجاوز حتميات النظام الطبيعي/المادي ولا يمكن أن يُردُّ في كليته إليه ولا يمكنه أن يمتزج بالظواهر الطبيعية ويذوب فيها، فهو جزء يتجزأ من الواقع المحيط به لا يُستوعَب قط فيما حوله. هذا يعني أن ثمة ثنائية أساسية تُترجم نفسها إلى انفصال بين الإنسان المركب والواقع الطبيعي المادي، فالإنسان لا يتصل مباشرةً (من خلال جهازه العصبي) بالطبيعة لأن عقله متناه لا يمكنه أن يعكس الواقع كله، ولكنه لهذا السبب مبدع حتى في أبسط عمليات الإدراك فهو يدرك الواقع من خلال رموزه وذكرياته ونماذجه، وهو إنسان مركب لا يمكن معرفة دوافعه فهي مركبة إذ تحركه دوافعه المادية الأرضية كما تحركه أفكاره وأحلامه وذكرياته، والمعنى الذي يتسع للأشياء والرموز التي يستخدمها للتعامل معه، كما تحركه منظومته القيمية والجمالية التي قد تهديه سواء السبيل وقد تضلله، ولذا فهو قادر على النبل الخساسة، وعلى الخير والشر. كل هذا يعني ما يلي: ١ ـ لا يمكن دراسة الواقع الإنساني المركب من خلال النماذج السلوكية الواحدية البسيطة التي ترى الإنسان كائناً يتحرك في بيئة مادية يُرْصد بشكل آلي. ٢ ـ لا يمكن دراسة الإنسان من خلال نموذج الرصد الموضوعي المادي الذي لا يكترث بالمعنى والرموز والدوافع والحرية. ٣ ـ لا يمكن دراسة هذا الإنسان من خلال نموذج واحدي يدور في إطار السببية الواحدية والعمومية، إذ يتطلب الأمر دراسته من خلال عدة مستويات ودرجات مختلفة من السببية والتعميم والتخصص.

стр. 291

٤ ـ لا يمكن تَصوُّر إمكان الإحاطة بكل جوانب هذا الإنسان أو إمكان الوصول إلى درجات عالية من اليقين، إذ تظل هناك أجزاء مستقلة عن الكل، ومنحنيات خاصة مستقلة عن الاتجاه العام وزوايا لا تستطيع العقلانية المادية المستنيرة أن تصل إليها. ٥ ـ والمعرفة ليست مجرد تراكم وإنما هي أيضاً محاولات اجتهادية مستمرة، فإلى جانب التراكم يوجد الاكتشاف المستمر. فالعملية المعرفية عملية لا نهاية لها، ولذا لا نهاية للتاريخ. ٦ ـ الهدف الكلي والنهائي من وجود الإنسان في الأرض ليس التحكم في العالم وحوسلته وإنما هو التمتع بالأرض والاستفادة منها داخل حدود دون تبديدها.

стр. 292

إن الإنسان كائن مركب يعيش في عالم براني مركب وعالم جواني مليء بالأسرار، ولذا فإن محاولة "شرح الإنسان" شرحاً كاملاً وتفسيره تفسيراً كاملاً وإدخاله شبكة السببية الصلبة والمطلقة هو ضرب من ضروب الخيلاء، ومحاولة التوصل إلى قوانين صارمة أو تفسيرات كلية نهائية وصيغ جبرية بسيطة تفسر كل شيء محاولة ساذجة بلهاء، كما أن محاولة الوصول إلى المعرفة الكاملة محاولة فاوستية شيطانية محكوم عليها بالفشل، ولهذا فنحن نطرح مفهوم الاجتهاد كإطار معرفي كلي ونهائي. والاجتهاد يعني أن يحاول الدارس المجتهد الوصول إلى قدر من المعرفة عن الظاهرة موضع الدراسة يجعلها معقولة إلى حدٍّ ما وربما إلى حدٍّ كبير، وليس بالضرورة معقولة ومفهومة تماماً، أي أنه من الممكن شرح بعض جوانب الظاهرة (لا الظاهرة كلها) ، ورد بعض جوانبها (لا الظاهرة بأسرها) إلى القوانين العامة، كما يمكن رصد جزء من الواقع لا الواقع كله. والاجتهاد يعني رفض الموقف الإمبريالي من الواقع الذي يود الإمساك به كله ويحاول أن يدفع به في شبكة السببية الصلبة والمطلقة والقانون العام. وهذا لا يعني بالضرورة سقوطاً في العدمية الكاملة أو النسبية المطلقة، فالاجتهاد يمكن أن يدور في إطار الإيمان بوجود مطلقات وثوابت ويمكن للباحث أن يتعامل مع الأمور الكلية والنهائية والمطلقة دون أن يكون خطابه نهائياً ومطلقاً. ويمكن أن يصل الباحث إلى قدر من اليقين ولكنه يقين ليس بكامل. وثمة تَواصُل ولكنه ليس باتصال والتحام عضويين، ومن ثم فإن المعرفة التي يتوصل إليها معرفة نسبية ولكنها ليست نسبية بشكل مطلق وإنما تظل نسبية بصورة نسبية (فالكمال لله وحده، وفوق كل ذي علم عليم، وهو وحده الذي يعلم ما في الصدور، مركز العالم، المفارق له، وغير الكامن في إنسان أو شيء) . وهذا ما يمكن أن نسميه «العقلانية أو الموضوعية الاجتهادية» (في مقابل «العقلانية المادية والموضوعية المتلقية المادية» ) . والنموذج

стр. 293

التفسيري (الاجتهادي) هو الأداة التحليلية المُثلى التي يمكن من خلالها تجاوز إشكالية الذات والموضوع، فالنموذج أداة تحليلية يصوغها العقل من خلال عملية تجريد (استبقاء واستبعاد) لعناصر الواقع، فهو ثمرة لتفاعل الذات مع الموضوع، وهو صياغة ذهنية (ذاتية) لمجموعة من المعطيات والعلاقات المادية (الموضوعية) . وكما قال الإمام أبو حنيفة "خذ رأيي واطلب دليلي". والنموذج التفسيري (الاجتهادي) يختلف عن نموذج الرصد الموضوعي المادي (المتلقي) ، فهو ليس أداة رصد سلبية موضوعية تتلقى المعلومات جاهزة صلبة نهائية من الواقع وتؤرشفها وتحاول إدخال كل الظواهر في إطار شبكة السببية الصلبة أو في إطار قوانين عامة تنطبق على كل الحالات في كل الأزمنة والأمكنة، وإنما هو عملية تركيب واكتشاف للمعطيات المتاحة وترتيبها ومحاولة اكتشاف أنماط متكررة ومحاولة الربط بينها مع إدراك كامل للفرق بين الإنسان والطبيعة/المادة والفرق بين المناهج التي يمكن استخدامها لدراسة الظاهرتين الإنسانية والطبيعية. كما أن النموذج التفسيري (الاجتهادي) يحاول تفسير بعض جوانب الظاهرة ويقَنَع بها دون محاولة تفسير الظاهرة ككل، فهو يستطيع أن يتعايش مع المجهول. وفي إطار النموذج التفسيري (الاجتهادي) ، يصبح أساس اختيار الحقائق، لا الحقائق نفسها، هو ما يشكل مدى صدقها من زيفها. فالصدق والكذب ليسا كامنين في الحقائق الموضوعية نفسها وإنما في كيفية تناولها وفي القرار الخاص بما يُضَم وما يُستبعَد منها. ولذا، لا يصبح السؤال: ما الحقائق؟ ولكن: ما أهم الحقائق أو ما الحقائق الدالة؟ ويصبح ترتيب الحقائق هرمياً حسب أهميتها أكثر أهمية من مجرد تسجيلها أفقياً بشكل متجاور، ويصبح تعريف ما هو مركزي وهامشي أهم من مجرد مراكمة المعلومات. وتصبح العلاقات بين المعطيات أكثر أهمية من المعطيات نفسها. وعلى كلٍّ، هذا هو جوهر الإبداع: اكتشاف علاقات جديدة في الواقع وتحديد ما هو مركزي

стр. 294

وهامشي وتفكيك الواقع وإعادة تركيبه في ضوء هذا الاكتشاف وبعد أن يُصاغ النموذج التفسيري (الاجتهادي) ، لا يمكن أن نقول إن هذا نموذج خاطئ أو مصيب بطريقة أحادية فجة، وإنما نطلب إخضاعه لعملية اختبار (فهو مجرد اجتهاد) . وحينما يُخضَع للاختبار، فلابد أنه سيفسر بعض المعطيات في الواقع ولكنه سيعجز عن تفسير البعض الآخر. وفي هذه الحالة، لا يُوصَف النموذج بعدم الموضوعية، فالنموذج لا يُحكَم عليه بمقدار موضوعيته وذاتيته (فهو ابتداءً مزيج من الموضوعية والذاتية لأنه تركيب) وإنما يُحكَم عليه في إطار مقدرته التفسيرية والتنبؤية، وفي إطار تركيبيته. فالنموذج الذي يفسر أكبر قدر ممكن من التفاصيل والعلاقات ويربط بينها ويتنبأ بعدد كبير من الظواهر هو النموذج الأكثر تفسيرية (الذي يُقال له موضوعي) ، وهو نموذج المجتهد الذي أصاب (فله أجران) ، أما النموذج الذي يفسر عدداً أقل من التفاصيل والعلاقات والذي يتسم بأن مقدرته التنبؤية ضعيفة فهو النموذج الأقل تفسيرية (والذي يُقال له ذاتي) نموذج من اجتهد ولم يفلح تماماً (فله أجر واحد) . وبالتالي، لا يصبح المعيار هنا كم المعلومات الذي تمت مراكمته وإنما جدواها في التفسير: وبذا يحل النموذج التفسيري مشكلة استقطاب الذات والموضوع. فالنموذج الذي تبنته حركات التمركز حول الأنثى قادر على تفسير بعض جوانب وجود المرأة وبعض مشاكلها، ولكنه عاجز عن تفسير المرأة في كليتها كأم وزوجة وأخت. وهذه الجوانب الكلية المركبة تحتاج إلى نموذج أكثر تركيبية.

стр. 295

وبعد اختبار النموذج، يمكن إعادة صياغته حتى يمكنه استيعاب المعطيات الجديدة التي فشل في تفسيرها، أي أن النموذج التفسيري (الاجتهادي) ليس صيغة نهائية تنجح أو تفشل (ولذا فنحن ندعو إلى إعادة صياغة النماذج التفسيرية الغربية بعد سقوط المنظومة الاشتراكية وبعد أزمة الرأسمالية) . ويُلاحَظ أن النموذج التفسيري (الاجتهادي) ليس نموذجاً استبعادياً، فالعناصر التي يظهر أنها أقل تفسيرية لا تُرفَض ولا تُستبعَد وإنما تفقد مركزيتها وتُنقل إلى الهامش، وهي قد تنتقل إلى المركز مرة أخرى فيما بعد، وقد توضَع في المركز داخل متتالية احتمالية يتم من خلالها رصد عناصر المستقبل الكامن في الحاضر. والنموذج التفسيري (الاجتهادي) لا يدَّعي أن الراصد آلة فوتوغرافية تسجل موضوعياً ما حولها بدون اختيار وبدون قيم مسبقة وإنما هو يُسمِّي الأمور بأسمائها ويحدِّد للقارئ التحيزات والمكونات الذاتية الكامنة في المعرفة الموضوعية حتى يتحرز القارئ ولا يتصور أن ما يُقدِّم له هو الموضوع والواقع بل مجرد محاولة اجتهادية للوصول لهما (والله، في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير، أعلم) . إن الذات الراصدة تعلن عن حدودها وتعلن أنها ستتوصل إلى جانب وحسب من الموضوع، لا الموضوع كله، ومن خلال اعترافها هذا فإنها تُحقق قدراً أكبر من الموضوعية.

стр. 296

وقد استخدمنا في هذه الموسوعة نماذج تفسيرية لا تدَّعي لنفسها الموضوعية الكاملة ولا المقدرة التفسيرية الشاملة الكاسحة، وهي ليست سوى محاولة اجتهادية لتفسير أكبر قدر من جوانب الظواهر اليهودية والصهيونية موضع الدراسة حسب ما هو متوافر من المعطيات والمعلومات حتى هذه اللحظة. وقد طرحنا ثلاثة نماذج تفسيرية مختلفة ومتداخلة: الحلولية الكمونية ـ العلمانية ـ الجماعة الوظيفية ونموذج التركيب الجيولوجي التراكمي. فإن تناولنا قضية مثل قضية الرأسماليين من أعضاء الجماعات اليهودية الذين تسميهم الأدبيات الشائعة «رأسماليون يهود» ، فنحن لا نرفض ما هو متوافر من معلومات وإنما نقبله (إن لم يكن مُختَلقاً) ثم نوسع سياق الظاهرة لتسمح بإضافة معلومات أخرى استبعدتها هذه الأدبيات وبذلك يمكننا اختبار نموذجنا التفسيري والبرهنة على مقدرته التفسيرية التي تفوق المقدرة التفسيرية للنماذج السائدة التي نراها أكثر ضيقاً واختزالاً، أي أقل تفسيرية. أكثر تفسيرية وأقل تفسيرية نحن نذهب إلى أن مصطلح «موضوعي» يفترض وجوداً موضوعياً مطلقاً مغلقاً مستقلاًّ يمكن للعقل (الذي يشبه الصفحة البيضاء) رصده بشكل موضوعي محايد تماماً، وهو عقل قادر على الإحاطة بكل شيء ولكنه في الوقت نفسه قادر على الإذعان، في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير، للواقع المادي الصلب، فهو يدور في إطار مرجعية موضوعية مادية تستبعد الإنسان بهويته وذاتيته وأشواقه وغائيته. أما مصطلح «ذاتي» فهو يفترض وجود ذات فريدة مطلقة مغلقة (متأيقنة) تدور في إطار مرجعية ذاتية خالصة تستبعد الواقع والزمان. وهذه حالة استقطاب مستحيلة، فالواقع المُعاش يختلف عن هذا تماماً.

стр. 297

ونحن نطرح مصطلحي «أكثر تفسيرية» و «أقل تفسيرية» بدلاً من مصطلحي «موضوعي» و «ذاتي» لأنهما يستعيدان الواقع المعاش مرة أخرى، كما يستعيدان الطبيعة البشرية كمرجعية نهائية، وهي طبيعة بشرية مستقلة عن المادة إلى حدٍّ ما فهي تتحرك داخل الحيز الإنساني، ولذا فهي تتمتع بقدر من الثبات وحرية الاختيار، ولكنها، في الوقت نفسه، ليست مستقلة تماماً عن العالم الموضوعي أو عن الحيز الطبيعي، فهي تتعامل معه وتدركه. والتفسير يقوم به إنسان مجتهد يجتهد وقد يصيب (فله أجران) أو يجتهد وقد يخطئ (فله أجر واحد) ، أي أنه يُدرك أن تفسيره ليس التفسير النهائي، وأنه لا يَجبُّ التفسيرات السابقة وإنما يحاول استيعابها. وداخل هذا الإطار يمكن تحقيق قدر عال من «الموضوعية» عن طريق إدراك الباحث أنه ليس خلواً من الأفكار كالصفحة البيضاء، ولذا فهو يستطيع الاحتفاظ بمسافة بينه وبين أفكاره بحيث يمكنه أن يخضعها للتساؤل والاختبار. كما يمكن أن يخلق الباحث مسافة بين المتلقي وأفكاره عن طريق تنبيهه إلى ذاتيته وأفكاره المسبقة. وعملية التفسير لا تتم في فراغ وإنما هي تفسير لواقع موضوعي يوجد خارج الإنسان، ولذا يمكن اختبار التفسير «الذاتي» بالعودة للواقع «الموضوعي» . وقد عرَّفنا ما هو «أكثر تفسيرية» بأنه النموذج القادر على تفسير أكبر عدد من المعطيات والربط بينها، كما أن اختيار النموذج هو اختيار مقدرته التنبؤية، فكلما زادت مقدرته أصبح أكثر تفسيرية. ولذا فالمناداة برفض مصطلحي «ذاتي» و «موضوعي» لا يعني رفض الرؤية العلمية (بالمعنى المركب الذي نطرحه) ولا رفض التجريب واختبار الأطروحات. فالتمييز بين ما هو «أقل تفسيرية» و «أكثر تفسيرية» لا يتم في فراغ وإنما يتم من خلال عمليات مركبة من التفكير العقلي والتجريب العملي والمعملي في الظروف التي تقتضي ذلك. النموذج التوليدى والنموذج التراكمى

стр. 298

يتبدَّى الصراع بين النموذج الموضوعي (المتلقي) المادي مع النموذج التفسيري (الاجتهادي) في النقاش الدائر حول الإدراك كعملية توليدية تراكمية، أو كعملية تراكمية وحسب. فالعقل (حسب الرؤية الموضوعية المادية) جزء لا يتجزأ من الطبيعة/المادة خاضع لقوانينها لا يتجاوزها، فهو صفحة سلبية بيضاء تسجل الواقع بشكل شبه فوتوغرافي. وعملية الإدراك حسب الرؤية الموضوعية هي عملية تلق تتراكم من خلالها المعطيات الحسية على عقل الإنسان (ذرة على ذرة ـ معلومة على معلومة ـ حقيقة بجوار حقيقة) . وهي عملية ترابطية إذ تترابط هذه المعطيات بشكل تلقائي آلي. والإنسان، حسب هذه الرؤية، هو إنسان طبيعي/مادي، ولذا فإن ثمة تصوراً بأن ثمة قانوناً طبيعياً/مادياً عاماً واحداً يسري على كل الظواهر المادية والإنسانية، ومن هنا الإيمان بوحدة العلوم وبإمكانية تطبيق النماذج المستمدة من العلوم الطبيعية والنماذج الكمية على الإنسان. وثمة تَصوُّر بأن كل الناس (والعلماء) يسألون الأسئلة نفسها ويصلون إلى الإجابات نفسها (إن توافرت الظروف الموضوعية) ، ومن ثم فإن عملية تراكم المعرفة عملية مستمرة تتبع خطاً مستقيماً واضحاً وتتم على مستوى الجنس البشري بأسره، ومن هنا ظهور النماذج واحدية الخط (بالإنجليزية: يوني لينيار unilinear) التي ترى أن ثمة نقطة واحدة تتقدم نحوها المعرفة ويتم الحكم على المعرفة من منظور مدى اقترابها من هذه النقطة أو ابتعادها عنها. والمفروض أن عملية التراكم هذه ستؤدي إلى التزايد التدريجي لرقعة المعلوم وإلى تَحكُّم الإنسان في الطبيعة وفي نفسه، وهذا ما سميناه «النموذج التراكمي» . وهذا المفهوم هو المفهوم الأساسي الكامن في فكر هوبز وماكيافيللي وإسبينوزا ولوك وفكر حركة الاستنارة وعلم النفس الترابطي والسلوكي والفلسفة الوضعية وغيرها من الفلسفات المعادية للإنسان والتي تحاول إزاحته عن مركز الكون.

стр. 299

ولكن هناك من يرى أن العقل ليس صفحة بيضاء، وإنما هو أداة نشيطة مبدعة في أثناء أبسط عمليات الإدراك والتلقي، ولذا فهو قادر على تجاوز الطبيعة/المادة. وهذا النقد يضرب بجذوره في الرؤية المتمركزة حول الذات والإنسان التي تجعل عقل الإنسان هو موضع الكمون ومن ثم تؤكد فعاليته واستقلاليته عن الطبيعة/المادة (وبالتالي حريته ومقدرته على الاختيار) . وأصحاب هذه الرؤية يذهبون إلى أن الحقيقة ليست نتيجة تراكم معطيات حسية على صفحة العقل المادية وعمليات التجريب، فليست كل المعرفة مكتسبة، إذ أن ثمة جزءاً هاماً من المعرفة الإنسانية يُولَد من داخل عقل الإنسان نفسه (ومن هنا تسمية هذا النموذج «النموذج التوليدي» ) ، وهذا الجزء هو الذي يجعل المعرفة الإنسانية إنسانية ومركبة وجوانية ومستعصية للرصد السلوكي البراني من خلال نماذج العلوم الطبيعية والكمية. والأفكار المركبة ليست نتيجة ترابط آلية تتم بشكل تلقائي بين المعطيات المادية وإنما هو نتيجة لجهد إبداعي من جانب البشر. كل هذا يعني، في واقع الأمر، أن القانون الطبيعي/المادي العام يسري على بعض جوانب من الإنسان ولكنه لا يسري عليه في كليته، ولا يمكن تطبيق النماذج المستمدة من العلوم الطبيعية والنماذج الكمية على الإنسان. ولعدم وجود قانون عام، فالمعرفة لا يمكن أن تتبع خطاً مستقيماً واضحاً وإنما يعني أن كل إنسان يسأل أسئلة مختلفة نابعة من موقفه ولحظته، وهذا يعني أن الخاص لا يذوب تماماً في العام ولا يفقد أهميته أو قيمته، وأن المعرفة لا تؤدي بالضرورة إلى تزايد تحكُّم الإنسان في الطبيعة والإنسان.

стр. 300

وقد تَجلَّى هذا النموذج من خلال كتابات كثير من الفلاسفة الغربيين لعل أولهم ديكارت (رغم تأرجحه بين النموذج المتمركز حول الطبيعة/المادة والنموذج المتمركز حول الإنسان) والذي أكد وجود أفكار كامنة في عقل الإنسان. وقد كان الفيلسوف الإيطالي جان باتيستا فيكو (١٦٦٨ ـ ١٧٤٤) من أهم المدافعين عن المقدرة التوليدية للعقل البشري. وتدور فلسفة كانط حول الأفكار المفطورة في عقل الإنسان (مقولات الزمان والمكان والحس الخلقي والحس الجمالي) . كما تَجلَّى النموذج في فكر حركة العداء للاستنارة (الفكر الرومانسي) وكل الفلسفات التي ترفض الرؤية التجريبية والفلسفة الوضعية التي تركز على محاولة اكتشاف بنَى العقل والوعي العميق مثل الفلسفة الفينومينولوجية والوجودية والبنيوية وعلم نفس الجشطالت وعلم النفس عند يونج وبياجيه وعلم اللغة عند تشومسكي. ويشترك كل هؤلاء في أنهم يؤمنون بوجود جوانب في الفكر الإنساني لا يمكن تفسيرها على أساس النموذج التراكمي (الموضوعي المادي) ، وهو ما يدل على أنها ليست نتاج التجربة أو تراكم المعطيات الحسية، وأنها تضرب بجذورها في المقدرات الكامنة في عقل الإنسان ومقدرته على إعادة صياغة ما يتلقاه من معطيات مادية من الواقع. وقد أعطى كل مفكر اسماً مختلفاً لهذه المقدرة: الوعي الجمعي بما يحويه من رموز عند يونج ـ النمو حسب بنية كامنة عند بياجيه ـ المقدرة اللغوية عند تشومسكي ـ البنية عند البنيويين. فتشومسكي، على سبيل المثال، وجد أن الطفل الإنساني لو تعلَّم اللغة عن طريق اكتسابها من العالم المادي لاحتاج لسنوات طويلة من حياته. كما لاحظ أن الطفل يستخدم بعض قواعد القياس ويقوم بعمليات تجريد لم يعلِّمها له أحد، ولا يمكنه اكتسابها بشكل تدريجي عن طريق التعلم، ولذا طرح رؤيته عن العقل التوليدي.

стр. 301

ويُلاحَظ أن العنصر الذي يشير إليه دعاة النموذج التوليدي هو عادةً عنصر يتجاوز العالم المادي الحسي المباشر ولكنهم مع هذا يرون أنه ليس له وجود خارج العالم الطبيعي، فهو عنصر كامن في عقل الإنسان مفطور فيه (عقل الإنسان وليس دماغه) إذ لا يمكن العثور على خلايا مادية داخل هذا الدماغ يمكن أن نشير إليها بشكل تجريبي ونقول: "هذا هو العضو التشريحي الذي تُولَد منه اللغة والأبنية" (أي أن الغدة الصنوبرية التي كان ديكارت يحاول التوصل إليها ليس لها وجود) . ويمكن القول بأن مدرسة فرانكفورت التي تؤسس نظريتها النقدية على أساس وجود إمكانية إنسانية كامنة دائمة لا يمكن استيعابها في الوضع القائم هي التي تجعل الإنسان قادراً على التجاوز والنقد، هذه المدرسة تتبنى رؤية توليدية للعقل الإنساني. وغني عن القول أن من يتبنى رؤية مركبة (مادية وروحية) للإنسان، لابد أن يَتبنَّى النماذج التوليدية ويتخلى عن النماذج التراكمية.

стр. 302

ونحن نستخدم في هذه الموسوعة نموذجاً توليدياً. فنحن نؤمن بوجود ما نسميه «الإنسانية المشتركة» (لا الإنسانية الواحدة أو الطبيعة البشرية الثابتة) ، وهي مقدرة كامنة في كل البشر تتحقق بدرجات متفاوتة تتحدَّد باختلاف البشر وظروفهم ومقدرتهم على التجاوز. ولكن مهما بلغت درجة تحقُّقها فإن هذه المقدرة الكامنة لا يمكن أن تُردَّ في كليتها إلى العالم المادي. ومن ثم، فنحن نفترض أن ثمة تماثلاً بين البشر وأن من الممكن أن تسلك مجموعة من الأشخاص نفس السلوك بطريقة متشابهة دون أن يكونوا قد أثروا أو تأثروا ببعضهم البعض (بشكل مادي مباشر) . فالذي يوجه سلوكهم ويولد أفكارهم هو هذه المقدرة الإنسانية المشتركة. ولكن، ورغم هذا التماثل، إلا أن الواحدية لا يمكن أن تسود، إذ أن كل إنسان وكل مجموعة بشرية تنتج حضارتها التي تحقق إنسانيتها الكامنة من خلال عناصر محدَّدة في الزمان والمكان تعطي هذه الحضارة خصوصية وتفرداً لا تعزلها عن بقية البشر وإنما تبيِّن انتماءهم الإنساني الذي لا يقبل إلا التنوع والتعدد. وإن طبقنا هذا على أعضاء الجماعات اليهودية فيمكننا القول بأن كل جماعة يهودية لها خصوصيتها وتفرُّدها (الذي تستمده من المجتمع الذي يعيش أعضاء الجماعة اليهودية بين ظهرانيه) ، ولكنهم مع هذا بشر، لهم ما لنا وعليهم ما علينا، يشعرون بما نشعر به، ويحبون ويكرهون، وينتصرون وينكسرون، ويتفاعلون مع البيئة التي حولهم فيشكلونها ويتشكلون بها وتتنازعهم النزعات الجنينية والربانية، شأنهم في هذا شأن البشر كافة. وسلوكهم من ثم ليس نتيجة مجموعة أفكار يقرأونها هنا أو هناك وإنما هو نتيجة هذه المقدرة الكامنة فيهم (للخير والشر) . ولذا، إذا انخرط أعضاء الجماعات اليهودية في المحافل الماسونية بأعداد ملحوظة (على سبيل المثال) ، فهذا ليس بسبب اكتشافهم الأفكار الماسونية وإنما هو تعبير عن النزوع الجنيني الكامن في الإنسان نحو الحلولية، هذا النزوع قد

стр. 303

تَشكَّل من خلال البيئة الفكرية والاجتماعية في أوربا في القرن الثامن عشر وتَصاعُد معدلات العلمنة التي عبَّرت عن نفسها في المراحل الأولى من خلال الفكر الماسوني. ويمكن أن نقول الشيء نفسه عن الاهتمام القومي العلماني بالأرض، فقد يقول البعض إن هذا يعود إلى أسفار موسى الخمسة حيث يرتبط الإله بشعبه وبأرضه ارتباطاً عضوياً حلولياً، وإن الفكرة وجدت طريقها إلى العلمانية الحديثة من خلال العهد القديم وأعضاء الجماعات اليهودية، وكأن الفكرة كيان مادي ينتقل كالبضاعة من مكان إلى آخر مع أن الأرض هي إحدى المفردات الأساسية في الخطاب الحلولي الذي يشكل العهد القديم أحد تجلياته وحسب إذ أن فكرة الأرض المقدَّسة (ككيان يحتوي داخله على القداسة) تُوجَد في معظم الوثنيات القديمة وفي كثير من المعتقدات الشعبية. وقد يكون من الأفضل أن نرى أن الحلولية نموذج كامن في الخطاب الإنساني يُعبِّر عن رغبة الإنسان الدفينة في العودة إلى الأرض واختزال الواقع تماماً، وهو نموذج تتولَّد منه مفردات أساسية مختلفة ويُعبِّر عن نفسه من خلال تجليات مختلفة (القبَّالاه اليهودية ـ القبَّالاه المسيحية) ، وأن هذا النموذج تحوَّل تدريجياً من الصياغات الدينية داخل وحدة الوجود الروحية إلى الصياغات المادية داخل وحدة الوجود المادية، وأن تَحوُّله هذا هو نفسه ظهور العلمانية الحديثة. ونحن، إن تخلينا عن النموذج التوليدي في التفسير، سنلاحظ أن هناك مجموعة من الأفكار المتشابهة يتداولها أعضاء الجماعات اليهودية، فنجد أنفسنا نتجه نحو التفسير التآمري إذ نرى أن اليهود أينما كانوا يقومون بدس نفس الأفكار ونشرها والترويج لها فنظن أنها مؤامرة عالمية كبرى دون أن ندرك أن الصينيين ـ على سبيل المثال ـ حينما يوضعون في نفس الوضع كثيراً ما يؤكدون نفس الأفكار ويسلكون نفس السلوك.

стр. 304

نموذج التأرجح بين الواحدية الذاتية (التمركز حول الذات) والواحدية الموضوعية المادية (التمركز حول الموضوع) وبين الصلابة والسيولة نموذج الثنائية الصلبة الناجم عن الصراع بين الواحدية الذاتية (التمركز حول الذات) والواحدية الموضوعية المادية (التمركز حول الموضوع) هو نموذج كامن في تلك النزعة الجنينية التي تشكل جانباً مهماً من إنسانيتنا المشتركة. ويتبدى هذا النموذج عبر تاريخنا البشري في منظومات فكرية وظواهر اجتماعية مثل: الحلولية الكمونية (الروحية والمادية) والعلمانية الشاملة والجماعات الوظيفية (أـ ترمز إلى الواحدية الذاتية [التمركز حول الذات] ، ب ـ ترمز إلى الواحدية الموضوعية المادية [التمركز حول الموضوع] . ويُلاحَظ أن كل الظواهر التي رصدناها تتبع نمط أـ ب إلا وحدة الوجود الروحية فهي مقلوب هذا النمط ب ـ أ) . ١ ـ وحدة الوجود الروحية: ب) يود المتصوف الحلولي، الزاهد في الدنيا وعالم الجسد، أن يترك الدنيا تماماً ليعود إلى الإله ويتحد به ويفنى فيه، كي يتحقق جوهره الرباني تماماً. أ) إن تم الاتحاد الكامل وفناء الإنسان في الإله، فإن الفاصل بين الإله والإنسان يُمحى، وبدلاً من فناء الإنسان في الإله يفنى الإله في الإنسان، وبدلاً من إخضاع الذات للإله تتغول الذات وتتوحش. ٢ ـ وحدة الوجود المادية (العلمانية الشاملة) :

стр. 305

أ) يبدأ الإنسان العلماني في عالم الطبيعة/المادة، عالم الحواس الخمسة، فيبحث عن الإشباع الفوري والمباشر لحواسه وغرائزه، وعن تحقيق الحد الأقصى من الحرية الفردية والمتعة الشخصية، فلا إرجاء ولا تأجيل لإشباع الغرائز والحاجات، إذ يجب أن تختفي كل الحدود وأن تُزال كل القيود والسدود. وهكذا يركز العقل العلماني على عالم الذات وعالم الحواس والمعطيات المادية، مستبعداً أي شيء يتجاوز ذلك، فالإله والقيم المطلقة أفكار مجردة تجاوز حدوده. ويتزايد التركيز على الشخصي والمباشر والمتعين حتى يصبح جسد الإنسان الحقيقة النهائية والمطلقة الوحيدة وتصبح الأعضاء التناسلية (في الخطاب ما بعد الحداثي) الصورة المجازية النهائية. ب) مع اختفاء المسافة بين الإنسان والطبيعة/المادة يذوب الإنسان فيا ويفقد ما يميِّزه كإنسان ويجد نفسه خاضعاً للحتميات الطبيعية، الموضوعية المادية. والطبيعة/المادة مجموعة من القوانين المجردة التي لا تكترث بالإنسان ولا بخصوصيته، ومن ثم تختفي تدريجياً كل الأشكال الخاصة والمتعينة وتحل محلها القوانين الطبيعية المجردة، والمعادلات والأرقام. يتميَّز التمركز حول الذات وحول الموضوع بالصلابة. ولكن في إطار العلمانية الشاملة لا يتوقف الأمر عند هذا الحد إذ تنتقل المنظومة ككل من مرحلة الصلابة إلى مرحلة السيولة (التي سنرمز لها بـ جـ) . جـ) يحل المبدأ الواحد في كل الأشياء فتتعدد المراكز ويصبح العالم لا مركز له، وبدلاً من الواحدية الموضوعية تظهر الواحدية الذرية السائلة، حيث تصبح كل ذرة مستقلة بذاتها، ومن ثم ننتقل إلى حالة السيولة. ٣ ـ الجماعات الوظيفية: أ) الجماعات الوظيفية جماعات تؤمن برؤية حلولية للكون فترى نفسها مركز الكمون فهي مرجعية ذاتها، مكتفية بذاتها، تنظر للآخر باعتباره شيئاً للانتفاع. ب) في تمركزها حول ذاتها، يتمركز عضو الجماعة الوظيفية حول وظيفته ويفقد ذاته فيها.

стр. 306

ويُلاحَظ أن مرحلة التمركز حول الذات (الواحدية الذاتية) لا تختلف في جوهرها عن التمركز حول الموضوع (الواحدية الموضوعية) ومن ثم تنشأ الثنائية الصلبة التي عادةً ما تُحسم لصالح الواحدية الموضوعية. نموذج الما بعد من أهم النماذج التي ظهرت نموذج «الما بعد» (ما بعد هي ترجمة لكلمة «بوست post» الإنجليزية وتنويعاتها الغربية المختلفة) . وهو نموذج يشير إلى ما بعد ظاهرة ما دون أن يحدد شكل هذا الما بعد ولا اتجاهه. فهناك على سبيل المثال حديث عن «ما بعد الأيديولوجيا» ، و «المجتمع ما بعد الصناعي» ، و «ما بعد الرأسمالي» ، و «ما بعد الميتافيزيقا» ، و «ما بعد الصهيونية» ، وبطبيعة الحال «ما بعد الحداثة» . ونموذج الما بعد يؤكد أن النموذج السائد (الرأسمالية ـ الحداثة.. إلخ) لم تَعُد له فعالية ولم يعد قادراً على تفسير الواقع الذي يشار إليه بأنه «رأسمالي» أو «حداثي» . ولكن رغم أن القديم قد أخذ يموت إلا أن الجديد لم تتضح معالمه تماماً. ونظراً لعجز الإنسان الغربي عن تسميته الظاهرة الجديدة فإنه يكتفي بالإشارة إليها من خلال كلمة «ما بعد» . وفي تصوُّرنا أن كلمة «ما بعد» تعني «نهاية» (وهي تظهر في اصطلاح «نهاية التاريخ» التي تعني «نهاية التاريخ الإنساني كما نعرفه» ) . ولكن لعل الإنسان الغربي قد وجد كلمة «نهاية» راديكالية وجذرية وتبلور الأمور أكثر مما ينبغي، ولذا اكتفى بكلمة «ما بعد» . الباب الثالث: النموذج الاختزالي والنموذج المركب النموذج الاختزالى تشكل أطروحات نموذج الرصد الموضوعي المادي (المتلقي) التربة الخصبة (وليس السبب الوحيد) لظهور النماذج الاختزالية التي تتسم بما يلي: التماسك الشديد ـ البساطة ـ التجانس ـ الواحدية ـ السببية الصلبة ـ الطموح نحو شمولية التفسير ـ الطموح نحو درجة عالية من اليقينية ـ الطموح نحو الدقة المتناهية في المصطلحات.

стр. 307

والنموذج الاختزالي (الذي يمكن أن يُشار إليه أيضاً بـ «النموذج البسيط» و «النموذج المُغلَق» و «النموذج الواحدي» و «النموذج المُصمَت» و «النموذج الموضوعي المادي (المتلقي) » ) يتجه نحو اختزال العالم إلى عدة عناصر (عادةً مادية) بسيطة. فالظواهر، حسب هذا النموذج، ليست نتيجة تفاعُل بين مركَّب من الظروف والمصالح والتطلعات والعناصر المعروفة، والمجهولة من جهة، وإرادة إنسانية حرة وعقل مبدع من جهة أخرى، وإنما هي نتاج سبب واحد بسيط عام أو سببين أو ثلاثة (قد يكون قانوناً طبيعياً واحداً، أو دافعاً مادياً واحداً، أو قوة مدبرة خارقة) ، تنطبع على عقل متلق لهذا القانون أو الدافع أو القوة. والعنصر المشترك هنا هو استبعاد الفاعل الإنساني ورده إلى ما هو دونه (الطبيعة/المادة أو هذا العنصر الواحد أو ذاك) فالنموذج الاختزالي لا يُفرِّق بين الطبيعة/المادة والإنسان. ومهما تنوَّعت الأسباب وتعدَّدت فإن التنوع والتعدد، من منظور النموذج الاختزالي، مسألة ظاهرية، إذ أن كل الأسباب عادةً ما تنحل كلها وتمتزج، في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير، لتصبح مبدأً واحداً ثابتاً لا يتغيَّر، تخضع له كل الظواهر بشكل مباشر يُلغي كل الخصوصيات والثنائيات وأشكال التنوع. ولهذا السبب فإن النماذج الاختزالية نماذج مطلقة مغلقة ترى التاريخ كياناً يتحرك بطريقة واحدة ونحو نقطة واحدة. وأحداث التاريخ والواقع الإنساني ككل هي نتاج بطولة بطل أو بطلين، أو نتاج عقل واحد متآمر وضع مخطَّطاً جباراً وصاغ الواقع حسب هواه، أو نتاج نظرية ثورية فورية أو فكرة انقلابية جذرية أو عودة مشيحانية أو حتمية تاريخية أو بيئية أو وراثية أو العنصر الاقتصادي أو الدافع الجنسي.

стр. 308

هذا المبدأ الواحد يمكن أن يكون روحياً (الإله ـ البطل ـ العقل الثوري ـ المؤامرة الكبرى) أو مادياً (قانون الحركة ـ العنصر الاقتصادي ـ العنصر الجنسي) أو روحياً اسماً، مادياً فعلاً (نَفَس العالم ـ روح الشعب) . وفي الحالة الأولى، يُفسَّر كل شيء تفسيراً روحياً أو مثالياً أو تآمرياً (فلا موجود إلا هو) . وهذا هو التفكير الديني المتطرف الذي يؤدي إلى الإرهاب والذي يعلن نهاية التاريخ المشيحانية والعودة إلى العصر الذهبي أو صهيون. أما في الحالة الثانية، فإن كل شيء يُفسَّر تفسيراً مادياً (ولا موجود إلا هي: الطبيعة/المادة، أو قانون الحركة) . وهذا هو التفكير العلماني الشامل المادي المتطرف الذي يؤدي إلى النسبية والعدمية وإلى أشكال مختلفة من الإرهاب الفكري والفعلي مثل الستالينية وإعلان الحل النهائي النازي أو نهاية التاريخ الليبرالية أو اليوتوبيا التكنولوجية (التي أوشكت على التحقق في الحضارة الغربية كما هو الزعم هذه الأيام) . ويمكن أن نصف هذا التصور الواحدي للتاريخ بطريقة مغايرة فنقول إن المبدأ الواحد في النماذج المغلقة لا يتجاوز العالم ولا يظل منزَّهاً عنه، وإنما يتجسَّد فيه. وحينما يتجسَّد فيه، ينغلق النسق وتُلغَى الثنائيات الفضفاضة والخصوصيات. ويدور هذا النموذج في إطار السببية الصلبة المطلقة المغلقة حيث تُوجَد وحدات بسيطة تتفاعل بشكل بسيط لتؤدي إلى نتائج بسيطة يمكن رصدها ببساطة وبحيث تؤدي (أ) حتماً إلى (ب) دائماً في كل زمان ومكان. وكل شيء لابد أن يدخل شبكة السببية الصلبة حتى نستطيع أن نصل إلى التفسير الكامل الشامل. وكل هذا يعني سيادة الواحدية السببية وسيادة الحتمية. وحينما يتعامل هذا النموذج مع العام والخاص والكل والجزء فإنه يذيب الجزء والخاص في الكل والعام تماماً بحيث لا يتعامل إلا مع الكل والعام.

стр. 309

ومهما كان أساس التفسير أو طبيعة التوجه السياسي أو الفلسفي للنموذج الاختزالي، فإن الرؤية المعرفية الكامنة واحدة؛ وهي رؤية تذهب عادةً إلى أن عقل الإنسان كيان سلبي متلق يُسجِّل كل ما ينطبع عليه من معطيات مادية بشكل آلي، أو أن الواقع بسيط مكوَّن من عنصر واحد أو اثنين، ومن ثم فالعلاقة بين العقل والواقع بسيطة يمكن رصدها ببساطة، فالعقل إما أن يتحكم في الواقع تماماً أو يذعن له تماماً. هذا يعني في واقع الأمر أن السمة الأساسية للنماذج الاختزالية هي استبعادها التركيبية تماماً واستبعادها الفاعل (المدرك) الإنساني.

стр. 310

هذا هو وصف النموذج الاختزالي في عصر العقلانية المادية الشمولية. وقد حدثت ثورة عارمة ضد هذه الرؤية الاستنارية وضد هذا النسق المغلق الواحدي الصلب وظهر الفكر المعادي للاستنارة الذي يصل إلى قمته عند نيتشه. ولكن الثورة تمت في نفس الإطار المعرفي (الكلي والنهائي) المادي. ولذا رُفض الإطار التفسيري الاختزالي الشامل وحل محله إطار يرفض فكرة التفسير نفسها ولكنه لا يقل عنه اختزالية، فبدلاً من فكرة الكل المادي ظهرت فكرة الغياب المادي للكل، وبدلاً من المطلقات الشاملة ظهرت النسبيات المطلقة، وبدلاً من التحدُّد الكامل ظهر اللاتحدُّد الكامل، وبدلاً من السببية الصلبة ظهرت اللاسببية والصدفة، وبدلاً من التماسك المُصمَت ظهرت الذرية والتشتت، وبدلاً من اليقين الكامل ظهر الشك الكامل، وبدلاً من التركيز على العام وإنكار الخاص تم التركيز على الخاص وإنكار العام، وبدلاً من التجانس المتطرف ظهر اللاتجانس المفرط، وبدلاً من البساطة السطحية ظهر التأيقن المنغلق على ذاته، وبدلاً من الرغبة في التحكم الإمبريالي ظهرت السيولة الكاملة، أي بدلاً من العقلانية المادية (والاستنارة المنيرة) ظهرت اللاعقلانية المادية (والاستنارة المظلمة) . وظهور التفكيكية (التقويضية) هو تعبير عن هذا الوضع، فكل شيء نسبي لا يمكن الوصول إليه، فهو غير محدَّد ومُرجأ. فكأن اللوجوس، بدل أن يتجسَّد في كل شيء (على طريقة الحلولية الكمونية الواحدية) ، انسحب منه تماماً وغاب واختفى (مات الإله، على حد قول نيتشه) . ولكن ما يجمع الاثنين هو الصورة المجازية الأساسية للتجسد: فإما حلولية عضوية كاملة نتيجة التجسد الكامل أو تشظ آلي كامل نتيجة لغياب التجسد. ولذا، فإذا كانت العقلانية المادية أنتجت نماذج واحدية مادية، فإن اللاعقلانية المادية تعادي فكرة النماذج، أو تكتفي بإنتاج نماذج لاعقلانية مادية، نماذج مايكرو صغيرة لا تتعدى فعاليتها نطاق ظاهرة أو اثنين. وهكذا يتم التأرجح بين الواحدية التفسيرية والواحدية اللاتفسيرية.

стр. 311

والنماذج الاختزالية ذات جاذبية خاصة للأسباب التالية: ١ ـ عملية نحت النماذج المركبة (بما تتضمنه من عملية التجريد والتفكيك والتركيب) عملية صعبة للغاية تتطلب جهداً إبداعياً واجتهاداً خاصاً، ولذا فإن ما يحدث في كثير من الأحيان أن يقوم الناس أثناء عملية التفسير بعملية تجريد تفكيكية اختزالية أبعد ما تكون عن التركيب وتتسم بالتبسيط والوضوح والتحرك في إطار السببية البسيطة (الروحية أو المادية) واليقينية المطلقة أو شبه المطلقة. فيستبعدون بعض العناصر ذات القيمة الأساسية في عملية الفهم والتفسير والتغيُّر التي لم يُدرك صاحب النموذج الاختزالي أهميتها، بحيث يصبح التعامل مع الواقع مسألة سهلة وتصبح النتائج التي يتوصل لها الباحث يقينية (تقترب من اليقينية التي يتوصل لها الباحث في الظواهر الطبيعية) الأمر الذي يُولِّد لدى الإنسان وهم التحكم الكامل في واقعه والتفاؤل الشديد البسيط. والعقل الإنساني، منذ أن وُجد الإنسان، دائم البحث عن صيغة بسيطة يمكنه عن طريقها تفسير كل شيء والتحكم في كل شيء وحل كل مشاكله: خاتم سليمان أو مصباح علاء الدين أو جملة سحرية أو معادلة رياضية أو قانون علمي واحد يفك به كل الشفرات ويحل به كل الألغاز ويفتح به كل الكنوز، فثمة رغبة طفولية جنينية كامنة في النفس البشرية تدفع الإنسان إلى محاولة الوصول إلى عالم فردوسي لا صراع فيه ولا تَدافُع ولا اختيارات أخلاقية، عالم كل الأمور فيه واضحة لا لبس فيها ولا إبهام، ومن ثم يمكن التحكم فيه تماماً.

стр. 312

٢ ـ أدَّى شيوع وهم الموضوعية الكاملة المتلقية والواقع الخام إلى شيوع النماذج الاختزالية، فنحن كثيراً ما نتصور أن الحقائق هي الحقيقة وأن الواقع الخام هو مُستَقَرها، ولذا فنحن نحاول أن نكون موضوعيين تماماً في رصد الحقائق فلا نُعْمل عقولنا. ومعظم الحقائق التي يأتي بها الاختزاليون حقائق موضوعية ووقائع ثابتة حدثت تحت سمع الناس وبصرهم، فهم لا يختلقون الحقائق (في أغلب الأحيان) وإنما يجتزئونها، ولكن كثيراً ما تكون الحقائق التي يذكرونها تافهة هامشية جزئية لا علاقة لها بالحقيقة الكلية (ولذا فهي تُسمَّى بالإنجليزية: ترو لايز true lies أكاذيب حقيقية، أي كلمة حق جزئي يُراد بها باطل كلي) . ٣ ـ النموذج الاختزالي هو النموذج السائد في الصحافة والإعلام على وجه العموم، بسبب أن المشتغل بالإعلام عادةً ليس عنده فسحة من الوقت للنظر العميق في الوقائع التي يكتب عنها (فرئيس التحرير يود أن يجد الخبر فوراً على مكتبه) ولذا ارتبط الإعلام تماماً بالآن وهنا وبما يسمونه الأحداث الساخنة، التي يضطر الإعلامي لعزلها عن أي سياق أو خلفية تاريخية أو اجتماعية وأية دوافع إنسانية مُركَّبة وأية إشكاليات سابقة. وإن حدث وأدرك الإعلامي بعض الأبعاد المركبة للحادثة التي يكتب عنها فهناك مشكلة أن السيد رئيس التحرير الافتراضي يريدها في حيز صغير جداً (٢٠٠ كلمة ـ ٣ دقائق) . وقد أدَّى كل هذا إلى سيادة النماذج الاختزالية على الإعلام والإعلاميين، وبسبب سيطرة الإعلام على عقول الناس بدأت النماذج الاختزالية تهيمن على السواد الأعظم من البشر. ٤ ـ وقد عمَّق هذا الاتجاه ظهور الصورة كمصدر أساسي للمعرفة، فالصورة منغلقة على نفسها توصِّل رسالتها بشكل مباشر إلى وجدان الإنسان العادي، الأمر الذي لا يتيح له أية فرصة للتأمل أو التفكر.

стр. 313

٥ ـ لا شك في أن إيقاع الحياة الحديثة ذاته الآخذ في التسارع لا يسمح بأي تأمل أو تفكُّر، ولذا فمن الأفضل للإنسان أن يدور في إطار الصيغ اللفظية الجاهزة (الكلشيهات) والصور النمطية. والأسباب السابقة تجعل البشر وبخاصة في العصر الحديث، يميلون إلى تبنِّي النماذج الإدراكية والتحليلية الاختزالية. غير أن هناك عناصر تكمُن في واقع أعضاء الجماعات اليهودية ساعدت على انتشار النماذج الإدراكية الاختزالية التبسيطية بين دارسي الظواهر اليهودية.

стр. 314

١ ـ لعل من أهم هذه الأسباب أن ظاهرة الجماعات اليهودية ظاهرة شديدة التركيب وعدم التجانس. فهم ينتمون لعدة مجتمعات في مراحل تاريخية مختلفة وغالبيتهم تعيش في الوقت الحاضر في الولايات المتحدة. ولكن هناك كتلة بشرية يهودية في الشرق الأوسط تدَّعي أنها أقامت دولة يهودية. وهم يوجدون في كل الطبقات القائمة، فمنهم كبار الرأسماليين في الولايات المتحدة ومنهم الحرفيون البدائيون في إثيوبيا. لكن العقل البشري (ربما تأثُّراً بالرؤية التوراتية والإنجيلية لليهود) نظر إليهم باعتبارهم شعباً واحداً (مقدَّساً أو شاهداً أو شهيداً أو مختاراً أو وضيعاً أو منبوذاً) ثم هيمنت مقولة وحدة اليهود هذه وتم رصد أعضاء الجماعات اليهودية باعتبارهم ظاهرة واحدة ينتظمها إطار واحد، وتمت عملية التراكم المعرفي في هذا الإطار الذي يفترض وجود مثل هذه الوحدة الوهمية. وقد استنام معظم الباحثين لهذه الأطروحة السهلة، ولم يَعُد أحد يختبرها مع أنها قابلة للاختبار بالعودة إلى الواقع المتنوع الثري وغير المتجانس للجماعات اليهودية في التاريخ. ولو فعلنا ذلك لاكتشفنا أن اليهود ليسوا يهوداً والسلام، بل هم جماعات يهودية لا ينتظمها تاريخ يهودي واحد وإنما تواريخ إنسانية متعددة، ولاكتشفنا أيضاً أن عناصر عدم التجانس بين هذه الجماعات أكثر أهمية من الناحية التفسيرية من العناصر المشتركة بينها، وأن الجماعات اليهودية «جماعات» أكثر أهمية من كونها «يهودية» . ولكن التوصل إلى هذا المستوى من التعميم يتطلب جهداً بحثياً وإبداعياً شاقاً، عادةً ما يستغرق وقتاً طويلاً، إذ يجب أن يقوم الباحث بمقارنة يهود الصين مثلاً بيهود إثيوبيا بيهود الولايات المتحدة ويهود العالم الإسلامي، في الماضي والحاضر، وعلى المستويات الدينية والأخلاقية والاجتماعية والفكرية والسكانية ... إلخ، وذلك حتى يكون بوسعه أن يحدِّد العناصر المشتركة بينهم، والثوابت والمتغيرات، وعلاقة الواحد بالآخر، وهكذا.

стр. 315

٢ ـ يمكن القول بأن الشعائر اليهودية المركبة التي لا يستطيع الكثيرون من غير اليهود فهمها تُعَدُّ من أهم العناصر التي ساهمت في إشاعة النماذج الاختزالية في دراسة الظواهر اليهودية. فحينما لا يفهم الإنسان شيئاً فإنه كثيراً ما يلجأ إلى تفسيرات اختزالية (تآمرية أو صهيونية) تريحه من عناء التفكير. ٣ ـ ساهمت النزعة الانعزالية في الدين اليهودي، والتصورات الدينية اليهودية الخاصة بالشعب المختار والمركزية الكونية والتاريخية التي يضفيها اليهود على أنفسهم في تعميق شكوك غير اليهود فيهم. ومع هذا، يجب التنبه إلى أن ثمة نزعة توحيدية قوية في العقيدة اليهودية رغم هيمنة النزعة الحلولية الواحدية (ابتداءً من القرن السادس عشر على وجه الخصوص) . ٤ ـ يُلاحَظ أن اليهود يلعبون دوراً مركزياً في الدراما التاريخية المسيحية (نزول المسيح ـ صلبه على يد اليهود ـ هداية اليهود تمهيداً للعصر المشيحاني ... إلخ) . وقد ارتبطت فكرة الخروج في الوجدان الغربي باليهود، فهم دائماً في حالة خروج (ودخول) من فلسطين (أرض كنعان) إلى مصر، ثم من مصر إلي فلسطين، ثم من فلسطين إلى بابل، ومن بابل إلى فلسطين، ومن فلسطين إلى أرض الشتات، وهكذا. وساهم كل هذا في تحويل اليهود إلى مقولة غير زمانية وفي اختزالهم إلى بُعد واحد. ومع أن اليهود لم يلعبوا دوراً متميِّزاً مماثلاً في الإسلام، فقد كانوا أهل كتاب وذوته، إلا أنه من خلال تفسير حرفي يطابق بشكل هندسي بين ما جاء في القرآن ووقائع التاريخ المتناثرة، تم الربط بين ما جاء في القرآن والسنة عن اليهود وبين يهود العالم في العصر الحديث. ومن ثم، تَحوَّل اليهود إلى مقولة ثابتة غير زمانية، وتم اختزالهم مرة أخرى إلى بُعد واحد رغم المفاهيم الإسلامية الحاكمة الخاصة بالفطرة والتدافع وقبول الآخر.

стр. 316

٥ ـ مما لا شك فيه أن وجود اليهود داخل عديد من المجتمعات الغربية، كجماعات وظيفية متفرقة تنتظمها شبكة من العلاقات التجارية الوثيقة، والتي تَحقَّق من خلالها قدر كبير من النجاح التجاري والمالي، عمَّق الرؤية الاختزالية التآمرية في النظر لليهود. وقد بلغت هذه الشبكة قمة تماسُكها وقوتها في القرن السابع عشر حين كانت تصل بين يهود الأرندا في شرق أوربا (في بولندا وأوكرانيا) ، ويهود البلاط في وسطها وغربها، ويهود السفارد في البحر الأبيض والدولة العثمانية وشبه جزيرة أيبريا والعالم الجديد. وخلق هذا الوجود إحساساً عميقاً لدى كثير من الدارسين بأن ثمة تنسيقاً تآمرياً بين اليهود في كل أنحاء العالم (وقد انحلت هذه الشبكة تماماً بقيام النظام المصرفي الحديث وظهور الدول القومية العلمانية الحديثة) . ٦ ـ أدَّى تعثُّر التحديث في الإمبراطورية الروسية في أواخر القرن التاسع عشر وتَزايُد عدد اليهود نتيجة انفجار سكاني صغير (ولمُركَّب آخر من الأسباب) إلى خلق مشكلة عدم تأقلُم لدى الكثيرين من أعضاء الجماعات اليهودية إزاء النظام الاقتصادي الجديد، الأمر الذي اضطر أعداداً كبيرة منهم للهجرة، وقد وُصف هذا بأنه دليل على رغبة اليهود الأزلية في الخروج من أوطانهم ودليل على تطلُّعهم الدائم لصهيون. ٧ ـ ومع ضعف المجتمعات الغربية وبنائها القيمي، بسبب انتشار قيم النفعية واللذة، ومع تَركُّز أعضاء الجماعات اليهودية في كثير من الحركات الفوضوية وفي قطاع اللذة (الكباريهات ـ السينما ـ السياحة) ، تَعمَّق الإحساس بأن ثمة مؤامرة يهودية لا تهدف إلى السيطرة على العالم وحسب، بل تهدف أيضاً إلى إفساده (مع العلم بأن الجماعات اليهودية في أوربا كانت من أكثر القطاعات البشرية محافظة من الناحيتين الأخلاقية والسياسية حتى منتصف القرن التاسع عشر، ولم تكن ظاهرة الأطفال غير الشرعيين معروفة بينهم) .

стр. 317

وطريقة صياغة النموذج الاختزالي لا تختلف عن طريقة صياغة أية نماذج تحليلية أخرى، فهي عملية تفكيك وتركيب: ١ ـ يحدِّد صاحب النموذج الاختزالي الواحدي (الروحي أو المادي) أطروحته الأولية (الفرض العلمي) ، وهي عادةً أطروحة بالغة البساطة، وفائقة العمومية بسبب استبعادها لتركيبية الواقع وتركيبية الفاعل الإنساني (اليهود إن هم إلا عناصر بورجوازية ـ اليهود إن هم إلا شياطين ... إلخ) . ٢ ـ تُمنَح الأطروحة البسيطة مركزية تفسيرية. ٣ ـ تتم مراكمة المعلومات في ضوء هذه الأطروحة البسيطة، ومهما بلغت سذاجة وبساطة الأطروحات والفروض الأولية، فهناك دائماً في الواقع بعض المعطيات والحقائق التي يمكنها أن تضفي قدراً من المصداقية على هذه الأطروحات والافتراضات، وهي عادةً حقائق صلبة وصادقة تماماً من الناحية الإخبارية المباشرة، أي أنها موجودة بالفعل في الواقع. ٤ ـ ولكن ما يحدث لهذه الحقائق الصلبة هو ما يلي: أ) تُنزَع الوقائع والتفاصيل من سياقها التاريخي والإنساني، بحيث تصبح لا تاريخ لها ولا أصول اجتماعية ولا أبعاد إنسانية. ب) تُعزَل الوقائع والتفاصيل عن كل أو معظم الحقائق الأخرى، وعن أية نماذج أو أنماط تاريخية أو اجتماعية أو إنسانية أخرى، أي أن المنظور المقارن يُسقَط تماماً. جـ) بعد إتمام هاتين العمليتين يمكن فرض أي اتجاه على هذه الحقائق فتتحوَّل إلى مؤشر إمبريقي دقيق ودليل مادي قاطع على صدق الأطروحة أو الفرضية الأولية، فهناك عدد لا بأس به من البورجوازيين من أعضاء الجماعات اليهودية، ولا شك في أن هناك من اليهود من يسلك سلوكاً شيطانياً (شأنهم في هذا شأن بعض البشر) .

стр. 318

وبعد أن تتم صياغة النموذج البسيط وتوثيقه، لابد أن يتسم من يتلقَّى "الأطروحة الموثقة" بمقدرة فائقة على تَقبُّل الحقائق المادية الصلبة دون مساءلة وعلى استبعاد الفاعل الإنساني، فهو مُتلقٍّ موضوعي محايد، إن رأى أرقاماً آمن بها على التو، وإن سمع عن واقعة حدثت فعلاً عليه أن يصدقها بكل ما أوتي من عنف وموضوعية دون تفكيك أو تركيب، ودون استدعاء حقائق وأنماط أخرى، ودون إدراك السياق الاجتماعي والتاريخي الإنساني للتفاصيل والوقائع التي تُعرَض عليه، ودون تساؤل عن مدى أهميتها ومركزيتها. وتتسم النماذج الاختزالية، روحية كانت أم مادية، بالواحدية، وتُعبِّر هذه الواحدية عن نفسها إما في مستوى متدن جداً من الخصوصية في حالة النماذج الروحية أو مستوى عال جداً من التعميم في حالة النماذج المادية (كما يمكن أن يتأرجح النموذج الاختزالي بشدة بين المستويين) ، فالنماذج الاختزالية التآمرية ترى اليهود ظاهرة واحدة متماسكة (شعب واحد ـ طبقة واحدة ـ تشكيل حضاري واحد) ، وهو شكل من أشكال التعميم المفرط. وتبدأ هذه الدراسات في الحديث عن تاريخ واحد مع أن مثل هذا التاريخ غير موجود. والأبحاث التي تقبل مثل هذه المقولات تجد نفسها تدور داخل حدود ضيقة متحيزة تؤكد بعض العناصر الهامشية وتهمِّش (أو تُسقط تماماً) بعض العناصر الأساسية، ثم يجد الباحث نفسه يراكم الحقائق داخل هذه الحدود ويبحث عن أنماط مستمرة حيث لا أنماط ولا استمرار، فتفرض عليه المقدمات المتحيزة الكامنة نتائج مضلِّلة. ثم يجد نفسه في نهاية المطاف يكتشف خصوصية يهودية تعزل الظواهر اليهودية عن الظواهر الإنسانية الأخرى، أي أن النموذج الاختزالي التآمري انتقل من التعميم المفرط إلى التخصيص المفرط.

стр. 319

وقد يكون من المفيد أن نضرب بعض الأمثلة على ذلك: حين يفترض الباحث ذو النزعة الاختزالية (التآمرية) أن اليهود (وليس، على سبيل المثال، أعضاء الجماعات اليهودية في القرن التاسع عشر في روسيا) يتحركون داخل التاريخ اليهودي (وليس داخل التاريخ الروسي بشكل مُحدَّد) ، فإنه يبحث عن أسباب ظهور الصهيونية داخل هذا النطاق اليهودي الضيق، وذلك بدلاً من أن ينظر إلى الديناميات الحضارية والإنسانية الأشمل والأكثر فعالية مثل تَعثُّر التحديث في روسيا القيصرية وظهور التشكيل الاستعماري الغربي وتآكُل المنظومات الأخلاقية للمجتمع القيصري ككل. بدلاً من ذلك يشير صاحب النزعة التآمرية إلى إحدى خصائص اليهود الفريدة: اتجاههم نحو التعالي على غير اليهود، الأمر الذي يستفز الشعوب التي يعيش اليهود بين ظهرانيها. وحينما تُكتَشف عصابة مخدرات ودعارة في كاليفورنيا يديرها مهاجرون سوفييت أو يُعلَن عن وجود مافيا من اليهود السوفييت والإسرائيليين، فإن هذه الواقعة تتحوَّل في ذهن التآمريين من أعداء اليهود إلى مؤشر على انحلال الشخصية اليهودية. وفي الوقت نفسه وافق بعض الصهاينة على هذا ولكنهم يحوِّلون هذا الانحلال إلى مؤشر صلب وأكيد يدل على أن اليهود إن عاشوا خارج أرض الميعاد فإنهم يصابون بالانحلال الخلقي والتفسخ الاجتماعي بسبب اغترابهم ولا صلاح لهم إلا بالعودة لوطنهم القومي. ولا يرد في سياق هذا التحليل أي شيء عن معدلات الجريمة في كاليفورنيا، ولا نسبة اشتراك الجماعات المهاجرة الأخرى فيها، ولا نسبة اشتراك المهاجرين السوفييت، ولا نسبة اشتراك اليهود الأمريكيين (الذين استقروا في الولايات المتحدة منذ أمد طويل) .

стр. 320

وحينما يظهر مجرم يهودي، فهذا تعبير عن الإجرام المتأصل في الطبيعة اليهودية (بالنسبة للمعادين لليهودية) ولا تتم الإشارة إلى عتاة المجرمين الآخرين من غير اليهود. وإن حصل يهودي على جائزة نوبل، فإن الصهاينة يشيرون إلى أن اليهود عباقرة بطبيعتهم، وإلى أن اليهود يشكلون ٣% من الشعب الأمريكي بينما بلغ عدد اليهود من الحاصلين على جائزة نوبل ٣٠% (مثلاً) وذلك دون الإشارة إلى أن العلماء اليهود الذين يكسبون جائزة نوبل يُوجَدون دائماً داخل التشكيل الحضاري الغربي ولم يظهر عباقرة بين يهود الهند أو إثيوبيا (وهو ما يدل على أن العنصر الثابت ليس يهودية العبقري وإنما وجوده في الحضارة الغربية بما تتيحه من إمكانيات وإعلام) . وما يحدث هنا أن نقطة البدء هي حقيقة صلبة جزئية يتم تعميمها على اليهود ككل (وهذا هو جوهر التفكير العنصري) .
следующие страницы →