Полный текст (8 511 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.
стр. 2521
وفي عام ١٧٨٢، قام أحد أصدقاء مندلسون بترجمة كتاب منَسَّى بن إسرائيل الذي يدافع فيه عن اليهود ونفعهم، وكتب له مندلسون المقدمة. وأثار الكتاب نقاشاً حاداً لأنه نادى بضرورة إلغاء حق الحاخامات في طرد اليهود من حظيرة الدين (حيريم) . ورد عليه أحد النقاد مبيناً أن مثل هذا المطلب غير منطقي لأن القسر الديني هو أحد أعمدة اليهودية، وزعم أن مندلسون اقترب (في موقعه هذا) من المسيحية التي لا تستند إلى الشرائع والقواعد وإنزال العقوبات بمن لاينفذها وإنما إلى العقائد الأخلاقية غير المرتبطة بنظام عقوبات.
واضطُر مندلسون إلى كتابة أورشليم: أو عن السلطة الدينية والعقيدة اليهودية (١٧٨٣) للرد على الانتقادات الموجهة إليه. والكتاب في جزئه الأول يشبه كتاب إسبينوزا في دفاعه عن الحرية الدينية وحرية الضمير إذ أن للدولة وحدها، من وجهة نظره، حق استخدام القوة من أجل مصلحة المواطنين. ولكن لا الدولة ذاتها ولا الكنيسة لها الحق في فرض أية قيود على عقيدة الإنسان، أو على مبادئه، ولا يمكن تحديد مكانة الإنسان في المجتمع أو حقوقه بناء على عقيدته. ومن ثم طالب مندلسون بمنح كل فرد حرية العقيدة، ليقرر كلٌّ ما يشاء حسبما يمليه عليه ضميره وتصوُّره الأخلاقي. وإذا ما أرادت الكنيسة أو أية مؤسسة دينية أن تبشر بعقيدتها، فلابد أن تلجأ إلى الإقناع لا القسر وطالب بفصل الدين عن الدولة.
стр. 2522
ولكن يُلاحَظ أن ما يقرره الضمير الفردي لا يتجاوز البتة رقعة حياة الفرد، إذ يظل للدولة الحق الكامل فيما يختص بالمصلحة العامة والحياة العامة. وهذا يعني أن مندلسون كان يحاول أن يطرح على اليهود التحدي الذي طرحه عليهم عصر الإعتاق والانعتاق بأن يصبح اليهودي مواطناً لا عضواً في جماعة إثنية دينية، وأن يكون ولاؤه فيما يختص بالحياة العامة للدولة وحدها. ويمكنه أن يحتفظ بولائه فيما يختص بالدين لأعضاء جماعته الدينية حسبما يمليه عليه ضميره، أي أن يصبح اليهودي مواطناً في الشارع يهودياً في منزله.
ويتوجه مندلسون في الجزء الثاني من الكتاب لمشكلة اليهود واليهودية، فيوجه سهام نقده إلى سيطرة الحاخامات، ويحاول أن يطرح تصوراً لليهودية عقلانياً في أساسه، ولكن للوحي فيه مكاناً، فيذهب إلى أن هناك أسساً ثلاثة لليهودية هي: وجود الإله، والإيمان بالعناية الإلهية، وخلود الروح. وهذه الأسس حقائق بدهية مثل الحقائق الرياضية، كما تشكل الأساس الفلسفي لكل الأديان قاطبة. ومن ثم، لا يوجد تعارض بين العقل واليهودية في الجانب العقيدي، ولا يوجد بالتالي داع للقسر الديني. ولكن اليهودية ليست ديناً بالمعنى المتعارف عليه فهي ليست ديناً مرسلاً وإنما مجموعة من القوانين والقواعد الأخلاقية السلوكية والشعائر المرسلة، فهي ديانة لا تهدف إلى تقنين طريقة تفكير اليهودي وإنما لوضع أسس لسلوكه.
стр. 2523
واليهودية لا تطلب الإيمان بأية عقائد يهودية محددة أو حقائق خاصة بالخلاص، ولا تنقل معرفة ربانية خاصة، ولا توجد وصية واحدة من الوصايا العشر تتحدث عن الإيمان وإنما تتحدث كلها عن السلوك. وعندما تحدَّث الرب مع موسى في سيناء لم يذكر له أية عقائد بل ذكر له طريقة للسلوك يطبقها اليهود في حياتهم، أي أن العقل يصل إلى العقائد (العامة والجوهرية) ، والوحي يقرر الشعائر (الخاصة والمحلية) ، وكأن العقل يمثل المضمون والوحي يمثل الشكل. ويتبع مندلسون في هذا تمييز عصر العقل والاستنارة بين الحقائق العقلية والحقائق التاريخية أو الدنيوية. فالأولى لا تتطلب سوى عملية عقلية لإثباتها وتقبُّلها فهي عامة ومجردة، أما الثانية فتتطلب قرائن حسية لإثباتها فهي محددة بالزمان والمكان.
ويقول مندلسون إن المملكة العبرانية المتحدة كانت ثيوقراطية، أي أن العقيدة والدولة كانتا متوحدتين، ولذا فمن كان يرفض الانصياع للأوامر والنواهي الدينية يخرق قانون الدولة ويتمرد عليها. وقد سقطت الدولة، ولكن لم تسقط القوانين أو الشريعة مع هذا لأنها مُرسَلة من الرب، ولذا فهي ملزمة لليهود وحدهم ولكل من يُولد يهودياً ولكنها لا تنطبق على غير اليهود ممن أُرسلت إليهم شريعة نوح. ويشير مندلسون إلى أن اليهود الذين كانوا يتنصَّرون، في القرون الأولى من العصر المسيحي، كانوا يستمرون في ممارسة الشعائر اليهودية، على عكس غير اليهود الذين تنصَّروا، فهؤلاء لم يكونوا مُلزَمين باتباع هذه الشعائر وتنفيذها، أي أنه ربط هنا بين الدين والعرْق أو الإثنية. وبذا، يكون مندلسون قد أعاد تعريف اليهودية تعريفاً إثنياً، وهذه هي الصياغة الصهيونية. ويرى مندلسون أن القوانين الشعائرية والأوامر والنواهي تحتفظ لليهود بروابطهم، وتمنحهم خصوصيتهم وتفرُّدهم، وهذه الصياغة تقترب هي الأخرى من الصياغات الصهيونية للقضية نفسها.
стр. 2524
وعلى هذا، فإن مندلسون يقبل (في الأمور الجوهرية) اللاهوت الطبيعي والفكر الديني لفلسفة الربوبية، ولكنه في الوقت نفسه يقبل التوراة في الشعائر. وقد قال ليو بايك، عن حق، إن اليهودية أصبحت بالنسبة إلى مندلسون خليطاً من الشريعة والديانة الطبيعية (الربوبية) . ولكن هذا تجلٍّ للتناقض الأساسي الكامن في فكر حركة الاستنارة الغربي بين النزوع العقلي نحو العام والمجرد والنزوع الحسي والتجريبي والرومانسي نحو الخاص والمتعيّن.
وتجب ملاحظة الفرق بين فلسفة مندلسون وفلسفة الربوبية، فبينما يرى مندلسون أن العقل والوحي مختلفان وأن الأول يسبق الثاني، يرى فلاسفة الفكر الربوبي أن العقل حينما يصفو يقترب من الوحي الأمر الذي يفترض وحدة العقل والوحي. كما ينبغي أيضاً إيضاح الفرق بين فلسفة مندلسون وفلسفة موسى بن ميمون والرؤية الدينية العقلانية. فموسى بن ميمون يرى أن معرفة الإنسان بالحقيقة تستند إلى العقل والوحي، ورغم أن الديانات في جوهرها عقلانية ولا يمكن أن يُوجَد تناقض بين مضمون الدين والعقل، فإن الإنسان لا يمكنه أن يصل إلى الحقيقة دون وحي. أما مندلسون، فيرفض مسألة الطريق المزدوج لمعرفة الحقيقة والمصدرالمزدوج للحقيقة نفسها، فالوحي لا يمكنه أن يقنع أي إنسان بحقيقة شيء لم يدركه عقله. فكأن العقل هو النقطة المرجعية النهائية والمطلقة في كل الحقائق الأساسية. ومع هذا، وكما أسلفنا، فإن الوحي له دوره، فهو مصدر الشعائر الخاصة بكل دين. ولأن مندلسون ترك مكاناً في نسقه الفكري للوحي، فإنه يختتم كتاب أورشليم بالدفاع عن استقلالية الأديان وخصوصية كل منها، ويرى أن محاولة مزج كل الأديان في دين واحد مسألة غير ممكنة، ذلك أن تعدُّد الأديان أمر مهم للغاية.
стр. 2525
وتعريف مندلسون لليهود يقترب إلى حدٍّ كبير من تعريف إسبينوزا الذي يرى أن شريعة اليهود أُرسلت لليهود دون سواهم. وبينما كان إسبينوزا يرى أن هذه الشريعة فقدت حيويتها ووظيفتها مع نهاية الدولة العبرانية، كان مندلسون يؤمن بأنها مازالت ذات فاعلية. كما يرفض مندلسون حلولية إسبينوزا المتطرفة، فالرب حالٌّ ومفارق في آن واحد وهو رب يرسل الأوامر والنواهي ولكنه رحيم. والإله ليس مجرد نظام منطقي (النظام الضروري والكلي للأشياء) أو قانون طبيعي غير شخصي (كما كان إسبينوزا يتصوّر) . وهذا يعني أن مندلسون احتفظ بشيء من الثنائية الأساسية التي تسم أي تفكير ديني وإن أصبحت باهتة للغاية. ولذا، فحينما علم أن صديقه ليسنج اعترف قبل موته بأنه من المؤمنين بفكر إسبينوزا وحلوليته وإلحاده، أصيبب مندلسون بالذعر وألَّف كتاباً يهاجم فيه إسبينوزا، وكان آخر كتبه. ويبدو أن الجهد العصبي الذي بذله في كتابته كان فوق طاقته إذ تُوفي بعد عدة أيام من تسليم مخطوط الكتاب للناشر.
ولكن، برغم وقوف مندلسون ضد النزعة العقلانية المتطرفة، فإن رؤيته في جوهرها رؤية عقلية عقلانية لاتاريخية تنحو نحو العام والمجرد تختلف عن النزعة الحسية والتجريبية والنزعة الرومانسية التي ظهرت في أوائل القرن التاسع عشر والتي تؤكد الخاص والمحلي والمتعيِّن واللاعقلاني. ويُلاحَظ كذلك أن تأكيد مندلسون أهمية الشعائر الدينية اليهودية، وكذلك إسقاطه أهمية العقائد، يقف في مواجهة تطوُّر اليهودية اللاحقة إذ أن الاتجاه التنويري في اليهودية ركز على العقائد باعتبارها الجزء العقلاني من اليهودية والجزء المشترك مع بقية البشر، وأهمل الشعائر باعتبار أنها مصدر العزلة والخصوصية. ثم تطوَّر هذا الاتجاه في اليهودية المحافظة بحيث أصبح ما يميِّز اليهودية عقائدها الخاصة والفريدة، ولعل هذا يُفسِّر سبب تجاوز فلسفته الدينية بعد موته.
стр. 2526
وتأثر كل من كانط، وهيجل، في رؤيتهما لليهودية، بآراء مندلسون، إذ نظرا إليها باعتبارها ديناً شعائرياً عقلانياً عقلياً بارداً لا يتطلب الإيمان وإنما الممارسة الدينية وحسب مقابل المسيحية التي تؤكد عالم الباطن والروح. وخلص هيجل في مقدماته إلى أن اليهودية قد أصبحت مجرد حفرية مقابل المسيحية التي لا تزال ديناً حياً.
وذاع صيت مندلسون لدرجة أن اليهود أطلقوا عليه لقب «موسى الثالث» ، (باعتبار أن النبي موسى هو الأول، أما الثاني فهو موسى بن ميمون) . ورغم أن مندلسون هو الأب الحقيقي لحركة التنوير، فإنه كان من بعض النواحي شخصية انتقالية إذ كانت تسيطر عليه أحياناً تحفظات كثيرة بشأن ترجمة كل العلوم الدينية. كما كان يعارض التعليم المشترك بين اليهود والأغيار خشية أن يؤدي مثل هذا التعليم إلى تحوُّل اليهود عن دينهم. وقد هاجمه المفكر الصهيوني بيريتس سمولنسكين لأنه طالب بفصل الدين عن القومية، ولأنه أعلن أن اليهودية لا يمكنها الاستمرار إلا بوصفها ديناً وحسب، وهو الأمر الذي يتنافى مع جوهر اليهودية كما يراها سمولنسكين، فهي دين وقومية في آن واحد.
وقد تنصَّر أبناء مندلسون كلهم إلا واحداً، وهذه حقيقة يسوقها بعض اليهود الأرثوذكس والصهاينة دليلاً على أن حركة التنوير كانت حتماً ستؤدي إلى اختفاء اليهودية وإلى انصهار اليهود. ولكنهم لو نظروا إلى مصير عائلة هرتزل وأبنائه، حيث تنصَّر أحدهم وجُنَّ الآخر وانتحر، أما ابنته فكان سلوكها الجنسي شائناً إذ يُقال إنها احترفت البغاء، نقول لو نظروا إلى مصير عائلة هرتزل لاكتشفوا أن ما يحدث لأبناء زعيم حركة سياسية أو فكرية ما، خصوصاً بعد وفاته، لا يصلح لأن يكون معياراً وحيداً للحكم على هذه الحركة.
دانيال إيتزيج (١٧٣٣-١٧٩٩ (
Daniel Itzig
стр. 2527
مصرفي ألماني يهودي وابن تاجر خيول، غيَّر اسمه عدة مرات، كان يُدعَى إتيزيج بن ديفيد جافي. تزوج في أسرة ثرية، وبدأ حياته المهنية مسئولاً عن الفضة في دار السك الملكية، وأصبح رئيس الجماعة اليهود ليصبح ضمن اليهود المحميين (بالألمانية: شوتسيودين Schutzjuden) ، أي اليهود الذين يتمتعون بوضع خاص بسبب تميُّزهم (مُنح إيتزيج حقوق التجار المسيحيين عام ١٧٦١) . وصلت حياته المهنية إلى قمتها مع حرب السنين السبع ١٧٥٦ ـ ١٧٦٣ (كما هو الحال مع كثير من التجار اليهود ويهود البلاط) وذلك حينما طلب فريدريك الثاني منه ومن يهودي بلاط آخر الاشتراك في تمويل الحرب من خلال إصدار مجموعة من النقود المعدنية التي تقل عن قيمتها الحقيقية. وبعد الحرب، استثمر أمواله في صناعة الجلد والسلع الحديدية وأصبح أغنى رجل في بروسيا (بل ويُقال في أوربا كلها) ، وبنى قصراً لنفسه وأسس مصرفاً. وأصبح ممثلاً لكل يهود بروسيا. وكان رئيساً للجنة التي شُكِّلت لدراسة حال الجماعة اليهودية ولتقديم الاقتراحات التي تهدف إلى تحسين أحوالها. ثم عُيِّن مستشاراً مالياً لوليام الثاني الذي منحه حقوق المواطنة الكاملة، له ولكل أعضاء أسرته باعتبارهم يهوداً نافعين (غير قابلين للترحيل) ، وكانوا بذلك أول من حصل على هذا الحق. وفي عام ١٧٩٧، عُيِّن في منصب مصرفي البلاط ومفتش إنشاء الطرق.
стр. 2528
وكان إيتزيج يرى ضرورة تحويل اليهود إلى عنصر منتج، ولذا قرَّر أن يفتح مدرسة لأبناء الأسر اليهودية الفقيرة كي يتعلموا فيها العلوم العلمانية إلى جانب العلوم الدينية وكان هذا يمثل ثورة حقيقية. وقد أدار هذه المدرسة (بعد موته) زوج ابنته ديفيد فرايدلاندر (المصلح الديني) ثم لازاروس بنديفيد. وكان ملحقاً بالمدرسة دار لنشر الكتب العبرية. قام إيتزيج (بإيعاز من زوج ابنته وموسى مندلسون) بمنع الحاخام هيرشل لفين (حاخام برلين الأكبر) من إصدار أمر بطرد فيسيلس من حظيرة الدين (حيريم) بعد أن أصدر كتابه كلمات السلام والحقيقة (١٧٨٢ ـ ١٧٨٥) . وكان إيتزيج مع هذا يرى ضرورة احتفاظ اليهود بعقيدتهم، فقرر في وصيته أن يُحْرَم من الميراث من يتنصَّر من ذريته. ولكنه، نظراً لتردده في موقفه، عاد وألغى هذا الشرط. وكانت مخاوفه في محلها، إذ لم يبق أحد من نسله يهودياً.
ولنا أن نلاحظ ما يلي:
١ ـ يُعَدُّ إيتزيج نموذجاً جيداً لشخصية يهودي البلاط الانتقالية الذي يقف بين العالمين اليهودي والمسيحي.
٢ ـ بسبب هذا نجده يلعب دوراً نشيطاً أساسياً في حركة التنوير والإصلاح الديني، وبخاصة في المجال التعليمي.
٣ ـ كانت شخصيات مثل إيتزج هي النموذج الجديد الذي يُحتذَى لدى الشباب من أعضاء الجماعات اليهودية. ومنطق مثل هذه الشخصيات وسر نجاحها هو التخفف من اليهودية إلى درجة تقترب من التخلي عنها (أي أن يصبح يهودياً غير يهودي) وعادةً ما يكون نسل مثل هؤلاء غير يهود اسماً وفعلاً، كما حدث لنسل إيتزيج.
٤ ـ ساهم إيتزيج بذلك في تقويض دعائم الإيمان الديني اليهودي ووضع أسس دنيوية للنجاح على أساس شروط الأغيار وساهم بذلك هو (وغيره) في خَلْق التربة الخصبة والجو المواتي لظهور الحركة الصهيونية، وهي حركة ترفض اليهودية وتقرر النجاح في عالم الأغيار من خلال آلياتهم وبشروطهم، والمشاركة في السلطة حتى يصبح اليهود شعباً مثل كل الشعوب.
стр. 2529
هرتز هومبرج (١٧٤٩-١٨٤١ (
Herz Homberg
تربوي ألماني يهودي من رواد حركة التنوير ودعاتها. تلقَّى تعليماً دينياً تقليدياً في بداية حياته، ثم تعلَّم الألمانية في السر، وبعدها تعلَّم الرياضيات وعدة لغات أجنبية في برلين وهامبورج. وتأثر هومبرج بأفكار روسو في التربية، وبقي من عام ١٧٧٥ حتى ١٧٨٢ مدرساً لابن مندلسون. ولكنه، وقد جذبته إصلاحات جوزيف الثاني (إمبراطور النمسا) ، انخرط في سلك التدريس في تريستا، وكان أول يهودي في براغ ينجح في امتحان اختيار مدرسين للعمل في مدارس حكومية.
وبعد أن قرر الإمبراطور عدم السماح لليهود بالعمل إلا بعد تعلُّم الألمانية، وكانت قد تأسست مدارس يهودية لتحقيق هذا الهدف، عُيِّن هومبرج مشرفاً عاماً على هذه المدارس ورقيباً على الكتب في جاليشيا. ووضع كتيباً وجَّهه إلى الحاخامات يقترح عليهم فيه ضرورة أن يكون التعليم اليهودي متكيفاً مع الحضارة الأوربية، كما دافع عن تعليم العبرية والألمانية والحرف اليدوية وعن تعليم الفقراء. وأسس هومبرج مائة وسبعاً من المدارس والفصول لتعليم اليهودية، كما أنشأ مدرسة لتخريج المدرسين، ولكن اليهود لم يرسلوا أولادهم إلى هذه المدارس. وألقى هومبرج باللوم على الحاخامات باعتبارهم المسئولين عن فشل اليهود في أداء واجبهم نحو الدولة، واتهمهم بأنهم يحتفظون بولائهم لإرتس يسرائيل ويتحاشون الخدمة العسكرية. وقد اقترح هومبرج على السلطات إلغاء المعاهد التقليدية، كما طالبهم بمنع استخدام العبرية وبأن يُفْرَض على كل الهيئات اليهودية أن تستخدم مدرسين تم تدريبهم تدريباً حديثاً. وطالب بأن يُوجَّه اليهود إلى الحرف المنتجة وأن تُمنَح الحقوق المدنية لليهود الذين يطبقون قانون الدولة، كما طالب بأن تقوم الدولة بإلغاء كل ما يميِّز اليهود عن الأغيار بما في ذلك اللحية والأزياء الخاصة. ورغم أن الدولة كانت تقف وراء التجربة، إلا أنها فشلت فشلاً ذريعاً بسبب معارضة اليهود.
стр. 2530
ويبدو أن هومبرج كان عقلانياً لا يدرك أن اللحظة التاريخية تساهم في صياغة الإنسان. ودفعه رفضه اليهودية الحاخامية إلى أن يطرح اقتراحات ثورية صبيانية مستحيلة مثل إلغاء منصب الحاخام وتدمير كل الكتابات الحاخامية وإلغاء الشريعة الشفوية.
استقر هومبرج بعد ذلك في فيينا وكان رقيباً على الكتب. ووضع عدة كتب دينية مدرسية اقترح في أحدها عقد اختبار إجباري لكل من ينوي الزواج من اليهود. وعمل بين ١٨١٦ و١٨٤١ في براغ مشرفاً على المدارس اليهودية. وتم تعميد أولاده الأربعة في حياته.
لازاروس بنديفيد (١٧٦٢-١٨٣٢)
Lazarus Bendavid
أحد دعاة حركة التنوير بين يهود ألمانيا، وله كتابات في الفلسفة أحرزت ذيوعاً في وقتها، كما أن سله كتابات تناولت موضوعات يهودية نادى فيها بإصلاح اليهودية. وكان يرى أن الطريقة الوحيدة لوقف تنصُّر اليهود هي اليهودية الإصلاحية. وقد تقبَّل بنديفيد فكرة نقد العهد القديم، وكان يذهب إلى أن الشعائر هي سبب ضعف اليهودية في عصره، ونادى بإلغائها. كما طالب بالابتعاد عن الشريعة الشفوية، وبيَّن أن الإيمان بالماشيَّح ليس إحدى العقائد الأساسية في اليهودية، وأن حصول اليهود على حقوقهم ومساواتهم بالأغيار هو في واقع الأمر عودة الماشيَّح.
أيزيك لفنسون (١٧٨٨-١٨٦٠ (
Isaac Levinsohn
стр. 2531
مؤسس حركة التنوير في روسيا، ويُسميه البعض «مندلسون روسيا» . وُلد لأسرة يهودية ثرية، ونشأ في بلدة على حدود جاليشيا النمساوية. علَّم نفسه البولندية والألمانية والفرنسية، ويُعَدُّ من أوائل اليهود الذين أتقنوا اللغة الروسية. وعمل كمترجم للقوات الروسية أثناء الغزو الفرنسي عام ١٨١٢. تنقَّل بين عامي ١٨١٣ و١٨٢٠ بين عدد من مدن شرق جاليشيا مثل برودي وتارنبول، وقام بالتدريس في المدارس اليهودية الحديثة، وهناك تعرَّف إلى عدد من دعاة التنوير اليهود. وفي عام ١٨٢٣، استقر في مدينة كرمنتز ليكرِّس جهده ونشاطه في نشر فكره المتصل بإصلاح أوضاع اليهود.
بدأ نشاطه الأدبي حينما كان في جاليشيا، فنشر قصيدة بالعبرية، كما نشر ترجمة يديشية للتعريفة الجمركية الروسية الرسمية، وأعد كتاباً بالعبرية لتعليم قواعد اللغة الروسية، إلا أنه لم يُنشَر. وشهد عام ١٨٢٨ ظهور أهم كتب لفنسون شهادة في إسرائيل الذي يوجه فيه نقداً لاذعاً للمدارس الأولية الخاصة (حيدر) التي يتمركز منهجها حول التلمود وهي مدارس تتبع طرقاً غير منهجية في التدريس ويُستخدَم فيها العقاب البدني، ولذا سماها لفنسون «غرف الموت» . وقد عارض لفنسون استخدام اليديشية كلغة للتدريس، وطالب باستخدام اللغة الألمانية أو الروسية. وحث اليهود على تعلُّم اللغات الأجنبية والمواد العلمانية. كما طالب لفنسون اليهود بإعادة بناء حياتهم الاقتصادية والاجتماعية على أساس الابتعاد عن التجارة والاشتغال بالحرف الإنتاجية المختلفة. ولتدعيم وجهة نظره، كان لفنسون يشير دائماً إلى ممارسات مشاهير اليهود في الماضي. وقد أغضبت أفكاره الدوائر الأرثوذكسية، ولكن كثيراً من الشباب اعتبر كتابه شهادة في إسرائيل إنجيلاً جديداً. وحصل لفنسون على جائزة مقدارها ألف روبل عن هذا الكتاب، وذلك لاتفاق أفكاره مع اتجاهات الحكومة الروسية لإصلاح أوضاع الجماعات اليهودية في روسيا.
стр. 2532
وانتهى لفنسون من تأليف كتابه الثاني بيت يهودا (عام ١٨٢٩) ، ولكنه لم ينشره إلا بعد عشرة أعوام؛ نظراً للمعارضة الشديدة من قبل الحاخامات لطبعه، فهو عبارة عن تفسير لليهودية في ضوء فلسفة التاريخ. وفي محاولته الإجابة عن إمكانية إصلاح اليهود واليهودية، يتبع لفنسون تفسير مندلسون الذي يرى في اليهودية قانوناً شاملاً فيما عدا القانون الإلهي، كما تشتمل على قانون مدني يختص بممارسات المجتمع والعلوم المطلوبة للحفاظ عليه وتطويره. وهذا القانون، كما يرى لفنسون، يمكن تعديله وإصلاحه طبقاً لروح العصر ومتطلبات الشعب. وفي الجزء الثاني من الكتاب، يقدِّم لفنسون عرضاً تاريخياً لتعاليم حكماء اليهود ومن بينهم مندلسون. ويُنهي لفنسون كتابه ببرنامج لإصلاح حياة اليهود في روسيا يشتمل على العناصر التالية:
أ) تأسيس مدارس أولية للبنين والبنات من الطبقات الفقيرة وضرورة تعليمهم حرفاً مختلفة. كما طالب بتأسيس كليات مركزية في وارسو وفلنا وأوديسا ليدرس فيها الموهوبون من الطلبة التلمود والقوانين والعلوم واللغات المختلفة.
ب) تعيين حاخام أكبر ذى صلاحيات كبيرة بحيث يمكنه تعيين حاخامات ووعاظ في مدن روسيا يخضعون لإشرافه على أن تساعده محكمة عليا دينية. كما طالب بتعيين لجنة من قيادات الجماعة للدفاع عن الفقراء والناس العاديين ضد قياداتهم وضد الأغنياء الذين يستغلونهم أسوأ استغلال.
جـ) تعيين وعاظ ليقوموا بحثِّ الناس على السلوك القويم وتشجيعهم على امتهان الحرف المختلفة، وليوضحوا لهم واجباتهم تجاه الإله وتجاه أنفسهم وتجاه الآخرين وتجاه الدولة وتجاه البشرية عامة.
د) توجيه يهود روسيا إلى العمل بالزراعة.
стр. 2533
وقد اشترت الحكومة الروسية ألفي نسخة من هذا الكتاب لتوزيعها في المعابد والمدارس العبرية. ورغم توجيه لفنسون النقد لطريقة حياة اليهود، وتأكيده ضرورة أن تُطبَّق إصلاحاته المقترحة دون أخذ موافقتهم، إلا أنه دافع عن اليهودية كديانة. ففي عام ١٨٣٨، كتب دفاعاً حاراً ضد هجمات المرتدين وضد تهمة الدم في كتابه الذي يُسمَّى لا يوجد دم، وتُرجم هذا الكتاب إلى اللغة الإنجليزية فيما بعد. ومن أهم كتبه الأخرى زروبابل الذي صدر بعد وفاته في أوديسا عام ١٨٦٣ في شكل غير كامل، ثم صدر بعد ذلك في عدة طبعات مختلفة. وفي هذا الكتاب، دافع لفنسون عن التلمود واليهودية ضد هجمات ماكول (المبشر الإنجليزي) ، كما نشر هجوماً باليديشية على الحسيدية.
جبريل رايسر (١٨٠٦-١٨٦٣)
Gabriel Riesser
محامي ألماني يهودي، وأحد أهم دعاة حركة التنوير. وُلد في هامبورج ودرس القانون في كيلي وهايدلبرج. لم يوفَّق في محاولته الاشتغال بالمحاماة والقضاء، ولكنه على عكس كثير من معاصريه لم يتنصَّر ليحقق غرضه، وبدلاً من ذلك أصرّ على أن يدافع عن حق اليهود، كمواطنين، في أن يحصلوا على حقوقهم كاملة. ودخل في محاجة مع المفكر الديني العقلاني هـ. أ. ج. باولوس الذي ذهب إلى أن تمسُّك اليهود بدينهم جعل منهم أمة، ولذا ليس لهم الحق في أن يكونوا مواطنين، بل هم رعايا موضوعون تحت الحماية وحسب. كما أن باولوس ذهب إلى أن محاولة اليهود الاندماج في الشعب الألماني، هي محاولة زائفة، ستؤدي إما إلى طردهم أو إلى إبادتهم. وقد رد رايسر على ذلك بأن إيمان اليهود بدينهم هو مسألة عقيدة شخصية، ومن ثم فهم متساوون مع المواطنين الألمان كافة حيث عاش الألمان واليهود في ألمانيا منذ عدة أجيال. ولم يكن رايسر محافظاً على شعائر دينه في حياته الخاصة، ولكنه أصر على حق اليهود في ممارسة هذه الشعائر. وكان رايسر من أهم أعضاء معبد هامبورج الإصلاحي واليهودية الإصلاحية.
стр. 2534
ونجح رايسر في كثير من جهوده إذ شغل عدة وظائف إلى أن أصبح عضواً في البرلمان في فرانكفورت (١٨٤٨ ـ ١٨٤٩) ، كما أصبح نائباً لرئيسه وعضواً في اللجنة الدستورية، ثم شغل منصب عضو في محكمة هامبورج العليا، وكان أول ألماني يهودي يُعيَّن في مثل هذا المنصب كما سُمِّي شارع باسمه في هامبورج.
جمعية تنمية الثقافة بين يهود روسيا
Society for the Promotion of Culture among the Jews of Russia
جمعية ثقافية روسية أسسها عام ١٨٦٣ في سانت بطرسبرج عدد من أثرياء الجماعة اليهودية في روسيا بغرض نشر الثقافة الروسية بين الجماهير اليهودية والإسراع بعملية التحديث والترويس بينهم.
стр. 2535
وكانت عملية التحديث والنمو الاقتصادي التي بدأتها الحكومة القيصرية، والتي اتخذت شكلاً أكثر ليبرالية في عهد ألكسندر الثاني (١٨٥٥ ـ ١٨٨١) ، قد أتاحت فرصة الحراك الاجتماعي والاقتصادي لأعضاء الجماعة اليهودية. ومن ثم، نشأت طبقة من التجار والأثرياء اليهود المتعاونين مع الحكومة في عملية التحديث والداعين للدمج والترويس بين الجماهير اليهودية. وأعرب ليون روزنتال، أحد مؤسسي الجمعية، عن أن الدافع وراء تأسيس الجمعية هو الاتهامات التي كانت توجَّه للجماعة اليهودية والقائلة بأن الانعزال الديني والثقافي والاجتماعي لليهود وطفيليتهم الاقتصادية هما السبب الرئيسي وراء عدم إعتاقهم وعدم منحهم حقوقهم المدنية. وكان القطاع الأكبر من الجماهير اليهودية رافضاً لعملية التحديث نظراً لما تسببت فيه من ضياع وظائفهم التقليدية وتدهور أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية، كما كان هذا القطاع من الجماهير رافضاً مسألة الدمج والترويس. ولكن هذا التحول كان ضرورياً في نظر أثرياء اليهود المتروِّسين حرصاً على مكانتهم الاجتماعية ومصالحهم الطبقية، خصوصاً أن عملية التحديث والتحوُّل الاقتصادي صاحبتها ظروف اقتصادية واجتماعية قاسية بالنسبة للجماهير الروسية بشكل عام، وهو ما كان يهدد بوضع أعضاء الجماعة اليهودية وغيرهم من الأقليات الدينية أو الإثنية أو العرْقية في موضع هجوم واتهام في حالة تأزُّم الأوضاع الاجتماعية وأثناء زيادة حدَّة الإفقار، وهو ما حدث بالفعل بعد تعثُّر عملية التحديث عام ١٨٨٢.
стр. 2536
وقد واجه تأسيس الجمعية، في البداية، عدة اعتراضات من أكثر من جهة، فاليهود الأرثوذكس رفضوا المشروع خوفاً من آثاره السلبية على العقيدة اليهودية. أما دعاة التنوير، فطالبوا باتخاذ إجراءات أسرع وأكثر راديكالية. وأما الحكومة الروسية، فكانت تخشى من تحوُّل هذه الجمعية إلى مؤسسة ذات قاعدة شعبية عريضة، ولذلك رفضت فتح أية فروع لها في أنحاء البلاد، وبخاصة داخل منطقة الاستيطان، الأمر الذي أدَّى إلى تقليص تأثيرها في الجماهير فيما بعد.
وبعد مفاوضات طويلة، تقرَّر تحديد هدف الجمعية وتم النص على أنه تنمية الثقافة بين يهود روسيا ودعم المؤلفين والعلماء والطلبة اليهود، أما السبيل إلى ذلك فيتحدَّد في تعليم اللغة الروسية للجماهير اليهودية وإصدار الكتب والترجمات والدوريات باللغتين الروسية والعبرية. كما تقرَّر أن تعمل الجمعية تحت إشراف وزارة التعليم، وأن تقبل أعضاء من جميع الأديان والأجناس والطبقات والمراكز.
وكان أول من ساهم في تأسيس وتمويل صندوق الجمعية أثرياء اليهود من رجال المال، خصوصاً ليو روزنتال وعائلة جونزبورج التي انتُخب أحد أعضائها رئيساً لمجلس إدارة لجنة الجمعية. وكانت الجمعية تعتمد على تمويل عدد من أثرياء اليهود وهو ما ترك أثره في طبيعة الجمعية ومشاريعها وتوجهاتها. وقد انضم للجمعية عدد من المثقفين والمفكرين اليهود، مثل: أبراهام لفنسون، وأبراهام مابو، ويهودا جوردون، ومندل موخير سفاريم، وغيرهم، كما جرت محاولات لجذب مفكرين وكُتَّاب وشخصيات عامة ليبرالية غير يهودية.
стр. 2537
وبرزت داخل الجمعية، منذ بدايتها، بعض الخلافات حول كيفية مخاطبة الجماهير ونشر الثقافة بينهم واللغة التي يجب نشرها. فكان هناك اتجاه يمثله ليو روزنتال يرى ضرورة بناء الجديد دون هَدْم القديم ودون المساس بالقيم والتقاليد التي تحترمها الجماهير اليهودية، وبالتالي فإن على الجمعية توفير تعليم محايد لا يثير شكوك الجماهير أو مخاوفها أو يصدم معتقداتها بل يوفر لها قدراً من المعرفة بالعلوم والجغرافيا والتاريخ. كما فضَّل هذا الاتجاه استخدام اللغة العبرية في نشر الثقافة بين الشباب اليهودي والاهتمام بإصدار الكتب والدوريات العبرية. كما رفض هذا الاتجاه استخدام اليديشية، مع العلم بأن الغالبية الساحقة من الجماهير اليهودية في روسيا لم تكن تعرف العبرية، فقد كانت لغة ميتة تقتصر معرفتها على الأرستقراطية الدينية من كبار الحاخامات وخريجي المدارس التلمودية العليا (يشيفا) . ولم يكن الاتجاه نحو بعث العبرية اتجاهاً شعبياً أو تقليدياً وإنما كان اتجاهاً صهيونياً يرفض وضع أعضاء الجماعات اليهودية في أنحاء العالم ويرمي إلى بعث قومي ومن ثم إلى الاهتمام بالعبرية. ومن ناحية أخرى، كان هناك اتجاه آخر داخل الجمعية يمثله د. شولسون وأ. هاركابي يدعو إلى ضرورة نشر اللغة الروسية بين أعضاء الجماعات اليهودية والمساهمة في تطوير وبلورة أدب روسي يهودي والعمل على هدم الحواجز التي تفصل بين اليهود وسائر أفراد الشعب الروسي والتصدي لجميع الاتهامات الكاذبة الموجهة لليهود أو اليهودية. كما كان هناك اتجاه أكثر تطرفاً بالنسبة لمسألة الترويس داخل الجمعية، وبخاصة في فرعها في أوديسا (تأسس عام ١٨٦٧) ، ويمثله رابينوفيتش وليو بنسكر، وكان هذا الاتجاه يطالب بترويس يهود روسيا بشكل كامل وسريع. وبالإضافة إلى كل هذا، كانت هناك مجموعة صغيرة يمثلها الحاخام شواباخر، وهو حاخام أوديسا، تطالب بتخصيص قسم داخل الجمعية لتعليم اللغة الألمانية للشباب حتى
стр. 2538
يكون في استطاعتهم الاطلاع على الأعمال اليهودية المهمة التي كُتبت بهذه اللغة إلى جانب أن اللغة الألمانية كانت تعني فتح مجال التعرف على الثقافة الأوربية بشكل عام. واستقر رأي الجمعية في نهاية الأمر (عام ١٨٦٤) على أن يكون نشر اللغة الروسية هو الهدف الأساسي وراء جميع أنشطتها حيث إن ذلك هو السبيل الوحيد لمشاركة الجماهير اليهودية في الحياة الروسية.
وعندما أصبح يهودا ليب جوردون سكرتيراً للجمعية عام ١٨٧٢، أدخل بعض التعديلات على الجانب التنفيذي وقام بنشر هذه التعديلات في الصحافة العبرية حيث تضمنت الدعوة إلى ضرورة العمل على تطوير التعليم المهني والفني والمؤسسات الخاصة بها. وأعلنت الجمعية عن استعدادها لمساعدة الحرفيين اليهود على الاستيطان في جميع أنحاء الإمبراطورية الروسية، وطالبت الجمعية بإدخال تعديلات وتغييرات في الأطر الإدارية للجماعات اليهودية، والتأكيد على مبدأ دعاة التنوير الخاص بأن انعتاق اليهود سيتحقق فقط بعد أن يحقق اليهود تقدماً وتحسناً في المجال الروحي والأخلاقي.
стр. 2539
وتركزت أنشطة الجمعية في مجالات النشر والتعليم. ففي مجال النشر، اهتمت الجمعية بتوفير المراجع التي تساعد على تعليم اللغة الروسية، كما قامت بترجمة ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» إلى الروسية حتى يتعرف إليه القارئ الروسي، وخصصت منحاً للكُتَّاب اليهود لتشجيعهم على الكتابة بالروسية. وتم التخطيط لإصدار نشرة فكرية وأدبية سنوية تضم أعمالهم، غير أنها لم تُصدر سوى نشرة واحدة نتيجة عدد من الصعوبات من بينها عدم وجود عدد كاف من الكتابات والمواهب الأدبية، بالإضافة إلى القيود الرقابية والمخاوف الداخلية من توجيه أية انتقادات للعقيدة اليهودية. كما قامت الجمعية بدعم عدد من الجرائد الأسبوعية وبتمويل إصدار ملحق باللغة الروسية لجريدة هاكارميل الأسبوعية. وكان من أهم إنجازات الجمعية القيام بتجميع آراء الحاخامات الواردة في التلمود وإصدارها باللغة العبرية عام ١٨٧١ ثم بالروسية عامي ١٨٧٤ و١٨٧٦. وكان الغرض من هذا العمل توفير مرجع للحاخامات لتحضير خطبهم بلغة البلاد، بالإضافة إلى تعريف الجمهور غير اليهودي بالقواعد والمبادئ الأساسية في التلمود. كما قامت الجمعية بترجمة العهد القديم إلى الروسية، وذلك أملاً في تحقيق النتائج الإيجابية التي حققتها هذه الخطوة في ألمانيا لحركة الاستنارة اليهودية.
стр. 2540
وفي عام ١٨٧٣، قامت الجمعية بإصدار ترجمة جديدة للتوراة، كما خصَّصت أموالاً كثيرة لترجمة كتب الصلوات اليهودية (سدور) وكتب صلوات الأعياد (محزور) ، وكذلك لتأليف عدد من الكتب المدرسية بالروسية ولدعم المفكرين اليهود لإجراء بحوث حول ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» ، كما خصَّصت الجمعية منحاً لمؤلفي الكتب باللغة العبرية في الرياضيات والفيزياء والطبيعة والكيمياء والجيولوجيا. وقامت الجمعية أيضاً بدعم الدوريات العبرية، وهي دوريات كانت مهتمة بشكل خاص بالعلوم الطبيعية وبالتاريخ والسير الذاتية اليهودية. وإلى جانب ذلك، ساهمت الجمعية في إصدار كتابين في الجغرافيا والتاريخ الروسي.
وكانت الجمعية، سواء بجناحها المؤيد للغة الروسية أو جناحها المؤيد للغة العبرية، معارضة للغة اليديشية باعتبار أنها تمثل مرحلة بائدة. ورغم ذلك، أظهرت الجمعية استعدادها لدعم مجلة أسبوعية يديشية باعتبار أن ذلك سيساعد على توصيل المعرفة والمعلومات إلى قطاع أوسع من الجماهير اليهودية. كما خصصت بعض الموارد المالية لإصدار كتب باليديشية حول التاريخ اليهودي والروسي، ولكنها تراجعت عن ذلك عقب الانتقادات التي وُجِّهت لهذه الخطوة في كلٍّ من الصحافة الروسية والصحافة الروسية ـ اليهودية.
стр. 2541
أما بالنسبة للأنشطة التعليمية، فقد خصصت الجمعية جزءاً كبيراً من ميزانيتها لدعم ومساعدة الطلبة اليهود في مؤسسات التعليم العالي الروسية، وبخاصة في سانت بطرسبرج، حيث اعتبرهم دعاة التنوير أفضل المرشحين لقيادة الجماعة اليهودية. كما ساعدت الجمعية الطلبة على الدراسة في الجامعات والمعاهد الأجنبية، ولكن الحكومة الروسية منعت ذلك عام ١٨٧٩ باعتبار أنه مخالف للوائح الجمعية. وفي أعقاب الإصلاحات التي طُبِّقت على شبكة المدارس اليهودية الحكومية والتي أدَّت إلى إغلاق كثير من هذه المدارس، قرَّرت الجمعية إقامة صندوق خاص لسد احتياجات المدارس الثانوية والابتدائية. كما اقترحت إدخال تعليم اللغة الروسية كمادة إجبارية في هذه المدارس، وإقامة قسم خاص للمواد العبرية، ودعم فصول الحرف الملحقة بالمدارس، والمساعدة في تأسيس معاهد للمعلمين داخل منطقة الاستيطان، والسماح بإلحاق عدد من الطلبة بهذه المدارس على نفقة الجمعية. كما شاركت الجمعية في تأسيس المكتبات العامة.
وزاد حجم العضوية في الجمعية من ١٧٥ عام ١٨٦٤ إلى ٢٨٧ عام ١٨٧٣ ثم إلى ٧٤٠ عام ١٨٨٨. وكان المصدر الأساسي لتمويل الجمعية، وبخاصة في السنوات العشر الأولى، عائلتا جونزبورج وليو روزنتال. وخلال سنوات وجودها الـ ٢٥ أنفقت ٢٨٦ ألف روبل على الطلبة اليهود في المدارس العامة والتعليم العالي.
стр. 2542
وشهدت التسعينيات من القرن التاسع عشر بعض التجديدات في الجمعية حيث انضم إليها عدد من الشباب المتعلم والمثقف الذي جاء بأفكار ومشاريع جديدة. فقامت الجمعية عام ١٨٩١ بتأسيس لجنة تاريخية للبحث في تاريخ الجماعة اليهودية في روسيا. وتحوَّلت هذه اللجنة عام ١٩٠٨ إلى الجمعية التاريخية والإثنوغرافية اليهودية. وفي عام ١٨٩٤، تأسست لجنة للتعليم الشعبي اهتمت بالمدارس اليهودية، خصوصاً تلك التي تضم مناهج عبرية. كما اهتمت بتدريب معلمي العبرية، فانعقد مؤتمر للمعلمين عام ١٩٠٣ في روسيا البيضاء. وتم افتتاح فروع جديدة للجمعية في موسكو (١٨٩٤) وريجا (١٨٩٨) وكييف (١٩٠٨) . وفي عام ١٩٠٠، وصل حجم العضوية إلى ٣٠١٠ عضو. وفي عام ١٩٠٦، تم تعديل قوانين الجمعية بحيث أصبح من حقها افتتاح المدارس والمكتبات وتنظيم المحاضرات والحلقات الدراسية لتدريب المعلمين، كما تقرَّر فتح فروع لها في المناطق التي تزيد العضوية فيها على ٢٥ عضواً. وفي عام ١٩١٢، وصل عدد الفروع ٣٠ فرعاً في كل أنحاء روسيا تضم ٧٠٠٠ عضو. كما كان للجمعية عام ١٩١٠ عشرة مدارس، إلى جانب ٩٨ مدرسة تشرف عليها بشكل جزئي. وفي العام نفسه، بدأت الجمعية في إصدار جريدتها الخاصة التي تتناول قضايا التعليم والثقافة والمكتبات. وفي عام ١٩١٢، تأسست لجنة لدراسة كيفية إصلاح وتطوير المدارس اليهودية التقليدية مثل المدرسة الأولية الخاصة (الحيدر) .
стр. 2543
ونظراً لأن الجمعية كانت المؤسسة اليهودية الوحيدة المسموح لها بمزاولة الأنشطة التعليمية والثقافية، فقد انضم إليها في أوائل القرن العشرين عدد من الزعماء الصهاينة والمنادين بالقومية اليهودية مثل آحاد هعام وبياليك. وبعد فشل ثورة ١٩٠٥، انضمت إلى هذه الجمعية عناصر من الأحزاب الاشتراكية اليهودية، ونتج عن ذلك وجود ثلاثة تيارات متصارعة داخل الجمعية: التيار المطالب بالاندماج والارتباط الوثيق بالثقافة الروسية، والتيار الصهيوني العبري، ثم التيار اليديشي الممثَّل في عناصر حزب البوند. وافتتحت الجمعية خلال الحرب العالمية الأولى ٢١٥ مدرسة تضم ١٣٠ ألفاً من الأطفال اليهود واللاجئين، وبعد ثورة فبراير الروسية اتَّجه الصهاينة لتأسيس اتحادهم التعليمي والثقافي الخاص تحت اسم «تاربوت» ، كما أقام مؤيدو اليديشية جمعية خاصة بهم. وبعد الثورة البلشفية، تمت تصفية جميع أفرع الجمعية في الأقاليم وإغلاق مدارسها وإنهاء أنشطتها التعليمية. وظل المركز الرئيسي في بتروجراد يعمل، ثم تم حل الجمعية بشكل نهائي عام ١٩٣٠ وألحقت مكتبتها التي ضمت ٥٠ ألف كتاب و١٠٠٠ مخطوطة إلى معهد الثقافة اليهودية البروليتارية في كييف.
صالونات النساء الألمانيات اليهوديات
Salons of German Jewish Women
«صالونات النساء اليهوديات» صالونات فكرية أقامتها بعض بنات أثرياء اليهود في فيينا وبرلين في بداية القرن التاسع عشر، وأصبحت مركزاً يلتقي فيه أعضاء النخبة الثقافية والسياسية في أوربا مع بعضهم البعض، ومع البارزين من أعضاء الجماعة اليهودية. وظاهرة الصالونات ظاهرة مرتبطة تماماً بحركة التنوير اليهودية ثم بداية انفتاح الجماعة اليهودية على عالم غير اليهود وبداية علمنة أعضائها ودمجهم بل صهرهم وأحياناً تنصيرهم.
стр. 2544
ولعل قيام النساء بهذا الدور القيادي في عملية التقارب بين الجماعة اليهودية وعالم غير اليهود يعود إلى مُركَّب من الأسباب الثقافية والاقتصادية. وأهم الأسباب بطبيعة الحال هو أن المجتمع الغربي بأسره كان قد بدأ يتحول من مجتمع تقليدي مبني على الفصل بين الطبقات والجماعات إلى مجتمع حديث تديره دولة قومية علمانية مركزية. ولم يكن هناك مفر من القضاء على كل الجيوب الإثنية والدينية والجماعات الوظيفية بحيث يتم دمجها في بنية المجتمع ككل. والجماعة اليهودية كانت إحدى هذه الجماعات، كما أن الصالونات كانت آلية من آليات الدمج إذ أن احتكاك أعضاء القيادة اليهودية بالثقافة غير اليهودية كان يسهم ولا شك في زيادة اقترابهم منها واستيعابهم لها ومن ثم وصولها إلى كل أعضاء الجماعة، ذلك أنه، مع تحوُّل النخبة، يَسهُل تحوُّل الجماهير. وقبل أعضاء الأرستقراطية الألمانية، رغم ما عرف عنهم من عنصرية، ارتياد هذه الصالونات لأنها كانت تتسم بقدر كبير من الحرية والانفتاح، ومن ثم كانت مجالاً لتبادل الأفكار غير متاح في المجتمع. ولابد أن نتذكر أن الفكر العقلاني وجد طريقه إلى أعضاء الأرستقراطية الغربية وعبَّر عن نفسه في ظاهرة الحكومات المطلقة المستنيرة التي كانت تبغي إصلاح المجتمع من أعلى، ومن خلال تشريعات حكومية. كما أن انتشار الرؤية النفعية والمركنتالية في المجتمع، جعل بالإمكان تقبُّل اليهودي أو أي شخص آخر ما دام أثبت نفعه.
стр. 2545
أما من الناحية الاقتصادية المباشرة، فيعود ظهور الصالونات إلى حرب الأعوام السبعة (١٧٥٦ ـ ١٧٦٣) ، إذ أعطى فريدريك الأكبر مجموعة من العقود للمتعهدين العسكريين اليهود، الذين أثبتوا كفاءتهم في سد حاجاته من السلع والمواد المختلفة ونفعهم لبروسيا. وتمكَّن هؤلاء المتعهدون من مراكمة الثروات إبَّان هذه الحرب، وكثير من المزايا التي منحها إياهم الإمبراطور مكافأة لهم على الخدمات التي أدوها لوطنهم بروسيا. وقد اضطر كثير من أعضاء الأرستقراطية الألمانية إلى اقتراض المال من المموِّلين اليهود في هذه الفترة. ولكل هذا، ازداد اختلاط أعضاء الأرستقراطية الألمانية بأثرياء اليهود.
وفي إطار هذا، يمكن القول بأن الصالونات كانت تمثل مرحلة انتقالية في تاريخ الجماعات اليهودية، فهي مرحلة كانت الجماعات اليهودية لا تزال تلعب فيها دور الجماعة الوظيفية، ولكن قوة الدولة المركزية كانت آخذة في التزايد، ومن ثم بدأت عملية الاستغناء عن الجماعات الوظيفية. كما أن الجماعة الوظيفية اليهودية ذاتها كانت قد بدأت تراكم الثروات وهو ما جعلها مستعدة لارتياد قطاعات اقتصادية جديدة داخل الاقتصاد الوطني وفي صلبه. وعلى المستوى الثقافي، نجد الوضع نفسه، فأعضاء النخبة في الجماعة اليهودية كانوا لا يزالون (يهوداً) يتَّسمون بشيء من الخصوصية التي يتمتع بها أعضاء الجماعات الوظيفية. ولكنهم كانوا في الوقت نفسه قد بدأوا يتحركون في عالم الألمان، ويتشربون شيئاً من ثقافتهم، ويتطلعون إلى فقدان ما تبقى لديهم من خصوصية، ويندمجون تماماً في عالم ثقافة الأغلبية.
стр. 2546
ويظل سؤال أخير: لماذا النساء اليهوديات دون الرجال؟ وللإجابة على هذا السؤال، لابد من الإشارة إلى مفارقة غريبة وهي أن التراث الديني اليهودي كان يحرم على المرأة المشاركة في الحياة العامة (الدينية) والدراسة الدينية، وكان هذا يعني أن كثيراً من الفتيات اليهوديات من أبناء الأسر الثرية بدأن يتلقين تعليماً غربياً علمانياً، فأصبحن أكثر إلماماً بالعلوم والثقافة الغربية وأكثر كفاءة في التعامل مع العالم الغربي وأكثر تملكاً لناصية خطابه الحضاري. ولذا، كان بمقدورهم أن يلعبن دور الوسيط بين أعضاء الجماعة اليهودية والنخبة الألمانية. كما أن ثراء أسرهن حررهن من الدور التقليدي للمرأة، فأصبح لديهن الوقت والثقافة والثراء الكافي لمثل هذه الصالونات.
стр. 2547
وبدأ مندلسون تقليد الصالونات هذا حين خصص ليلة يلتقي فيها المثقفون اليهود مع غير اليهود ليتبادلوا الأفكار. وكان أول صالون تفتحه مثقفة يهودية هو صالون هنريتا هرتز (١٧٦٤ ـ ١٨٤٧) وهي زوجة ماركوس هرتز أحد تلاميذ مندلسون، الذي كان يكبرها سناً، فتولى إكمال عملية تعليمها. وكانت تجيد عشر لغات من بينها العبرية، وكان صالونها ملتقى لمعظم المفكرين والأدباء مثل جوته وميرابو وأعضاء الأرستقراطية الألمانية. وتزوجت هنريتا هرتز من أحد رواد الصالون بعد موت زوجها، وتنصَّرت. ومن أهم الصالونات الأخرى صالون دوروثيا فايت (١٧٦٣ ـ ١٨٧٩) وهي ابنة مندلسون التي تزوجت مصرفياً يهودياً، ولكنها طلقت زوجها وتزوجت من الكاتب الألماني فريدريك فون شليجيل واعتنقت المسيحية البروتستانتية، ثم تكثلكا معاً. وكان صالون راحيل ليفين فارنهاجن (١٧٧١ ـ ١٨٣٣) أهم الصالونات جميعاً، وكان ملتقى النخبة. وبعد زيجتين فاشلتين، التقت بضابط يهودي يصغرها سناً بأربعة عشر عاماً فتزوجا. وحينما استقرت في فيينا، فتحت صالونها هناك، فكان مندوبو بروسيا لمؤتمر فيينا يلتقون فيه. وكانت الصالونات نقطة تجمُّع للحركة الرومانتيكية ولحركة ألمانيا الفتاة.
стр. 2548
وكانت ظاهرة صالون النساء اليهوديات ظاهرة مؤقتة، فمع نمو عدد أعضاء النخبة الثقافية والسياسية في المجتمع، ومع تنوُّع حاجاتها الفكرية، بدأت تظهر مؤسسات متخصصة للوفاء بهذه الحاجات، مثل الجماعات المهنية والنادي الثقافي والمجلات والصحف. كما أن تزايُد النزعة القومية الألمانية، وما صاحبها من معاداة اليهود، ساهم في تشجيع أعضاء النخبة على الانصراف عن هذه الصالونات. ولعل تنصُّر كثير من القائمات على مثل هذه الصالونات ساهم أيضاً في القضاء عليها إذ أن ذلك يعني أنها عجزت عن مد أية جسور بين الجماعة اليهودية وحضارة الأغيار. وأخيراً، مع تزايد معدلات الاندماج والعلمنة، بدأت أعداد أكبر من الرجال تمتلك ناصية الخطاب الحضاري الغربي وتتحرك بكفاءة أكبر في المجتمع وتعقد صلات مع المجتمع المضيف دون حاجة إلى صالونات النساء اليهوديات.
دوروثيا شليجل (١٧٦٤ – ١٨٣٩ (
Dorothea Schlegel
كبرى بنات موسى مندلسون، تزوجت في سن العشرين من المصرفي الألماني سيمون فيت (من أسرة فيت الشهيرة في عالم المصارف) وأنجبت منه أربعة أولاد، وكان ينعقد في منزلها واحد من أشهر الصالونات الأدبية. وقد صوَّرها الفيلسوف والكاتب الرومانسي الألماني فريدريش فون شليجل (١٧٧٢ - ١٨٢٩) في روايته التي لم يكملها لونسيد على أنها المثل الأعلى للمرأة. وتقبلت دوروثيا مبدأه الخاص بالحب الحر (أي ممارسة الجنس بلا أية حدود أو قيود أخلاقية) وذهبت وعاشت معه وكتبت رواية رومانسية تحت تأثيره (وتحت تأثير جوته) تُسمَّى فلورنتين كما ترجمت رواية مدام دي ستايل كورنين. وفي عام ١٨٠٢، تنصَّرت على المذهب البروتستانتي، وبعد ستة أعوام تكثلكلت مع شليجل، وعندها تزوجا زواجاً شرعياً واستقرا في فيينا حيث أصبح منزلهما مركزاً اجتماعياً وثقافياً. وقد أقنعت ابنيها فيليب وجوناس بأن يتكثلكا، وعاشت بقية حياتها مع ابنها فيليب في فرانكفورت.
стр. 2549
وحياة دوروثيا شليجل حياة مثيرة، ولكنها مع هذا تنتمي إلى نمط آخذ في الشيوع وهو نمط اليهودي غير اليهودي. وإذا كان الجيل الأول هو موسى مندلسون الذي بدأ يترك عالم اليهودية الحاخامية وراءه، فإن ابنته بدأت تُسرع الخطى نحو عالم أوربا للحصول على تأشيرة دخول فتنصَّرت، ومع الجيل الثالث يصبح التنصُّر حدثاً عادياً. ولذا تنصَّر كل أولاد مندلسون وتيودور هرتزل. كما أن صالونها الأدبي تعبير عن الظاهرة نفسها، أي رغبة كثير من أعضاء الجماعات اليهودية في أن يتركوا عالمهم اليهودي لينضموا لعالم الأغيار، فكان الصالون هو الأرضية التي يلتقون فيها بأقرانهم من الأغيار.
راحيل فارنهاجن (١٧٧١-١٨٣٣ (
Rahel Varnhagen
سيدة صالون ألمانية وُلدت لعائلة يهودية ثرية في برلين، واسمها الأصلي راحيل ليفاين. نشأت راحيل في بيئة يهودية أرثوذكسية، ولكنها كانت تخجل من أصلها اليهودي الذي اعتبرته «كالخنجر الذي غُرس في قلبها» وسعت للهروب منه. وقد تنصَّر أخوها بعد وفاة والدهما، ولم تمانع راحيل، هي الأخرى، فكرة التنصُّر، ولكنها لم تقدم على ذلك بسبب اعتمادها مالياً على والدتها. وأتاحت لها خطبتها لنبيل بروسي الدخول في دائرة الأرستقراطية الألمانية. وبرغم أن هذه الخطبة فُسخت بعد أربع سنوات بسبب رفض عائلة النبيل الألماني زواجه من يهودية، إلا أن بيتها كان قد تحوَّل إلى ملتقى للأدباء والمفكرين والسياسيين وغيرهم من الشخصيات اللامعة آنذاك يمثلون مختلف التيارات والاتجاهات الفكرية والأدبية والسياسية. وكان من بين راود صالونها الأديب الألماني الكبير جوته.
стр. 2550
وفي عام ١٨٠١ خُطبت راحيل للمرة الثانية لسكرتير المفوضية الإسبانية لدى بروسيا وفُسخت الخطبة مرة أخرى عام ١٨٠٤. وفي عام ١٨١٠، اتخذت راحيل اسم روبرتس بدلاً من اسم ليفاين وهو نفسه الاسم الذي اتخذه أخوها بعد أن تنصَّر. وفي عام ١٨١٤، تزوجت من دبلوماسي بروسي يصغرها بأربعة عشر عاماً اسمه كارل أوجست فارنهاجن، واعتنقت المسيحية البروتستانتية. وبعد زواجها، تحوَّل بيتها مرة ثانية إلى ملتقى للشخصيات الفكرية والسياسية، وغلب على صالونها هذه المرة الطابع السياسي حيث ضم كثيراً من المتعاطفين مع حركة ألمانيا الفتاة أمثال هنريش هايني. واكتسبت راحيل بفضل شخصيتها وذكائها إعجاب الكثيرين من رواد صالونها، وتمتعت بنفوذ واسع، وتعتبر راحيل إحدى ألمع السيدات اليهوديات الأوربيات في عصرها. وظلت راحيل طوال حياتها رافضة ليهوديتها، واعتبرتها نوعاً من البلاء ابتليت به وأحد أسباب تعاستها. ومع هذا، يُقال إنها اتجهت في أواخر أيامها لقبول أصلها اليهودي، ويبدو أن هذا التحول بدأ عقب اندلاع مظاهرات معادية لليهود في ألمانيا أثار تعاطفها مع اليهود.
علْم اليهودية
Wissenchaft des Judentums (Science of Judaism)
стр. 2551
«علْم اليهودية» علم أسسه في القرن التاسع عشر المفكرون الألمان اليهود ذوو التوجه العلماني والاهتمام التاريخي، بهدف دراسة اليهودية واليهود دراسةً تاريخية وعلمية لاكتشاف الخصوصية اليهودية. وكلمة «علم» ترجمة للكلمة الألمانية «فيزنشافت» وهي تشير إلى الدراسة المنهجية في العلوم الإنسانية والتاريخ والتي تتبنَّى طريقة علمية تعتمد كل وسائل البحث الدقيق وتنطوي على احترام الحقائق والخصوصية التاريخية. ويُلاحَظ أن ثمة تناقضاً كامناً في الأهداف، فهي من ناحية موضوعية متطرفة فيما يتعلق بناحية البحث العلمي، ولكنها ذاتية ذات قصد محدَّد فيما يتعلق بالبحث عن الخصوصية التاريخية. ويعود هذا التناقض الأساسي إلى ذلك التناقض الكامن في فكر حركة الاستنارة آنذاك. فهي حركة عقلانية تؤكد أهمية الموقف العلمي والموضوعي والتجريدي والحقائق العامة والعالمية. ولكن هناك أيضاً جانباً آخر وهو الجانب التجريبي الحسي الذي يؤكد أهمية التجربة المباشرة والخصوصية. ودعَّم ذلك ظهور الحركة الرومانسية التي تهتم بالعاطفة والماضي واللون المحلي والخصوصية والتطور. وتأثر أعضاء النخبة المثقفة اليهودية بحضارتهم الغربية، فمندلسون مثلاً يرى أن اليهودية دين عام عقلاني ولكن شعائرها خاصة مقصورة على اليهود. ونتيجةً للتطور التاريخي، يُلاحَظ تناقص رقعة العام واتساع مساحة الخصوصية حتى تصبح هي الرقعة الأساسية بين أعضاء الجيل الثاني من دعاة التنوير اليهودي الذين دعوا من الناحية النظرية إلى دراسة اليهودية لاكتشاف الماضي وليس رفضه أو تقديسه.
стр. 2552
وأحد الافتراضات الأساسية الكامنة وراء علْم اليهودية أن المؤسسات والأفكار اليهودية تطوَّرت بحسب قوانين تطوُّر المجتمعات التي وُجدت فيها، وأن هذه المؤسسات لم تكن أحسن أو أسوأ حالاً من أية مؤسسات اجتماعية أو ثقافية غير يهودية أخرى. ولكن هناك افتراضاً آخر يتناقض تماماً مع الأول وهو أن ثمة خصوصية يهودية تُعبِّر عن نفسها من خلال هذه المؤسسات.
وينعكس هذا التناقض في أهداف علْم اليهودية على النحو التالي:
١ ـ ستؤدي عملية اكتشاف اليهودية إلى اكتشاف جوهرها الحقيقي، وبالتالي يمكن التخلص من التراكمات الخرافية التلمودية التي علقت بها. ومن ثم يمكن القول بأن علم اليهودية هو جزء من حركة الإصلاح الديني اليهودي. وقد حاول هذا العلم أن يبين دنيوية وتاريخية التراث الديني اليهودي، أي أنه نتاج ظروف تاريخية محددة، وبالتالي نزع عنه أية قداسة أو مطلقية وهو ما فتح الطريق أمام إمكانية التحرر منه ورفضه واكتشاف سوابق تاريخية داخله تبرر الإصلاح. فعلى سبيل المثال، تمكَّن ليوبولد زونز، من خلال الدراسة العلمية التاريخية، أن يبيِّن أن لغة الصلوات اليهودية لم تكن دائماً العبرية، ومن ثم لا يوجد أي مبرر للسلطات الألمانية لأن تغلق معبداً يهودياً كانت تُقام فيه الصلوات بالألمانية على أساس أن هذا مناف للتراث اليهودي كما ادعى اليهود الأرثوذكس، أي أن اليهودي أصبح بوسعه التحرر من قبضة تراثه الذي كان يكرس عزلته المقدَّسة وأن يندمج في مجتمعه. كما أن تدهور وتخلُّف المؤسسات اليهودية، وهي جزء من تشكيلات حضارية أكبر، لا يمكن أن يُستخدَم مسوغاً للتمييز ضد اليهود باعتبار أن هذا التخلف جزء من كل أكبر غير يهودي. وإذا كان التخلف نتيجةً لاعتبارات تاريخية وبيئية، فإن من الممكن تجاوزه من خلال عملية الإصلاح.
стр. 2553
٢ ـ ستؤدي عملية اكتشاف اليهودية إلى اكتشاف خصوصيتها وقوانينها العضوية. وسيؤدي اكتشاف الخصوصية إلى إظهار الشخصية اليهودية المستقلة وإنجازاتها الحضارية، الأمر الذي سيعيد لليهود هويتهم واحترامهم أمام الشعوب الأوربية. كما أن اكتشاف هذه الخصوصية سيقوي وعي اليهود بأنفسهم وتراثهم وهويتهم المستقلة ووعيهم بذاتهم القومية.
فكأن الهدف الثاني مناقض تماماً للهدف الأول. وقد اكتسب الهدف الثاني إلحاحاً غير عادي نظراً لتزايد انصراف الشباب من اليهود عن اليهودية بعد حركة الإعتاق والدمج ونظراً لبعدهم عن تراثهم الديني بل احتقارهم اليهودية (وهذا أمر لم يكن مقصوراً على الشباب من اليهود فالموقف نفسه كان شائعاً بين كل شباب أوربا مع تزايد معدلات العلمنة) . وأدَّى كل ذلك إلى تراجُع اليهودية وإلى انصهار اليهود، ومن ثم أصبح اكتشاف التراث ضرورة ملحة لوقف هذا التراجع وهذا الانصهار، أي أن هذه العملية كانت، من هذا المنظور، تصدياً لحركة الإصلاح الديني ولليهودية الإصلاحية. وبالتدريج، أصبح الهدف الأساسي من الاكتشاف ليس الدراسة وإنما تقديس التراث. وبالتالي، نجد أن علم اليهودية مرتبط باليهودية المحافظة. ومع هذا، كان لمفكري اليهودية الإصلاحية بعض الإسهامات في هذا الحقل (والفكر الديني الإصلاحي اليهودي تعبير عن الجانب العقلي العقلاني في فكر حركة الاستنارة) . ولم يكن من الممكن أن تنشأ حركة علم اليهودية من داخل المدارس التلمودية العليا (يشيفا) ، حيث إن خريجي هذه المعاهد الدينية لم يكونوا مُعَدِّين الإعداد الثقافي اللازم لكتابة دراسات تاريخية أو اجتماعية في التراث الديني. ومن هنا نجد أن كل المشتغلين في حقل علم اليهودية من خريجي المدارس التي أسستها الحكومات الغربية التي كانت مقرراتها غير دينية أو مُختلَطة (أي دينية دنيوية) .
стр. 2554
وقد قام ليوبولد زونز، وصديقه إدوارد جانز (١٧٩٨ ـ ١٨٣٩) ، وهو قانوني من أتباع هيجل، وموسى موزر (١٧٩٦ ـ ١٨٣٨) ، وهو تاجر مثقف، وآخرون، بتأسيس رابطة الثقافة اليهودية وعلم اليهودية. وكان من أعضاء هذه الجماعة الشاعر هايني. وكانت الجماعة تهدف إلى اكتشاف الثقافة اليهودية، ونشرها بين الشباب، وتشجيعهم على الاشتغال بالزراعة والحرف اليدوية والإنتاجية. وقد حُلَّت الرابطة عام ١٨٢٤ بعد أن تنصَّر رئيسها جانز وتبعه هايني. ولكنها، مع هذا، كانت قد أسست هذا النوع من الدراسة وجمعت تحت مظلتها كثيراً من الدارسين، مثل: المؤرخ كروكمال والمؤرخ جرايتز وجايجر وفرانكل وصموئيل ولوتساتو وستاينشنايدر وغيرهم. كما أصدرت حولية نشرت عشرات الدراسات المهمة. وتفرَّع علم اليهودية إلى كثير من المجالات والموضوعات، مثل: نقد العهد القديم ودراسة التلمود والأعمال الأدبية التي كتبها مؤلفون يهود والتاريخ والآثار والفلسفة الدينية. وكان يُشار إلى علم اليهودية في بعض بلدان أوربا بعبارة «الدراسات اليهودية» ، أو بالكلمة اللاتينية «جودايكا» .
وكان التركيز الأساسي على تاريخ الأفكار والأدب، حتى أصبح ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» تاريخ أفكار أساساً، في حين احتل التاريخ الاقتصادي والاجتماعي مكاناً ثانوياً تحت تأثير الفلسفة الألمانية المثالية، كما أن الدراسات اليهودية كانت تحتوي على قدر كبير من الاعتذاريات. وأدَّت هذه الدراسات إلى تراكُم قدر كبير من المعلومات والحقائق عن التجارب التاريخية للجماعات اليهودية، وبالتالي ساهمت في الترويج لمفهوم وجود هوية يهودية تاريخية إثنية مستقلة.
واستمرت الدراسات العلمية لليهودية وأُسِّست كراسٍيّ في الجامعات وأنشئت معاهد مستقلة لهذا الغرض. ولم يعد يُستخدَم مصطلح «علم اليهودية» في الوقت الحاضر، ويُستخدَم بدلاً منه مصطلح «الدراسات اليهودية» .
صموئيل لوتساتو (١٨٠٠-١٨٦٥)
Samuel Luzzatto
стр. 2555
ويُعرَف أيضاً باسم «شادال» المكوَّن من الحروف الأولى لاسمه، فصموئيل هو شموئيل بالعبرية، وهو مفكر إيطالي يهودي وُلد في تريسته لأسرة سفاردية إيطالية. وهو من نسل موشيه حاييم لوتساتو الشاعر القبَّالي الإيطالي مؤسس الآداب المكتوبة بالعبرية في العصر الحديث. كان أبوه عاملاً عارفاً بالقبَّالاه، حيث تلقَّى تعليماً دينياً، كما درس هو في إحدى المدارس التي أسسها نفتالي فيسيلي بناء على براءة التسامح التي أصدرها جوزيف الثاني. وكانت ثمة مقررات مُختلَطة، دينية ودنيوية، تدرس في هذه المدارس. تعلم في المدرسة اللغات الحديثة والجغرافيا والعلوم الطبيعية، وعُيِّن أستاذاً في أول كلية حاخامية حديثة في العالم في بادوا، وظل في هذا المنصب طيلة حياته. ووفر له منصبه إمكانية التفرغ للبحث العلمي، فنشر ديوان يهوذا اللاوي عام ١٨٦٤، كما كتب أول تعليق نقدي على الكتاب المقدَّس وترجم أسفار موسى الخمسة والصلوات العبرية إلى الإيطالية، وكتب العديد من الكتيبات بالإيطالية والعبرية عن النحو والفلسفة والدراسات اللاهوتية، ونُشرت رسائله بعد موته في تسعة أجزاء.
стр. 2556
تأثر لوتساتو بكل من الاتجاهات الرومانسية في عصره وبقيم العقلانية النقدية. وينعكس هذا في أعماله التي تتأرجح بين قبول كل من العقل والوحي وبين النقد والنقل، فقد هاجم القبَّالاه وتقاليدها. ويُعدُّ لوتساتو أحد كبار المساهمين في علم اليهودية النقدي، كما تناول كتب العهد القديم تناولاً نقدياً، فأكد أن سفر الجامعة أُلف في تاريخ متأخر عن التاريخ الذي يُفترَض أنه تم تأليفه فيه، بل وعارض رؤيته التشاؤمية العدمية. ولكنه، مع هذا، أصر على أن سفر أشعياء من تأليف مؤلف واحد استخدم أساليب مختلفة، في حين يذهب معظم علماء العهد القديم إلى أن الجزء الذي يلي الإصحاح الأربعين من تأليف أنبياء آخرين. وبرغم موقفه هذا، فإنه لم يتردد في إدخال بعض التعديلات على هذا السفر وعلى أسفار العهد القديم باستثناء أسفار موسى الخمسة التي كان يرى أنها وحدها من وحي إلهي. وبيَّن لوتساتو أن كتاب الزوهار لا يمكن أن يكون قد تم تأليفه في القرن الثاني الميلادي كما كان الزعم. ويتجلى تأرجحه، بين الموقف العقلي والعاطفي والإيماني والعلمي والعقلاني واللاعقلاني، في إصراره على أن العهد القديم لا يخاف النور أو النقد، ومع هذا فقد أصر في الوقت نفسه على ضرورة عدم توجيه النقد إليه.
стр. 2557
ومن بعض الوجوه، فإن لوتساتو يشبه مندلسون. فهو يحاول المزج بين العقل والوحي، كما يُعرِّف اليهودية بأنها عقيدة لا تتنافى مع العقل، مع أن شعائرها مُرسَلة من الإله. ويرى لوتساتو أن العقيدة الوحيدة المطلقة في اليهودية هي الإيمان بالإله الواحد، فهي وحدها الملزمة لليهودي، أما ما عداها فيمكن الأخذ والرد بشأنه، كما أن بوسع اليهود أن يختلفوا فيما بينهم بشأن كل القضايا الدينية الأخرى دون أن يُعَدُّوا مهرطقين. وضرب مثلاً بالفيلسوف قريشقش وتلميذه يوسف ألبو اللذين اختلفا مع موسى بن ميمون لأنه لم يميِّز في عقائده الثلاث عشرة بين العقائد الأساسية والعقائد الفرعية. ورفض قريشقش مفهوم حرية الإرادة، وآمن جيرونيدس بقدم العالم، ولم يشك أحد في إيمانهما، ذلك أن جوهر اليهودية العقائدي عقلاني عالمي، فهي ديانة العدالة وحب الخير، وهي ديانة تهدف من هذا المنظور إلى حماية المجتمع الإنساني والإنسانية جمعاء.
ولكن البحث عن الحقائق العامة المطلقة هو مجال الفلسفة. فالإله لا يتواصل مع الإنسان من خلال الحقيقة المجردة المطلقة إذ أن المجتمع الإنساني لا يمكن أن يؤسَّس على مثل هذه الحقيقة. ومن هنا، كان هجوم لوتساتو على ابن ميمون وبن عزرا وإسبينوزا، ومن هنا أيضاً تَبرُز أهمية الدين وحتمية الوحي، فالدين لا يهدف إلى نشر الحقيقة المجردة وإنما إلى نشر الفضيلة وهداية الناس إلى طريق الخير. وهو يؤمن بالمعجزات التي وردت في التوراة، وبأنها حقائق ليست عقلية إذ شاهدها ستمائة ألف يهودي في سيناء. كما يؤمن بمعجزات الأنبياء، فهي أحداث تتجاوز العقل والزمان والمكان والسبب والنتيجة التي تقع في عالم المحسوسات.
стр. 2558
وتتضح ازدواجية العقل والوحي في تمييزه بين الروح الهيلينية والروح العبرانية، وهو نمط إدراكي كان يشكل أساساً فكرياً للحضارة الغربية في القرن التاسع عشر (ثم للعنصرية الغربية بعد ذلك) . فالروح الهيلينية هي روح الجمال والشكل والعقل والاتزان والعلم، وهي الروح التي أدَّت إلى تَراكُم المعلومات، ولكنها أيضاً أدَّت إلى عقلانية لا معنى لها وعالم متقدم بلا روح. أما الروح العبرانية، كما أسلفنا، فلها جانبها العالمي متمثلاً في دعوتها إلى العدل والحق والخير. ولكن ثمة جانباً آخر لليهودية. ويذهب لوتساتو، شأنه في هذا شأن مندلسون، إلى أن الجانب العقائدي العام في اليهودية ليس مهماً على الإطلاق، فالمهم هو الجانب الشعائري الخاص. بل إنه يذهب إلى أنها دين يُركِّز على الممارسة والشعائر وسلوك الإنسان بالدرجة الأولى، فالتوراة لا تهدف إلى ضمان انتشار الحقيقة الصحيحة المجردة مثل النزعة الهيلينية وإنما إلى إصلاح أخلاق الإنسان من خلال طاعة الشريعة وتنفيذ الأوامر والنواهي بشكل متعيِّن كما في النزعة العبرانية. ولكن هذا ليس الهدف الوحيد للشعائر، فهي تهدف أيضاً إلى الحفاظ على الهوية اليهودية وعلى تَفرُّد اليهود وعلى تقوية وعيهم القومي وعلى عزلهم عن الشعوب الأخرى. ومن هنا تسمية اليهودية «الإبراهيمية» (نسبة إلى إبراهيم) لتأكيد خصوصيتها ولتأكيد الجانب الإثني فيها.
стр. 2559
ثم يربط لوتساتو بين الخاص والعام في اليهودية إذ يقول: إن اليهودي، بحفاظه على يهوديته وإثنيته وتَفرُّده، إنما يدافع عن القيم العالمية العامة في دينه، وبالتالي فحفاظه على هويته فيه خدمة للإنسانية وتخليه عنها لا يخدم الإنسانية قط وإنما يشكل تخلياً عنها لأن اليهودية هي قلب العالم الذي يمكنه أن يأتي بالتوازن له، ومن ثم يتحول اليهود إلى مركز عملية الخلاص الكونية، وهذا أحد المفاهيم القبَّالية الأساسية. وهكذا يحدث التداخل بين القومية والدين. وقد كان لوتساتو يرى أن العبرية ليست لغة مقدَّسة وحسب وإنما لغة قومية أيضاً، وكذا الكتاب المقدَّس، فهو كتاب مقدَّس وكتاب قومي. وهذه الصيغة تشبه الصيغة الصهيونية الحلولية التي يتداخل فيها المقدَّس مع القومي. ويُلاحَظ أن نقد لوتساتو للعقل ليس نقداً لحدوده وحسب وإنما يشكل انسحاباً مما هو إنساني وعالمي وعام إلى ما هو يهودي ومحلي وخاص. ولذا، كان لوتساتو يرى أن النضال الحديث من أجل الحقوق المدنية لليهود يشكل خطراً قد يؤدي إلى الإبادة، لأن اليهودية ليست ديناً وحسب وإنما هي وعي قومي أيضاً.
موريتز ستاينشنايدر (١٨١٦-١٩٠٧ (
Moritz Steinschneider
أحد مؤسسي علم اليهودية، وبخاصة في حقل البيبليوجرافيا. وُلد في مورافيا، ودرس دراسات دينية ودنيوية، وأتقن عدداً من اللغات الأوربية من بينها الفرنسية والإيطالية كما أتقن العبرية. وذهب إلى برلين حيث تعرَّف إلى زونز وجايجر واستقر في برلين عام ١٨٤٥.
انصب اهتمامه على دراسة علاقة اليهود بالحضارات الأخرى، واهتم بشكل خاص بعلاقة اليهود بالحضارة العربية، ودورهم باعتبارهم مترجمين وناقلين للحضارة العربية والهيلينية في العصور الوسطى في الغرب. وكان موقفه رافضاً تماماً للصهيونية إذ كان يرى أن اليهودية قد ماتت، وأن علم اليهودية هو العلم الذي سيقوم بعملية دفنها.
سولومون ستاينهايم (١٧٨٩-١٨٦٦)
Solomon Steinheim
стр. 2560
مفكر ديني ألماني يهودي كان يعمل طبيباً. حاول في كتاباته أن يبيِّن الفرق بين الوحي والعقل وأن يبيِّن أن الحقيقة (من ثم) ثنائية. والوحي، في رأيه، يفوق العقل منزلةً، والشعب اليهودي هو حامل عبء رسالة مُوحى بها من الإله، وهذا هو سرّ بقائه. ويُلاحَظ تأثره بالفلسفة الرومانسية الألمانية وبفكرة الشعب العضوي بعد ربطها بالديباجات الدينية.
следующие страницы →