Полный текст (8 511 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.
стр. 2486
وقد وجَّه جوزيف الثاني اهتمامه للمسألة اليهودية، في محاولته تحديث إمبراطوريته. فحاول أن يجعل أعضاء الجماعات اليهودية أكثر نفعاً للدولة، تماماً كما فعل مع الكنيسة الكاثوليكية والأديرة، فأصدر قوانين تحظر على أعضاء الجماعات اليهودية بيع الخمور أو جمع الضرائب أو إدارة الفنادق، وفرض علىهم أن يتسموا بأسماء ألمانية تُختار من قائمة أُعدت خصيصاً لهذا الغرض، وذلك حتى يتسنى دمجهم في المجتمع. كما منع استخدام العبرية أو اليديشية في المعاملات التجارية أو الوثائق الرسمية، وألغى المحاكم الحاخامية والزي اليهودي الخاص. ولإبقاء عدد اليهود قليلاً كما هو، لم يُلغ جوزيف الثاني القوانين التي كانت ترمي إلى الحد من حجم العائلات اليهودية.
وقد أصدر في عام ١٧٨٢ براءة التسامح التي أكدت الحقوق القائمة لأعضاء الأقليات غير الكاثوليكية وأضافت لها حقوقاً جديدة. وبالنسبة لأعضاء الجماعة اليهودية، أعطت البراءة اليهود الحق في حرية التنقل والسكنى في أي مكان واختيار أية مهنة أو وظيفة. وظلت قوانين وتشريعات جوزيف الثاني أساس التعامل مع أعضاء الجماعات اليهودية في الإمبراطورية النمساوية المجرية حتى نشوب ثورة ١٨٤٨.
وقد قوبلت إصلاحات جوزيف الثاني بالترحاب من بعض زعماء الاستنارة مثل فيسيلي. أما مندلسون، فقد عبَّر عن شكوكه نحوها، كما أن المتدينين وصفوها بأنها كارثة. ومهما كانت استجابة أعضاء الجماعة اليهودية، فإن هذه القوانين، بما في ذلك براءة التسامح، قد أتاحت الفرصة أمام كل الأقليات غير الكاثوليكية ليُحقِّقوا حراكاً اجتماعياً كبيراً وليندمجوا في المجتمع.
براءة التسامح
Toleranz Patent
стр. 2487
«براءة التسامح» فرمان أصدره جوزيف الثاني في عام ١٧٨٢ وطُبِّق في بادئ الأمر على فيينا والنمسا ثم طُبِّق على سائر مقاطعات الإمبراطورية النمساوية المجرية. وهي واحدة من سلسلة البراءات التي مُنحت للأقليات غير الكاثوليكية، ومن بينها اليهود، تتضمن حقوقهم القائمة وتضيف لها حقوقاً جديدة وتحدد واجباتهم. (انظر: «جوزيف الثاني» ـ «النمسا» ـ «جاليشيا» ) .
التحديث المتعثر
Setbacks in Modernization
«التحديث المتعثر» مصطلح نستخدمه لنشير إلى تلك الفترة من تاريخ روسيا، السابقة على الحرب العالمية الأولى والثورة البلشفية، ومن تاريخ معظم بلاد شرق أوربا (بولندا ورومانيا والمجر، وغيرها) في الفترة السابقة على الحرب العالمية الثانية وانضمام هذه البلاد إلى المعسكر الاشتراكي، وهما فترتان لم تتمكن فيهما النظم الحاكمة من إنجاز عملية التحديث. ونحن نذهب إلى أن السبب الأساسي لتعثُّر التحديث في هذه الدول هو عدم وجود مشروع استعماري لديها أساساً، أو أن مشروعها الاستعماري لم يكن ناجحاً، أو كان باهظ التكاليف لأنه كان بعد في مراحله الأولى (ويُقال إن تكاليف ضم وإدارة المستعمرات التابعة للإمبراطورية القيصرية الروسية كانت تفوق كثيراً عائدها، ولذا كان هناك كثير من المفكرين الروس ذوي الاتجاه السوفيتي والعنصري والرجعي ممن يعادون التوسع الإمبريالي الروسي) .
стр. 2488
وقد أثر تعثُّر التحديث في هذه البلاد في عمليات إعتاق اليهود ومحاولة اندماج أعضاء الجماعات اليهودية إذ أن تعثُّر التحديث أدَّى إلى ظهور رؤى شمولية واستبدادية تستبعد الأقليات وتحاول منعهم من الاندماج ومن المشاركة في السلطة. كما أن تعثُّر التحديث، على المستوى البنيوي، أدَّى إلى بطء النمو الاقتصادي، وهذا ما كان يعني عدم وجود فرص للحراك الاجتماعي أمام أعضاء الأقلية والأغلبية. ولكن النظم الاشتراكية نجحت حينذاك في استئناف التحديث وبالتالي في إعتاق اليهود ومنحهم حقوقهم المدنية والسياسية الكاملة. وعلى أية حال، فإن الصهاينة لا يتحدثون عن تعثُّر التحديث وإنما عن فشله، وبالتالي عن استحالة اندماج اليهود، مع أن التعثُّر أمر مؤقت يقف بين النجاح والفشل، بينما الفشل أمر نهائي مطلق يستطيع المرء أن يؤسس بناءً عليه أحكاماً نهائية ذات طابع اختزالي.
كما نستخدم المصطلح للإشارة إلى ما حدث بعد الحرب العالمية الأولى حين جُرِّدت ألمانيا من مستعمراتها بعد إبرام اتفاقية فرساي عام ١٩١٩، فتعثرت عملية نموها وتحديثها، ولم يُستأنَف التحديث إلا على الطريقة الشمولية النازية.
стр. 2489
الباب الخامس: الاستنارة اليهودية
الاستنارة اليهودية (الهسكلاه)
Haskalah
يُستخدَم في الكتابات العربية مصطلح «الاستنارة اليهودية» للإشارة للحركة التي انتشرت بين أعضاء الجماعات اليهودية في أوربا في منتصف القرن الثامن عشر (في ألمانيا وغيرها من الدول) . ولكننا نؤثر استخدام مصطلح «التنوير اليهودي» باعتبار أن هذه الحركة قد أتت بمثل وقيم من خارج الموروث الديني والفكري اليهودي، وباعتبار أن هذه المثل والقيم فُرضت على أعضاء الجماعات اليهودية إما من خلال الدولة أو من خلال طليعة ثقافية يهودية تشربت أفكار حركة الاستنارة الغربية ثم حاولت تنوير اليهود. وكان أعضاء الجماعات اليهودية يتلقون مُثُل الاستنارة بشكل متفاوت؛ فمنهم من تبناها بحماس وطبقها، ومنهم من خضع لها وسايرها، وأخيراً هناك من تصدى لها وقاومها.
الهسكلاه
Haskalah
«هسكلاه» كلمة عبرية مشتقة من الجذر العبري «سيخيل» ، ومعناها «عقل» أو «ذكاء» ثم اشتُقت منها كلمة «سيكّيل» بمعنى «نوَّر» ثم استُخدمت الكلمة بمعنى «استنارة» ، والاسم منها «مسكيل» وجمعه «مسكليم» .
وفي هذه الموسوعة، نستخدم مصطلح «الاستنارة» للإشارة إلى الحركة المعروفة بهذا الاسم في الحضارة الغربية. ونستخدم كلمة «تنوير» للإشارة إلى أثر هذه الحركة في بعض المفكرين الغربيين اليهود وفي أعضاء الجماعات اليهودية. كما تُستخدَم الكلمة للإشارة للمحاولات التي بذلها بعض المفكرين من أعضاء الجماعات اليهودية لتطبيق فكر ومُثُل عصر الاستنارة على أعضاء الجماعات اليهودية.
التنوير اليهودي: تاريخ
Haskalah: History
стр. 2490
كلمة «هسكلاه» العبرية تعني «التنوير» ، ويُعبَّر عنها أيضاً في الأدبيات العربية بكلمة «الاستنارة» . وقد ظهر المصطلح عام ١٨٣٢ للإشارة إلى حركة في الآداب المكتوبة بالعبرية حاول دعاتها أن يبتعدوا عن الأشكال الأدبية التقليدية المرتبطة إلى حدٍّ كبير بالدين وأن يستعيروا أشكال الأدب العلماني الغربي. ولكن التنوير لم يكن مجرد حركة أدبية وإنما كان أيضاً رؤية متكاملة نسميها «العقلانية المادية» . وتُستخدَم الكلمة بالمعنى العام للإشارة إلى الحركة الفكرية الاجتماعية التي ظهرت بين يهود غرب أوربا (في ألمانيا ووسطها) ثم انتشرت منها إلى شرقها. وقد بدأت حركة التنوير في صورة تيار أساسي بين اليهود منذ منتصف القرن الثامن عشر واستمرت حتى عام ١٨٨٠. ورغم انحسارها كحركة فكرية واعية، إلا أن مقولاتها ظلت سائدة بين أعضاء الجماعات اليهودية بشكل ظاهر أو كامن حتى تم اندماج أعضاء الجماعات اليهودية واستيعابهم في المجتمع الغربي العلماني.
стр. 2491
وتنطلق حركة التنوير اليهودي من الأفكار الأساسية في حركة الاستنارة الغربية مثل الإيمان بالعقل باعتباره مصدراً أساسياً وربما وحيداً للمعرفة إلى ثقة كاملة بالعلم وبحتمية التعدد، وبنسبية المعرفة والقيم، وبإمكانية إصلاح الإنسان عن طريق تغيير بيئته وخلق المواطن الذي يدين بالولاء للدولة. كما تدور حركة التنوير اليهودية في إطار الرؤية الآلية للكون والإيمان بالإنسان الطبيعي أو الأممي، كما تقع في كل تناقضات حركة الاستنارة الغربية مثل التناقض بين النزعة العقلية المجردة التي تتجه نحو العام والنزعة الحسية التجريبية التي تتجه نحو الخاص، وهو تناقض يضرب بجذوره في الرؤية العلمية للكون التي تبدأ برصد الأشياء المادية المحسوسة والملموسة وتنتهي في عالم القانون العام الرياضي المجرد. ولذا نجد أن الفكر العقلاني المادي يبدأ بالتعامل مع الملموسات والمحسوسات داخل حدودها، ولكنه ينتهي بأن ينظر لها باعتبارها ظواهر مادية عامة مجردة خاضعة لقانون مادي عام مجرد، لا تتمتع بأية خصوصية أو قداسة. ولذا فالواقع الذي ينتجه العقل المادي لا قسمات له ولا حدود. وكرد فعل لذلك، ظهر الفكر المعادي للاستنارة (الإيمان بالطبيعة واللاعقل والقوة والأرض والحيوية) ليستعيد قدراً من القداسة للعالم ولكنها قداسة مصدرها المادة، فهي كامنة فيها لا تتجاوزها (ولذا فهي حركة «لا عقلانية مادية» ) . طالب دعاة التنوير (والعقلانية المادية) بأن يُمنَح اليهود حقوقهم السياسية والمدنية (أي إعتاقهم) ، وأن تتاح لهم الفرص الاقتصادية، وأن يتخلص أعضاء الجماعات اليهودية من أية خصوصية تتسبب في عزلتهم عن أعضاء المجتمع، وأن يندمجوا في المجتمعات التي يعيشون بين ظهرانيها، وأن يكون ولاؤهم الأول والأخير للبلاد التي ينتمون إليها لا لقوميتهم الدينية التي لا تستند إلى سند عقلي أو موضوعي. وكان دعاة التنوير اليهودي يرون أن هذا ممكن إذا اكتسب اليهود مقومات الحضارة
стр. 2492
الغربية العلمانية، وإذا ما قاموا بفصل الدين اليهودي عما يُسمَّى «القومية اليهودية» حتى يتلاءموا مع الدولة العلمانية القومية في أوربا، أي إذا قاموا بتحديث اليهود واليهودية، وتحولوا من كونهم جماعة وظيفية هامشية ليصبحوا جزءاً من البناء الطبقي والثقافي للمجتمع.
وقد ظهر من بين صفوف يهود البلاط من المارانو والإشكناز شخصيات تولت قيادة الجماعة اليهودية، وأصبح لها مكانة تفوق كثيراً مكانة الحاخامات. ولم يكن يهود البلاط، على عكس التاجر والمرابي اليهودي القديم، لا في مركز المجتمع على وجه الحصر، ولا في مسامه أو على هامشه، بل كانوا على مقربة من أعضاء الطبقة الحاكمة يتعاملون معهم ويزودونهم بالأموال ويشترون لهم التحف والسلع الترفيهية اللازمة لمظاهر أبهة الملكيات والإمارات المطلقة. وكان هذا يتطلب معرفة وثيقة لا بالاحتياجات الاقتصادية للطبقة وحسب وإنما بأسلوب حياتها أيضاً، ذلك الأسلوب الذي بدأ يهود البلاط يستوعبونه ويتأثرون به. ولكن يهود البلاط كانوا يقفون على قمة هرم مالي تجاري يهودي يضم طبقات اليهود المختلفة من كبار التجار إلى التجار البائعين والمتسولين. وكان هذا الهرم عابراً للقارات متعدد الجنسيات، يمتد بطول أوربا وعرضها وتصل أطرافه إلى الدولة العثمانية والعالم الجديد. وكان على يهودي البلاط، رغم عالميته، أن يظل يهودياً حتى يتمتع بشبكة الاتصالات هذه، وحتى يظل يلعب دوره كعضو في جماعة وظيفية وسيطة. ولهذا، كان يهود البلاط يعيشون بين العالمين المسيحي واليهودي، يتحركون بسهولة داخل الحضارة الغربية التي كانوا يعرفون لغتها، كما كانوا مُلمين بالفلسفة والعلوم والاقتصاد، ومُلمين في الوقت نفسه بالتكوين الثقافي والديني المتميز لأعضاء الجماعات اليهودية. ومن هنا، فإن القيادات الجديدة للجماعات اليهودية لم تكن يهودية ولا دينية خالصة.
стр. 2493
ومن أهم العناصر التي ساهمت في فك قبضة الأفكار الدينية التقليدية يهود المارانو الذين كان يُشار إلى قطاعات منهم بأنهم «السفارد» أو «اليهود البرتغاليون» أو «المسيحيون الجدد» . وقد أسس المارانو مراكز اقتصادية متميِّزة في أوربا، مثل: بوردو وبايون وأمستردام وهامبورج ولندن. وحسب بعض النظريات، كان المارانو مسيحيين في الظاهر يهوداً في الباطن. ولكنهم، حسب بعض النظريات الأخرى، كانوا مسيحيين ظاهراً وباطناً، أي جزءاً عضوياً من التشكيل الحضاري الغربي. ولكنهم، مع هذا، ولأسباب مختلفة، تهودوا واندمجوا في الجماعة اليهودية بعد خروجهم من شبه جزيرة أيبريا. ولذا، فقد كانوا حَمَلة الحضارة الغربية داخل الجماعة اليهودية، عن وعي أو عن غير وعي، ينشرون قيمها بينهم. كما أن بعضهم ممن كان يبطن اليهودية، يحمل في وجدانه صورة مثالية لليهودية ارتطمت بالواقع كما حدث لأروييل داكوستا وإسبينوزا، وهو ما جعلهم عناصر ثورية داخل الجماعة اليهودية تبشر بالعقل (المادي) وبالقيم المجردة. وإلى جانب كل هذا، كانوا، نتيجة التعددية التي مارسوها، من حملة لواء الشك الديني. وقد تزامن خروج المارانو مع تعمُّق أزمة اليهودية الحاخامية إذ كانوا عنصر هدم أساسياً لها، فهم الذين ساندوا شبتاي تسفي، ومن بين صفوفهم خرج إسبينوزا.
стр. 2494
وقد بدأ المارنو في إشاعة مُثُل الحضارة الغربية بين الجماعات اليهودية، كما ساهم يهود البلاط (القيادة الحقيقية للجماعات ورمز النجاح الكبير والقدوة التي تُحتذَى) في ترويج أسلوب الحياة الغربي من خلال أنفسهم ومن خلال أتباعهم والمحيطين بهم الذين تشبهوا بهم. وقد كان المارانو ويهود البلاط، كما أسلفنا، ذوي خبرة بالعالم المسيحي الذي بدأ يتعلمن، وبالعالم اليهودي الذي كان متحجراً. وفرضت عليهم خبرتهم هذه عملية المقارنة بين العالمين، وبالتالي طَرْح التساؤلات بشأن الموروث الثقافي الديني اليهودي. ولعل الاندماج النسبي لهذا العدد الكبير من اليهود، ودخولهم عالم الحضارة الغربية الجديدة والاقتداء به، جعل كثيراً من المصطلحات الدينية اليهودية (مثل النفي والشعب المختار) تفقد كثيراً من مدلولاتها بالنسبة لهم. ومعنى هذا أن يهود المارانو لعبوا دوراً مماثلاً للدور الذي يلعبه بعض مثقفي العالم الثالث الذين يذهبون إلى الغرب لتلقِّي العلم أو البحث عن الرزق، لكن بعضهم يعود إلى بلاده جسدياً وحسب إذ يكتشفون أن من العسير عليهم العودة الروحية الكاملة إلى أوطانهم بعد رحلة الذهاب. ولذا، فإنهم حينما يعودون يحملون رايات التغريب ويكونون بمنزلة معاول هدم في موروثهم الحضاري.
стр. 2495
وكان مهد حركة التنوير هو البلاد التي كانت تضم جماعات يهودية صغيرة ذات صبغة غربية مثل يهود هولندا وإيطاليا. وقد حقق أعضاء هذه الجماعات معدلات عالية من الاندماج نظراً لصغر حجمها ونظراً لوجود قيادة من المارانو. كما أن كثيراً من أعضاء هذه الجماعات قد تلقوا تعليماً علمانياً وحققوا نجاحاً ملحوظاً في مهن مثل الطب. ويبدو أن فشل حركة شبتاي تسفي قد خلق ميلاً عاماً بين الجماعات اليهودية نحو رفض النزعة المشيحانية ككل، ورغبةً في الاندماج في المجتمعات التي يعيش أعضاء الجماعات اليهودية بين ظهرانيها. كما أن ظهور حركة مشيحانية، مثل الحركة الفرانكية، كان يعني أن اليهودية قد دخلت مرحلة أزمتها الأخيرة، فهذه الحركة كانت حركة عدمية تماماً تُعبِّر عن رغبة اليهود في التخلص من الشريعة.
ولكن العنصر الأساسي والحاسم، الذي أدَّى إلى انتشار قيم ومُثُل التنوير بين اليهود، هو التحولات التي كان المجتمع الغربي يخوضها: تزايُد معدلات العلمنة، وسيادة القيم النفعية التي أتاحت الفرص أمام أعضاء الجماعات للتحرك من الهامش الثقافي والاقتصادي والوظيفي للمجتمع نحو مركزه. وهي تحولات غيَّرت أسلوب حياتهم، كما غيَّرت البناء الوظيفي والمهني لأعداد كبيرة منهم.
стр. 2496
وقد بدأت حركة التنوير، بالمعنى المحدَّد، في برلين. فالمجتمع المركنتالي في ألمانيا تحت حكم فريدريك الثاني الأعظم (١٧٤٠ ـ ١٧٨٦) خلق مناخاً مواتياً شجع اليهود على الاستيطان في بروسيا والاشتغال بالتجارة، ومنح بعض قطاعاتهم حقوقهم كاملة، فنشأت طبقة رأسمالية تجارية وجدت أن من مصلحتها الاندماج في المجتمع وأصبحت بمثابة القدوة أو النموذج لبقية اليهود. وحملت هذه الطبقة مُثُل التنوير التي طرحها المجتمع الغربي. ويُعَدُّ موسى مندلسون، الذي كان يعمل محاسباً وتاجراً كما كان متزوجاً من حفيدة أحد يهود البلاط، أهم مفكري حركة التنوير. أصدر عام ١٧٥٠ مجلة أسبوعية تُسمَّى كوهيليت موسار (أي الواعظ الأخلاقي) صدرت منها ثلاثة أعداد وحسب، وهي المجلة التي تُعَدُّ أول منبر للتعبير عن أفكار حركة التنوير. ومع هذا، يرى بعض المؤرخين أن تاريخ نشأة حركة التنوير هو عام ١٧٨٣، فقد أصدر جوزيف الثاني براءة التسامح عام ١٧٨٢، وفي العام التالي نشر مندلسون ترجمته الألمانية لأسفار موسى الخمسة بحروف عبرية مع تعليق ذي طابع عقلاني. وقد ساهم معه في هذه الترجمة والتعليق رابطة أصدقاء العبرية التي أصدرت في الفترة ١٧٨٣ ـ ١٨١١ فصلية عبرية تُسمَّى هاميسائيف (أي الحاصد أو الجامع) كان محتواها تافهاً ومملاً، واعتمدت أساساً على الترجمات من الألمانية، إلا أن أثرها كان عميقاً للغاية، وبخاصة خارج ألمانيا. وقد رفض كُتَّاب هذه المجلة عبرية الحاخامات، وحاولوا العودة إلى الكتاب المقدَّس بأسلوبه الكلاسيكي، وزخرفوا أسلوبهم بكلمات أنيقة مصطنعة كانوا يعدونها دليلاً على الذوق الأدبي الرفيع. نشرت المجلة قصائد في مدح الحكومة والطبيعة، وقصصاً وعظية، وشروحاً للكتاب المقدَّس، ودراسات في اللغويات العبرية، ومقالات في تواريخ الجماعات اليهودية. وكان معظم المؤلفين محافظين في آرائهم السياسية. وقد حققت مُثٌل التنوير نجاحاً ساحقاً في ألمانيا حتى أنها أسقطت
стр. 2497
الشكل العبراني للحركة كما أنهم رفضوا اليديشية باعتبارها ألمانية فاسدة، واختار يهود ألمانيا الاندماج الثقافي الكامل في حضارة بلادهم. ولم تستمر حركة التنوير ذات الشكل العبراني إلا في برسلاو حتى عام ١٨٣٠. ومن أهم دعاة الاستنارة في ألمانيا، نفتالي هيرتز فيسيلي وجبريل رايسر وبنديفيد لازاروس.
انتشرت مُثُل التنوير، ابتداءً من عام ١٨٢٠، في الإمبراطورية النمساوية (بوهيميا وشمال إيطاليا وجاليشيا) . وارتبطت الحركة هناك بالألمانية منذ البداية، إذ كان مرسوم التسامح الذي أصدره جوزيف الثاني يمنح اليهود الحقوق السياسية بمقدار ما يحققونه من اندماج ثقافي واقتصادي. وكان نفتالي فيسيلي من قيادة حركة التنوير هناك، وبين ١٨٢١ ـ ١٨٣٢ أصدر دعاة التنوير في فيينا مجلة سنوية تُسمَّى بيكوري هاعيتيم (أي بواكير ثمار هذه الأزمنة) نشرت دراسات لغوية وتاريخية وسيراً انطلاقاً من مبادئ علم اليهودية، كما نشرت كتابات تسخر من الحياة التقليدية لأعضاء الجماعات اليهودية (خصوصاً الحسيديين منهم) ، وكذلك دراسات تاريخية.
стр. 2498
ومن الجوانب المهمة لحركة التنوير التي تستحق الإشارة دور المرأة اليهودية في هذه العملية. ويُعَدُّ هذا تحولاً عميقاً وربما ثورياً في مجرى تواريخ الجماعات اليهودية، فالشريعة اليهودية لا تطالب المرأة بالذهاب إلى المعبد اليهودي أو الصلاة. ولم يكن النساء يتعلمن اللغة العبرية، وإن كن يتعلمن الأبجدية العبرية لتلاوة بعض الأدعية التي لم يكنَّ يفهمنها. ونظراً لجهل النساء بالعبرية، كنَّ يقرأن أدباً مكتوباً باليديشية ذا طابع ديني ترفيهي وأحياناً ذا طابع دنيوي محض، أي أن معدلات العلمنة كانت أعلى بين النساء منها بين الرجال. ولكن، بعد التحول عن اليديشية وتأكيد أهمية الألمانية، بدأت النساء اليهوديات يقرأن الآداب الألمانية بدرجة أعلى من الرجال. وإذا أضفنا إلى هذا رغبة بنات الطبقات الثرية بين اليهود في الاندماج بالمجتمع الألماني وفي ممارسة حياتهن كاملة، لأمكننا فهم طبيعة نشاطهن الثقافي الذي أخذ شكل الصالون الأدبي. ومن أهم المثقفات الألمانيات اليهوديات اللائي لعبن دوراً أساسياً في ظاهرة الصالون الأدبي راحيل فارنهاجن.
وانتقلت حركة التنوير، في الثلاثينيات من القرن التاسع عشر، من ألمانيا وجاليشيا إلى روسيا وأصبح مركزها هناك في منتصف الأربعينيات، وبخاصة في ليتوانيا، حيث وُضعت أسس الأدب الحديث المكتوب بالعبرية ونُشرت أول رواية عبرية عام ١٨٥٤ كما ظهرت عدة مجلات أسبوعية. ويُعَدُّ إسحق دوف لفنسون أهم دعاة الاستنارة في روسيا (ويُطلَق عليه «مندلسون روسيا» ) .
ومن أشهر الجمعيات المنادية بالتنوير جمعية نشر الثقافة بين يهود روسيا التي أسَّست عام ١٨٦٣ عدة مدارس لتعليم الحرف وغيرها من الفنون الدنيوية. وبدأ لفيف من الكاتبين بالعبرية في التحول عن الأسلوب المتأنق الذي تبناه دعاة التنوير الأوائل واتجهوا نحو النقد الاجتماعي.
стр. 2499
ومن الملحوظ أن حركة التنوير اليهودية في روسيا لم تستبعد اليديشية كأداة للتعبير، على عكس حركات التنوير في ألمانيا والنمسا. ولكن إلى جانب الدعوة لليديشية، كان هناك فريق يدعو إلى الاستجابة لحركة الحكومة الروسية لترويس رعاياها، أي صبغهم بالصبغة الروسية.
وتميل الكتابات التي تتناول ظاهرة التنوير إلى تقسيمها تقسيماً جغرافياً كما فعلنا. ويقسمها البعض الآخر تقسيماً لغوياً: الحركة الألمانية أو الروسية أو اليديشية أو البولندية، وهكذا. وثمة تقسيم ثالث على أساس الأجيال، فيقال: الجيل الأول من دعاة التنوير (مندلسون وأتباعه) ، والجيل الثاني (ويضم تلاميذ مندلسون ومفكريه مثل جايجر وزونز وجرايتز) . ولكننا نلاحظ أن هذا التقسيم الأخير يتداخل مع التقسيم الجغرافي.
وقد أصبحت حركة التنوير قوة فكرية وسياسية واجتماعية ذات بال في ألمانيا والإمبراطورية النمساوية المجرية، وبشكل أقل في روسيا حيث هبت على حياة اليهود الثقافية رياح معظم الحركات الفكرية العلمانية الغربية، مثل: الرومانسية والمثالية الفلسفية والوضعية والاشتراكية والداروينية والعنصرية. وقد أصبحت كلها، فيما بعد، ضمن مكونات الفكرة الصهيونية، وأصبح دعاة التنوير شخصيات أساسية في الجماعة اليهودية يتحدثون باسمها إلى العالم غير اليهودي.
стр. 2500
ولقد تزايد التأثير العميق لحركة التنوير على يهود العالم الغربي كافة إلى أن سادت مُثُلها وتمت علمنتهم وتحديثهم، فأصبحوا إما ملحدين أو لاأدريين أو مؤمنين بصياغات مخففة من اليهودية كاليهودية الإصلاحية. ولكن يُلاحَظ أن أعضاء الجماعات اليهودية في غرب أوربا (فرنسا وإنجلترا وهولندا) لم يلعبوا دوراً كبيراً في حركة التنوير، ذلك لأن المسألة لم تكن تعنيهم كثيراً بسبب تحقيقهم معدلات عالية من الاندماج وحصولهم على حقوقهم منذ بداية استقرارهم في هذه البلاد. وعلى النقيض من هذا، يقف يهود شرق أوربا الذين لم تضرب حركة التنوير بجذور قوية بينهم. وبين الفريقين كان يقف يهود وسط أوربا (ألمانيا والنمسا وغيرهما) الذين كانوا يمثلون العصب الحقيقي لحركة التنوير، فكان منهم موسى مندلسون، وظهرت بينهم اليهودية الإصلاحية وكذلك علم اليهودية. كما يُلاحَظ أن الفكرة الصهيونية (فيما بعد) ظهرت أول الأمر بينهم، فمنهم تيودور هرتزل وماكس نوردو. وكانت لغة المؤتمرات الصهيونية الأولى هي الألمانية. لكن البعد الألماني الواضح لحركة التنوير لا ينفي أنه كانت توجد مؤثرات فكرية فرنسية على المفكرين، ذلك لأن الفلسفة العقلانية وصلت إلى قمة ازدهارها في فرنسا.
стр. 2501
ويمكننا أن نميِّز، من منظور مدى انتشارها ونجاحها وإخفاقها، بين نمطين أساسيين في حركة التنوير. فهناك نمط غربي في ألمانيا والنمسا وجاليشيا حيث حققت مُثُل التنوير نجاحاً ملحوظاً، ونمط شرقي في روسيا (بولندا أساساً) حيث لم تنجح هذه المُثُل كما كان مقدراً لها. وكلمة «غربي» هنا هي الكلمة التي أطلقها يهود شرق أوربا (الأوست يودين) أو يهود اليديشية على يهود ألمانيا والنمسا ووسط أوربا. وقد أدَّى نجاح مُثُل التنوير بين يهود الغرب وإخفاقها النسبي في الشرق إلى انقسام العالم الغربي، فكان يهود الغرب المندمجون يشعرون بالخوف من يهود اليديشية وأحياناً يشعرون تجاههم بالاحتقار، في حين كان يهود الشرق يشعرون بأن يهود الغرب فقدوا هويتهم وأنهم يتشبهون بالأغيار بشكل يبعث على الضيق وأحياناً الاشمئزاز. وهو انقسام انعكس داخل الحركة الصهيونية فيما بعد وتبدَّى في انقسامها إلى صهيونية استيطانية (في شرق أوربا) وصهيونية توطينية (في وسطها وغربها) . ويعود الاختلاف بين النمطين إلى اختلافات في المحيطين اللذين وُجد فيهما أعضاء كل جماعة. ويُلاحَظ أن عملية التحديث حققت قدراً من النجاح في بلاد الغرب، وخلقت فرصاً للحراك الاجتماعي أمام أعضاء الجماعات اليهودية. أما في شرق أوربا، فقد تأخر التحديث ثم تعثَّر بل توقَّف بعض الوقت، وهو ما أغلق أبواب الحراك الاجتماعي أمامهم.
стр. 2502
ولذا، فعلى حين كانت توجد شرائح اجتماعية كبيرة في الغرب تطمح إلى الاندماج في المجتمع غير اليهودي لم توجد مثل هذه الشرائح في الشرق وظل دعاة التنوير قلة قليلة. ومن هنا نجد أن دعاة التنوير في الغرب كانت لديهم طموحات الانتماء إلى النخبة غير اليهودية وهي طموحات لم تصل في الشرق إلى الدرجة نفسها من القوة. وكان اليهود في ألمانيا يمتلكون الخبرات والأموال التي تؤهلهم للانخراط في المجتمع الجديد الذي كان مستعداً لأن يستفيد منهم. أما في روسيا، فقد ارتبط أعضاء الجماعة هناك بحرف، مثل التجارة البدائية والربا والخمور، أو بوظائف هامشية لم تَعُد مطلوبة. ولذا، فقدت حركة التنوير في الغرب قشرتها اليهودية، في حين تحولت هذه القشرة إلى محارة في الشرق. وأدَّى هذا الوضع إلى استقطاب داخل الجماعة اليهودية في الشرق، فكان دعاة التنوير عادةً من الأثرياء أو البورجوازيين أو المرتبطين بهم حيث كان بوسعهم أن يستفيدوا اقتصادياً من عملية الدمج والتغريب، وهذا مقابل الجماهير اليهودية البورجوازية الصغيرة التي كان الاندماج يعني بالنسبة إليهم الهبوط في السلم الاقتصادي إلى مرتبة العمال. وتتميَّز الجماعات اليهودية في الغرب بصغر عددها، وهو ما سهَّل عملية دمج أعضائها. أما في شرق أوربا، فكانت الكتلة البشرية اليهودية ضخمة. ومما زاد الطين بلة الانفجار السكاني الذي حدث في صفوفها في القرن التاسع عشر، ويمكن القول بأنه كانت هناك جماهير يهودية في الشرق ولم تكن توجد جماهير في الغرب. وساعد ذلك أيضاً على ألمنة يهود ألمانيا، إذ أن الكتابة العبرية كانت تعني كتابة بلا جماهير، بينما نجد أنه برغم صغر حجم قراء العبرية في الشرق كان هناك أعداد لا بأس بها من طلبة المدارس التلمودية العليا (اليشيفا) الذين يعرفون العبرية. ومما ساهم في عدم انتشار مُثُل التنوير في روسيا وبولندا على عكس ألمانيا أن المحيط الثقافي الذي أحاط بيهود ألمانيا (بلد
стр. 2503
بيتهوفن وهايني) كان متقدماً مصقولاً وأغرى كثيراً من اليهود بالانضمام إليه. أما المستوى الحضاري المحيط بيهود الشرق، بجوه الإقطاعي الخانق وحكوماته الأوتوقراطية وأقنانه المتخلفين، فلم يكن فيه ما يغري بالانتماء أو الاندماج. ولذا، لم تفقد حركة التنوير في شرق أوربا شكلها العبري واليديشي.
وإذا كان الوسط الفلاحي المحيط بيهود الشرق متخلفاً، فإن يهود الشرق أنفسهم كانوا متدنين حضارياً وملتصقين تماماً بطرقهم التقليدية من لغة يديشية إلى زي خاص. وجعل ذلك من التكيف مع الوضع الحضاري الجديد ومع مُثُل التنوير أمراً عسيراً.
وثمة أسباب أخرى أدَّت إلى إضعاف انتشار مُثُل التنوير في الشرق، بل وفي الغرب أيضاً، وإن كان أثرها في الشرق أكثر عمقاً منه في الغرب. وحركة الاستنارة كانت سطحية وساذجة في رؤيتها للإنسان، فقد رفضت كل أنواع الخصوصية بكل مستوياتها وأصرت على أن يتحول الإنسان الفرد المتجذر في تراثه إلى مواطن عام لا جذور له. وكان التصور السائد أن عملية التخلص من الخصوصية مسألة يسيرة سهلة خاضعة لإرادة الفرد دون أي إدراك لمدى ارتباط الهوية بالمستويات العميقة للذات الإنسانية. وغني عن القول أن مثل هذه الرؤية منافية للحقائق النفسية ومنافية لواقع يهود اليديشية الذين كانوا يتمتعون بدرجة عالية من الخصوصية باعتبارهم أقلية قومية داخل روسيا القيصرية. وكان اليهودي يشعر أنه بتخليه الكامل وغير المشروط عن خصوصيته يمسخ نفسه، الأمر الذي كان يُنفِّر كثيراً من أعضاء الجماعة من محاولة الاندماج هذه. أما أولئك الذين كانوا يقبلون فكر حركة الاستنارة ويحاولون التخلي عن الخصوصية، فإن بعضهم كان يبالغ في التشبه بأعضاء الأغلبية واصطناع الأشكال الحضارية السائدة والابتعاد عن التراث اليهودي المحلي. وقد كانت هذه العملية تثير الشك والاشمئزاز في نفوس أعضاء الأغلبية وأعضاء الجماعة اليهودية الذين لم يندمجوا.
стр. 2504
وظهرت سذاجة فكرة عصر الاستنارة في محاولة الحكومات المطلقة فرض الإصلاحات من أعلى، وكأنها شيء خارجي، عن طريق التشريعات القانونية، دون تغيير البنية الاقتصادية والسياسية للمجتمع. وكان الإعتاق يُعَدُّ منحة من القيصر، الأب الرحيم، لأبنائه اليهود الذين كان من واجبهم إثبات جدارتهم بهذه المنحة بأن يصبحوا مواطنين صالحين! وقد فُرضت الإصلاحات من خلال أجهزة حكومية متخلفة وبدائية. ويُلاحَظ أن الجهاز الحكومي في ألمانيا والنمسا كان أكثر حداثة وكفاءة منه في روسيا، كما أن النظام الحاكم في ألمانيا كان مدركاً لنفع أعضاء الجماعة والدور الذي يمكن أن يلعبوه في عملية التحديث. هذا على عكس الطبقة الحاكمة في روسيا وبولندا، وبدرجة أقل في النمسا، التي لم تجد دوراً خاصاً لليهود.
وساعد على انتكاس حركة التنوير، في نهاية الأمر، ظهور القوميات الأوتوقراطية المتخلفة ذات المُثُل العضوية في روسيا وبولندا، ومن قبلهما في ألمانيا. وهي قوميات لم تتبن مُثُل الإخاء والتسامح شأنها في هذا شأن القومية الفرنسية، وإنما تبنت رؤية ثنائية حادة تقسم الناس إلى الأنا والآخر. ومما ساعد على تعميق هذا الاتجاه، ظهور الفكر الرومانسي المحافظ لما يُسمَّى الحركة المعادية للاستنارة، والأفكار العنصرية المختلفة التي شاعت في أوربا في أواخر القرن التاسع عشر بوصفها جزءاً من الهجمة الإمبريالية على العالم. ثم أدَّى تعثُّر التحديث في شرق أوربا، وتوقُّفه تقريباً عام ١٨٨١، إلى سحب الأرض من تحت أقدام دعاة التنوير. وتحوَّل كثير من دعاة حركة التنوير إلى دعاة للعقيدة الصهيونية بسبب الظروف المواتية.
стр. 2505
وقد أشرنا إلى أن فكر حركة التنوير كان يحوي داخله منذ البداية تناقضاً أساسياً بين النزعة العقلانية التي تؤكد العام والمجرد وترفض الخصوصية ومن ثم تؤدي إلى الاندماج من جهة، ومن جهة أخرى النزعة (غير العقلانية) الإمبريقية الحسية (الرومانسية) التي تؤكد الخاص ومن ثم تؤدي إلى العزلة. وانعكس هذا التناقض في فكر مندلسون ثم في علم اليهودية. ويجب تَذكُّر أن اليهودية المحافظة لم تخرج من التراث الديني التقليدي وإنما هي وليدة حركة التنوير، وعلم اليهودية، والرؤية النقدية والعلمية للتاريخ.
ومع هذا، ورغم انحسار حركة التنوير بوصفها حركة فكرية واعية، ظلت مقولاتها سائدة بين أعضاء الجماعات بشكل ظاهر وكامن، كما أن بنية المجتمع الغربي ذاتها تغيَّرت بشكل أصبح معه التراجع عن مُثُل الاستنارة أمراً عسيراً وصعباً. فلم تَعُد هناك حاجة إلى جماعات وظيفية وسيطة، وأصبحت المساواة بين جميع الأفراد حقيقة تكاد تكون من المسلمات التي تستند إليها النظم السياسية. وزادت معدلات العلمنة وعدم الاكتراث بالدين في المجتمع ككل بحيث لم يَعُد التمييز بين الأفراد يتم على أساس ديني. وحينما كان التمييز يتم على أساس عرْقي، كما هو الحال في الولايات المتحدة، فإن اليهود كانوا يُعتبَرون من الجنس الأبيض. ولذا، يمكن القول بأنه، برغم تراجع حركة التنوير بين اليهود وضَعْف حركة الاستنارة في العالم الغربي وتعثُّرها، فإن مُثُلهما سادت في نهاية الأمر المجتمع الغربي وبين أعضاء الجماعات اليهودية.
التنويري اليهودي: فكر
Haskalah Thought
стр. 2506
انطلق دعاة حركة التنوير اليهودية من المنطلقات نفسها التي انطلقت منها حركة الاستنارة الغربية بكل محاسنها ومساوئها وبكل تعميماتها وتناقضاتها (وأهم هذه التناقضات التناقض الحاد بين الاتجاه نحو العام والمجرد من جهة والاتجاه نحو الخاص والمحسوس من جهة أخرى ثم تصفية الثاني لحساب الأول) . ولكن، حركة التنوير اليهودية كان لها طابعها الخاص وموضوعاتها المتميِّزة، نظراً للخصوصية النسبية للجماعات اليهودية في المجتمع الغربي.
ومن الموضوعات الأساسية التي طرحها الفكر التنويري اليهودي مسألة الشخصية اليهودية وخصوصيتها المفرطة وطفيليتها. فقد رأى دعاة التنوير أنها شخصية جيتوية متمسكة بتراثها وهويتها بشكل يفرض عليها العزلة. وقد تبنَّى دعاة التنوير الصورة النمطية الاختزالية التي ترسمها أدبيات معاداة اليهود لليهودي (وهي الصورة التي تبناها الصهاينة فيما بعد) .
стр. 2507
كما بيَّن دعاة التنوير ما تصوروه طفيلية اليهود وهامشيتهم، وهي سمات مرتبطة بالوظائف التقليدية لليهود ومسألة التجارة والربا (أي دور الجماعات اليهودية كجماعة وظيفية) ، فطالب دعاة التنوير بضرورة تغيير ذلك حتى يمكن تحويل اليهود من عناصر هامشية منعزلة إلى عناصر منتجة مندمجة، أي تحويل اليهود إلى قطاع اقتصادي منتج بحيث يمكنهم التكيف مع الوضع الاقتصادي الجديد. كما طالبوا بضرورة تشجيع اليهود على الاشتغال بالزراعة والحرف اليدوية. ولم يكن للدعوة إلى تحديث وظائف اليهود وحرفهم ومهنهم مضمون اقتصادي وحسب وإنما كان لها مضمون ثقافي ونفسي عميق، إذ كانت دعوة إلى أن يتحرك أعضاء الجماعة من مسام المجتمع كجماعة وظيفية وسيطة منعزلة لها ثقافتها الخاصة إلى نخاعه أو صلبه. فيصبحون مثل بقية أعضاء المجتمع، يتحدثون بلغته ويرتدون أزياءه وينتمون إليه ويدينون له وحده بالولاء. ولذا، كان من القضايا الأساسية التي طرحتها حركة التنوير إشكالية اللغة إذ كانت الجماعات اليهودية في شرق أوربا تتحدث اليديشية. ولذا، شجع دعاة التنوير الاندماج اللغوي، فنادوا بما سموه «النقاء اللغوي» . ذلك أن تنقية اللغة التي كان يتحدث بها اليهود كفيلة، حسب تصوُّرهم، برفع مستواهم الحضاري. ولذلك، طالبوا بألا يستعمل اليهود اليديشية، وأن يتعلموا بدلاً من ذلك اللغة الأم سواء كانت الروسية أو الألمانية أو البولندية. كما دعوا إلى إحياء اللغة العبرية باعتبارها لغة التراث اليهودي الأصلي. ومع هذا، كان هناك من دعاة التنوير في روسيا وبولندا من كتب أدبياته باليديشية وطالب بأن تصبح اليديشية اللغة القومية ليهود شرق أوربا.
стр. 2508
وكانت قضية التربية القضية الأساسية بالنسبة إلى دعاة التنوير بسبب ما تصوروه من استغراق الجماعات اليهودية في التخلف والخصوصية. فقد كان ما تصوروه من الاعتقاد السائد بين أعضاء الجماعات اليهودية أن التلمود هو الكتاب الوحيد الجدير بالدراسة، وأن الدراسة العلمية غير الدينية لابد أن تبقى ثانوية وتوظَّف في خدمة الدراسة الدينية. ونادى دعاة التنوير اليهودي بأن تكون المدارس التلمودية العليا (يشيفا) مدارس لإعداد الحاخامات وحدهم، وطالبوا اليهود بأن تتم العملية التعليمية خارج الإطار الديني وأن تشمل الجماهير كلها وليس الأرستقراطية الفكرية وحدها من الحاخامات وغيرهم. كما طالبوا إخوانهم في الدين بأن يرسلوا أولادهم إلى المدارس غير اليهودية حتى يتقنوا كل الفنون العلمانية، مثل الهندسة والزراعة، وشجعوا ممارسة الأعمال اليدوية، كما دافعوا عن تعليم المرأة. وبالفعل، بدأت المدارس اليهودية العلمانية تظهر، لأول مرة في تاريخ الجماعات اليهودية الأوربية، مع منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، وافتُتحت أول مدرسة يهودية لتعليم المرأة في روسيا عام ١٨٣٦. وكان دعاة التنوير يرون أن التعليم العلماني هو السبيل إلى تحديث اليهود ودمجهم وعلمنتهم.
ومن القضايا الأساسية التي طرحها دعاة حركة التنوير كذلك، قضية ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» ، فظهر مؤرخون يهود عديدون مثل هاينريش جرايتز ونحمان كروكمال، كما ظهر علم اليهودية الذي يُعَدُّ موريتز ستاينشنايدر وسولومون ستاينهايم من أهم أعلامه.
стр. 2509
وقد حاول دعاة التنوير إعادة تنظيم الجماعة اليهودية من الداخل، فطالبوا بإلغاء القهال وأشكال الإدارة الذاتية التقليدية، وكانوا في هذا يستجيبون لدعوة الدولة المركزية إلى أن يدين المواطنون لها وحدها بالولاء. ولكن، مع تغيير حياة اليهود الاجتماعية والاقتصادية، أي بعد تحديثهم، كان ضرورياً أن يتم تحديث الديانة نفسها حتى لا ينصرف عنها الشباب اليهودي الذي كان قد بدأ يتساءل عن مدى جدوى وجدية مصطلحات مثل «المنفى» أو «صهيون» أو «العودة» . وقد وجه دعاة التنوير سهام نقدهم إلى التراث القومي الديني اليهودي، فهاجموا فكرة الماشيَّح وأسطورة العودة، وحولوا فكرة جبل صهيون إلى مفهوم روحي أو إلى اسم المدينة الفاضلة التي لا وجود لها إلا بوصفها فكرة مثالية في قلب الإنسان. وأصبح الخلاص هو انتشار العقل والعدالة بين الشعوب غير اليهودية، ولم يَعُد مرهوناً بالعودة إلى أرض الميعاد. وهاجم دعاة التنوير التراث اليهودي الشفوي أو الشريعة الشفوية وكُتبها الدينية مثل التلمود والشولحان عاروخ، وأبقوا على التراث اليهودي المكتوب وحده. وذهبوا إلى أن من حقهم العودة إلى التراث الأصلي نفسه بدون التقيد باليهودية الحاخامية، كما هاجموا الحركات والكتب الصوفية العديدة التي أفرزها التراث اليهودي، مثل الحسيدية وكتب القبَّالاه. وحاولوا أن يُدخلوا نزعة عقلانية على اليهودية، فأحيوا كتابات المفكر العربي (الإسلامي) المؤمن باليهودية موسى بن ميمون الذي كان يطالب منذ العصور الوسطى بإدخال التعليم غير الديني على الدراسات الدينية اليهودية. ويُعَدُّ المفكر الألماني موسى مندلسون، الذي تأثر بأعمال موسى بن ميمون، أباً للتنوير اليهودي. ولكن من الأهمية بمكان تبيان أن حركة الإصلاح الديني التي حققت نجاحاً فائقاً في ألمانيا وانتقلت منها إلى الولايات المتحدة، حيث يشكل اليهود الإصلاحيون والمحافظون الأغلبية الساحقة، فشلت تماماً في شرق أوربا. ولذا،
стр. 2510
وبدلاً من حركة الإصلاح الديني، نجد أن ما انتشر بين شباب اليهود هو النزعتان الإلحادية والثورية.
وقد زعزع هذا كيان السلطة الدينية التي كانت تتحكم في اليهود، الأمر الذي جعل هذه السلطة تقاوم التيارات التنويرية وتحاول إفشالها. وهو ما كان يضطر دعاة التنوير إلى اللجوء أحياناً إلى السلطات الحكومية لتساعدهم في فرض القيم العصرية على اليهود. وقد نجح الحسيديون، ثم الصهاينة في نهاية الأمر، في السيطرة على الجماهير اليهودية.
ورغم فشل حركة التنوير اليهودي في إنجاز كل أهدافها، فإنها تركت أثاراً عميقة في اليهودية. ولعل أهم هذه الآثار هو ظهور اليهودية الإصلاحية ودعاة الاندماج من الليبراليين والثوريين اليهود الذين طالبوا بحل مشاكل اليهود، أي المسألة اليهودية، عن طريق الثورة الديموقراطية البورجوازية أو الثورة الاجتماعية الاشتراكية. غير أن حركة التنوير مسئولة أيضاً بشكل ما عن ظهور الصهيونية. وقد هاجم دعاة التنوير فكرة انتظار الماشيَّح الذي سيأتي بالخلاص، ونادوا بأن على اليهود الحصول على الخلاص بأنفسهم. وقد أزالت هذه الدعوة الحاجز الوجداني الذي كان يقف بين اليهود (المتدينين وغير المتدينين) والصهيونية، إذ أصبحت العودة إلى فلسطين ممكنة دون انتظار مقدم الماشيَّح. كما هاجم دعاة التنوير مفاهيم أخرى، مثل العودة والشعب المقدَّس، بحيث أسقطوا البعد الديني المجازي، وكان هذا تمهيداً لتحويلها إلى مفاهيم ذات طابع دنيوي وضعي حرفي فتحوَّلت صهيون إلى موقع للاستيطان وتحوَّل الشعب المقدَّس إلى شعب بالمعنى العرْقي أو الإثني. كما أن فكر حركة التنوير كان يهدف إلى تطبيع اليهود، أي أن تكون الشخصية اليهودية شخصية طبيعية، ويصبح اليهود أمة مثل كل الأمم، وتطوَّر هذا المفهوم ليصبح الدعوة إلى تأسيس الدولة الصهيونية حتى يكون للشعب اليهودي دولته المستقلة شأنه في هذا شأن كل الشعوب.
стр. 2511
وخلقت حركة التنوير في شرق أوربا طبقة وسطى يهودية متشربة ببعض الأشكال الثقافية اليهودية الخاصة ولها ولاء كامل لتراثها الديني الغربي، ولكنها كانت في الوقت نفسه مُشبَّعة بالأفكار السياسية والاجتماعية الغربية من قومية إلى إشتراكية. وهذا الازدواج الفكري، أو التعايش بين نقيضين، هو الذي أفرز القيادات والزعامات الصهيونية القادرة على التحرك في إطار معتقداتها التقليدية المتكلسة، والتي تجيد في الوقت نفسه استخدام المصطلحات والوسائل العلمانية. وقد عمَّق التناقض الأساسي الكامن في فكر حركة الاستنارة الغربية (الاتجاه نحو العام والمجرد والآلي مقابل الاتجاه نحو الخاص والحسي والعضوي) هذا التناقض. فعلى حين أن النزعة الأولى نحو العام تطالب بدمج اليهود وبتخليهم عن خصوصيتهم، تتجه النزعة الحسية (والرومانسية) نحو تأكيدها والمطالبة بتقوية الوعي القومي. وهذا التناقض يظهر حتى عند مندلسون نفسه، أهم دعاة التنوير. فاليهودية هي دين العقل (العام) ، ولكن شعائرها مُرسَلة ومُوحى بها (الخاص) . ولذا، فإن العقائد الأساسية عامة ومُرسَلة لكل البشر، أما الشعائر فهي مقصورة على اليهودية وهي مصدر هويتهم وعلى اليهود الحفاظ عليها. وقد اتبع صموئيل لوتساتو الإستراتيجية نفسها في فلسفته. وأخذت رقعة العام في الانكماش في كتابات المفكرين اليهود (كما حدث في الحضارة الغربية نفسها) حتى نصل إلى علم اليهودية، وهو علم كان من ناحية يتكون من دراسات علمية نقدية عقلانية تهدف إلى الكشف العلمي عن الحقيقة التاريخية أو الاجتماعية أو الأنثروبولوجية الكامنة وراء القصص الديني، ولكنه كان، من ناحية أخرى، علماً يهدف إلى اكتشاف ماضي اليهود وإنجازاتهم الحضارية المتميِّزة والمنفردة حتى يكتشفوا خصوصيتهم ويقووا وعيهم القومي بها.
стр. 2512
ويظهر هذا التناقض في التأرجح بشأن قضية اللغة، فقد بدأت حركة التنوير بمهاجمة اليديشية باعتبارها لغة غير طبيعية شاذة، وألمانية منحطة وغير عقلانية، وطالبوا بالعودة إلى العبرية باعتبارها لغة طبيعية وربما عقلانية. ولكن العبرية هي عودة للماضي، وهي بعث رومانسي للغة لم يَعُد يتحدث بها أحد، فأُسقطت العبرية، وتم تبنِّي الألمانية أو اللغة القومية سواء الروسية أو البولندية. ثم ظهرت الدعوة إلى اليديشية نفسها باعتبارها اللغة العضوية والمحلية والجماهيرية. وتظهر الازدواجية في الآداب المكتوبة بالعبرية فهو دعوة إلى الانفتاح على الآداب الغربية وتبنِّي أشكالها الحديثة، ولكن لغة هذه الآداب العبرية لغة ميتة تم بعثها. كما يظهر التناقض في حركة الإصلاح الديني اليهودي، إذ كان من ثمراته اليهودية الإصلاحية التي تدعو للاندماج وإسقاط العزلة، والتمسك بالعقلانية. ولكن من ثمراته أيضاً اليهودية المحافظة التي رفضت الشريعة اليهودية التقليدية وكثيراً من الأشكال التقليدية، ولكنها حوَّلت هذه الأشكال نفسها إلى تراث شعبي عضوي يشبه المطلق. ومن ثم، فهي تهاجم اليهودية الحاخامية التقليدية، والعقيدة اليهودية بكل مطلقاتها، ولكنها تتمسك بالتراث العضوي اليهودي بوصفه مطلقاً لا يمكن التساؤل عنه. ومن هنا، كان الهجوم العقلاني على أنبياء اليهود وعلى التراث الديني اليهودي باعتباره تراثاً غيبياً معادياً للإنسان. ثم يتبع ذلك البعث الرومانسي للبطولات العبرية لفترة ما قبل اليهودية، مثل شمشون وشاؤول، وهي بطولات تجسِّد عناصر لا عقلانية خارقة. ويظهر التناقض كذلك في الدعوة إلى العودة إلى الطبيعة والاندماج بها، فهي تعني أن يترك اليهودي الجيتو المظلم ويترك مغارته اليهودية ليختلط بعالم الأغيار ويقوم بالعمل اليدوي والأعمال الزراعية والإنتاجية المختلفة التي حُرم منها. ولكن هذه الدعوة تصبح، كذلك، دعوة إلى العودة إلى الطابع المحلي وإلى
стр. 2513
التراث القومي العضوي الطبيعي.
ويتضح التناقض نفسه، في موقف الحركة الصهيونية من الغيبيات الدينية. فقد نظرت الحركة الصهيونية للمفاهيم الدينية باعتبارها مفاهيم لا عقلانية متجاوزة للمادة، ولذا دعت اليهود لأن يكونوا طبيعيين لا يختلفون عن البشر ولا يتحدثون إلا عن القانون الطبيعي (المادي) العام ولا يدورون إلا في إطاره. وانطلاقاً من هذا تم رفض الدين والماشيَّح وكل الغيبيات. ولكن تم تبنِّي بعض هذه الأفكار والغيبيات المرفوضة (مثل الشعب اليهودي والأرض) بعد أن أُفرغت من مضمونها الديني وتم إضفاء المطلقية عليها، أي أنه تمت استعادة القداسة من داخل المادة ومن ثم تم تشجيع الخصوصية والتفرُّد. فالشعب اليهودي شعب مثل كل الشعوب، ولكنه شعب ذو رسالة خاصة وحقوق مطلقة. وهو يؤسس دولة ديموقراطية مثل كل الدول الأخرى، ولكن هذه الدولة تتمتع بقداسة لا نظير لها حتى أنها تحل محل الرب في وجدان اليهود. والمستوطن الصهيوني سيعود إلى الطبيعة يلتصق بها، ويعمل بيديه في الأرض، ويتحرر من الاستغلال والملكية الخاصة ومن كل ما يميِّز الإنسان عن أخيه الإنسان. ولكننا نكتشف أن الأرض ليست الأرض بشكل عام بل الأرض المقدَّسة الخاصة المقصورة عليه. ومن ثم نجد أن هذا الداعي إلى الإخاء الإنساني والعالمي يقتل العرب ويرفض السماح لهم بأن يزرعوا الأرض معه. ولعل هذا الجانب في الصهيونية هو سر جاذبيتها للعالم الغربي، فهي محاولة ماهرة لحسم التناقض الكامن في الفكر العلماني. وهذا التناقض هو الذي جعل بوسع الصهيونية التوصل للخطاب الصهيوني المراوغ، بمقدرته التعبوية الهائلة والذي جعل من الممكن استيعاب يهود الغرب من دعاة الاندماج ويهود الشرق من دعاة الانعزال والهجرة الاستيطانية.
دعاة التنوير اليهودي) المسكليم)
Maskilim
стр. 2514
«مَسْكليم» كلمة عبرية مفردها «مَسْكيل» وهي لفظة تكريم عبرية وتعني «العالم» أو «الرجل المستنير» ، وهي مشتقة من كلمة «سيكيل» ومعناها «ذكاء» والتي استخدمت بعد ذلك بمعنى «استنارة» . وقد استُخدمت هذه الكلمة لأول مرة في إيطاليا في القرن الرابع عشر الميلادي، ثم صارت تعني في البلاد السلافية، منذ القرن التاسع عشر الميلادي، العالم اليهودي الذي يتصف بحب المعرفة ويكافح من أجل البعث الحضاري لليهود ويبشر بحركة التنوير اليهودية ومُثُل حركة الاستنارة الغربية.
وقد أحدَث دعاة التنوير ثورة في عالم اليهود وفي مسار تواريخهم، إذ قدموا أنفسهم باعتبارهم أعلم بمصلحة اليهود من القيادة التقليدية، وعلى أنهم بما لديهم من علم ومعرفة بالعالم الحديث أكثر قدرة على التعبير عن هذه المصالح. وكانوا يرون أنفسهم، أساساً، بشراً لا يهود اً، وطليعة حضارة إنسانية عالمية يبشرون بها بين اليهود الذين يتمسكون بحضارتهم المتخلفة.
وحاول دعاة التنوير إعادة صياغة الهوية اليهودية وتحديثها، فكانوا يتقدمون بالبرامج والمشاريع للحكومات الغربية المختلفة حتى يتم تحديث اليهود. وعلى سبيل المثال، تعاون هرتز هومبرج مع الحكومة النمساوية لفرض الصبغة الألمانية على يهود جاليشيا وأسس فيها ما يزيد على مائة مدرسة يهودية ألمانية في الفترة بين ١٧٨٧ و١٨٠٠.
стр. 2515
ويمكن أن نفرِّق بين دعاة التنوير في شرق أوربا من جهة ودعاة التنوير في وسطها (والذي كان يُطلَق عليه في الأدبيات اليهودية اسم «الغرب» ) من جهة أخرى. ففي الغرب، تمكَّن دعاة التنوير من أن يمسكوا بزمام الموقف ويقوموا بتغيير معالم حياة الجماعة اليهودية، الأمر الذي يتضح في اليهودية الإصلاحية وغيرها من الحركات. أما في شرق أوربا، فكان الوضع جد مختلف، إذ ظل دعاة التنوير أقلية صغيرة مُحاصَرة، ولم يستطع سوى الأثرياء منهم المجاهرة بآرائهم. أما الفقراء، فكانوا يهربون إلى مراكز التنوير في الغرب. ونظراً لصغر عددهم وهامشيتهم، لم تظهر حركة دينية إصلاحية في الشرق على غرار ما حدث في الغرب. وآمن دعاة التنوير بقوة الدولة باعتبارها قوة مطلقة، واستغلوا المقولة الدينية اليهودية «شريعة الدولة هي الشريعة» لإعطاء شرعية دينية لهيمنة الدولة على اليهود وغير اليهود. واستعان دعاة التنوير بالسلطات الحكومية لضرب القوى التقليدية داخل الجماعة اليهودية، وقاموا بنضال لا هوادة فيه ضد الحسيديين، وساعدوا السلطات في اضطهاد التساديك (زعماء الحسيدية) وفي مصادرة كتبهم. وظل هذا الوضع قائماً حتى نهاية القرن حينما بدأ دعاة التنوير يتبنون مُثُلاً اجتماعية ثورية فانقلب الحال، واستعانت القيادة التقليدية بالسلطات ضد دعاة التنوير الثوريين، مؤكدة لها أن اليهود المتمسكين بالتقاليد الدينية هم وحدهم الخاضعون للحكومة المتعاونون معها.
وقدم دعاة التنوير نقداً متكاملاً للشخصية اليهودية التقليدية، في طفيليتها وهامشيتها وعدم انتمائها. وهو النقد الذي ورثه كل من الصهاينة والمعادون لليهود. ومن الملاحَظ أن كلمة «مسكليم» لها إيحاءات قدحية في الكتابات الصهيونية واليهودية الأرثوذكسية.
المسكليم
Maskilim
«مسكليم» كلمة عبرية تشير إلى دعاة حركة التنوير بين اليهود. انظر: «دعاة التنوير اليهودي (المسكليم) » .
نفتالي فيسيلي (١٧٢٥-١٨٠٥)
стр. 2516
Naphtali Wessely
واحد من أهم دعاة التنوير الألمان، وشاعر يكتب بالعبرية. وهو أحد أصدقاء مندلسون وأحد أخلص أتباعه. وُلد لأسرة ثرية، فكان أبوه وجده من قبله يمتلكان مصنعاً للأسلحة ويعملان متعهدي تموين للأسرة المالكة الدنماركية، أي أنهما كانا من يهود البلاط. تلقَّى فيسيلي تعليماً دينياً وغير ديني، وأتقن بعض اللغات الأوربية واللغة العبرية. وقضى بضعة أعوام في أمستردام وكوبنهاجن حيث تعرَّف إلى مندلسون.
نشر فيسيلي بعض الدراسات الدينية من بينها تعليق على أحد كتب التلمود. ولكنه ذاع صيته حينما نشر عام ١٧٨٢ كتيباً بالعبرية بعنوان دبري شالوم فائيميت (كلمات السلام والحق) كان بمنزلة مانفستو لحركة التنوير بعد صدور براءة التسامح عام ١٧٨٢، وقد تُرجم هذا الكتيب إلى الفرنسية والإيطالية والألمانية. كما ساهم فيسيلي في التعليق على كتاب أسفار موسى الخمسة الذي أعده مندلسون. وفي عام ١٧٨٨، نشر سيفر هاميدوت (كتاب الأخلاق) وهو تحليل نظري للقضايا الأخلاقية.
ولكن أهم أعماله هو قصيدته البطولية شيري تيفئيريت (قصائد المجد) وهي ملحمة عن الخروج مقسمة إلى ستة أقسام وثمانية عشر كتاباً. وقد استغرق تأليفها نحو عشرين عاماً وأصبحت نموذجاً لمعظم الجهود الشعرية لحركة التنوير، وهي متأثرة بقصيدة الشاعر البولندي كلوبستوك «المسيح» .وليست للقصيدة قيمة أدبية تذكر، وهي أيضاً ليست قصيدة تاريخية تحاول الحفاظ على الإيهام التاريخي، وإنما هي تعبير عن أفكار حركة التنوير وُمُثلها: فموسى، قائد العبرانيين، يشبه دعاة حركة التنوير الألمان، بل ويشبه موسى مندلسون على وجه التحديد.
стр. 2517
ويُعَدُّ إسهام فيسيلي الأساسي في الأدب المكتوب بالعبرية أسلوبه الذي كان يتسم بالبلاغة برغم زخرفته وتأنقه الزائد، وقد كان أسلوبه نموذجاً للأدباء الذين يكتبون بالعبرية من بعده وقد أدخل فيسيلي تعديلات على عروض الشعر المكتوب بالعبرية إذ تبنَّى الوزن المقطعي والسطر المكون من اثنى عشر مقطعاً والمسمى «الإسكندري»
وساهم فيسيلي في نشر أفكار مندلسون التربوية، وفي توجيه النقد للأفكار التربوية السائدة في عصره بين أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب. وكان مهتماً بالتعليم الديني اليهودي، ولكنه ذهب إلى أن الدراسات التلمودية دراسات غير علمية وأن من الواجب توجيه اليهود نحو دراسة الحرف وأن يتلقوا تعليماً دنيوياً يهيِّئهم للاشتراك في الحياة حولهم. واقترح أن يتضمن هذا التعليم مبادئ العلوم والرياضيات والتاريخ والجغرافيا واللغة الألمانية. وحاول أن يبرر دعوته العقلانية على أسس دينية، فقال: إن معرفة التاريخ تقوي معرفة اليهودي بتراثه، في حين تساعده معرفة الجغرافيا على فهم الشعائر المقدَّسة. وقد لاقت آراؤه معارضة حادة من الحاخامات. ولكن أفكاره، مع هذا، ساهمت في صياغة أفكار التربويين اليهود ممن جاءوا بعده، سواء كانوا من دعاة حركة التنوير أو كانوا من معارضيها.
وبعد ظهور براءة التسامح، سنحت أمامه الفرصة لوضع أفكاره موضع التنفيذ حينما أسس ديفيد فرايدلاندر عام ١٧٧٨ المدرسة اليهودية الحرة، إذ تبنت هذه المدرسة منهجاً جديداً يمزج الدراسات الدينية بالدراسات الدنيوية. فكانت النصوص الدينية تُدرَّس بالعبرية، ولكن إلى جانب ذلك كانت هناك دروس دينية أيضاً تُدرَّس بالألمانية التي حلت محل اليديشية كلغة للتدريس. وكانت هذه المدرسة نموذجاً للمدارس الأخرى التي أُسِّست بعد ذلك.
موسى مندلسون (١٧٢٩-١٧٨٦)
Moses Mendelson
стр. 2518
رائد حركة التنوير اليهودية. وُلد في دساو (ألمانيا الوسطى) لأب فقير يعمل في كتابة مخطوطات التوراة أي لفائف الشريعة. وأُصيب بمرض في طفولته تسبَّب في تقوُّس عموده الفقري وأثر في جهازه العصبي. وتلقَّى مندلسون تعليماً تقليدياً على يد حاخام ثم سافر إلى برلين حيث درس الطب والفلسفة واللغات اليونانية واللاتينية والإنجليزية والفرنسية، وكان هذا أمراً غير عادي بالنسبة لأعضاء الجماعات اليهودية في أوربا آنذاك. اشتغل مندلسون مدرساً خصوصياً لأولاد صاحب مصنع حرير ألماني يهودي ثم عمل محاسباً عنده، واستوعبت الوظيفة كثيراً من وقته، ولكنها أتاحت له فرصة الإقامة في برلين كيهودي يتمتع بالحماية بسبب نفعه. وظل يعمل طيلة حياته تاجراً وتزوج من حفيدة يهودي البلاط صموئيل أوبنهايمر.
صادق مندلسون عديداً من المثقفين الألمان في عصره من بينهم كانط ولسينج الذي كتب مسرحية نيثان الحكيم (١٧٧٩) واستخدم مندلسون فيها كنموذج لبطل المسرحية اليهودي الذي يتحدث عن الأخوَّة وحب الجنس البشري.
стр. 2519
قرأ مندلسون أعمال موسى بن ميمون وتأثر بنزعته العقلانية، كما تأثر بأعمال لايبنتز وإسبينوزا. وذاع صيته في بداية الأمر بسبب كتاباته في فلسفة الجمال التي تُعَدُّ إسهاماً لابأس به في هذا الحقل الفلسفي، ثم نشر كتاب فايدون (١٧٦٧) تناول فيه موضوع الخلود الشخصي في شكل حوار أفلاطوني يؤكد فيه فكرة خلود الروح وأن الموت لا يعني الفناء الكامل، وبيَّن أن الرب الخيِّر ما كان ليغرس هذه الفكرة في روح الإنسان إن لم يكن هناك خلود حقيقي للروح. ويتضح في الكتاب مدى تأثر مندلسون بمفكري عصر العقل والاستنارة والفلاسفة الربوبيين، الذين كانوا يؤمنون بالخالق دون إيمان بأي دين ولا حتى بالآخرة. وقد ذاع صيت مندلسون بعد هذا الكتاب وكان يشار إليه بأنه «أفلاطون الألمان وسقراط اليهود» . ورُشح مندلسون لأكاديمية العلوم في برلين ولكن الملك شطب اسمه من قائمة المرشحين. ودخل مندلسون في نقاش حاد مع المفكر الديني المسيحي السويسري يوحنان لافاتر الذي طلب إلى مندلسون أن يثبت زيف الدلائل على صدق العقيدة المسيحية أو أن يفعل ما كان سيفعله سقراط لو كان في الموقف نفسه، أي أن يتنصَّر.
стр. 2520
لكل هذا، دخل مندلسون مرحلة فكرية ثانية ظهر فيها اهتمامه باليهود واليهودية، فبذل قصارى جهده كي يقضي على العزلة الفعلية والنفسية لليهود. وحاول أن يحطم ما أسماه بالجيتو العقلي الداخلي الذي أنشأه اليهود حول أنفسهم لموازنة الجيتو الفعلي الخارجي الذي كانوا يعيشون فيه حتى عهد قريب، فأنشأ مدرسة للأطفال في برلين لتعليم الألمانية والحرف اليدوية إلى جانب العلوم التقليدية، وهاجم استخدام اليديشية، وأصدر عام ١٧٥٠ مجلة لنشر ثمار الثقافة العالمية بعنوان كوهيليت موسار (الواعظ الأخلاقي) مقلداً أسلوب مجلتي إسبكتاتور وتاتلر، ولكنها منيت بالفشل ولم يظهر منها سوى ثلاثة أعداد. ثم نشر عام ١٧٨٣ مجلة هاميئاسيف (الحاصد أو الجامع) التي كانت تُعَدُّ أهم مجلات حركة التنوير، واستمر نشرها حتى عام ١٨١١.
ونشر مندلسون عام ١٧٧٠ طبعة مشروحة من سفر الجامعة، كما نشر تعليقاً بالعبرية على كتاب موسى بن ميمون عن المنطق. وانتهى مندلسون من ترجمة أسفار موسى الخمسة إلى الألمانية والتي كُتبت بحروف عبرية، وكتب تعليقاً بالعبرية (بيور) عام ١٧٨٣. وقد نُشرت الترجمة مع تعليقات وشروح كتبها معه مؤلفون يهود آخرون من بينهم نفتالي فيسلي وهيرتز هومبرج وياروسلاف. ويُعَدُّ هذا العمل من أهم أعمال عصر الإعتاق والتنوير، فهو الخطوة الأولى التي خطاها أعضاء الجماعة اليهودية نحو الحضارة الغربية العلمانية الحديثة، وقد حرَّم الحاخامات تداولها. كما ترجم مندلسون بعد ذلك المزامير ونشيد الأنشاد إلى الألمانية، وكتب كريستيان دوم عمله الشهير عن نفع اليهود وتحسين أحوالهم بخصوص إصلاح مكانة اليهود المدنية، الذي يتناول فيه هذه القضية بعد أن حثه مندلسون على ذلك. ويُقال إنه اشترك معه في كتابته وإن كان اختلف معه بعد ظهور الكتاب، لأن دوم طالب بمنح اليهود بعض الحقوق المدنية وأوصى بعزلهم داخل الجيتو والاحتفاظ بمؤسسات الإدارة الذاتية وألا يشغلوا وظائف عامة.
стр. 2521
وفي عام ١٧٨٢، قام أحد أصدقاء مندلسون بترجمة كتاب منَسَّى بن إسرائيل الذي يدافع فيه عن اليهود ونفعهم، وكتب له مندلسون المقدمة. وأثار الكتاب نقاشاً حاداً لأنه نادى بضرورة إلغاء حق الحاخامات في طرد اليهود من حظيرة الدين (حيريم) . ورد عليه أحد النقاد مبيناً أن مثل هذا المطلب غير منطقي لأن القسر الديني هو أحد أعمدة اليهودية، وزعم أن مندلسون اقترب (في موقعه هذا) من المسيحية التي لا تستند إلى الشرائع والقواعد وإنزال العقوبات بمن لاينفذها وإنما إلى العقائد الأخلاقية غير المرتبطة بنظام عقوبات.
واضطُر مندلسون إلى كتابة أورشليم: أو عن السلطة الدينية والعقيدة اليهودية (١٧٨٣) للرد على الانتقادات الموجهة إليه. والكتاب في جزئه الأول يشبه كتاب إسبينوزا في دفاعه عن الحرية الدينية وحرية الضمير إذ أن للدولة وحدها، من وجهة نظره، حق استخدام القوة من أجل مصلحة المواطنين. ولكن لا الدولة ذاتها ولا الكنيسة لها الحق في فرض أية قيود على عقيدة الإنسان، أو على مبادئه، ولا يمكن تحديد مكانة الإنسان في المجتمع أو حقوقه بناء على عقيدته. ومن ثم طالب مندلسون بمنح كل فرد حرية العقيدة، ليقرر كلٌّ ما يشاء حسبما يمليه عليه ضميره وتصوُّره الأخلاقي. وإذا ما أرادت الكنيسة أو أية مؤسسة دينية أن تبشر بعقيدتها، فلابد أن تلجأ إلى الإقناع لا القسر وطالب بفصل الدين عن الدولة.
стр. 2522
ولكن يُلاحَظ أن ما يقرره الضمير الفردي لا يتجاوز البتة رقعة حياة الفرد، إذ يظل للدولة الحق الكامل فيما يختص بالمصلحة العامة والحياة العامة. وهذا يعني أن مندلسون كان يحاول أن يطرح على اليهود التحدي الذي طرحه عليهم عصر الإعتاق والانعتاق بأن يصبح اليهودي مواطناً لا عضواً في جماعة إثنية دينية، وأن يكون ولاؤه فيما يختص بالحياة العامة للدولة وحدها. ويمكنه أن يحتفظ بولائه فيما يختص بالدين لأعضاء جماعته الدينية حسبما يمليه عليه ضميره، أي أن يصبح اليهودي مواطناً في الشارع يهودياً في منزله.
ويتوجه مندلسون في الجزء الثاني من الكتاب لمشكلة اليهود واليهودية، فيوجه سهام نقده إلى سيطرة الحاخامات، ويحاول أن يطرح تصوراً لليهودية عقلانياً في أساسه، ولكن للوحي فيه مكاناً، فيذهب إلى أن هناك أسساً ثلاثة لليهودية هي: وجود الإله، والإيمان بالعناية الإلهية، وخلود الروح. وهذه الأسس حقائق بدهية مثل الحقائق الرياضية، كما تشكل الأساس الفلسفي لكل الأديان قاطبة. ومن ثم، لا يوجد تعارض بين العقل واليهودية في الجانب العقيدي، ولا يوجد بالتالي داع للقسر الديني. ولكن اليهودية ليست ديناً بالمعنى المتعارف عليه فهي ليست ديناً مرسلاً وإنما مجموعة من القوانين والقواعد الأخلاقية السلوكية والشعائر المرسلة، فهي ديانة لا تهدف إلى تقنين طريقة تفكير اليهودي وإنما لوضع أسس لسلوكه.
стр. 2523
واليهودية لا تطلب الإيمان بأية عقائد يهودية محددة أو حقائق خاصة بالخلاص، ولا تنقل معرفة ربانية خاصة، ولا توجد وصية واحدة من الوصايا العشر تتحدث عن الإيمان وإنما تتحدث كلها عن السلوك. وعندما تحدَّث الرب مع موسى في سيناء لم يذكر له أية عقائد بل ذكر له طريقة للسلوك يطبقها اليهود في حياتهم، أي أن العقل يصل إلى العقائد (العامة والجوهرية) ، والوحي يقرر الشعائر (الخاصة والمحلية) ، وكأن العقل يمثل المضمون والوحي يمثل الشكل. ويتبع مندلسون في هذا تمييز عصر العقل والاستنارة بين الحقائق العقلية والحقائق التاريخية أو الدنيوية. فالأولى لا تتطلب سوى عملية عقلية لإثباتها وتقبُّلها فهي عامة ومجردة، أما الثانية فتتطلب قرائن حسية لإثباتها فهي محددة بالزمان والمكان.
ويقول مندلسون إن المملكة العبرانية المتحدة كانت ثيوقراطية، أي أن العقيدة والدولة كانتا متوحدتين، ولذا فمن كان يرفض الانصياع للأوامر والنواهي الدينية يخرق قانون الدولة ويتمرد عليها. وقد سقطت الدولة، ولكن لم تسقط القوانين أو الشريعة مع هذا لأنها مُرسَلة من الرب، ولذا فهي ملزمة لليهود وحدهم ولكل من يُولد يهودياً ولكنها لا تنطبق على غير اليهود ممن أُرسلت إليهم شريعة نوح. ويشير مندلسون إلى أن اليهود الذين كانوا يتنصَّرون، في القرون الأولى من العصر المسيحي، كانوا يستمرون في ممارسة الشعائر اليهودية، على عكس غير اليهود الذين تنصَّروا، فهؤلاء لم يكونوا مُلزَمين باتباع هذه الشعائر وتنفيذها، أي أنه ربط هنا بين الدين والعرْق أو الإثنية. وبذا، يكون مندلسون قد أعاد تعريف اليهودية تعريفاً إثنياً، وهذه هي الصياغة الصهيونية. ويرى مندلسون أن القوانين الشعائرية والأوامر والنواهي تحتفظ لليهود بروابطهم، وتمنحهم خصوصيتهم وتفرُّدهم، وهذه الصياغة تقترب هي الأخرى من الصياغات الصهيونية للقضية نفسها.
стр. 2524
وعلى هذا، فإن مندلسون يقبل (في الأمور الجوهرية) اللاهوت الطبيعي والفكر الديني لفلسفة الربوبية، ولكنه في الوقت نفسه يقبل التوراة في الشعائر. وقد قال ليو بايك، عن حق، إن اليهودية أصبحت بالنسبة إلى مندلسون خليطاً من الشريعة والديانة الطبيعية (الربوبية) . ولكن هذا تجلٍّ للتناقض الأساسي الكامن في فكر حركة الاستنارة الغربي بين النزوع العقلي نحو العام والمجرد والنزوع الحسي والتجريبي والرومانسي نحو الخاص والمتعيّن.
وتجب ملاحظة الفرق بين فلسفة مندلسون وفلسفة الربوبية، فبينما يرى مندلسون أن العقل والوحي مختلفان وأن الأول يسبق الثاني، يرى فلاسفة الفكر الربوبي أن العقل حينما يصفو يقترب من الوحي الأمر الذي يفترض وحدة العقل والوحي. كما ينبغي أيضاً إيضاح الفرق بين فلسفة مندلسون وفلسفة موسى بن ميمون والرؤية الدينية العقلانية. فموسى بن ميمون يرى أن معرفة الإنسان بالحقيقة تستند إلى العقل والوحي، ورغم أن الديانات في جوهرها عقلانية ولا يمكن أن يُوجَد تناقض بين مضمون الدين والعقل، فإن الإنسان لا يمكنه أن يصل إلى الحقيقة دون وحي. أما مندلسون، فيرفض مسألة الطريق المزدوج لمعرفة الحقيقة والمصدرالمزدوج للحقيقة نفسها، فالوحي لا يمكنه أن يقنع أي إنسان بحقيقة شيء لم يدركه عقله. فكأن العقل هو النقطة المرجعية النهائية والمطلقة في كل الحقائق الأساسية. ومع هذا، وكما أسلفنا، فإن الوحي له دوره، فهو مصدر الشعائر الخاصة بكل دين. ولأن مندلسون ترك مكاناً في نسقه الفكري للوحي، فإنه يختتم كتاب أورشليم بالدفاع عن استقلالية الأديان وخصوصية كل منها، ويرى أن محاولة مزج كل الأديان في دين واحد مسألة غير ممكنة، ذلك أن تعدُّد الأديان أمر مهم للغاية.
стр. 2525
وتعريف مندلسون لليهود يقترب إلى حدٍّ كبير من تعريف إسبينوزا الذي يرى أن شريعة اليهود أُرسلت لليهود دون سواهم. وبينما كان إسبينوزا يرى أن هذه الشريعة فقدت حيويتها ووظيفتها مع نهاية الدولة العبرانية، كان مندلسون يؤمن بأنها مازالت ذات فاعلية. كما يرفض مندلسون حلولية إسبينوزا المتطرفة، فالرب حالٌّ ومفارق في آن واحد وهو رب يرسل الأوامر والنواهي ولكنه رحيم. والإله ليس مجرد نظام منطقي (النظام الضروري والكلي للأشياء) أو قانون طبيعي غير شخصي (كما كان إسبينوزا يتصوّر) . وهذا يعني أن مندلسون احتفظ بشيء من الثنائية الأساسية التي تسم أي تفكير ديني وإن أصبحت باهتة للغاية. ولذا، فحينما علم أن صديقه ليسنج اعترف قبل موته بأنه من المؤمنين بفكر إسبينوزا وحلوليته وإلحاده، أصيبب مندلسون بالذعر وألَّف كتاباً يهاجم فيه إسبينوزا، وكان آخر كتبه. ويبدو أن الجهد العصبي الذي بذله في كتابته كان فوق طاقته إذ تُوفي بعد عدة أيام من تسليم مخطوط الكتاب للناشر.
ولكن، برغم وقوف مندلسون ضد النزعة العقلانية المتطرفة، فإن رؤيته في جوهرها رؤية عقلية عقلانية لاتاريخية تنحو نحو العام والمجرد تختلف عن النزعة الحسية والتجريبية والنزعة الرومانسية التي ظهرت في أوائل القرن التاسع عشر والتي تؤكد الخاص والمحلي والمتعيِّن واللاعقلاني. ويُلاحَظ كذلك أن تأكيد مندلسون أهمية الشعائر الدينية اليهودية، وكذلك إسقاطه أهمية العقائد، يقف في مواجهة تطوُّر اليهودية اللاحقة إذ أن الاتجاه التنويري في اليهودية ركز على العقائد باعتبارها الجزء العقلاني من اليهودية والجزء المشترك مع بقية البشر، وأهمل الشعائر باعتبار أنها مصدر العزلة والخصوصية. ثم تطوَّر هذا الاتجاه في اليهودية المحافظة بحيث أصبح ما يميِّز اليهودية عقائدها الخاصة والفريدة، ولعل هذا يُفسِّر سبب تجاوز فلسفته الدينية بعد موته.
следующие страницы →