Полный текст (8 511 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.
стр. 2731
أما إدوارد مورتيمور موريس ووربورج (١٩٠٨ ـ) ، فلم يشترك بشكل نشيط في الأعمال المالية لعائلته، بل وجه اهتمامه للمجالات الخيرية والثقافية والفنية، اليهودية وغير اليهودية. وترأَّس اللجنة الأمريكية اليهودية المشتركة للتوزيع في الفترة ١٩٤١ ـ ١٩٦٦، كما كان رئيساً للنداء اليهودي الموحَّد في الفترة ١٩٥٠ ـ ١٩٥٥، ثم رئيساً شرفياً له منذ عام ١٩٥٦. وامتد اهتمام إدوارد ووربورج إلى المؤسسات الإسرائيلية، فأصبح من أمناء المؤسسة الثقافية الأمريكية ـ الإسرائيلية، وعضواً في مجلس مديري الجامعة العبرية.
ولجميع أفراد عائلة ووربورج، مثلهم مثل غيرهم من العائلات البورجوازية الأمريكية، مساهمات كبيرة في المجالات الخيرية والتعليمية والثقافية، اليهودية وغير اليهودية.
سولومون لويب (١٨٢٨-١٩١٣)
Solomon Loeb
стр. 2732
مالي أمريكي يهودي وُلد في ألمانيا ثم هاجر إلى الولايات المتحدة (عام ١٨٤٩) حيث عمل في تجارة الأقمشة والملابس الجاهزة، وفي عام ١٨٦٧ أسس بالتعاون مع أبراهام كون المؤسسة المالية كون لويب وشركاه. وقد تزوجت ابنتاه من رجلي المال جيكوب شيف وبول ووربورج. اشترك شيف، الذي أصبح فيما بعد من قيادات الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة، في إدارة مؤسسة لويب المالية التي تحوَّلت إلى إحدى أهم مؤسستين ماليتين في الولايات المتحدة حيث ساهمت في عملية التراكم الرأسمالي والتحول الصناعي التي كانت تشهده البلاد في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. وبصفة عامة، لعبت العناصر اليهودية من البورجوازية المالية، خصوصاً ذوي الأصول الألمانية، دوراً مهماً في هذا المجال، وذلك بفضل شبكة علاقاتهم المتشعبة داخل المؤسسات المالية الأوربية، وكذلك بفضل العلاقات التجارية والمالية المتداخلة فيما بينها والتي كانت تعززها روابط الزواج، وهو ما أتاح قدراً كبيراً من التنسيق وسهل لهم تدبير رأس المال بكميات كبيرة وبشكل سريع نسبياً. وقد اشتركت مؤسسة لويب في تمويل بناء السكك الحديدية الأمريكية والتي كانت تُعَدُّ العمود الفقري للتطور الصناعي الأمريكي، كما ساهمت في تدبير القروض المحلية والخارجية. ولا تزال مؤسسة كون لويب وشركاه تعمل في الوقت الحاضر، إلا أنها فقدت أهميتها كمؤسسة عائلية في ظل نمو النظام الرأسمالي المصرفي الحديث القائم على العلاقات بين مؤسسات مالية ضخمة، وليس على أساس العلاقات الشخصية والعائلية.
ليفي ستراوس (١٨٢٩-١٩٠٣)
Levi Strauss
стр. 2733
أمريكي يهودي من العاملين في صناعة الملابس. وُلد في ألمانيا، ثم هاجر إلى الولايات المتحدة حيث استقر في مدينة نيويورك عام ١٨٤٨. وفي عام ١٨٥٠، دخل مجال تجارة الأقمشة والملابس الجاهزة، وبدأ في تصنيع سراويل من الأقمشة القطنية المتينة تُسمَّى «البلوجينز» اكتسبت قبولاً واسعاً بين جماهير العمال والفلاحين. وقد اتسعت شهرة هذه السراويل التي كانت تُسوَّق تحت الاسم التجاري «ليفايز Levi's» ، وأصبحت بحلول منتصف القرن العشرين تُسوَّق في العالم أجمع.
وحقق ليفي ستراوس ثراءً طائلاً وأسس مع إخوته وزوج اخته ديفيد ستيرن وأبنائه شركة ليفي ستراوس وشركاه. وقد كان ليفي أحد أعضاء الجماعة اليهودية التي قامت فعلاً بتأسيس صناعة الملابس الجاهزة في الولايات المتحدة والتي ظلت تسيطر لفترة طويلة على هذه الصناعة التي كانت تُعتبَر، مثلها مثل غيرها من الصناعات الخفيفة والاستهلاكية، من الأنشطة الاقتصادية الجديدة التي نشأت لتلبي احتياجات الطبقات العمالية التي صاحبت النمو الصناعي الكبير في البلاد. وقد كان اليهود، لميراثهم كجماعات وظيفية ذات خبرة في صناعة الملابس والنسيج، وبسبب أعمال الرهونات التي كانوا يعملون بها، مُؤهَّلين لدخول هذه المجالات الجديدة.
وتُعَدُّ شركة ليفي ستراوس أكبر شركة للملابس الجاهزة في العالم، إذ قُدِّرت قيمة أسهمها عام ١٩٨٥ بحوالي ٧٧٥ مليون دولار. وقد انتقلت ملكية وإدارة الشركة الآن إلى أفراد عائلة هاس، ورثة ليفي ستراوس.
سيمون بامبرجر (١٨٤٦-١٩٢٦)
Simon Bamberger
стр. 2734
من رجال التعدين والصناعة الأمريكيين اليهود، وحاكم ولاية يوتا الأمريكية. وُلد في ألمانيا ثم هاجر إلى الولايات المتحدة حيث التحق بتجارة إخوته. وفي عام ١٨٦٩، انتقل إلى ولاية يوتا حيث لحق به إخوته للإشراف على تجارته. ونجح بامبرجر في امتلاك منجم ذهب. وبعد ١٧ عاماً من الصراع مع المنافسين، نجح مع إخوته في تأسيس خط حديد بامبرجر الذي ربط بين عاصمة ولاية يوتا (سولت ليك سيتي) ومدينة أوجدن في الولاية نفسها. وفي عام ١٨٩٨، بدأ بامبرجر دخول مجال العمل العام، فدخل مجلس نواب الولاية في الفترة بين عامي ١٩٠٣ و١٩٠٧. ثم انتخب حاكماً لولاية يوتا في الفترة بين عامي ١٩١٦ و١٩٢٠. وبذلك، أصبح بامبرجر أول ديموقراطي وأول شخص غير مورموني الديانة يحتل هذا المنصب. وقد أدخل بامبرجر من خلال هذا المنصب عدة إصلاحات في قطاع الخدمات العامة إلى جانب بعض الإصلاحات الخاصة بالعمال والفلاحين والمدرسين.
ويُعَدُّ بامبرجر أحد مؤسسي الجماعة اليهودية في ولاية يوتا والتي ترأَّسها فيما بعد. وقد دعم بامبرجر صندوق يوتا للاستيطان والذي أسسته الجمعية الزراعية اليهودية بهدف توطين يهود من نيويورك وفيلادلفيا في مستوطنة كلاريون الزراعية. وقد كان للأثرياء من أعضاء الجماعات اليهودية، أمثال بامبرجر، دور مهم في عملية استيعاب مئات الآلاف من المهاجرين من يهود شرق أوربا الذين تدفقوا على الولايات المتحدة منذ بدايات القرن العشرين وفي دمجهم اقتصادياً وثقافياً في المجتمع الأمريكي.
جيكوب شيف (١٨٤٧-١٩٢٠ (
Jacob Schiff
стр. 2735
مالي وثري أمريكي. من قيادات الجماعة اليهودية البارزين في الولايات المتحدة في أوائل القرن العشرين. وُلد في فرانكفورت (ألمانيا) لعائلة يهودية مرموقة من رجال الدين والعلماء، وتلقَّى تعليماً دينياً وعلمانياً ثم انخرط في مجال عمل أبيه حيث كان يعمل سمساراً في مؤسسة روتشيلد المالية. وفي عام ١٨٦٥، هاجر إلى الولايات المتحدة هو وسولومون لويب، وانضم إلى مؤسسته المالية «كون لويب وشركاه» ونجح بفضل قدراته المالية في أن يرأس هذه المؤسسة عام ١٨٨٥ عند اعتزال لويب. وكانت هذه المؤسسة واحدة من أهم مؤسستين ماليتين في الولايات المتحدة لعبت دوراً مهماً في دفع عجلة النمو الصناعي الذي كانت تشهده الولايات المتحدة في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وعمل شيف، بالإضافة إلى ذلك، مديراً ومستشاراً للعديد من المؤسسات المالية التي كانت تُعَدُّ العمود الفقري للتوسع الصناعي الأمريكي. كما اشترك في تمويل العديد من القروض المحلية والخارجية من أهمها قرض قيمته ٢٠٠ مليون دولار لليابان خلال الحرب الروسية اليابانية (١٩٠٤ ـ ١٩٠٥) . وقد كان شيف معادياً لروسيا القيصرية بسبب سياستها القمعية تجاه الأقليات ومن بينهم أعضاء الجماعة اليهودية. ولهذا، فقد استخدم نفوذه لمنع أية قروض أمريكية للحكومة الروسية، كما لعب دوراً بارزاً في الحملة التي أدَّت إلى فسخ المعاهدة الأمريكية الروسية لعام ١٨٣٢ بعد أن رفضت الحكومة الروسية دخول مواطنين أمريكيين من اليهود إلى أراضيها.
стр. 2736
ومع تعثُّر التحديث في روسيا القيصرية (وبولندا) تدفَّق الآلاف من يهود اليديشية إلى الولايات المتحدة. ولذا تحرَّك شيف (مع غيره من يهود أمريكا المندمجين) لإنشاء مؤسسات هدفها أمركة هؤلاء المهاجرين الجدد وسرعة استيعابهم في المجتمع الأمريكي. في هذا الإطار، تكونت اللجنة الأمريكية اليهودية (عام ١٩٠٦) التي ساهم شيف في تأسيسها. وكان لشيف، برغم انتمائه إلى الحركة الإصلاحية، دور إضافي مهم في دعم المؤسسات الدينية الأرثوذكسية والمؤسسات التعليمية التي كانت تخدم المهاجرين الجدد. فنجد أنه ساهم بأكثر من نصف مليون دولار فيما عُرف بخطة جالفستون والتي كانت تهدف إلى نقل المهاجرين الجدد إلى الولايات المتحدة وتوزيعهم من خلال مكتب النقل على مناطق غرب وجنوب غرب الولايات المتحدة بعيداً عن مراكز تجمُّعهم في أحياء نيويورك وفيلادلفيا وبوسطن، والتي كان فقرها وتكدُّسها وجرائمها تشكل مصدراً لإحراج اليهود المندمجين من أعضاء البورجوازية الأمريكية. وظل شيف معارضاً للصهيونية، وأشار إلى أنها تضع ولاء اليهود لوطنهم الأمريكي موضع شك، كما تثير معاداة اليهود، واعتبرها حركة علمانية تتعارض مع الديانة اليهودية ومع المواطنة الأمريكية. إلا أن شيف وغيره من يهود أعضاء البورجوازية دعموا التجمع الاستيطاني اليهودي في فلسطين لخوفهم من تدفُّق هجرة جماعية جديدة إلى الولايات المتحدة تعمق المشاكل التي أثارتها الهجرة الأولى. ذلك بالإضافة إلى أن المشروع الصهيوني جاء في إطار المصالح الغربية الرأسمالية. وساهم شيف في المشاريع الزراعية في فلسطين، كما اشترك في تأسيس معهد حيفا الفني. وقد اشترى سندات في الاتحاد الاستعماري اليهودي (جويش كولونيال ترست) الذي أسَّسه هرتزل عام ١٨٩٩ وأعرب عام ١٩١٧ عن تأييده لإعادة بناء صهيون «كمركز ثقافي كبير للشعب اليهودي» . وبذلك، يمكن اعتبار شيف صهيونياً توطينياً يدعم الاستيطان اليهودي في فلسطين من منظور
стр. 2737
أمريكي.
برنارد باروخ (١٨٧٠-١٩٦٥)
Bernard Baruch
ثري أمريكي يهودي من رجال المال والدولة. وُلد في الجنوب الأمريكي لعائلة هاجرت من بروسيا لتستقر في الولايات المتحدة عام ١٨٥٥. تخرَّج في جامعة سيتي كوليج في نيويورك، وانضم في عام ١٨٨٩ لمؤسسة آرثر هاوسمان للسمسرة ثم أصبح شريكاً بها عام ١٨٩٦ وعضواً ناجحاً في بورصة نيويورك. وقد نجح باروخ، بفضل قدراته الفائقة في الشئون المالية ودراسته المتعمقة لآليات أسواق المواد الخام مثل الذهب والنحاس والمطاط وغيرها، في جمع ثروة كبيرة بلغ حجمها ثلاثة ملايين من الدولارات (عام ١٩٠٢) .
دخل باروخ مجال العمل العام عام ١٩١٦ حيث اختاره الرئيس الأمريكي ويلسون عضواً باللجنة الاستشارية لمجلس الدفاع القومي ثم رئيساً للجنة المواد الخام والمعادن للاستفادة من خبراته ودرايته الواسعة في هذا المجال. وتولَّى خلال الحرب العالمية الأولى رئاسة مجلس صناعات الحرب. وأصبح، من خلال هذا المنصب، المتحكم الفعلي في الاقتصاد الأمريكي خلال فترة الحرب. وبانتهاء الحرب، أصبح باروخ المستشار الاقتصادي الخاص للرئيس ويلسون في مؤتمر فرساي للسلام. وقد ظل باروخ منذ ذلك الحين يقدم استشاراته الاقتصادية والمالية والسياسية أيضاً للرؤساء الأمريكيين. وخلال الحرب العالمية الثانية، استعان به الرئيس روزفلت لمواجهة مشاكل النقص في بعض المواد الخام، كما كان ضمن المشاركين في وضع خطط إعادة البناء لفترة ما بعد الحرب. واختير باروخ، عام ١٩٤٦، ممثلاً للولايات المتحدة لدى لجنة الأمم المتحدة للطاقة النووية، حيث قدَّم مشروعاً حول الرقابة الدولية على الطاقة والأسلحة النووية عُرف باسم «خطة باروخ» . ويُعتبَر هذا المشروع أول سياسة أمريكية مُعلنة تجاه هذا الموضوع.
стр. 2738
وقد كان باروخ من اليهود المندمجين من أعضاء البورجوازية الأمريكية، وكان يعتبر أن مواطَنته الأمريكية تفوق أي انتماء آخر. ومن هذا المنطلق، عارض الصهيونية ورفض فكرة إقامة دولة على أساس الانتماء الديني. وبالإضافة إلى ذلك، كان باروخ يخشى ما قد تثيره الصهيونية من مسألة ازدواج الولاء ومعاداة اليهود، خصوصاً أنه تعرَّض للهجوم بشكل غير مباشر في مقال نُشر في جريدة ديربورن إنديبندت المملوكة لرجل الصناعة الأمريكي هنري فورد عام ١٩٢١ بعنوان «دزرائيلي في أمريكا: يهودي ذو قوة خارقة» وهو تلميح لنفوذه الاقتصادي والسياسي لدى دوائر السلطة الأمريكية. وقد نشرت هذه الجريدة سلسلة من المقالات بين عامي ١٩٢٠ و١٩٢٧، هاجمت فيها أعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة واتهمتهم بالسيطرة على اقتصاد البلاد. وقد تراجع فورد عن اتهاماته هذه فيما بعد. ويُفسِّر الكاتب الأمريكي ليني برنر في كتابه اليهود في أمريكا اليوم هذا الهجوم بأنه كان تعبيراً عن مخاوف المؤسسة الرأسمالية الأمريكية البروتستانتية، بعد قيام الثورة البلشفية في روسيا، من سيطرة «رجال المال من اليهود البلاشفة» على اقتصاد البلاد. فمن ناحية كان لتمركز كثير من أعضاء الجماعات اليهودية في قطاعات اقتصادية معيَّنة، مثل: القطاع المصرفي الاستثماري، والصناعات الخفيفة، وصناعة السينما، وتجارة التجزئة، والصحافة، وغير ذلك من الأنشطة المماثلة، ما يعطي انطباعاً بالسيطرة والقوة. وبالفعل، كان المهاجرون من اليهود وأبنائهم قد اتجهوا إلى هذه الأنشطة الاقتصادية التي كانت لا تزال تُعتبَر أنشطة جديدة وتتميَّز بالهامشية نظراً لأن كثيراً من الأنشطة الاقتصادية التقليدية الأخرى لم تكن متاحة أمامهم. وقد كان لميراث اليهود، كجماعات وظيفية مالية، دور في تأهيلهم لاقتحام هذه المجالات بنجاح برغم ما كانت تنطوي عليه من مخاطرة، وقد حقَّق كثير منهم من خلالها بفضل خبراتهم وعلاقاتهم
стр. 2739
المالية والتجارية الواسعة والمتداخلة ثراءً طائلاً وحراكاً اجتماعياً سريعاً وبروزاً فيها بشكل واضح ولافت للنظر. ومن ناحية أخرى، ارتبط أعضاء الجماعات اليهودية في أذهان الكثيرين بالحركات الثورية والاشتراكية.
وقد جاء كثير من يهود شرق أوربا الذين تدفقوا على الولايات المتحدة منذ نهايات القرن التاسع عشر حاملين الأيديولوجيات الثورية والاشتراكية، وكانوا من العناصر النشيطة داخل الحزب الشيوعي الأمريكي والحركات العمالية الأمريكية خلال العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين. وكانت هجرة يهود اليديشية بصفة عامة مصدر قلق في أوساط اليهود المندمجين من أعضاء البورجوازية الأمريكية من أمثال باروخ، لما كانت تثيره ثقافتهم اليديشية وعقائدهم المغايرة وأوضاعهم الطبقية الدنيا من تهديد للمكانة الاجتماعية لأثرياء اليهود ومواقعهم الطبقية. ولذا، فقد تعاملوا مع هذه الهجرة على عدة جبهات؛ فمن ناحية اهتموا بسرعة أمركة المهاجرين الجدد واستيعابهم في النسيج الاقتصادي والثقافي للبلاد، ومن ناحية ثانية اهتموا بتحسين أوضاع يهود أوربا في أوطانهم الأصلية حتى لا يُضطروا إلى الهجرة، ومن ناحية ثالثة عملوا على إيجاد مناطق أخرى لتوطينهم سواء في فلسطين أو في غيرها. وقد رسم باروخ خطة مفصلة لإعادة توطين يهود أوربا في المستعمرات البريطانية في أفريقيا أو في أنجولا البرتغالية، كما اقترح عام ١٩٣٩ تأسيس «الولايات المتحدة الأفريقية» في أوغندا لتكون ملجأ لليهود ولجميع ضحايا الاضطهاد.
стр. 2740
ورغم موقفه المعارض بشكل مبدئي للصهيونية، فإننا نجده عام ١٩٤٧ يؤيد قرار تقسيم فلسطين بل يساهم في الضغط على مبعوث فرنسا لدى الأمم المتحدة لتأييد القرار مهدِّداً إياه بسحب المعونة الأمريكية لفرنسا في حالة رفضها القرار. ولا شك في أن موقفه هذا جاء في إطار المصالح الأمريكية التي كانت تدرك جيداً أهمية كيان استعماري استيطاني إحلالي في المشرق العربي يعمل كقاعدة لها وللمصالح الغربية والرأسمالية في المنطقة حيث كانت المصالح الاقتصادية والطبقية والسياسية لباروخ وأمثاله في نهاية الأمر ترتبط بها بشكل وثيق.
هيلينا روبنشتاين (١٨٧١-١٩٦٥ (
Helena Rubenstein
واحدة من أبرز الشخصيات التي عملت في مجال صناعة مستحضرات التجميل. وُلدت في بولندا، ودرست الطب لفترة قصيرة، ثم هاجرت إلى أستراليا حيث نجحت في تصنيع وتسويق مستحضرات تجميل البشرة وفقاً لوصفة ورثتها عن والدتها. وأصبح لها خلال ثلاث سنوات تجارة رابحة في هذا المجال. وفي عام ١٨٩٤، انتقلت هيلينا روبنشتاين إلى بريطانيا حيث افتتحت في لندن صالوناً للتجميل، وسرعان ما افتتحت صالونات أخرى في مختلف أنحاء أوربا. وأصبحت هيلينا روبنشتاين، في غضون عشرين عاماً، من أبرزالشخصيات العاملة في مجال مستحضرات التجميل في أوربا. وفي عام ١٩١٤، انتقلت إلى الولايات المتحدة حيث أصبحت منذ ذلك الحين مقراً دائماً لأعمالها. وقد حققت ثراءً كبيراً وصل إلى مائة مليون دولار عند وفاتها. كما وصل حجم المبيعات السنوية لشركتها إلى ٦٠ مليون دولار.
وبصفة عامة، كان أعضاء الجماعة اليهودية من أبرز المستثمرين في مجال الصناعات الخفيفة والاستهلاكية. وساهم ميراثهم الاقتصادي كجماعة وظيفية ذات خبرات مالية وتجارية واسعة في تسهيل دخولهم إلى هذه المجالات.
стр. 2741
وقد اهتمت هيلينا روبنشتاين بإسرائيل، فأقامت بها مصنعاً بالقرب من الناصرة. وفي إطار اهتمامها بالفنون، أهدت جناحاً يحمل اسمها إلى متحف تل أبيب للفنون. كما تقدَّم مؤسسة هيلينا روبنشتاين منحاً سنوية للفنانين الشبان الإسرائيليين.
إيوجين ماير (١٨٧٥-١٩٥٩ (
Eugene Meyer
من رجال البنوك الأمريكيين اليهود. وهو أحد العاملين في الإدارة الحكومية ومحرر صحفي وناشر تنصَّر في مرحلة لاحقة من حياته. وُلد في كاليفورنيا، وكان والده من رجال البنوك الدوليين، فعمل لفترة معه إلا أنه أقام عام ١٩٠١ مؤسسته المالية الخاصة باسم «إيوجين ماير الأصغر وشركاه» . ولعب ماير دوراً بارزاً لمدة ستة عشر عاماً في تنمية صناعات النفط والنحاس والسيارات الأمريكية، واكتسب سمعة ممتازة من خلال قدرته على خَلْق وإدارة مشاريع تربط ما بين التمويل الحكومي والقطاع الخاص الصناعي والزراعي. وفي عام ١٩١٧، صفَّى ماير أعماله واتجه نحو العمل في الحكومة الأمريكية حيث تولَّى عدة مناصب استشارية وإدارية مهمة مرتبطة بالمجهود الحربي حقَّق فيها نجاحاً ملموساً بفضل خبراته المالية والصناعية. وفي عام ١٩٣٠، عيَّنه الرئيس الأمريكي هوفر رئيساً لمجلس الاحتياطي الفيدرالي. وكوَّن ماير مؤسسة إعادة التعمير والتمويل عام ١٩٣٢، وكان أول رئيس لها. وفي عام ١٩٣٣، اشترى صحيفة واشنطن بوست ونجح في زيادة حجم توزيعها إلى أربعمائة ألف نسخة يومياً. وبعد الحرب العالمية الثانية، عيَّنه الرئيس الأمريكي ترومان رئيساً للبنك الدولي لإعادة التعمير والإنشاء. وتمتلك ابنته كاترين جراهام شركة واشنطن بوست التي تضم إلى جانب واشنطن بوست مجلة نيوزويك وعدداً من المحطات الإذاعية.
ماكس فاكتور (١٨٧٧-١٩٣٨)
Max Factor
стр. 2742
من منتجي مستحضرات التجميل الأمريكية. وُلد في بولندا حيث حصل على بعض التدريب في فن الماكياج، ثم هاجر إلى الولايات المتحدة. وأسَّس عام ١٩٠٩ شركة لمستحضرات التجميل، بدأت بداية متواضعة ثم تطورت لتصبح من أكبر شركات مستحضرات التجميل في الولايات المتحدة والعالم.
لازار كابلان (١٨٨٣-١٩٨٦ (Lazer Kaplan
تاجر ماس أمريكي، ومؤسس واحدة من أكبر شركات تقطيع الماس في العالم. وُلد في روسيا حيث كان والده يشتغل صائغ جواهر ويقوم بإصلاح الساعات. وفي عام ١٨٩٦، انتقل مع أسرته إلى انتويرب في بلجيكا حيث بدأ يتلقَّى تدريبه. وحينما هاجرت أسرته إلى الولايات المتحدة، فضَّل هو الاستمرار في بلجيكا ليؤسِّس تجارته الخاصة. افتتح أول محل جواهر له في عام ١٩٠٣، ولكنه، في أعقاب اجتياح ألمانيا لبلجيكا عام ١٩١٤، هاجر إلى الولايات المتحدة واستقر في نيويورك حيث أسَّس شركة باسم «لازار كابلان وأولاده» لتقطيع وصقل الماس. وقد اكتسبت شركته سمعة طيبة. وحقَّق كابلان شهرة واسعة حينما وكلت إليه عام ١٩٣٦ مهمة تقطيع واحدة من أشهر الماسات في التاريخ. وساهم كابلان من خلال شركته التي أصبحت شركة عالمية تعرف باسم «لازار كابلان انترناشيونال» في تحويل مدينة نيويورك إلى أهم مركز لصناعة الماس في العالم.
ديفيد سارنوف (١٨٩١-١٩٧١ (
David Sarnoff
стр. 2743
من الرواد الأمريكيين اليهود الذين عملوا في مجال الإذاعة والتليفزيون. وُلد في روسيا وانتقل إلى الولايات المتحدة عام ١٩٠٠ ثم انضم إلى شركة ماركوني للتلغراف عام ١٩٠٦ حيث تدرَّج سريعاً. وعندما تأسَّست مؤسسة الإذاعة الأمريكية واختصارها آر. سي. آيه R.C.A وضمت شركة ماركوني إليها، أصبح سارنوف المدير التجاري للمؤسسة الجديدة عام ١٩١٩ ثم رئيسها عام ١٩٣٠. وقد أدرك سارنوف إمكانيات النمو الضخم الكامنة في مجال الإذاعة، فأسَّس شركة الإذاعة الوطنية إن. بي. سي N.B.C. عام ١٩٢٦ كشركة تابعة لمؤسسة آر. سي. آيه. R.C.A كما اهتم بالتليفزيون وبتطويره كجهاز غير مكلف لتقديم خدمة إخبارية وترفيهية لقطاع واسع من الجماهير. وكان لقدرات سارنوف الإدارية والعلمية الأثر الأكبر في تحويل شركة آر. سي. آيه. إلى أكبر مجمع إلكتروني في العالم، وصل حجم أعماله في نهاية الستينيات إلى ملياري دولار في مجالات تراوحت بين الإذاعة والتليفزيون والحاسبات الآلية والأقمار الصناعية.
وبصفة عامة، لعب أعضاء الجماعة اليهودية دوراً مهماً في مجال وسائل الإعلام في الولايات المتحدة وكانوا من العناصر الرائدة بها، فأسسوا وسيطروا لفترة طويلة على أهم شبكات الإذاعة والتليفزيون الأمريكية.
وكان سارنوف نشيطاً في مجال الشئون اليهودية في الولايات المتحدة، كما كان عضواً شرفياً في معهد وايزمان للعلوم في إسرائيل. وقد التحق ابنه روبرت سارنوف (١٩١٨ ـ) بشركة الإذاعة الوطنية إن. بي. سي. حيث كان رئيساً لها ثم رئيساً لمجلس إدارتها. وفي عام ١٩٦٦. عُيِّن رئيساً لشركة آر. سي. آيه، وفي عام ١٩٦٧ عُيِّن مديراً تنفيذياً أعلى لها.
أرماند هامر (١٨٩٨-١٩٩٠ (
Armand Hammer
стр. 2744
ثري أمريكي يهودي من رجال الصناعة والأعمال. وُلد في نيويورك لعائلة من المهاجرين من يهود اليديشية استقرت في الولايات المتحدة عام ١٨٧٥. وبدأ في بناء ثروته وإمبراطوريته وهو لا يزال طالباً في جامعة كولومبيا، حيث حقَّق المليون الأول من خلال تطوير وتوسيع المؤسسة الصيدلية المتعثرة التي كان يمتلكها والده. وفي عام ١٩٢١، سافر إلى الاتحاد السوفيتي ضمن بعثة طبية لغوث ضحايا الحروب الأهلية والمجاعة. وتبيَّن له هناك مدى حاجة الاتحاد السوفيتي للغذاء، فأسرع بتدبير شحنات من الحبوب إلى الاتحاد السوفيتي مقابل منتجات سوفيتية من أهمها الفراء. وحقَّق هامر مكاسب مباشرة من وراء هذه العملية التي فتحت أمامه أيضاً مجال العمل داخل الدولة السوفيتية الجديدة حيث توثقت علاقته بلينين الذي منحه امتيازات خاصة للعمل داخل الاتحاد السوفيتي. واستقر هامر في موسكو حيث افتتح أول مصنع لإنتاج الأقلام الرصاص. وحقَّقت أعماله نجاحاً كبيراً، وإن ظلت مشكلة إخراج ثروته من الاتحاد السوفيتي قائمة، فقام بشراء التحف والقطع الفنية التي خلَّفتها الأرستقراطية والبورجوازية القيصرية وخرج بها من روسيا عام ١٩٣٠ ليعيد بيعها في الغرب بمكاسب ضخمة. وخلال الحرب العالمية الثانية، أقام هامر معملاً لتقطير الخمور في الولايات المتحدة، وتوسَّع في هذا المجال إلى أن أصبحت له إمبراطورية في مجال صناعة الخمور. وفي عام ١٩٥٤، باع أعماله في مجال الخمور واشترى شركة أوكسيدنتال للبترول بمبلغ مائة ألف دولار فقط، ونجح في تحويلها إلى تاسع أكبر شركة بترول في الولايات المتحدة حيث بلغ حجم مبيعاتها ١٩ بليون دولار. وأصبح يُطلَق على هامر لقب «ملك البترول» . وقد اتسع مجال نشاط شركته ليشمل الفحم والأسمدة والزراعة والكيماويات والبلاستيك والمعادن.
стр. 2745
ولم يكن هامر مهتماً بالشئون والقضايا اليهودية بشكل خاص. لكنه ساعد في عقد السبعينيات، من خلال علاقته بالقادة السوفييت، في رفع بعض القيود المفروضة على هجرة يهود الاتحاد السوفيتي. ويبدو أن هامر عمل في تلك الفترة على عدم إبراز علاقته بإسرائيل لحماية مصالحه البترولية مع بعض الدول العربية. ولعب هامر دوراً بفضل علاقته الشخصية بالزعيم السوفيتي جورباتشوف، في التمهيد لفتح باب الهجرة واسعاً أمام هجرة اليهود السوفييت في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات. وكان هامر صديقاً لمناحم بيجن. وقد اقترح على الرئيس المصري أنور السادات، أثناء مفاوضات كامب ديفيد، خطة صناعية واسعة تجمع رأس المال الأمريكي من جهة وبعض الصناعات المصرية والإسرائيلية (خصوصاً صناعات الفوسفات والبوتاس والغاز الطبيعي المصري) من جهة أخرى. كما اهتم هامر بدعم مشاريع التنقيب عن البترول في إسرائيل، فساهم في تأسيس شركة أمريكية إسرائيلية لهذا الغرض عام ١٩٨٥ بتمويل قدره ٢٠٠ مليون دولار، وقدَّم تبرعات كبيرة لكلٍّ من منظمة هاساداه الصهيونية وجامعة تل أبيب.
لكن الانتماء اليهودي لهامر لا يُفسِّر دعمه لإسرائيل، فهذا الدعم جزء لا يتجزأ من الدعم الأمريكي (الحكومي والشعبي) لدولة تدافع عن المصالح الأمريكية وتُوجَد على مقربة من منابع البترول. ولا يختلف هامر في هذا عن المئات من الرأسماليين الأمريكيين الذين يرون أن المصالح الأمريكية والمصالح الإسرائيلية متضافرة. ولعل اتساع نشاط هامر وحماسه الزائد لإسرائيل لا ينبع من يهوديته وإنما ينبع، في الأساس، من ارتباطه بسلعة حيوية إستراتيجية مثل البترول.
стр. 2746
ولا شك في أن دوره المهم في مسألة هجرة اليهود السوفييت جاء في إطار اعتبارات الصراع بين الشرق والغرب والذي كان هامر مؤهلاً للقيام بدور مهم فيه بفضل علاقاته التاريخية والوثيقة بالاتحاد السوفيتي. ومما يُذكَر أن الولايات المتحدة، والغرب بصفة عامة، لجأ إلى استخدام قضية هجرة اليهود السوفييت وقضايا حقوق الإنسان بشكل عام ضمن آليات صراعه مع الاتحاد السوفيتي ودول شرق أوربا.
ماكس راتنر (١٩٠٧-)
Max Ratner
رجل صناعة أمريكي يهودي. وُلد في بولندا وهاجر مع أسرته إلى الولايات المتحدة وهو في الثالثة عشرة. وبعد هجرته بعام، اشترك راتنر مع أسرته في تأسيس شركة للإنشاءات الصناعية في مدينة كليفلاند بولاية أوهايو الأمريكية. وتحوَّلت هذه الشركة على مر الأعوام إلى مؤسسة ضخمة تُقدَّر قيمتها بملياري دولار. وقد ترأَّس راتنر أعمال الأسرة في أعقاب حصوله عام ١٩٢٩ على شهادة جامعية في القانون.
стр. 2747
ويُعَدُّ راتنر من كبار المستثمرين في إسرائيل. واهتمامه بالكيان الصهيوني يعود إلى الثلاثينيات عندما استثمر أمواله في بناء فندق شارون في بلدة هرتزليا. وقد كان هذا المشروع بداية مشاريع عديدة لاحقة شملت جميع قطاعات الاقتصاد الإسرائيلي (صناعة الإطارات ـ صناعة الثلاجات ـ صناعة الألومنيوم والنحاس ـ صناعة النظارات الطبية) . وفي المجال الزراعي، أدخل في الخمسينيات بذور القطن (من كاليفورنيا) إلى إسرائيل، وأقام شركة «أجنحة إسرائيل» وهي أول شركة تأسست في إسرائيل لرش المبيدات بالهيلكوبتر. كما أسَّس شركة لغزل القطن الإسرائيلي، وأخرى لتوزيع الإنتاج الزراعي الإسرائيلي. كما اشترك في مشاريع أخرى متنوعة في مجالات العطور والسياحة وتوظيف المهاجرين. وفي بداية التسعينيات، ساهم راتنر مع شركة أفريقيا ـ إسرائيل للإنشاءات في مشروع مشترك قيمته ملايين الدولارات لإقامة الأبراج السكنية ذات العشرين طابقاً في إسرائيل. وقد عمل راتنر لمدة عشر سنوات رئيساً للغرفة التجارية الأمريكية الإسرائيلية، ثم ترأَّس مجلس إدارتها. وخلال فترة رئاسته، وصل حجم الاستثمار الأجنبي الخاص في إسرائيل إلى ذروته، وزاد عدد الشركات الأمريكية التي لها فروع تابعة في إسرائيل. وقد امتدت اهتمامات راتنر في إسرائيل إلى الجوانب الاجتماعية والثقافية والسياسية حيث قام بدعم مؤسسات تعليمية وفنية وثقافية كما دعم بعض التنظيمات السياسية الإصلاحية.
ويرى راتنر أن الاقتصاد الإسرائيلي لا يوفر المناخ اللازم لجذب قدر كاف من الاستثمارات الأجنبية اللازمة لخلق فرص عمل للمهاجرين السوفييت. وهو ينتقد اعتماد إسرائيل الزائد على المعونات الخارجية باعتبار أنها تضعف قدرتها الذاتية على النمو والتطور، ويطالب بالقضاء على الجوانب الجماعية في الاقتصاد الإسرائيلي وتطويره نحو الاقتصاد الحر.
ماكس فيشر (١٩٠٨-)
Max Fisher
стр. 2748
رجل صناعة أمريكي يهودي وُلد في الولايات المتحدة. دخل مجال صناعة البترول حيث كان أول من طوَّر صناعة البترول في ولاية ميشجان الأمريكية، وأدخل أساليب جديدة في مجال تكرير البترول خلال الثلاثينيات والأربعينيات. واشترك فيشر في تأسيس شركة أورورا للبنزين، وترأَّس مجلس إدارتها حتى عام ١٩٥٧. وامتد نشاطه إلى مجالي التمويل والعقارات، فكان عضواً في مجالس إدارة العديد من المؤسسات المرموقة. وقد كان فيشر من الأعضاء البارزين في الحزب الجمهوري الأمريكي، واختاره الرئيس نيكسون بعد انتخابه عام ١٩٦٨ مستشاراً خاصاً للشئون المدنية والاجتماعية.
وكان فيشر نشيطاً في مجال الشئون اليهودية حيث ترأَّس النداء اليهودي الموحَّد بين عامي ١٩٦٥ و١٩٦٧، كما ترأَّس مجلس الاتحادات اليهودية في الأعوام ١٩٦٩ ـ ١٩٧٢، وترأَّس كذلك مجلس محافظي الوكالة اليهودية لإسرائيل في الفترة بين عامي ١٩٧١ و١٩٨٣. كما ساهم فيشر في تمويل أوائل مشاريع البتروكيماويات في إسرائيل. ويأتي دعم فيشر لإسرائيل في إطار ما نسميه «الصهيونية التوطينية» ، أي أنه يدعم إسرائيل مادياً وسياسياً ومعنوياً دون أن يهاجر إليها بنفسه، فهو موقف ينبع في الأساس من انتمائه لوطنه الأمريكي وارتباط مصالحه الاقتصادية والطبقية والسياسية بالمصالح الرأسمالية لهذا الوطن، وهو موقف لا يثير الاتهامات بازدواج الولاء حين تتطابق المصالح الأمريكية الإمبريالية مع مصالح إسرائيل كقاعدة لها في الشرق الأوسط.
وتُقدَّر ثروة فيشر بحوالي ٢٢٥مليون دولار، وكان يُعدُّ عام ١٩٨٥ بين أغنى أربعمائة شخصية أمريكية في الولايات المتحدة.
تد أريسون (١٩٢٤-)
Ted Arison
стр. 2749
ثري أمريكي الجنسية من أصل إسرائيلي يعمل في مجالات النقل البحري والبنوك والعقارات وصالات القمار. وُلد أريسون في فلسطين عام ١٩٢٤، ودرس في الجامعة الأمريكية في بيروت بين عامي ١٩٤٠ و١٩٤٢، ثم عمل مديراً لشركة م. ديزينجوف في تل أبيب في الفترة ١٩٤٦ ـ ١٩٤٨. وفيما بين عامي ١٩٤٩ و١٩٥١، خدم أريسون في الجيش الإسرائيلي. وفي عام ١٩٥٢، هاجر إلى الولايات المتحدة حيث حصل على الجنسية الأمريكية. وحقَّق في الولايات المتحدة نجاحاً وثراءً كبيراً حيث اعتبرته مجلة فوربس الأمريكية عام ١٩٨٥ من بين أغنى أربعمائة شخصية أمريكية لتلك السنة، وقُدِّرت ثروته بحوالي ٣٠٠ مليون دولار. وقد امتلك أريسون أو ترأَّس عدة شركات من بينها شركة ترانس اير في الفترة بين عامي ١٩٥٩ و١٩٦٦، ثم شركة أريسون للنقل البحري في ميامي بين عامي ١٩٦٦ و١٩٧١، ثم شركة هاميلتون هولدنج في ميامي منذ عام ١٩٧٩. كما أنه، منذ عام ١٩٧٢ يمتلك ويرأس خطاً ملاحياً للرحلات البحرية باسم كارنيفال كروز لاينز في ميامي أيضاً.
ويُعَدُّ أريسون نموذجاً جيداً لما يُسمَّى «الدياسبورا الإسرائيلية» ، وهم الإسرائيليون الذين يهاجرون من إسرائيل ليستقروا عادةً في الولايات المتحدة والذين وصل عددهم إلى ما بين ٥٠٠ و ٧٠٠ ألف (أو مليون إذا أضفنا أطفالهم) . ولا يوجد ما يدل على أن أصول أريسون الإسرائيلية قد وجَّهت نشاطاته الرأسمالية وجهة خاصة.
عزرا خدوري زيلكا (١٩٢٥-)
Ezra Khedouri Zilka
стр. 2750
مالي أمريكي الجنسية من أصل عراقي، وُلد لعائلة عراقية من رجال التجارة والمال. أسَّس والده خدوري زيلكا (١٨٨٤ ـ ١٩٥٦) مؤسسة مصرفية في بغداد عام ١٨٩٩، حيث نجح في نشاطه المالي وافتتح أفرعاً في كلٍّ من دمشق وبيروت والقاهرة وأصبح يُلقَّب بروتشيلد الشرق. وفي عام ١٩٤١، انتقل مع أسرته إلى الولايات المتحدة. وفي الولايات المتحدة، عمل عزرا مع والده وإخوته الثلاثة في تأسيس شبكة عالمية للتمويل والمعاملات المصرفية. وقد فقدت العائلة جزءاً كبيراً من ثروتها بعد استيلاء العراق على مصرف العائلة في بغداد وتأميم فرع القاهرة. إلا أن العائلة استمرت في نشاطها المالي في الولايات المتحدة، وبخاصة في مجال الاستثمارات المصرفية. وتُقدَّر ثروة عزرا زيلكا بحوالي ١٥٠ مليون دولار، وهكذا، فإنه يُعَدُّ (عام ١٩٨٥) من بين أغنى أربعمائة شخصية أمريكية في الولايات المتحدة.
إدجار برونفمان (١٩٢٩-)
Edgar Bronfman
стр. 2751
من رجال الصناعة الأمريكيين اليهود. وُلد في مونتريال بكندا ابناً لرجل الصناعة الكندي صمويل برونفمان. وفي عام ١٩٥٣، انضم إلى شركة أبيه (العاملة في مجال تقطير الخمور) وهي شركة سيجرام. وفي عام ١٩٥٥، انتقل إلى نيويورك حيث حصل على الجنسية الأمريكية. وفي عام ١٩٥٧، أصبح رئيساً للفرع الأمريكي لشركة سيجرام. وبعد وفاة أبيه عام ١٩٧١، تولَّى برونفمان الإدارة الكاملة للشركة، فأصبح رئيس مجلس الإدارة والمدير العام للشركة الأم في كندا وللفرع الأمريكي. وقد نمت وتشعبت أنشطة ومصالح إمبراطورية سيجرام في ظل إدارته، وأصبحت تضم ممتلكات للغاز الطبيعي والنفط في آسيا وأوربا إلى جانب حصة مهمة في شركة الكيماويات العالمية دوبونت. ولبرونفمان دور نشيط، مثل أبيه، في مجال الشئون اليهودية، فترأَّس منذ عام ١٩٨١ المؤتمر اليهودي العالمي، وتعامل من خلال هذا المنصب مع العديد من القضايا الخاصة بالجماعات اليهودية في العالم. كما يحتل برونفمان مراكز مهمة في منظمات يهودية أخرى مثل اللجنة الأمريكية اليهودية والمؤتمر الأمريكي اليهودي، وعصبة محاربة الافتراء.
وبرونفمان ممثل جيد لما يمكن تسميته «صهاينة الدياسبورا» أو «الصهاينة التوطينيون» الذين لا يمانعون في القيام بنشاط صهيوني حماسي يأخذ شكل ضغط سياسي من أجل المُستوطَن الصهيوني ودعمه مالياً، كما لا يمانعون في تمويل النشاط الاستيطاني الصهيوني مادام لا يضر بسمعتهم ولا يلقي بأي ظلال من الشك على ولائهم لأوطانهم. فإن كانت الولايات المتحدة ضد الاستيطان في الضفة الغربية، فإنهم يقفون ضده، وإن كانت لا تمانع فيه فإنهم يجارونها في ذلك، فمواقفهم نابعة من انتمائهم لأوطانهم ولأمريكيتهم.
стр. 2752
وكثير من هؤلاء يتبنَّى موقفاً صهيونياً دفاعاً عن هويته الإثنية الأمريكية اليهودية، ومن ثم فإن تأييدهم لإسرائيل لا ينبع من الموقف الصهيوني الخاص بنفي الدياسبورا، أي توظيف الجماعات اليهودية في العالم وتصفيتها، وإنما من محاولة للحفاظ عليها وعلى ميراثها الحضاري. ولذا، نجد أن حديثهم عن إسرائيل يفترض وجود تفاعُل بين فرعين أو قطبين متساويين، على عكس الخطاب الصهيوني الذي يفترض وجود مركز واحد.
وقد لخص برونفمان هذا الموقف في قوله: «إن الأيديولوجيا الصهيونية الكلاسيكية ترفض إمكان وجود يهودي آمن ومهم في المنفى (أي في العالم) ، وتعتبر الحياة في المنفى حياة نفي، وهي نظرية غريبة عن تفكير معظم اليهود الذين يعيشون في المجتمعات المتحضرة والديموقراطية (أي في المجتمعات الغربية) » . وقد اتهم برونفمان المجتمع الصهيوني بأنه مجتمع مادي يتنكر للقيم اليهودية، منقسم على نفسه، غير مستقر، تحتكر فيه السلطة الأرثوذكسية السلطة الدينية، وتتجاهل الدولة الرأي العام ورأي يهود العالم. وقد ردت عليه الصحافة الإسرائيلية رداً وقحاً يستخدم كل الأنماط الإدراكية واللفظية المعادية لليهود والتي تصنفهم على أنهم شخصيات هامشية مريضة. فأشارت صحيفة معاريف إلى برونفمان باعتباره «عملاق الويسكي، اليهودي الأمريكي، الذي حصل على مكانته في العالم اليهودي بفضل الملايين التي يمتلكها لا بفضل أي نشاط يهودي عام.. وهو مشهور أساساً بكونه بطلاً تعيساً لقضية طلاق مثيرة» . ورد صحيفة معاريف يبيِّن مدى ترسَّخ أنماط معاداة اليهود في الوجدان الإسرائيلي.
جورج سوروس (١٩٢٩-)
George Soros
стр. 2753
رجل أعمال من أصل مجري يهودي، سافر إلى بريطانيا في منتصف الأربعينيات حيث تخرج في جامعة لندن. تأثر بأفكار كارل بوبر صاحب فكرة "المجتمع المفتوح"،والذي هاجم الدولة القومية بشراسة، كما تأثر بنظرية اللاتحدد ونظرية الكوانتم. ويعتبر سوروس نفسه من أتباع دوكينز، الفليسوف الدارويني والأستاذ بجامعة أوكسفورد. ولعل الخط الأساسي في فكره هو الإيمان بالنسبية المطلقة ورفض فكرة الحدود، وضمن ذلك حدود الدولة القومية والحدود الأخلاقية.
وفي أوائل الستينيات بدأ سوروس العمل في فرع المقاصة المتخصص بالمضاربات بين مختلف أسواق البورصة. ويقول إنه اكتشف يومها "أن أموالاً كثيرة يمكن الحصول عليها من جراء نقل أموال بين مختلف أنحاء المعمورة نظراً لاختلاف أسعار صرفها بين نقطة وأخرى". ثم عمل في عدد من بيوت المال البريطانية حتى عام ١٩٥٦ حين هاجر إلى الولايات المتحدة ليعمل مديراً للاستثمارات المالية لشركة أرنولدو بليشودر، كما تربطه علاقات قوية بعائلتي روتشيلد وجولدسميد. ثم قام بتأسيس شركته الخاصة "كوانتم فاند" وجمع ثروته بالأساس من المضاربات المالية.
وفي نهاية السبعينيات كان قد كوَّن ثروة طائلة جداً، لكنه لم يصبح مشهوراً إلا عام ١٩٩٢ حين راهن على تراجع الجنيه الاسترليني فاقترض الكثير منه لأجل قصير وحوَّله إلى ماركات ألمانية، وتحقق ما راهن عليه وخرج الجنيه الاسترليني من نظام النقد المالي الأوربي وفَقَد ما يزيد عن ١٢% من قيمته وكان الفرق ربحاً صافياً لسوروس يعادل المليار دولار.
стр. 2754
أنشأ سوروس العديد من الصناديق المتخصصة بمساعدة الدول الشيوعية سابقاً، بشكل يفوق المساعدات الأمريكية الفيدرالية لهذه الدول (أكثر من ١٦٠ مليون دولار لعام ١٩٩٦) . وأسس الكثير من المراكز التي تشجع التعليم ونشر الثقافة النسبية، في كل أنحاء العالم. كما أنه يدعم بقوة نشاطات جمعيات حقوق الإنسان. وقد أنفق الصندوق الذي أسسه لهذه الغاية في نيويورك أكثر من مليار دولار العام الماضي.
وأثناء الأزمة المالية التي اجتاحت جنوب شرق آسيا في أغسطس ١٩٩٧، ألقى رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد اللوم على المضاربين الأجانب الذين يتلاعبون بالأسواق المالية، وعلى رأسهم سوروس. ولأول وهلة قد تبدو هذه الأزمة مجرد شاهد جديد على مؤامرة اليهودي ضد اقتصاديات الأغيار (الآسيويين) . ولا بأس أيضاً من التشديد على مثال ماليزيا "المسلمة" حتى تكتمل أركان التفسير التآمري.
غير أن مراجعة تاريخ جورج سوروس تبين لنا أن هذا النموذج التفسيري لا يفيد كثيراً، فقد اعترف هو نفسه، في حديث له لشبكة التليفزيون الأمريكية WNET-TV عام ١٩٩٣، أنه تواطأ مع قوات الاحتلال النازي للمجر أثناء الحرب العالمية الثانية. وساعد على نهب ممتلكات اليهود في المجر مقابل سلامته الشخصية.
стр. 2755
إن سوروس هو نموذج جيد للرأسمالي المضارب "غير المنتمي"، الذي لا يتوانى في سبيل جمع الربح عن المضاربات في الأسواق المالية، أية أسواق، أو حتى عن بيع يهود المجر (بني وطنه وعقيدته!) إلى أعدى أعدائهم. وهو جزء من الاقتصاد الفقاعي (بالإنجليزية: بابل إيكونومي bubble economy) أو الاقتصاد المشتق (بالإنجليزية: دريفاتيف إيكونومي derivative economy) ، اقتصاد المضاربات الذي لا علاقة له بالعمليةالإنتاجية نفسها، الذي لا يكن احتراماً كبيراً للإنتاج الصناعي أو الدولة القومية. وما يفسر سلوك سوروس ليس «يهوديته» ، وإنما انتماءه لهذا النوع من الاقتصاد فهو لا يؤمن بوحدانية الله ولا يكفر بها، فهو غير مكترث بها أساسا، إذ أن إيمانه يتركز حول واحدية السوق وآلياته التى لا تعرف لا الله ولا الإنسان، والتى تدور وتحول كل شىء إلى مادة استعماليه، لا تفرق بين مسلم ومسحيى ويهودى وهندوكى.
الرأسماليون من الأمريكيين اليهود في قطاع الصحافة والإعلام
American Jewish Capitalists in the Press and Media
يُلاحَظ أن المستثمرين من أعضاء الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة من العناصر الرائدة في مجال الصحافة. وتمتلك دار صمويل نيوهاوس للنشر واحدة من أكبر الشبكات الإعلامية في الولايات المتحدة وتضم المجلات والصحف ودور النشر ومحطات الإذاعة والتليفزيون. وتُعتبَر عائلات سولزبرجر وأننبرج وبوليتزر من العائلات الرائدة أيضاً في مجال النشر الصحفي والمجلات. وربما يرجع ذلك إلى أن القطاع الإعلامي في المجتمع قطاع جديد يتطلب الانخراط فيه روحاً ريادية، وهو مجال بدأ يكتسب أهمية مع تزايُد معدلات النمو الصناعي وما صاحبه من نمو الطبقات العمالية والمتوسطة التي كانت في حاجة إلى خدمة إخبارية غير مكلِّفة. وقد ساعد موروث اليهود الاقتصادي والاجتماعي، أي كونهم جماعات وظيفية، على أن يدخلوا هذا القطاع ويستثمروا فيه رأسمالهم وخبراتهم واتصالاتهم.
стр. 2756
ورغم أن ٣و١% فقط من الجرائد الأمريكية مملوكة لأفراد أو أسر يهودية، إلا أن أكثر هذه الجرائد والمجلات أهمية وانتشاراً مملوكة لأعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة. ولكن يجب الإشارة إلى أنه لا يُلاحَظ وجود نمط يهودي خاص في هذه الجرائد والمجلات التي يمتلكها مموِّلون من أعضاء الجماعات اليهودية إذ أنها تدافع عن السياسة الخارجية لأمريكا وتلتزم بفلسفتها في الحكم، وتُعبِّر عن الاتجاهات والآراء والمصالح الاقتصادية والسياسية المختلفة والمتعددة داخل المجتمع الرأسمالي الأمريكي. ومن هنا يمكن اعتبار توجُّهها الصهيوني نابعاً من التزامها الأمريكي.
جوزيف بوليتزر (١٨٤٧-١٩١١ (
Joseph Pulitzer
ناشر صحفي ومحرر أمريكي. وُلد في المجر لأب يهودي وأم مسيحية كاثوليكية، وهاجر إلى الولايات المتحدة وعمره ١٧ سنة. وفي عام ١٨٦٨، انضم إلى صحيفة ناطقة بالألمانية (في مدينة سانت لويس) . وبعد ثلاث سنوات، اشترى حصة في الصحيفة ثم أصبح رئيس تحريرها، لكنه باع حصته فيما بعد محقِّقاً ربحاً كبيراً. وفي عام ١٨٧٨، اشترى صحيفتين كانتا تصدران في سانت لويس حيث دمجهما في صحيفة واحدة باسم بوست ديسباتش التي حققت نجاحاً كبيراً. وفي عام ١٨٨٣، انتقل إلى نيويورك حيث اشترى صحيفة ذي وورلد التي حقَّقت في غضون ٣ سنوات مكسباً قدره نصف مليون دولار سنوياً. وفي عام ١٨٨٧، أسَّس صحيفة ذي إيفننج وورلد. وكان من عوامل نجاح هذه الصحف الثلاث الترويج المكثف لها، والإثارة الإخبارية التي كانت تشتمل عليها، والتجديد في كلٍّ من الطباعة والعرض.
وقد أسَّس بوليتزر مدرسة الصحافة في جامعة كولومبيا، وأوصى قبل وفاته بتخصيص جوائز تحمل اسمه (جوائز بوليتزر) تُقدَّم للأعمال الصحفية والأدبية والفنية المتميِّزة.
стр. 2757
وقد استمر ابنه الأصغر جوزيف بوليتزر (١٨٨٥ ـ ١٩٥٥) في إصدار صحيفة سانت لويس بوست ديسباتش بنجاح، بينما تدهورت أوضاع الصحيفتين اللتين كانتا تصدران في نيويورك على أيدي ابنيه الآخرين رالف (١٨٧٩ - ١٩٥٩) وهربرت بوليتزر (١٨٩٧ ـ ١٩٥٧) ، الأمر الذي اضطرهما إلى بيعهما عام ١٩٣١. وقد أضافت العائلة إلى ممتلكاتها، فيما بعد، صحف أخرى ومحطات تليفزيون.
آرثر سولزبرجر (١٨٩١-١٩٦٨ (
Arthur Sulzberger
ناشر وصحفي أمريكي يهودي. وُلد في مدينة نيويورك لعائلة يهودية مرموقة استقرت في الولايات المتحدة منذ عام ١٧٩٥. وقد تزوج سولزبرجر من ابنة أدولف أوكس (١٨٥٨ ـ ١٩٣٥) مالك وناشر جريدة نيويورك تايمز التي حوَّلها أوكس من جريدة متعثرة إلى إحدى أهم وأكبر الصحف في الولايات المتحدة والعالم. وعند وفاة أوكس في عام ١٩٣٥، أصبح سولزبرجر ناشر الجريدة ورئيس شركة نيويورك تايمز.
وقد كانت جريدة نيويورك تايمز تُعبِّر بصفة عامة عن رؤية مصالح البورجوازية الأمريكية وعن رؤية الصفوة من اليهود المندمجين ذوي الأصول الألمانية المنتمين لهذه البورجوازية. وقد تبنَّى أوكس، وسولزبرجر من بعده، موقفاً معادياً للصهيونية خوفاً من مسألة ازدواج الولاء وما قد تثيره من عداء لليهود.
стр. 2758
وقد عارض أوكس، الذي كان عضواً في اللجنة الأمريكية اليهودية، وعد بلفور عام ١٩١٧. كما أعلن في أعقاب زيارته لفلسطين عام ١٩٣٧ أنه «إذا كان عليَّ أن أختار بين أمريكا كوطن وبين فلسطين، فإنني أختار أمريكا حتى لو أن ذلك يعني أن أتخلى عن يهوديتي» . وفي عام ١٩٤٣، ساهم سولزبرجر في تأسيس المجلس الأمريكي لليهودية المعادي للصهيونية، والذي اعتبر اليهودية عقيدة دينية وحسب وليس انتماءً قومياً، كما أكد ضرورة اندماج اليهود ثقافياً واجتماعياً في مجتمعهم الأمريكي. وحرصت الجريدة على ألا يظهر على صفحاتها ما قد يعرِّضها للاتهام بأنها جريدة يهودية، كما لم تتبن موقفاً حاسماً تجاه هتلر. لكن من الممكن تفسير هذا الموقف في إطار التوجه اليميني للجريدة، خصوصاً أنه قد سبق لها أن أيَّدت موسوليني عند توليه السلطة في إيطاليا في عام ١٩٢٢.
أما بعد تأسيس إسرائيل، فقد تبنت عائلة سولزبرجر وجريدة نيويورك تايمز موقفاً مؤيداً لإسرائيل ولكن من منطلق أنها قاعدة للمصالح الرأسمالية الإمبريالية في منطقة الشرق الأوسط تعمل على مواجهة وتقويض النفوذ السوفيتي في المنطقة.
وقد أعربت الجريدة على صفحاتها عن ضرورة إقامة تحالف واسع معاد للسوفييت في الشرق الأوسط يجمع بين إسرائيل والنظم العربية الرجعية. ومن هنا، تتجه الجريدة إلى انتقاد احتلال إسرائيل للأراضي العربية لأنه يُشكِّل عقبة أمام هذا التحالف. كما لا تتردد في عرض الجرائم الإسرائيلية ضد الفلسطينيين على صفحاتها تدعيماً لموقفها.
وتمتلك عائلة سولزبرجر، إلى جانب جريدة نيويورك تايمز، جرائد أخرى ومحطات للتليفزيون، وتُقدَّر ثروتها بأكثر من ٤٥٠ مليون دولار. ومنذ عام ١٩٦٣، يتولى آرثر أوكس سولز برجر١٩٢٦، ابن آرثر سولزبرجر، إصدار ورئاسة جريدة نيويورك تايمز.
صمويل نيوهاوس (١٨٩٥-١٩٧٩ (
Samuel Newhouse
стр. 2759
ناشر أمريكي يهودي يمتلك واحدة من أكبر الشبكات الإعلامية في الولايات المتحدة حيث تضم العديد من المجلات والصحف ودور النشر ومحطات الإذاعة والتليفزيون. وُلد في الولايات المتحدة لأبوين من أصل روسي ونمساوي، ودرس القانون، ثم دخل مجال النشر الصحفي عام ١٩٢٢ عندما اشترى جريدة متعثرة في نيويورك (أدفانس) بمبلغ ٩٨ ألف دولار، ونجح في تطويرها وزيادة حجم توزيعها إلى أن أصبحت تُقدَّر في غضون ست سنوات بأكثر من مليون دولار. وخلال فترة الكساد الاقتصادي في الثلاثينيات، اشترى خمس جرائد أخرى. وفي عام ١٩٥٥، وفيما وُصف آنذاك بأنه أكبر صفقة في تاريخ الصحافة الأمريكية، دفع نيوهاوس أكثر من ١٨ مليون دولار مقابل جريدتين وأربع محطات للإذاعة والتليفزيون. وفي عام ١٩٥٩، اشترى حصص مؤسستين للنشر تنشران مجموعة مهمة من المجلات ذائعة الصيت وواسعة التوزيع هما مؤسسة كونده ناست (التي تنشر مجلات فوج، وجلامور، وهاوس آند جاردن) ، ومؤسسة ستريت آند سميث (التي تنشر مجلة مدموازيل) . وفي عام ١٩٧٦، أبرم نيوهاوس صفقة ضخمة أخرى حينما اشترى شبكة بوث الصحفية والتي تضم ثماني صحف مقابل ٣٠٥ ملايين دولار. ويمتلك نيوهاوس أيضاً مجلات نيويوركر، وفانيتي فير ودار نشر راندوم هاوس و٢٨ جريدة. وقد كانت هذه الإمبراطورية الضخمة تربطها شبكة عائلية قوية احتل فيها أفراد عائلة هاوس المواقع الإدارية والمناصب المهمة. وبصفة عامة، لعب أعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة دوراً مهماً في مجال الصحافة والإعلام.
وفي عام ١٩٦٠، قدَّم نيوهاوس منحة قدرها مليونا دولار لجامعة سيراكيوز الأمريكية لتأسيس مركز نيوهاوس للاتصالات، ليكون أكبر معهد تعليمي وبحثي في مجال الإعلام في العالم.
стр. 2760
وعند وفاته، كانت إمبراطوريته الإعلامية تضم ٣١ جريدة حجم توزيعها أكثر من ثلاثة ملايين نسخة، وخمس محطات إذاعة، ومحطات للتليفزيون (للمشتركين فقط) تضم أكثر من ١٧٥ ألف مشترك، والعديد من المجلات.
الباب التاسع: الاشتراكية والجماعات اليهودية
الفكر الاشتراكي الغربي وموقفه من الجماعات اليهودية
Western Socialist Thought: Its Attitude toward the Jewish Communities
تتسم النظرة الاشتراكية إلى أعضاء الجماعات اليهودية بالإبهام نفسه الذي تتسم به رؤية عصر الاستنارة إليهم. فقد دعا مفكرو عصر الاستنارة إلى المساواة بين كل البشر، وبالتالي إلى إعتاق اليهود وإعطائهم حقوقهم السياسية والاقتصادية كاملة. وهذا تيار أساسي في الفكر الاشتراكي يُوجَد في كثير من كلاسيكيات هذا الفكر.
لكن إعتاق اليهود، بل الإنسان عموماً، يتم في إطار مفاهيم علمانية مادية مثل مفهوم الإنسان الطبيعي أو المادي أو العالمي أو الأممي. فهو مفهوم مادي اختزالي يُسقط أية خصوصية أو هوية، ويرى الإنسان باعتباره جزءاً من الطبيعة/المادة. ويترتب على هذه المقدمات عدة نتائج أهمها رفض خصوصية اليهود العرْقية، ثم يُنظَر إليهم باعتبارهم مواطنين عاديين وحسب يمكن دمجهم في المجتمع وإعطاؤهم حقوقهم كافة. ومن ثم نجد أن كثيراً من كلاسيكيات الفكر الاشتراكي ترفض الفكرة الصهيونية التي ترى أن اليهود أمة عرْقية مستقلة.
стр. 2761
ولكن، كما أن هناك تياراً داخل فكر حركة الاستنارة يرى أن اليهود عنصر له خصوصيته، وأن تخلُّصه من هذه الخصوصية أمر صعب بل مستحيل أحياناً، فإن الفكر الاشتراكي قد اشتمل على مثل هذا التيار. وهو يترجم نفسه أيضاً إلى اتجاه معاد لليهود ومتحيِّز للصهيونية في آن واحد. ويطرح أتباع هذا التيار فكرة هوية يهودية مستقلة عضوية يُفترَض فيها عادة أنها ذات طابع شرقي أو آسيوي أو سامي. وقد ازداد الاهتمام بهذا الجانب مع تزايُد الاهتمام بالعنصر الهيليني (الآري فيما بعد) في الهوية الغربية. وهو اهتمام صار محورياً في الخطاب السياسي الغربي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وقد أكد هيجل على ما أسماه «الطابع الشرقي» للروح القومية اليهودية التي لم تدرك المثل العليا (الهيلينية) للحرية والعقل، فظلت اليهودية لذلك مرتبطة بشعائر بدائية لاعقلانية أو طقوس لا روح فيها تسبَّبت في نهاية الأمر في إدخال العنصر العبراني السلبي على الحضارة الغربية.
وكجزء من هجومهم على المؤسسات القائمة في المجتمع، قام المفكرون الاشتراكيون بالهجوم الضاري على المسيحية وعلى كل الأفكار الدينية، فوجَّهوا النقد إلى اليهودية باعتبارها أساس المسيحية، بل باعتبارها شكلاً متخلفاً منها. واتهموا اليهودية أيضاً بأنها تتضمن عناصر نفعية أنانية تشجع اليهود على الاهتمام بأنفسهم وعلى كُره البشر. كما أن اليهودية تشجع اليهود على ضرب العزلة حول أنفسهم وعلى البقاء سجناء شعائرهم البدائية المتخلفة مثل قوانين الطعام التي تجعل اندماجهم مع بقية الجنس البشري مستحيلاً. بل إن بعضهم ذهب إلى حد القول بأن اليهودية تتضمن عناصر هضمية أو معوية، وأن كل إشارة إلى الإله في العهد القديم مرتبطة بالطعام، وأن تقديم القرابين البشرية كان أحد العناصر المكوِّنة للعبادة اليسرائيلية القديمة.
стр. 2762
وللقضية أيضاً جانب اقتصادي، فكثير من المفكرين الاشتراكيين ينظر إلى اليهود بوصفهم عنصراً هامشياً غير منتج يتركز في التجارة والأعمال المالية ولا يتجه إلى الصناعة أو الزراعة أبداً (أي أنهم جماعة وظيفية وسيطة) . كما أن بعض الاشتراكيين يرون أن ثمة علاقة عضوية بين اليهود والرأسمالية، خصوصاً في شكلها التجاري المتمثل في الأعمال المالية والبورصة.
لكل ما تقدَّم، ذهب بعض المفكرين الاشتراكيين إلى أن اليهود يشكلون جماعة بشرية غير سوية وغير طبيعية. وكان الحل الذي يطرحونه هو ضرورة تخليص اليهود من هويتهم المتخلفة أو الخسيسة أو الأنانية (البورجوازية أو الرأسمالية) وتحويلهم إلى عناصر منتجة ودمجهم في المجتمع أو تأكيد هويتهم وتوطينهم في فلسطين داخل مجتمع تعاوني اشتراكي. وقد ساوى كارل ماركس بين " برجزة " المجتمع (أي سيادة العلاقات التعاقدية البورجوازية فيه) من جهة، وبين تهويده من جهة أخرى.
ومن أوائل الدعاة إلى الاشتراكية المفكر كونت دي سان سيمون (١٧٨٠ ـ ١٨٢٥) ، وهو ممن يسمون «الاشتراكيين الطوباويين» ، أي المثاليين. ويبدو أنه يوجد تيار يهودي مشيحاني في فكره، إذ طالب بتأسيس مجتمع صناعي يحكمه نخبة من العلماء وأصحاب الأعمال والمصرفيين الذين يهتدون بهدي «المسيحية الجديدة» ـ وهي مسيحية علمانية (أو لادينية) لا تستند إلى الإيمان بالإله أو باليوم الآخر أو الزهد في الدنيا ـ وهي تشبه في ذلك اليهودية الإثنية. وثمة إشارة في كتابات سان سيمون إلى الماشيَّح الأم، وهي أنثى يهودية من الشرق ستصوغ الأخلاق الجديدة. وبطبيعة الحال، سيتمتع اليهود بالمساواة الكاملة في هذا المجتمع الجديد. وقد كان الكثير من تلاميذ سان سيمون وحوارييه من اليهود.
стр. 2763
وأدَّى هذا العنصر اليهودي اللاديني الفاقع في اشتراكية سان سيمون إلى رد فعل عنيف من الكنيسة ومن شارل فورييه (١٧٧٢ ـ ١٨٣٧) أحد أهم المفكرين الاشتراكيين وأحد أهم النقاد الاشتراكيين لليهود. ويذهب فورييه إلى أن التجارة هي مصدر كل الشرور، وأن اليهود هم تجسيد لها، كما أنهم المستغلون الاقتصاديون الرئيسيون في أوربا. واليهود (في تصوُّره) ليسوا جماعة دينية، وإنما هم جماعة قومية غير متحضرة وبدائية ومعادية للحقيقة، ولابد للمجتمع من التخلص منها بالدمج أو الطرد. ومعنى ذلك أنه يتحرك في إطار فكرة الشعب العضوي المنبوذ.
стр. 2764
وقد أشار فورييه إلى قوانين الطعام اليهودية كقرينة على صدْق كل الشائعات التي أطلقها أعداء اليهود عنهم مثل اتهامهم بأنهم يعتبرون سرقة المسيحي أمراً مباحاً لهم شرعاً. ولذا، يرى فورييه أن لفظتي «يهودي» و «لص» مترادفتان، وأن الإنسان عند التعامل معهم لا يتوقع سوى أكاذيب ولا شيء سوى الأكاذيب التي يشجعهم عليها دينهم. بل يرى فورييه أن اليهود عنصر تجاري لا ارتباط ولا انتماء له بوطن. ولذا، فهم لا يتورعون عن ارتكاب أعمال الخيانة العظمى ويعملون جواسيس لكل الأمم وجلادين لها. وهم كذلك غير مبدعين في الفنون والآداب ولا يتميَّزون إلا بسجل طويل من الجريمة والقسوة. ونشاطات اليهود الاقتصادية كلها هامشية وشرهة وغير منتجة، فهم لا يعملون أبداً بالزراعة ويشتغلون بالتجارة والأعمال المالية. وهم إلى جانب هذا متمرسون في التهرب من دفع الضرائب ولا يستثمرون رأسمالهم في الصناعة أبداً حتى لا يرتبط مصيرهم بمصير الدولة التي يعيشون فيها. ويقتصر نشاطهم التجاري على الاستيراد والتصدير حتى يحرموا تجار البلاد المضيفة من الاحتكاك بالبلاد الأخرى. وهم يحققون الثروات الهائلة على حساب المواطنين، خصوصاً أنهم بخلاء إلى درجة أن بإمكانهم العيش على أقل القليل وهو ما يساعدهم على مراكمة الثروة بسرعة. ومن الواضح أن فورييه يتحدث عن الجماعة الوظيفية الوسيطة، ولكنه نظراً لجهله بهذه الظاهرة وتواتُرها في المجتمعات الأخرى تصوَّر أنها ظاهرة يهودية وحسب، وأن خصائص أعضاء الجماعة الوظيفية هي خصائص لصيقة بطبيعة اليهود، أينما كانوا وعَبْر التاريخ.
стр. 2765
وقد طرح فورييه برنامجاً لحل المسألة اليهودية، وذلك عن طريق دمج اليهود بالقوة اقتصادياً وروحياً. وهذا لن يتأتى إلا بالقضاء على خصوصيتهم اليهودية القومية الاقتصادية عن طريق تطبيق قوانين قاسية عليهم، ومنعهم من الاشتغال بالأعمال التجارية، وإبعادهم عن الحدود والسواحل والأماكن التي يمكنهم أن يمارسوا فيها التهريب والتجارة، وكذلك عن طريق توطينهم بالقوة في القرى. ويجب أن يواكب عملية الدمج الاقتصادي عملية دمج روحي عن طريق التعليم حتى يتخلى اليهود عن مبادئهم الشريرة.
والحل الثاني للمسألة اليهودية الذي يطرحه فورييه قد يبدو وكأنه نقيض الأول، ولكنه في الواقع امتداد له. فإذا كان الحل الأول يفترض إمكانية التخلص من الشعب العضوي المنبوذ عن طريق تخليصه من هويته الكريهة ودمجه، فإن الحل الثاني الذي ورد في كتاب الصناعة الزائفة (١٨٣٥ ـ ١٨٣٦) إذ يرى أنه يمكن التخلص منهم عن طريق توطينهم في فلسطين وسوريا ولبنان ليصبحوا أمة معترفاً بها لها ملك وعلم وقناصل وعملة! ويتوجه فورييه بالنصح إلى اليهود، فبدلاً من مضاربات البورصة يمكنهم تحويل فلسطين وما حولها في المنطقة الممتدة من لبنان إلى سيناء إلى أرض صالحة للسكنى عن طريق توفير منافذ لنهر الأردن والبحر الميت على موانئ البحر الأحمر، وأن يتم ري الصحراء وزراعة الغابات الخضراء فيها بواسطة الجيوش الصناعية والمزارع التعاونية وذلك بتمويل روتشيلد وبدعم أوربا، وهذا أدق وصف لعملية الاستيطان الصهيوني وللزراعة الصهيونية التعاونية المسلحة ولكل من الصهيونية التوطينية والاستيطانية (وقد قضت الحركة الصهيونية بين اليهود نحو سبعين عاماً لتكتشف هذه الصيغة البسيطة) . ويجب أن نشير إلى أن تاريخ نشر الكتاب هو أيضاً الوقت الذي طُرحت فيه المسألة الشرقية وبحدة بسبب ثورة محمد علي على السلطان العثماني.
стр. 2766
وقد ترك فورييه أعمق الأثر في الفكر الاشتراكي بعده. فنجد أن تلميذه ألفونس توسينيل (١٨٠٣ ـ ١٨٨٥) يؤلف كتابه اليهود ملوك العصر: تاريخ الإقطاع المالي (١٨٤٥) حيث يمثل الإقطاع المالي البنوك في أوربا وفرنسا. والكتاب ليس هجوماً عنصرياً تقليدياً على اليهود إذ يُحذِّر الكاتب في البداية من أنه سيستخدم كلمة «يهودي» لا بمعناها المحدد الذي يشير إلى جماعة إثنية أو دينية، وإنما يستخدمها بالمعنى الشائع لها، أي «مصرفي» أو «مراب» أو «تاجر» . ولذا، فإنه يستخدم هذه الكلمة للإشارة إلى كل من يشتغل في الأمور المالية، كل الطفيليين غير المنتجين الذين يعيشون على وجود الآخرين وجهدهم. وقد ربط توسينيل بين القدس اليهودية وجنيف البروتستانتية الكالفنية، فكأن من يقول «يهودي» يقول «بروتستانتي، أي تجار وطيور جارحة» . وقد وصل توسينيل إلى أن اليهود، أي كبار المموِّلين، هيمنوا على أوربا في القرن التاسع عشر.
وقد ظهر هذا الاتجاه أيضاً في كتابات أدولف ألايزا الذي ترأَّس مجلة لا رينوفاسيون الناطقة باسم الحركة الاشتراكية من أتباع فورييه وأعطاها اتجاهاً معادياً لليهود. ويرى ألايزا أن اليهود مثل البكتيريا القذرة (وهذه صورة مجازية استخدمها الزعيم الصهيوني نوردو ثم الزعيم النازي هتلر من بعده) تؤدي إلى عفن المكان الذي تصل إليه. فاليهودي يتآمر ضد الأمن الوطني مثل دريفوس. وربطت مدرسة فورييه أيضاً بين ماركس والبلشفية من جهة، وبين ماركس واليهودية من جهة أخرى.
стр. 2767
وتُعبِّر آراء ميخائيل باكونين (١٨١٤ ـ ١٨٧٦) ، المنظِّر والمفكِّر الفوضوي الروسي، عن كُره عميق لليهود. ففي كتابه الاعتراف الذي ألفه في السجن عام ١٨٥١، انتقد قادة الاستقلال في بولندا لاتخاذهم موقفاً إيجابياً تجاه اليهود. وقد نُشر عام ١٨٦٩ رداً على خطاب من موسى هس أشار فيه إلى اليهود باعتبارهم أمة من المُستغلِّين تقف على الطرف النقيض تماماً من مصالح البروليتاريا. ويمكن فَهْم موقفه هذا من اليهود من خلال حقيقتين، أولاهما: خلافه الفكري الحاد مع الاشتراكيين وبالذات اليهود، منهم كارل ماركس وموسى هس وأمثالهما. وثانيتهما: الدور البارز لأعضاء الجماعة اليهودية في التجارة والمال في أوربا، وهو ما كان نتاجاً لميراثهم التاريخي كجماعات وظيفية هامشية. وقد ذهب باكونين إلى أن اليهود يشكلون خطراً أكبر من اليسوعيين، وأنهم القوة الحقيقية في أوربا، إذ يسيطرون بشكل مطلق على التجارة والبنوك وعلى ثلاثة أرباع الصحافة الألمانية وعلى جزء كبير من صحافة الدول الأخرى. ووصف باكونين الفوضوي ظهور ماركس وأعماله بأنها ظهور جديد للنبي موسى، وأنه يعتبر نموذجاً يمثل الشعب اليهودي.
стр. 2768
وقد كان عداء الاشتراكيين والثوريين لليهود يستند إلى تحليل طبقي يفترض فيه أصحابه علميته وموضوعيته. ولكن مع العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، وظهور الخطاب العرْقي واكتساحه الفكر الأوربي، نجد أن أتباع فورييه أيضاً يتبنون التفسير العرْقي. فالعرْق اليهودي، بحسب تصوُّرهم، قبيح من الناحية الجسدية، فوجوههم تخرق قواعد الجماليات تماماً كما تخرق روحهم الروح الآرية (الهيلينية من قبل) التي تتسم بالجمال. والعرْق اليهودي لا يمكن دمجه ولا هضمه، وهو عرْق طفيلي كليةً، فاليهودي في كل مكان وزمان كان طفيلياً يصيب المجتمعات بالتحلل. وهم طفيليون لأسباب عرْقية ولا يمكنهم أن يغيِّروا دورهم، تماماً كما لا يمكن للمخلوقات الطفيلية التي تقتل الأجساد الحية أن تتوقف عن وظيفتها. وهم معروفون بشكل خاص بمقدرتهم على تخريب قوانين البلاد التي ينتمون إليها.
ويُلاحَظ أن كل هذه الأوصاف هي أوصاف الشعب العضوي المنبوذ، فما الحل إذن؟ طرحت المجلة، الناطقة بلسان أتباع فورييه، حلاًّ صهيونياً حيث طلبت من اليهود الجلاء عن فرنسا طواعية. ولذا، توجهت بنداء إلى اليهود: "أيها اليهود! إلى أعالي سيناء، حيث أرسل الإله بالوصايا العشر التي تخرقونها دائماً، إلى موسى والإله الذي تركتموه بسبب حبكم الشديد للذهب ... اعبروا البحر الأحمر مرة أخرى، ولتنزلوا إلى الصحراء مرة أخرى، إلى أرض الميعاد التي تنتظركم، الأرض الوحيدة التي تناسبكم، أيها الشعب الشرير الوقح الخائن، اذهبوا إلى هناك". وهذا هو الحل الاستعماري الصهيوني، إرسال كل مشاكل أوربا إلى الشرق.
стр. 2769
ومن الطريف أنه برغم صهيونية مثل هذه الحلول التي طُرحت عام ١٨٩٩ بعد عقد المؤتمر الصهيوني الأول، فإن المجلة لم تُعط أية أهمية للحركة الصهيونية أو المنظمة الصهيونية. بل إنه حينما نشر أحد أتباع فورييه ويُدعى فيرييه كتيبه المسألة اليهودية (١٩٠٢) ، فإنه يقدِّم رؤية إيجابية للحركة الصهيونية ويفرق بين يهود الغرب المندمجين الذين سيبقون في أوطانهم ويهود شرق أوربا (أي يهود اليديشية) الذين يجب تهجيرهم إلى وطن قومي خارج فلسطين لأنها ـ حسب تصوُّره ـ غير مناسبة. ورد عليه ألايزا قائلاً إنه يؤيد الحل الصهيوني الذي طرحه تيودور هرتزل من ناحية المبدأ، ويحب أن يرى اليهود في وطنهم وأن هذا سيحقق مصلحتهم، وأكثر من هذا فإنه سيحقق مصلحة فرنسا ذاتها! ولكنه عبَّر عن شكه في إمكانية تحقُّق هذا الحلم بسبب طبيعة اليهود الهامشية.
وقد أصبح ارتباط اليهود بالرأسمالية وكبار المموِّلين موضوعاً أساسياً متواتراً في الفكر الغربي امتزج بالأطروحة العرْقية التي تنظر إلى اليهود بوصفهم ساميين (مقابل الآريين) . ويُلاحَظ أن مقولة «الآريين» انفصلت بالتدريج عن مقولة «الهيلينيين» ، وبالتالي فقدت بعدها الثقافي واكتسبت بعداً عرْقياً فاقعاً. ولذا، نجد أن بعض الكتاب يقرنون بين التاجر اليهودي والتاجر اليوناني باعتبارهما من التجار الوسطاء.
стр. 2770
وتبلور كتابات يوجين دوهرنج (١٨٣٣ ـ ١٩٢١) هذه الاتجاهات كافة، فكتابه الحالة اليهودية كمسألة عرْقية وأخلاقية وحضارية ينسب النزعة الليبرالية في الاقتصاد السياسي (أي الرأسمالية والديموقراطية) إلى اليهود الذين يتهمهم باستغلال مبدأ الاقتصاد الحر وتسخيره في خدمة الاحتكار اليهودي الذي يحاول استعباد كل الناس. ورغم أن اليهود يلعبون دوراً طبقياً، فإنهم يُشكِّلون عرْقاً وضيعاً لا مثيل له. واتجاه اليهود نحو التجارة يعود إلى أن جمجمة الإنسان اليهودي ليست جمجمة إنسان مفكر فهي ملأى على الدوام بالربا والشئون التجارية. فاليهود، إذن، فئة تجارية نظراً لأن خصائصهم العرْقية تجعلهم ينزعون نحو التجارة، وهم يحققون ترابُطاً غير عادي بسبب شعائرهم القديمة التي لم يطرحوها جانباً تماماً. وتهمة الدم، بحسب رأي دوهرنج، ذات أساس علمي، فهي تعود إلى التضحيات البشرية التي كان اليهود يقدمونها. وقد استمرت هذه التضحيات بسبب رغبة قيادات اليهود في أن تجعل كل فرد في الجماعة اليهودية متورطاً في جريمة قتل الأطفال المسيحيين.
следующие страницы →