← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

وفي هذا الإطار، أكد الحزب التزامه بالماركسية واهتمامه بالمصالح العامة للطبقة العاملة ككل بصفة أساسية وبالمصالح الخاصة بالعمال اليهود بالدرجة الثانية، وانضم إلى الحزب العمالي الديموقراطي الاشتراكي الروسي عام ١٨٩٨، وكان البوند أحد مؤسسي هذا الحزب. وقد كان عدد المندوبين في اللجنة التأسيسية للحزب تسعة من بينهم ثلاثة من أعضاء البوند. وقام الحزب بنشاطات واسعة ذات طابع سياسي في صفوف العمال من أعضاء الجماعات اليهودية الذين كانت تتزايد أعدادهم بسبب تزايُد معدلات التحديث الاقتصادية والتصنيع في روسيا وتعثُّرها من الناحية الاجتماعية مع نهاية القرن. وأدَّى نجاحه في نشاطه إلى تأليب النظام الروسي القيصري ضده. وفي هذه الآونة، كان المفكران الروسيان اليهوديان سيمون دبنوف وحاييم جيتلوسكي قد صاغا نظريتهما عن قومية الدياسبورا (أو بتعبير أدق قوميات الجماعة اليهودية، وربما أيضاً: القومية اليديشية) . وتذهب هذه النظرية إلى أن ثمة ثقافات يهودية مستقلة عن بعضها البعض وعن الحضارات التي يتواجد داخلها اليهود، وأن استقلال اليهود الثقافي النسبي عن محيطهم الحضاري لا يعني ارتباطهم جميعاً على مستوى يهودي عالمي. وأكد دبنوف أن الجماعة اليهودية في شرق أوربا (أي يهود اليديشية) لها هوية ثقافية مختلفة عن الهويات اليهودية الأخرى التي نشأت في أماكن وأزمنة أخرى، وأن هذه الهوية تستحق الحفاظ عليها وتطويرها على أرض شرق أوربا ذاتها دون الحاجة إلى الهجرة إلى فلسطين، وهي الهجرة التي كانت تتم في إطار تصوُّر وجود هوية يهودية عالمية واحدة.

стр. 2802

ووجدت هذه النظرية صدى لدى قيادات البوند، خصوصاً أن التأكيد على الخصوصية اكتسب شيئاً من الشرعية الماركسية من القرار الذي اتخذه الحزب الديموقراطي الاشتراكي في النمسا، والذي بمقتضاه غيَّر الحزب بنيته من حزب مركزي إلى حزب فيدرالي قومي يتفق بناؤه مع التعددية القومية التي كانت تسم النمسا آنذاك. كما أن الواقع الفعلي لكثير من أعضاء الحزب كان يؤكد أنهم أقلية قومية شرق أوربية (يديشية) لها لغتها وهويتها الثقافية الخاصة. وقد ساهم التحديث المتعثر في روسيا القيصرية في هذه الآونة في دعم هذه الهوية وفي تعميق كثير من أبعادها، ولعل هذا يُفسِّر سبب تَرعرُع الثقافة اليديشية وازدهارها. وقد أعلن البوند في مؤتمره الرابع عام ١٩٠١ أن اليهود يشكلون أقلية إثنية لا دينية وأن مصطلح أمة (كما هو مستخدم في روسيا) ينطبق عليهم. وهنا تبدأ الفترة الثانية من المرحلة الأولى، حيث دعا الحزب إلى إعادة تأسيس روسيا كاتحاد فيدرالي من القوميات مع إدارة ذاتية قومية كاملة لكل أمة دون إشارة إلى الإقليم الذي تسكنه. ومع هذا، تقرر ألا يقوم البوند بحملة من أجل الإدارة الذاتية اليهودية حتى لا يتضخم الشعور القومي لدى أعضاء الجماعة اليهودية، الأمر الذي قد يمُيِّع الوعي الطبقي للعمال. ولكن هذا التحفظ الأخير لم يُطبَّق، وأُلغي رسمياً في المؤتمر السادس (عام ١٩٠٥) . وكان البوند قد أكد في مؤتمره الخامس (عام ١٩٠٣) حقه كممثل للعمال اليهود في أن يضيف إلى برنامج الحزب الاشتراكي الديموقراطي العام مواد لا تتعارض مع ذلك البرنامج، وتتوجه في الوقت نفسه إلى مشاكل العمال اليهود الخاصة. واقترح البوند على مؤتمر الحزب الاشتراكي عام ١٩٠٣ الاعتراف بأعضاء الجماعة كأقلية قومية روسية لها حق الإدارة الذاتية مثل بقية الأقليات. لكن الطلب رُفض، فانسحب ممثلو البوند.

стр. 2803

ويُلاحَظ تذبذب البونديين بين نظرتين إلى أعضاء الطبقة العاملة من اليهود، إحداهما ترى أنهم يشكلون طبقة عاملة يهودية ذات هوية يهودية شرق أوربية محلية أي يديشية، ولذا لا يمكن دمجها بشكل كامل في الطبقة العاملة الروسية. ويرى الموقف الآخر (البلشفي) أن ثمة طبقة عاملة روسية، وأن العمال اليهود هم جزء لا يتجزأ منها، ومن ثم يكون حل مشكلة اليهود القومية والطبقية هو الاندماج. ويدل تذبذب قيادة البوند على مدى ذكائهم الحضاري ومدى التصاقهم بجماهيرهم التي كانت لها هوية مستقلة آخذة في التبلور. فهذه الجماهير كانت كتلة بشرية كبيرة تَصلُح أساساً لتطوير شخصية قومية شرق أوربية يديشية مستقلة. ولكن، لأن هذه الهوية ليست متبلورة وإنما آخذة في التبلور، طرح فلاديمير ميديم (١٨٧٩ـ ١٩٢٣) ، أحد منظري الحزب، فكرة " الحياد " التي تذهب إلى أنه لا يمكن تحديد الشكل الذي سيحقق من خلاله أعضاء الجماعة اليهودية في شرق أوربا بقاءهم، فهم قد يحتفظون بهويتهم وقد يندمجون في محيطهم الثقافي. وتصبح مهمة البوند بالتالي هي أن يحارب من أجل التوصل إلى إطار سياسي يضمن حرية التطور لكل من الاتجاهين، وألا يتخذ أية خطوات من شأنها أن تساعد على الاستمرارية الإثنية أوعلى عمليات التذويب. ولذا، لم تستمر القطيعة طويلاً مع الحزب الديموقراطي الاشتراكي وعاد البوند إلى التحالف معه عام ١٩٠٦. وبعد أن مارس الحزب نشاطه بشكل علني بعد ثورة ١٩٠٥، وسَّع نشاطاته ووصل إلى قطاعات كبيرة من أعضاء الطبقة العاملة من اليهود. ولكنه بدأ ينتكس بعد عام ١٩٠٨ (وهي الفترة التي شهدت المد الرجعي في روسيا) حيث قُبض على رؤساء الحزب وتم نفيهم، وانحصر اهتمام الحزب لبعض الوقت في الأمور الثقافية مثل اليديشية، واشترك في عدة مؤتمرات ومؤسسات ثقافية ذات طابع يهودي روسي عام مثل جمعية تنمية الثقافة بين يهود روسيا.

стр. 2804

ورغم تأكيد البوند الهوية اليديشية، وربما بسبب هذا، نجده يقف في حزم ضد الرؤية الصهيونية للقومية اليهودية العالمية التي تضم اليهود في كل زمان ومكان. وقد بيَّن البوند أن المشروع الصهيوني لن يؤدي إلى حل المسألة اليهودية لأن الدولة الصهيونية لن تستوعب كل يهود العالم، كما أنها تُفقد يهود العالم حقهم في المطالبة بحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والمدنية حيثما وجدوا. ذلك بالإضافة إلى أن إنشاء هذه الدولة يجعل الصراع بين اليهود والعرب أبدياً، كما أن بقاءها يعتمد على رضا يهود الغرب. وقد بيَّن البوند أن الافتراض الصهيوني بأزلية معاداة اليهود بين الأغيار يهدف إلى تمييع الصراع الطبقي وإعاقة تطوُّر شعور المواطنة لدى اليهود وإلى تقوية عقلية الجيتو. وتبدأ المرحلة الثانية في تاريخ الحزب بحدوث تغيير أساسي في صفوف الحزب في تلك الآونة، إذ انسحب المثقفون من قيادته، وأصبحت أغلبية أعضائه وقياداته من العمال. وزاد التركيز على خصوصية العمال اليهود وعلى خصوصية وضعهم. ولذا، كانت لغة المؤتمر العاشر للحزب (عام ١٩١٠) هي اليديشية، كما اتُخذت قرارات تدعو إلى استخدام هذه اللغة في المدارس والمؤسسات وإلى اشتراك الحزب في انتخابات الدوما (البرلمان) لعام ١٩١٢. وحينما حدث الانشقاق بين البولشفيك والمنشفيك، انضم البوند إلى المنشفيك لقبولهم مبدأ الإدارة الذاتية، ولأن لينين والبلاشفة بشكل عام رفضوا فهم البوند للمسألة اليهودية (أو المسألة اليديشية) ولخصوصية وضع العمال من يهود اليديشية. وبعد اندلاع الثورة عام ١٩١٧، زادت عضوية البوند بسرعة ووصلت إلى خمسة وأربعين ألف عضو. ولكن أعداداً كبيرة منهم انضمت إلى الحزب الشيوعي، وكوَّن بعض أعضاء الحزب في أوكرانيا حزباً بوندياً شيوعياً، ولكن أعضاءه انضموا أيضاً إلى الحزب الشيوعي بعد تصاعُد الهجمات ضد أعضاء الجماعة اليهودية. وتم القضاء على ما تبقى من البوند عام ١٩١٩.

стр. 2805

وهاجرت شرذمة صغيرة من البوند إلى برلين بعد الثورة، واستمرت في نشاطها الحزبي وأصدرت مجلة. ولم يبق من الحزب سوى أرشيفه الذي نُقل إلى جنيف عام ١٩٢٧ ثم إلى باريس عام ١٩٣٣. وكانت هناك أحزاب بوند في أماكن أخرى من بينها جاليشيا ورومانيا، ولكن أهم هذه الأحزاب هو حزب البوند في بولندا الذي استقل في نشاطاته حين عُزل عن روسيا نتيجة اندلاع الحرب العالمية الأولى. وقد ازداد الحزب راديكالية في بولندا، وانضم إلى الحزب الاشتراكي اليهودي في جاليشيا عام ١٩١٩. ثم انضم الحزبان إلى الكومنترن، الأمر الذي تسبَّب في قمع الحكومة لهما. واختفى حزب البوند بين عامي ١٩٢٠ و١٩٢٤،ولكنه حينما عاود الظهور في عام ١٩٢٤ أصبح أكبر حزب عمالي يهودي في بولندا، فأصدر مجلة أسبوعية وأخرى شهرية وجريدة يومية وبلغت عضويته سبعة آلاف (ويُقال ١٢ ألفاً) إلى جانب منظمة شبابية كانت تضم عشرة آلاف عضو. ولعب حزب البوند دوراً مؤثراً في الحياة السياسية في بولندا. فاستمر في حربه ضد الصهيونية واليهودية الأرثوذكسية، وكان يحصل على أغلبية الأصوات في انتخابات اتحادات نقابات العمال اليهود التي كانت تضم نحو تسعة وتسعين ألف عامل في عام ١٩٣٩. وساهم الحزب في تأسيس منظمة المدارس اليديشية المركزية، كما كان يسيطر على نحو ٨٠% من كل المؤسسات التعليمية اليديشية. واستمر البوند في معارضته للعبرية. ووصل البوند في بولندا إلى قمة نفوذه السياسي بين عامي ١٩٣٦ و١٩٣٩، حين حصل على أغلبية أصوات اليهود في انتخابات البلديات، نظراً لأنه كان ينظم الجماهير اليهودية وغير اليهودية في الحرب ضد معاداة اليهود. وبعد الاحتلال النازي، اشترك البوند في المقاومة ضده. وقد تم القضاء على البوند مع تصفية معظم أعضاء الجماعة اليهودية في بولندا على يد النازيين.

стр. 2806

ويُلاحَظ أن حزب البوند لايزال له فروع في الولايات المتحدة وبريطانيا تضم كبار السن من نشطاء الحزب السابقين في بولندا وروسيا. وقد كوَّنت البقية الباقية من أعضائه وفروعه اتحاداً عالمياً له هيئة تنفيذية مقرها نيويورك، وقد عقدت هذه الهيئة مؤتمراً عاماً في أبريل عام ١٩٦٥، والمنظمة عضو في الاشتراكية الدولية. ولا يزال الحزب يرفض الفكر الصهيوني ويحاول أن يأخذ موقفاً محايداً من الصراع العربي الإسرائيلي. ورغم الجماهيرية الواضحة للبوند أثناء فترة نشاطه، سواء في روسيا أو في بولندا، فإن أثره في تواريخ أعضاء الجماعات كان محدداً. ولعل هذا يعود إلى عدة أسباب: ١ ـ ارتبط البوند من البداية بثقافة اليديشية التي ازدهرت لفترة محدَّدة، بسبب تعثُّر التحديث في شرق أوربا بعد عام ١٨٨٠، وحتى في هذه الفترة كان عدد المتحدثين باليديشية آخذاً في التناقص. ٢ ـ يحوي برنامج حزب البوند جوانب اندماجية عديدة، ولذا فإن الاختفاء هو في واقع الأمر جزء من البرنامج وتحقق له. ٣ ـ أدَّت عملية التصنيع والتحديث، بعد الثورة البلشفية، إلى تصفية التجمعات اليهودية الكثيفة وإلى انتشار أعضاء الجماعات في روسيا، كما أدَّت الإبادة النازية إلى الشيء نفسه بالنسبة لبولندا، الأمر الذي أدَّى إلى تصفية القاعدة الجماهيرية للحزب في البلدين.

стр. 2807

٤ ـ تولت الدولة السوفيتية، بنفسها، تنفيذ الجانب الثقافي لبرنامج البوند. فاعترفت باللغة اليديشية بوصفها إحدى اللغات الرسمية، وشجعت دراستها، وأنشأت العديد من المؤسسات الثقافية اليديشية، ثم أنشأت أخيراً مقاطعة بيروبيجان وهي التنفيذ العملي للبرنامج البوندي. وإذا كانت اليديشية آخذة في الاختفاء وإذا كان مشروع بيروبيجان لم ينجح، فإن هذا يعود إلى الطبيعة المؤقتة للنهضة الثقافية اليديشية وإلى أن أعضاء الجماعة آثروا الاندماج وما يتبعه من حراك اجتماعي سريع على الاحتفاظ بخصوصيتهم اليديشية. وعلى كلٍّ، فقد كان منظرو البوند غير متأكدين منذ البداية من أن الهوية اليديشية ستنمو وتزدهر، ولذا طالبوا بإطار منفتح يسمح بتطوُّر هوية أعضاء الجماعة إما نحو مزيد من الاندماج أو نحو مزيد من الضمور ثم الاختفاء، وتركوا النتيجة ليحددها مسار التاريخ نفسه. ويبدو أن البديل الثاني هو الذي كتب له أن يتحقق. فلاديمير ميديم (١٨٧٩-١٩٢٣ ( Vladimir Medem

стр. 2808

أحد قادة حزب البوند البارزين في روسيا وبولندا. وُلد في منطقة الاستيطان لأب يعمل كضابط طبيب في الجيش. وكان والده من اليهود المندمجين تماماً في المجتمع الروسي، كما قام بتعميد ابنه في الكنيسة الأرثوذكسية. وقد درس ميديم القانون في كييف. وخلال فترة دراسته، اعتنق الماركسية ثم طُرد من الجامعة عقب اشتراكه في إضراب للطلبة عام ١٨٩٩، وأمضى فترة قصيرة في السجن عاد بعدها إلى منسك. وكان ميديم يعتبر نفسه روسياً، ولكنه بدأ يوجه اهتمامه نحو الجماهير اليهودية. ودفعه ذلك إلى الانضمام إلى حزب البوند، فأصبح عضواً في لجنة الحزب في منسك وكتب في جريدته. وبعد أن سُجن لفترة أخرى، هرب إلى سويسرا حيث انضم إلى دوائر الطلاب الروس، وانتُخب عام ١٩٠١ أول سكرتير لحزب البوند في الخارج. وقام ميديم بتمثيل الحزب في المؤتمر الثاني للحزب الاشتراكي الديموقراطي الروسي المنعقد في لندن عام ١٩٠٣. وعُيِّن عقب المؤتمر عضواً في اللجنة الخارجية لحزب البوند ثم عضواً في لجنته المركزية عام ١٩٠٦. وكان ميديم شديد الاهتمام بالمسألة القومية، فبلور عام ١٩٠٤ سياسة الحياد التي تبناها حزب البوند كسياسة رسمية له بشأن مستقبل الجماعة اليهودية في روسيا، وهي سياسة تدعو إلى تبنِّي موقف محايد تجاه قضية الاندماج باعتبار أن العوامل الاجتماعية والاقتصادية ستحسم هذه المسألة في نهاية الأمر. ولكن ميديم بدأ عام ١٩١٠ في الابتعاد عن هذه السياسة والمطالبة بضرورة اتخاذ موقف أكثر إيجابية تجاه المسألة القومية، وفي تأكيد أن الجماعة اليهودية جماعة قومية شرق أوربية (يديشية) لها الحق في التعبير عن هويتها القومية والثقافية مثل سائر القوميات داخل روسيا.

стр. 2809

وقد كان ميديم أول من دعا إلى ضرورة أن يتبنى حزب البوند دوراً نشيطاً داخل الإطار التنظيمي للجماعة اليهودية (القهال) ، كما طالب بتأسيس المدارس اليديشية وبحق التوقف عن العمل يوم السبت والدفاع عن حقوق العمال اليهود، ولعب دوراً نشطاً في إحياء الصحافة البوندية في الفترة ما بين عامي ١٩١٢ و١٩١٣. سُجن ميديم في وارسو خلال الحرب العالمية الأولى ثم أُفرج عنه عام ١٩١٥ بعد انسحاب القوات الروسية. وخلال الاحتلال الألماني لبولندا، أصبح ميديم الزعيم الفكري لحزب البوند بها. وقد عمل على تشجيع اللغة اليديشية، وبدأ يتحدث ويكتب بها ويهاجم الصهيونية بشدة. ومع قيام الثورة البلشفية وصعود العناصر المؤيدة للشيوعية داخل حزب البوند، وجد ميديم نفسه منعزلاً داخله بسبب هجومه الشديد على البلاشفة وسياستهم، فهاجر إلى الولايات المتحدة عام ١٩٢١ واستقر فيها. انخراط أعضاء الجماعات اليهودية في الحركات الاشتراكية والثورية Participation of Members of Jewish Communities in Socialist and Revolutionary Movements

стр. 2810

يُلاحَظ وجود كثير من أعضاء الجماعات اليهودية في الحركات الثورية الاشتراكية في كثير من بلاد العالم بنسبة تفوق نسبة انخراط السكان الأصليين في هذه الحركات. وهذه ظاهرة كانت ملحوظة في العالم العربي الإسلامي، إذ يُلاحَظ أن كثيراً من قيادات ومؤسسي الحركات الشيوعية كانوا من اليهود. وليس هذا بمستغرب، فكثير من أعضاء الأقليات ينجذبون إلى الحركات الثورية العلمانية على أمل أن يحقق لهم المجتمع الثوري العلماني الجديد الحرية الكاملة والمساواة التامة. ولكن ذلك، على كل حال، كان ظاهرة عابرة نظراً لأن كثيراً من العناصر اليهودية في الحركة الاشتراكية كانت أجنبية أو من أصل أجنبي ورحلت عن العالم العربي بعد تأسيس الدولة الصهيونية وبعد اتضاح معالم حركة القومية العربية. كما أن هذه العناصر كانت ضمن القيادات وحسب ولم يكن هناك قط جماهير يهودية بهذا المعنى. ومع الخمسينيات، كانت معظم الحركات الاشتراكية يقودها عناصر عربية محلية. ومع هذا، يذهب بعض الباحثين إلى أن القيادات الشيوعية العربية من أصل يهودي (مثل هنري كورييل) ظلت مسيطرة على الحركات الشيوعية. أما في العالم الغربي، فيمكن القول بأن غرب أوربا في القرن التاسع عشر (إنجلترا وهولندا وفرنسا وغيرها) لم يكن فيه كتلة بشرية يهودية كبيرة كما أنها كانت مندمجة، وبالتالي لم يكن هناك وجود يهودي ملحوظ لا على مستوى القيادات الاشتراكية ولا على مستوى الجماهير. ولكن من المُلاحَظ أن بعض العناصر الثورية كانت تُجَنَّد من بين المهاجرين من شرق أوربا مع يهود اليديشية. كما أن تمثيل اليهود في الأحزاب الثورية، سواء على مستوى القيادة أو على مستوى الجماهير، كان أعلى من نسبتهم القومية.

стр. 2811

أما في وسط أوربا (ألمانيا والنمسا) ، فقد كانت أعداد اليهود صغيرة، كما كانت تنتمي أساساً لكبار المموِّلين والطبقات الوسطى، ولذا ارتبط اليهودي في الأذهان بكبار المموِّلين وبالدعاوى الليبرالية. ولم تكن الأحزاب الثورية تضم في صفوفها أعداداً كبيرة من اليهود بشكل مطلق. ومع هذا، كان هناك عدد ملحوظ من قيادات الحركات الثورية الاشتراكية والشيوعية، ومن المفكرين الثوريين، من أعضاء الجماعات اليهودية، يمكننا أن نذكر من بينهم كارل ماركس وفرديناند لاسال وكارل كاوتسكي وروزا لوكسمبرج. ولعل هذا الوضع هو الذي أضفى مصداقية سطحية على الادعاءات النازية بشأن المؤامرة اليهودية الكبرى ومحاولة اليهود تحطيم ألمانيا بتطويقها من اليمين واليسار. أما في شرق أوربا، فكان وجود اليهود في الحركات الثورية على مستوى القيادات والجماهير وجوداً ملحوظاً لا شك فيه. فكان عدد كبير من البلاشفة الروس، مثل زينوفييف وكامينيف وليتفينوف، من أعضاء الجماعات اليهودية، وعلى رأسهم تروتسكي مهندس الثورة البلشفية وقائد الجيش الأحمر. أما على مستوى المشاركة الجماهيرية، فكان حزب البوند الروسي البولندي اليهودي هو أكبر حزب ثوري اشتراكي في العالم عند تأسيسه. وكان الشباب اليهودي ينخرط في سلك الثوار بدرجات متزايدة، فقد كان ٣٠% من المقبوض عليهم في جرائم سياسية عام ١٩٠٠ (في روسيا) من أعضاء الجماعات اليهودية. ويمكن تفسير انخراط أعضاء الجماعات اليهودية في الحركات الثورية بشكل ملحوظ على الأساس التالي: ١ ـ كان اليهود يشكلون نسبة كبيرة من القطاع المتعلم في المدن، وهو القطاع الذي يساهم في الحركات الثورية أكثر من القطاعات الأخرى. ٢ ـ كان كثير من الشباب اليهودي محروماً من دخول الجامعات الروسية، فالتحقوا بالجامعات في أوربا حيث تم تسييسهم وتثويرهم بدرجة أعلى من أقرانهم.

стр. 2812

٣ ـ كان اليهود أقلية مُضطهَدة محرومة من حقوقها المدنية. ولذا، نجد أن المثقفين اليهود الذين كان من الممكن في ظروف عادية أن يتحولوا إلى مهنيين عاديين (وهو الأمر الذي حدث فيما بعد) وقد انخرطوا، بدلاً من ذلك، في صفوف القواعد الثورية، كما يحدث في كثير من الحركات الثورية في العالم، حيث نجد أن أعضاء الأقليات المضطهدة يشكلون نسبة عالية فيها. واستفادت الصهيونية من ظاهرة انخراط أعضاء الجماعات اليهودية بشكل ملحوظ في الحركات الثورية ووظفته لصالحها، إذ أن أحد الموضوعات الأساسية التي كان يطرحها تيودور هرتزل في كتاباته، وأثناء مفاوضاته، أن الحل الصهيوني هو الطريقة الوحيدة لتحويل الشباب اليهودي عن الثورة. وقد تم تطوير الصيغة الصهيونية العمالية كمحاولة لاستيعاب الديباجة الثورية الاشتراكية داخل الصهيونية. ومن الأسباب التي أدَّت إلى صدور وعد بلفور، محاولة تجنيد الكتلة اليهودية الضخمة في شرق أوربا ضد الثورة البلشفية.

стр. 2813

وبعد الحرب العالمية الأولى، يُلاحَظ تركُّز اليهود في التنظيمات الاشتراكية التي بدأت تتبلور في تنظيمات شيوعية وتنظيمات اشتراكية ديموقراطية. وكانت التنظيمات الشيوعية الدولية معادية للصهيونية ولمعاداة اليهود، ورفضت السماح للأحزاب الصهيونية ذات الديباجات الاشتراكية بالانضمام إليها. وحيث إن الأحزاب الشيوعية كانت تتبع تعليمات الاتحاد السوفيتي في هذا المجال، وفي عدة مجالات أخرى، فإن هذه الأحزاب ناصبت الصهيونية وأحزابها العداء. ولكن هذه الأحزاب ذاتها أيَّدت قيام الدولة الصهيونية حينما فعل الاتحاد السوفيتي ذلك، ثم ناصبت الصهيونية العداء مرة أخرى حينما غيَّر الاتحاد السوفيتي سياسته وأعلن عداءه للصهيونية ودولتها. أما الأحزاب الاشتراكية الديموقراطية، فقد تقبلت الظاهرة الاستعمارية وبالتالي الصهيونية، وأيَّدت المشروع الصهيوني ثم الدولة الصهيونية، وتعاونت مع الأحزاب الصهيونية ذات الديباجة الاشتراكية ومنحتها حق العضوية في الأممية الثانية. وفي الستينيات، ظهرت حركة اليسار الجديد، وكان كثير من زعمائها في الولايات المتحدة وأوربا من أعضاء الجماعات اليهودية، وكان هربرت ماركوز، مُنظِّرها الأساسي، يهودياً. وأخذت هذه الحركة موقفاً معادياً لإسرائيل ومؤيداً للعرب، خصوصاً بعد حرب ١٩٦٧، وهو ما أدَّى إلى ابتعاد بعض الشباب اليهودي عنها. ولكن، مع هذا، ظلت نسبة عالية من أعضائها من اليهود. ولا تزال كثير من حركات الرفض الثورية تضم عدداً كبيراً من أعضاء الجماعات اليهودية. وهذه أيضاً ظاهرة ليست مقصورة علىهم وإنما هو أمر شائع بين أعضاء الأقليات.

стр. 2814

ويُلاحَظ أننا لا نستخدم اصطلاحات مثل «الاشتراكية اليهودية» أو «الاشتراكيين اليهود» لأن مثل هذه الاصطلاحات تفترض وجود اشتراكية يهودية لا يمكن تفسيرها إلا بالعودة إلى حركيِّات يهودية مستقلة، وأن يهودية الاشتراكي اليهودي هي أهم العناصر التي تفسر سلوكه. وهو ما نجد أن من الصعب قبوله. وفي المداخل الخاصة بالاشتراكيين من أعضاء الجماعات اليهودية وجدنا أنه لا يوجد نموذج تفسيري واحد ينطبق عليهم جميعاً. فبعضهم لعب انتماؤه اليهودي، الديني والإثني، دوراً في انخراطه في الحركة الاشتراكية، والبعض الآخر لم تلعب معه اليهودية أي دور على الإطلاق. وأحياناً نجد أن يهودية الاشتراكي من أعضاء الجماعات اليهودية قد لعبت دوراً سلبياً وجعلته يتخذ موقفاً معادياً لليهود واليهودية، وكثيرون منهم «يهود غير يهود» (على حد تعبير إسحق دويتشر) لا يكترثون باليهود أو اليهودية، وكل ما بقي من يهوديتهم هو الاسم، ومع هذا صُنِّف كل هؤلاء باعتبارهم يهوداً.

стр. 2815

وثمة وجود ملحوظ لأعضاء الجماعات اليهودية في قيادة الأحزاب الشيوعية، وخصوصاً في شرق أوربا، بنسبة تفوق كثيراً نسبتهم إلى عدد السكان. كما يُلاحَظ وقوفهم إلى جوار الستالينية، ويجب أن نرى الستالينية هنا باعتبارها «النفوذ الروسي» . فرغم الإدعاءات الأممية للنظرية الشيوعية إلا أنه، في مجال التطبيق، ظهرت التوترات العرْقية والإثنية والقومية التقليدية وظهر مرة أخرى خوف الشعوب المحيطة بروسيا (بولندا - المجر - تشيكوسلوفاكيا - رومانيا) من الدب القيصري الذي ارتدى رداءً أممياً شيوعياً. وقد وقف كثير من أعضاء الجماعات اليهودية إلى جانب روسيا، وهو ما جعل منهم ما يشبه الجماعة الوظيفية التي تمثل المصالح الروسية باعتبارها القوة الإمبريالية الحاكمة. وفي هذا استمرار لميراث الجماعة اليهودية في شرق أوربا كجماعة وظيفية استخدمتها الطبقات الحاكمة لضرب الفلاحين وأحياناً النبلاء، الأمر الذي دعم الصورة الإدراكية السلبية لليهود عند شعوب شرق أوربا. ولعل هذا يُفسِّر سخط كثير من شعوب شرق أوربا على «اليهود» رغم اختفاء الجماعات اليهودية تقريباً، إذ لا تزال صورة اليهودي كسوط عذاب في يد الحاكم حية في الأذهان. الثورة اليهودية The Jewish Revolution

стр. 2816

«الثورة اليهودية» مصطلح أطلقه البعض على الثورة البلشفية عند نشوبها، وهو يفترض أن الثورة البلشفية نظمها اليهود وخططوا لها وعملوا على نجاحها واستفادوا منها. بل يذهب البعض إلى أن الثورة البلشفية، كثورة يهودية، هي إحدى تطبيقات بروتوكولات حكماء صهيون أو المؤامرة اليهودية العالمية الكبرى ضد الجنس البشري. والمدافعون عن هذا التصور يشيرون إلى أن كلاً من كارل ماركس ولينين يهود (وهو أمر مناف للواقع، فأبو ماركس قد تنصَّر، أما لينين فمن المعروف أن خلفيته ليست يهودية) ، كما يشيرون إلى وجود عدد كبير من اليهود في صفوف البلاشفة على مستوى الكوادر السياسية العادية والقيادات مثل تروتسكي وكامينيف وزينوفييف. ولكن الدارس لسير هؤلاء البلاشفة اليهود، ولغيرهم، سيجد أنهم كلهم رفضوا اليهودية بل ساهموا في صياغة السياسة البلشفية تجاه الجماعات اليهودية وفي تطبيقها، وهي السياسة التي أدَّت في نهاية الأمر إلى تصفية التجمعات السكانية اليهودية في روسيا وأوكرانيا (وكانت من أكبر التجمعات في العالم) وإلى تصاعد معدلات الاندماج والعلمنة بينهم. ومن المعروف أن صعود وهبوط القيادات البلشفية اليهودية في ميزان القوى، داخل الحزب وخارجه، لم يكن نتيجة يهوديتهم، وإنما كان بسبب الظروف العامة للصراع داخل الحزب الشيوعي والمجتمع السوفيتي. وقد تحالف كامينيف وزينوفييف مع ستالين ضد تروتسكي، ومن ثم نجح ستالين في إقصائه ونفيه رغم أنه كان ثاني أهم شخص في الحزب. ثم تحالفا معاً ضد ستالين الذي نجح في نهاية الأمر، في القبض عليهما وإعدامهما، وهي أمور تحدث في كل الثورات.

стр. 2817

ولا شك في أن عدد أعضاء الجماعة اليهودية المشتركين في الثورة البلشفية والمناصرين لها كان أكبر من نسبتهم إلى عدد السكان. كما أن الجماعة اليهودية استفادت ولا شك من الثورة، ولكن هذا أمر مُتوقَّع من أقلية عانى أعضاؤها من الحكم القيصري في الوقت الذي كانوا يتمتعون فيه بمستوى تعليمي عال. ولا شك في أن الميراث اليهودي للبلاشفة اليهود قد ترك أثراً في فكرهم وسلوكهم. ولعل تطرُّف تروتسكي كان نتيجةً لهذا الميراث. ولكن تفسير موقفهم بأكمله على أساس من انتمائهم اليهودي أمر غير ممكن، إذ ظل اشتراكهم في الثورة أو انخراطهم في صفوفها خاضعاً لآليات وحركيات المجتمع الروسي إبان الثورة. ومن ثم، فإن مصطلح «الثورة اليهودية» ليست له قيمة تفسيرية عالية، فهو قد يفسر بعض التفاصيل ولكنه يعجز عن تفسيرها جميعاً بكل تركيبيتها. كما أن مصطلحاً مثل مصطلح «الثورة اليهودية» له مضمون عنصري، إذ يفترض أن اليهودي يظل يهودياً مهما غيَّر آراءه ومهما اتخذ من مواقف، فثمة حتمية ما تفرض نفسها عليه، أي أنه مصطلح ينكر عليه حرية الاختيار. ومن ثم، فهو أيضاً مصطلح صهيوني، فالصهاينة يفترضون أيضاً وجود هوية يهودية ثابتة، لا تتحوَّل ولا تتغيَّر بتغيُّر الزمان والمكان. وقد عاد مصطلح «الثورة اليهودية» إلى الظهور، إذ بدأ أعداء الشيوعية في الاتحاد السوفيتي يلقون باللوم على اليهود وعلى الثورة اليهودية (أي البلشفية) التي ألحقت الكوارث بمجتمعهم، وأوصلته إلى ما وصل إليه من تفكُّك ودمار. ماكسيم ليتفينوف (١٨٦٧-١٩٥١ ( Maxim Litvinov

стр. 2818

اسمه الأصلي مائير مويسيفيتش والسن. ثوري روسي ودبلوماسي سوفيتي، وُلد في بياليستوك في بولندا الروسية لعائلة يهودية من الطبقة المتوسطة. وانضم عام ١٨٩٩ إلى الحزب الاشتراكي الديموقراطي الروسي المحظور، واعتُقل ونُفي عام ١٩٠١، إلا أنه نجح في الفرار إلى سويسرا عام ١٩٠٢. وفي عام ١٩٠٣، بعد انقسام الحزب الاشتراكي الديموقراطي، انضم ليتفينوف إلى الجناح البلشفي وعاد سراً إلى روسيا حيث اشترك في ثورة ١٩٠٥. تعاون مع ماكسيم جوركي في إصدار جريدة الحياة الجديدة، وهي أول جريدة بلشفية رسمية في روسيا. وبعد فشل الثورة، فرَّ مرة أخرى إلى فرنسا ثم إلى إنجلترا بشكل شبه دائم حتى عام ١٩١٨. وهناك توطدت علاقته بلينين وتعاون معه بشكل وثيق في نشاط البلاشفة خارج روسيا. وبعد قيام الثورة البلشفية عام ١٩١٧، عيَّنته الحكومة السوفيتية الجديدة ممثلاً دبلوماسياً لها لدى الحكومة البريطانية رغم عدم اعتراف هذه الأخيرة بالنظام السوفيتي الجديد. وقد اعتقلته السلطات البريطانية عام ١٩١٨ بدعوى قيامه بأنشطة دعائية، ولكنها أفرجت عنه في مطلع عام ١٩١٩ مقابل الإفراج عن الممثل الدبلوماسي البريطاني في الاتحاد السوفيتي وبعض الرعايا البريطانيين. ظل ليتفينوف، لمدة عشرين عاماً، يحتل مكانة مهمة في السياسة الخارجية السوفيتية ومثَّل بلاده في العديد من المؤتمرات والمفاوضات المهمة. وعُيِّن عام ١٩٢١ في منصب نائب مفوض أو قوميسار الدولة للشئون الخارجية، ثم تولَّى عام ١٩٣٠ (وحتى عام ١٩٣٩) منصب مفوض الدولة للشئون الخارجية. ولعب ليتفينوف دوراً مهماً على الجبهة الدبلوماسية لكسب اعتراف العالم بالنظام السوفيتي الجديد، ومثَّل بلاده في المفاوضات مع الولايات المتحدة الخاصة بإقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين (عام ١٩٣٣) . وقد لفت انتباه العالم من خلال مقترحاته الراديكالية التي قدمها في مؤتمر نزع السلاح الذي نظمته عصبة الأمم عام ١٩٢٧. وفي الفترة بين

стр. 2819

١٩٣٤ و١٩٣٩، وهي الفترة التي تبنت فيها موسكو سياسة معادية لألمانيا النازية، عمل ليتفينوف على تنمية علاقة الاتحاد السوفيتي بالدول الغربية وأكد ضرورة مواجهة النازية، كما دعا إلى إقامة نظام أمني دولي جماعي يستند إلى شبكة من الاتفاقات الإقليمية والثنائية للمعونة المتبادلة، وكان أول من أطلق عبارة «السلام لا يتجزأ» . ولكن مع التحول الذي طرأ على السياسة السوفيتية وإبرامها معاهدة عدم الاعتداء مع ألمانيا النازية عام ١٩٣٩ تم إقصاء ليتفينوف من منصبه ومن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، وذلك نظراً لموقفه المعادي لألمانيا، وكذلك لأصوله اليهودية، مع أنه لم يسجل نفسه يهودياً. أما بعد الغزو الألماني للاتحاد السوفيتي عام ١٩٤١، فقد عاد ليتفينوف للحياة السياسية مرة أخرى وعُيِّن سفيراً لبلاده لدى الولايات المتحدة الأمريكية عام ١٩٤٢ وحتى عام ١٩٤٣. وعاد للاتحاد السوفيتي بعد ذلك وظل يلعب دوراً مهماً في السياسة الخارجية السوفيتية، خصوصاً فيما يخص علاقاتها بالدول الغربية الكبرى حتى اعتزاله عام ١٩٤٦. أدولف فارسكي/فارشافسكي (١٨٦٨-١٩٣٧ ( Adolf Warski-Warszawski

стр. 2820

زعيم شيوعي بولندي يهودي، وأحد مؤسسي الحزب الشيوعي البولندي. وُلد في كراكوف لعائلة يهودية مندمجة ومتعاطفة مع الحركة القومية البولندية المطالبة بالاستقلال التي ارتبط بها منذ شبابه. قام بتنظيم الحزب الاشتراكي الديموقراطي في بولندا وشارك في الثورة الروسية لعام ١٩٠٥، وأُلقي القبض عليه عدة مرات من قبل السلطات القيصرية. وخلال الحرب العالمية الأولى، مثَّل الديموقراطيين البولنديين في المؤتمرات المناهضة للحرب. ومع انتهاء الحرب، شارك في تأسيس الحزب الشيوعي البولندي وكان عضواً في لجنته المركزية ومكتبه السياسي كما انتُخب عن الحزب عضواً في البرلمان البولندي. وبعد أن حُظر نشاط الحزب عام ١٩٣٠، هاجر إلى الاتحاد السوفيتي واحتل مكانة مهمة داخل القسم البولندي للدولية الشيوعية. وفي أعقاب حملات التطهير الواسعة التي جرت في الاتحاد السوفيتي عام ١٩٣٧، وُجهت إليه اتهامات بالخيانة والمشاركة في الثورة المضادة وسُجن ثم أُعدم في العام نفسه. إما جولدمان (١٨٦٩-١٩٤٠ ( Emma Goldman

стр. 2821

أمريكية يهودية وكاتبة سياسية فوضوية، وُلدت في ليتوانيا وتعرَّفت إلى الأفكار الثورية أثناء وجودها في سانت بطرسبرج. وفي عام ١٨٨٦، هاجرت إلى الولايات المتحدة الأمريكية واشتغلت في بعض مصانع الملابس. وفي أواخر الثمانينيات، انضمت إلى الحركة الفوضوية بعد أن أثارتها قضية أربعة من الفوضويين حُكم عليهم بالإعدام عام ١٨٨٧ بعد إدانتهم، دون أي دليل قاطع، بتهمة تدبير انفجار تسبَّب في مصرع سبعة من رجال الشرطة في شيكاغو. وفي عام ١٨٨٩، تعرَّفت إلى ألكسندر بيركمان الذي أصبح عشيقها ورفيق دربها. ويُقال إنها دبرت معه محاولة اغتيال رئيس شركة للحديد تسبَّب في مقتل عدد من العمال المضربين عام ١٨٩٢. وبعد أن باءت هذه المحاولة بالفشل حُكم على بيركمان بالسجن مدة أربعة عشر عاماً. وخلال هذه الفترة، عملت إما جولدمان جاهدة من أجل دفع القضية الفوضوية إلى الأمام. ولم يقتصر نشاطها على جماعات المهاجرين من الألمان أو اليهود ولكنه امتد إلى قطاع واسع من العمال الأمريكيين. وكانت إما جولدمان تتمتع بقدرات خطابية فائقة وألقت العديد من الخطب باللغات الألمانية والروسية واليديشية والإنجليزية. وفي عام ١٩٠١، اتُهمت إما جولدمان بالتورط في اغتيال الرئيس الأمريكي آنذاك وليام ماكينلي، ومن خلال المحاكمة اتضح أنها بريئة إلا أن الشبهات التي أحاطت بها أثارت قضية الدور اليهودي في عملية الاغتيال. وفي عام ١٩٠٦، أسست إما جولدمان مجلة موذر إيرث (أي أمنا الأرض) ، وقامت بتحريرها بالتعاون مع بيركمان الذي كان قد أنهى عقوبته في السجن. وهاجمت على صفحات المجلة ظُلم المجتمع الأمريكي ولا أخلاقيته، كما دافعت عن حقوق المرأة وضرورة مساواتها بالرجل، واعتبرت أن كل ما يهفو بداخل المرأة «يجب أن يجد مجالاً للتعبير عن نفسه بشكل كامل» . كما كانت إما جولدمان من أوائل من دافعوا عن تحديد النسل في الولايات المتحدة، وسُجنت عام ١٩١٦ بسبب انتهاكها القوانين

стр. 2822

التي تمنع نشر أية معلومات خاصة بتحديد النسل. كما عارضت الحرب العالمية الأولى وهاجمت الجانبين المتحاربين، ونشطت ضد اشتراك الولايات المتحدة في الحرب وضد التجنيد الإجباري، وهو ما دفع الحكومة الأمريكية عام ١٩١٧ إلى إلقائها في السجن لمدة عامين وإغلاق مجلتها. وفي عام ١٩١٩، تم ترحيلها إلى الاتحاد السوفيتي بعد أن تسبَّب قيام الثورة البلشفية في خلق حالة من الذعر في الولايات المتحدة من الشيوعية. ولم تقض إما جولدمان في الاتحاد السوفيتي سوى عامين حيث تركته بعد أن خاب ظنها في النظام الجديد. وقد هاجمت لينين وتروتسكي واعتبرتهما خائنين للاشتراكية لأنهما أسسا شكلاً جديداً من الحكم المطلق والطغيان. واعتبرت أن تجربتها في روسيا أكدت إيمانها بأن الدولة، مهما كانت طبيعتها، تشكل في النهاية سلطة قهرية تمحو خصوصية الإنسان وحريته. وقد سجلت إما جولدمان تجربتها في روسيا في كتابها خيبة أملي في روسيا (١٩٢٤) . وعاشت لفترة تنتقل من دولة إلى أخرى ثم حصلت على الجنسية البريطانية وتزوجت فوضوياً من ويلز واستقرت في جنوب فرنسا حيث كتبت سيرتها الذاتية عام ١٩٣١. وظلت على إيمانها بأهمية حرية الفرد الذي يعمل وفقاً لمعاييره وقيمه، واعتبرت أن الرأسمالية تحكم على الإنسان بحياة من الشقاء والعبودية وأن التعاون الحر بين الجماهير هو السبيل الوحيد نحو خلق مجتمع شيوعي جديد. وقد تُوفيت إما جولدمان في كندا عام ١٩٤٠ ودُفنت في شيكاغو. روزا لوكسمبورج (١٨٧١-١٩١٩ ( Rosa Luxemburg

стр. 2823

ثورية واقتصادية من يهود اليديشية، وإحدى أهم الشخصيات النسائية في تاريخ الاشتراكية الدولية. وُلدت لعائلة يهودية تجارية في مدينة زاموست في بولندا الروسية، وانضمت في شبابها إلى الحزب الاشتراكي الثوري البولندي (البروليتاريا) . ثم درست التاريخ الاقتصادي السياسي في جامعة زيورخ حيث حصلت على درجة الدكتوراه عام ١٨٩٧. وتناولت رسالتها التطور الصناعي في روسيا وبولندا. وشاركت روزا أثناء فترة دراستها في الحركة الاشتراكية السرية للمهاجرين البولنديين في سويسرا. وفي أوائل التسعينيات من القرن الثامن عشر، ساعدت في تأسيس الحزب الاشتراكي الديموقراطي في بولندا وليتوانيا. وعلى خلاف توجُّه الاشتراكيين البولنديين، رفضت روزا فكرة إقامة دولة قومية بولندية مستقلة، واعتبرت أن هدف الطبقة العاملة البولندية يجب ألا يكون تحرير بولندا من روسيا، ولكن التخلص من الحكم القيصري المستبد باعتباره المهمة الاشتراكية الأسمى. ويُعتبر هذا الموقف مقدمة لخلاف روزا اللاحق مع لينين حول مبدأ حق تقرير المصير الوطني والذي اعتبرته متناقضاً مع الاشتراكية. إذ اعتبرت روزا أن انتماءها الحقيقي هو للطبقات العاملة في العالم أجمع، وأن نضالها هو من أجل تحقيق الثورة الاشتراكية ومن أجل إيجاد حلول عالمية كبديل للحلول القومية، وانطلاقاً من هذا الموقف الأممي لم تُبد روزا لوكسمبورج أي اهتمام بإقامة حركة عمالية يهودية.

стр. 2824

وقد لعبت روزا لوكسمبورج دوراً مهماً في الحركة الاشتراكية العمالية الألمانية. وهاجرت إلى ألمانيا عام ١٨٩٨ حيث اكتسبت الجنسية الألمانية من خلال زواج صوري، ثم اتجهت للعمل مع الحزب الاشتراكي الديموقراطي الألماني الذي كان يُعتبَر آنذاك أقوى وأكبر أحزاب الدولية الاشتراكية على الإطلاق. كما عملت في الصحافة واكتسبت من خلال مناقشتها الحيوية ونشاطها ضد عناصر المراجعة داخل الحزب، مكانة بارزة داخل الجناح اليساري الثوري للحركة الاشتراكية الألمانية. واهتمت روزا لوكسمبورج بالإضراب العام كأداة مهمة للعمل الثوري وبلورت مفهوم الحركة العفوية أو التلقائية للجماهير كشرط أساسي للإضراب العام، مختلفةً في ذلك مع لينين والبلاشفة الذين اعتبروا الحزب الأداة الرئيسية لذلك. وقد اختلفت مع لينين أيضاً حول مفهوم ديموقراطية البروليتاريا، وأدانت مركزية البلاشفة بعد انقسام الحزب الاشتراكي الروسي عام ١٩٠٣، كما انتقدت فترة الإرهاب والقمع التي أعقبت ثورة ١٩١٧ البلشفية. واشتركت روزا لوكسمبورج في ثورة ١٩٠٥ ـ ١٩٠٦ في بولندا وسُجنت إثرها عدة أشهر عادت بعدها إلى برلين لتقوم بالتدريس في الكلية الاشتراكية بها. وقد تعرضت للسجن مرة أخرى بسبب معارضتها الحرب العالمية الأولى التي اعتبرتها حرباً بين قوى إمبريالية. وقد كان لروزا لوكسمبورج مساهمة مهمة في بلورة نظرية الإمبريالية التي اعتبرتها امتداداً للنظام الرأسمالي المتعطش للأسواق. وفي عام ١٩١٦، أسَّست بالتعاون مع فرانز مهرنج وكارل لايبنخت المنظمة الثورية (عصبة سبارتاكوس) التي جسدت انفصال الجناح اليساري الثوري عن الحزب الاشتراكي الألماني. وتحوَّلت هذه المنظمة في نهاية عام ١٩١٨ إلى الحزب الشيوعي الألماني. وفي يناير عام ١٩١٩، وبعد أسبوعين فقط من تأسيس الحزب الشيوعي، تم إلقاء القبض عليها وعلى لايبنخت في برلين، واغتيلا على أيدي حراسهما من ضباط الجيش وهما في طريقهما إلى السجن.

стр. 2825

جوليوس مارتوف (١٨٧٣-١٩٢٣ ( Julius Martov ثوري روسي يهودي وزعيم المناشفة. وُلد في إستنبول. وكان جده كاتباً ومحرراً لأول جريدة يومية تَصدُر بالعبرية في روسيا، أما والده فكان من دعاة الاندماج. انخرط مارتوف في النشاط الثوري عام ١٨٩١ ونُفي إلى فلنا حيث نشط في الحركة العمالية اليهودية. ودعا مارتوف إلى إيجاد تنظيم عمالي خاص باليهود تكون لغته اليديشية، وهو ما تحقَّق فيما بعد في حزب البوند. وفي عام ١٨٩٥، انضم إلى لينين لتأسيس اتحاد النضال من أجل تحرير الطبقة العاملة، ثم اشترك معه عام ١٩٠١ في تأسيس جريدة إيسكرا لسان حال الحزب الاشتراكي الديموقراطي الروسي. وتخلَّى مارتوف عن موقفه السابق الخاص بالمسألة اليهودية حيث هاجم بشدة التوجه القومي والانفصالي لحزب البوند. وفي عام ١٩٠٣، انشق مارتوف عن لينين خلال المؤتمر الثاني للحزب الاشتراكي الديموقراطي وتزَّعم المعارضة المنشفية المطالبة بحزب جماهيري ذي قاعدة واسعة والرافضة لمبدأ لينين القائل بحزب يستند إلى صفوة صغيرة من المحترفين الثوريين. وشارك مارتوف في ثورة عام ١٩٠٥، وبعد فشلها نُفي خارج روسيا حيث حرَّر الجريدة المنشفية في باريس. وخلال الحرب العالمية الأولى، كان مارتوف من أقطاب حركة السلام المناهضة للحرب. وفي عام ١٩١٧، عاد مارتوف إلى روسيا حيث كان من دعاة الديموقراطية وهاجم الجانب القمعي للنظام البلشفي الجديد، ولكنه أيَّد نضاله ضد التدخل الأجنبي والثورة المضادة. وبعد حظر نشاط الحزب المنشفي عام ١٩٢٠، استقر مارتوف في برلين ليتزعم المناشفة المنفيين خارج الاتحاد السوفيتي، وقام بتحرير جريدتهم حتى وفاته. وكان لمارتوف عدد من المؤلفات المهمة من بينها الشعب الروسي واليهود (عام ١٩٠٨) والذي أكد فيه إيمانه بأن الاشتراكية هي الحل الوحيد للمسألة اليهودية. ليون تروتسكي (١٨٧٩-١٩٤٠ ( Leon Trotsky

стр. 2826

اسمه الأصلي ليف ديفيدوفيتش برونستاين. ثوري وماركسي وزعيم سوفيتي، وُلد لعائلة يهودية ميسورة الحال في أوكرانيا. درس في جامعة أوديسا، ولكنه ترك دراسته وانخرط في النشاط الثوري، وانضم عام ١٨٩٦ إلى حزب العمال الاشتراكي الديموقراطي الروسي المحظور. وقد ألقت السلطات القيصرية القبض عليه عام ١٨٩٨ وأُرسل إلى سيبريا، إلا أنه نجح في الهروب إلى إنجلترا عام ١٩٠٢ حيث عمل مع لينين في تحرير جريدة إيسكرا لسان حال الحزب الاشتراكي الديموقراطي الروسي، وكان يُدعَى «سوط لينين» . وخلال المؤتمر الثاني للحزب عام ١٩٠٣، الذي شهد انقسام الحزب إلى جناحين، أوضح تروتسكي اختلافه مع لينين وهاجم ما اعتبره النزعات الديكتاتورية للبلاشفة واتخذ موقفاً وسطياً بين المناشفة والبلاشفة، وبلور حينذاك نظرية «الثورة الدائمة» التي اعتبرت أن الثورة البورجوازية في روسيا ستؤدي، من خلال حركياتها وقوة دفعها الذاتية، إلى سرعة مجيء المرحلة الاشتراكية حتى قبل قيام الثورة الاشتراكية في الغرب، أو ما دعاه فكرة اختصار المراحل مقابل فكرة مراحل الثورة الثابتة.

стр. 2827

واستمر تروتسكي في نشاطه وكتاباته الثورية سواء في داخل روسيا أو في أوربا أو الولايات المتحدة، حيث لعب دوراً مهماً في ثورة ١٩٠٥ في روسيا، وكان رئيساً لسوفييت بتروجراد، حيث برزت موهبته التنظيمية والقيادية الفذة. وتعرَّض تروتسكي للسجن في روسيا مرة أخرى عام ١٩٠٥، وللطرد من فرنسا عام ١٩١٦. وقد اتخذ موقفاً معادياً للحرب العالمية الأولى استناداً إلى رؤيته الأممية. ومع اندلاع ثورة فبراير ١٩١٧، عاد إلى روسيا وبدأ التعاون مع لينين. وقد ألقت حكومة كرنسكي الانتقالية القبض عليه، ولكن تم الإفراج عنه بعد فترة وجيزة. وأثناء سجنه، انتُخب عضواً في اللجنة المركزية للبلاشفة ورئيساً لسوفييت بتروجراد ولجنتها العسكرية. ونظَّم تروتسكي وقاد الانتفاضة المسلحة التي جاءت بالبلاشفة إلى الحكم في أكتوبر من العام نفسه. وفي أول حكومة شكلها البلاشفة عام ١٩١٧، تولَّى تروتسكي منصب مفوض أو قوميسار الشعب للشئون الخارجية، وترأَّس وفد بلاده لمحادثات السلام في برست ليتوفسك. وقد اختلف تروتسكي مع لينين حول مسألة السلام مع ألمانيا، حيث رفض فكرة السلام بأي ثمن وتبنَّى فكرة إنهاء القتال مع عدم إنهاء الحرب على أمل أن تقوم البروليتاريا الألمانية بثورتها.

стр. 2828

وفي عام ١٩١٨، تولَّى منصب مفوض الشعب للشئون العسكرية والبحرية حيث عمل على بناء وتنظيم الجيش الأحمر. وإليه يعود الفضل في انتصار البلاشفة في الحرب الأهلية التي أعقبت الثورة. قاد تروتسكي الحملة على بولندا التي انتهت بكارثة رغم معارضته لها في البداية. وكان مسئولاً عن ضرب المعارضة الفوضوية واليسارية فيما عُرف بعدئذ باسم «الإرهاب الأحمر» ، كما كان صاحب فكرة كتائب العمل الإجباري. ومع وفاة لينين عام ١٩٢٤، نشب صراع على السلطة بين تروتسكي وستالين انتصر فيه الأخير بفضل تحالفه مع زينوفييف وكامينيف (وهما من البلاشفة اليهود) . وقد اختلف تروتسكي مع ستالين حول سياسة بناء الاشتراكية في بلد واحد، فلم يكن تروتسكي يقبل فكرة الاشتراكية داخل حدود دولة واحدة، بل اعتبر أن ذلك لن يتحقق إلا من خلال ثورة اشتراكية على نطاق العالم أجمع. وتزَّعم تروتسكي المعارضة اليسارية الراديكالية شبه الشرعية داخل الحزب، وانضم إليه زينوفييف وكامينيف بعد أن تحوَّل ستالين ضدهما. إلا أن ستالين نجح، في نهاية الأمر، في إقصاء تروتسكي من المكتب السياسي، وفي طرده من الحزب الشيوعي عام ١٩٢٧، ثم نفيه إلى تركستان عام ١٩٢٨ بتهمة التورط في نشاط معاد للثورة. ثم طرده ستالين من الاتحاد السوفيتي نهائياً عام ١٩٢٩ وجرَّده من الجنسية السوفيتية عام ١٩٣٢. وقد استمر تروتسكي في الهجوم على ستالين واتهمه بأنه مُمثِّل البيروقراطية البونابارتية. وتنقَّل تروتسكي بين عدة دول واستقر أخيراً في المكسيك عام ١٩٣٧. وحاول مؤيدو تروتسكي عام ١٩٣٨ تأسيس دولية شيوعية مستقلة عن موسكو، إلا أنهم فشلوا في تعبئة حركة جماهيرية واسعة مؤيدة له. واتُهم تروتسكي، أثناء المحاكمات التي تمت في موسكو في أواسط وأواخر الثلاثينيات ضد بعض القيادات البلشفية (وكان من بين المتهمين زينوفييف وكامينيف) ، بتورُّطه، بالاتفاق مع حكومتي ألمانيا واليابان وبعض العناصر المؤيدة له في الاتحاد

стр. 2829

السوفيتي، في مؤامرة للإطاحة بنظام ستالين. وقد قامت السلطات السوفيتية بشطب أية إشارة إلى دور تروتسكي في الثورة أو في السنوات الأولى للنظام السوفيتي من السجلات التاريخية الرسمية. واغتيل تروتسكي عام ١٩٤٠ في المكسيك، ويسود الاعتقاد بأنه اُغتيل بأوامر مباشرة من ستالين. وقد تأثر تروتسكي، مثله مثل غيره من القادة الاشتراكيين، برؤية ماركس للمسألة اليهودية، والتي ترى أن ثمة ظاهرة يهودية عالمية واحدة وأن ثمة حلاًّ واحداً وهو الثورة الاجتماعية ودمج اليهود. فرفض تروتسكي فكرة القومية اليهودية، كما عارض استقلال اليهود ثقافياً الذي كان يطالب به حزب البوند عام ١٩٠٣، وأكد وحدة أهداف ومصالح اليهود وغير اليهود داخل المعسكر الاشتراكي. كما رفض الصهيونية باعتبار أن حل مشاكل العصر لا يكون في إقامة دول قومية ولكن بالتطلع إلى مجتمع أممي. ورغم أن تروتسكي أعرب عام ١٩٣٧ في حديث له لمجلة أمريكية يهودية عن أن تزايُد معاداة اليهود في ألمانيا والاتحاد السوفيتي قد دفعه للاعتقاد بأن المشكلة اليهودية تحتاج إلى حل إقليمي، إلا أنه رفض أن تكون فلسطين هي الحل. وقد تنبأ بأن الطبيعة الاستيطانية الإحلالية ستحوّل فلسطين إلى بقعة صراع ساحقة، وأن الصراع بين اليهود والعرب في فلسطين سيكتسب طابعاً مأساوياً بشكل متزايد وأن "تطوُّر الأحداث العسكرية في المستقبل قد يحوِّل فلسطين إلى فخ دموي لعدد من مئات الآلاف من اليهود". ولذا استمر تروتسكي في تأكيد أن الحل النهائي للمسألة اليهودية لن يتحقق إلا مع تحرُّر الإنسانية من خلال الاشتراكية العالمية. ومع هذا اتجه تروتسكي في نهاية حياته إلى قبول المشروع الصهيوني.

стр. 2830

لقد كان تروتسكي من جيل الثوريين الرومانسيين أو على حد تعبير هربرت ريد «كان تروتسكي يوحِّد التاريخ مع ذاته» (فبدلاً من حلول الإله في التاريخ نجد هنا توحُّد الزعيم به بحيث يصبح هو المطلق، أو اللوجوس الذي يضفي عليه معنى، فهو بمثابة الماشيَّح العلماني) . ومنذ بداية نشاطه الثوري، اهتم تروتسكي كثيراً بإيجاد دور لنفسه يجعله في صدارة الأحداث. ومع هذا، تُشكِّل نظريته في «الثورة الدائمة» ذروة الحلولية الثورية في الماركسية، فبإمكان الحزب الطليعي أن يقود الطبقة الطليعية إلى الجنة الدائمة رغماً عن حركة التاريخ! ونلاحظ أن قبول تروتسكي فيما بعد فكرة «المركزية الديموقراطية» اللينينية هو أمر طبيعي، حيث ينتهي الأمر إلى أن تقود اللجنة المركزية الحزب الطليعي ويقود الأمين الثوري الذي يمثل التجسيد النقي للفكر البروليتاري اللجنة المركزية. جريجوري زينوفييف (١٨٨٣-١٩٣٦ ( Grigori Zinoviev

стр. 2831

ثوري روسي، والمؤسس الرئيسي للدولية الشيوعية وأول رئيس للجنتها التنفيذية. وُلد في أوكرانيا لعائلة يهودية بورجوازية، واندمج تماماً في المجتمع الروسي والحياة الروسية، وتبنَّى الماركسية منذ شبابه، وانضم عام ١٩٠١ إلى الحزب الاشتراكي الديموقراطي الروسي ثم إلى الجناح البلشفي بعد انقسام الحزب عام ١٩٠٣. اشترك في ثورة ١٩٠٥، وبعد فشلها انضم إلى لينين في منفاه وأصبح من المقربين إليه، وكتب العديد من المقالات والمطبوعات والمنشورات التي جسدت فكر لينين، كما شارك في تحرير عدة صحف ومجلات اشتراكية وبلشفية. وخلال الحرب العالمية الأولى، أصدر زينوفييف، بالاشتراك مع لينين، كتابهما المهم ضد التيار الذي هاجما فيه الحرب والقيادات الاشتراكية المنشقة. وصاحب لينين في رحلة القطار الذي أقله إلى روسيا في أبريل من عام ١٩١٧. إلا أن زينوفييف اختلف مع لينين عشية الثورة البلشفية حيث عارض فكرة الانتفاضة المسلحة والاستيلاء على السلطة بالقوة خوفاً من التدخل الأجنبي. ورغم هذا الاختلاف، أصبح زينوفييف عام ١٩٢٢ عضواً في المكتب السياسي ورئيس سوفييت بتروجراد. إلا أن أهم منصب احتله كان رئاسة الكومنترن (أو الدولية الشيوعية) حيث عمل على تشكيل بنيتها وبناء إستراتيجيتها، وعمل من خلالها على دعم حركة الثورة العالمية. ولكن تراجع هذه الحركة في العشرينيات، وفشل الثورة في ألمانيا، أضعفا مركزه العالمي. ولكنه، مع ذلك، ظل داخل دائرة السلطة في الاتحاد السوفيتي. ومع وفاة لينين عام ١٩٢٤، انضم إلى الترويكا (اللجنة الثلاثية) التي ضمت إلى جانبه ستالين وكامينيف والتي أقصت تروتسكي من السلطة السياسية. إلا أن تبنِّي ستالين سياسة بناء الاشتراكية في بلد واحد واتجاهه نحو الانفراد بزعامة الحزب، دفعت زينوفييف إلى الانضمام عام ١٩٢٦ إلى جبهة المعارضة التي تزعمها تروتسكي داخل الحزب. وانتهى هذا الصراع على السلطة بهزيمة زينوفييف وخروجه من الحزب عام

стр. 2832

١٩٢٧. وفي عام ١٩٣٦، وبعد حادثة اغتيال سكرتير الحزب في لينينجراد عام ١٩٣٤، وُجِّه الاتهام إلى زينوفييف وخمسة عشر آخرين من زملائه بالتورط في مؤامرة ضد نظام ستالين والحزب الشيوعي السوفيتي بالتعاون مع تروتسكي. وقد اعترف المتهمون (ومن بينهم زينوفييف) علناً بالتورط في المؤامرة، وصدر حكم بإعدامه نُفِّذ فوراً في عام ١٩٣٦. ولم يهتم زينوفييف بالموضوع اليهودي ولم تلعب أصوله اليهودية دوراً واضحاً أو كامناً في تحديد سلوكه أو رؤيته، فقد كان يهودياً مندمجاً تماماً أو يهودياً غير يهودي. ليو كامينيف (١٨٨٣-١٩٣٦ ( Leo Kamenev

стр. 2833

اسمه الأصلي ليف بوريسوفيتش روزنولد. ثوري روسي يهودي ورجل دولة سوفيتي، وُلد في موسكو وانضم عام ١٩٠١ إلى الحزب الاشتراكي الديموقراطي المحظور ثم إلى جناحه البلشفي عام ١٩٠٣ بعد انقسام الحزب، وكان من كبار قادة هذا الجناح ومن أقرب المتعاونين مع لينين. وسُجن عام ١٩٠٢، ثم سُجن مرة أخرى عام ١٩٠٨ بسبب نشاطه الثوري، وهرب إلى سويسرا حيث تعاون مع لينين في تحرير جريدتي الحزب. وفي عام ١٩٠٤، أرسله لينين إلى بطرسبورج كممثل شخصي له لتحرير جريدة برافدا والإشراف على نشاط الحزب في روسيا. ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، تم إلقاء القبض عليه ونفيه إلى سيبريا. إلا أنه عاد إلى بتروجراد بعد قيام ثورة فبراير ١٩١٧. وقد اختلف كامينيف، ومعه زينوفييف، مع لينين حول فكرة الانتفاضة المسلحة والاستيلاء على السلطة بالقوة، حيث فضل قيام جبهة حكومية تضم جميع الأحزاب الاشتراكية. ورغم ذلك الاختلاف، أصبح كامينيف (بعد قيام الثورة البلشفية) واحداً من أكثر الشخصيات قوة وسلطة في الاتحاد السوفيتي، حيث احتل منصب رئيس سوفييت موسكو، كما كان عضواً في المكتب السياسي للحزب. وبعد وفاة لينين عام ١٩٢٤، قام كامينيف مع ستالين وزينوفييف بتشكيل الترويكا (اللجنة الثلاثية) التي نجحت في إقصاء تروتسكي من السلطة السياسية وانفردت بالسيطرة على الحزب وحكم البلاد.

стр. 2834

ولكن، ومع محاولة ستالين الانفراد بالسلطة، انضم كامينيف في الفترة ما بين عامي ١٩٢٥ و١٩٢٧ إلى المعارضة التي تزعمها تروتسكي. وبانتهاء هذا الصراع على السلطة بنجاح ستالين، تم طرد كامينيف من الحزب عام ١٩٢٧ ونفيه إلى منطقة الأورال. وقد عاد كامينيف إلى صفوف الحزب مرتين، مرة في عام ١٩٢٧ ثم مرة أخرى في عام ١٩٣٢، وذلك بعد أن اعترف في كل مرة بشكل علني بسلامة الخط الذي ينتهجه الحزب. وبرغم ذلك، وُجِّه الاتهام لكامينيف عام ١٩٣٦ وإلى كثيرين غيره من القادة البلاشفة بالتورط في مؤامرة ضد نظام ستالين والحزب الشيوعي، وذلك عقب حادثة اغتيال سكرتير الحزب في لينينجراد عام ١٩٣٤. وكان كامينيف من أبرز الشخصيات أثناء محاكمات موسكو، التي اعترف فيها جميع المتهمين بالتهم الموجهة إليهم. وقد حُكم عليه بالإعدام في أغسطس عام ١٩٣٦ ونُفِّذ فيه الحكم فوراً. ولم تلعب أصول كامينيف اليهودية دوراً في تحديد رؤيته أو سلوكه. ميخائيلوفيتش سفيردلوف (١٨٨٥-١٩١٩ ( Mikhailovich Sverdlov

стр. 2835

ثوري روسي يهودي، وواحد من أهم مؤسسي الحزب الشيوعي السوفيتي، وأول رئيس للاتحاد السوفيتي. وُلد في مدينة نيزني ـ نوفجورود (التي أصبحت مدينة جوركي فيما بعد) . انخرط في شبابه في النشاط الثوري وأسس عام ١٩٠١ اللجنة الثورية لمدينة نيزني ـ نوفجورود. وفي عام ١٩٠٩، أسندت إليه اللجنة المركزية للحزب مهمة إعادة بناء تنظيمات الحزب في موسكو. وفي عام ١٩١٢، شارك أيضاً في تنظيم وبناء جناح الحزب داخل البرلمان الروسي. وتميَّز سفيردلوف بقدراته التنظيمية في هذا المجال. وقد سُجن مرتين (١٩٠٢، ١٩٠٥) ونُفي إلى سيبريا مرتين أيضاً (١٩١٠، ١٩١٣) . وبعد ثورة فبراير عام ١٩١٧، أصبح من أهم منظمي الحزب. أما بعد الثورة البلشفية، فقد عُيِّن رئيساً للجنة المركزية التنفيذية الروسية وكأول سكرتير للجنة المركزية للحزب ومن ثم أول رئيس للدولة السوفيتية. وقد عمل عن كثب مع لينين وشاركه في اتخاذ كثير من القرارات الخاصة بسياسات الدولة. وقد سُمِّيت إحدى المدن السوفيتية باسمه بعد وفاته تقديراً لدوره الحزبي والثوري المهم. كارل راديك (١٨٨٥-١٩٣٩ (Karl Radek

стр. 2836

اسمه الأصلي سوبيلسون. ثوري روسي يهودي وكاتب صحفي، وُلد في جاليشيا، وانضم إلى الحزب الاشتراكي الديموقراطي البولندي فكان مُمثِّلاً صحفياً للجناح اليساري للحزب الاشتراكي الديموقراطي الألماني. وكان كارل ممن صاحبوا لينين عام ١٩١٧ في رحلة القطار الذي أقله من سويسرا عبر ألمانيا إلى السويد، وظل في السويد مُمثِّلاً للحزب البلشفي إلى أن اندلعت الثورة البلشفية فعاد بعدها إلى روسيا، وترأَّس قسم وسط أوربا في مفوضية الشئون الخارجية. وبعد اندلاع الثورة في ألمانيا عام ١٩١٨، ساعد راديك بشكل سري في تنظيم أول مؤتمر للحزب الألماني الشيوعي بعد أن دخل ألمانيا بشكل غير شرعي. وفي عام ١٩٢٠، أصبح راديك سكرتيراً للجنة التنفيذية للدولية الشيوعية كما أصبح عضواً باللجنة المركزية للحزب الشيوعي. وفي عام ١٩٢٤، انضم راديك إلى المعارضة التروتسكية وهو ما أدَّى إلى طرده من الحزب عام ١٩٢٧ ونفيه إلى جبال الأورال. وفي عام ١٩٣٠، سُمح له بالعودة إلى صفوف الحزب مرة أخرى بعد أن قدَّم طلباً بذلك أعلن فيه انفصاله عن المجموعة التروتسكية واعترف بأخطائه. وبعد ذلك أصبح راديك كاتباً وصحفياً ومُعِّلقاً ذا وزن ونفوذ في الشئون الخارجية. واشترك عام ١٩٣٦ في وضع مشروع «دستور ستالين» للاتحاد السوفيتي، ولكنه تعرَّض مرة أخرى عام ١٩٣٧ للاتهام بالعضوية في المعارضة التروتسكية وبالتآمر ضد الدولة السوفيتية، وقُدِّم للمحاكمة مع غيره من المتورطين في التنظيم التروتسكي حيث حُكم عليه بالسجن لمدة عشر سنوات مع حرمانه من جميع حقوقه السياسية لمدة خمس سنوات ومصادرة ممتلكاته الخاصة. ولم يُعرَف أي شيء عن راديك بعد ذلك وتضاربت الأقوال عن مصيره، وإن كان البعض يُرجِّح أنه تُوفي عام ١٩٣٩. سيمون ديمانشتاين (١٨٨٦-١٩٣٧) Simon Dimanstien

стр. 2837

ثري روسي يهودي وزعيم شيوعي سوفيتي. وُلد في روسيا البيضاء لعائلة يهودية متدينة ودرس في معهد تلمودي حسيدي وتخرَّج فيه حاخاماً. وفي تلك الآونة، وقع تحت تأثير الأفكار الثورية المناهضة للقيصرية فانخرط في النشاط الثوري وانضم عام ١٩٠٤ إلى الجناح البلشفي للحزب الاشتراكي الديموقراطي الروسي وقام بنشاط دعائي بين العمال اليهود. وأُلقي عليه القبض عدة مرات، وفي عام ١٩٠٨ حُكم عليه بالنفي إلى سيبريا، ولكنه نجح في الهروب عام ١٩١٣ وذهب إلى فرنسا حيث ظل فيها حتى قيام ثورة فبراير عام ١٩١٧، وعاد بعد ذلك إلى روسيا. وبعد قيام الثورة البلشفية، عمل مساعداً لستالين ثم رئيساً لدائرة شئون الأقليات حيث كان يُعَدُّ خبيراً في هذا المجال. وعُيِّن أيضاً رئيساً لدائرة الشئون اليهودية. وفي عام ١٩١٨، شارك في تأسيس القسم اليهودي (يفسيكتسيا) في الحزب الشيوعي، كما قام بتحرير جريدة يديشية يومية تميَّزت بخطها المعادي للدين والصهيونية وحزب البوند. وكان ديمانشتين مؤمناً بأن الثورة الاشتراكية ستحل مشاكل الجماعة اليهودية في روسيا، وأيَّد الحل الإقليمي للمسألة اليهودية داخل إطار الدولة السوفيتية، حيث لعب دوراً مهماً في تأسيس إقليم بيروبيجان. كما حرص أيضاً على ترجمة أعمال لينين إلى اليديشية حتى يتيح الفرصة لأعضاء الجماعات اليهودية للاطلاع على فكر لينين والفكر الاشتراكي. ونظراً لخبرته في شئون الأقليات، احتل ديمانشتين عدداً من المناصب الإدارية في أقاليم ومقاطعات مختلفة، وكان رئيساً لدائرة العمل في ليتوانيا خلال الحرب الأهلية، وترأَّس الحكومة الإقليمية في روسيا البيضاء كما عُيِّن رئيساً لدائرة التعليم في تركستان، ثم رئيساً لقسم التربية السياسية في أوكرانيا، ثم رئيساً لمجلس إدارة منظمة أوزيت ورئيساً لمعهد الأقليات القومية.

стр. 2838

وبعد صعود ستالين إلى السلطة، تقلَّص نفوذ ديمانشتين. ويُرجَّح أنه أُعدم عام ١٩٣٧ خلال فترة الإرهاب الستاليني. آنا بوكر (١٨٩٠-١٩٦٠ ( Ana Pauker الاسم الأصلي لبوكر هو «حنا رابينسون» . وهي زعيمة شيوعية رومانية ووزيرة ونائبة رئيس وزراء. وُلدت في بوخارست لعائلة يهودية أرثوذكسية، وتلقت تعليماً يهودياً تقليدياً ثم قامت بتدريس اللغة العبرية في مدرسة ابتدائية يهودية. وفي عام ١٩٢٠، انضمت (تحت تأثير خطيبها مارسيل بوكر الذي تزوجته فيما بعد) إلى الحزب الشيوعي المحظور، وقامت بتنظيم خلية شيوعية سرية. وأُلقي القبض عليها وحُكم عليها بالسجن لفترة طويلة عام ١٩٣٦، ولكن تم الإفراج عنها عام ١٩٤١ في عملية تبادل للسجناء بين الاتحاد السوفيتي ورومانيا عقب احتلال القوات السوفيتية لمنطقة بساربيا، وانتقلت إلى موسكو ولم تَعُد إلى رومانيا إلا مع القوات السوفيتية التي دخلتها عام ١٩٤٤. ورغم أن زوجها أُعدم في الاتحاد السوفيتي أثناء إحدى زياراته له، وذلك في إطار حملة التطهير التي قام بها ستالين ضد البلاشفة القدامى، إلا أن إيمانها بالنظام السوفيتي على ما يبدو لم يتزعزع. وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، أصبحت بوكر واحدة من أقوى القادة الشيوعيين في رومانيا. وساهمت في تشكيل الجبهة الديموقراطية الرومانية، وتولت منصب سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي. وبعد وصول الشيوعيين للحكم عام ١٩٤٧، أصبحت وزيرة للخارجية ونائبة لرئيس الوزراء وتمتعت بسلطات واسعة. وكانت بوكر قد قطعت جميع صلاتها بالجماعة اليهودية في رومانيا كما كانت مناهضة بشدة للصهيونية. ورغم ذلك، سُمح أثناء وجودها في السلطة بهجرة مائة ألف يهودي روماني إلى إسرائيل، ولعل هذا كان في إطار محاولتها تخليص رومانيا من العناصر التي قد تُسبب قلقاً اجتماعياً فيها.

стр. 2839

وفي عام ١٩٥٢، وُجِّهت لبوكر عدة اتهامات من بينها الانحراف اليميني والنشاط الصهيوني وتشجيع الهجرة اليهودية إلى إسرائيل، وطُردت من الحزب الشيوعي وأُعفيت من جميع مناصبها ووُضعت تحت التحفظ في منزلها لعدة سنوات. وقد تعرض عدد من القادة والزعماء الشيوعيين من اليهود وغير اليهود في دول أوربا الشرقية لإجراءات مماثلة في هذه الفترة، وهي إجراءات ارتبطت في المقام الأول بالصراعات السياسية الداخلية وبعلاقات هذه الدول بالاتحاد السوفيتي خلال فترة اشتداد حمية الحرب الباردة. موسى بيجادي (١٨٩٠-١٩٥٧ ( Mosa Pijade ثوري وسياسي يوغسلافي يهودي. وُلد في بلجراد، ودرس فن الرسم في ميونيخ وباريس، ثم انضم عام ١٩٢٠ إلى الحزب الشيوعي اليوغسلافي المحظور، وسُجن عام ١٩٢١ بسبب نشاطه الثوري، ثم سُجن مرة أخرى عام ١٩٢٥ وحتى عام ١٩٣٩. وقام خلال هذه الفترة بترجمة رأس المال لماركس إلى اللغة الصربية. وبعد الاحتلال الألماني ليوغسلافيا عام ١٩٤١، تحوَّل بيجادي إلى بطل قومي حيث نظَّم المقاومة الشيوعية ضد الاحتلال تحت قيادة تيتو. وبعد تولِّي تيتو قيادة البلاد عقب تحريرها عام ١٩٤٥، كان بيجادي من أقرب المساعدين له، حيث تولى عدداً من المناصب من أهمها رئاسة الجمهورية الصربية، ومن ثم كان أحد أربعة نواب لرئيس الدولة. كما شارك في وضع دستور يوغسلافيا الجديد ولعب دوراً رئيسياً في رسم سياسة يوغسلافيا تجاه الاتحاد السوفيتي ودول الكتلة الشرقية، وكذلك في رسم السياسة التي تبنت يوغسلافيا بموجبها طريقاً مستقلاً عنهما. وقد تولَّى بيجادي رئاسة البرلمان اليوغسلافي، كما كان عضواً في المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب. لازار كاجانوفيتش (١٨٩٣-١٩٩١ ( Lazar Kaganovich

стр. 2840

ثوري روسي ورجل دولة سوفيتي، وُلد في كييف لعائلة يهودية ريفية. انضم عام ١٩١١ إلى الحزب البلشفي بعد أن غيَّر اسمه من كوجان إلى كاجانوفيتش. وفي عام ١٩١٤، أصبح عضواً في لجنة الحزب الشيوعي في كييف، ولعب دوراً نشيطاً في الفترة التي سبقت اندلاع ثورة ١٩١٧ مباشرة. وخلال الحرب الأهلية (١٩١٨ ـ ١٩٢٠) ، خدم كضابط سياسي في الجيش الأحمر، ثم تولَّى رئاسة الحزب الشيوعي في أوكرانيا في الفترة بين عامي ١٩٢٥ و١٩٢٧.وفي عام ١٩٣٠،ضمه ستالين إلى المكتب السياسي للحزب الشيوعي. وأصبح كاجانوفيتش، طوال الثلاثينيات، الرجل الثاني في الدولة، فأشرف على تنفيذ عدة مشاريع مهمة في الدولة من بينها مترو أنفاق موسكو (الذي حمل اسمه لفترة طويلة) وأعمال بناء السكك الحديدية والصناعات الثقيلة. كما تولَّى مسئولية تنفيذ عملية الزراعة الجماعية في الاتحاد السوفيتي، ونقل ملايين الفلاحين إلى المزارع الجماعية الضخمة المملوكة للدولة. وقد ترأَّس في الفترة ما بين عامي ١٩٣٣ و١٩٣٦ لجنة الرقابة داخل الحزب، وأشرف على عمليات التطهير داخله التي شملت آلاف الأعضاء. وخلال الحرب العالمية الثانية، كان كاجانوفيتش عضواً في وزارة الحرب السوفيتية، ثم عُيِّن بعد الحرب نائباً لرئيس الوزراء ثم نائباً أول لرئيس الوزراء. ووقف كاجانوفيتش إلى جانب ستالين خلال فترة الإرهاب الستاليني التي أعقبت الحرب والتي راح ضحيتها كثير من اليهود وغير اليهود أيضاً. وفي عام ١٩٥٧، اتُهم كاجانوفيتش بالاشتراك مع مولوتوف ومالنكوف وغيرهما، في محاولة لإقصاء خروشوف من رئاسة الحزب الشيوعي. ولذلك أُعفي من جميع مناصبه وطُرد من الحزب الشيوعي عام ١٩٦١، وحاول العودة إليه بعد سقوط خروشوف ولكنه فشل.
следующие страницы →