Полный текст (8 511 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.
стр. 2836
اسمه الأصلي سوبيلسون. ثوري روسي يهودي وكاتب صحفي، وُلد في جاليشيا، وانضم إلى الحزب الاشتراكي الديموقراطي البولندي فكان مُمثِّلاً صحفياً للجناح اليساري للحزب الاشتراكي الديموقراطي الألماني. وكان كارل ممن صاحبوا لينين عام ١٩١٧ في رحلة القطار الذي أقله من سويسرا عبر ألمانيا إلى السويد، وظل في السويد مُمثِّلاً للحزب البلشفي إلى أن اندلعت الثورة البلشفية فعاد بعدها إلى روسيا، وترأَّس قسم وسط أوربا في مفوضية الشئون الخارجية. وبعد اندلاع الثورة في ألمانيا عام ١٩١٨، ساعد راديك بشكل سري في تنظيم أول مؤتمر للحزب الألماني الشيوعي بعد أن دخل ألمانيا بشكل غير شرعي. وفي عام ١٩٢٠، أصبح راديك سكرتيراً للجنة التنفيذية للدولية الشيوعية كما أصبح عضواً باللجنة المركزية للحزب الشيوعي. وفي عام ١٩٢٤، انضم راديك إلى المعارضة التروتسكية وهو ما أدَّى إلى طرده من الحزب عام ١٩٢٧ ونفيه إلى جبال الأورال. وفي عام ١٩٣٠، سُمح له بالعودة إلى صفوف الحزب مرة أخرى بعد أن قدَّم طلباً بذلك أعلن فيه انفصاله عن المجموعة التروتسكية واعترف بأخطائه. وبعد ذلك أصبح راديك كاتباً وصحفياً ومُعِّلقاً ذا وزن ونفوذ في الشئون الخارجية. واشترك عام ١٩٣٦ في وضع مشروع «دستور ستالين» للاتحاد السوفيتي، ولكنه تعرَّض مرة أخرى عام ١٩٣٧ للاتهام بالعضوية في المعارضة التروتسكية وبالتآمر ضد الدولة السوفيتية، وقُدِّم للمحاكمة مع غيره من المتورطين في التنظيم التروتسكي حيث حُكم عليه بالسجن لمدة عشر سنوات مع حرمانه من جميع حقوقه السياسية لمدة خمس سنوات ومصادرة ممتلكاته الخاصة. ولم يُعرَف أي شيء عن راديك بعد ذلك وتضاربت الأقوال عن مصيره، وإن كان البعض يُرجِّح أنه تُوفي عام ١٩٣٩.
سيمون ديمانشتاين (١٨٨٦-١٩٣٧)
Simon Dimanstien
стр. 2837
ثري روسي يهودي وزعيم شيوعي سوفيتي. وُلد في روسيا البيضاء لعائلة يهودية متدينة ودرس في معهد تلمودي حسيدي وتخرَّج فيه حاخاماً. وفي تلك الآونة، وقع تحت تأثير الأفكار الثورية المناهضة للقيصرية فانخرط في النشاط الثوري وانضم عام ١٩٠٤ إلى الجناح البلشفي للحزب الاشتراكي الديموقراطي الروسي وقام بنشاط دعائي بين العمال اليهود. وأُلقي عليه القبض عدة مرات، وفي عام ١٩٠٨ حُكم عليه بالنفي إلى سيبريا، ولكنه نجح في الهروب عام ١٩١٣ وذهب إلى فرنسا حيث ظل فيها حتى قيام ثورة فبراير عام ١٩١٧، وعاد بعد ذلك إلى روسيا. وبعد قيام الثورة البلشفية، عمل مساعداً لستالين ثم رئيساً لدائرة شئون الأقليات حيث كان يُعَدُّ خبيراً في هذا المجال. وعُيِّن أيضاً رئيساً لدائرة الشئون اليهودية. وفي عام ١٩١٨، شارك في تأسيس القسم اليهودي (يفسيكتسيا) في الحزب الشيوعي، كما قام بتحرير جريدة يديشية يومية تميَّزت بخطها المعادي للدين والصهيونية وحزب البوند. وكان ديمانشتين مؤمناً بأن الثورة الاشتراكية ستحل مشاكل الجماعة اليهودية في روسيا، وأيَّد الحل الإقليمي للمسألة اليهودية داخل إطار الدولة السوفيتية، حيث لعب دوراً مهماً في تأسيس إقليم بيروبيجان. كما حرص أيضاً على ترجمة أعمال لينين إلى اليديشية حتى يتيح الفرصة لأعضاء الجماعات اليهودية للاطلاع على فكر لينين والفكر الاشتراكي.
ونظراً لخبرته في شئون الأقليات، احتل ديمانشتين عدداً من المناصب الإدارية في أقاليم ومقاطعات مختلفة، وكان رئيساً لدائرة العمل في ليتوانيا خلال الحرب الأهلية، وترأَّس الحكومة الإقليمية في روسيا البيضاء كما عُيِّن رئيساً لدائرة التعليم في تركستان، ثم رئيساً لقسم التربية السياسية في أوكرانيا، ثم رئيساً لمجلس إدارة منظمة أوزيت ورئيساً لمعهد الأقليات القومية.
стр. 2838
وبعد صعود ستالين إلى السلطة، تقلَّص نفوذ ديمانشتين. ويُرجَّح أنه أُعدم عام ١٩٣٧ خلال فترة الإرهاب الستاليني.
آنا بوكر (١٨٩٠-١٩٦٠ (
Ana Pauker
الاسم الأصلي لبوكر هو «حنا رابينسون» . وهي زعيمة شيوعية رومانية ووزيرة ونائبة رئيس وزراء. وُلدت في بوخارست لعائلة يهودية أرثوذكسية، وتلقت تعليماً يهودياً تقليدياً ثم قامت بتدريس اللغة العبرية في مدرسة ابتدائية يهودية. وفي عام ١٩٢٠، انضمت (تحت تأثير خطيبها مارسيل بوكر الذي تزوجته فيما بعد) إلى الحزب الشيوعي المحظور، وقامت بتنظيم خلية شيوعية سرية. وأُلقي القبض عليها وحُكم عليها بالسجن لفترة طويلة عام ١٩٣٦، ولكن تم الإفراج عنها عام ١٩٤١ في عملية تبادل للسجناء بين الاتحاد السوفيتي ورومانيا عقب احتلال القوات السوفيتية لمنطقة بساربيا، وانتقلت إلى موسكو ولم تَعُد إلى رومانيا إلا مع القوات السوفيتية التي دخلتها عام ١٩٤٤. ورغم أن زوجها أُعدم في الاتحاد السوفيتي أثناء إحدى زياراته له، وذلك في إطار حملة التطهير التي قام بها ستالين ضد البلاشفة القدامى، إلا أن إيمانها بالنظام السوفيتي على ما يبدو لم يتزعزع. وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، أصبحت بوكر واحدة من أقوى القادة الشيوعيين في رومانيا. وساهمت في تشكيل الجبهة الديموقراطية الرومانية، وتولت منصب سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي. وبعد وصول الشيوعيين للحكم عام ١٩٤٧، أصبحت وزيرة للخارجية ونائبة لرئيس الوزراء وتمتعت بسلطات واسعة.
وكانت بوكر قد قطعت جميع صلاتها بالجماعة اليهودية في رومانيا كما كانت مناهضة بشدة للصهيونية. ورغم ذلك، سُمح أثناء وجودها في السلطة بهجرة مائة ألف يهودي روماني إلى إسرائيل، ولعل هذا كان في إطار محاولتها تخليص رومانيا من العناصر التي قد تُسبب قلقاً اجتماعياً فيها.
стр. 2839
وفي عام ١٩٥٢، وُجِّهت لبوكر عدة اتهامات من بينها الانحراف اليميني والنشاط الصهيوني وتشجيع الهجرة اليهودية إلى إسرائيل، وطُردت من الحزب الشيوعي وأُعفيت من جميع مناصبها ووُضعت تحت التحفظ في منزلها لعدة سنوات. وقد تعرض عدد من القادة والزعماء الشيوعيين من اليهود وغير اليهود في دول أوربا الشرقية لإجراءات مماثلة في هذه الفترة، وهي إجراءات ارتبطت في المقام الأول بالصراعات السياسية الداخلية وبعلاقات هذه الدول بالاتحاد السوفيتي خلال فترة اشتداد حمية الحرب الباردة.
موسى بيجادي (١٨٩٠-١٩٥٧ (
Mosa Pijade
ثوري وسياسي يوغسلافي يهودي. وُلد في بلجراد، ودرس فن الرسم في ميونيخ وباريس، ثم انضم عام ١٩٢٠ إلى الحزب الشيوعي اليوغسلافي المحظور، وسُجن عام ١٩٢١ بسبب نشاطه الثوري، ثم سُجن مرة أخرى عام ١٩٢٥ وحتى عام ١٩٣٩. وقام خلال هذه الفترة بترجمة رأس المال لماركس إلى اللغة الصربية. وبعد الاحتلال الألماني ليوغسلافيا عام ١٩٤١، تحوَّل بيجادي إلى بطل قومي حيث نظَّم المقاومة الشيوعية ضد الاحتلال تحت قيادة تيتو. وبعد تولِّي تيتو قيادة البلاد عقب تحريرها عام ١٩٤٥، كان بيجادي من أقرب المساعدين له، حيث تولى عدداً من المناصب من أهمها رئاسة الجمهورية الصربية، ومن ثم كان أحد أربعة نواب لرئيس الدولة. كما شارك في وضع دستور يوغسلافيا الجديد ولعب دوراً رئيسياً في رسم سياسة يوغسلافيا تجاه الاتحاد السوفيتي ودول الكتلة الشرقية، وكذلك في رسم السياسة التي تبنت يوغسلافيا بموجبها طريقاً مستقلاً عنهما. وقد تولَّى بيجادي رئاسة البرلمان اليوغسلافي، كما كان عضواً في المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب.
لازار كاجانوفيتش (١٨٩٣-١٩٩١ (
Lazar Kaganovich
стр. 2840
ثوري روسي ورجل دولة سوفيتي، وُلد في كييف لعائلة يهودية ريفية. انضم عام ١٩١١ إلى الحزب البلشفي بعد أن غيَّر اسمه من كوجان إلى كاجانوفيتش. وفي عام ١٩١٤، أصبح عضواً في لجنة الحزب الشيوعي في كييف، ولعب دوراً نشيطاً في الفترة التي سبقت اندلاع ثورة ١٩١٧ مباشرة. وخلال الحرب الأهلية (١٩١٨ ـ ١٩٢٠) ، خدم كضابط سياسي في الجيش الأحمر، ثم تولَّى رئاسة الحزب الشيوعي في أوكرانيا في الفترة بين عامي ١٩٢٥ و١٩٢٧.وفي عام ١٩٣٠،ضمه ستالين إلى المكتب السياسي للحزب الشيوعي. وأصبح كاجانوفيتش، طوال الثلاثينيات، الرجل الثاني في الدولة، فأشرف على تنفيذ عدة مشاريع مهمة في الدولة من بينها مترو أنفاق موسكو (الذي حمل اسمه لفترة طويلة) وأعمال بناء السكك الحديدية والصناعات الثقيلة. كما تولَّى مسئولية تنفيذ عملية الزراعة الجماعية في الاتحاد السوفيتي، ونقل ملايين الفلاحين إلى المزارع الجماعية الضخمة المملوكة للدولة. وقد ترأَّس في الفترة ما بين عامي ١٩٣٣ و١٩٣٦ لجنة الرقابة داخل الحزب، وأشرف على عمليات التطهير داخله التي شملت آلاف الأعضاء.
وخلال الحرب العالمية الثانية، كان كاجانوفيتش عضواً في وزارة الحرب السوفيتية، ثم عُيِّن بعد الحرب نائباً لرئيس الوزراء ثم نائباً أول لرئيس الوزراء. ووقف كاجانوفيتش إلى جانب ستالين خلال فترة الإرهاب الستاليني التي أعقبت الحرب والتي راح ضحيتها كثير من اليهود وغير اليهود أيضاً.
وفي عام ١٩٥٧، اتُهم كاجانوفيتش بالاشتراك مع مولوتوف ومالنكوف وغيرهما، في محاولة لإقصاء خروشوف من رئاسة الحزب الشيوعي. ولذلك أُعفي من جميع مناصبه وطُرد من الحزب الشيوعي عام ١٩٦١، وحاول العودة إليه بعد سقوط خروشوف ولكنه فشل.
стр. 2841
وقد ظل كاجانوفيتش طوال حياته متمسكاً بتأييده لستالين ولعهده وسياساته، ورفض بشدة هجرة اليهود السوفييت إلى إسرائيل، سواء أثناء وجوده في الحكم أو فيما بعد ذلك وحتى وفاته. وعارض وجود قسم خاص لليهود داخل الحزب الشيوعي، كما عارض أيضاً حزب البوند، وهو ما يدل على نزعته الأممية الاندماجية الحادة.
إرنو جيرو (١٨٩٨-١٩٨٠ (
Erno Gero
زعيم شيوعي مجري يهودي، وُلد في بودابست وانضم عام ١٩١٨ إلى الحزب الشيوعي واشترك في الثورة التي قادها بيلا كون عام ١٩١٩. وعندما فشلت الثورة في ألمانيا، عاد سراً إلى المجر حيث قام بتحرير جريدة شيوعية سرية. وعاش جيرو لفترة في الاتحاد السوفيتي، كما ساعد العناصر الشيوعية في إسبانيا خلال الحرب الأهلية الإسبانية. وفي عام ١٩٤٤، عاد إلى المجر مع الجيش السوفيتي وبدأ في احتلال مواقع مهمة في الدولة حيث أصبح وزيراً للنقل ثم المالية ثم وزير دولة ووزيراً للتجارة الخارجية. وأشرف على عمليات إعادة البناء وعلى تنفيذ الخطط الخمسية. وفي الفترة ما بين عامي ١٩٦٥ و١٩٦٦، تولَّى منصب نائب رئيس الوزراء كما كان عضواً في المكتب السياسي.
بعد إقصاء ماتياس راكوسي عن الحكم، عُيِّن جيرو سكرتيراً أول للحزب الشيوعي عام ١٩٥٦. وحاول، خلال فترة حكمه القصيرة، كبح جماح تيار التغيير ولكن دون جدوى. ومع تفجُّر الانتفاضة المجرية، استنجد بالجيش السوفيتي للتدخل، ولكن تم إقصاؤه من الحكم ففرَّ من البلاد. وعاش جيرو عدة سنوات في الاتحاد السوفيتي حيث مُنع من العودة إلى المجر حتى عام ١٩٦٢. كما طُرد من الحزب الشيوعي.
رودولف سلانسكي (١٩٠١-١٩٥٢ (
Rudolf Slansky
стр. 2842
اسمه الأصلي رودولف شليزنجر. سكرتير عام الحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي الذي أُعدم عام ١٩٥٢ بتهمة الخيانة العظمى. انضم سلانسكي في شبابه إلى الحزب الشيوعي وصعد سريعاً في صفوفه، ثم وُجِّهت إليه عام ١٩٣٦ انتقادات حادة من قبَل الدولية الشيوعية (كومنتيرن) ، بسبب ما وُصف بأنه «سياسته الانتهازية» ، وأُوقفت عضويته بشكل مؤقت من المجموعة القيادية.
وخلال الاحتلال النازي لتشيكوسلوفاكيا، انتقلت قيادة الحزب إلى الاتحاد السوفيتي وأُوكل لسلانسكي خلال فترة الحرب العالمية الثانية عدة مهام مهمة في الجيش، من بينها تجنيد عناصر من أعضاء الحزب للانضمام لوحدات الجيش التشيكي الذي تكوَّن في الاتحاد السوفيتي، وتنظيم عمليات المقاومة المسلحة ضد الألمان. وشارك سلانسكي بنفسه في بعض العمليات العسكرية.
стр. 2843
ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية، عُيِّن سلانسكي (عام ١٩٤٥) سكرتيراً عاماً للحزب الشيوعي التشيكي، وأصبح الرجل الثاني بعد رئيس الحزب الذي أصبح أيضاً رئيس الدولة. وأحكم قبضته على كافة مقاليد الأمور في الحزب وقوات الأمن والجيش، كما كان ينوب عن رئيس الدولة في المؤتمرات الحزبية. وفي عام ١٩٥١، مُنح سلانسكي أعلى وسام تشيكي وهو وسام الاشتراكية. ووقع سلانسكي ضحية سلسلة من الاتهامات والمحاكمات التي تعرَّض لها بعض القادة الشيوعيين في دول أوربا الشرقية بهدف تعزيز مواقع القيادات الموالية لموسكو في هذه الدول. ففي عام ١٩٥١، أُلقي القبض على سلانسكي وثلاثة عشر آخرين من القيادات الحزبية بتهمة التآمر ضد النظام، فطُرد من عضوية الحزب كما أُعفي من جميع مناصبه الحزبية. ووُجهت إليه ولمجموعة من المتهمين عدة تهم منها التروتسكية والصهيونية والتعاون مع أجهزة الاستخبارات الغربية لإقامة مركز للأنشطة التخريبية المناهضة للدولة. وقُدِّم سلانسكي للمحاكمة عام ١٩٥٢ واعترف بجميع التهم التي وُجِّهت إليه، وحُكم عليه مع عشرة آخرين بالإعدام وأُعدموا في العام نفسه.
وفيما بعد شُكِّلت لجان لتقصي ملابسات عملية الاستجوابات خلال هذه القضية، وتبيَّن عام ١٩٦٨ أن قوات الأمن لجأت إلى أساليب غير مشروعة في التحضير لهذه المحاكمات ولانتزاع الاعترافات من المتهمين. وقد دعت اللجنة التي توصلت إلى هذه الحقائق إلى إلغاء قرار طرد سلانسكي من الحزب الشيوعي ورد الاعتبار إليه.
هنري كورييل (١٩١٤-١٩٧٨ (
Henri Curiel
стр. 2844
سياسي يهودي مُتمصِّر، ومؤسس أحد أهم التنظيمات الشيوعية في مصر خلال الأربعينيات. وهو من أبرز قادة الحركة الشيوعية المصرية في تلك الفترة. وُلد في القاهرة لعائلة يهودية سفاردية قَدمت إلى مصر في منتصف القرن التاسع عشر من إيطاليا، وذلك في الفترة التي شهدت تدفُّق المستثمرين الأجانب على مصر للاستفادة من الأوضاع الاقتصادية والظروف السياسية والقانونية المواتية للاستثمار الأجنبي في مصر. ويبدو أن العائلة ادعت نسبها إلى مدينة ليغورن الإيطالية، وهي خطوة أقدمت عليها على ما يبدو كثير من العائلات اليهودية التي جاءت إلى مصر بعد أن احترق أرشيف المواليد والوفيات في ليغورن، وذلك ليكتسبوا الجنسية الإيطالية ويستفيدوا من الامتيازات الأجنبية. وقد كان والد هنري، دانييل نسيم كورييل، يمتلك مصرفاً صغيراً متخصصاً في الرهونات وإقراض الأموال للفلاحين. أما والدته، زفير بيهار، فجاءت من أسرة يهودية ثرية تعيش في إستنبول وتشتغل بتجارة السجاد. وقد اعتنقت زفير المسيحية الكاثوليكية وعمَّدت هنري وشقيقه راؤول سراً.
стр. 2845
تلقَّى هنري تعليمه الابتدائي والثانوي في مدارس الجزويت الفرنسية في مصر، ثم درس الحقوق الفرنسية بالقاهرة حيث كان والده يُعدُّه لإدارة مصرف العائلة. ومما يُذكَر أن البورجوازية الأجنبية في مصر، ومن بينها العائلات اليهودية، كانت تعيش في عزلة اجتماعية وثقافية عن أغلب أفراد الشعب المصري، وكان أبناؤها يتلقون تعليمهم في المدارس الأجنبية والجامعات الأوربية، وكانت الفرنسية هي لغة التخاطب فيما بينهم. وقد عبَّر كورييل عن هذا الانتماء الثقافي الأجنبي بقوله: «كان من الصعب على يهودي إيطالي تخرَّج من مدرسة فرنسية أن يجد نقطة ارتباط حقيقية في بلد مسلم، وكانت فرنسا هي الوطن الوحيد الذي أشعر بالارتباط به بعد أن فقدت إيماني [الديني] مبكراً» . ومع ذلك، نجد أن كورييل اختار، عند بلوغه سن الحادية والعشرين (عام ١٩٣٥) اتخاذ الجنسية المصرية، متنازلاً بذلك عن جنسيته الإيطالية بما كانت توفر له من امتيازات. وبرَّر كورييل هذه الخطوة بأنها تمت بدافع حبه لمصر ونفوره من هذه الامتيازات، وكذلك تأثره بمظاهرات الطلبة في مصر عام ١٩٣٥ المطالبة بالاستقلال الوطني وعودة دستور ١٩٢٣.
стр. 2846
وتأثر كورييل في هذه الفترة أيضاً بالفكر الاشتراكي والماركسي الذي تعرَّف إليه من خلال شقيقه راؤول الذي كان يدرس في فرنسا، كما صدمه بؤس أحوال الفلاحين والعمال في مصر، فحسم اختياره لصالح الشيوعية وقرَّر الانخراط في العمل السياسي في مصر لصالح الطبقات الكادحة. كما أن صعود الفاشية والنازية في أوربا كان من الأسباب التي دفعت أبناء الجاليات الأجنبية، وخصوصاً أبناء البورجوازية اليهودية، إلى الاهتمام بدراسة الماركسية. وقد شارك كورييل في الأنشطة المعادية للفاشية، وساهم في إصدار مجلة باللغة الفرنسية تدعو إلى مقاومة الفاشية. ثم انضم عام ١٩٣٩ إلى الاتحاد الديموقراطي الذي أسسه شقيقه راؤول كورييل بالتعاون مع جورج بوانتي ومارسيل إسرائيل والإيطاليين ساندروكا وباجيلي واليوناني كيبريو والمصري أحمد الأهواني الذي نشط أيضاً في مجال مكافحة الفاشية. وقد كان ذلك الاتحاد يعقد اجتماعاته الأولى في مركز محفل ماسوني إيطالي. وكما يقول كورييل، كان الماسونيون أعداء منطقيين للفاشية التي تضطهدهم وأصبح بعضهم مناضلين شيوعيين.
стр. 2847
وفي عام ١٩٤١، افتتح كورييل مكتبة بميدان مصطفى كامل، ولعبت هذه المكتبة دوراً مهماً في توفير الأدبيات الماركسية باللغات الأجنبية والعربية، بعد أن كانت هذه الأعمال ممنوعة منذ عام ١٩٢٤. وكانت هذه المكتبة كذلك حلقة اتصال بالعناصر الماركسية بين جنود قوات الحلفاء المتمركزين في مصر، ومن بينهم جنود الفرقة اليهودية التي عمل الصهاينة على تأسيسها للخدمة في صفوف الجيش البريطاني، وقام عناصرها بتوصيل الكتب المعادية للفاشية إلى الأسرى الألمان والإيطاليين. وكانت علاقة كورييل بعناصر هذه الفرقة، بل ثناؤه عليهم واستعداده لمساعدتهم، أحد الأسباب التي أثارت التساؤلات والجدل حول علاقته بالصهيونية فيما بعد. كما أن أنشطته هذه مع جنود الحلفاء أثارت الشكوك حول علاقته بالمخابرات البريطانية. وقد اتهمه الحزب الشيوعي الفرنسي بذلك بالفعل، خصوصاً أنه كان على علاقة صداقة بضابط إنجليزي بالمخابرات البريطانية كان يعمل في مصر خلال الحرب (روبرت براوننج) . وقد أكد كورييل أن براوننج كان ماركسياً وانضم بعد الحرب إلى الحزب الشيوعي البريطاني، ونفى أن تكون لعلاقته به أية أبعاد مريبة.
كما اهتم كورييل بتوزيع المنشورات المعادية للفاشية، والتي كانت تدعو المصريين إلى مقاومة التقدم الألماني، خصوصاً أن عناصر عديدة داخل الحركة الوطنية المصرية كانت على استعداد للترحيب والتعاون مع الألمان باعتبارهم أعداء الإنجليز.
стр. 2848
ونتيجةً لنشاطه السياسي، اعتُقل كورييل عام ١٩٤٢. ونظراً لأنه كان قد اكتسب الجنسية المصرية، أُودع معتقل الزيتون مع غيره من المصريين، ودامت مدة اعتقاله بين ٦ و٧ أسابيع. ولكنها كانت فرصة حقيقية ـ على حد قول كورييل ـ لكي يتلَّمس عن قرب، ولأول مرة، واقع السياسة المصرية، ويدرك مدى رفض المصريين للوجود البريطاني ومن ثم صعوبة استجابتهم لدعوى مقاومة المحور ومساعدة عدوتهم إنجلترا. ومن هنا، أدرك كورييل أن أفضل سبيل للوصول إلى الجماهير المصرية هو الانطلاق من موقف ثابت في عدائه للإمبريالية وتنمية أقوى حركة شيوعية يمكن إقامتها على هذه القاعدة. وراودته في تلك الفترة أيضاً فكرة اعتناق الإسلام كوسيلة لتأكيد مصريته، وهو ما كان بعض أصدقائه من اليهود قد أقدموا عليه بالفعل، إلى جانب تعمُّقهم في دراسة اللغة العربية، ولكنه عدل عن ذلك حتى لا تؤخذ هذه الخطوة على أنها محاولة للهروب من خطر النازية التي كانت تقف على أبواب مصر.
وقد خرج كورييل من المعتقل وهو أكثر اقتناعاً بضرورة بناء تنظيم شيوعي. وبالفعل، أسس عام ١٩٤٣ «الحركة المصرية للتحرر الوطني (حمتو) » . وتأسست في الوقت نفسه منظمتان شيوعيتان أخريان بقيادة عناصر يهودية أيضاً، وهما إيسكرا التي أسسها هيلل شوارتز والتي ركزت على تجنيد عناصر من المثقفين الأجانب والمصريين من أبناء البورجوازية المصرية ذوي الثقافة الفرنسية، ثم منظمة تحرير الشعب التي أسسها مارسيل إسرائيل وركزت على التوجه للعمال.
стр. 2849
واتسمت علاقة التنظيمات الثلاثة بالصراع والتنافس والخلاف حول قضايا فكرية وتنظيمية. وظلت هذه الانقسامات والخلافات التي وُلدت بها الحركة الشيوعة المصرية واحدة من السمات الملازمة لها بعد ذلك، وهو ما دفع بعض المؤرخين المصريين مثل سعد زهران للتساؤل عن أسباب هذه الانقسامات التي وُلدت بها الحركة الشيوعية والتي لم يكن لها مبرر واضح. وبسبب هذه الخلافات والصراعات، لم تعترف الحركة الشيوعية الدولية بأي من التنظيمات، بل كانت تشتبه وترتاب في نشاطاتهم وترى أنهم ليسوا أكثر من حفنة من البورجوازيين الصغار المنخرطين في معارك ديوك لا تنتهي ولا علاقة لهم بالنضال الثوري. وقد حاول كورييل مدَّ جسور التعاون مع السفارة السوفيتية في القاهرة وأجرى اتصالاً بمستشار السفارة عام ١٩٤٣. ورغم عدم إقبال الاتحاد السوفيتي على الاعتراف به أو بوجود شيوعيين في مصر، إلا أن هذا الاتصال أثار ضده تهمة العمالة للاتحاد السوفيتي.
стр. 2850
وبين قضايا الخلاف، كانت هناك مسألة التمصير والعمالية فقد أصر كورييل على تمصير حمتو، فضمت الحركة غالبية مصرية على جميع المستويات بما في ذلك اللجنة المركزية، على عكس منظمة إيسكرا مثلاً التي أصرت على بقاء قيادة التنظيم أجنبية خالصة. كما اهتمت حمتو بتوسيع القاعدة العمالية في صفوفها وركزت على تجنيد القيادات العمالية النشيطة، وتحركت في الجيش وفي صفوف الطلبة وكان لها كوادر بين طلبة الأزهر الذين كانوا حلقة الوصل بين الحركة والريف المصري. واهتم كورييل أيضاً بالتحرك بين صفوف النوبيين وتجنيدهم للعمل النضالي وإحباط محاولة الاستعمار فصل النوبة عن مصر، وكان لهم قسم خاص في الحركة، وكذلك كان الأمر مع السودانيين (ثم فُصل هذا القسم فيما بعد ليكوِّن الحركة السودانية للتحرر الوطني التي كانت نواة الحزب الشيوعي السوداني) . وكان موقف كورييل من السودان هو المطالبة بحقه في تقرير المصير، إما بالوحدة مع مصر أو الاستقلال التام عنه، وهذه هي أول سباحة ضد التيار العام للحركة السياسية المصرية على حد تعبير د. رؤوف عباس التي كانت تطالب بوحدة وادي النيل تحت التاج المصري.
وقد تبنَّى كورييل أيضاً موقفاً مؤيداً للوحدة العربية حيث اعتبرها حقيقة لابد منها. ومن ثم، فقد أيَّد تأسيس الجامعة العربية وجعل وحدة الشعوب العربية هدفاً من الأهداف السياسية لحمتو. واختلفت معه التنظيمات الشيوعية الأخرى واتهمته بالعمالة للإمبريالية.
أقام كورييل مدرسة لتعليم وتدريب كوادر الحركة في سراي عزبة والده بالمنصورية. ومن السلبيات التي تؤخذ على كورييل (وقد اعترف بها فيما بعد) التركيز على الإعداد الحركي للكوادر وعلى تدريبهم على العمل الجماهيري على حساب الإعداد النظري الكافي، وعلى تأصيل الثقافة الماركسية بينهم.
стр. 2851
وقد اهتم كورييل أيضاً بالعمل الجبهوي، حيث كان يرى أن من أهم أسباب فاعلية الحركة الجماهيرية وحدة القوى الوطنية بمختلف اتجاهاتها السياسية، ولذلك انضم مع يسار الوفد والإخوان المسلمين لتشكيل جبهة وطنية عام ١٩٤٦ عُرفت باسم اللجنة الوطنية للطلبة والعمال (انشق عنها الإخوان فيما بعد) . ولعبت هذه اللجنة دوراً رئيسياً في قيادة النضال الوطني عام ١٩٤٦، وهو ما دفع السلطات لبدء حملة اعتقالات واسعة شملت مائتي شخص فيما عُرف بقضية المؤامرة الشيوعية الكبرى وكان كورييل المتهم الأول فيها. وقد أُفرج عنه بعد عشرين شهراً بعد أن قضت محكمة الجنايات ببراءته.
وفي عام ١٩٤٧، بدأ التفكير في توحيد صفوف الحركة الشيوعية المصرية. وبالفعل، اتحدت حمتو مع إيسكرا لتكوين الحركة الديموقراطية للتحرر الوطني (حدتو) . ولكن هذا التنظيم الجديد لم يخل من الخلافات الفكرية والتنظيمية التي أسفرت عن انشقاقات وانقسامات جديدة نتجت عنها تنظيمات عديدة أخرى. وكان من أهم نقاط الخلاف مسألة التمصير ودور الأجانب أو المتمصرين في القيادة ومن بينهم هنري كورييل الذي اعتبر، برغم تأييده لمسألة التمصير، أن المطالبة بتخليه عن القيادة نوع من الشوفينية. ومن ناحية أخرى، يذهب بعض مؤرخي هذه الحقبة، مثل مصطفى طيبة، إلى أن السبب الرئيسي وراء انقسام وتَشرْذُم حدتو هو الجانب الانتهازي للوحدة، حيث كانت قيادة كل تنظيم تسعى إلى استقطاب كوادر الطرف الآخر نحوها وإقناعها بسلامة خطها الثوري وأنها تشكل التيار الثوري الوحيد. ويرى طيبة أن هذا الاتجاه ظل مسيطراً على سلوك جميع التنظيمات الشيوعية حتى بعد أن تم استبعاد جميع الأجانب عن الحركة الشيوعية، فكان وراء فشل التحالفات اللاحقة.
стр. 2852
ومن أهم أسباب الخلاف والانشقاق في تلك الفترة قضية فلسطين، وقد كان كورييل وراء الموقف المؤيد الذي اتخذته حدتو بالنسبة لقرار التقسيم عام ١٩٤٧ ومعارضتها بشدة دخول مصر الحرب. وأسَّس كورييل موقفه هذا من منطلق أممي وطبقي، وأيضاً تمشياً مع موقف الاتحاد السوفيتي والموقف الشيوعي العالمي إزاء قضية التقسيم. وأدان كورييل كلاًّ من الصهيونية والرجعية العربية والاستعمارين البريطاني والأمريكي، ونادى بالنضال المشترك لليهود والعرب في فلسطين ضد الاستعمار. ورغم رفض كورييل الصهيونية واعتباره إياها حركة بورجوازية متحالفة مع الاستعمار، إلا أنه لم ينكر حق اليهود في فلسطين في الوجود القومي، ودعا إلى التفرقة بين الصهيونية واليهود في فلسطين معتبراً أنهم أصبحوا ذوي سمات مميِّزة تختلف عن يهود الدول الأخرى وأصبحت لهم ثقافتهم ولغتهم ومؤسساتهم الخاصة. وبيَّن كورييل أن رُبع يهود فلسطين من الفلاحين والعمال وأن لهم حقوقاً قومية وسياسية يجب الاعتراف بها ومنحهم إياها، بما في ذلك حق الانفصال وذلك استناداً إلى شروط الأمة التي حدَّدها ستالين. واعتَبرَت حدتو أن الحرب ضد الصهاينة إثارة لحرب دينية لا يُفيد منها سوى المستعمر، ودعت إلى ضرورة تعبئة الجماهير الكادحة لمكافحة الاستعمار أولاً. وانتقد كورييل الدعاوى العنصرية التي حاولت حرف مسيرة الكفاح من كفاح سياسي ضد الاستعمار وضد الصهيونية كحركة استعمارية إلى كفاح عنصري ضد اليهود. وكان لموقف حدتو من قضية فلسطين انعكاس سلبي على شعبية الحركة الماركسية بأكملها رغم أن التنظيمات الشيوعية الأخرى اتخذت موقفاً معارضاً للتقسيم ورغم إدانة الحركة بشكل عام للصهيونية. كما كان موقفه هذا من أهم أسباب اتهامه بالصهيونية، سواء من قبَل معارضيه داخل الحركة الشيوعية أو من قبل القوى السياسية الأخرى في مصر.
стр. 2853
وقد اعتُقل كورييل مع غيره من الشيوعيين في مايو ١٩٤٨ بعد إعلان الأحكام العرفية بسبب حرب فلسطين. لكنه رفض أن يتم الإفراج عنه مقابل قبوله الهجرة من مصر وترحيله إلى إسرائيل، كما فعل بعض الشيوعيين اليهود، فظل في المعتقل مع سائر الشيوعيين المصريين حتى أُفرج عنه عام ١٩٥٠. وحاول أن يعيد تنظيم صفوف حدتو بعد ظروف الاعتقالات والانقسامات، ولكن أجهزة الأمن المصرية قامت بإبعاده من البلاد في العام نفسه بحجة بطلان إجراءات اكتسابه للجنسية المصرية عام ١٩٣٥. وقد رفض كورييل الذهاب إلى إسرائيل، وظل لفترة في إيطاليا، ثم نجح في دخول فرنسا حيث استقر في باريس، وهناك كوَّن مجموعة روما للحركة الديموقراطية للتحرر الوطني التي تشكلت من العناصر اليهودية التي خرجت من المعتقل في مصر عام ١٩٤٩ وتوجهت إلى إسرائيل ثم فضَّلت التوجه والاستقرار في فرنسا. وظلت المجموعة على اتصال وثيق بكوادر حدتو في مصر وقدمت العون المادي والمعنوي لمعتقليها في سجون مصر. وفي عام ١٩٥٨، قرَّر الحزب الشيوعي المصري المتحد حل مجموعة روما وفصل أعضائها لأنهم مجموعة أجنبية ومنعزلة عن الواقع المصري وبعيدة عن رقابة الحزب.
ولم يكن ذلك نهاية نشاط كورييل السياسي، إذ نقل اهتمامه السياسي من مصر إلى الجزائر. فأيَّد حركة التحرير الجزائرية واعتُقل مع قادتها، وبعد نجاح الثورة كان من بين مستشاري بن بللا. كما يبدو أنه كان على علاقة بمنظمات إرهابية وبحركات ثورية ويسارية في العالم الثالث على حد زعم أحد المصادر الفرنسية التي اتهمته بالعمالة للمخابرات السوفيتية.
стр. 2854
أما على صعيد الصراع العربي الإسرائيلي، فقد كان كورييل حريصاً على إقرار السلام بين الطرفين. ورغم اعترافه بحق الفلسطينيين في الوجود القومي، إلا أنه ظل يؤمن بوجود قومية إسرائيلية ويدين المغامرات التوسعية الصهيونية، لكنه لم يُغيِّر موقفه المتمثل في ضرورة الوجود الآمن لإسرائيل. وكان كورييل قد أدان العدوان الثلاثي على مصر عام ١٩٥٦، ولكننا بعد حرب عام ١٩٦٧ نجده (كما جاء في خطاب له أورده جيل بيرو في كتاب رجل من طراز خاص) يقول: «الجماهير الإسرائيلية ترى أن الحرب لم تكن عدواناً من إسرائيل ولكن نضالاً من أجل بقاء بلدهم. فهل يُعقَل أن نطلب منهم العودة إلى وضع يصبحون فيه مهددين بالإبادة والفناء؟ وضع يتعيَّن عليهم أن يتنازلوا فيه عن الثمار التي حصلوا عليها مقابل تضحياتهم الجسيمة وبدون أي مقابل؟» .
وسعى كورييل في قضية السلام بين العرب وإسرائيل، وكان على صلة بالحزب الشيوعي الإسرائيلي وكذلك ببعض عناصر منظمة التحرير الفلسطينية، وعمل على تدبير اللقاءات بين كلا الطرفين وعلى تشجيع الحوار بينهما.
стр. 2855
وقد جاء اغتيال كورييل، والذي يُرجَّح أنه تم بيد أحد أجهزة المخابرات، ليزيد الاتهامات ويعمِّق الشكوك والتساؤلات التي طالما أحاطت به. ومن أهم التساؤلات التي طُرحت حوله بشكل خاص، والحركة الشيوعية المصرية بشكل عام، لماذا عاد هذا التيار إلى الحياة السياسية في مصر، بعد أن غاب وجوده منذ عام ١٩٢٦، على أيدي عناصر أجنبية أغلبها من اليهود الأجانب أو المتمصرين ومن أبرزهم كورييل؟ فيتساءل محمد سيد أحمد: هل كان الدافع الحقيقي هو إنشاء حركة مستقلة للطبقة العاملة المصرية كما كانوا يدَّعون، أم كان إطلاق حركة رأي عام للمصريين والمثقفين الوطنيين والشباب المتحمس؟ حركة كفيلة بحمايتهم كجالية في وجه توجُّه العديد من الشباب إلى النازية؟ ويشير سعد زهران إلى أن بريطانيا كانت تشجع في مصر (بعد عام ١٩٣٦) الأنشطة المعادية للفاشية بين الجاليات الأجنبية، وأن أغلب الذين قاموا بهذه المهمة كانوا من اليهود الماركسيين الذين اجتمع لديهم حافز الخوف من هتلر مع القدرة على استخدام الماركسية. ويتساءل د. رؤوف عباس أيضاً عن السبب الذي دفع شباب البورجوازية اليهودية في مصر بالذات إلى اعتناق الماركسية وتأسيس الحركة الشيوعية دون غيرهم من الشرائح الأخرى من البورجوازية، ولماذا حدث ذلك في ظروف الحرب العالمية الثانية بالذات؟ ويؤكد د. رؤوف عباس على أن هذه الأسئلة تصبح مهمة إذا عرفنا أن الطلائع الماركسية اليهودية جلبت للحركة الشيوعية المصرية داء التكتلية والانقسام، كما جلبت إليها داء الإغراق في المناقشات النظرية والدخول في خلافات أيديولوجية مُصطنعة دون الاهتمام بالنضال السياسي، حتى يبدو الأمر كله وكأنه مُخطَّط مُعَد مُسبقاً.
стр. 2856
أما طارق البشري، فيذهب صراحةً إلى أن هذا الوجود اليهودي الأجنبي في الحركة الشيوعية المصرية لم يكن بعيداً عن التحرك الصهيوني في منطقة المشرق العربي المتاخمة لفلسطين، وهو التحرك الذي أسفر عن إنشاء دولة إسرائيل عام ١٩٤٨. كما يشير إلى أن إلغاء الامتيازات الأجنبية في منتصف الثلاثينيات أثار مخاوف الجاليات الأجنبية من ضياع امتيازاتهم الاقتصادية والاجتماعية فبدأوا يسعون لأن يكون لهم دور ما في الحركة السياسية المصرية ويشجعون عدداً من أفراس الرهان، منها الحركة الشيوعية، وحسبهم منها أن تكون ركيزة لمقاومة التيارين الإسلامي والقومي وهما تياران شعبيان. كما يرى طارق البشري أن الترويج للشيوعية اتفق مع التوجه الأجنبي اليهودي في السعي لتكوين منطقة أيديولوجية في السياسة المصرية وبين الشباب، منطقة تصلح مكاناً وموئلاً للوجود الأجنبي في السياسات المصرية. أما بالنسبة لكورييل ذاته، فيرى طارق البشري أن تكوينه الوجداني يتلاءم بشدة مع أنشطة المخابرات، فهو إنسان منقطع الجذور بارد الفكر والأعصاب، قراراته تتشكل دون دخل لأية عواطف أو غرائز. كما يؤكد أنه رغم رفض كورييل للصهيونية وإنكاره لها، إلا أن تحليله للوضع في فلسطين وموقفه إزاء هذه القضية كان في النهاية لصالح الصهيونية ومشروعها. كما يشير المؤرخون إلى مدى سيطرة العناصر اليهودية الأجنبية والمتمصرة على التنظيمات الشيوعية وحرصها على الاحتفاظ بمواقع القيادة، وأنهم ظلوا يمارسون نفوذاً قوياً على هذه التنظيمات حتى بعد إبعادهم عن مصر.
стр. 2857
وأغلب التساؤلات السابقة تجد أن من الغريب وجود اليهود الأجانب والمتمصرين على رأس التنظيمات الشيوعية في مصر خلال الأربعينيات. وتلقى بعض التفسرات المطروحة قدراً من الضوء على العوامل التي قد تكون وراء ذلك. ولا يمكن تفسير هذه الظاهرة بشكل موضوعي دون أن يُؤخَذ في الاعتبار وضع الجاليات الأجنبية في مصر بشكل عام وأعضاء الجماعة اليهودية بشكل خاص، وذلك داخل إطار التحولات الخارجية الجارية على الساحة الدولية والتحولات والتفاعلات الداخلية الجارية في النسيج الاجتماعي والسياسي للمجتمع المصري في هذه الحقبة التاريخية.
وبدايةً، نجد أن أغلب الجاليات الأجنبية، خصوصاً الطبقة البورجوازية منها، بحكم وجودها على هامش المجتمع المصري وابتعادها عن الحركة السياسية المصرية وعدم اهتمامها بها، كانت أكثر ارتباطاً بما يجري في أوربا. ولذلك، فإننا نجد أن كل الجاليات الأجنبية في ذلك الحين، كما يشير مصطفى طيبة، كانت تزخر باتجاهات وتيارات فكرية متعددة تُعتبَر انعكاسات لما كان يجري في أوطانها الأصلية (بما في ذلك الاتجاهات الاشتراكية بمدارسها المختلفة، والليبرالية، بل الفاشية والنازية أيضاً) . ومع أن نشاط هذه الاتجاهات كان منحصراً داخل أفراد كل جالية، فإن ذلك لم يَحُل دون ظهور تنظيمات تضم أجانب من جنسيات مختلفة، ولذلك نجد أن أكثر العناصر اليهودية التي اعتنقت الفكر الماركسي كانوا أبناء البورجوازية والجامعات الفرنسية ممن تلقوا تعليمهم في المدارس الثانوية الفرنسية والجامعات الفرنسية، ومن ثم ارتبطوا ثقافياً ووجدانياً بفرنسا وتأثروا، كما يقول لنا كورييل نفسه، بالنضال الأوربي (وخصوصاً بانتصار الحزب الشيوعي الفرنسي والجبهة الشعبية في انتخابات ١٩٣٦) ، كما تأثروا بالحركة الشيوعية الدولية أكثر من العناصر المصرية، وبتجربة الاتحاد السوفيتي وبأدائه خلال الحرب العالمية الثانية، وخصوصاً في معركة ستالينجراد.
стр. 2858
وكانت هذه الجاليات تتابع عن كثب التطورات الجارية في أوربا ومن بينها صعود الفاشية والنازية والتي عملت، على حد قول رفعت السعيد، على تزايد الاهتمام بالعمل السياسي والاجتماعي بين أعضاء الجاليات (خصوصاً بين اليهود) الذين أثار ذعرهم اشتداد هجمات جيوش المحور على حدود مصر. بالإضافة إلى أن أغلب أعضاء البورجوازية اليهودية في مصر كانوا يحملون الجنسية الإيطالية ويحتلون مواقع بارزة داخل الجالية الإيطالية، ومن ثم فقد كانوا أقرب لتلمُّس أثر امتداد الفاشية إلى أبناء الجالية الإيطالية وتأثيرها عليهم، وساهموا في تشكيل جماعات مناهضة للفاشية لمواجهة هذا الاتجاه داخل الجالية. ومما لا جدال فيه أن أغلب العناصر اليهودية التي ساهمت في تأسيس التنظيمات الشيوعية خرجت من بين صفوف الجماعات التي تأسست أصلاً لمكافحة الفاشية في تلك الفترة، مثل اتحاد أنصار السلام الذي أسسه بول جاكو دي كومب عام ١٩٣٤، ثم الاتحاد الديموقراطي الذي سبق ذكره. كما كان للتحركات الاجتماعية والسياسية في مصر انعكاسها على وضع الأقليات الأجنبية، ومن أهمها صعود حركة وطنية مصرية قوية معادية للوجود الأجنبي وللبورجوازية المهيمنة على اقتصاد البلاد والمرتبطة بالمصالح الاستعمارية وبالرأسمالية الأوربية. وقد ظهر في الثلاثينيات أيضاً تياران سياسيان، أحدهما ذو اتجاه قومي مصري (مصر الفتاة) والآخر ديني إسلامي (الإخوان المسلمون) ، وكلاهما كان معادياً بشدة للوجود الأجنبي. وكان وضع الجماعة اليهودية أكثر حساسية، وخصوصاً مع تصاعُد الصراع حول فلسطين. وقد وجَّه التيار الديني الاتهام لليهود باعتبار أنهم طابور خامس للصهيونية، كما قامت عناصره مع عناصر من مصر الفتاة بالهجوم على بعض الممتلكات والمعابد اليهودية عام ١٩٤٥ أثناء المظاهرات التي قامت بمناسبة ذكرى وعد بلفور. وقد اتهم كورييل هذين التيارين بالفاشية ومعاداة اليهود.
стр. 2859
ولا شك أيضاً في أن إلغاء الامتيازات عام ١٩٣٧ كان له أعظم الأثر في إثارة مخاوف الجاليات الأجنبية، ومن بينهم اليهود من أعضاء البورجوازية، على مستقبل أوضاعهم ومصالحهم الاقتصادية والاجتماعية، ومن ثم اهتمامهم بالاشتراك في الحياة السياسية والاجتماعية في مصر. ولكن يجب التذكير بأن كورييل اختار التنازل عن هذه الامتيازات بمحض إرادته وذلك عندما اختار الجنسية المصرية عام ١٩٣٥.
وتبنَّى أعضاء الجماعة اليهودية في مصر ردود أفعال متباينة إزاء هذه التحولات. فاليهود في مصر لم يُشكِّلوا جماعة متجانسة ثقافياً أو اجتماعياً أو طبقياً، بل تنوعت أصولهم الإثنية وجنسياتهم وثقافتهم ولغاتهم ومواقفهم الطبقية ومصالحهم الاقتصادية، ومن ثم اختلفت خياراتهم وتنوع نشاطهم السياسي.
стр. 2860
واختار أغلب أعضاء الجماعات اليهودية، وخصوصاً أعضاء البورجوازية اليهودية السفاردية التي كانت تخشى على مصالحها المالية والتجارية في مصر، عدم الانخراط في السياسة وتأكيد ولائهم للدولة والملك ورفض الصهيونية والشيوعية على حدٍّ سواء. في حين اتجه قطاع آخر على رأسهم يوسف أصلان قطاوي وابنه رينيه قطاوي وحاييم ناحوم أفندي كبير حاخامات مصر إلى تأييد الحركة الوطنية المصرية والدعوة إلى ضرورة تمصير أعضاء الجماعة اليهودية ودمجهم في المجتمع المصري. كما أبدى نادي الشباب اليهودي المصري خلال الثلاثينيات والأربعينيات تضامنه مع المطالب الوطنية المصرية بشكل عام ومع حزب الوفد بشكل خاص، ولكن هذا التيار ظل هامشياً للغاية وانحصر في عدد من المحامين والكُتاب والصحفيين اليهود ولم ينجح في تعريب أو تمصير أعضاء الجماعة. واختار قطاع ثالث الصهيونية، وتركزت أغلب هذه العناصر بين اليهود الإشكناز وعناصر الطبقات الدنيا والوسطى من أعضاء الجماعة، وخصوصاً بعد عام ١٩٤٧، حيث كانت هذه العناصر أكثر القطاعات تضرراً من قوانين التمصير. واختار قطاع رابع الشيوعية، وذلك باعتبارها السبيل الوحيد نحو الاندماج في المجتمع المصري على أسس أممية وعن طريق إجراء تحويل جذري في البنية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في البلاد. وقد تركزت أكثر هذه العناصر كما أسلفنا بين أبناء البورجوازية الكبيرة والمتوسطة من خريجي المدارس الفرنسية.
стр. 2861
ومما سبق، تتضح بعض العوامل التي تُفسِّر نشأة التنظيمات الشيوعية في مصر على أيدي عناصر أجنبية يهودية بشكل خاص. وكان لهذه النشأة ولا شك آثار على طبيعة هذه التنظيمات وسياستها من أهمها تأكيد وتضخيم مفهوم الأممية على حساب المفهوم القومي والخضوع لتقديرات الوطن الاشتراكي الأول (الاتحاد السوفيتي) . وقد يُفسِّر ذلك موقف كورييل وحدتو من قضية فلسطين (وإن كان يجب الأخذ في الاعتبار أن التنظيمات الشيوعية الأخرى، تحت قيادة عناصر يهودية أيضاً، قد رفضت قرار التقسيم) ، بالإضافة إلى أن كورييل ظل حتى آخر حياته متمسكاً بوجود قومية إسرائيلية وبحق إسرائيل في الوجود الآمن. ولا شك أيضاً في أن ثقافة كورييل الأجنبية، وكذلك ثقافة غيره من الماركسيين الأجانب ونشأتهم على هامش المجتمع المصري وفي عزلة عنه، حال دون صياغة نظرية مصرية لتفسير وتغيير المجتمع المصري العربي، نظرية تستند إلى إدراك حقيقي ودقيق لواقع هذا المجتمع بتفاصيله وتناقضاته وخصوصيته، الأمر الذي نتجت عنه سلسلة من الأخطاء السياسية وما صاحبها من انقسامات وتشرذم.
ورغم علامات الاستفهام التي ظلت تطارد هنري كورييل طوال حياته، فقد ساهم بشكل فعال (كما يذكر د. رؤوف عباس) في أن أصبح الفكر الاشتراكي والماركسي مطروحاً بشكل أكثر إلحاحاً على الساحة السياسية المصرية، وفي إعداد الكوادر المصرية من العمال والمثفقين الذين كانت لهم إسهامات مهمة في الحركة الشيوعية المصرية، وفي تأسيس أكثر التنظيمات الشيوعية المصرية استمراراً وأوسعها قاعدة.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن الحركة الشيوعية المصرية كانت لها إسهاماتها الثرية في المجال الفكري والثقافي والسياسي المصري، ولعبت دوراً بارزاً في حركة التحرر الوطني ضد الاستعمار. وكما يذكر طارق البشري، فإن الحركة الشيوعية قد أغنت السياسات الوطنية بمفاهيم جديدة تتعلق بالمضمون الاجتماعي لحركة التحرر الوطني وبالتصنيف الطبقي للمجتمع وتأكيد أولوية التحرر الاقتصادي والسياسي من الاستعمار.
стр. 2862
الجزء الثاني: ثقافات الجماعات اليهودية
الباب الأول: ثقافات الجماعات اليهودية
ثقافات أعضاء الجماعات اليهودية: تعريف وإشكالية
Cultures of the Jewish Communities: Definition and Problematic
كلمة «ثقافة» لها معنيان أو استخدامان رئيسيان:
١ ـ معنى متسع: أسلوب الحياة في المجتمع بكل ما ينطوي عليه من موروث مادي ومعنوي حي.
٢ ـ معنى ضيق: الأنشطة الإبداعية المتميِّزة في الآداب والفنون الأدائية والتشكيلية ونحن نستخدم الكلمة بكلا المعنيين.
стр. 2863
وتشير معظم الكتابات التي تتناول أعضاء الجماعات اليهودية إلى «الثقافة اليهودية» ، و «التراث اليهودي» ، و «الموروث اليهودي» . وهذه المُصطلَحات، شأنها شأن مُصطلَحات الاستقلال اليهودي الأخرى، مثل «التاريخ اليهودي» و «القومية اليهودية» ، تفترض أن الجماعات اليهودية في العالم ذات حضارة يهودية مستقلة وثقافة يهودية مستقلة وتراث يهودي مستقل عن حضارة وثقافة وتراث المجتمعات التي يُوجَد أعضاء الجماعة اليهودية فيها، وأن إسهامات اليهود الحضارية المختلفة سواء في بابل في العصور القديمة أو في فلسطين في العصور الوسطى في الغرب أو في بولندا والهند والصين في القرن السادس عشر أو في ألمانيا في القرن التاسع عشر أو في الولايات المتحدة واليمن في القرن العشرين، ورغم تنوُّعها الحتمي والمُتوقَّع، تُعبِّر عن نمط واحد (وربما جوهر يهودي) . ويستند مفهوم الإثنية اليهودية (وهو مفهوم صهيوني أساسي) إلى افتراض وجود مثل هذه الثقافة المستقلة. بل يُلاحَظ أن الصهاينة أسقطوا المفهوم العرْقي للهوية اليهودية ويؤكدون بدلاً من ذلك البُعد الثقافي (الإثني) لهذه الهوية.
ومفهوم الهوية الإثنية المستقلة تعمَّق حتى تغلغل تماماً في النسق الديني اليهودي ذاته. فاليهودية المحافظة، على سبيل المثال، تدور حول مفهوم التاريخ اليهودي والثقافة اليهودية. وقد أسَّس المفكر الديني الأمريكي اليهودي مردخاي كابلان فرقة يهودية تُسمَّى «اليهودية التجديدية» تستند إلى الإيمان بالحضارة اليهودية والثقافة اليهودية والتراث اليهودي، وإلى أن هذا التراث شيء مقدَّس يشغل المكانة نفسها التي شغلها الخالق في التفكير الديني اليهودي التقليدي. وغني عن القول أن المشروع الصهيوني بأسره يستند إلى رفض الأساس الديني الغيبي للهوية اليهودية ويُحل محلها فكرة الثقافة اليهودية المستقلة.
стр. 2864
ونحن نذهب إلى أنه يمكن القول بوجود تشكيلين حضاريين «يهوديين» يتمتعان بقدر محدود من الاستقلال عما حولهما من تشكيلات حضارية:
١ ـ الثقافة العبرية القديمة، التي تمتعت بقدر من الاستقلال داخل التشكيل الحضاري السامي في الشرق الأدنى القديم. ومع هذا ظل هذا الاستقلال محدوداً للغاية بسبب بساطة الحضارة العبرانية وضعف الدولة العبرانية وتبعية الدولتين العبرانيتين (مملكة يهودا ومملكة يسرائيل) للإمبراطوريات الكبرى في الشرق الأدنى القديم (العبرية ـ الآشورية ـ البابلية ـ الفارسية) . والتبعية السياسية، بخاصة في العصور القديمة، كانت تؤدي إلى تبعية ثقافية بل دينية. ولذا استعارت الثقافة العبرانية الكثير من حضارات هذه الإمبراطوريات.
٢ ـ الثقافة الإسرائيلية (أو العبرية الحديثة) . وهذه الثقافة مستقلة ولا شك عن التشكيل الحضاري العربي. ولكنها مع هذا لا تزال جديدة لم تكتمل مفرداتها الحضارية بعد. كما أن الصراع الثقافي الحاد بين عشرات الجماعات اليهودية التي انتقلت إلى إسرائيل ومعها تقاليدها الحضارية (سفارد ـ إشكناز ـ يهود البلاد العربية ـ فلاشاه ـ بني إسرائيل من الهند ـ يهود بخارى ـ يهود قرّاءون ـ سامريون.. إلخ) . جعلت بلورة مثل هذه الثقافة أمراً عسيراً.
стр. 2865
ولكن العنصر الأساسي الذي يتهدد عملية بلورة خطاب حضاري إسرائيلي مستقل هو أن المجتمع الإسرائيلي مجتمع استيطاني يدين بالولاء الكامل للولايات المتحدة الأمريكية ويعاني من تبعية اقتصادية وعسكرية مذِّلة لها، فهو يدين لها ببقائه وبمستواه المعيشي المتفوق، ولذا فثمة اتجاه حاد نحو الأمركة، يكتسح في طريقه كل الأشكال الإثنية الخاصة التي أحضرها المستوطنون معهم من أوطانهم الأصلية. ومما عمَّق هذا الاتجاه أن المجتمع الإسرائيلي مجتمع علماني تماماً ملتزم بقيم المنفعة واللذة والإشباع المباشر والنسبية الأخلاقية والاستهلاكية، وهذا يتعارض مع محاولة إحداث التراكم الحضاري. ومع ظهور النظام العالمي الجديد والاستهلاكية العالمية، فإن من المتوقع أن تزداد الأمور سوءاً.
стр. 2866
وبخلاف الحضارة العبرانية القديمة والثقافة الإسرائيلية الجديدة لا يمكن الحديث عن ثقافة أو حضارة يهودية مستقلة أو شبه مستقلة. فاليهود، مثلهم مثل سائر أعضاء الجماعات والأقليات الدينية والعرْقية الأخرى، يتفاعلون مع ثقافة الأغلبية التي يعيشون في كنفها ويستوعبون قيمها وثقافتها ولغتها. وإن كان هناك درجة من الاستقلال لكل جماعة يهودية عن الأغلبية، فإن هذا الاستقلال لا يختلف عن استقلال الأقليات الأخرى عن الأغلبية، كما أنه لا يعني بالضرورة أن ثمة عنصراً (عالمياً) مشتركاً بين كل جماعة يهودية وأخرى. فالعبرانيون، منذ ظهورهم في التاريخ، تبنّوا حضارات الأمم الأخرى، ابتداءً من اللغة، ومروراً بالمفاهيم الدينية، وانتهاءً بالطراز المعماري. وعلى سبيل المثال، لا يُعرَف طراز معماري يهودي، أو فن يهودي مستقل، فهيكل سليمان كان يتبع الطراز الآشوري الفرعوني (المصري) ، ولم يكن يختلف كثيراً عن الهياكل الكنعانية. كما نعلم أن الذي قام بتنفيذه هم عمال مهرة من فينيقيا، وأن الأخشاب قد اُستوردت من هناك أيضاً، وكذلك تتبع المعابد اليهودية في العالم العربي الطراز العربي. أما جنوب الولايات المتحدة في القرن التاسع عشرعلى سبيل المثال، فكانت المعابد اليهودية فيه تُبنَى على الطراز النيو كلاسيكي السائد هناك آنذاك.
стр. 2867
وكثير من المنتجات الحضارية التي يستخدمها أعضاء الجماعات اليهودية والتي تعطي انطباعاً بأنها منتجات يهودية خالصة، يظهر بعد التحليل الفاحص أنها في واقع الأمر ليست كذلك. فلحن صلاة النذور مأخوذ من لحن مسيحي، وألحان نشيد الهاتيكفاه (النشيد الوطني الإسرائيلي) مقتبسة من أغنية شعبية رومانية. ونجمة داود الشهيرة لم تصبح رمزاً يهودياً إلا في العصر الحديث بعد أن كانت رمزاً مسيحياً من قبل. والفنانون التشكيليون اليهود في العصر الحديث، أمثال مارك شاجال، ينتمون إلى تراث فني غربي، ولا يمكن رؤيتهم في إطار ثقافة يهودية مستقلة. ولا يُعرف أيضاً تراث أدبي يهودي مستقل، فالأدباء اليهود العرب في الجاهلية والإسلام اتبعوا التقاليد السائدة في عصورهم. وكذلك الأدباء اليهود في الولايات المتحدة وإنجلترا، فإبداعهم الأدبي مرتبط بالتراث الذي ينتمون إليه، وهذ أمر طبيعي.
стр. 2868
لا توجد إذن ثقافة يهودية مستقلة، عالمية، تُعبِّر عن وجدان أعضاء الجماعات اليهودية وسلوكهم وإنما تُوجَد ثقافات يهودية مختلفة باختلاف التشكيل الحضاري الذي يُوجَد أعضاء الجماعات اليهودية داخله. ولذا يجدر بنا أن نتحدث عن ثقافة غربية يهودية أو ثقافة عربية يهودية، وبذا نخفض من مستوى تعميمنا حتى يتلاءم مع الظاهرة التي ندرسها. ولكننا لو فعلنا ذلك فإننا سنكتشف، على سبيل المثال، أن الثقافة العربية اليهودية هي، في نهاية الأمر، جزء من الثقافة العربية، ولا تُوجَد ملامح يهودية خاصة إلا في بعض الموضوعات وبعض المضامين المختلفة إذ تظل البنية العامة بنية عربية. ولنضرب مثلاً بيعقوب صنوع (أبو نظارة) أحد رواد المسرح والصحافة الساخرة في مصر. إن يهوديته لا يمكنها أن تُفسِّر أدبه وفكره وحبه للفكاهة، فهذه أمور مصرية صميمة. ولتحاول على سبيل التجربة أن تُفسِّر سيرة حياته الشخصية والفكرية أو قصة النجاح اليهودية في الولايات المتحدة أو عنصرية يهود جنوب أفريقيا في إطار الجيتو اليهودي في شرق أوربا، لو فعلت ذلك لاكتشفت مدى عجز مثل هذا النموذج التفسيري الذي يفترض وجود ثقافة يهودية واحدة عالمية. وقل الشيء نفسه عن الفنان المصري داود حسني، فهو ملحن وموسيقي مصري يهودي ويُقرَن اسمه بموسيقيين من أمثال سيد درويش وكامل الخلعي حيث لعب دوراً بارزاً في نهضة الموسيقى في مصر وفي إثرائها في العقود الأولى من القرن العشرين. وتقوم الإذاعة الإسرائيلية بالإشارة إلى داود حسني باعتباره موسيقاراً يهودياً، وهو أمر يستحق التأمل دون شك إذ أننا لو حاولنا البحث عن أي بُعد يهودي في موسيقاه لأعيتنا الحيلة.
стр. 2869
وإذا أردنا بلورة وجهة نظرنا بشكل أكثر حدة (وربما طرافة) وإذا أردنا أن نبيِّن المقدرة التفسيرية لنموذجنا المقترح (مقابل النموذج الصهيوني القائل بالثقافة اليهودية ووحدتها) فلننظر إلى ظاهرة مثل الرقص الشرقي (الذي يُقال له البلدي؛ أي هز البطن) . كان هناك العديد من الراقصات المصريات اليهوديات في كاباريهات القاهرة، في فترة الأربعينيات. ويوجد عدد لا بأس به منهن الآن في الولايات المتحدة (خصوصاً كاليفورنيا) . ويُوجَد عدد من الراقصات «البلدي» في الدولة الصهيونية، بل توجد مدرسة متخصصة لتدريس هذا «الفن» في إسرائيل. وقد أثار المتدينون اليهود قضية بدلة الرقص الفاضحة أثناء إحدى جلسات الكنيست. فهل أصبح الرقص الشرقي بذلك «فناً يهودياً» وجزءاً من «التراث اليهودي» أم أنه ظل فناً شرقياً، ولا يمكن فهمه أو حتى فهم اشتغال بعض اليهوديات به إلا في إطار آليات وحركيات الحضارة العربية؟
وستتضح المقدرة التفسيرية لنموذجنا التفسيري المقترح (عدم وجود ثقافة يهودية واحدة) حينما نطبقه على الجماعات اليهودية في الحضارة الغربية، إذ سنلاحظ أنه لا توجد ثقافة يهودية غربية واحدة، وإنما ثقافات يهودية بعدد الدول التي يتواجد فيها أعضاء الجماعات اليهودية، فثقافة يهود إسبانيا (السفارد) هي ثقافة إسبانية، تماماً مثلما أن ثقافة يهود ألمانيا ثقافة ألمانية، وثقافة يهود إيطاليا ثقافة إيطالية، وهكذا. ويقول المؤلف الإنجليزي اليهودي آرثر كوستلر إن ما يُعرَف بالتراث اليهودي أو الثقافة اليهودية (بمعنى عام لا بمعنى ديني وحسب) أمر ليس من السهل تعريفه إذ أن كل ما يَصدُر عن أعضاء الجماعات اليهودية في العالم ليس يهودياً بالمعنى المُحدَّد، وليس جزءاً من تراث قائم. فإنجازات اليهود الأفذاذ الفلسفية والعلمية والفنية تتوقف على معطيات ثقافة الشعوب الأخرى وحضاراتها.
стр. 2870
ولذا، فإن التعريف الصهيوني للهوية اليهودية الذي ينطلق من الثقافة (أي التعريف الإثني) تعريف عار من الصحة، تماماً مثل التعريف العرْقي. وربما تُبيِّن الصورة العامة في إسرائيل الآن أن أسطورة الثقافة اليهودية هي من قبيل الأكاذيب العقائدية الصهيونية العديدة. فاللغة الأمهرية التي يتحدث بها الفلاشاه، والجعزية التي يتعبدون بها، هي لغات ربما لم يسمع بها الإسرائيليون، تماماً كما لم يسمع الفلاشاه من قبل بالعبرية أو اليديشية.
والنموذج التفسيري الصهيوني بافتراضه وجود ثقافة يهودية واحدة مستقلة يخلق مشكلات لا حصر لها في عملية تعريف من هو المثقف اليهودي، فلا يوجد نمط واحد لتناول المثقفين أو الأدباء اليهود الموضوعات اليهودية. فهناك من يتناول الموضوعات اليهودية من منظور يهودي ما (مثل مائير لفين) ، ولكن هناك أيضاً من يتناولها من منظور معاد لليهود (مثل ناثانيل وست) ، وثمة فريق ثالث يتجاهل الموضوع اليهودي تماماً في كل كتاباته أو في معظمها (مثل ليونيل ترلنج) ، وهناك فريق رابع يتناول الموضوع اليهودي ولكنه يضعه في سياق إنساني عام ويرى أن غربة اليهودي الحادة إن هي إلا تعبير عن أزمة الإنسان (العلماني) الحديث (كما يفعل وودي ألين وإيزاك بابل) . وهذا التنوع يجعل من العسير إطلاق اصطلاح «مثقف يهودي» على كل هؤلاء. وفي عام ١٩٨٩، صدر كتاب بعنوان ذا بلاكويل كومبانيون تو جويش كلتشر The Blackwell Companion to Jewish Culture (أي دليل بلاكويل للثقافة اليهودية) . لكن هذا المعجم لا يضم سوى أسماء المثقفين اليهود داخل التشكيل الحضاري الغربي، ويستبعد كل المثقفين اليهود الشرقيين، مثل يعقوب صنوع وغيره. ولعل محرري هذا المعجم قد فعلوا ذلك ليفرضوا نوعاً من الوحدة عليه. ولكن الوحدة في هذه الحالة هي وحدة غربية وليست يهودية.
стр. 2871
ولكن المشكلة الأخرى هي أن هذا المعجم يضم أسماء مثقفين يهود معادين بشكل أساسي لليهودية ولا يمكن فهم فكرهم إلا في إطار تقاليد معاداة اليهود في الحضارة الغربية، فهل يُصنَّف هؤلاء باعتبارهم مثقفين يهوداً يُعبِّرون عن الثقافة اليهودية، بينما يُستبعَد المثقفون الشرقيون اليهود؟
وهناك مشكلة ثالثة وهي مجموعة المثقفين اليهود الذين يؤكدون انتماءهم للحضارة المسيحية باعتبارها مصدراً لوحيهم ولرؤيتهم للكون، مثل بوريس باسترناك وإيليا إهرنبرج (في مرحلة من مراحل حياته) . بل هناك فيلسوف روسي يُسمَّى ليف شستوف ظهر اسمه في كتاب حول أهم ثلاثة فلاسفة يهود في العصر الحديث ومعه مارتن بوبر وروزنزفايج. ولكن المعجم الذي نتحدث عنه لم يورد اسمه لسبب وجيه هو أن هذا الفيلسوف الذي وُلد لأم يهودية يُعتبَر فيلسوفاً مسيحياً لأنه يتحدث عن واقعة صلب المسيح باعتبارها أهم حدث تاريخي. ولكن، رغم استبعاد معجم بلاكويل لاسمه، فإننا نجد أن اسمه ورد في الموسوعة اليهودية. وهناك أيضاً حالة نعوم تشومسكي، وهو من أشهر علماء اللغة في العصر الحديث ويجيد العبرية وعاش بعض الوقت في إسرائيل، ومع هذا تهمل الموسوعات اليهودية كافة ذكره ربما بسبب عدائه لإسرائيل والصهيونية. فهل موقف المثقف اليهودي السياسي يُسقط عنه إثنيته اليهودية؟
стр. 2872
وإنكارنا وجود ثقافة يهودية مستقلة ومثقفين يهود خالصين لا يعني إنكار وجود بُعد يهودي أو عناصر يهودية مستقلة. كل ما نذهب إليه أن مثل هذه العناصر، إن وُجدت، فليست ذات مركزية تفسيرية، أي أننا لتفسير بنية فكر فيلسوف أو مفكر يهودي ما، وطبيعة أدب أديب يهودي ما، فعلينا تبنِّي نماذج تفسيرية مشتقة من الحضارات التي ينتمي إليها هذا المفكر أو الأديب اليهودي بدلاً من العودة للتوراة والتلمود وتاريخ العبرانيين والكنعانيين (كما فعل الصهاينة والمعادون لليهود) فالنماذج المشتقة من هذه الحضارات تفوق كثيراً مقدرة النماذج المشتقة من الثقافة اليهودية.
стр. 2873
ويمكن دراسة العناصر اليهودية باعتبارها عناصر مكملة، دون أن تكتسب مركزية تفسيرية. انطلاقاً من هذا نطرح نموذجاً تفسيرياً مشتقاً من الحضارة الغربية الحديثة ومن تطوُّر العقيدة اليهودية داخلها فنشير إلى أن العقيدة اليهودية أصبحت عقيدة حلولية كمونية بعد هيمنة القبَّالاه عليها منذ القرن الرابع عشر، وأن الميراث الحلولي للمثقفين اليهود في العصر الحديث (ابتداءً بإسبينوزا وانتهاء بدريدا) ، ساهم ولا شك في جعلهم أكثر استعداداً لقبول الحضارة الغربية الحديثة، بحلوليتها وكمونيتها. ويمكن أن نشير إلى تصاعُد معدلات العلمنة بين الجماعات اليهودية بدرجات تفوق المعدل السائد في المجتمع الغربي (كما هو الحال دائماً مع الأقليات) . ويمكن أن نشير كذلك إلى أن إحساس أعضاء الجماعات اليهودية بالغربة وعدم الأمن (كما هو الحال أيضاً مع أعضاء الأقليات) جعلهم تربة صالحة وخصبة لتقبُّل الحضارة الغربية الحديثة. ويمكن أخيراً أن نذكر أن موقف كثير من المثقفين اليهود يتسم بأنه موقف نقدي جذري من الحضارة الغربية، يتسم بالشك المعرفي والأخلاقي وسيطرة الفلسفات العدمية. كل هذه العناصر اليهودية ساهمت ولا شك في أن تجعل المثقفين اليهود أكثر استعداداً لتقبُّل الحضارة الغربية الحديثة وأكثر قدرة على التعبير عنها ـ أي أن البُعد اليهودي في ثقافة المثقف اليهودي الغربي قد يُفسِّر حدة نبرته وجذريتها وعمق عدميتها وحلوليتها. كما قد يُفسِّر تزايُد عدد المثقفين اليهود من الثوريين والعدميين ودعاة العقلانية المادية، ولكنه لا يُفسِّر بأية حال ظهور المنظومة الحضارية الغربية الحديثة العقلانية المادية، فهذا مرتبط بآليات المجتمع الغربي، الثقافية والاقتصادية. بل إننا نذهب إلى أن بروز أعضاء الجماعات اليهودية في الحضارة الغربية الحديثة، ناجم عن انتمائهم إلى هذه الحضارة واندماجهم فيها واستيعابهم لها لا انعزالهم عنها، ويتزايد بروزهم بمقدار تخليهم عن
стр. 2874
عزلتهم واستقلالهم. وليس من قبيل الصدفة أن أول مفكر يهودي بارز في الحضارة الغربية الحديثة هو إسبينوزا الذي تخلَّى عن يهوديته تماماً. وقد أعلن هايني أن التنصُّر هو تأشيرة دخول الحضارة الغربية، فتنصَّر هو نفسه (كما فعل أبو ماركس وأولاد هرتزل وأولاد موسى مندلسون ونصف يهود برلين في القرن التاسع عشر.. إلخ) . ولكن الأدق هو القول بأن التخلي عن العقيدة اليهودية (وليس بالضرورة التنصُّر) هو تأشيرة الدخول (فليس مطلوباً من أحد التنصُّر، باعتبار أن مرجعية الحضارة الغربية لم تَعُد المسيحية وإنما العقلانية المادية أو الحلولية الكمونية) .
وتنبغي الإشارة إلى أن البُعد اليهودي قد ينصرف إلى بنية فكر المثقف اليهودي وإلى الموضوعات الكامنة، وليس إلى مضمونه الواضح. بل إن المضمون الواضح يمكن أن يكون عالمياً وإنسانياً بل معادياً لليهود أو الصهيونية، وتظل البنية والمقولات الأساسية الكامنة يهودية بالمعنى المحدَّد الذي نطرحه، كما هو الحال مع كل من إسبينوزا ودريدا وفرويد وكافكا. فإسبينوزا وقف موقفاً رافضاً تماماً لكل الأديان، بل اختص اليهودية بالهجوم الشرس، وهو في هذا لا يختلف كثيراً عن كثير من المفكرين الغربيين منذ عصر النهضة وهيمنة العقلانية المادية، ومع هذا لا يمكن فهم حدة هذا الرفض وهذا الهجوم إلا بالعودة للقبَّالاه اللوريانية والتراث الماراني.
واهتمام فرويد الحاد بالجنس يمكن رؤيته كتعبير طبيعي عن تصاعُد معدلات العلمنة ومحاولة رد كل شيء إلى عنصر واحد (كامن/ حال) في المادة (الجنس في حالة فرويد) وهو بالفعل كذلك. ولكن القبَّالاه اللوريانية كانت قد قامت بإنجاز هذا معرفياً وبشكل متبلور قبل ذلك بعدة قرون. وقد وصف أحد المراجع القبَّالاه بأنها جنَّست الإله، وألَّهت الجنس: أي جعلت الجنس نموذجاً تفسيرياً كلياً ونهائياً، يُرَدُّ له كل شيء. وهذا ما فعله فرويد.
стр. 2875
وتلجأ بعض المراجع لحيلة رخيصة لتأكيد وجود حضارة يهودية مستقلة وهوية يهودية ثقافية مستقلة نابعة منها. فتتحدث موسوعة التاريخ اليهودي عن هذا الزي «اليهودي الصميم» الذي يرتديه يهود المغرب والذى يُسمَّى «keswa kubra» وهي «الكسوة الكبرى» ، وتُكتب الكلمة بحروف لاتينية دون ترجمة فيتصور القارئ الذي لا يعرف العربية أن هذه كلمة عبرية أو كلمة عربية عبرية! ويوجد للزي اليهودي الصميم شيء يُسمَّى «cum» وهو «الكم» (ويأكل أعضاء الجماعة اليهودية في بخارى طعاماً يهودياً مميَّزاً يُسمَّى «yachni» أي «الياخني» ، أما في اليمن فهم يأكلون طعاماً خاصاً للغاية لم نسمع عنه قط من قبل يُسمَّى «khubz» أي «خبز» . وفي إسرائيل بلد العجائب، يأكلون طعاماً موغلاً في يهوديته اسمه «falafel» أي «الفلافل» والتي اكتشفت أنها طعام إسرائيلي فريد حينما كنت أعيش في مدينة نيويورك) . ورؤساء يهود الفلاشاه، نوع خاص من الحاخامات، يسمونهم «قسيم» وهي صيغة الجمع العبرية لكلمة «قس» العربية (وربما الأمهرية) التي اقتبسها يهود الفلاشاه الذين دخلت على يهوديتهم عناصر مسيحية كثيرة! وحينما يحاول الإسرائيليون أن يرقصوا فهم يرقصون رقصة يهودية صميمة تُسمَّى «الهورا» (من أصل روماني أو أوكراني) أو رقصة يهودية صميمة أخرى تُسمَّى «الدبكة» ! وحينما ترتدي مضيفات شركة العال زي الفلاحة الفلسطينية، فهذا زي إسرائيلي نابع من الثقافة اليهودية. وحينما أُسِّس متحف في قرى حيفا على هيئة قرية عربية أَخبر كتيب المعرض الزائر أن هذه قرية من حوض البحر الأبيض المتوسط حتى يمكن تحاشي ذكر كلمة «فلسطيني» ، وحتى يختبئ الأصل الحقيقي للمُنتَج الحضاري.
التراث اليهودي
The Jewish Heritage
следующие страницы →