Полный текст (8 511 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.
стр. 3046
وتتلمذ عليه معظم جيل السبعينيات من صناع الكوميديا الأمريكية، مثل وودي آلان وميل بروكس وجين وايلدر، وتحوَّل إلى رمز للتمرد على المؤسسات في أمريكا، ذلك التمرد العدمي الذي يسم كل محاولات تغيير النسق من الداخل التي انتشرت في ستينيات هذا القرن، ومن ثم، يَسهُل على المؤسسة العلمانية المادية استيعابه. وهو ما حدث بالفعل فيما بعد عندما انتجت السينما الهوليودية فيلماً عنه عام ١٩٧٦ قام ببطولته داستين هوفمان وأخرجه بوب فوسي محوِّلة إياه إلى أيقونة جديدة للعدمية والانحلال.
وتتسم الكوميديا في أعمال ليني بروس بروح الرفض المطلق التي لا تستطيع إيجاد بديل، فهي روح عدمية تسعى إلى تدمير الموضوع في محاولة لخلاص الذات، فلا تستطيع في النهاية إلا تدمير الذات ومآلها إلى الذوبان في الموضوع. وهو نفسه ما حدث لكل الحركات الرافضة في الستينيات مثل حركة الهيبيز والفهود السود.
السينما وأعضاء الجماعات اليهودية
The Movie Industry and Members of Jewish Communities
стр. 3047
يحلو للبعض أن ينظر إلى الدور الذي يلعبه أعضاء الجماعات اليهودية في عالم السينما باعتباره مؤامرة يهودية تضاف إلى سلسلة المؤامرات التي يحيكونها ضد العالم منذ بدء الخليقة، والتي تهدف إلى تدمير الأخلاق وتقويض المجتمع. ولتفسير علاقة اليهود بصناعة السينما، لابد أن نجرد بعض السمات الأساسية لهذه الصناعة. ويمكن القول بأن السينما عند بداية ظهورها كانت مهنة لا يرتادها سوى المنبوذين ولا يمتهنها سوى الهامشيين والباحثين عن المغامرات، مهنة مشينة لا يليق بالمحترمين امتهانها. ولكنها كانت في الوقت نفسه مصنع الوهم ومخزن الحلم، فكانت السينما تمثل ازدواجية المرغوب/المرفوض، وبالتالي أصبحت السينما تمثل مهنة المُحتَقر على مستوى الواقع والمرغوب فيه على مستوى الحلم، وأصبحت المجال الذي يتحوَّل فيه المنبوذ إلى بطل ورجل أعمال ناجح. ولذا، فليس من الغريب أن يتجه عدد كبير من المنبوذين والهامشيين إلى السينما، وفي مقدمتهم المهاجرون (اليهود وغير اليهود) الذين لا يتقنون الإنجليزية، ولكنهم يجيدون المحاكاة لهذا السبب ذاته. ولذا، كانوا عنصراً مناسباً تماماً للسينما الصامتة.
стр. 3048
كما أن المهاجرين لا يجيدون أياً من المهن الأساسية. وحتى إن أجادوها، فهي مغلقة دونهم لأن أعضاء المجتمع المضيف يقومون بشغلها. والمهاجر لا يحمل عادةً رأس مال ولا آلات، وصناعة السينما في بداياتها كانت لا تتطلب آلات ثقيلة ولا رأس مال ضخماً، أي أن ثمة تكاملاً بين هذه الصناعة والمهاجرين، فتحولوا إلى جماعة وظيفية، توفر لنفسها وظيفة من خلال ارتياد عالم جديد يُحجم أعضاء المجتمع المضيف عن ارتياده، وتحقِّق حراكاً اجتماعياً لا يمكنها تحقيقه إلا بهذه الطريقة، وتفي في الوقت نفسه بحاجة المجتمع إلى التسلية والترويح (وهي حاجة آخذة في التزايد مع تزايد أوقات الفراغ في المجتمع الحديث وتزايُد علمنته) ، وهو ما يؤدي إلى تضخُّم ما نسميه «قطاع اللذة» . كما أن الاشتغال بالسينما يفي أيضاً بحاجة نفسية واقتصادية لدى المهاجر المشتغل بها.
وإذا كانت الجماعة الوظيفية تعيش عادةً في الجيتو، وتستمد هويتها من الحلم بصهيون والعودة إليها، فإن أعضاء الجماعة اليهودية الذين يعملون بالسينما يجعلون السينما أرض الميعاد التي يعيشون فيها بأحلامهم. ومن هنا تواتُر المرجعية السينمائية كموضوع أساسي في أفلام أعضاء الجماعة اليهودية، فالسينما هي عالمهم، وإليه يرجعون دائماً، وهم يُنتجون أفلاماً عن أفلام، ولعل أهم أفلام المرجعية السينمائية فيلم وودي ألين «وردة القاهرة القرمزية» . ولكن يجب أن نضيف أن موضوع المرجعية السينمائية أمر شائع في كثير من الأفلام التي أخرجها يهود أو غير يهود، كما أن الفن الحديث (وما بعد الحديث) يحول نفسه إلى مرجعية ذاته، وهذا مرتبط بتصاعُد معدلات العلمنة وتآكل اليقين الفلسفي إلى درجة أن الواقع الموضوعي لا يزوِّد الإنسان بأية دلالة وبالتالي لا يمكنه أن يشكل مرجعية للإنسان، الأمر الذي يضطره إلى البحث عن دوال مكتفية بذاتها، ملتفة حول نفسها، ومن هنا تأتي المرجعية الذاتية أو السينمائية أو المرجعية الانعكاسية.
стр. 3049
لكل ما تقدم، نجد أن أعضاء الجماعة اليهودية لعبوا منذ الأعوام الأولى للسينما، دوراً أساسياً في تطور هذه الصناعة وكانوا بارزين في كل فروعها. وكان المهاجرون من اليهود في الولايات المتحدة من أوائل من قاموا بتأسيس واحتلال دور العرض الرخيصة أو «النيكلوديون» (نسبة إلى النيكل أو النكلة) . وساعدهم ميراثهم كجماعات وظيفية ذات خبرات مالية وتجارية في ارتياد هذه الصناعة البكر حيث كانت لا تزال صناعة هامشية تفتقد إلى تقاليد ومعايير الصناعات الأخرى.
ومن أشهر أعضاء الجماعة اليهودية في مجال صناعة السينما في تلك الفترة وليام فوخس الذي تحول اسمه بعد ذلك إلى «فوكس» وهو مؤسِّس شركة فوكس للقرن العشرين. وُلد (فوكس) في المجر عام ١٨٧٩ وهاجر مع أسرته إلى أمريكا حيث عمل في محل للملابس ثم اشترى أول دار نيكلوديون عام ١٩٠٤، ونجح فوكس بعد ذلك في توسيع أعماله فاشترى سلسلة من دور العرض، ثم اتجه للتوزيع والإنتاج وأسس شركته الشهيرة «فوكس للقرن العشرين» عام ١٩١٥.
وكما حدث مع فوكس، تكرر الأمر مع العديد من أمثاله: هاري كون رئيس شركة كولومبيا، وصمويل جولدوين الذي وُلد في وارسو وعمل في صناعة القفازات ثم دخل عالم السينما عام ١٩١٣ كشريك لزوج أخته جيسي لاسكي. وقد بدأ هذا الأخير كباحث عن الذهب ووكيل للفنانين وعمل مع بعض شركات الإنتاج السينمائي مثل يونيفرسال وآر. كى. أو. (R.K.O) ثم أسس مع جولدوين شركة مترو. أما لويس ماير المولود في روسيا، فقد بدأ كصاحب مسرح ثم تحوَّل إلى دار نيكلوديون، ثم شرع مع صمويل جولدوين في تأسيس شركة مترو.
стр. 3050
وهناك كذلك كارل ليمل مؤسس يونيفرسال الذي وُلد في ألمانيا وبدأ عام ١٩٠٦ في شيكاغو بمسرح صغير، كما أسَّس سلسلة مسارح ثم شركة توزيع وإنتاج. وتم تأسيس بارامونت عام ١٩١٧ بفضل أدولف زوكور الذي وُلد في المجر وبدأ كتاجر فراء في نيويورك ثم انتقل إلى العمل في السينما بامتلاك دار نيكلوديون. أما إرني بالابان (١٨٨٧ ـ١٩٧١) ، فعمل رئيساً لبارامونت منذ ١٩٣٦. ومن أهم العائلات اليهودية الرائدة في صناعة السينما عائلة وارنر المكونة من أربعة أشقاء بولنديي الأصل.
стр. 3051
وحققت السينما الأمريكية على يد الرواد الأوائل نجاحاً كبيراً وأثبتت القدرة على تحقيق الربح وعلى الاستمرار، كما فتحت أبواب النجاح المادي والحراك الاجتماعي والقبول في المجتمع الأمريكي للمهاجرين من أعضاء الجماعة اليهودية. وشهد العقد الثالث من هذا القرن تحوُّلين حاسمين في مجال السينما، الأول هو دخول الصوت عام ١٩٢٧ والثاني هو تنظيم صناعة السينما اقتصادياً وإدارياً والذي أذن بتحوُّلها من صناعة وليدة تفتقر إلى النظام والتقاليد إلى صناعة ضخمة مستقرة شديدة التنظيم والدقة. وشهدت هذه الفترة، خصوصاً إبان الأزمة الاقتصادية الكبرى، تساقُط الرواد الكبار الأوائل، فتقاعد ماير عام ١٩٣٦ وليمل عام ١٩٣٥ وفوكس في بداية الثلاثينيات، وتحول آخرون كبالابان ولاسكي إلى وظيفة المنتج المنفِّذ. ووظيفة المنتج المنفِّذ كانت تعني بالنسبة إلى المهاجرين من أعضاء الجماعة اليهودية دخول مجال الطبقة الوسطى العليا ذات الدخل الثابت، كما أنها كانت تعني تحقيقهم قدراً من الحراك الاجتماعي وقدراً من القبول داخل المجتمع الأمريكي بعد أن اكتسبت صناعة السينما وضعية جديدة في المجتمع الأمريكي، ولم تَعُد مهنة المنبوذين والباحثين عن المغامرة التي قد تنتهي بالثراء أو بالإفلاس. وكان أهم نجوم هذه الوظيفة إرفين ثالبرج ودور شاري والإخوة سلزينك أبناء لويس سلزنيك. واشتهر أصغرهم (ديفيد) بأنه من أعظم المنتجين المنفذين في تاريخ السينما الأمريكية، ويكفي أنه منتج «ذهب مع الريح» أنجح فيلم في تاريخ السينما الأمريكية. وقد فقدت هذه العائلة ثروتها أثناء الأزمة الاقتصادية الكبرى. أما عائلة وارنر، فنجحت في الاستمرار حيث أسَّس أفرادها بنكهم الخاص القادر على تمويلهم ونجحوا في تحويل مؤسستهم من مؤسسة فرد أو عائلة إلى مؤسسة نظامية ابتلعت غيرها من الشركات المنهارة وتحولت إلى شركة متعددة الجنسيات عابرة للقارات هي وارنر للاتصالات.
стр. 3052
السينما اليهودية والصهيونية واليديشية
Jewish, Zionist and Yiddish Cinema
عبارة «السينما اليهودية» يُقصَد بها الأفلام التي صُنعت أو تُصنَع بواسطة أعضاء الجماعات اليهودية في أي مكان أو أي زمان. وتروِّج الصهيونية لهذه العبارة بدلاً من عبارة «السينما الصهيونية» على أساس أن اليهودية قومية وليست ديانة فقط، وأن هناك بالتالي ما يجمع بين كل فيلم صنعه أو يصنعه كل يهودي. وغني عن القول أن مثل هذه النظرة ليس لها ما يساندها في الواقع، فالفيلم الذي ينتجه يهودي في الاتحاد السوفيتي (سابقاً) يختلف بشكل جوهري عن الفيلم الذي يخرجه يهودي في الهند أو في الولايات المتحدة. وبالتالي فإن عبارة «السينما اليهودية» ، شأنها شأن عبارات مثل «التجارة اليهودية» أو «العبقرية اليهودية» أو «التاريخ اليهودي» هي عبارة ليست لها قيمة تفسيرية أو تصنيفية كبيرة.
стр. 3053
ويرى البعض أن اليهود سيطروا على صناعة السينما في الولايات المتحدة الأمريكية لكي يروجوا لما يُسمَّى «الدعاية الصهيونية» . لكن كثرة عدد أعضاء الجماعات اليهودية في السينما والمسرح في الولايات المتحدة، ليس ضمن أي مُخطَّط يهودي أو صهيوني، وإنما يرجع إلى هجرة يهود اليديشية إلى الولايات المتحدة بعد عام ١٨٨١. كما يجب أن نشير إلى شيء أساسي في يهود العالم الغربي وهو اضطلاعهم بدور الجماعة الوظيفية الهامشية المالية، وقد ترك هذا أثره فيهم إذ نجدهم يتركزون في الصناعات الخفيفة القريبة من المستهلك البعيدة عن قاعدة الهرم الإنتاجي (الصناعات الأولية) كما أنهم يتركزون في قطاع الإعلام. وصناعة السينما تنطبق عليها كل هذه المواصفات. كما أن المهاجرين اليهود إلى الولايات المتحدة ينجذبون عادةً، شأنهم شأن المهاجرين كافة، إلى قطاعات اقتصادية مثل السينما وعالم الفنون الاستعراضية، وهي قطاعات لا يحتاج المرء لكي يعمل فيها أن ينتمي إلى طبقة معيَّنة أو يحصل على درجة معينة من التعليم أو حتى رأس المال. والدارس لتاريخ صناعة السينما في مصر يعرف أنها بدأت على يد عناصر غير مصرية (من بينها يهود) عندها من الخبرة والحركية ما يمكِّنها من ريادة هذه الصناعة الجديدة القريبة من المستهلك التي تحقق عائداً سريعاً دون استثمار كبير.
стр. 3054
وشهدت هوليود، في عصر السينما الصامتة، إنتاج العديد من الأفلام عن قصص العهد القديم، ومنها «يهوديت من بتوليا» إخراج دافيد وارك جريفث عام ١٩١٣، و «الوصايا العشر» إخراج سيسل دي ميل عام ١٩٢٣، و «التائه» إخراج راؤول والش عام ١٩٢٦، و «بن هور» إخراج فردنبلو عام ١٩٢٦، و «سفينة نوح» إخراج مايكل كورتيز عام ١٩٢٨. وأغلب هؤلاء المخرجين من اليهود، وأفلامهم هذه من إنتاج شركات أسسها ويملكها يهود. ولكن الهدف منها لم يكن دينياً ولا حتى دعائياً، وإنما كان تجارياً بالدرجة الأولى وبصفة أساسية، فهي أفلام تهدف إلى إبهار المتفرج بالملابس والديكورات التاريخية وجموع الممثلين الهائلة والمعارك العنيفة، ومن ثم يَسهُل تحقيق الربحية العالية. وظلت الدوافع التجارية لأفلام هوليود عن قصص العهد القديم قائمة بعد إنشاء إسرائيل عام ١٩٤٨، ولكن لا شك في أنها لم تصبح الدوافع الوحيدة، خصوصاً أن هذه الأفلام تدفقت من هوليود في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات بمعدل فيلم كل عام تقريباً، وهي الفترة التي شهدت نمو الصراع العربي الإسرائيلي في الفترة ما بين حرب السويس عام ١٩٥٦ وحرب يونيه عام ١٩٦٧.
стр. 3055
وثمة أفلام تتناول حياة أعضاء الجماعات اليهودية كأقلية إثنية لا تختلف كثيراً عن الأقليات الأخرى، وهي أفلام يمكن أن ينتجها يهودي أو غير يهودي، تماماً مثلما ينتج مخرج أمريكي مسيحي فيلماً عن الساموراي في اليابان، فهذا ليس فيلماً يابانياً وإنما يظل فيلماً أمريكياً. والأفلام ذات المضمون اليهودي التي ينتجها يهودي، ليست بالضرورة يهودية، وإنما هي أفلام أمريكية يهودية مثل أفلام وودي ألين، فالشخصيات اليهودية في هذه الأفلام هي شخصيات أمريكية يهودية. كما أن الرؤية هي رؤية وودي ألين، لا باعتباره يهودياً خالصاً له أحزانه الفريدة التي تختلف عن أحزان الأغيار من غير اليهود، وإنما باعتباره إنساناً يعاني من أزمات المجتمع العلماني الغربي، فيهوديته ليست مسألة جوهرية وإنما عرضية. ولذا، فنحن نتعاطف معه في مأساته باعتباره إنساناً حديثاً، ولا نستبعده باعتباره يهودياً.
стр. 3056
ولكن هناك أفلاماً تروج الأفكار الصهيونية، سواء صُنعت بواسطة يهود أو غير يهود، قبل أو بعد إنشاء إسرائيل، وسواء أكانت تتناول حياة اليهود أم كانت تتناول حياة أية جماعة دينية أخرى، وهذا هو ما ينطبق عليه اصطلاح «السينما الصهيونية» ، وهي تنقسم في مرحلة ما قبل عام ١٩٤٨ إلى قسمين: القسم الأول يضم الأفلام التي تم إنتاجها على أرض فلسطين، ويضم الثاني الأفلام التي تم إنتاجها في الولايات المتحدة الأمريكية وأوربا. ويُعتبَر جاكوب بن دوف، وهو يهودي روسي هاجر من روسيا بعد ثورة ١٩٠٥، أباً للسينما الصهيونية، فقد أخرج فيلم «حياة اليهود في أرض الميعاد» عام ١٩١٢ عن يهود فلسطين، ثم أخرج عام ١٩٢٣ فيلم «الفيلق اليهودي» ، وهما من الأفلام الصهيونية الأولى التي صُوِّرت على أرض فلسطين. وفي الثلاثينيات، أخرج ناثان إكسلرود فيلم «أودد» عام ١٩٣٢ الذي تدور أحداثه في مزارع اليهود الجماعية. وأخرج باروخ أجراتي فيلم «هذه أرضك» عام ١٩٣٢ أيضاً، وكان أول فيلم ينطق باللغة العبرية في تاريخ السينما، كما أخرج البولندي ألكسندر فورد فيلم «صابرا» عام ١٩٣٢ عن هجرة يهود أوربا إلى فلسطين وحقهم في العودة (وقد هاجر فورد إلى إسرائيل بعد حرب يونيو عام ١٩٦٧) .
стр. 3057
وفي عام ١٩٤٧، تم تصوير ثلاثة أفلام صهيونية على أرض فلسطين، هي: «الأرض» إخراج هملر أداماه، عن شاب يهودي أُنقذ من معسكرات الاعتقال النازية ولا يتمكن من استعادة توازنه إلا في فلسطين، و «بيت أبي» إخراج هربرت كلين عن صبي أُنقذ من معسكرات الاعتقال النازية، ويبحث عن أبيه في فلسطين، ثم «الوعد الكبير» إخراج جوزيف لبيتز. ولعل أهم فيلم صهيوني أُنتج في الولايات المتحدة في الثلاثينيات هو فيلم «آل روتشيلد» من إخراج ألفريد وركر (عام ١٩٣٤) عن تاريخ تلك العائلة اليهودية الشهيرة ودورها في تنمية الوجود اليهودي (أي الصهيوني) في فلسطين وفي دعم الحركة الصهيونية والدعوة إليها في أوساط اليهود في كل مكان.
ويذهب البعض إلى اعتبار كل فيلم معاد للنازية فيلماً صهيونياً أو فيلماً يخدم الصهيونية، وهو خطأٌ فادح يخدم الصهيونية في واقع الأمر. وتبدو هذه الحركة كأنها حركة معادية للنازية، بينما هي في واقع الأمر حركة لا تختلف في جوهرها عن النازية، ولذا تعاونت معها. وقد تعاظم دور السينما الصهيونية بعد إنشاء إسرائيل عام ١٩٤٨، خصوصاً في الولايات المتحدة. ومن أهم الأفلام الصهيونية الأمريكية: فيلم «الحاوي» إخراج إدوارد ديمتريك عام ١٩٥٣، و «الخروج» إخراج أوتو بريمنجر عام ١٩٦٠، و «يهوديت» إخراج دانييل مان عام ١٩٦٤، و «الظل العملاق» إخراج ملفيل شافلسون عام ١٩٦٦، و «راشيل ... راشيل» إخراج بول نيومان عام ١٩٦٧.
ومن الأفلام الأوربية الصهيونية: الفيلم الإيطالي «معركة سيناء» إخراج مورتيز ولوتشيدي عام ١٩٦٨، والفيلم البريطاني «إنها أرضه» إخراج جيمس كوللر عام ١٩٦٩، والفيلم الفرنسي «حائط القدس» إخراج فرانسوا رايشنباخ عام ١٩٦٩، وأيضاً الفيلم السويسري «المواجهة» إخراج رولف ليوسي عام ١٩٧٥.
стр. 3058
والسينما التي نستطيع أن نُطلق عليها، أكثر من غيرها، تعبير «السينما اليهودية» ، إن كان ثمة سينما يهودية، هي تلك السينما الناطقة باليديشية، فهي سينما لا تعبِّر عن ثقافة اليهود بشكل عام وإنما تعبِّر عن ثقافة يهود شرق أوربا وعما يمكن تسميته «القومية اليديشية» .
وقد بدأت السينما اليديشية، في الولايات المتحدة، في أواخر عصر السينما الصامتة حيث كان الحوار يُطبَع على الأفلام في كادرات منفصلة، وأهم أفلام هذه الفترة هي: «مازل طوف» عام ١٩٢٤، و «القلوب المحطمة» عام ١٩٢٥، و «الجانب الشرقي لساري» عام ١٩٢٩، وكلها من إخراج سيدني جولدوين. ومع بداية ظهور الأفلام الناطقة في عام ١٩٢٧، بدأ عصر ازدهار السينما اليديشية الذي وصل إلى ذروته في النصف الثاني من الثلاثينيات، حيث بلغ عدد الأفلام الناطقة باليديشية حوالي مائة فيلم أغلبها أمريكي، وبعضها بولندي أو من بلاد أوربية أخرى، إلى جانب ٣٥ فيلماً تسجيلياً قصيراً.
ومن أهم الأفلام الأمريكية اليديشية: «الأب أبراهام صوت إسرائيل» إخراج جوزيف سيدني عام ١٩٣١، و «قوة الحياة» إخراج هنري لين عام ١٩٣٨، و «يوسف في مصر» عام ١٩٣٢، و «اليهودي التائه» عام ١٩٣٢ إخراج جوزيف رولاند، و «أضواء القمة» إخراج إدجار أولمير عام ١٩٣٩. أما في بولندا، فكان جوزيف جرين أهم مخرجي الأفلام اليديشية، ومن أفلامه: «مهرج عيد النصيب» عام ١٩٣٧، و «خطاب إلى أم» عام١٩٣٨.
стр. 3059
وانخفض عدد الأفلام اليديشية في الأربعينيات مع تآكُل الثقافة واللغة اليديشيتين، ثم كاد الإنتاج السينمائي أن يندثر بعد ذلك حيث لا يُعرف منه إلا فيلمان طوال الخمسينيات، وهما: «الإله والإنسان والشيطان» ، و «مونتشيللو هنا جئنا» إخراج جوزيف سيدني عام ١٩٥٠، وفيلم واحد طويل في الستينيات، وهو «الشقيقات الثلاث» إخراج جوزيف سيدني أيضاً عام ١٩٦١. وترجع جذور السينما اليديشية إلى المسرح اليديشي. وهي، شأنها شأن المسرح اليديشي، يرجع معظمها إلى تراث يهود اليديشية في شرق أوربا. ورغم أن الحركة الصهيونية سعت إلى إحياء اللغة العبرية، وقاومت اليديشية، إلا أن أغلب الأفلام اليديشية هي أفلام صهيونية.
الإخوة ماركس
Marx Brothers
أربعة من أهم الممثلين اليهود الأمريكيين في السينما الأمريكية الكوميدية وهم جروشو (جوليوس) (١٨٩٥ ـ ١٩٧٧) وهاربو (أدولف) (١٨٩٣ ـ ١٩٦٤) وشيكو (ليونارد) (١٨٩١ ـ ١٦٩١) وزيبو (هربرت) (١٩٠١ ـ ١٩٧٩) . بدأوا حياتهم الفنية كفرقة للفودفيل مع أخيهم الخامس جومو (ميلتون) (١٨٩٤ ـ ١٩٧٧) وأبيهم ميني. وقد اكتشفهم الفرنسي روبير فلوري المقيم في هوليود حينما كانوا يعملون بنجاح في مسرحية كوميدية موسيقية لإرفنج برلين، حيث قام بإعدادها للشاشة لتكون أول أفلامهم «ثمرة الكاكاو» (١٩٢٩) . ومن أهم أفلامهم «عملة القرد» (١٩٣٢) و «ليلة في الأوبرا» (١٩٣٥) و «يوم في ميدان السباق» (١٩٣٦) و «ذعر في الفندق» (١٩٣٨) . وقد انفصل عنهم زيبو بعد تصويرهم فيلم «ريشة الجواد» (١٩٣٢) ليصبح منتجاً ومموِّلاً سينمائياً.
стр. 3060
وارتبط ظهور الإخوة ماركس بدخول الصوت إلى السينما، وقد استغلوا الإمكانيات الجديدة لتقديم خاصية مميِّزة لهم هي تحوير ألفاظ اللغة لتتفق مع أغراضهم. وفي الحقيقة، فإن جذور هذه الفكرة تعود إلى شخصية المهرج في السيرك ومقدِّم الفقرات الخفيفة في الملاهي الليلية أو ما يُسمَّى «وان لانر one liner» أي الشخص الذي يطلق النكات فيما بين الفقرات أو داخل الفقرة. وكانت أفلامهم نوعاً من كوميديا اللامعقول والسريالية، وكان كل فرد في المجموعة له الشخصية المميزة التي يكررها في كل الأفلام. وتنبع الكوميديا عندهم أساساً من الموقف الذي تتجمع فيه تلك الشخصيات حول محور خارجي هو شخصية أمريكية «سوية» لتقوم تلك الشخصية مقام عامل التفجير الخارجي الذي يُظهر التناقضات الكامنة، وفي نفس الوقت يلعب دور مركز الاهتمام الذي تنصب عليه سخريتهم. وكان جروشو يمثل التشاؤم الذي يميِّز رجل الأعمال الأمريكي الفاشل ويحاول دائماً أن يقوم بدور زير النساء شديد المراس مع أنه يفشل باستمرار. وكان شيكو يلعب دور الرجل البارد الذي لا تهزه الأزمات متقمصاً شخصية المهاجر الإيطالي القادم لبلاد العم سام وفي ذهنه هدف محدد هو تكوين ثروة، يدعمه في ذلك تراثه الذي يجعله يحسن التصرف في الأزمات. أما هاربو فكان يؤدي وظيفة المراقب الخارجي ذلك الخيالي المتفائل الذي يبدو أنه أبله أو خائب لا يتكلم أبداً ولكنه موسيقي موهوب ومرهف الحس.
стр. 3061
والشخصيات الثلاث تتكامل فيما بينها لتقدم صورة ما يمكن تسميته «الفشل المضحك» ، تلك الصورة التي تمثل أحد آليات النجاح التجاري السينمائي إبّان فترة الكساد العظيم في الثلاثينيات والتي تفسر هذا النجاح المنقطع الذي أحرزه الإخوة ماركس عند ظهورهم. إذ قدموا التوليفة السحرية التي يحتاج إليها الناس للعودة إلى التوازن، فالفشل يصيب الجميع ولا داعي إذن للحزن واليأس، فها هو الموهوب الذكي أبله وخائب، وها هو رجل الأعمال زير النساء فاشل ومحبط، أما المهاجر فيمكن أن يجد في موروثه الثقافي ذخيرة لتسلُّق السلم في مجتمع البحث عن الثروة وتحقيق الحلم الأمريكي.
وإذا كانت الكوميديا وسيلة لاسترجاع الثقة بالنفس للمُحبَطين والفاشلين، فقد كانت أيضاً وسيلة الجيل الأول من الفنانين من أبناء المهاجرين من يهود اليديشية لدخول المجتمع المضيف، عن طريق أداء دور المهرج والبهلوان الذي يسخر من نفسه ليُضحك الآخرين في الوقت الذي يضحك هو عليهم فيه ويأخذ أموالهم. وتمثل آلية تحطيم اللغة وسيلة سحرية لتحقيق هذا الهدف فهي تكشف كم الزيف الذي تحمله الحياة الاجتماعية، ولكنها في الوقت نفسه الوسيلة الممكنة لتحقيق الذات في هذه الحياة المزيفة. وهذه الآلية تمثل أيضاً الموروث الثقافي للمهاجر الذي يجيد لغته الأصلية (اليديشية) ويتملك ناصية لغة الوطن الجديد ويظل مع هذا خارجها، فهي لغة برانية (الإنجليزية) . فثمة لغة جوانية تموت ولغة برانية تُكتَسب من خلال التقليد الجيد، ويقف المهاجر في منطقة رمادية، ولذا فهو يملك مقدرة فائقة على تحوير اللغة الجديدة البرانية بحيث تصبح وسيلة لتحقيق الذات وكشف الآخر، أو تحقيق الذات عن طريق كشف الآخر.
стр. 3062
وبعد أن استعاد المجتمع الأمريكي توازنه المفقود على حساب أوربا بعد الحرب العالمية الثانية، وبعد أن حقق أعضاء الجماعات اليهودية توازناً كبيراً وحراكاً اجتماعياً داخل المجتمع الأمريكي، وبعد أن ظهرت موجات تحطيم اللغة فيما سُمي «مسرح العبث» ، كان من الطبيعي أن يتفرق الإخوة ماركس بعد أن استُنفدت أغراضهم. وقد انتهوا سينمائياً عام ١٩٤١ وتفرقوا نهائياً عام ١٩٥٠. ولهذا أيضاً، لم يتكرر نموذج الإخوة ماركس ولكن تكررت الأنماط المأخوذة عنهم مع عودة أزمة المجتمع في نهايات الستينيات وأوائل السبعينيات.
تشارلي تشابلين (١٨٨٩-١٩٧٧ (
Charlie Chaplain
وُلد (سير) تشارلي تشابلن عام ١٨٨٩ لأسرة إنجليزية ويُقال إن أمه كانت تعمل ممثلة في مسرح متجول وإنها من أصل يهودي. ولكنها مسألة ليست أكيدة. وصرح تشارلي تشابلين نفسه مرة قائلاً: «ليتني كنت يهودياً» (وهي عبارة لا معنى لها فلو كان المقصود «يهودي» بالمعنى الديني فلم يكن هناك ما يمنعه من التهود. ولو كان المقصود «يهودي» بالمعنى الإثني فهي رغبة مستحيلة إذ من الصعب أن يُغيِّر الإنسان جلده أو ماضيه! ولكن المهم في هذا السياق أن هذه العبارة تدل على أنه لم يكن «يهودياً» لا بالمعنى الديني ولا بالمعنى الإثني) .
ظهر تشارلي الصغير على المسرح ليلعب دوراً قصيراً لإضحاك الجمهور عندما مرضت أمه. ودخل إلى عالم السينما عام ١٩١٤ وابتكر شخصية الصعلوك التي اشتُهر بها بعدئذ. ثم اقتحم عالم الإنتاج والإخراج السينمائي وأسَّس شركة «الفنانون المتحدون» (يونايتيد آرتستس) . ومثَّل تشارلي تشابلن في كل أفلامه التي أخرجها عدا فيلمي «امرأة من باريس» عام ١٩٢٣ و «كونتيسة من هونج كونج» عام ١٩٦٧.
стр. 3063
وتميَّزت أفلامه الكوميدية بمسحة إنسانية عميقة وإحساس عال بمتاعب الإنسان في المجتمع الرأسمالي بدءاً من أفلامه الأولى مثل «الصعلوك» و «الشارع السهل» و «الشقاء والمهاجر» و «حياة كلب» وغيرها، مروراً بفيلم «البحث عن الذهب» (١٩٢٥) و «السيرك» (١٩٢٨) و «أضواء المدينة» (١٩٣١) و «الأزمنة الحديثة» (١٩٣٦) ، وانتهاءً بفيلمه «ملك في نيويورك» (١٩٥٧) الذي مُنع من العرض في الولايات المتحدة.
ويعتبر البعض أن فيلمه «الديكتاتور العظيم» (١٩٤٠) دعاية يهودية حيث لعب فيه دور الحلاق اليهودي المضطهَد كما لعب دور هينكل الديكتاتور المجنون، وكان أول فيلم يسخر صراحة من ألمانيا الهتلرية في الوقت الذي لم تكن الولايات المتحدة قد حددت بعد مع مَنْ ستدخل الحرب!
وكانت شخصية الصعلوك الذي يواجه السلطة بكل أشكالها بدءاً من صاحب العمل والملاحظ، مروراً بالشرطي، وانتهاءً بالسياسيين المرتشين ورجال الأعمال الفاسدين، تعبيراً عن رفض البنية الاجتماعية الهرمية ورغبة في الارتباط بالإنسان الضعيف المسحوق. وامتازت الشخصية التي قدمها بالبساطة والتلقائية الأمر الذي قربها كثيراً إلى الجماهير في أنحاء العالم كافة حتى أصبحنا نجد «تشابلن» في كل مكان. وحتى صارت الشخصية في ذاتها رمزاً مرتبطاً بكوميديا الحركة والمواقف الساخرة.
وأدَّت آراء تشابلن الجذرية ورؤيته الإنسانية الرافضة للبناء الاجتماعي الاستهلاكي إلى وضعه في القائمة السوداء واتهامه بالشيوعية، حتى أنه هاجر من الولايات المتحدة في الفترة التي سادت فيها المكارثية ولجنة مكافحة الشيوعية. وقد اعتبر هذا من علامات يهودية تشابلن حيث إن معظم الفنانين الذين اُضطهدوا في هذه الفترة كانوا من اليهود. ومرةً أخرى، لم يحاول البعض أن يربط بين آرائه الثورية الرافضة للنموذج الاستهلاكي العلماني وبين رفض البنية الهرمية له، بل اتجهوا للحل الاختزالي الأسهل وهو تفسير موقفه على أساس يهوديته.
стр. 3064
كلود لانزمان (١٩٢٥-)
Claude Lanzman
كاتب فرنسي ومنتج سينمائي، وُلد في باريس لعائلة من البورجوازية الصغيرة. درس الفلسفة في جامعة السوربون، ثم عمل محاضراً في جامعة برلين. وانجذب نحو الأنشطة الصهيونية، ثم تأثر فيما بعد بفكر جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار الوجودي، وأصبح منذ عام ١٩٥٢ من المقربين لهما حيث تعاون معهما في أعمالهما الفكرية وأنشطتهما العامة، كما اهتم بقضايا عديدة داخل فرنسا وخارجها. وقد أسس معهما مجلة الأزمنة الحديثة وكان من أصغر المساهمين والمحررين بها. ومنذ الستينيات، تزايد اهتمام لانزمان بالقضايا اليهودية، وخصوصاً مسألة الهولوكوست أو الإبادة النازية. وترك الصحافة عام ١٩٧٠ واتجه نحو الإنتاج السينمائي حيث أنتج فيلماً بعنوان «لماذا إسرائيل» عُرض عام ١٩٧٣ وقيل عنه إنه من أفضل الأفلام التي أُنتجت عن إسرائيل على الإطلاق، وهو في الواقع لا يعدو أن يكون دعاية صهيونية عادية وُظّفت في خدمتها إمكانيات فنية ضخمة. وفي عام ١٩٨٥، عُرض له فيلمه الضخم «شواه» أي «الهولوكوست» الذي ظل يُعدُّ له لمدة عشرة أعوام. ويتناول الفيلم موضوع الإبادة من خلال تسع ساعات من الحوارات واللقاءات مع شخصيات يهودية وبولندية ونازية. ولا يُلقي هذا الفيلم أيضاً أي ضوء جديد على الظاهرة النازية أو ظاهرة الإبادة ويكرر الخط الغربي الذي يحول اليهود (على وجه العموم، وليس يهود أوربا على وجه التحديد) إلى ضحايا ومن سواهم إلى جزارين. وقد نال لانزمان عن هذا الفيلم أهم الجوائز التي تقدمها الجماعة اليهودية في فرنسا وهي جائزة المؤسسة اليهودية الفرنسية. ويقيم لانزمان حالياً في باريس ويعمل مديراً لمجلة الأزمنة الحديثة.
ميل بروكس (١٩٢٦-)
Mel Brooks
стр. 3065
واحد من أهم مخرجي الكوميديا في عقدي السبعينيات والثمانينيات في السينما الأمريكية. ويمثل، مع مجموعة تشمل مارتن فلدمان وجين وايلدر ووودي ألين (في أفلامه الأولى) ، مدرسة خاصة في الكوميديا. وهو يُعرِّف نفسه قائلاً: «لا أحب أن أكون ما يظن الناس أنه أنا، لكن المشكلة أنني لا أدري حقاً من أنا» .
وُلد في نيويورك عام ١٩٢٦ لأسرة من يهود اليديشية، ونشأ في حي اليهود ببروكلين حيث لم تكن حياة الفقراء سهلة، وكانت أسرته فقيرة. كان اسمه الأصلي هو ملفين كانسكي ولكنه غيَّره عام ١٩٤٠ إلى ميل بروكس (أي أنه تبنَّى اسماً غير يهودي) .وعمل كمهرج في مجموعة فنادق «البورش» ،وهي فنادق كان يرتادها يهود أوربا الوسطى، وبدأ بها كل من جيري لويس وداني كاي وليني بروس.
стр. 3066
تعود علاقة بروكس بالسينما إلى أيام طفولته. إذ كانت السينما تمثل، لهذا الصبي اليهودي الفقير المُجبَر على العمل، ملاذاً وملجأ من عالم قاس لا يرحم في مجتمع الأغيار الغني الذي لا يهدأ. وتضافرت عوامل متعددة لتكوين الأسلوب البروكسي في الكوميديا، بيد أنها جميعاً ترجع إلى خصيصة واحدة ألا وهي الرعب؛ الرعب من مجتمع الأغيار الذي يرفض اليهود، والرعب من مجتمع الأغيار الذي يرفض الفقراء، والرعب من المجتمع الصاخب الذي لا يهدأ ويرفض من لا عمل له. وتأكَّد هذا الرعب عندما بدأ بروكس في العمل في مجال السينما والتليفزيون. ويتخذ أشكالاً ثلاثة في أفلامه، وهي: البذاءة، والعبثية المرة، والمرجعية السينمائية (أي أن تصبح الأفلام الأخرى هي المرجعية الوحيدة والركيزة النهائية للفيلم) . وهي تمثل آلياته الدفاعية لدخول مجتمع الأغيار ونقده في الوقت نفسه، إنها آليات إرضاء الآخر بالسخرية من الذات، ومن خلال ذلك إرضاء الذات بالسخرية من الآخر وفَضْحه. ويحمل فيلمه «تاريخ العالم» (١٩٨١) وجهة نظره كاملةً، كما يمثل أسلوبه المتميِّز في أجلى ملامحه. ومن أهم أفلامه الأخرى، «منتهى التوتر» (١٩٧٧) و «نكون أو لا نكون» (١٩٨٥) .
وودي ألين (١٩٣٥-)
Woody Allen
مخرج سينمائي وممثل وكاتب سينمائي أمريكي يهودي اسمه الأصلي هو ألان ستيورات كونيجسبرج، وُلد في بروكلين (وهو حي يتركز فيه عدد كبير من يهود الولايات المتحدة في نيويورك) لأب كان يعمل جرسوناً في مطعم وفي قطع الجواهر. التحق بجامعة نيويورك، ولكنه لم يحصل على شهادة جامعية. فاختار اسم وودي ألين اسماً فنياً وبدأ حياته المهنية ككاتب نكات يقدمها للصحف أو لمقدمي البرامج التليفزيونية. وفي هذه الفترة، ابتكر ملامح الشخصية الأساسية التي تظهر في معظم أفلامه؛ شخصية البطل المضاد والمعادي للبطولة، أو البطل المهزوم الذي يخسر دائماً ويفشل.
стр. 3067
وثمة موضوعان أساسيان في أفلام وودي ألين، وهما مترابطان تمام الترابط؛ أما الأول فهو وجود البشر في الزمان حيث يحصدهم الموت بمنجله، أما الموضوع الثاني فهو الجنس. والجنس هو وسيلة للمتعة ولكنه أيضاً طريقة للتواصل والتضامن ومعرفة النفس البشرية. ولكن الزمان يؤدي إلى التغيُّر فتصبح كل الأمور نسبية، ومن ثم يصبح العالم خالياً تماماً من أية مطلقات معرفية أو أخلاقية، ومن أي معنى أو هدف، وتصبح الحركة آلية رتيبة مكرَّرة، ويُفرَّغ الجنس من المعنى تماماً ويصبح مجرد مسألة جسمانية لا تحل مشكلة المعنى. ويحاول البطل المهزوم أن يتجاوز كل هذا عن طريق الإيمان الديني. ولكنه يرتد دائماً على عقبيه فاشلاً، إذ يدرك استحالة بحثه، فيظل قابعاً رغم أنفه في عالمه العلماني يبيِّن حدوده ومأساته، ولكنه لا يتجاوزه قط. ولكنه لا يقنع بهذا أيضاً، إذ نجده يبين حدود الإيمان الديني كذلك، ومن ثم فهو في تصوُّرنا واحد من أهم نقاد المجتمع العلماني الذي يراه بوضوح ويرى الكارثة المعرفية والأخلاقية الناجمة عن النسبية، ولكنه يظل داخل حدود نسقه، يجلس على عتبات الإيمان الديني يُطلق نكاته المظلمة المنيرة.
وعادةً يتناول وودي ألين هذه الموضوعات من خلال حشد كبير من الشخصيات بعضهم له ملامح إثنية واضحة مُستمَدة من حياة مهاجري يهود اليديشية في الولايات المتحدة (هم وأبناؤهم الذين حققوا قدراً من التأمرك ولكنهم لم يندمجوا تماماً، وهو ما يجعلهم غير مستقرين لا في القالب اليهودي اليديشي ولا داخل قالب الواسب، أي الأمريكيون البيض البروتستانت) . وهم، في هذا، يشبهون الإنسان الغربي الحديث الذي فقد عالمه التقليدي ولكنه لم يجد نفسه إلا غريباً في عالمه الحديث.
стр. 3068
ومن أفلام وودي ألين الأولى، التي تستخدم نمط البطل المهزوم، فيلم «فلتأخذ النقود وتهرب» (١٩٦٩) ، وهو محاكاة ساخرة للأفلام الوثائقية، التي يكون بطلها عادةً شخصية ذات أبعاد بطولية. ولكن بطل هذا الفيلم هو مجرم لا يتَّسم بأية كفاءة، فهو في واقع الأمر إنسان عادي. ولذا، فهو دائم الفشل، يبدأ وينتهي في السجن ولا يضيء حياته سوى قصة حب قصيرة.
وتدور أحداث فيلم «العبها مرة أخرى ياسام» (١٩٧٢) حول ناقد سينمائي مُستوعَب تماماً في أفلام همفري بوجارت، وفي شخصيته التي تتسم بالذكورة الفائقة. ولذا، بدلاً من أن يصبح هذا الناقد مبدعاً، تتبدد طاقته في الحلم بالقيام بغزوات تشبه غزوات بوجارت، فتهجره زوجته ويبحث هو عن حب حقيقي أو علاقة غرامية أو جنسية ذات معنى.
أما فيلم «النيام» (١٩٧٣) ، فيتناول الحياة في عالم المستقبل الذي يشبه الكابوس. فبطل الفيلم لا يمكنه التأقلم مع هذا العالم المنظَّم بشكل هندسي، وهو ما يجعل تجربته تشبه تجربة اليهودي في الحضارة الأمريكية الحديثة، وتجربة الإنسان بشكل عام في المجتمع الصناعي الحديث.
وفيلم «كل ما كنت دائماً تود معرفته عن الجنس وتخشى السؤال عنه» (١٩٧٢) هو محاكاة كوميدية لعدة أنواع ومواضيع أدبية وسينمائية: رواية الخيال العلمي، وقصة فرانكنشتاين، وأفلام الإباحية والشره الجنسي ومشكلة الشذوذ الجنسي في المجتمع الحديث. والفيلم يتضمن نقداً عميقاً للعقلية المادية الحديثة التي تحاول الوصول إلى الحد الأقصى في كل شيء: التمتع بالجنس والتحكم في الواقع واستكشاف المجهول. والصوت الروائي في الفيلم ينظر إلى كل هذا بشيء من عدم التصديق وبكثير من السخرية.
стр. 3069
ويُعتبَر «الحب والموت» (١٩٧٥) من أهم أفلام وودي ألين، وتدور أحداثه في روسيا القيصرية أثناء غزو نابليون لها. وبطل الفيلم هو بطل وودي ألين المعتاد، الإنسان الصغير الذي يفشل دائماً، ولكنه يجد نفسه في هذه المرة بطلاً رغم أنفه. وتدور حبكة الفيلم حول الحب والموت، ومحاولة البطل أن يصل إلى الحب وأن يفهم الموت، وهو يحقق شيئاً من النجاح في محاولته الأولى إذ يتزوج ابنة عمه سونيا بعد سنوات طويلة من الحب المرفوض، لكن زواجه هذا يتم عن طريق الصدفة. أما الموت، فيظل الشيء البعيد الذي لا يُفهَم: يحاول البطل أن يغتال نابليون فيُقبَض عليه ويُحكَم عليه بالإعدام، وفي الليلة المحددة لتنفيذ الحكم يأتيه في سجنه ملاك يبشره بالنجاة والخلاص فيتقدم البطل إلى الموت دون خوف، ثم يظهر أن الملاك كان يكذب عليه وينتهي الفيلم بإعدام البطل!
ويُعتبَر فيلم «آني هول» (١٩٧٧) نقطة تحوُّل في تاريخ وودي ألين السينمائي. والفيلم يتناول كثيراً من الموضوعات الأمريكية اليهودية، علاقة اليهودي بالشيكسا (أنثى الأغيار الشقراء) ، وموقف اليهودي المُبهَم من حضارة الواسب، إذ هو يحبها ويكرهها في آن واحد، يود دخول عالمها والاندماج فيه ولكنه يخشى أن يفعل ذلك. وهناك أيضاً موضوع كره اليهودي لنفسه وعشرات الموضوعات الأمريكية الأخرى مثل البارانويا والتحليل النفسي. وتزداد قضية المعنى أهمية في هذا الفيلم، بل وتشغل المركز.
стр. 3070
ويُعَدُّ فيلم «الداخل» (١٩٧٨) من أفلام وودي ألين القليلة المأساوية والتي لا يمثل دوراً فيها. ويتناول قصة حياة امرأة تفقد علاقتها بالحياة، إذ تُستوعَب تماماً في القيم الفنية، خصوصاً قيمة التناسق، إلى درجة أنها تحاول أن تفرضها على الواقع. وحينما ينفصل عنها زوجها ثم يطلقها، لا تتحمل هذه الصدمة وتنتحر. ويتزوج الرجل بعد ذلك امرأة سوقية بعض الشيء ولكنها مليئة بالحيوية، وهي رغم كره بقية أعضاء الأسرة لها تأتي لهم بالحياة. ورغم أن الفيلم لا يستخدم الأنماط الإثنية المحددة، إلا أن من الواضح أن الزوجة الأولى تنتمي إلى حضارة الواسب الجميلة المتسقة. أما الثانية، بردائها الأحمر، فترمز إلى المهاجرين اليهود والذين قد يتسمون بالسوقية ولكنهم مليئون بالحياة.
ومن أهم أفلام وودي ألين فيلم «مانهاتن» (١٩٧٩) ، ومانهاتن هي أهم أحياء نيويورك ومركز المال والتجارة، وهو الحي الذي يعيش فيه وودي ألين نفسه. وهو في هذا الفيلم، يتناول الفوضى الأخلاقية والعاطفية الناجمة عن النسبية، واختفاء المعنى والقيمة، وتحوُّل كل شيء إلى جزء من الحياة العامة. فزوجته، على سبيل المثال، تتركه لتعيش مع امرأة أخرى (فهي مُساحقة) ، وتؤلف كتاباً عن حياتهما الشخصية تتعرض فيه لأدق وقائعها. ولكن، وسط كل هذا، تُوجَد فتاة صغيرة تحب البطل وترتبط به. ورغم محاولته الهرب منها، فإنها تظل تؤكد حتى النهاية ضرورة أن يثق البشر، الواحد بالآخر.
стр. 3071
ويتناول فيلم «زيليج» (١٩٨٣) قصة حياة رجل يتلون كالحرباء تبعاً للوسط الذي يعيش فيه حتى يفقد هويته تماماً. ولعل زيليج تعبير عن مأساة الإنسان الحديث الذي يفشل تماماً في تحقيق الانتماء، لأية عقيدة ولأي مجتمع، ولذا يظل دائماً غريباً لا مأوى له. والإنسان الحديث، في هذا، يشبه المهاجر اليهودي (أو غيره من المهاجرين) حيث يبذل قصارى جهده لكي يصبح جزءاً من مجتمعه ويحاول في الوقت نفسه ألا يفقد هويته، ولكن المحاولة تبوء عادةً بالفشل إذ أن ما يحدث هو أن المهاجر يفقد يهوديته، ولكنه في الوقت نفسه لا يصبح من الواسب. ولذا، فإن محاولته الاندماج تصبح حالة مرضية مثل حالة زيليج.
وفي فيلم «برودواي داني روز» (١٩٨٤) نجد البطل الصغير المهزوم في عالم تسوده قيم التنافس والقوة، وهو في هذه المرة وكيل أعمال فنانين ينبذونه حينما يحققون النجاح، أما هو فيستمر في جمع المهزومين والفاشلين والعاطلين عن المواهب من حوله، هؤلاء الذين لا يمكنهم تحقيق البقاء في مجتمع التنافس الدارويني.
стр. 3072
ومن أهم أفلام وودي ألين «وردة القاهرة القرمزية» (١٩٨٥) وهو فيلم لا يظهر فيه هو نفسه، والفيلم يقف ما بين الكوميديا والمأساة، بطلته امرأة متواضعة الحال تعيش حياة بائسة، حياة لا يوجد فيها نبل أو تجاوز أو تعال، وزوجها عاطل عن العمل بسبب الكساد الاقتصادي في الثلاثينيات، ولا تجد ملجأ من كل هذا الكابوس إلا في عالم الأحلام الوردية، عالم السينما. تذهب إلى السينما كل يوم وتشاهد نفس الفيلم، المرة تلو الأخرى، فعالم السينما هو عالم غير حقيقي ولكنه جميل ويعلو على واقعها الرديء. والفيلم الذي تشاهده هو فيلم من الثلاثينيات يُسمَّى «وردة القاهرة القرمزية» : فيلم هروبي، أبطاله أثرياء يتنقلون من القاهرة إلى شرفات شققهم الفاخرة في شيكاغو وإلى المطاعم التي تغنى فيها أشهر المغنيات. وتُستوعَب البطلة تماماً في الفيلم الذي تشاهده إلى أن يزول الخط الفاصل بين الواقع والخيال، ويقع بطل الفيلم في غرامها ويترك الشاشة ويهرب معها لتعيش البطلة الحالمة معه حياة مليئة بالمغامرات، ثم يأخذها البطل ويدخل معها عالم الفيلم ذاته حيث تختلط بالنجوم وتحيا حياة المتعة والثراء. ولكن الفيلم ينتهي حين يأتي ممثل الفيلم ويخبرها بأن عليها أن تختار بينه (هو الممثل الحقيقي) وبطل الفيلم الوهمي، فتختاره هو بطبيعة الحال. ولكن يظهر أنه خدعها، إذ يعود إلى هوليود وتعود هي إلى حياتها العادية الرتيبة لتشاهد مزيداً من الأفلام وتعيش مرة أخرى في عالم البؤس تتطلع إلى عالم الأحلام الوردية!
стр. 3073
وتظهر في «حنا وأخواتها» (١٩٨٦) قضية المعنى بكل حدة، فبطله كاتب تليفزيوني أمريكي يهودي لم يَعُد يؤمن باليهودية، ويبدأ رحلة البحث فيعتنق المسيحية الكاثوليكية بضعة أيام ولكنه يتركها، ثم يجد العزاء والمعنى في الحب والسينما. وبعد هذا، ظهر فيلم «قصص نيويورك» (١٩٨٨) ، وهو فيلم يتكوَّن من ثلاثة أجزاء، أخرج وودي ألين ثالثها بعنوان «أطلال الملك أوديب» (لعب على لفظ «ركس rex» اللاتينية التي تعني «ملك» وكلمة «ركس wrecks» الإنجليزية وتعني «يحطِّم» أو «يهدم» ) . وفي هذا الفيلم، يعود ألين إلى الموضوع اليهودي ويتناوله بشكل مباشر كما فعل في «آني هول» ، فالفيلم يتناول حياة شاب أمريكي يهودي يحاول أن يندمج في المجتمع، فيغيِّر اسمه ويتصرف تماماً مثل الواسب ويحب شيكسا. ولكن أمه اليهودية ذات الشخصية المتسلطة والهوية اليديشية الواضحة الفاضحة ترفض هذا الوضع تماماً. وفي يوم من الأيام، تختفي الأم ولكنها تظهر في سماء نيويورك على هيئة صورة ضخمة تتحدث معه ومع المارة حيث تستمر في مطاردة ابنها إلى أن يرضخ في نهاية الأمر ويحب أنثى يهودية تشبه أمه تماماً. ولا يتسم هذا الفيلم بكثير من التركيب ربما بسبب قصره.
стр. 3074
أما فيلم «جرائم وجنح» (١٩٨٩) فتتبلور فيه كثير من الموضوعات وتصل إلى منتهاها، فقضية المعنى ومصدر القيمة الأخلاقية المطلقة في المجتمع العلماني تصبح هنا قضية مركزية. وبطل الفيلم مخرج سينمائي (متخصص في الأفلام الوثائقية) يؤمن بفنه وتشاركه هذا الإيمان فتاة يعتقد أنها تحبه. ويُوجَد في الفيلم كذلك طبيب عيون يهودي أمريكي ناجح، مندمج في مجتمعه، يُقدِّم خدمات عديدة للمجتمع، أحد مرضاه حاخام أعمى. وينتهي الفيلم حين يجد البطل أن صديقته تتركه لتتزوج رجلاً سوقياً متخصصاً في العلاقات العامة ويقوم طبيب العيون باستئجار قاتل ليقتل عشيقته التي تهدده بالفضيحة، فكأن العام والبراني ينتصر تماماً على الخاص والجواني، ويختفي اليقين المعرفي والمطلقية الأخلاقية. وعلى كلٍّ، فإن الحاخام أعمى منذ البداية، أما الطبيب الذي يحاول أن يرجع النور لعيونه فهو مجرم!
وظهر عام ١٩٩٠ فيلم «أليس» ، ويتناول حياة أنثى أمريكية ثرية تعيش حياة رتيبة تماماً لا يوجد لها هدف أو معنى. بدأت تشعر بالفجوة العاطفية التي تفصل بينها وبين زوجها، وبالمسافة التي تفصلها عن أطفالها بسبب اعتمادها على مربية في تنشئتهم وعلى آلاف الأشياء الأخرى (مثل اللعب والهدايا التي لا تنتهي) ، وتقرر تغيير حياتها فتستشير طبيباً صينياً يعرف بعض الوصفات السحرية، من بينها دواء إن أعطته لشخص فإنه يقع في غرامها على التو. وبعد أن تجربه ترفض هذا الحل السحري، كما ترفض أن تذهب للاستقرار في الهند بحثاً عن تجربة دينية وإنما تترك زوجها وتأخذ أطفالها وتتفرغ لتربيتهم متخطية المسافة التي تفصل بينها وبينهم.
стр. 3075
وأفلام وودي ألين الأخيرة تتناول الموضوعات نفسها بشكل أكثر عمقاً وظلمة. ففيلم «رصاص فوق برودواي» (١٩٩٤) يطرح السؤال التالي: هل من حق الفنان (هل من حق أي إنسان) أن يكون له عالمه الأخلاقي المستقل، أي أن يحكم على العالم بقيمه هو، دون مرجعية إنسانية مشتركة؟ ويدور الفيلم في عالمين: عالم المسرح وعالم المافيا وتربط بينهما شخصية عضو المافيا الذي يؤمن إيماناً مطلقاً بالفن يَجُبُّ أي التزام آخر (بما في ذلك الالتزام الخلقي تجاه البشر) والذي يعرف خبايا فن المسرح ويُقدِّره حق قدره. هذا المجرم، الفنان يقوم بحراسة ممثلة من الدرجة الرابعة، تعمل في ملهى ليلي ولكنها تتطلع للشهرة. وتنجح في الحصول على دور ثانوي في مسرحية يقوم عشيقها زعيم المافيا بتمويلها إرضاءً لها حتى يوفر لها دوراً فيها. ويتدخل الحارس الفنان تدريجياً أثناء البروفات فيُعيد صياغة حدث هنا وعبارة هناك في النص المسرحي، إلى أن يصبح عملاً جيداً. ولكنه يدرك تماماً أن الممثلة، عشيقة زعيم المافيا، ستُفسد العرض، وتدمر العمل الفني. وانطلاقاً من ولائه المطلق للقيم الجمالية يقوم بإطلاق الرصاص عليها. وهنا يُدرك الكاتب الأصلي للمسرحية التضمينات اللا إنسانية لهذا الالتزام النيتشوي بالفن، فيرفضه ويعود لصديقته ليحيا حياةً إنسانية سوية بعد أن كان قد هجرها لينطلق في عالم الفن.
стр. 3076
وتدور أحداث فيلم «أفروديت العظمى» في نيويورك (حيث تدور معظم أحداث أفلام وودي ألين) حول مشاكل الطبقة المتوسطة الأمريكية. ومع هذا حاول وودي ألين أن يتناولها في إطار يمنحها شيئاً من العظمة والبطولة، ويبدأ الفيلم لا في نيويورك وإنما في اليونان القديمة إذ نرى مشاهد من مأساة بطل الفيلم الذي يحاول أن يعرف من هي الأم الحقيقية لابنه بالتبني. وحينما يكتشف أنها تعمل بالبغاء يُصدَم ويقرر أن يصلحها، حتى لا يُصدَم ابنه حينما يكبر ويقرر أن يكتشف أمه الحقيقية. ورغم تعثُّر محاولاته، إلا أن كل الأمور تستقر وينتهي الفيلم " نهاية سعيدة ".
стр. 3077
ويمكننا الآن أن نتناول «يهودية» وودي ألين. وكما أسلفنا، هناك بُعد يهودي قوي في أفلامه. فثمة إشارات واضحة أو كامنة، إلا أن أبطاله يهود (في العادة) . ففي «آني هول» و «أطلال الملك أوديب» و «جرائم وجُنح» ، نجد أن يهودية البطل في مجتمع الواسب هي الموضوع الأساسي. أما في فيلم «مانهاتن» ،فإن يهوديته يشار إليها وحسب ولا تشكل موضوع الفيلم. وفي فيلم «الحب والموت» ، يُعرَّف البطل في البداية باعتباره يهودياً ولكنه يصبح مسيحياً في النصف الثاني من الرواية. وفي «حنا وأخواتها» ،نجد أن الأسرة يهودية، ولكنها أسرة أمريكية يهودية يواجه أعضاؤها مشاكل المجتمع العلماني الأمريكي من تفكُّك وصراع ومحاولة تجاوز كل ذلك من خلال شكل من أشكال التضامن. ولكن شخصياته، سواء كانت يهودية أو كانت غير يهودية، فإنها تتجاوز وضعها الخاص لتصبح جزءاً من نمط إنساني عالمي يمكن للجميع المشاركة فيه والإحساس به. ولهذا، فإن يهودية وودي ألين (حينما تظهر) ليست استبعادية، وإنما هي رمز لمعاناة الإنسان في مجتمع فقد المعنى والقيمة، ذلك هو الموضوع المباشر البارز في العمل، بينما الموضوع غير المباشر والكامن موضوع ذو طابع إنساني عام. وهذا يثير، بلا شك، إشكالية يهودية وودي ألين، إذ أن تناوله الموضوع اليهودي قد لا يختلف كثيراً عن تناول أي مخرج آخر، إلا إذا أخذنا في الاعتبار أن ألين ينظر إلى الموضوع من الداخل باعتبار أن الموضوع اليهودي يخصه بشكل شخصي ومباشر، فأبطاله على علاقة وثيقة بسيرته الشخصية.
وألين لا يختلف كثيراً عن فنانين يهود آخرين، مثل مارك شاجال وإسحق بابل، حيث لا يشكل العنصر اليهودي سوى تلك المادة الخام التي يتناولونها في أعمالهم بشكل إنساني عام. وهذا يجعل بوسعنا التعاطف مع الضحايا من اليهود، والوقوف إلى صفهم، والتمتع بما في مثل هذه الأعمال الفنية من جمال وإدراك لحالة الإنسان في العصر الحديث.
стр. 3078
ومما يجدر ذكره أن وودي ألين كتب مقالاً شديد الأهمية عن الانتفاضة، مستخدماً فيه نفس الصوت الروائي الذي يستخدمه في أفلامه، أي صوت البطل الفاشل الذي يحاول أن يأتي بأعمال بطولية ويخفق ولكنه يصر مع هذا على أن يتمسك بموقفه المبدئي. وهو، في هذا المقال، يهاجم الدولة التي تدع جنودها يضربون الناس ليكونوا عبرة للآخرين، وتُكسِّر أيادي الرجال والنساء حتى لا يلقوا بالحجارة، وتَجر المدنيين من بيوتهم بشكل عشوائي لتحطمهم ضرباً في محاولة لإرهاب بقية السكان وإرغامهم على الهدوء.
وحينما احتجت المؤسسة الصهيونية، كتب وودي ألين مقالاً آخر يُعلن فيه تمسُّكه بموقفه، ودهشته ممن يطالبونه بعدم الهجوم على الدولة الصهيونية لأنه يهودي. وموقف وودي ألين من الانتفاضة هو استمرار لموقفه في أفلامه وبحثه عن المعنى والقيمة المطلقة رغم إدراكه أن قوى الشر والنسبية مسيطرة تماماً بل ومهيمنة.
وقد تزوج وودي ألين ثلاث مرات وعاش مع الممثلة ميا فارو (التي لعبت دور البطولة في معظم أفلامه الأخيرة) وأنجبت منه طفلاً (ساتشيل) . وانتهت هذه العلاقة شبه الزوجية بانفصال عاصف حين اتهمت ميا فارو وودي ألين بأنه يتحرش جنسياً بأطفالها، وأنه أغوى ابنتها الكبرى بالتبني (وهي من أصل آسيوي) . وقد دافع وودي ألين عن نفسه بأنها ليست ابنته وأنه لم يعتبرها كذلك في أية لحظة من حياته. وقد برأه القضاء، وهو يعيش الآن مع الابنة الكبري المشار إليها.
دستن هوفمان (١٩٣٧-)
Dustin Hoffman
ممثل أمريكي يهودي ونجم من نجوم السينما الأمريكية. تميَّز بأداء عدد من الأدوار المهمة والصعبة التي نال عن اثنين منها جائزة الأوسكار ورُشح عن ثلاثة منها للجائزة نفسها، وهو يُعَدُّ واحداً من أهم الممثلين الأمريكيين على الإطلاق.
стр. 3079
لمع نجمه بعد أول فيلم له وهو فيلم «الخريج» (١٩٦٧) حيث لعب دور خريج الجامعة الذي يدخل في علاقة مع امرأة أكبر منه ويحب في الوقت نفسه ابنتها. ورُشح عن دوره في هذا الفيلم لجائزة أوسكار أحسن ممثل. وتكرَّر ترشيحه بعدئذ عن فيلم «راعي بقر منتصف الليل» حيث لعب دور المُقعَد الذي يقوم بإغواء شاب قوي قادم من الريف الأمريكي ويبيعه للمُخنَّثين. وكذلك رُشح لثالث مرة عن فيلم «ليني» حيث لعب دور أحد أشهر الكوميديانات اليهود في أمريكا والذي كان يُعتبَر أيضاً أكبر المتمردين على اللغة. ثم نال جائزة الأوسكار عن فيلم «كريمر ضد كريمر» الذي مثل فيه دور المُطلَّق الذي يرعى ابنه بمفرده فيكون له بمنزلة الأب والأم معاً. وبعدئذ نالها ثانية عن دوره في فيلم «رجل المطر» حيث قام بدور الشقيق المتخلِّف عقلياً لأخ انتهازي ولكنه رغم تخلُّفه العقلي إنسان ذو عبقرية رياضية.
ومن أدواره المهمة الأخرى، دوره في فيلم «الفراشة» وهو دور المتهم النصاب المسجون في أكبر قضية تزييف في فرنسا. وبعد أن يتم نفيه إلى جزيرة الشيطان، يحاول أن يؤقلم نفسه فيرشو الحراس ويخلق لنفسه عالماً خاصاً. أما في فيلم «ذئاب من قش» ، فقد لعب دور الأستاذ المسالم الذي تتعرض زوجته للاغتصاب فيتحول لوحش مفترس. ثم لعب دوراً مشابهاً لهذا في فيلم «رجل الماراثون» حيث يموت أخوه، رجل المخابرات الإسرائيلية، أمامه ويطارده النازيون، فيقاتلهم بضراوة. ومن أهم أدواره الكوميدية، دوره في فيلم «توتسي» حيث يلعب دور الممثل الذي لا يجد عملاً رغم تميُّزه الشديد، وربما بسبب تميُّزه هذا، فيضطر إلى التنكر في شخصية امرأة ويقوم بدور امرأة في مسلسل تليفزيوني ويحيا هذه الحياة المزدوجة للذكر/الأنثى. أما في فيلم «البطل» فهو يلعب دور الرجل الفاشل الذي يقوم بفعل بطولي حين يُنقذ ركاب طائرة ولكن فعله هذا يُنسب لغيره.
стр. 3080
ويُعَدُّ هوفمان نموذجاً بارزاً لجيل الستينيات من الممثلين من أعضاء الجماعات اليهودية في السينما الأمريكية الذين يتميَّزون بأداء جميع الأدوار ولا يقتصرون على الكوميديا فقط كما كان الحال مع الجيل الأول. وكان أعضاء الجماعة اليهودية قد حققوا حينذاك حراكاً اجتماعياً وانصهاراً في المجتمع الأمريكي واحتلوا مكانة مستقرة ضمن الشرائح العليا من الطبقة الوسطى، ولم يَعُد لزاماً على الممثل اليهودي أن يستخدم آلية السخرية من الذات من خلال الأدوار الكوميدية التي تميَّز فيها اليهود في نهاية العشرينيات والثلاثينيات لتحقيق القبول الاجتماعي وتحقيق نوع من الاندماج. وبالإضافة إلى ذلك، تطوَّرت مكانة السينما في المجتمع الأمريكي بحيث أصبحت بعد أكثر من خمسين عاماً صناعة استثمارية ضخمة وبالتالي منطقة جذب للناجحين من أبناء الطبقة الوسطى، اليهود غير اليهود، ومجالاً لتحقيق مزيد من النجاح المادي والثراء من خلال آليات صناعة الخيال ونشر الحلم.
ويُلاحَظ أيضاً أن هوفمان يلعب دوراً يكاد يكون مشابهاً لشخصية غير السوي في مجتمع الأسوياء أو الشخصية الازدواجية السوي/غير السوي. فهناك قدر من الغربة في كل أدواره المركَّبة التي اشتُهر بأدائها، فهو خريج الجامعة الذي يحب المرأة (التي هي في مقام أمه) وبنتها، المتخلف عقلياً/حاد الذكاء، المزيِّف الذي يقبل الأمر الواقع في المنفى، المسالم/الوحش، ثم الرجل/المرأة (وظيفياً) في كريمر ضد كريمر، والرجل/المرأة (فيزيقياً) في «توتسي» ، وهذا الدور المتكرر يتضح تماماً في ضوء وضع ومكانة أعضاء الجماعة اليهودية في المجتمع الأمريكي فهم في أواسط السلم الاجتماعي دائماً، أي تجسيد لفكرة ازدواجية السواء/اللا سواء في آن واحد.
ستيفن سبيلبرج (١٩٥٠-)
Steven Spielberg
стр. 3081
أحد أهم مخرجي السينما الأمريكية اليوم، ولا نغالي إذا قلنا إنه من أهم العاملين في قطاع الترويح والترفيه في عالم اليوم. حصل فيلمه «قائمة شندلر» الذي أخرجه وأنتجه عام ١٩٩٣ على سبع جوائز أوسكار منها جائزة أفضل فيلم وأفضل مخرج. وحصل فيلمه «الحديقة الجوراسية» على ثلاثة جوائز أوسكار في نفس العام، أي أنه حصد عام ١٩٩٤ عدد عشرة جوائز أوسكار (في التصوير والصوت والمونتاج والمؤثرات الخاصة والموسيقى وغيرها) . وحققت الأفلام التي أنتجها أعلى أرقام في التوزيع وفي شباك التذاكر.
وتمثل أفلام سبيلبرج للمواطن الأمريكي أجمل حل لكل مشكلاته، فهي تمجِّد الفرد في مواجهة آلة ضخمة غير محدَّدة الهوية، وهي تضع العالم في إطار من الثنائية الصلبة، حيث قوى الخير تحارب بشراسة ضد قوى الشر الغيبية التي لا نفهم أبداً من أين أتت. ففي «المبارزة» (١٩٧٢) تطارد سيارة نقل ضخمة شرسة، أسرة أمريكية تركب سيارة صغيرة على طول طرق الولايات المتحدة الواسعة والمتعرجة، أي عالم المواطن الأمريكي الذي يمتطي سيارته صباحاً ويقطع بها مئات الأميال ليؤدي عمله الروتيني. ولكنه يريد المغامرة والاقتحام والمتعة فيوفرها له سبيلبرج.
ثم يأتي فيلم «فكوك» (١٩٧٥) حيث نجد وحشاً هائلاً جباراً من وحوش عالم أعماق البحار الغامض هو تلك السمكة الجبارة من نوع القرش المفترس، يهاجم مجموعات البشر الأسوياء الأبرياء على الشواطئ، ويقتحم لحظات مرحهم ولهوهم (أقدس اللحظات عند المواطن الأمريكي) . ثم لا ينجح سوى شريف المدينة أو رمز المواطن الخيِّر الفرد راعي البقر الجديد الذي ينتصر على المساحات الشاسعة ويهزم هذا الشر الغيبي الكامن في المجهول تماماً.
وسنجد أن هذه المعادلة التبسيطية الثنائية الصلبة خير/شر ـ مقدَّس/مدنَّس ـ ذات/موضوع تتكرر في كل أفلامه ويتخذ صوراً متعددة تتماهى مع الوضع السياسي أو الاجتماعي القائم وقتها وهو ما يزيد من جاذبيته لدى المواطن الأمريكي.
стр. 3082
فمثلاً تُظهر سلسلة «أنديانا جونز» ، عالم الآثار السوبرمان، أثناء فترة احتدام الحرب الباردة في أوائل الثمانينيات، ومع ارتفاع الشعارات الريجانية حول «إمبراطورية الشر» و «الشر الذي يتهدد العالم» ... وغيرها. ونجد أن «مغتصبو التابوت المفقود» يُقدّم هذه الشعارات في التوليفة السبيلبرجية المعهودة، أسطورة السوبرمان الفرد الذي يتحدى كل شيء ويُحطم كل المؤامرات التي يحيكها الأشرار. إن «أنديانا جونز» هو التجسيد الأمثل للبطل السوبرمان في السينما الأمريكية، أو البطل الملحمي الضد الذي يسير إلى قدره المحتوم، ولا يبالي بشيء ولا يهمه شيء، فالغاية تبرر كل الوسائل.
стр. 3083
وهذه خلطة سحرية ومزيج أسطوري بسيط في إطار تقني معقد يصل مباشرةً إلى المواطن الأمريكي المستهدَف كجمهور مستهلك. ويخاطب فيه نزعاته الاستهلاكية وتمركزه حول الذات ومفاهيمه التبسيطية ويُقدِّم له الصورة التي يريد أن يراها في الخيال بديلاً عن ذاته المقهورة المستلبة المتحوسلة في إطار عمله الروتيني اليومي المتكرر. ونرى في أفلام سبيلبرج بعدئذ تكراراً لموضوعات أساسية أسطورية عديدة، بل إن هناك موضوعات قديمة (مثل «مغتصبو التابوت المفقود» أو «عبدة الشر في المعبد الملعون» وهي تنويعات على موضوع إمبراطورية الشر، حيث هؤلاء الهنود الشرقيون يريدون غزو العالم ويُقدِّمون ضحايا من البيض) . وهناك موضوعات حديثة مثل «القادمون من السماء في لقاءات قريبة من النوع الثالث» أو «E.T.» أي الكائن غير الأرضي الذي يُعيد التوازن للعالم، وهي تنويعة على أسطورة الجولم أو الكائن اليهودي المخلوق على يد البشر. وهناك موضوعات ما بعد حداثية مثل إعادة الخلق واستخدام الهندسة الوراثية كما في «الحديقة الجوراسية» . تلك الموضوعات الأسطورية مهمة جداً عند الجمهور المُستهدَف لأنها تمثل الجانب الغيبي والخرافي الضروري لاستكمال معادلة الحلول في الذات. إنها بمثابة الديانة السحرية الخرافية البسيطة التي تحل محل الدين المركَّب (أي أن موقف سبيلبرج يقف على طرف النقيض من موقف وودي ألين في فيلم «أليس» حيث يرفض الحل السحري تماماً (.
стр. 3084
ومن أهم أفلام سبيلبرج فيلم «الحديقة الجوراسية» أو حديقة الديناصورات. وهو تعبير عن اتجاه في السينما الأمريكية يكشف عن مراجعة الفكر الغربي في مرحلة ما بعد الحداثة. ففي عصر التحديث لا يؤمن الإنسان الغربي إلا بالعلم ومقدرته على التحكم في الواقع وترشيده بحيث يمكنه التحكم في العالم وحوسلته. أما في عصر ما بعد الحداثة فثمة خوف عميق من مواجهة التاريخ إذ أن عملية البرمجة لا يمكن أن تكون كاملة وبالتالي تخرج الأمور عما هو مقرَّر لها. يدور فيلم «الحديقة الجوراسية» حول محاولة الرأسمالي الأمريكي جون هاموند أن يقيم حديقة للديناصورات، هي الوحيدة من نوعها في العالم، مستخدماً أرقى وآخر أنواع التكنولوجيا: من هندسة وراثية إلى عالم كمبيوتر، مُطبِّقاً كل هذا على الحفريات. ورغم أن هاموند يمتلك عالم الطبيعة تماماً (محميات للحيوانات في كينيا ـ مناجم في جمهورية الدومينكان في أمريكا اللاتينية) ،إلا أنه يريد امتلاك الماضي والمستقبل، ومن ثَم يحاول أن يخرجه من الكتب ليحوِّله إلى واقع يتم بيعه لمن يستطيع الدفع، فكل شيء قابل للبيع والشراء. ولكي يمرِّر هاموند مشروعه يستعين باثنين من علماء الحفريات (جرانف واستايلر) ،وعالم رياضيات (مالكوم) .يدخل الجميع عالم الديناصورات المُحاصَر بالأسوار المُكهربة والمُراقَب بواسطة الكمبيوتر، وينبهر الجميع، فقد أصبح الماضي حقيقة، فالديناصورات تتحرك أمامهم. ولكن الجنة المثالية تنقلب إلى جحيم حقيقي حين يفقد الإنسان السيطرة على الديناصورات (بسبب خيانة أحد علماء الكمبيوتر ومحاولته تهريب أجنة الديناصورات خارج الجزيرة (.
стр. 3085
وعبر تركيبة السينما الأمريكية التقليدية تدور أحداث هروب جرانت وحفيدي هاموند من الوحوش، ويطرح الفيلم قضية الحد الذي يمكن أن يصل إليه الإنسان في محاولته التحكم في واقعه من خلال مقدراته العقلية وأن يسيطر عليه من خلال العلم. والفيلم يعلن أن ثمة حدوداً. فالطبيعة تتحايل على العلم. فالديناصورات تتعلم بسرعة وتتكيف مع الواقع الجديد وتتوالد رغم محاولة منعها من التناسل. وينتهي الفيلم بالإنسان وقد وقع صريعاً أمام قوة الماضي، متمثلة في الديناصورات، وقوة المستقبل متمثلة في التكنولوجيا.
وأم سبيلبرج يهودية إثنية لا تكترث بالشعائر الدينية وهو متزوج من امرأة غير يهودية. وهو يتناول أحياناً موضوعات يهودية في أفلامه ( «مغتصبو تابوت العهد» و «اللون القرمزي» و «قائمة شندلر» ) . لكن المؤكد هو أن أفلامه التي يصفها هو نفسه بأنها «لا تهدف إلا إلى الإمتاع الخالص واللذة فقط» هي التجسيد الأمثل للرؤية المعرفية الإمبريالية العلمانية الشاملة والحلولية الكمونية الكاملة حيث يصبح الإنسان مكتفياً بذاته، هو العبد والمعبود والمعبد، يُشبع رغباته ونزواته في عالم كل شيء فيه محكوم ومُتحكَّم فيه لخدمته ولا أهمية لشيء إلا ذاته.
قائمة شندلر
Schindler's List
следующие страницы →