← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

قاص يكتب بالعبرية، وُلد في روسيا، وساهم في إدخال أفكار حركة التنوير الأدب الحديث المكتوب بالعبرية من خلال العديد من مؤلفاته. كان صاحب أسلوب بسيط وسلس، الأمر الذي جعل لغته سهلة على القراء ومحببة إليهم. كتب في العديد من الموضوعات الحية التي عاشها أعضاء الجماعة اليهودية في روسيا مثل ضرورة إصلاح مؤسسات الإدارة الذاتية اليهودية، ووضع مؤلَّفاً عن جغرافية فلسطين وعن السامريين وعن تاريخ اليهود الروس، وترجم بعض القصص عن الأدب الألماني. من أهم أعماله، قصته إليعازر وهي سيرته الذاتية، وقد جاءت على غرار السير الذاتية التي نُشرت بعد اعترافات جان جاك روسو. وكان الهدف من هذه القصة إظهار قصور التعليم اليهودي القديم ولَفْت الأنظار إلى الثقافة الحديثة. وكان من الممكن أن تُعتبَر هذه القصة حجر الأساس في تطوُّر القصة الطويلة المكتوبة بالعبرية، سواء في تصوير الحدث أو في رسم الشخصيات. لكن هذه القصة كان يعيبها غياب وحدة الحدث وافتقارها إلى كثير من الأسس التي تقوم عليها القصة الطويلة. أبراهام مابو (١٨٠٨-١٨٦٧) Abraham Mapu روائي يكتب بالعبرية، وُلد في كوفنو (ليتوانيا) ، وتلقَّى تعليماً دينياً تقليدياً. ولكنه اهتم، إلى جانب ذلك، بدراسة اللغات اللاتينية والفرنسية والألمانية والروسية، وهو أمر لم يكن معهوداً في أوساط اليهود الأرثوذكس، بل كان يُقابَل بالعداء. وكان مابو، في مطلع حياته، متعاطفاً مع الحركة الحسيدية، ودرس القبَّالاه والسحر (يُقال إنه حاول أن يصبح رجلاً خفياً من خلال اتباع تعاليم القبَّالاه) . ولكن هذا لم يَدُم طويلاً إذ أصبح مابو من أشد أنصار حركة التنوير وعُيِّن في مدرسة حكومية، وهو منصب احتفظ به بقية حياته.

стр. 3187

بدأ مابو حياته الأدبية برواية محبة صهيون التي استغرقت كتابتها ما يقرب من عشرين عاماً. وعند نشرها عام ١٨٥٣ حظيت بنجاح كبير حيث تُعَدُّ أول رواية باللغة العبرية، وإليها يرجع الفضل في المكانة الأدبية الرفيعة التي تبوأها صاحبها كمؤسس للفن الروائي في الأدب الحديث المكتوب بالعبرية. وتدور أحداث الرواية في زمن حزقيال والنبي أشعياء، وقد نجحت الرواية في إعادة بناء الجو العام للمجتمع العبراني في ذلك الوقت. ويعود نجاح الرواية إلى الجو المثالي العام الذي يسودها وإلى لغتها التوراتية، أما من ناحية ترابُط الأحداث وتصوير الشخصيات فهي ضعيفة للغاية. وطُبعت الرواية أربع طبعات (حتى عام ١٨٧٣) وتُرجمت إلى الإنجليزية ثلاث ترجمات مختلفة وسبع مرات إلى اليديشية وإلى الفارسية والعربية (١٩٠٨) كما ظهرت ترجمة إلى الألمانية (١٨٨٥) دون ذكر اسم المؤلف على الغلاف. ودفعه هذا النجاح إلى مواصلة الكتابة، فكتب ثلاث روايات أخرى هي: المنافق (١٨٥٧ ـ ١٨٦١) ، وهي رواية تدور أحداثها في الوقت الحاضر وتصف الصراع بين الحسيديين ودعاة التنوير، ومن أهم الشخصيات الحاخام صادوق الذي يستخدم الخرافات ليستغل الناس. والرواية سطحية للغاية لا يوجد فيها أي عُمْق نفسي أو إنساني، وهي من النوع الدعائي المباشر الذي يدافع عن قضية بعينها. أما روايته الثالثة خطيئة السامرة (١٨٥٦) ، فهي تُبيِّن الصراع بين القدس والسامرة وتأخذ صف القدس بلا تحفُّظ إذ تصوِّر رجالات مملكة يهودا بشكل مثالي، أما النساء والرجال في السامرة فهم لصوص متآمرون. ومرة أخرى نجد أن تصوير الشخصيات ضعيف. وقد كتب مابو كذلك رواية عن شبتاي تسفي (وشخصيته ذات مركزية خاصة في الوجدان الصهيوني، فهرتزل مثلاً كان يفكر في كتابة أوبرا عنه) . إلا أن خصوم حركة التنوير، ممن صدمتهم أفكار مابو، نجحوا في تحريض السلطات على منع نشر الرواية الأخيرة (وضاعت أجزاء كبيرة منها) . كما أن مابو وضع بعض

стр. 3188

المؤلفات الأخرى في موضوع تطوير طرق التدريس التي كانت شائعة في عصره. وتنتمي روايتا محبة صهيون وخطيئة السامرة إلى النوع التاريخي، حيث تدور أحداثهما في عصر أشعياء. أما روايته المنافق، فتتناول الحياة المعاصرة لأعضاء الجماعة اليهودية في ليتوانيا. ورغم هذا التباين في زمان ومكان الأحداث، فإن ثمة موضوعاً أساسياً يتواتر في الروايات الثلاث وهو الرغبة في العودة إلى فلسطين وهو ما يجعله من أهم دعاة الصهيونية. وتزخر أعمال مابو بتأثيرات شتى، وهو ما يدفع إلى القول بأنه لم يكن مبدعاً أصيلاً بقدر ما كان مقلِّداً. فهناك، أولاً، التأثر الشديد بلغة العهد القديم وبأسلوبه في القص وفي تصوير الخلفية الزمانية والمكانية. وهناك، ثانياً، السير على نهج الكُتَّاب الرومانسيين الفرنسيين، وعلى الأخص ألكسندر دوماس الأب (حيث رسم الشخصيات ووضع شخصيات تاريخية إلى جانب الشخصيات الروائية فضلاً عن إسقاط أحداث الماضي على الواقع المعاش) . كما تأثر بأيوجين سو (التركيز على المغامرات والحبكة والعنف) . وتفتقر أعمال مابو إلى كثير من الأسس التي يقوم عليها الفن الروائي، فالأحداث متعددة ومتداخلة ويعوزها الترابط والاتساق في كثير من الأحيان. أما السرد، فيغلب عليه التكرار والإسهاب الذي لا يبرره شيء، كما أن الاستخدام الرمزي للشخصيات يتَّسم بالسطحية والسذاجة. وهذه العيوب الفنية الواضحة هي أحد مبررات ذلك الرأي الذي يذهب إلى أن القيمة الأساسية لأبراهام مابو تكمن في ريادته وليس في فنيته. ميخا ليبنسون (١٨٢٨-١٨٥٢ ( Micha Lebensohn

стр. 3189

يُعرَف أيضاً باسمه الأدبي «ميخال» ، وهو شاعر يكتب بالعبرية، وُلد في فلنا (ليتوانيا) ، وتلقى تعليماً دينياً تقليدياً يجمع بين دراسة التوراة والتلمود وبين دراسة العلوم والآداب الحديثة، وذلك بتوجيه من أبيه الشاعر أبراهام دوف ليبنسون الذي شجعه كذلك على تنمية مواهبه الأدبية. فاتجه منذ صباه إلى كتابة الشعر فضلاً عن ترجمة مقتطفات من أعمال فرجيل وهوراس وشيلر وجوته، وغيرهم، إلى اللغة العبرية. ولم يُصدر ميخال خلال حياته سوى مجموعة شعرية وحيدة بعنوان أناشيد ابنة صهيون (١٨٥١) ، ضمت ست قصائد ملحمية تتناول موضوعات وشخصيات توراتية. وبعد وفاته، نشر أبوه مجموعة أخرى من القصائد الغنائية والقصائد المترجمة صدرت بعنوان قيثارة ابنة صهيون (١٨٦٠) ، فضلاً عن طبعة ثانية من الأناشيد (١٨٦٩ (. وأبرز الموضوعات المتواترة في الشعر الملحمي لميخا: التناقض بين الحياة والموت، ودور الشعر ورسالة الشاعر، والصراع الأخلاقي بين العواطف الإنسانية والواجبات الوطنية. أما شعره الغنائي، وخصوصاً المتأخر منه، فقد انطبع بمصيره المأساوي إثر إصابته بالسل في مطلع شبابه، وهو الأمر الذي جعله كإنسان وشاعر يقف على عتبة الحياة منتظراً موته المحتوم. ويغلب على قصائده عموماً الطابع الرومانسي الذي ينأى بها عن النزعات الأخلاقية والبلاغية التي سادت بواكير الشعر المكتوب بالعبرية في عصر التنوير. وتحفل تلك القصائد في شكلها ومضمونها بتأثيرات شتى، حيث تعكس هذه القصائد الملحمية التأثر بأسلوب كل من شكسبير وملتون، بينما تتردد في القصائد الغنائية أصداء الشعراء الرومانسيين الألمان وعلى الأخص شيلر وهايني. أما رؤيته الفنية والفكرية، فتأثرت إلى حدٍّ بعيد بأفكار الفيلسوف الألماني شلنج والتي تَخلُص إلى أن الشعور بالجمال في الطبيعة والفن هو أرفع الصور الروحية للحياة وأن الحدس (الفني) هو الطريقة الوحيدة لتصوُّر وحدة الوجود.

стр. 3190

ورغم قلة إنتاجه ووفاته في سن مبكرة، يُعَدُّ ميخا ليبنسون من أبرز شعراء عصر التنوير، وشعراء العبرية بوجه عام، ممن حققوا وظيفة الشعر العلماني المكتوب بالعبرية كما تصوَّرها أنصار حركة التنوير. ومع أنه لم يغامر بتجديد شكل القصيدة، إلا أنه كان أول من طبَّق قواعد العروض الحديثة على الشعر المكتوب بالعبرية. يهودا جوردون (١٨٣٠-١٨٨٢) Yehuda Gordon شاعر وقاص وناقد كتب بالعبرية، وهو من مواليد ليتوانيا. ويُعَدُّ من أهم دعاة حركة التنوير اليهودية ومن أهم المعبِّرين عنها، ولكن فكره وتمرُّده ضد التراث الديني اليهودي يشيان بما في داخله من بذور الصهيوينة. تلقَّى جوردون تعليماً تقليدياً في طفولته. وفي سن السابعة عشرة، تلقى تعليماً غربياً حديثاً، ودَرَس عدة لغات (الروسية ـ الألمانية ـ البولندية ـ الفرنسية ـ الإنجليزية) .وتخرَّج في إحدى الكليات التربوية الحكومية عام ١٨٥٣ وعمل مدرساً في مدارس الحكومة. انضم جوردون إلى جماعة من دعاة حركة التنوير كان من أهم أعضائها شاعر العبرية أبراهام دوف ليبنسون وابنه ميخا. تبنَّى جوردون فكر حركة التنوير تماماً، وشن هجوماً شرساً على التقاليد الدينية، واتهم اليهودية بأنها دين متحجر يحوِّل اليهود إلى شعب من الكهنة، وطالب بإدخال القيم المادية العلمانية في حياة اليهود. وكان مديراً لجمعية نشر الثقافة بين يهود روسيا، وهي من أهم جمعيات نشر مُثُل حركة التنوير. كتب جوردون كتابات نثرية عديدة، من بينها مقالات بالعبرية والروسية. ولكن إسهامه الأدبي الأساسي هو أشعاره. ويُقسِّم النقاد أدبه إلى مرحلتين أساسيتين: مرحلة رومانسية، وأخرى واقعية:

стр. 3191

١ ـ المرحلة الرومانسية: وهي المرحلة التي قاد فيها حركة التنوير التي تهدف إلى إصلاح اليهود وتحويلهم إلى شعب منتج. وتتناول قصائده في هذه المرحلة الموضوعات التاريخية والتوراتية وبعض الموضوعات السائدة في عصره، وإن كان تناوله ليس مباشراً أو واقعياً. وتعكس قصيدة «داود وبرزيلاي» (١٨٥١ ـ ١٨٥٦) الدعوة إلى العودة للأرض. وتؤكد القصائد الأخرى في هذه المرحلة روح الاعتزاز بالذات القومية التي كان يرى جوردون أنها تنعكس في بعض شخصيات العهد القديم. وأهم قصائد هذه المرحلة قصيدة «بين أنياب الأسد» (١٨٦٨) التي تحكي قصة سيمون بر جيورا (أحد أبطال التمرد اليهودي الثاني ضد الرومان) ونهايته المأساوية. وفي هذه القصيدة، ينحي جوردون باللائمة على التعاليم الحاخامية التي أدَّت باليهود إلى رفض الحياة وقبول العبودية، وإلى أن يقبعوا خلف الأسوار ويكونوا موتى في الأرض أحياء في السماء» فتراب كتابكم وأوراق أحاديثكم الجافة غطتكم تماماً وجعلت منكم مومياء حية لعدة أجيال. «

стр. 3192

ومن الواضح أن رومانسية جوردون من النوع النيتشوي الذي يُمجِّد القيم العضوية والحيوية وقيم البطولة. ومن أهم قصائد هذه المرحلة أيضاً قصيدة «استيقظ يا شعبي» (١٨٥٦) ، وهي دعوة لليهود أن يتبنوا مُثُل حركة التنوير وأن يخرجوا من ظلمات الجيتو ويتعلموا العبرية وينبذوا اليديشية ويعملوا في الحرف اليدوية المنتجة وفي الصناعة والزراعة. وقد اختتم هذه القصيدة بالكلمة المأثورة التي أصبحت فيما بعد شعاراً لهذه الحركة: "كن يهودياً في بيتك وإنساناً خارجه". ومع هذا، يظل التوجه نحو فكرة الشعب العضوي (فولك) ، والكتلة القومية المتماسكة وليس نحو الفرد، على عكس مُثُل حركة الاستنارة التي كانت تتوجه أساساً إلى الفرد. ومن أهم أعمال هذه الفترة القصص الخرافية الوعظية التي كتبها جوردون على نمط خرافات إيسوب ولافونتين وكريلوف وسخر فيها من معاصريه أعضاء الجماعات اليهودية الذين نبذوا مُثُل حركة التنوير وعاشوا في الظلام (بحسب تصوُّره (. ٢ ـ المرحلة الواقعية: يشكل عام ١٨٦٧ نقطة حاسمة في حياة جوردون، إذ وقف إلى جانب ليلينبلوم في دعوته إلى الإصلاح الديني. وكانت قصائده في هذه المرحلة هجوماً مباشراً لا هوادة فيه، في شكل قصص ساخرة، على الخرافات الدينية وانحلال الحياة الدينية الذي أدَّت إليه الشعائر اليهودية التي كان يرى جوردون أنها معادية للحياة. وأهم القصائد هي «حكاية اليود [الياء] أو أتفه الأشياء» التي أتمها عام ١٨٧٦، وهي تتناول مأساة امرأة شابة مطلقة لا يمكنها أن تتزوج مرة ثانية لأن الحاخام رفض الاعتراف بقسيمة الطلاق لأن توقيع زوجها ينقصه حرف اليود (أي حرف الياء وهو أصغر الحروف في اللغة العبرية) ، ولذا فهي تظل مطلقة (عجوناه) لا يحق لها الزواج. أما قصيدة «اليوسفان بن سيمون» ، فهي هجوم على القهال ورئيسه الذي تآمر وأرسل أحد دعاة حركة التنوير، ويُسمَّى يوسف بن سيمون، إلى السجن بدلاً من لص قاتل يحمل نفس الاسم.

стр. 3193

ومن قصائد هذه المرحلة قصيدة «الملك صدقياهو في السجن» ، وهي مونولوج درامي يعبِّر عن احتجاج آخر ملوك يهودا ضد روحانية الأنبياء التي قضت على حياة اليهود العادية والطبيعية وعلى وجودهم السياسي. وهذا الموضوع كامن ومتكرر وأساسي في الأدبيات الصهيونية ذات الطابع النيتشوي. وقد أخذت الموضوعات الصهيونية تظهر على السطح بشكل أكثر تزايداً ووضوحاً، ففي قصيدة «لمن أعمل» يُلاحظ الشاعر أن مُثُل حركة التنوير أدَّت إلى اندماج الشبان اليهود في مجتمعهم. وهذا تناقُض كامن في حركة التنوير العبرية، فهي تدعو إلى الاندماج في المجتمع، وفي الوقت نفسه تدعو إلى بعث العبرية التي تعزل المتحدثين بها عن مجتمعهم. ولذا، نجد أن هذا الداعية للتنوير يقول «من بوسعه أن يخبرني عن المستقبل، لعلي آخر شعراء صهيون ولعلك آخر القراء» . وبعد تعثُّر التحديث في روسيا عام ١٨٨١، نبذ جوردون مُثُل الاندماج ولكنه لم يتبن فكرة هجرة اليهود. وفي قصيدته «أختي روحاماه» (١٨٨٢) ، يدعو جوردون اليهود إلى الهجرة ولكنه يرى أن الهجرة يجب أن تكون إلى الولايات المتحدة لا إلى فلسطين العثمانية. وقد وصل جوردون إلى صيغة صهيونية تشبه الصيغة الآحاد هعامية «لن يتحقق خلاصنا إلا بعد خلاصنا الروحي» . وقد أشار آحاد هعام إلى دَينه الفكري لجوردون. وجوردون هو الذي أشاع عبارة «يابيت يعقوب هلم فلنسلك في نور الرب» (أشعياء٢/٥) التي استخدمها في مقال له عام ١٨٦٦ ونادى فيها بأن يصبح اليهود جزءاً من أوربا. وقد أصبحت فيما بعد شعاراً لأعضاء جماعة البيلو الذين استوطنوا في فلسطين. ولعل هذا يبيِّن التناقض الكامن في مُثُل حركة التنوير اليهودية.

стр. 3194

وكتب جوردون نقداً لكتاب بنسكر الانعتاق الذاتي، ولكنه كان نقداً متعاطفاً، كما أنه عبَّر عن حماسه لاستعمار إنجلترا لمصر عام ١٨٨٢ إذ رأى أن هذا الاحتلال سيزيد من أهمية فلسطين كممر إلى مصر ومركز للتجارة الآسيوية «وقد يجذب الحكم البريطاني كثيراً من إخواننا في الدياسبورا ليستقروا في فلسطين ليحرثوا أرضها ويبنوا السكك الحديدية ويحيوا التجارة والفنون والحرف» . ونادى بإنشاء جمعية من أجل الذاهبين إلى فلسطين، أي أنه تبنى المشروع الصهيوني بكل أبعاده. ورغم أهمية جوردون كشاعر يكتب بالعبرية، فإن كثيراً من النقاد يميلون إلى القول بأنه لم يكن شاعراً وأنه كان ناظماً للقصائد ومهيجاً اجتماعياً بالدرجة الأولى. وقد ترجم جوردون كثيراً من الأشعار الغربية إلى العبرية، وهو يُعَد من المجددين في الشعر المكتوب بالعبرية. زئيف جافتس (١٨٤٧-١٩٢٤) Zeev Javitz مؤرخ وكاتب وفيلسوف ديني صهيوني يكتب بالعبرية. وُلد في بولندا لأسرة ثرية واتجه إلى الكتابة الأدبية والتاريخية بعد فشله في الأعمال التجارية. كانت أولى كتاباته التي لفتت إليه الأنظار مقالة بعنوان «برج القرن» (١٨٨٧) كتبها بمناسبة الذكرى المئوية لوفاة موسى مندلسون وانتقد فيها بشدة فكر حركة التنوير الداعي إلى اندماج اليهود في مجتمعاتهم. وقد استقر جافتس في فلسطين من عام ١٨٨٨ حتى عام ١٨٩٨ حيث عمل بالتدريس والمحاماة والصحافة. وساهم بنشاط في أعمال اللجنة التي اضطلعت بمهمة تطوير العبرية وتحديثها، حيث ذهب إلى ضرورة تطعيم العبرية بعناصر لغوية مستمدة من المشناه والتلمود والمدراش. كما وضع جافتس عدة كتب للناشئة تسرد الأساطير التلمودية نظماً، ومن بينها: تل الميلاد (١٨٩١) ، أنغام من الماضي (١٨٩٢) ، والمعلم (١٨٩٤) .

стр. 3195

أما العمل الرئيسي لزئيف جافتس والذي كرس له جل حياته فهو كتاب تاريخ إسرائيل (١٨٩٥ ـ ١٩٤٠) الذي صدر في أربعة عشر مجلداً. وهو كتاب لا يمت بصلة إلى البحث التاريخي الحقيقي، ولكنه يعكس سعيه الدؤوب لإظهار تميُّز الدين والثقافة اليهوديين ولإثبات أن التقاليد اليهودية تشكِّل جذور التراث الإنساني بأسره. ولم يقف نشاط جافتس عند حدود كتابة المقالات والدراسات، فساهم بحماس في الحركة الصهيونية حيث كان أحد أعضاء حركة أحباء صهيون البارزين. وبعد رحيله عن فلسطين، تنقَّل جافتس بين فلنا (ليتوانيا) وألمانيا ولندن حيث شارك في تأسيس حركة مزراحي وتولَّى رئاسة تحرير صحيفتها الشهرية هامزراح (١٩٠٣ ـ ١٩٠٤) ، ويُعدُّ أحد ممثلي التيار الأرثوذكسي في الأدب المكتوب بالعبرية في العصر الحديث وفي الحركة الصهيونية على حدٍّ سواء. ديفيد فريشمان (١٨٥٩-١٩٢٢ ( David Frischman أديب وشاعر يكتب بالعبرية واليديشية، وُلد في بولندا، حيث تلقى تعليماً تقليدياً وحديثاً. كان إنتاجه الأدبي غزيراً متنوعاً، حيث كتب القصة وقرض الشعر ومارس الترجمة واحترف النقد الأدبي وعمل محرراً صحفياً. تبرز في أدبه تلك التوترات التي اتسم بها أدب ما بين الجيلين الذي ظهر في فترة ما بين انحسار التنوير وظهور الصهيونية التي تبنَّى مُثُلها في أيامه الأخيرة. ومن أشهر أعمال الشعرية قصيدة «طبقان» التي لخص فيها نظرته إلى التنوير وآماله في الصهيونية، استمد مادتها من الأساطير اليهودية القديمة عن موسى. وتُعتبَر هذه القصيدة من أكثر القصائد تعبيراً عن الصهيونية في أوضح صورها، كما أنها تحمل بين طياتها دعوة صريحة إلى استعباد الشعوب الأخرى.

стр. 3196

وقد دارت أغلب قصصه حول موضوعات مستوحاة من الأساطير الشعبية اليهودية في شرق أوربا. وفيها حاول أن يعبِّر عن الواقع الاجتماعي اليهودي المعاصر له هناك، وعن التمزق بين واجب الاحتفاظ بالتقاليد اليهودية وضرورة الاندماج في المجتمع الأوربي المحيط. كما كتب عدة قصص تناولت موضوع معاداة اليهود. من أشهر أعماله القصصية معلم الحق، وفي يوم الغفران. ويُعتبَر موضوع هذه القصة جديداً على الأدب المكتوب بالعبرية، حيث يتحدث فيها عن صراع الأجيال؛ الصراع بين الآباء والأبناء. تتناول هذه القصة حياة فتاة يهودية تعشق الموسيقى وتصبح مغنية شهيرة، فتهجر الجماعة اليهودية وتغني في الكنيسة، ولكنها تلقى حتفها حينما تخنقها أمها التي جُنَّت. أما قصة الرجل وغليونه فهي عن حاخام يدمن التدخين إلى درجة أنه يضطر إلى أن يخرق الشعائر الخاصة بالسبت، سراً في بادئ الأمر ثم علناً، ومن ثم يتم طرده من حظيرة الدين. ويرسم فريشمان هذه الشخصيات بكثير من التعاطف. أما الراقصات، وهي تُعَدُّ من أفضل ما كتب، فقد استوحى موضوعها من التراث الديني اليهودي القديم، وهي ترمز بصورة واضحة إلى صراع الصهيونية مع القيادات اليهودية التقليدية. ومن أهم أعماله وآخرها، سلسلة قصص مستوحاة من العهد القديم عنوانها في البرية.

стр. 3197

وحينما عمل فريشمان مساعداً لرئيس تحرير جريدة اليوم، وهي أول جريدة تصدر في روسيا بالعبرية (١٨٨٦ ـ ١٨٨٧) ، كتب سلسلة من المقالات تعني بالحياة اليومية والحياة الأدبية للكُتَّاب اليهود، وهي تعتبر تطويراً لفن المقال في أدب العبرية. كما نشر أعمالاً قام بترجمتها عن الآداب الغربية، وكذلك بعض أعمال نيتشه. وعمل فريشمان، كذلك، مساعداً لرئيس تحرير الجريدة اليديشية هاينت في وارسو (منذ عام ١٩٠٨) ، ونشر فيها قصائد وقصصاً باليديشية. وقد قام فريشمان بإدخال القيم الأدبية الغربية على الأدب المكتوب بالعبرية وحرَّر الرواية المكتوبة بالعبرية من الحبكة المفتعلة التي تسم روايات فترة التنوير. ميخا بيرديشفسكي (١٨٦٥-١٩٢١ ( Micha Berdyczevsky كاتب روسي ومفكر صهيوني رومانتيكي كوني النزعة حلولي الرؤية كان يكتب باليديشية والعبرية. وُلد في مدينة ميدزيبوز الروسية، مَهْد الحسيدية في القرن الثامن عشر، ونشأ في عائلة عريقة في التدين، وكان أبوه يعمل حاخاماً، وفي سن السابعة عشرة كان بيرديشفسكي قد تلقَّى تعليماً تلمودياً كاملاً وألم بكل تعاليم القبَّالاه والحسيدية. حاول في كتاباته الأولى أن يفعل ما وصفه فيما بعد بأنه المستحيل: التوفيق بين التقاليد الحاخامية وحركة الاستنارة اليهودية. وفي عام ١٨٩٠، انتقل إلى أوربا الغربية ليتلقى شيئاً من التعليم العلماني (المحرم) . وأثرت فيه هذه الفترة القصيرة ووسمته بسماتها. ثم بدأ بعد ذلك في الترحال بين برن وبرلين حيث قضى أكثر فترات حياته إبداعاً.

стр. 3198

كتب بيرديشفسكي (اسمه الأدبي المستعار «بين جوريون» ) كثيراً من المقالات النقدية والقصص القصيرة والطويلة العبرية واليديشية. وتأثر بيرديشفسكي بأفكار شوبنهور بشأن علاقة الفرد بالجماعة، وتأثر أيضاً بأفكار نيتشه وبخاصة أفكاره بشأن السوبرمان أو الفرد الممتاز المتميِّز الذي يرتفع على الجماعة والتقاليد، كما تبع نيتشه في إصراره على " إعادة تقييم جميع القيم " وإخضاعها للنقد الكامل. لكل هذا نجد أن بيرديشفسكي يهاجم التقاليد اليهودية الروحية في خضوعها وخنوعها وفي تكبيلها للإنسان بالطقوس المميتة. كما هاجم بعض أدباء العبرية (بياليك وكلاوزنر) واليديشية (مندلي موخير سيفاريم) ولكنه شجع بعض الأدباء الجدد مثل حاييم برنر ممن يشاركونه رؤيته للعالم. وقد هاجم بيرديشفسكي وبشدة جماعة أحباء صهيون وهرتزل وآحاد هعام لأن الآخير أكد أهمية ما سماه «القيم الروحية» ، ولعله لو قرأ كتاباته بقليل من الإمعان لاكتشف النزعة النيتشوية القومية فيها، ولاكتشف أيضاً أن مفهوم آحاد هعام بشأن «السوبر أمة» أو الأمة الكاملة لا يختلف كثيراً عن مفهوم السوبرمان أو الإنسان الكامل، ولاكتشف أن القومية العضوية مفهوم يجمع بينه وبين آحاد هعام ونيتشه. كتب بيرديشفسكي أكثر من ١٥٠ قصة بالعبرية وكتب بعض القصص باليديشية. وتصوِّر قصصه تمزُّق اليهودي في العصر الحديث بين تقاليد اليهودية وروح الحضارة الغربية، والشتتل هو الخلفية الأساسية لعديد من هذه القصص التي تتضمن نماذج بشرية مختلفة تجابه مشاكل يهودية محدَّدة مثل التقاليد الخانقة والزيجات الاضطرارية المرتبة. وتعالج القصص الدوافع الإنسانية لهذه الشخصيات في تصارُعها مع كل هذه العوائق والحواجز. وتدور معظم قصصه حول موضوعين أساسيين: ١ ـ الحياة اليهودية في المدن اليهودية الصغيرة في آخر القرن التاسع عشر التي يقسمها دائماً نهر يفصل حي اليهود عن حي الأغيار.

стр. 3199

٢ ـ حياة الطلبة اليهود من شرق أوربا في وسط أوربا وغربها وإحساسهم بالانبهار والاغتراب. ويمكن القول بأن هذين الموضوعين هما أهم موضوعين في حياة معظم المفكرين الصهاينة، بل ومعظم المفكرين والأدباء الذين تناولوا الموضوع اليهودي. وثمة صراع يدور بين الخير والشر وبين الجمال والقبح ينتهي بهزيمة الخير والجمال. فالشتتل ـ ساحة هذا الصراع ـ قد وقع في قبضة قوة عمياء قاسية. وتوجد في روايته أنماط إنسانية متكررة: امرأة ذكية رقيقة متزوجة من إنسان فظ خشن ـ رجل لا قسمات له ولا ملامح ـ طالب متمرد على أوضاع مجتمعه ـ أشخاص يقضون حياتهم يعانون من الزيجات المُرتَّبة - شخصيات متمردة على التراث اليهودي مثل المهرطقين ومدَّعي المشيحانية. ومعظم قصصه ذات طابع انطباعي تتكون من مونولوجات عاطفية مع استطرادات هي أقرب إلى المقالات. وطريقة السرد في قصصه تشكل انتقالاً من أشكال السرد الخاصة بالقرن التاسع عشر إلى الأشكال الأكثر دقة.

стр. 3200

جمع بيرديشفسكي بعض الأساطير الحسيدية، واهتمامه بالحسيدية رغم تمرُّده على التراث اليهودي يَصلُح مدخلاً لفهم فكره الصهيوني. فهو يعيد تقييم اليهودية ويذهب إلى أن اليهودية القديمة إنما هي في واقع الأمر العبادة اليسرائيلية القربانية الوثنية، التي تدور حول عبادة الطبيعة والكون والأصنام، وأن الطبقة التوحيدية (التوراتية) دخيلة على هذه العقيدة. وفي كتابه سيناء وجيرزيم، يذهب بيرديشفسكي إلى أن الجبل المقدَّس ليس جبل سيناء، وأن مؤسس العقيدة اليسرائيلية هو يوشع بن نون وليس موسى. فكأن بيرديشفسكي يطالب بالعودة إلى الوثنية الحلولية القديمة كطريقة للتحرر من اليهودية الحاخامية. فالبعث القومي بعث كوني وثني حلولي، وعلى اليهود أن يرفضوا عبوديتهم الظاهرة التي حوَّلتهم إلى أمة من الرجال الذين نضبت قواهم الطبيعية واستوُعبوا في يهودية مجردة خالية من الحياة. عليهم العودة إلى يهودية جديدة: يهودية تضع اليهودي قبل اليهودية وإسرائيل قبل التوراة، وتعيش في وئام مع الطبيعة، وتتغنى بنشيد الأنشاد الذي يحتفي بالجسد وبنشيد داود الذي يتغنى بالطبيعة السامية التي لا حدود لها، الطبيعة التي هي منبع كل شيء، منبع كل ما يحيا وروحه. هذه الوثنية الجديدة ترى أن جوهر الحياة هو السيف، بل هو تجسيدها في أعرض خطوطها المادية والجوهرية إذ حل السيف محل التوراة. وهذه العودة للطبيعة هي برنامج بيرديشفسكي لإصلاح اليهود واليهودية، وعلى حد قوله فإن الشعب المقدَّس سيصبح الشعب الحيّ.

стр. 3201

ويمكننا أن نسمي صهيوينة بيرديشفسكي «الصهيونية الطبيعية» أو «الصهيونية الكونية» أو «الصهيونية العضوية» ، باعتبار أن الإنسان اليهودي سيستمد هويته وكينونته من خلال العودة للطبيعة والالتحام بها وبفقدان الذات فيها. ولكن الطبيعة التي يعود إليها هي في واقع الأمر بديل الأرض في الثالوث الحلولي العضوي في مرحلة موت الإله: الأرض ـ الإنسان ـ روح الحياة التي تربط بينهما (التي هي أيضاً العنف أو السيف) . ومثل هذه الصياغة الحلولية العضوية الحيوية لا تختلف عن كثير من الصياغات اليهودية التقليدية، فاليهودية تحوي داخلها طبقة حلولية تجُبُّ الطبقة التوحيدية بحيث تحل أصنام جرزيم محل التوحيد. وصهيونية بيرديشفسكي لا تختلف كثيراً في بنيتها عن صهيونية جوش إيمونيم الحلولية العضوية، فكلاهما جعل الأرض موضع الحلول وأهم عناصر الثالوث الحلولي. ولعل هذا التشابه بين المتمرد بيرديشفسكي ومعظم الصهاينة جعله يُفسِّر سرَّ حماسه للحسيدية وقصصها. ويمكننا أن نقول إن بيرديشفسكي لا يعارض الحلولية التقليدية وإنما يعارض سكونها وحسب، وهو سكون اضطرت إليه بعد فشل كثير من الحركات المشيحانية فتحوَّلت النزعة المشيحانية العدمية المدمرة إلى توجُّه نفسي وغوص في الذات، عدميته وتدميريته كانت موجودة بالقوة، ثم تفجرت في الدولة الصهيونية وأصبحت توجد بالفعل. وقد صدرت أعمال بيرديشفسكي الكاملة في ٢٠ جزء (١٩٢١ ـ ١٩٢٥ (. ديفيد شمعوني (١٨٦٦-١٩٥٦ ( David Shimoni شاعر يكتب العبرية، وُلد في منسك (روسيا) ، وهاجر إلى فلسطين عام ١٩٠٩ حيث عمل حارساً وعاملاً زراعياً في إحدى المستوطنات اليهودية، ثم رحل إلى ألمانيا عام ١٩١١ حيث تلقى تعليمه في عدة جامعات بها. وعند اندلاع الحرب العالمية الأولى عاد إلى روسيا وظل بها حتى وضعت الحرب أوزارها، ثم رحل ثانيةً إلى فلسطين عام ١٩٢١ واستقر بها حتى وفاته.

стр. 3202

ونشر شمعوني أولى مجموعاته الشعرية بعنوان البرية (١٩١١) وأتبعها بالمجموعة الثانية العاصفة والسكون (١٩١٢) ، ثم بدأ بعد ذلك نشر الأناشيد الرعوية التي اقترنت بها شهرته. وقد جُمعت أعماله ونشرت في أربعة مجلدات حملت العناوين التالية: قصائد غنائية (١٩٢٥) ، وأناشيد رعوية وأغان شعبية عن الحياة في فلسطين الجديدة (١٩٢٧) ، وملحمة وأعمال شعرية تأملية (١٩٣٠) ، وشعر الترحال (١٩٣١) . ويعكس شعر شمعوني قيم وهموم الجيل الثاني من المهاجرين اليهود إلى فلسطين، فرغم أنه شعر يحاول الاحتفاء ببطولات ما يُسمَّى «الرواد الصهاينة» إلا أن الإحساس بالحزن والكآبة وبحتمية المصير المأساوي يغلب عليه، شأنه في ذلك شأن معظم كتابات المستوطنين الصهاينة في فلسطين قبل قيام الدولة الصهيونية. كما يشيع في كثير من قصائده طابع تعليمي مباشر ينأى بها عن الجماليات الشعرية ويجعلها أقرب ما تكون إلى المواعظ والإشارات. وينتمي شمعوني إلى ذلك الجيل من الأدباء الذين بهرهم شعر بياليك وخلَّف أثراً واضحاً في كتاباتهم، إلا أنه لم يسع إلى تجديد شكل القصيدة ولم يغامر بالبحث عن إيقاعات وأخيلة مغايرة، ولم يتجاوز أسلوبه ذلك الأسلوب التقليدي للشعر المكتوب بالعبرية في عصره، والذي بدأت تظهر فيه بوادر اضمحلاله بجلاء نظراً لعدم قدرته على التعبير عن الواقع المتغيِّر والمضطرب. ولهذا كله جاء شعره رتيباً ونمطياً في مجمله. وبالإضافة إلى أعماله الشعرية، ترجم شمعوني إلى العبرية العديد من أعمال الكُتّاب الروس أمثال بوشكين وليرمنتوف وتولستوي. حاييم بياليك (١٨٧٣-١٩٣٤ ( Hayyim Bialik

стр. 3203

أهم شاعر روسي يهودي كتب بالعبرية في العصر الحديث. وُلد لأبوين فقيرين، وكان أبوه عالماً دينياً وتاجر أخشاب فقيراً. وقد عمل الشاعر نفسه بعض الوقت كتاجر أخشاب، وتزوج من ابنة رجل يعمل بنفس المهنة. قام جده بتربيته بعد وفاة أبيه، فدرس في مدرسة تلمودية، لكنه قرأ، في الوقت نفسه، العديد من كتب حركة التنوير اليهودية سراً. رحل بياليك إلى فولوجين، مركز الحركة الحسيدية، إذ تصوَّر خطأً أن المدرسة التلمودية في هذه المدينة تجمع بين الدراسات العلمانية والدراسات الدينية، وبقي في هذه المدرسة ثمانية عشر شهراً، وهناك بدأ في الكتابة الأدبية، والتحق بجماعة أحباء صهيون. وفي عام ١٨٩١، ذهب إلى أوديسا التي كانت آنذاك مركزاً للبعث الثقافي الروسي اليهودي حيث تعرَّف إلى "آحاد هعام" الذي شجعه على الكتابة والنشر. هاجر بياليك من روسيا السوفيتية عام ١٩٢١، ومكث ثلاث سنوات في برلين، ثم هاجر بعدئذ إلى تل أبيب. وقد درس بياليك أدب العبرية التقليدية، ولكنه في الوقت نفسه قرأ واستوعب الكثير من الأعمال الأدبية الأوربية الروسية والألمانية، وبخاصة أعمال المرحلة الرومانتيكية. ولعل الموضوع الأساسي في أعمال بياليك هو الشد والجذب بين القديم والجديد والبحث عن مخَرَج من الأزمة المستحكمة. وقد عبَّر الشاعر عن تطلعاته الصهيونية من خلال ثلاث فكرات أساسية هي: فكرة العودة إلى الأرض والطبيعة، وفكرة الماشيَّح المخلِّص، وفكرة نبذ حركة الاستنارة اليهودية وحركة الاندماج في الشعوب الأخرى. وقد استخدم الشاعر أدوات وقوالب تعبيرية متنوعة، فكتب قصائد في وصف الطبيعة وقصائد مناسبات وقصائد ذات طابع أسطوري. ويتميَّز شعره بالنبرة الغاضبة وبتواتر صور الهلاك والثأر والصور المرتبطة بآخر الأيام.

стр. 3204

من أهم قصائده قصيدتا «حقاً إن الشعب لشعب» و «في مدينة الذبح» حيث يتمرد على خنوع اليهود أمام هجوم الروس عليهم، وخصوصاً في كيشينيف، وكذلك قصيدتا «إلى الهاجاداه» و «على أعتاب بيت هامدراش» حيث يتأوه من أجل الماضي اليهودي الذي ولَّى ولم يَعُد له وجود. وقد كتب بياليك قصائد للأطفال وترجم بعض الأعمال الأدبية العالمية إلى العبرية. وكانت له نشاطات ثقافية بين أدباء التجمع الاستيطاني الصهيوني. وبعد عام ١٩٣٤، أُنشئت في إسرائيل جائزة أدبية تحمل اسمه. وقد نُشرت أعماله الكاملة بالعبرية، كما تُرجمت معظم قصائده إلى الإنجليزية والفرنسية والعربية. موردخاي فويربرج (١٨٧٤-١٨٩٩ ( Mordecai Feuerberg أديب روسي يهودي يكتب بالعبرية، وُلد في نوفجورد لأسرة حسيدية شديدة التدين. وكان أبوه رجل دين متزمتاً. درس في صباه القبَّالاه وفلسفة يهودا اللاوي وابن ميمون. ولكنه اتجه بعدئذ للدراسات العلمانية والأدبية الحديثة المرتبطة بفكر حركة التنوير اليهودية. أدَّت هذه الدراسات العلمانية إلى غضب أبيه وتوتر علاقتهما في الوقت الذي توطدت فيه علاقته بجماعة أحباء صهيون. وقد حاول أبوه إثناءه عن هذه الارتباطات فافتتح له محل بقالة وخطب له ابنة رجل دين حسيدي آخر. لكن هذه الزيجة فشلت بسبب ضعف صحة فويربرج وإصابته بالسل. ارتحل فويربرج إلى وارسو عام ١٨٩٦ محاولاً أن يصنع لنفسه اسماً في عالم الأدب العبري حيث كانت وارسو عاصمة الأدب العبري. وهناك قابل ناحوم سوكولوف الذي كان يصدر مجلة أدبية عبرية وعرض عليه إنتاجه الأدبي من شعر وقصة قصيرة، فنصحه سوكولوف بالتركيز على القصة القصيرة وترك الشعر. ونشر فويربرج قصته الأولى المسماة الحارس ياكوف عام ١٨٩٧. تعرف أيضاً إلى آحاد هعام وتوثقت علاقتهما، ونشر له آحاد هعام قصصه كلها في المجلة التي كان يصدرها، واشتغل معه فويربرج مراسلاً صحفياً أعوام ١٨٩٧ ـ ١٨٩٩.

стр. 3205

وكان فويربرج يخطط عام ١٨٩٩ لكتابة رواية تاريخية عن حياة إسرائيل بعل شيم طوف مؤسس الحسيدية في الوقت الذي أعدَّ فيه آحاد هعام رواية فويربرج الوحيدة والمسماة لماذا؟ للنشر. وكان آحاد هعام قد أدخل عليها تعديلات كثيرة بموافقة فويربرج. تُوفي فويربرج من جراء إصابته بالسل عام ١٨٩٩ ولم يستطع أن يتم أياً من مشاريعه الأدبية التي كلم آحاد هعام عنها. ونُشرت روايته وبعض قصصه بعد موته. ورغم أن أعماله الأدبية ينقصها النضج الحرفي، ورغم قلة ما كتب عموماً، سواء من الأدب أو الصحافة، فإنه يُعتبَر من أهم كُتَّاب العبرية الحديثة. والموضوع الرئيسي الذي تدور حوله أعماله هي قضية الصراع بين عملية العلمنة المتزايدة وسيطرة النزعة الأوربية الغربية على اليهود من جهة والقيم الأرثوذكسية التقليدية في اليهودية من جهة أخرى. وقد استخدم القصة القصيرة الشعرية لبيان الاعترافات الداخلية لإنسان بائس وروح مُمزَّقة مهزومة وتحمل رمزاً عاماً في طياتها. وكان فويربرج يؤمن بأن وظيفة الأدب العبري هي وصف "صورة اليهودي الأصيلة" والتي تعبِّر عن حالة يهود شرق أوربا الخاصة والتي حكمتها طريقة التربية والنشأة وظروف البيئة المحيطة والتقاليد. ومرجع هذه الرؤية يعود إلى أنه كان يؤمن بأن اليهودي حالة خاصة يختلف عن غيره من البشر حتى أن ما يراه وما يحسه وما يسمعه وما يأكله ليس هو حالة الأشياء في ذاتها وإنما هو قيمة خاصة لا يعرفها ولا يحبها إلا اليهودي. ومن ثم، كان يؤمن بأن محاولة الأدب العبري التعبير عن موضوعات عامة وعالمية أو التشبه بالأدب الأوربي هي محاولة محكوم عليها بالفشل. وتعبِّر قصصه عن مجمل آرائه هذه فهي تذخر بالشخصيات المترددة التي تتأرجح بين التقاليد الأرثوذكسية اليهودية وبين قيم الحياة الأوربية العصرية، مثل ياكوف (الجندي الروسي) في قصته «الحارس ياكوف» ، وناثان في روايته لماذا؟.

стр. 3206

وتمتلئ قصصه أيضاً بوصف حياة التجمعات اليهودية في أوربا الشرقية. وقد استخدم فويربرج كذلك الأساطير الحسيدية كآلية ربط بين البطل وبين التقاليد الدينية كما في قصته «في المساء» من ثلاثية ذكريات الطفولة. وتُعتبَر روايته لماذا؟، برغم الضعف البنيوي وتفكُّك اللغة واستخدام الألفاظ الرنانة والانفعالية، من أهم روايات الأدب العبري المعاصر حيث تعبِّر عن معاناة البطل وتمزُّقه بين الإيمان الديني والعلمانية ومحاولته الوصول إلى الخلاص أولاً من خلال المشيحانية ثم من خلال الإيمان بالعلم الخالص، وتنتهي الرواية بخطاب يوجهه ناثان البطل للشعب اليهودي يحثه فيه على التوجه إلى الشرق باعتبار أن تلك الفكرة هي الخلاص الحقيقي. ويُعتبَر فويربرج رائد تيار خاص في الأدب الحديث المكتوب بالعبرية معاد للفكر التنويري. جوزيف كلاوزنر (١٨٧٤-١٩٥٨ (Joseph Klausner

стр. 3207

مؤرخ وناقد يكتب بالعبرية. وُلد في أولينسك (ليتوانيا) وتلقى تعليماً دينياً تقليدياً، كما درس اللغات السامية والحديثة وعلم اللغة والتاريخ في جامعة هايدلبرج (ألمانيا) حيث حصل على درجة الدكتوراه عام ١٩٠٢. ثم تولى تدريس التاريخ اليهودي في المدرسة التلمودية الحديثة في أوديسا إلى أن عُيِّن عام ١٩١٧ أستاذاً للدراسات الشرقية في جامعة أوديسا. وفي عام ١٩١٩، هاجر إلى فلسطين حيث واصل أنشطته الأدبية والبحثية حين عُيِّن عام ١٩٢٦ أستاذاً لأدب العبرية في الجامعة العبرية. وفي عام ١٩٤٤، عُيِّن أستاذاً لما يسمونه «تاريخ الهيكل الثاني» في الجامعة نفسها وظل يشغل هذا المنصب حتى وفاته. كما عمل كلاوزنر في مجال الصحافة حيث خلف آحاد هعام في رئاسة تحرير المجلة العبرية هاشيلواح، وظل يشغل هذا المنصب لفترة طويلة (من ١٩٠٣ حتى ١٩٢٦) . وقد كان يشاركه في بعض الأحيان كلٌّ من حاييم بياليك ويعقوب فيشمان. وفي عامي ١٩٣٣ و١٩٣٤، رأس كلاوزنر تحرير المجلة العبرية بيتار لسان حال حزب الصهاينة التصحيحيين، كما أشرف منذ عام ١٩٥٠ على تحرير دائرة المعارف العبرية. خلَّف كلاوزنر عدداً كبيراً من المؤلفات تتوزع بين الدراسات التاريخية والنقد الأدبي وعلم اللغة، ولكنه وجَّه جل اهتمامه إلى إحياء اللغة العبرية وتوسيع نطاق استخدامها. ومن أبرز مؤلفاته في هذا المجال كتاب اللغة العبرية لغة حية (١٨٩٦) والذي دعا فيه إلى توسيع معجم العبرية لتلبية احتياجات العصر الحديث من خلال تعديل الاستخدامات اللغوية في التلمود والمشناه على أساس استخدامات العهد القديم، وكذلك كتاب موجز نحو اللغة العبرية (١٩٣٥) الذي كان من المحاولات لوضع قواعد حديثة للعبرية.

стр. 3208

ومن أهم كتابات كلاوزنر مجموعة من المقالات في مجال النقد الأدبي نُشرت في ثلاثة مجلدات بعنوان الخالقون والبناءون (١٩٢٥ ـ ١٩٢٩) ، يناقش فيها المهام الوظيفية للأدب المكتوب بالعبرية في مرحلة ما أسماه «البعث القومي» ، وكذلك كتابه تاريخ الأدب العبري الحديث (١٩٣٠ ـ ١٩٥٠) الذي يعرض فيه إسهامات الأدباء في تطوير اللغة العبرية ثم علاقة الأدب المكتوب بالعبرية بالأدب العالمي وكذلك علاقته بما يُسمَّى «القومية اليهودية» . ويستخدم كلاوزنر في هذه الكتابات الطرق التقليدية في البحث الأدبي التي كانت سائدة في القرن التاسع عشر بين النقاد الوضعيين، فكان يعطي اهتماماً بالغاً للسيرة الذاتية للكاتب ولعناصر الزمان والمكان والهوية القومية بوصفها عناصر حاسمة في الإبداع الفني، إلا أن رؤيته لتأثير تلك العناصر تشوبها نزعة آلية وعنصرية. وفي تقييمه للأعمال الأدبية، ينطلق كلاوزنر في معظم الأحيان من أحكام أيديولوجية مسبقة تتسم بالثبات والصرامة، الأمر الذي يقوده إلى إغفال خصوصية العمل الفني وجمالياته واستخلاص نتائج قد تبدو مُقحَمة أو مفتَعلة.

стр. 3209

وتكشف كتابات كلاوزنر التاريخية عن ملامح فكره بشكل أكثر وضوحاً. ومن أبرز مؤلفاته في هذا المجال كتاب التاريخ اليهودي (١٩٠٧) ، وكتاب اليهودية والإنسانية (١٩١٠) ، وكتاب تاريخ الهيكل الثاني (١٩٤٩) . وفي هذه الكتابات، يسعى كلاوزنر إلى تقييم أحداث الماضي لا على أساس سياقها التاريخي بل على أساس قيم الحاضر، كما يسعى إلى إثبات المقولات الأساسية التي تشكل عصب الفكرة الصهيونية مثل تميز اليهود وتفوقهم، ووجود سمات مشتركة بين الجماعات اليهودية في العالم تجعل منها شعباً واحداً له خاصية «الاستمرار التاريخي» والذي لم تَشُبه شائبة منذ بدء الخليقة حتى العصر الراهن. وبالإضافة إلى ذلك، كتب كلاوزنر بعض الدراسات المثيرة للجدل حول تاريخ المسيحية، منها كتاب يسوع الناصري: حياته وعصره وتعاليمه (١٩٢٢) الذي يتناول فيه يسوع المسيح بوصفه شخصية يهودية زاعماً أنه كان يهودياً قومياً ولم يتخل عن يهوديته قط، وكذلك كتاب من يسوع إلى بولس (١٩٣٩ ـ ١٩٤٠) الذي يتتبع فيه تطور المسيحية استناداً إلى مصادر دينية يهودية. ورغم كل دعاوى التجرد والموضوعية في البحث، يظل مفهوم كلاوزنر للتاريخ مفهوماً أسطورياً يتحايل بكل السبل من أجل إيجاد مسوغات للمزاعم الصهيونية التقليدية، الأمر الذي جعل كتاباته تنضح بالتعصب الشديد لليهود وبالازدراء التام لكل ما هو غير يهودي في التاريخ الإنساني بأسره.

стр. 3210

ولم تكن صهيونية كلاوزنر هذه مجرد نزعة فكرية بل كانت قضية حياته بأسرها. فقد انضم في شبابه إلى حركة أحباء صهيون وكان من أنشط أعضائها، كما حضر المؤتمر الصهيوني الأول (١٨٩٧) وجميع المؤتمرات التالية تقريباً حتى المؤتمر الحادي عشر. ومنذ عام ١٩٣٠، قام كلاوزنر بدور بارز في صفوف حزب الصهاينة التصحيحيين ثم في حزب حيروت الذي جاء على أنقاضه. وكان يُعَدُّ أحد المنظِّرين الأساسيين للتيار الذي عبَّر عنه الحزبان. وفي عام ١٩٤٩، قدمه حزب حيروت مرشحاً عنه ضد حاييم وايزمان في أول انتخابات لرئاسة الدولة الصهيونية. شاؤول تشرنحوفسكي (١٨٧٥ ـ١٩٤٣ ( Saul Tschernohvsky شاعر روسي يهودي يكتب بالعبرية، ويُعدُّ هو وبياليك قطبي الأدب المكتوب بالعبرية في روسيا. وتشرنحوفسكي هو ابن لأبوين متدينين تأثرا بأدب التنوير اليهودي، ولكنهما انضما إلى حركة أحباء صهيون. وقد أرسل الأبوان ابنهما إلى مدرسة يهودية حيث تلقى تعليماً تقليدياً ودروساً في العبرية، ثم أرسلاه بعد ذلك إلى مدرسة تجارية.

стр. 3211

ولكن الشاعر، مع هذا، قرأ عديداً من الكتب الأدبية والفكرية العالمية. ومن بين قراءاته، نجد قصص جول فيرن وألكسندر دوماس والإلياذة والأوديسة وأعمال جيته ونيتشه، جنباً إلى جنب مع التوراة والتلمود والكتب الدينية اليهودية. درس تشرنحوفسكي الطب في ألمانيا، وتزوج من سيدة روسية مسيحية من أصل أرستقراطي تقية ورعة متمسكة بأهداب دينها وتعاليمه. وبعد أن انتهى من دراسته، توجه إلى روسيا حيث مارس مهنته هناك بعد طول عناء. ولكن وضعه الطبقي تدهور، بنشوب الثورة البلشفية، وهو ما اضطره إلى الهجرة. وقد حاول تشرنحوفسكي جاهداً الحصول على وظيفة طبيب في فلسطين، ولكنه لم يفلح، فهاجر إلى برلين. وتصف قصيدته المعنونة «الماء الآسن» الآلام الروحية والجسدية لمثقف فقد مكانته بسبب النظام الاجتماعي الجديد، ولكنه يظل مع هذا يحلم بالماضي السعيد. ولم يستقر تشرنحوفسكي في فلسطين (عام ١٩٣١) إلا بعد أن حصل على وظيفة طبيب. وهناك أيَّد الغزوة الصهيونية، كما أسهم في الدعاية الصهيونية بشكل واضح. ولكنه، رغم ذلك، كانت تمر به لحظات يخامره فيها الشك فيما يفعل على نحو ما صوَّر في قصيدة «ليس لي شيء يخصني» .

стр. 3212

ويمكن تقسيم شعر تشرنحوفسكي إلى ثلاث نبرات أساسية: أولاً، النبرة العلمانية الحلولية الوثنية المتمردة، حيث يطرح الشاعر التراث اليهودي التقليدي جانباً ويتوحد بالوجود والكون والطبيعة ويحلم ببعث يهودي وبظهور شعب لا ينوء تحت نير الغيبيات، وتعبِّر عن ذلك قصيدتا «إلى الشمس» و «إني أعتقد» . ثانياً، النبرة اليهودية القَبَلية، حيث يعبِّر تشرنحوفسكي عن إحساسه اليهودي بالانفصال عن الأغيار وبالعداء الشديد تجاههم على نحو ما يظهر في قصيدتي «باروخ المغنتسي» و «فليكن هذا هو ثأرنا» . ثالثاً، النبرة الغيبية اللادينية، حيث يحاول الشاعر أن يمزج بين النبرتين السابقتين وينجح في أن يقدم رؤية صهيونية علمانية عقلانية المظهر غيبية المخبر، كما في قصيدة «أمام تمثال أبوللو» . تأثر تشرنحوفسكي بأفكار المفكر الصهيوني بيرديشفسكي، ونحا منحى كنعانياً ونادى بقومية إسرائيلية جديدة منفصلة عن قومية يهود المنفى. وقد كتب تشرنحوفسكي قصصاً ومقالات وقصائد للأطفال، مقلداً كثيراً من الأشكال الأدبية الغربية من السوناتا إلى الملحمة إلى الخمريات الأناكرونية الإغريقية، وترجم كثيراً من الأشعار الغربية إلى العبرية. وهو يُعَدُّ من المجددين في الشعر المكتوب بالعبرية. جوزيف برينر (١٨٨١-١٩٢١ ( Joseph Brenner مؤلف روسي يهودي يكتب بالعبرية واليديشية، تأثر بأعمال بيرديشفسكي وبرؤيته للحياة وبأعمال مندلي موخير سيفاريم. وتأثر، شأنه شأن كثير من المؤلفين الذين يكتبون بالعبرية في عصره، بأعمال دوستويفسكي وتولستوي ونيتشه. وُلد في أوكرانيا، ودرس في إحدى المدارس التلمودية العليا، ثم عمل ككاتب (سوفير) حيث كان يكتب رقائق التوراة والتمائم، وانضم إلى حزب البوند. وقد كتب بعض القصص من أهمها روايته القصيرة في الشتاء (١٩٠٢) التي تُعَدُّ أول أعماله الروائية المهمة.

стр. 3213

عاش برينر بعد عام ١٩٠٠ في وارسو، وخدم في الجيش الروسي بين عامي ١٩٠١ و١٩٠٤، ولكنه هرب إلى لندن حيث نشط في جماعة عمال صهيون، ثم بدأ العمل بالطباعة والنشر والتأليف بعض الوقت ثم استقر في فلسطين حيث قام بتدريس العبرية في يافا عام ١٩١٥، ثم اضطر إلى تركها. ولكنه عاد مع القوات البريطانية واستمر في نشاطاته الصهيونية العديدة التي كان من أهمها المساهمة في تأسيس الهستدروت. وقد قُتل عام ١٩٢١ أثناء بعض أعمال المقاومة العربية ضد الاستعمار البريطاني والصهيوني. وُصفت أعمال برينر الروائية بأنها انعكاس مباشر للحياة ولحياته هو على وجه التحديد، ولذا نجد أن الراوي فيها هو الشخص الأول (المتكلم) . ومهما اختلف الأسماء والشخصيات الأساسية فهم في نهاية الأمر برينر نفسه: يورمان في قصة «في الشتاء» ، وأبراسون في قصة «حول النقطة» ، وإليعازر في قصة «في المساء والصباح» ، ويوحانان ماهاراشك في قصة «خلف الحدود» ، وشاؤول جمسو في قصة «بين الحروب» ، ويحزقئيل حيفز في قصة «الفرار والفشل» . وتأخذ أعماله الأدبية الأشكال التالية: ١ ـ القصة الوثائقية التي تتبع منهج التعاقب التاريخي. ٢ ـ المذكرات التي تم تحريرها وتحويرها. ٣ ـ الراوي الذي يرى الأحداث بعينه ولكنه لا يشارك فيها. وتُقدِّم كثير من شخصيات برينر اعترافاتها وتكشف خبايا نفسها بنفسها، وهي شخصيات تُغيِّر مكان إقامتها لتكتشف أن هذا لا يجدي فتيلاً إذ أن الخلل في الداخل، ولذا فهي تنتهي بالإحساس بالمرارة تجاه نفسها وتجاه العالم. وكثير من أبطاله هم أبطال مضادون، بعضهم قد يبحث عن معنى لحياته، أو عن هويته والبعض الآخر يستسلم تماماً لقدره (من أهم أعماله رواية من هنا وهناك وهي مستوحاه من حياة جوردون الذي تتضمن شخصيته قدراً من الإيجابية والتفاؤل (.

стр. 3214

حاول برينر أن يقدِّم الواقع من خلال لغة الحديث العبرية، وهي لغة لم تكن موجودة آنذاك، ولذا فقد حاول تطعيم اللغة بكلمات ومفردات من اليديشية والروسية والألمانية. كما أن بنية الجملة ذاتها كانت تعكس محاولته أن يُدخل الحياة على أسلوب العبرية الحديثة، ولذا فقد كان كثيراً ما يلجأ إلى التكرار واستخدام الجمل الناقصة وعلامات الاستفهام والتعجب وكان لا يستخدم الصور الشعرية إلا في اللحظات التي تصل الأحداث فيها إلى الذروة. هاجم برينر آحاد هعام وكان محور الصراع مفهوم المنفى. فبرينر كان يعبِّر عن وجهة النظر الاستيطانية العمالية بكل شراستها وتبلورها وتطرفها ذاهباً إلى أن يهود العالم كيان لابد من تصفيته، ومهمة اليهود هي الاعتراف بوضاعتهم منذ بدء التاريخ حتى يومنا هذا وبكل نقائص شخصيتهم. فاليهود يحيون بأية طريقة، حتى كالنمل أو الكلاب؛ يحب كل يهودي ذاته ويتكيف مع الأوضاع ويذل نفسه من أجل البقاء. والتاريخ اليهودي هو تاريخ طويل من الذل والمهانة. ثم يجيء بعد هذا آحاد هعام، المتحدث باسم الإثنية اليهودية (إثنية يهود المنفى) ، ويكيل الثناء للتاريخ المليء بالشهداء والوضعاء؛ وذلك التاريخ الذي تشكلت فيه الهوية اليهودية من خلال الاضطهاد والطرد، حتى ظهر في آخر الأمر شعب يحيا بدون مجتمع، خارج أي مجتمع على الإطلاق، «شعب هائم شاذ معذب لا هدف لحياته ولا استقلال لها» . وبعد هذه الصورة السلبية ليهود العالم، لم يبق سوى الخروج. ولذا، يقترح برينر إنشاء مجتمع جديد حتى يمكن تطبيع الشخصية اليهودية من داخله: «مستعمرات للعمال هذه هي ثورتنا الوحيدة» . وقد نُشرت أعمال برينر الكاملة في ثمانية أجزاء. جيكوب كاهان (١٨٨١-١٩٦٠ (Jacob Kahan

стр. 3215

شاعر ومسرحي يهودي روسي يكتب بالعبرية. وُلد في منسك، وتنقل بين بولندا وسويسرا وألمانيا حيث مارس نشاطاً واسعاً في مجال إحياء اللغة العبرية، فأسس في برن جمعية دولية لتطوير اللغة العبرية، وشغل في برلين منصب أمين جمعية اللغة والثقافة العبريتين. وفي عام ١٩٣٠، انتُخب رئيساً لنادي القلم العبري في بولندا وظل يشغل هذا المنصب لمدة أربع سنوات. وساهم كاهان بنشاط في الحركة الصهيونية حيث كان عضواً في اللجنة المركزية للمنظمة الصهيونية التصحيحية وأحد القادة البارزين لحزب الدولة اليهودية. وفي عام ١٩٣٤، هاجر كاهان إلى فلسطين واستقر فيها حتى وفاته. بدأ كاهان كتابة الشعر في سن مبكرة، وصدرت أولى مجموعاته الشعرية في وارسو عام ١٩٠٣، وأتبعها بأربع مجموعات أخرى في الفترة ١٩٠٥ - ١٩٢٠. ثم أصدر طبعة جديدة تشمل هذه الأعمال جميعها بعنوان شباب وتجوال (١٩٢٨) ومجموعة أخرى بعنوان بين الأطلال (١٩٣٠) . وبينما اتسمت قصائد المجموعات الأولى بالغنائية والعذوبة، جاءت المجموعة الأخيرة دعائية فجة تعكس التعطش للعنف الدموي والعدوان كسبيل لتحقيق الحلم الصهيوني، وهو ما توجزه أبيات إحدى قصائد المجموعة: «بالدم والنار سقطت يهودا، وبالدم والنار سوف تنهض يهودا» .

стр. 3216

وبالإضافة إلى الشعر، كتب كاهان حوالي ثلاثين مسرحية تناول فيها الشخصيات التوراتية الأساسية (مثل داود وسليمان وإليشع) ، كما تناول دلالتهم التاريخية والأسطورية بالنسبة لمصير اليهود. إلا أن كاهان الشاعر تبوأ مكانة مرموقة في مصاف الأدباء الذين يكتبون بالعبرية في العصر الحديث حيث وصفه بياليك في مقال شهير له بأنه يفوق، في صفاء غنائيته، جميع شعراء العبرية في مطلع القرن العشرين. أما كاهان المسرحي فهو في نظر معظم النقاد لا يعدو أن يكون مجرد كاتب لحكايات ساذجة تقوم على المصادفات المفجعة. ولم يكن كاهان واعياً بصراع القوى السياسية المختلفة، فاعتقد أن من الممكن صهر اليهودية في بوتقة الحضارة العالمية وتخليصها مما سماه «التقاليد البالية وشوائب المنفى» . وقد عبَّرت أشعاره عن الحنين الجارف إلى الماضي اليهودي السحيق، والرغبة في تحقيق السعادة التي طال انتظارها، وذلك من خلال بعث هذا الماضي. وقد نُشرت أعماله في أربعة عشر جزءاً. يهودا قرني (١٨٨٤-١٩٤٩) Yehuda Karni شاعر وصحفي روسي يهودي يكتب بالعبرية. وُلد في منسك، وانخرط في الحركة الصهيونية في سن مبكرة، حيث ساهم بنشاط في حركة عمال صهيون، وحضر عدة مؤتمرات صهيونية ممثلاً لها. وفي عام ١٩٢١، هاجر إلى فلسطين وواصل فيها أنشطته الأدبية والصهيونية، وعمل منذ عام ١٩٢٣ وحتى وفاته ضمن هيئة تحرير صحيفة هاآرتس.

стр. 3217

غلب على شعره المبكر الطابع الذاتي المجرد والتأثر الشديد بشعر كلٍّ من بياليك وتشرنحوفسكي، أما القصائد اللاحقة فتعكس التشبع بالأفكار والتقاليد الصهيونية والتطلع إلى تحقيق الحلم الصهيوني بإقامة الدولة على «أرض الوعد» ، ويظهر ذلك بوضوح في مجموعاته الشعرية: بوابات (١٩٢٣) ، ووطن على بواباتك (١٩٣٥) ، وأغاني القدس (١٩٤٨) . وفي هذه المجموعة، وفي كثير من القصائد الأخرى، يقدم الشاعر مدينة القدس بوصفها رمزاً أبدياً لليهود ولقدرهم الحتمي. أما مجموعته الأخيرة أغاني ودموع (١٩٤٨) ، فقد كرسها لرثاء ضحايا المذابح النازية من اليهود. ولا تخلو مقالات قرني من الطابع الرثائي الذي ساد شعره، حيث خصَّص قسطاً كبيراً منها للبكاء على ما آل إليه مجتمع المستوطنين اليهود في فلسطين، حيث اكتشف الكاتب أنه أبعد ما يكون عن صورة المجتمع الفردوسي الذي حلم به المستوطنون الأوائل. ديبورا بارون (١٨٨٧-١٩٥٦ ( Devorah Baron كاتبة قصص روسية يهودية تكتب بالعبرية. وُلدت في منسك، لأسرة متدينة، وكان أبوها حاخام المدينة. وقد أثر الجو الديني الذي نشأت فيه تأثيراً كبيراً في تكوينها الأدبي وفي مفاهيمها الثقافية. وهاجرت بارون إلى فلسطين عام ١٩١١ وتزوَّجت من أحد قادة الصهيونية العمالية، وأخذت تشارك في تحرير الملحق الأدبي لمجلة هابوعيل هاتسعير (العامل الفتي) . وفي عام ١٩١٥، نفتها الحكومة التركية إلى مصر، ثم عادت إلى فلسطين بعد انقضاء الحرب العالمية الأولى واستقرت هناك حتى وفاتها.

стр. 3218

ومن أبرز أعمال بارون مجموعة قصص قصيرة بعنوان حكايات (١٩٢٧) ، ومجموعة أخرى بعنوان أشياء صغيرة (١٩٣٣) نالت عنها جائزة بياليك في الأدب عام ١٩٣٤، وكانت أول أديبة تحصل عليها. والموضوعات المحورية لقصص هاتين المجموعتين هي ذكريات الطفولة وحياة التجمعات اليهودية في شرق أوربا في مطلع القرن العشرين، وكذلك ملامح الأحياء اليهودية التي تصورها الكاتبة بوصفها جزراً منعزلة يشيع فيها الإحساس بالوحدة وسط عالم غريب يملؤه الفقر والعداء لليهود. وتَغلُب على شخوص قصصها مشاعر الخوف والرعب إزاء نهايتهم المأساوية الحتمية، وهي سمة تسود معظم الأعمال الأدبية التي كتبها المستوطنون اليهود في فلسطين قبل قيام الدولة الصهيونية. أما أسلوب الكاتبة، والذي تأثر بتقاليد القصة الأوربية في القرن التاسع عشر، فيجمع بين الواقعية والانطباعية مع مسحة خيالية واضحة تخلع على كثير من أحداث قصصها طابع المصادفات المفجعة. وقد كان آخر ما نُشر لبارون في حياتها مجموعة قصصية بعنوان منذ الليلة الأخيرة (١٩٥٦) ، تصف فيها واقع التجمع الاستيطاني اليهودي على أرض فلسطين أثناء الحرب العالمية الثانية وكيف وضع المستوطنون أنفسهم في خدمة القوات البريطانية لمواجهة الزحف النازي مقابل الدعم البريطاني لمشروع الصهيونية. وقد تُرجمت لها إلى الإنجليزية مجموعة قصص قصيرة صدرت تحت عنوان طريق الشوك (١٩٦٩) . جيكوب ستاينبرج (١٨٨٧-١٩٥٩) Jacob Steinberg شاعر وكاتب قصة روسي يهودي يكتب بالعبرية. وُلد في أوكرانيا، ولا نعرف سوى القليل عن المراحل الأولى في حياته من خلال قصصه ورواياته القصيرة حيث يصور الفقر والمعارك العائلية والتمرد على التقاليد والهروب إلى المدينة. فرَّ ستاينبرج وهو بعد في الرابعة عشرة من عمره إلى أوديسا حيث قابل بياليك وزلمان شنياؤور، ثم انتقل إلى وارسو عام ١٩٠٣ حيث نشر أولى قصائده العبرية وكتب في الصحافة العبرية واليديشية.

стр. 3219

استقر ستاينبرج في فلسطين مع بداية الحرب العالمية الأولى حيث توقف عن الكتابة باليديشية واستمر في الكتابة بالعبرية. ومنذ عام ١٩٤٢، أصبح أحد محرري المجلة التي كان يصدرها اتحاد الكتاب العبريين. من أهم مصادره الأدبية أشعار فرلين وبودلير والكُتَّاب الواقعيين الروس. وكان شعره يبتعد عن التقريرية والمباشرة ويمور بالضجر والإحساس بتخثُّر الأشياء، وثمة إشارات عديدة للمقابر والسم والألغاز، كما يمتلئ شعره بالتناقضات (وهو ما يدل على أثر بودلير العميق) . وانطلاقاً من رؤية بودلير للشاعر، يذهب ستاينبرج إلى أن مهمة الشاعر هي اكتشاف علاقات التناظر (بالإنجليزية: كورسبندانس correspondence) الأساسية في الكون. فالقياس يبيِّن أن ثمة نظاماً في العالم وأن ذلك لم يتم بالصدفة، والشاعر هو القادر على اكتشاف علاقات التناظر الكامنة. ولذا، فإن الشاعر هو القادر على المواءمة بين المتناقضات دون تقليل عنصر التوتر بينها، ذلك أن عنصر التوتر هذا مفتاح الوجود وسر الحياة.

стр. 3220

ويتسم أسلوب ستاينبرج بإيقاعاته التوراتية وبحدته. كما أن رؤيته الأدبية رؤية صهيونية تماماً، فهو يرى أن تاريخ الأدب العبري هو عملية اغتراب تدريجية من البيت الشعري المفرد المحدد الذي يُولِّد الحياة، وأن عدم اهتمام اليهود بالأبعاد الجمالية هو علامة على أنهم شعب لا جذور له. ولذا، فإن مستقبل الشعر العبري مرتبط عنده بمستقبل الشعب اليهودي. وفي الواقع، فإن عودة الشعر العبري إلى بيت الشعر الحيوي يتضمن عودة اليهودي إلى الحياة الطبيعية، أي أن نقده لتقاليد الأدب العبري مرتبط تماماً بالنقد الصهيوني ليهود الدياسبورا، والحل في كلتا الحالتين هو العودة. وقد تأثر ستاينبرج كذلك بأصحاب مدرسة الصورة الشعرية (بالإنجليزية: إيمجيستس Imagists) الذين طالبوا الشعراء بالبُعد عن الخطابية وأن يكون الشعر مُكوَّناً من صور متعيِّنة موجزة هي ذاتها تولِّد المعنى. وكعادة بعض الأدباء المفكرين اليهود، اكتشف ستاينبرج هذا الاتجاه في التراث اليهودي، فالعبرانيون القدامى لم يمتلكوا ناصية المعمار أو النحت ولكنهم امتلكوا ناصية نحت الأفكار المجردة على هيئة كلمات. وهذه ـ حسب تصور ستاينبرج ـ هي ميزة اللغة العبرية، فكلماتها أحجار صلبة منحوتة وليست رملاً لا شكل له كما هو الحال في اللغات السلافية أو الألمانية. ومرة أخرى، نلاحظ النمط الصهيوني، فهو يعود لتاريخ العبرانيين القدامى ويكتشف هوية يهودية خالصة مختلفة عن هوية الأغيار متجسدة في اللغة.

стр. 3221

كتب ستاينبرج عشرين قصة عن حياة اليهود في الشتتل في أوكرانيا، وهي تصور حياة مليئة بالإحباط والحب الفاشل والقذارة. وتنتهي هذه القصص عادةً بالموت والهزيمة والانتحار وبالعاطفة المشبوبة التي تُحبَط فتتحول إلى قوة من قوى الهدم. والقصص كلها دراسات (صهيونية) في اليهودي الذي لا جذور له. وستاينبرج يقف هنا ضمن عدد كبير من كُتَّاب العبرية أمثال حاييم برينر ومندلي موخير سيفوريم ممن يرون اليهود باعتبارهم جماعةً حُكم عليها أن تعيش خارج مسار الطبيعة وعليها أن تعيش من أجل الموت بسبب غياب أي هدف دنيوي يمكنها أن تكرس نفسها له. ورفض ستاينبرج ليهود العالم (يهود المنفى) رفض كامل، ولذا فهو يصفهم بأنهم «أشباح مشوهة» ولا علاج للأشباح المشوهة إلا بالعودة للأرض لتشفى من مرض الموت. وقد نُشرت أعماله الكاملة في ثلاثة أجزاء (١٩٣٧) ؛ يضم الجزء الأول منها أشعاره، والجزء الثاني قصصه القصيرة، أما الجزء الثالث فيضم المقالات. زلمان شنياؤور (١٨٨٧- ١٩٥٩) Zelman Shneour

стр. 3222

شاعر وروائي وكاتب مسرحي روسي يهودي يكتب بالعبرية واليديشية. وُلد في روسيا البيضاء لأسرة حسيدية وكان أبوه يعمل في تجارة المجوهرات. تلقى شنياؤور تعليماً تقليدياً وأصبح على دراية بالتراث الحسيدي وكان اخوته من دعاة التنوير فتأثر بفكرهم وترك أهله وهو بعد في سن الثالثة عشر وبدأ حياة من التجوال. قضى بعض الوقت في أوديسا حيث تعرَّف إلى بياليك ثم استقر في وارسو لبضعة سنوات حيث عمل في دار نشر عبرية كما عمل سكرتيراً خاصاً لأيزاك بيريتس. وهناك قابل فريشمان الذي أصبح صديقه وأستاذه. ثم ذهب إلى فلنا حيث تعرَّف إلى بعض كبار مثقفي اليديشية. ويبدو أنه أحب هذه المدينة فكتب عنها قصيدة طويلة، ومنذ ذلك الوقت أصبح يكتب بالعبرية واليديشية. وساهم بالكتابة في العديد من المجلات العبرية واليديشية. توجه شنياؤور بعد ذلك إلى سويسرا حيث كتب (عام ١٩٠٨) قصيدة غنائية طويلة بعنوان «في الجبال» تتناول الموضوع الرومانتيكي المألوف: التناقض بين الطبيعة الحرة التلقائية والمدينة الكئيبة المكبلة بالتقاليد المصطنعة. ثم ذهب إلى باريس حيث درس في السوريون بعض الوقت. وقد سافر منذ عام ١٩٠٨ حتى عام ١٩١٣ في أوربا (وزار المغرب العربي) ، وأثناء هذه الفترة كتب مجموعة قصائد بعنوان «على أنغام الماندولين» (١٩١٢) حيث يعبِّر الشاعر عن حبه العميق «لفتاة إيطالية سمراء لوحتها الشمس» سحرته بجمالها ويطلب منها أن تعزف له على آلة الماندولين. ومع هذا يتذكر الشاعر أن أسلافها هم الذين حطموا الهيكل وتسببوا في تشتت الشعب اليهودي. وموقفه المبهم هذا، الذي يتأرجح بين الحب والكراهية، هو تعبير عن موقفه من الأغيار ككل. وفي قصيدة «إيقاعات إسرائيل» (١٩١٢) يصف شنياؤور «انتقام اليهود من الأغيار» ، وهو انتقام يتم في عالم الروح إذ أن اليهودي منحهم اليهودية، هذه الديانة التي فرضت عليهم مفهوماً للإله أبعدهم عن آلهتهم الحسية الجميلة أي أن التوحيد اليهودي هو

стр. 3223

تعبير عن نقمة اليهودي على عالم الوثنية الحلولي الجميل. وفي عام ١٩١٣ أثناء محاكمة بيليس كتب شنياؤور قصيدة بعنوان «العصور الوسطى ستعود» يحذر فيها اليهود من الانخداع بمظاهر التقدم والتسامح، إذ أن الكراهية والحروب ستعود مرة أخرى. ومع بداية الحرب العالمية الأولى، كان شنياؤور في ألمانيا فدرس الطب في برلين وعمل في مستشفى، وأسس داراً لنشر الكتب العبرية. ولكن بعد تفرُّق أدباء العبرية استقر في باريس عام ١٩٢٣ وظل مقيماً هناك حتى عام ١٩٤٠ (مع وصول القوات النازية) ثم فر إلى الولايات المتحدة. وعند إعلان دولة إسرائيل لم يهاجر إليها على الفور إذ أنه لم يستوطن في فلسطين المحتلة إلا عام ١٩٥١. وينتمي شنياؤور لهذا الجيل من المؤلفين الصهاينة الذين ينم أدبهم عن كره عميق لليهودية ويهود المنفى (أي كل اليهود في كل أنحاء العالم) ويطرحون بدلاً من ذلك رؤية علمانية مبنية على قيم القوة والبطش، ففي رواية نواه باندري (باليديشية) يُقدِّم شنياؤور شخصية نواه (نوح) باعتباره نموذجاً لليهودي الجديد الذي لم يتلق تعليماً دينياً، فهو ليس حزمة أعصاب يخاف من ورقة الشجر التي تحملها الريح. وهو يهودي بالعرْق والوراثة (لا العقيدة) ، قوي لا يهاب؛ يداه هي يدا عيسو تكسب له احترام الأغيار الذين كانوا يظنون أن اليهودي جبان بطبعه يعيش حياة روحية محضة. وفي قصيدة «اللوحات المُخبَّأة» يتخيل شنياؤور أنهم أثناء التنقيب عن الآثار في فلسطين قد يجدون بعض الأعمال التي كتبها أعداء التراث الديني التقليدي، أعمال مثل الكتب الخفية (أبوكريفا) ومثل نشيد الأنشاد وسفر الأمثال التي حاول الحاخامات منع نشرها ولكنها نجت من هذا المصير بأعجوبة وتم تضمينها في العهد القديم. والقصيدة أثارت الكثير من النقاش فهي تروي تاريخ إسرائيل بطريقة تختلف عن الرواية التوراتية، تشبه رؤية قورح والصدوقيين وغيرهم ممن يقفون خارج التراث ويحاولون تقويضه.

стр. 3224

إن شنياؤور يشن هجوماً عنيفاً على اليهودية البالية التي شاخت وتحجرت وعلى التراث اليهودي وعلى التاريخ اليهودي ولكنه يصر مع هذا على انتمائه اليهودي الإثني، الذي لا وجود له خارج هذا التاريخ اليهودي الوهمي. ولهذا نجد أن شعره يزخر بالتناقضات، فقصائده تجمع بين النزعة الحسية الواضحة والنزعة التشاؤمية التي لا ترى في الحياة إلا وهماً فارغاً. ورغم تمرُّده على سائر أشكال الضعف والخنوع، إلا أنه يبدو يائساً ومستسلماً تماماً إزاء المصير الإنساني المأساوي المحتوم. وكثيراً ما يأتي ذكر شنياؤور، إلى جانب بياليك وتشرنحوفسكي، بوصفه أحد " الثلاثة العظام " في الأدب الحديث المكتوب بالعبرية، ولكنه يفوقهم من ناحية غلبة الطابع الحسي في شعره. ومن مؤلفات شنياؤور الأخرى قصائد للأطفال (١٩٠٨) ، والجسور (١٩٢٣) ، والرؤى (١٩٢٤) ، وفصول الغابة (١٩٣٣) ، وكلها مجموعات شعرية. ومن مؤلفاته القصصية من الحياة والموت (١٩١٠) ، والمضايق (١٩٢٣) ، وكلها بالعبرية. أما مؤلفاته اليديشية (التي تفوق في غزارتها مثيلتها بالعبرية) فمن بينها: أعماله الكاملة (١٩٠٩) ، وموت ـ من مذكرات منتحر مجنون (١٩٠٩) ، ورواية نابليون والحاخام التي صدرت لها ترجمة فرنسية عام ١٩٤٣. ومعظم أعماله اليديشية نُشرت في صحف ومجلات متنوعة، ولم يظهر منها على هيئة كتب إلا عدد قليل. وقد تُرجم كثير من أعمال شنياؤور إلى اللغات الأوربية، وقام هو نفسه بترجمة كثير من مؤلفاته اليديشية إلى العبرية. إليشيفا (١٨٨٨-١٩٤٩) Elisheva

стр. 3225

إليشيفا بيخوفسكي هو الاسم الأدبي للكاتبة إليزافيتا جيركوفا، وهي أديبة روسية غير يهودية تكتب بالعبرية. وبدأت حياتها الأدبية بالكتابة بالروسية فنشرت مجموعتين شعريتين هما: دقائق (١٩١٩) ، أغان خفية (١٩١٩) . تزوجت من روسي يهودي في عام ١٩٢٠، وهاجرت معه إلى فلسطين حيث استوطنا فيها. واتجهت إلى الكتابة بالعبرية، فنشرت أعمالاً أدبية متنوعة أهمها: قصائد بعنوان كوب صغير (١٩٢٦) ، ومجموعة قصص بعنوان قصص (١٩٢٨) ، وقصة بعنوان حادثة تافهة (١٩٢٩) ، ورواية بعنوان الحارات (١٩٢٩) ، ودراسة بعنوان الشاعر والإنسان عن الشاعر الروسي ألكسندر بلوك (١٩٢٩) ، ثم قصائد (١٩٤٦) . كما ترجمت إلى الروسية بعض الأعمال الأدبية المكتوبة بالعبرية. كانت إليشيفا تُبدي إعجاباً شديداً بقيم اليهودية، كما أبدت تعاطفاً مع دعاوى «القومية اليهودية» (أي الصهيونية) ، إلا أنها ظلت متمسكة بعقيدتها المسيحية ولم تتحول إلى اليهودية.
следующие страницы →