Полный текст (8 511 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.
стр. 3221
كتب ستاينبرج عشرين قصة عن حياة اليهود في الشتتل في أوكرانيا، وهي تصور حياة مليئة بالإحباط والحب الفاشل والقذارة. وتنتهي هذه القصص عادةً بالموت والهزيمة والانتحار وبالعاطفة المشبوبة التي تُحبَط فتتحول إلى قوة من قوى الهدم. والقصص كلها دراسات (صهيونية) في اليهودي الذي لا جذور له. وستاينبرج يقف هنا ضمن عدد كبير من كُتَّاب العبرية أمثال حاييم برينر ومندلي موخير سيفوريم ممن يرون اليهود باعتبارهم جماعةً حُكم عليها أن تعيش خارج مسار الطبيعة وعليها أن تعيش من أجل الموت بسبب غياب أي هدف دنيوي يمكنها أن تكرس نفسها له. ورفض ستاينبرج ليهود العالم (يهود المنفى) رفض كامل، ولذا فهو يصفهم بأنهم «أشباح مشوهة» ولا علاج للأشباح المشوهة إلا بالعودة للأرض لتشفى من مرض الموت.
وقد نُشرت أعماله الكاملة في ثلاثة أجزاء (١٩٣٧) ؛ يضم الجزء الأول منها أشعاره، والجزء الثاني قصصه القصيرة، أما الجزء الثالث فيضم المقالات.
زلمان شنياؤور (١٨٨٧- ١٩٥٩)
Zelman Shneour
стр. 3222
شاعر وروائي وكاتب مسرحي روسي يهودي يكتب بالعبرية واليديشية. وُلد في روسيا البيضاء لأسرة حسيدية وكان أبوه يعمل في تجارة المجوهرات. تلقى شنياؤور تعليماً تقليدياً وأصبح على دراية بالتراث الحسيدي وكان اخوته من دعاة التنوير فتأثر بفكرهم وترك أهله وهو بعد في سن الثالثة عشر وبدأ حياة من التجوال. قضى بعض الوقت في أوديسا حيث تعرَّف إلى بياليك ثم استقر في وارسو لبضعة سنوات حيث عمل في دار نشر عبرية كما عمل سكرتيراً خاصاً لأيزاك بيريتس. وهناك قابل فريشمان الذي أصبح صديقه وأستاذه. ثم ذهب إلى فلنا حيث تعرَّف إلى بعض كبار مثقفي اليديشية. ويبدو أنه أحب هذه المدينة فكتب عنها قصيدة طويلة، ومنذ ذلك الوقت أصبح يكتب بالعبرية واليديشية. وساهم بالكتابة في العديد من المجلات العبرية واليديشية. توجه شنياؤور بعد ذلك إلى سويسرا حيث كتب (عام ١٩٠٨) قصيدة غنائية طويلة بعنوان «في الجبال» تتناول الموضوع الرومانتيكي المألوف: التناقض بين الطبيعة الحرة التلقائية والمدينة الكئيبة المكبلة بالتقاليد المصطنعة. ثم ذهب إلى باريس حيث درس في السوريون بعض الوقت. وقد سافر منذ عام ١٩٠٨ حتى عام ١٩١٣ في أوربا (وزار المغرب العربي) ، وأثناء هذه الفترة كتب مجموعة قصائد بعنوان «على أنغام الماندولين» (١٩١٢) حيث يعبِّر الشاعر عن حبه العميق «لفتاة إيطالية سمراء لوحتها الشمس» سحرته بجمالها ويطلب منها أن تعزف له على آلة الماندولين. ومع هذا يتذكر الشاعر أن أسلافها هم الذين حطموا الهيكل وتسببوا في تشتت الشعب اليهودي. وموقفه المبهم هذا، الذي يتأرجح بين الحب والكراهية، هو تعبير عن موقفه من الأغيار ككل. وفي قصيدة «إيقاعات إسرائيل» (١٩١٢) يصف شنياؤور «انتقام اليهود من الأغيار» ، وهو انتقام يتم في عالم الروح إذ أن اليهودي منحهم اليهودية، هذه الديانة التي فرضت عليهم مفهوماً للإله أبعدهم عن آلهتهم الحسية الجميلة أي أن التوحيد اليهودي هو
стр. 3223
تعبير عن نقمة اليهودي على عالم الوثنية الحلولي الجميل.
وفي عام ١٩١٣ أثناء محاكمة بيليس كتب شنياؤور قصيدة بعنوان «العصور الوسطى ستعود» يحذر فيها اليهود من الانخداع بمظاهر التقدم والتسامح، إذ أن الكراهية والحروب ستعود مرة أخرى. ومع بداية الحرب العالمية الأولى، كان شنياؤور في ألمانيا فدرس الطب في برلين وعمل في مستشفى، وأسس داراً لنشر الكتب العبرية. ولكن بعد تفرُّق أدباء العبرية استقر في باريس عام ١٩٢٣ وظل مقيماً هناك حتى عام ١٩٤٠ (مع وصول القوات النازية) ثم فر إلى الولايات المتحدة. وعند إعلان دولة إسرائيل لم يهاجر إليها على الفور إذ أنه لم يستوطن في فلسطين المحتلة إلا عام ١٩٥١.
وينتمي شنياؤور لهذا الجيل من المؤلفين الصهاينة الذين ينم أدبهم عن كره عميق لليهودية ويهود المنفى (أي كل اليهود في كل أنحاء العالم) ويطرحون بدلاً من ذلك رؤية علمانية مبنية على قيم القوة والبطش، ففي رواية نواه باندري (باليديشية) يُقدِّم شنياؤور شخصية نواه (نوح) باعتباره نموذجاً لليهودي الجديد الذي لم يتلق تعليماً دينياً، فهو ليس حزمة أعصاب يخاف من ورقة الشجر التي تحملها الريح. وهو يهودي بالعرْق والوراثة (لا العقيدة) ، قوي لا يهاب؛ يداه هي يدا عيسو تكسب له احترام الأغيار الذين كانوا يظنون أن اليهودي جبان بطبعه يعيش حياة روحية محضة.
وفي قصيدة «اللوحات المُخبَّأة» يتخيل شنياؤور أنهم أثناء التنقيب عن الآثار في فلسطين قد يجدون بعض الأعمال التي كتبها أعداء التراث الديني التقليدي، أعمال مثل الكتب الخفية (أبوكريفا) ومثل نشيد الأنشاد وسفر الأمثال التي حاول الحاخامات منع نشرها ولكنها نجت من هذا المصير بأعجوبة وتم تضمينها في العهد القديم. والقصيدة أثارت الكثير من النقاش فهي تروي تاريخ إسرائيل بطريقة تختلف عن الرواية التوراتية، تشبه رؤية قورح والصدوقيين وغيرهم ممن يقفون خارج التراث ويحاولون تقويضه.
стр. 3224
إن شنياؤور يشن هجوماً عنيفاً على اليهودية البالية التي شاخت وتحجرت وعلى التراث اليهودي وعلى التاريخ اليهودي ولكنه يصر مع هذا على انتمائه اليهودي الإثني، الذي لا وجود له خارج هذا التاريخ اليهودي الوهمي. ولهذا نجد أن شعره يزخر بالتناقضات، فقصائده تجمع بين النزعة الحسية الواضحة والنزعة التشاؤمية التي لا ترى في الحياة إلا وهماً فارغاً. ورغم تمرُّده على سائر أشكال الضعف والخنوع، إلا أنه يبدو يائساً ومستسلماً تماماً إزاء المصير الإنساني المأساوي المحتوم.
وكثيراً ما يأتي ذكر شنياؤور، إلى جانب بياليك وتشرنحوفسكي، بوصفه أحد " الثلاثة العظام " في الأدب الحديث المكتوب بالعبرية، ولكنه يفوقهم من ناحية غلبة الطابع الحسي في شعره.
ومن مؤلفات شنياؤور الأخرى قصائد للأطفال (١٩٠٨) ، والجسور (١٩٢٣) ، والرؤى (١٩٢٤) ، وفصول الغابة (١٩٣٣) ، وكلها مجموعات شعرية. ومن مؤلفاته القصصية من الحياة والموت (١٩١٠) ، والمضايق (١٩٢٣) ، وكلها بالعبرية. أما مؤلفاته اليديشية (التي تفوق في غزارتها مثيلتها بالعبرية) فمن بينها: أعماله الكاملة (١٩٠٩) ، وموت ـ من مذكرات منتحر مجنون (١٩٠٩) ، ورواية نابليون والحاخام التي صدرت لها ترجمة فرنسية عام ١٩٤٣. ومعظم أعماله اليديشية نُشرت في صحف ومجلات متنوعة، ولم يظهر منها على هيئة كتب إلا عدد قليل. وقد تُرجم كثير من أعمال شنياؤور إلى اللغات الأوربية، وقام هو نفسه بترجمة كثير من مؤلفاته اليديشية إلى العبرية.
إليشيفا (١٨٨٨-١٩٤٩)
Elisheva
стр. 3225
إليشيفا بيخوفسكي هو الاسم الأدبي للكاتبة إليزافيتا جيركوفا، وهي أديبة روسية غير يهودية تكتب بالعبرية. وبدأت حياتها الأدبية بالكتابة بالروسية فنشرت مجموعتين شعريتين هما: دقائق (١٩١٩) ، أغان خفية (١٩١٩) . تزوجت من روسي يهودي في عام ١٩٢٠، وهاجرت معه إلى فلسطين حيث استوطنا فيها. واتجهت إلى الكتابة بالعبرية، فنشرت أعمالاً أدبية متنوعة أهمها: قصائد بعنوان كوب صغير (١٩٢٦) ، ومجموعة قصص بعنوان قصص (١٩٢٨) ، وقصة بعنوان حادثة تافهة (١٩٢٩) ، ورواية بعنوان الحارات (١٩٢٩) ، ودراسة بعنوان الشاعر والإنسان عن الشاعر الروسي ألكسندر بلوك (١٩٢٩) ، ثم قصائد (١٩٤٦) . كما ترجمت إلى الروسية بعض الأعمال الأدبية المكتوبة بالعبرية.
كانت إليشيفا تُبدي إعجاباً شديداً بقيم اليهودية، كما أبدت تعاطفاً مع دعاوى «القومية اليهودية» (أي الصهيونية) ، إلا أنها ظلت متمسكة بعقيدتها المسيحية ولم تتحول إلى اليهودية.
стр. 3226
ورغم أن إليشيفا ليس لها أية أهمية، إلا أنها تثير قضايا منهجية عديدة. فالتصور العام أن الآداب المكتوبة بالعبرية هي جزء مما يُسمَّى بالأدب اليهودي، وأنه تعبير عن الهوية اليهودية، ولكن ماذا لو كتب أديب بالعبرية عن مواضيع غير يهودية أو كتب أدباً معادياً لليهود واليهودية؟ هل يظل هذا أدباً يهودياً؟ وهناك القضية الأخرى وهي: هل الأعمال الأدبية المكتوبة بالعبرية تشكل أدباً عبرياً أم آداباً مكتوبة بالعبرية؟ وتثير إليشيفا كل هذه القضايا وبحدة، فهي روسية مسيحية أرثوذكسية ظلت متمسكة بعقيدتها المسيحية رغم أنها كانت تكتب بالعبرية ورغم أنها هاجرت إلى فلسطين واستوطنت فيها، ولابد أنها كانت تدور داخل إطار التقاليد الأدبية الروسية، أي أنها ظلت مسيحية من ناحية العقيدة، روسية من ناحية الانتماء الأدبي، وهو ما يجعل العبرية مجرد أداة لغوية. وهي، في هذا، تشبه أنطون شماس الفلسطيني العربي الذي كتب رواية بالعبرية وأصبح من رواد الأدب العبري في إسرائيل!
آشير باراش (١٨٨٩-١٩٥٢ (Asher Barash
روائي وناقد يكتب بالعبرية. وُلد في جاليشيا واستقر في فلسطين منذ عام ١٩١٤. بدأ الكتابة الأدبية في سن مبكرة باللغة اليديشية، وكتب بعض أعماله الأولى باللغتين الألمانية والبولندية ثم تحوَّل بعد ذلك إلى الكتابة باللغة العبرية شعراً ونثراً.
стр. 3227
وتتناول بعض قصص باراش حياة مهاجري الموجة الثانية إلى فلسطين وواقع ما بعد تأسيس الدولة الصهيونية، ويتبدَّى في بعضها الآخر نزوع إلى ذكريات الحياة الأولى التي خلفها في جاليشيا. يغلب على قصصه طابع السرد التقليدي والوصف البسيط الذي لا يخلو من مضامين عقائدية موجَّهة. ففي روايته الحب المنبوذ (١٩٣٠ ـ ١٩٣٨) ، يحاول الكاتب أن يصل بالقارئ إلى نتيجة محددة مفادها أن مجتمع الأغيار حاقد وشرير، وأنه لا سبيل إلى التعايش الطبيعي بين اليهود وغيرهم. إن علاقة الحب بين فتى يهودي وفتاة من الأغيار تصل إلى طريق مسدود، ويكون الحل الذي تقدمه الرواية هو زواج الفتاة من شرطي معاد لليهود.
كتب باراش عدة أعمال نقدية أبرزها كتاب نظرية الأدب (١٩٣١) وهو محاولة لتقديم نظرية منهجية عن أدب العبرية، بيد أنه لم تَعُد له قيمة تذكر نظراً للطابع المطلق والجامد لكثير من أحكامه. كما ترجم باراش إلى العبرية بعض الأعمال الأدبية الإنجليزية والألمانية فضلاً عن يوميات هرتزل.
مناحم ريبالو (١٨٩٦-١٩٥٣ (
Menahem Ribalow
صحفي وناقد أدبي روسي يهودي يكتب بالعبرية. تلقَّى تعليمه في إحدى المدارس التلمودية ثم في جامعة موسكو. هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام ١٩٢١ واستقر فيها. وفي عام ١٩٢٣، اختير رئيساً لتحرير المجلة الأسبوعية العبرية هادوعار التي كانت تصدر في نيويورك، وظل يشغل هذا المنصب حتى وفاته. وتناول ريبالو في مقالاته، (التي كان يوقعها باسم مستعار هو «م. شوشاني» ) العديد من قضايا الأدب الحديث المكتوب بالعبرية وخصوصاً الشعر. ساهم بقسط وافر في حركة إحياء اللغة العبرية وفي مجال خلق جسور التفاهم بين الأدباء الذين يكتبون بالعبرية وأولئك الذين يكتبون باليديشة في الولايات المتحدة. كما تولى منصب الرئيس المناوب للاتحاد العالمي للعبرية (مع إسحق بن تسفي (.
стр. 3228
شارك ريبالو في تحرير الكتاب السنوي ليهود أمريكا منذ عام ١٩٣١ وحتى عام ١٩٤٩، فضلاً عن تحرير عدد من المختارات الأدبية العبرية. وقد جُمعت مقالاته وظهرت في خمسة مجلدات تحمل العناوين التالية: كتاب مقالات (١٩٢٨) ، وأدباء وشخصيات (١٩٣٦) ، وكتابات ولفائف (١٩٤٢) ، وفي صحبة شجرة السلوى حتى الربيع (١٩٥٠) ، ومن عالم إلى عالم (١٩٥٥ (.
إسحق لمدان (١٨٩٦-١٩٥٣ (
Isaac Lamdan
شاعر روسي يهودي يكتب بالعبرية. وُلد في أوكرانيا وتلقى تعليماً تقليدياً وعلمانياً. وقد دفعته مآسي الحرب العالمية الأولى إلى التعاطف مع الأفكار الشيوعية، فتطوع في الجيش الأحمر عند اندلاع الثورة البلشفية، ولكنه لم يلبث أن اكتشف عدم إمكان التوفيق بين انتمائه اليهودي والانتماء إلى حركة اشتراكية ثورية فهاجر إلى فلسطين عام ١٩٢٠ حيث عمل حيناً في المزارع ورصف الشوارع، وهو ما أتاح له فرصة التعرف على هموم الجيل الثالث من المهاجرين اليهود إلى فلسطين وجعله يشعر بخيبة أمله في كثير من الوعود والآمال البراقة للحلم الصهيوني، ذلك الشعور الذي انعكس في بعض قصائده. ومنذ عام ١٩٣٤، تفرغ لمدان للكتابة، وأسَّس مجلة أدبية شهرية باللغة العبرية. ومع أنه رفض إخضاع مجلته لأية جماعة سياسية، إلا أنها كانت منبراً لأشد الآراء تعصباً وعنصرية.
أثارت قصائد لمدان المبكرة، والتي نُشرت في الصحف والمجلات الصهيونية، اهتماماً ملحوظاً، وعلى الأخص قصيدته الملحمية الطويلة ماسادا (١٩٢٧) التي يستعرض فيها بشكل أقرب إلى الرثاء ما حل باليهود عبر التاريخ. وتتميَّز هذه القصيدة، وكثير من قصائد لمدان، بغلبة التعبيرات البلاغية الانفعالية ونبرة التعصب المتشنج على المهارة الفنية. أما مجموعاته الشعرية الأخرى، وأهمها العدة الثلاثية (١٩٣٠) ، وفي ممر العقارب (١٩٤٥) ، فلم تحظ بالنجاح الذي صادفته ماسادا رغم أنها جاءت أقل فجاجة في نزعتها الدعائية.
وبالإضافة إلى كتابة الشعر، ترجم لمدان إلى العبرية بعض مؤلفات ماكس برود وجوزيف كونراد وجاك لندن وغيرها.
стр. 3229
الباب التاسع: الأدب اليديشي
الأدب اليديشي
Yiddish Literature
إذا كان يَصُعب الحديث عن «أدب عبري» حتى عام ١٩٤٨، باعتبار أنه أدب يتبع عدة تشكيلات حضارية مختلفة، فإن الأمر ليس كذلك بالنسبة إلى الأدب اليديشي المرتبط بتشكيل حضاري واحد في شرق أوربا، روسيا وبولندا على وجه الخصوص. ولذا، فإن مصطلح «الأدب اليديشي» مقدرة تفسيرية وتصنيفية عالية، خصوصاً إن ذُكر الانتماء القومي للكاتب باليديشية (بولندي، روسي، ... إلخ) . وظهرت أول أعمال أدبية يديشية في القرن السادس عشر، وكانت ترجمات للآداب الغربية وكُتُب الصلوات. وقد استخدم بعض دعاة حركة التنوير اللغة اليديشية، بدلاً من العبرية، كلغة للتعبير الأدبي باعتبار أنها لغة حية وتتحدث بها الجماهير اليهودية من يهود اليديشية. ثم ظهر أساطين الأدب اليديشي وأهمهم إسحق بيريتس، وشالوم عليخيم، ومندلي موخير سيفوريم، الذين كتبوا أعمالاً روائية بالأساس. كما ظهر مسرح يديشي عام ١٨٧٠ (مع تعثُّر التحديث في الإمبراطورية الروسية) ، ولكنه لم يتطور وينمو إلا في الولايات المتحدة والأرجنتين حيث حمل المهاجرون الروس اليهود اللغة أو اللهجة اليديشية معهم، والتي أصبحت لغة الشارع اليهودي في المهجر. وكانت هناك مراكز للأدب اليديشي أينما هاجر يهود اليديشية، لكن المركز الأساسي كان في بولندا وروسيا ثم الولايات المتحدة. وربما كان الاستثناء الوحيد من القاعدة هو فلسطين حيث كانت المؤسسة الصهيونية تعارض اللغة اليديشية.
стр. 3230
تمتع الأدب اليديشي بمرحلة من الازدهار والإبداع الأدبي ساعد عليها حزب البوند والتنظيمات العمالية اليهودية التي تبنت اليديشية كلغة للجماهير اليهودية في شرق أوربا. لكن فترة الازدهار هذه كانت قصيرة للغاية، فاليديشية لم تُستخدَم كلغة للتعبير الأدبي إلا في نهاية القرن التاسع عشر، أي أنه لم يكن هناك تراث أدبي يديشي. وبعد نهاية الحرب العالمية الأولى، ظهرت عوامل حضارية وسياسية قضت على فرص هذا الأدب في التطور من أهمها أن يهود اليديشية أنفسهم اندمجوا في محيطهم الحضاري (السوفيتي والأمريكي) ، واختفت اليديشية كلغة للتعامل. كما أن العقول المبدعة من بين أعضاء الجماعات اليهودية تبدع عادةً من خلال التشكيل الحضاري الذي تنتمي إليه ومن خلال لغة المجتمع الذي تعيش في كنفه، خصوصاً إذا كان المجتمع متسامحاً معهم، ويتيح لهم بعض فرص الحراك الاجتماعي والاقتصادي. ولذا، يُلاحَظ أن أساطين الأدب اليديشي الذين ماتوا مع أواخر الحرب العالمية الأولى، مثل: بيريتس (١٩١٥) وشالوم عليخيم (١٩١٦) ومندلي موخير سيفوريم (١٩١٧) ، لم يَخلُفهم أحد في مستواهم الأدبي. ومما لا شك فيه أن الإبادة النازية لليهود، خصوصاً يهود اليديشية، والتصفيات الستالينية في الاتحاد السوفيتي، ساهمت في القضاء على كثير من كُتَّاب اليديشية. ولكن يظل العنصر الأساسي اختفاء جماهير اليديشية. ولذا، لم يَعُد من المجدي للأدباء الكتابة بهذه اللغة، ونجد كاتباً مهماً وشهيراً (مثل باشيفيس سنجر) ينتقل إلى الكتابة بالإنجليزية، أو يكتب باليديشية مدركاً أن عمله الأدبي سيترجم إلى الإنجليزية. هذا، رغم عدم تعرض يهود الولايات المتحدة لإبادة أو تصفية أو اضطهاد. وكانت تَصدُر في الاتحاد السوفيتي مجلة سوفيتيش هايملاند، وهي مجلة أدبية يديشية.
مندلي موخير سفوريم (١٨٣٦-١٩١٧ (
Mendle Mocher Sephorim
стр. 3231
أديب يكتب بالعبرية واليديشية اسمه الحقيقي «شالوم جيكوب أبراموفيتش» ، أما اسمه الأدبي فهو «مندلي موخير سفوريم» وهي عبارة عبرية تعني «مندلي بائع الكتب» . وُلد في روسيا وتلقى تعليماً تقليدياً. ويُعَدُّ مندلي أحد مؤسسي الأدب اليديشي. قابل وهو بعد في سن السابعة عشرة متسولاً يُسمَّى أبراهام الأعرج أقنعه بأن ينضم إلى جماعة المتسولين التي كان يرأسها أو يديرها. وبعد فترة من التسول والتنقل بين المدن، فرَّ مندلي من الجماعة والتقى بأحد دعاة حركة التنوير الذي لقنه تعليماً حديثاً بما في ذلك الروسية والألمانية والرياضيات وأثر فيه تأثيراً عميقاً إذ استوعب مندلي مُثُل الحركة والفلسفة الوضعية. ودعا مندلي إلى علمنة أسلوب حياة اليهود، وكان من أوائل دعاة حركة التنوير ثم الصهيونية.
تأثر مندلي بأعمال تورجينيف وفيكتور هوجو، وكتب بالعبرية دون أن يحالفه النجاح. وفي عام ١٨٦٤، قرر أن يكتب باليديشية وهو قرار كان يُعَدُّ خطوة جريئة نظراً لأن اليديشية كان يُنظَر إلىها باعتبارها رطانة فاسدة لا تستحق أن يكتب بها المثقفون، كما لم يكن هناك أدب جاد مكتوب بها إذ اقتصرت الأعمال المكتوبة بهذه الرطانة على الصلوات وبعض القصص الشعبية. ولكن مندلي ارتأى أن هذه هي لغة الجماهير اليهودية التي يجب أن يصل إليها. وحتى ينجز ذلك، خلق شخصية أدبية هي شخصية بائع كتب، واختار لنفسه هذا الاسم الأدبي الذي اشتهر به. أحدثت كتاباته ثورة في عالم الأدب اليديشي، إذ صور الجيتو بطريقة واقعية وشاملة: شخصياته وعاداته ونكاته ومآسيه، ولكنه كان تصويراً مشوباً بالتعاطف رغم قسوته في الوصف.
стр. 3232
وكان من أوليات أعماله اليديشية رواية الرجل الصغير (١٨٦٤) ، ومسرحية ضريبة اللحم (١٨٦٩) ، وهي مسرحية انتقادية يسخر فيها من المؤسسة اليهودية التي صارت أداة في يد القهر القيصري. ومن أهم أعماله الأخرى فيشكه المتسول (١٨٦٩) التي تستند إلى تجربته الشخصية وتروي قصة حب حزينة بين فشكه وفتاة متسولة. أما رواية المهر العجوز (١٨٧٣) ، فهي قصة رمزية عن تجربة يهود شرق أوربا، أي يهود اليديشية.
وعاد مندلي إلى الكتابة بالعبرية بعد عام ١٨٨٦ وحقق نجاحاً لا بأس به. وكانت أولى رواياته العبرية هي مكان الرعد الخفي (١٨٨٦) . ومن أهم أعماله الأخرى بالعبرية الحلقات التلمودية السماوية والأرضية (١٨٩٤ - ١٨٩٥) حيث يصف انقسام أعضاء الجماعة اليهودية بين الاندماجيين والأرثوذكس والصهاينة ويقدم وجهات نظرهم المتصارعة. ويظهر المؤلف نفسه كأحد شخصيات الرواية، ولكن موقفه يتسم بالتردد، فيدافع عن حركة التنوير تارة وعن الأرثوذكسية طوراً وعن الصهيونية مرة ثالثة.
ولكن، مع هذا، يمكن القول بأن ما يسم أعماله ليس تردده وإنما سخريته العميقة من حياة أعضاء الجماعة اليهودية في شرق أوربا، الأمر الذي حدا ببعض النقاد إلى المطالبة بتطهير قصصه من تلك الفقرات التي يعدونها شرسة في هجومها. وقد ترك مندلي أثراً عميقاً في الأدباء الذين كتبوا بالعبرية واليديشية من بعده.
إسحق بيريتس (١٨٥١-١٩١٥ (
Isaac Peretz
стр. 3233
شاعر ومؤلف وُلد في بولندا وكتب بالعبرية واليديشية. تأثر بالفكر الحسيدي في مقتبل حياته، لكنه اطلع على فكر حركة التنوير وتأثر به، وكان أول أعماله الأدبية مجموعة من القصائد بالعبرية (١٨٧٧) ثم نشر في عام ١٨٨٨ قصيدة «مونيش» باليديشية، وهي قصيدة طويلة تتناول حياة الجماعة اليهودية في شرق أوربا أي يهود اليديشية. وقد ذاع صيته بعد ذلك، واُعتبر أحد مؤسسي الأدب اليديشي. ومن أهم أعماله النثرية صور من رحلة ريفية (١٨٩١) حيث وصف الفقر والذل في منطقة الاستيطان. وقد كتب أيضاً قصصاً قصيرة باليديشية من أشهرها «مناظر مألوفة» عام ١٨٩٠. وكتب مسرحية بالعبرية ثم ترجمها إلى اليديشية بعنوان في السوق القديم ليلاً (١٩٠٧) ، وهي صورة بانورامية للوجود اليهودي في بولندا.
شالوم عليخيم (١٨٥٩-١٩١٦ (
Shalom (Sholem) Aleichem
كاتب يديشي اسمه الحقيقي «شالوم رابينوفتس» ، أما اسمه الأدبي فهو «شالوم عليخيم» ، وهي عبارة عبرية تعني «السلام عليكم» . وُلد في أوكرانيا وكان أبوه تاجراً ميسور الحال، مهتماً بفكر حركة التنوير. وقد تدهورت الأحوال المالية للأسرة، كما ماتت أم شالوم وتزوج أبوه مرة ثانية. وكان أول أعمال شالوم، الذي كان يتمتع بموهبة السخرية، معجم باليديشية للشتائم واللعنات التي عادةً ما كانت تصبُّها زوجة الأب على رؤوس أولاد زوجها. كما كتب شالوم بعض المقالات وبعض الأعمال الأدبية بالعبرية. ولكنه، ابتداءً من عام ١٨٨٣، قرَّر أن تكون كل أعماله باليديشية، وأصبح بذلك أحد مؤسسي الأدب اليديشي. واتخذ لنفسه اسماً أدبياً ينشر به لأنه لم يكن يجرؤ على أن ينشر بهذه الرطانة التي كانت محط احتقار المثقفين اليهود الذين كانوا يكتبون إما باللغات الأوربية أو بالعبرية، لغة النخبة.
стр. 3234
وقد نجح شالوم عليخيم في أن يخلق عالماً مُحدَّد المعالم، سجل فيه حياة يهود شرق أوربا بكل تفاصيلها وبطريقة تختلط فيها المأساة بالملهاة. وأصبحت شخصياته جزءاً من مصطلح يهود اليديشية، فمثلاً إن أشار أحدهم إلى أن فلاناً أصبح «مناحيم مندل» فإن هذا يعني أنه شخص خيالي صاحب مشاريع لا يمكن أن تتحقق. وقد حاول مناحيم هذا، كما رسمه شالوم عليخيم، أن يعمل كخاطبة نظير أجر، لكنه اكتشف أنه كان يرتب زواجاً بين فتاتين. ومن أهم شخصياته «طوبيا اللبان» ، وهو فلاح جاهل يضرب بجذوره في الأرض لا تتعدى ثقافته ثقافة يهود اليديشية، وهو يقتبس كلمات العهد القديم دون أن يدرك معناها على وجه الدقة ولكنه يعرف معناها على وجه العموم. وقد استُخدمت هذه الشخصية في المسرحية الغنائية الشهيرة «عازف الكمان على السطوح» بعد أن أُعطيت بُعْداً صهيونياً. ويُعَدُّ شالوم عليخيم من أهم كُتَّاب اليديشية إن لم يكن أهمهم على الإطلاق.
س. آن-سكي (١٨٦٣-١٩٢٠ (
S. An-Ski
واحد من أهم أدباء اليديشية ومن المهتمين بفلكلور يهود اليديشية اسمه الحقيقي شلوبيم زانفيل رابابورت. وُلد في روسيا البيضاء وكان أبوه وكيلاً لأحد المُلاَّك الزراعيين من بقايا يهود الأرندا، وكانت أمه تُسمَّى حنا أو أنَّا (وقد يكون هذا هو مصدر اسمه المستعار) . تأثر بفكر حركة التنوير وحركة الشعبيين الروس (نارودنكي) وبالفكر الاشتراكي، فترك منزله وهو بعد في السادسة عشرة وذهب ليعيش بين العمال والفلاحين الروس حيث عمل حداداً وعاملاً ومدرساً. واضطر إلى الهرب إلى باريس عام ١٨٩٢ بسبب نشاطه الثوري، وعاد منها عام ١٩٠٥.
стр. 3235
كتب أن سكي مؤلفاته بالروسية، ولكنه انضم عند عودته إلى حزب البوند وبدأ يكتب باليديشية قصصاً وأساطير عن فقر يهود روسيا، كما نظم أنشودة حزب البوند (القَسَم) . وبدأ يهتم بالفلكلور، فانضم إلى بعثة لجمع الفلكلور اليديشي (نظمها المليونير الروسي اليهودي البارون جونزبورج) . وقد مات أن سكي في وارسو.
تبلغ الأعمال الكاملة لآن سكي خمسة عشر جزءاً، لكن أهم أعماله وأشهرها هي مسرحية الديبوق (الالتصاق) التي نُشرت عام ١٩١٩. وقد ترجمت هذه المسرحية إلى عدة لغات، وتدور أحداثها حول رجل وحبيبته لا يتم زواجهما بسبب جشع والدة الحبيبة، ويموت الحبيب لكنه بمساعدة آليات القبَّالاه ينجح في أن يتلبَّس جسد حبيبته، وحينما ينجح الحاخامات في طرد روحه تموت الحبيبة وتلتحم روحاهما. ولم تُمثَّل المسرحية إلا بعد وفاة آن سكي، لكنها لاقت نجاحاً كبيراً. وتم إخراجها سينمائياً عدة مرات، كما أن هناك أوبرات ومسرحيات موسيقية مُقتَبسة منها.
شوليم آش (١٨٨٠-١٩٥٧)
Sholem Asch
стр. 3236
روائي وكاتب مسرحي. تلقى تعليماً دينياً حتى سن السابعة عشرة، ثم تعرَّف على فكر حركة التنوير. كتب أول أعماله بالعبرية، ولكن أهم أعماله كتبه باليديشية. أحرز شهرة في الأوساط اليديشية بروايته المدينة. ومن رواياته الأخرى أمريكا، وموتكي اللص. وتُعَدُّ مسرحيته رب الانتقام من أهم المسرحيات اليديشية. هاجر إلى الولايات المتحدة عام ١٩١٠ حيث استمر في الكتابة باليديشية. وتصور روايتاه المدن الثلاث والخلاص جوانب من حياة يهود اليديشية في أوربا. أما روايته النهر الشرقي فتتناول حياة الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة. حاول في رواياته الأخيرة، موسى والنبي والناصري أن يضيق الهوة العقائدية بين اليهود والمسيحيين بأن يبيِّن ما تصوَّره تراثهم الروحي المشترك. وأثار هذا غيظ الأوساط الأرثوذكسية واليديشية عليه، فاتُهم بالقيام بنشاط تبشيري. استقر شوليم في إسرائيل قبل وفاته بعامين، ولا ندري سبب اتخاذه هذه الخطوة مع أن أدبه ذو نزعة يديشية وإنسانية عالمية معادية للصهيونية. ولعل ذلك يعود إلى اختفاء قراء اليديشية في الولايات المتحدة.
سولومون ميخولز (١٨٩٠-١٩٤٨ (
Solomon Mikhoels
ممثل في المسرح اليديشي. وكان المدير اليهودي لمسرح الدولة، ورئيس لجنة معاداة الفاشية في الاتحاد السوفيتي. قُتل في حادث سيارة، ويُقال إن البوليس السري السوفيتي قام بتدبير ذلك الحادث. وفي عهد جورباتشوف، تم تأسيس مركز ثقافي في الاتحاد السوفيتي سُمِّي باسمه ولكنه أُغلق بعد قليل.
بيريتس ماركيش (١٨٩٥-١٩٥٢ (
Peretz Markish
стр. 3237
شاعر وروائي وكاتب مسرحي روسي كان يكتب باليديشية. وُلد في فولينيا وتلقَّى في صباه تعليماً دينياً يهودياً تقليدياً، ثم تلقَّى بعض الدراسات الجامعية في أوديسا. وكان ماركيش العضو الأصغر في ثلاثي كييف الأدبي الذي ضم إلى جانبه الأديبين هوفشتاين وكفيكو. وقد أصدر معهما مجموعة من الأعمال الأدبية والشعرية تضم الشعر والأدب اليديشي الحديث، وتشيد بالثورة والدولة السوفيتية الجديدة، كما تعبِّر عن تجارب الحرب العالمية الأولى وأعمال الهجوم ضد اليهود. وترك ماركيش روسيا عام ١٩١٩، فانتقل إلى بولندا وزار فرنسا وانجلترا وفلسطين. وأسس في وارسو مجلة أدبية. وفي عام ١٩٢٢، شارك مع الكاتب إسرائيل جوشوا سنجر في تحرير أول مجموعة من المختارات الأدبية، وأصدر مجموعة ثانية في باريس بالتعاون مع فارشافسكي ومارك شاجال الذي شارك برسومه.
عاد ماركيش مرة أخرى إلى الاتحاد السوفيتي عام ١٩٢٦ بعد أن أصيب بخيبة أمل من وضع الجماعة اليهودية في بولندا وتزايد الاتجاهات المعادية لهم. وقد أصبح من الشخصيات الأدبية البارزة في الاتحاد السوفيتي وأصدر قصائد عديدة تشيد بالنظام السوفيتي وبستالين، كما تم عرض العديد من مسرحياته على المسارح اليديشية والروسية في أنحاء الاتحاد السوفيتي حيث كانت تتناول مواضيع تحول الجماهير اليهودية إلى العمل المنتج سواء في الزراعة أو الصناعة واستيعابهم في البناء الاشتراكي الجديد.
عمل ماركيش سكرتيراً لجمعية الكتاب اليهود، وتلقَّى وسام لينين عام ١٩٣٩. وفي عام ١٩٤٢، عمل كمراسل صحفي على الجبهة الروسية الألمانية. وقد كانت أعماله خلال فترة الحرب تتسم بوطنيتها الشديدة والحزن على مصير اليهود. وتم إلقاء القبض عليه عام ١٩٤٨ مع غيره من الكُتَّاب والأدباء الروس اليهود، وأخيراً أُعدم عام ١٩٥٢. ورُدَّ الاعتبار إليه بعد موت ستالين ونُشرت قصائده بالروسية عام ١٩٥٧.
إسحق فيفر (١٩٠٠-١٩٥٢)
Isaac Fefer
стр. 3238
شاعر وناقد وكاتب مسرحي روسي كان يكتب باليديشية. وُلد في أوكرانيا وعمل منذ وقت مبكر في مطبعة. وانضم إلى حزب البوند كما اشترك في الحرب الأهلية الروسية التي أعقبت ثورة ١٩١٧. وفي سنة ١٩١٩، انضم إلى الحزب الشيوعي، وهي السنة نفسها التي نشر فيها أول أشعاره في جريدة العلم الشيوعي في كييف. وأصبح فيفر من أبرز أدباء اليديشية السوفييت، وكانت قصائده تتناول تجاربه خلال الحرب الأهلية وعمليات الهجوم ضد اليهود، كما كانت تتناول التحولات الاجتماعية بين الجماعة اليهودية في ظل الدولة السوفيتية. ومن بين قصائده قصيدة «ستالين» الشهيرة، و «أنا اليهودي» التي كتبها خلال الحرب العالمية الثانية، و «ظلال جيتو وارسو» . كما كتب قصائد حول تجربة بيروبيجان. وفي عام ١٩٣٣ أصدر كتاباً حول الأدب اليديشي في الدول الرأسمالية هاجم فيه بحدة كُتَّاب اليديشية البارزين في هذه البلاد.
وقد خدم فيفر في الجيش الروسي خلال الحرب العالمية الثانية، كما زار الولايات المتحدة وكندا كممثل للجنة اليهودية المعادية للفاشية من أجل كسب دعم وتأييد الجماعة اليهودية في هذين البلدين للاتحاد السوفيتي في حربه ضد ألمانيا النازية.
تم إلقاء القبض على فيفر عام ١٩٤٨ في ظل حكم ستالين، ضمن غيره من الكُتَّاب الروس اليهود، وأُعدم في عام ١٩٥٢. وقد رُدَّ الاعتبار إليه بعد وفاة ستالين، كما تم إصدار أعماله مُترجَمة إلى الروسية في الاتحاد السوفيتي عام ١٩٥٨.
إسحق باشيفيس سنجر (١٩٠٤-١٩٩٠ (
Isaac Bashevis Singer
صحفي وكاتب روائي يديشي. وهو شقيق الكاتب اليديشي إسرائيل سنجر. وُلد في بولندا لأسرة حاخامية، وكان أبوه يعقد بيت دين (محكمة شرعية) في منزله. وتلقى باشيفيس تعليماً دينياً تقليدياً، وانغمس في الدراسات القبَّالية، إلا أنه درس أيضاً بعض العلوم الدنيوية. وتركت فيه هذه العناصر المختلفة والمتناقضة أعمق الأثر.
стр. 3239
من أهم الموضوعات في رواياته ما سُمِّي بالنزعة المضادة للبروميثية (أو الفاوستية) التي تتبدَّى في روايته الشيطان في جوري (١٩٥٣) حيث يستخدم البطل العارف بأسرارالقبَّالاه الصيغ القبَّالية المختلفة للسيطرة على الواقع ولكنه يقع، في نهاية الأمر، في قبضة الشيطان، تماماً مثل فاوستوس. وأبطال باشيفس لا سلطان لهم على عواطفهم الشيطانية التي تتملكهم.
هاجر باشيفيس سنجر إلى الولايات المتحدة عام ١٩٣٥، وبدأت رواياته تظهر باليديشية (على هيئة حلقات في الصحف اليديشية) وكذلك بالإنجليزية، أي أنه كان يكتب لجمهورين مختلفين. ويُلاحَظ أن باشيفيس سنجر يربط بين العنصر الشيطاني البروميثي والجنس، وهذا يعود إلى أثر القبَّالاه فيه. وقد نُشرت أولى رواياته في الولايات المتحدة عام ١٩٥٠ وهي رواية ملحمية واقعية عن وارسو قبل الحرب العالمية الثانية. وقد ظهرت روايات عديدة لباشيفيس، الضيعة (١٩٦٧) ؛ وهي رواية واقعية تؤرخ لأسرة يهودية بولندية في القرن التاسع عشر، ولكنها رواية مُفكَّكة في بنيتها، ثم ظهرت لها تتمة بعنوان الضيعة (١٩٧٠) . أما رواية ساحر لوبلين (١٩٦٠) ، فهي تتناول مرة أخرى الموضوع الفاوستي ومخاطره. وتدور أحداث رواية العبد (١٩٦٢) إبّان انتفاضة شميلنكي، وتتناول شخصية يهودي يحب ابنة الفلاح الذي استعبده. لكن تميُّز باشيفيس يتجلى في رواياته القصيرة جمبل (١٩٥٧) ،وإسبينوزا شارع السوق (١٩٦١) ،والجمعة القصيرة (١٩٦٤) .وكل هذه الروايات خلفيتها هي الشتتل الذي عادةً ما يزوره رسل الشيطان، وهي تتضمن تحليلات في المرض النفسي والشر الإنساني. وقد حصل باشيفيس سنجر على جائزة نوبل في الأدب.
стр. 3240
الباب العاشر: لهجات أعضاء الجماعات اليهودية ولغاتهم
اللغات اليهودية
Jewish Languages
«اللغات اليهودية» اصطلاح تستخدمه بعض المراجع الصهيونية (أو المتأثرة بها) للإشارة إلى اللغات واللهجات والرطانات التي يتحدث بها أعضاء الجماعات اليهودية في العالم. وهو اصطلاح غير دقيق بالمرة، فالجماعات اليهودية تتحدث اللغات نفسها التي يتحدث بها أغلبية أعضاء المجتمعات التي يعيش اليهود في كنفها، وإذا كان ثمة اختلافات، فهي عادةً اختلافات طفيفة تجعل طريقة حديثهم مجرد لهجة أو رطانة.
لغات الجماعات اليهودية ولهجاتها ورطاناتها
Languages, Dialects and Jargons of the Jewish Communities
стр. 3241
لم يتحدث اليهود اللغة التي تُعرَف بالعبرية إلا لفترة قصيرة للغاية، فلغة الآباء (إبراهيم وإسحق ويعقوب) (٢١٠٠ ـ ١٢٠٠ ق. م) كانت لهجة سامية قريبة من العربية أو الآرامية، أما العبرية فكانت لهجة من اللهجات الكنعانية ولم يتخذها اليهود لساناً لهم إلا بعد إقامتهم في كنعان (ابتداءً من ١٢٥٠ ق. م) . ويبدو أن العبرية قد اختفت بوصفها لغة الحديث بين اليهود مع التهجير البابلي (٥٦٧ ق. م) (وثمة نظرية تذهب إلى أن الآرامية كانت لغة المسئولين في بلاط ملوك مملكة يهودا الجنوبية) . ورغم أنه بقي بعض اليهود في فلسطين يتحدثون العبرية، إلا أن الآرامية حلت تماماً محل العبرية نحو ٢٥٠ ق. م. أما اللغات التي كان يستخدمها أعضاء الجماعات اليهودية في تعاملهم مع الآخرين بعد انتشارهم في العالم، فكانت في معظم الأحيان لغة الوطن الذي استقروا فيه وانتموا إليه، أو إحدى اللغات الدولية السائدة. فكان يهود بابل يتحدثون الآرامية، لغة التجارة الدولية والإدارة في الشرق الأدنى القديم. وكان يهود الإسكندرية في العصر الهيليني يتحدثون اليونانية، كما أن يهود فلسطين كانوا يتكلمون إما الآرامية أو اليونانية (جاء في العهد الجديد أن القديس بولس تحدَّث للناس في فلسطين باليونانية ثم تحدَّث معهم بالآرامية بعد ذلك) . وبعد انقسام الإمبراطورية الرومانية، كان يهود الإمبراطورية الشرقية يتحدثون لغة هذه الإمبراطورية، أي اليونانية (وظلوا يتحدثون بها حتى الفتح العثماني) . أما يهود الإمبراطورية الغربية وأفريقيا وغرب أوربا، فكانوا يتحدثون اللاتينية.
стр. 3242
ويبدو أن بعض يهود الإمبراطورية الإيرانية كانوا يتحدثون باللهجات الفارسية المختلفة (ففي سفر إستير ورد أن أعضاء الجماعات اليهودية كانوا يتحدثون بالفارسية مع الفرس بدون صعوبة) ، وكان يهود العالم العربي يتحدثون العربية في العالم العربي، وهكذا. وفي بعض الأحيان، كان أعضاء الجماعات اليهودية يستخدمون، في التعامل فيما بينهم، رطانات مُكوَّنة من لغة الوطن أو لغة المنشأ بعد أن يُدخلوا عليها بضع كلمات ومصطلحات عبرية أو آرامية أو ألفاظاً من أية لغة أخرى كانوا يتحدثون بها في البلد الذي كانوا فيه قبل هجرتهم. فيهود الأندلس، على سبيل المثال، كانوا يتحدثون رطانة تُسمَّى «العربية اليهودية» ، ويهود إسبانيا كانوا يتحدثون اللادينو. أما يهود أوربا الشرقية، فكانوا يتحدثون اليديشية، وهي رطانة ألمانية تحوَّلت في مرحلة لاحقة إلى ما يشبه اللغة المستقلة للحديث والكتابة. وفي القرن السادس عشر، يبدو أن معظم يهود العالم كانوا يتحدثون إما اليديشية (في أوربا) أو اللادينو (في الدولة العثمانية) . وكثيراً ما كان أعضاء الجماعات اليهودية يستخدمون الحروف العبرية في كتابة هذه الرطانات في المعاملات اليومية، مثل الفواتير التجارية أو غير ذلك من أمور الدنيا. ولم يكتب أعضاء الجماعات اليهودية بهذه الرطانات أدباً ذا بال، لا في الماضي ولا في العصر الحديث. وربما يمكن استثناء اليديشية من ذلك، فنظراً لأنها عمرت طويلاً (نسبياً) وأصبحت، مع القرن التاسع عشر، لغة مستقلة يتحدث بها معظم يهود العالم الغربي الذين كانوا مُركَّزين في روسيا وبولندا، فكُتب بها أدب شعبي للنساء والعامة في بادئ الأمر، ثم كُتبت بها أعمال أدبية بعضها يرقى إلى مستوى الأعمال الجادة. ولكن هذه المرحلة دامت فترة قصيرة للغاية بسبب اختفاء اليديشية.
стр. 3243
وفي محاولة تفسير وجود لغة أو رطانة أو لهجة خاصة بأعضاء الجماعات اليهودية، يمكن القول بأن كثيراً من الجماعات اليهودية شكلت جماعات وظيفية وسيطة تضطلع بدور التجارة والربا والأعمال الشبيهة الأخرى، ومثل هذه الجماعات كانت في العادة تربطها بالمجتمع علاقة موضوعية، الأمر الذي تطلَّب خَلْق مسافة بينها وبين المجتمع. واللغة الخاصة تزيد من غربة الجماعة الوظيفية وتزيد تجردها وتحتفظ لها بعزلتها وهو ما يُيسِّر اضطلاعها بدورها الخاص في المجتمع، فجماعات الغجر تتحدث لغة خاصة بهم تماماً كما كان المماليك يتحدثون الشركسية.
أما بالنسبة للغة التأليف الديني، فإننا نجد أن العهد القديم كُتب بعبرية العهد القديم التي اختفت كلغة مُستخدَمة بعد التهجير البابلي، ولذا نجد أن لغة التلمود هي الآرامية بالأساس. ومع هذا، ظلت العبرية لغة المؤلفات الدينية في معظم الأحيان وليس كلها، فوضع هليل وشماي مؤلفاتهما بالعبرية، في حين وضع المفكرون اليهود، في الإسكندرية في العصر الهيليني، مؤلفاتهم الدينية والدنيوية باليونانية. وكان موسى بن ميمون يكتب بالعربية، أما راشي، فكان يكتب بالعبرية، وكُتب معظم أدب القبَّالاه الصوفي بالآرامية. وظل هذا الوضع قائماً حتى القرن التاسع عشر، حين بدأ المفكرون اليهود يضعون مؤلفاتهم الدينية بلغة الوطن الأم وحسب. فكتب موسى مندلسون بالألمانية، وكذا كل المفكرين اليهود الإصلاحيين ومارتن بوبر. ويكتب كثير من المفكرين اليهود الآن، مثل جيكوب نيوزنر في الولايات المتحدة، مؤلفاتهم الدينية باللغة الإنجليزية، بل إن لغة الصلاة عند اليهود الإصلاحيين والمحافظين والتجديديين أصبحت الإنجليزية، ولا يستخدم العبرية سوى الأرثوذكس.
стр. 3244
أما بالنسبة إلى الكتابات التي تقع خارج نطاق التفكير الديني من أدب وفلسفة وعلم، والتي قام بوضعها مؤلفون يهود، وهم قلة نادرة حتى القرن التاسع عشر، فقد كانت اللغة منذ البداية لغة الوطن الأم. ففيلون السكندري وضع مؤلفاته باليونانية، وموسى بن ميمون كان يستخدم العربية، وكذلك معظم الشعراء اليهود في الأندلس. أما في العصور الوسطى في الغرب، فلم يظهر مؤلفون يهود يُعتد بهم حتى القرن السابع عشر حيث ظهر إسبينوزا، المنشق على اليهودية، الذي كتب مؤلفاته باللاتينية شأنه شأن كثير من الكُتَّاب الغربيين في عصره. وغني عن البيان أن المؤلفات غير الدينية للمؤلفين من أعضاء الجماعات اليهودية تُكتب كلها في الوقت الحاضر بلغة الوطن الذي يعيشون في كنفه. فيعقوب صنوع (الكاتب المصري اليهودي) كتب بالعربية، وهايني وماركس بالألمانية، وبروست بالفرنسية، ودزرائيلي وسول بيلو بالإنجليزية، بل إن معظم كلاسيكيات الفكر الصهيوني كُتبت بالألمانية أو الإنجليزية. وكان هرتزل لا يعرف العبرية ولا أبجديتها، لكنه حاول في المؤتمر الصهيوني الأول (١٨٩٧) أن يُدخل البهجة على قلوب الحاخامات الأرثوذكس فنطق ببعض كلمات عبرية كُتبت له بالأبجدية اللاتينية، وكتب فيما بعد في مذكراته ملاحظة يقول فيها: «إن محاولتي هذه قد سببت لي مشقة كبيرة تفوق كل متاعبي في الإعداد للمؤتمر» . وقد كان هرتزل ونوردو وكثير من المفكرين الصهاينة الأوائل، لا يؤمنون بوجود ما يُسمَّى الثقافة اليهودية. وقد سخر هرتزل من هذا المفهوم بصوت عال حينما طُرح لأول مرة في أحد المؤتمرات. ولم يكن هرتزل يتصوَّر أن تكون العبرية هي لغة الوطن القومي الذي يقترحه، إذ كان يرى أن كل مستوطن يهودي سيتحدث بلغته. وقد نشبت في السنين الأولى من الاستيطان حرب سُمِّيت «معركة اللغة» بين دعاة استخدام الألمانية من أتباع الاستعمار الألماني ودعاة استخدام العبرية من يهود شرق أوربا التابعين للاستعمار
стр. 3245
الإنجليزي.
ولغة يهود العالم الأساسية الآن هي الإنجليزية التي يتحدث بها يهود الولايات المتحدة وكندا وإنجلترا وأستراليا ونيوزيلندا وجنوب أفريقيا، وهؤلاء يشكلون الأغلبية العظمى من يهود العالم (وهذا يعود إلى ارتباط الجماعات اليهودية في العصر الحديث بالتشكيل الاستعماري الاستيطاني الغربي بشكل عام، والأنجلو ساكسوني على وجه الخصوص) ثم تأتي العبرية لغة يهود إسرائيل في المرتبة التالية، أما اليديشية فقد اختفت تماماً تقريباً في الولايات المتحدة، وهي آخذة في الاختفاء في روسيا. واللادينو لم يَعُد لها من أثر.
ويُقال إن تعدد لغات الجماعات اليهودية في شرق أوربا كان سبباً أساسياً في أزمة الهوية التي جابهوها، فقد كانت لغتهم المقدَّسة هي العبرية، ولغتهم القانونية هي الآرامية (لغة التلمود) ، ولغة الحديث هي اليديشية، ولغة المثل الأعلى الاندماجي هي الألمانية أو البولندية أو الروسية وأحياناً الأوكرانية، ولغة المثل الأعلى الصهيوني هي العبرية كلغة حديث لا كلغة عبادة. وكان يقابل هذه الانقسامات اللغوية انقسام طبقي واجتماعي. وساعدت كل هذه الانقسامات على تصعيد الأزمة.
ومع بدايات العصر الحديث وخروج اليهود من الجيتو، وبعد تحديثهم وزوال تميُّزهم الوظيفي، بدأت تختفي هذه الرطانات إذ طالبت الدولة القومية الحديثة أعضاء الأقليات بأن يكون انتماؤهم القومي لأوطانهم كاملاً. وتعرضت اليديشية بالذات لهجوم شديد، خصوصاً أن التجار اليهود كانوا يستخدمونها وهو ما كان يُسهِّل لهم غش الآخرين. وتظل الصورة اللغوية العامة بالنسبة لأعضاء الجماعات اليهودية في العالم، وفيما يختص بالحديث ولغة المعاملات اليومية، هي أنهم من ناحية الأساس يتحدثون لغة الموطن الذي كانوا يعيشون في كنفه.
اللغات السامية
Semitic Languages
стр. 3246
يضم الفرع السامي من اللغات عدداً من اللغات القديمة والحديثة. واللغات السامية من أقدم اللغات التي وصلت إلينا مدوَّنة، إذ دُوِّنت الأكادية عام ٢٥٠٠ ق. م، ودُوِّنت الأجريتية نحو عام ١٤٠٠ ق. م. وأقرب المجموعات اللغوية الأخرى إليها هي المجموعة الحامية، حتى أن بعض العلماء يجعلونها مجموعة واحدة: سامية حامية.
وثمة نواحي تشابه بين اللغات السامية في الخصائص الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية. أما من الناحية الصوتية، فإننا نجد أن اللغات السامية تضم مجموعة حروف الحلق (مثل: العين والحاء والغين والخاء) وهي موجودة في العربية، ومنها تداخلت في العبرية. ومن الناحية الصرفية، نجد أن اللغات السامية تتَّسم بوجود الفعل الثلاثي مصدراً أساسياً للتصريف (لبعضها أصل ذو حرفين) . وتصريف الفعل يتبع الأسلوب نفسه، ويتم اشتقاق معظم الكلمات بتغيير الصيغ التي يتوقف عليها نوع الدلالة. ومن ناحية الجنس النحوي، تُصنَّف الصيغ في اللغات السامية إلى مذكر ومؤنث، ومن ناحية العدد إلى مفرد ومثنى وجمع. ويوجد زمنان للفعل هما الماضي (التام وغير التام) والمضارع. وقد نشأ من اشتقاق الكلمات من أصل «فعل» أن سادت ما يمكن تسميته «العقلية الفعلية» ، إن صح هذا التعبير، على اللغات السامية، أي أن لأغلب الكلمات في هذه اللغات مظهراً فعلياً. وحتى الأسماء الجامدة والألفاظ الدخيلة التي تسربت من اللغات الأعجمية إليها، اكتسبت هي الأخرى هذه الصفة. والفعل في اللغات السامية هو كل شيء، فمنه تتكون الجملة. ولم يخضع الفعل للاسم والضمير، بل نجد الضمير مسنداً إلى الفعل ومرتبطاً به ارتباطاً وثيقاً.
وفي جميع اللغات السامية نجد تشابهاً بين الكلمات الأساسية كالضمائر الشخصية والأسماء التي تدل على القرابة والأعداد وأعضاء الجسم الرئيسية والنبات والحيوان:
إثيوبية (جعفرية) / أكادية / آرامية / عبرية / عربية
أحادو / إيدو / حاد / أحاد / أحد (واحد)
стр. 3247
شلاش / شلاشو / تلات / شالوش / ثلاثة
أم / أم / أم (أما) / أم / أم
ويرى بعض العلماء أنه كانت هناك لغة سامية واحدة تفرعت عنها كل هذه اللغات، وأن أقرب اللغات الحية إلى هذه السامية الأصل هي العربية.
وتُقسَّم اللغات السامية إلى قسمين أساسيين:
١ ـ السامية الشمالية: وتشمل الآشورية/البابلية، واللهجات الكنعانية المختلفة (العبرية والمؤابية والفينيقية واللهجات الآرامية والقرطاجية) .
٢ ـ أما السامية الجنوبية: فتشمل العربية الشمالية بلهجاتها المختلفة، والعربية الجنوبية، والإثيوبية.
وقد اشتبكت اللغات السامية في صراع مع بعضها البعض. وأول صراع حدث فيما بينها كان صراع الآرامية مع اللغات الأكادية والكنعانية. فقد اشتبكت الآرامية في صراع مع الأكادية أولاً وقضت عليها في أوائل القرن الرابع قبل الميلاد، ثم صرعت العبرية في أواخر القرن الرابع قبل الميلاد، وتغلبت على الفينيقية (في آسيا) في القرن الأول قبل الميلاد. وكان الصراع الثاني صراع العربية مع أخواتها. فاشتبكت في صراع مع اللغات اليمنية القديمة وقضت عليها قبيل الإسلام. ولم يفلت من هذا المصير إلا بعض مناطق متطرفة نائية ساعد انعزالها وانزواؤها على نجاتها، فظلت محتفظة بلهجتها القديمة حتى العصر الحاضر. ثم اقتحمت العربية على الآرامية معاقلها في الشرق والغرب وانتزعتها منها معقلاً معقلاً حتى تم لها القضاء عليها نحو القرن الثامن الميلادي. ولم يفلت من هذا المصير إلا بعض مناطق منعزلة لا تزال تتكلم اللهجة الآرامية إلى العصر الحاضر. وامتد أثر العربية إلى الأمم الآرية والطورانية التي اعتنقت الدين الإسلامي (الفرس والهنود والأتراك ... إلخ) ، فاحتلت لديها مكانة مقدَّسة سامية، وتركت آثاراً عميقة في كثير من لغاتها، فاتسعت بذلك مناطق نفوذها حتى بلغ عدد الناطقين بها والمتأثرين بها نحو خمسمائة مليون من سكان المعمورة.
العبرية: تاريخ
Hebrew:History
стр. 3248
العبرية إحدى اللغات السامية من المجموعة الكنعانية (مع المؤابية والفينيقية) ، كان يتحدث بها الكنعانيون ثم اتخذها العبرانيون (الذين كانوا يتكلمون إحدى اللهجات الآرامية القديمة) لغة لهم بعد تسلُّلهم إلى أرض كنعان. وسُمِّيت هذه اللغة «عبرية» في وقت متأخر من العصور الوسطى، فلا يوجد في صحف العهد القديم ما يدل على أنهم كانوا يسمونها بهذا الاسم، إذ كان يُشار إليها بمصطلح «يهوديت» (يهودي) أو «لسان كنعان» ، ولم يظهر مصطلح «لاشون عفريت» ، أي «اللسان العبري» ، إلا مع المشناه، ثم ورد نفس المصطلح في كتاب حكم ابن سيراخ وفي مصنفات يوسيفوس.
وعمر العبرية قصير جداً، كما أن بدايتها يلفها الغموض، فهي مجرد لهجة من لغة أكبر (اللغة الكنعانية) ؛ لهجة لم تكن قد نضجت أو تبلورت بعد. وتبين ألواح تل العمارنة أن العبارات الكنعانية التي توجد عليها قريبة من العبرية للغاية، وكذا النقوش المؤابية على الحجر المؤابي المعروف باسم «حجر الملك ميشع» . ويُقسِّم الباحثون تاريخ اللغة العبرية على النحو التالي:
أ) العبرية القديمة:
стр. 3249
يجد بعض الباحثين أن من الصعب إطلاق كلمة «العبرية» على تلك المرحلة الأولى من تاريخها فلم تكن قد توفَّر لها بعد أسباب الاستقلال اللغوي أو التمايز اللهجي (الرقعة الجغرافية المتسعة والتطور الطبيعي عبر الزمان) . وتُسمَّى عبرية هذه المرحلة «عبرية العهد القديم» أو «العبرية القديمة أو الكلاسيكية» أو «عبرية ما قبل المنفى» . وهي تتمثل في عبرية أسفار العهد القديم، وهي لغة دينية أساساً. وهذه العبرية استعارت كلمات كثيرة من اللغات المجاورة كالبابلية والآشورية والآرامية والمصرية القديمة والفارسية وأخيراً اليونانية. ويبدو أن العبرانيين كانوا يتحدثون بأكثر من لهجة من لهجات كنعان إذ كانت لهجة المملكة الجنوبية مختلفة عن لهجة المملكة الشمالية، كما يبدو أن المسئولين في البلاط الملكي في مملكة يهودا كانوا يتحدثون الآرامية. وظل العبرانيون يستخدمون هذه اللغة حتى التهجير البابلي في ٥٨٦ ق. م. ثم أخذت عوامل الاضمحلال تدخل عليها نظراً لظهور الآرامية كلغة لأعداد كبيرة من العبرانيين وكلغة للتجارة والإدارة في الشرق. ويبدو أنها اختفت تماماً حتى في فلسطين نحو عام ٢٥٠ ق. م.
ب) عبرية المشناه:
ظهرت بعد ذلك عبرية المشناه، وهي ليست مستقاة من عبرية العهد القديم وإنما هي عبرية مُشبَّعة بالآرامية أو آرامية مشوبة بمفردات عبرية وفارسية ويونانية ... إلخ. وأصبحت لغة الكتابة من القرن الأول قبل الميلاد على يد معلمي المشناه (تنائيم) ، ثم ماتت هذه العبرية تماماً مع القرن الثاني بعد الميلاد. وكانت الآرامية هي اللغة السائدة في فلسطين، قبل عصر المسيح وأثناءه وبعده، إلى جانب اليونانية. أما يهود الإسكندرية، فكانوا قد نسوا العبرية والآرامية تماماً مع القرن الثالث قبل الميلاد، وهو ما اضطر علماء اليهود إلى ترجمة أسفار موسى الخمسة إلى اليونانية (الترجمة السبعينية) .
جـ) العبرية الوسيطة:
стр. 3250
بعد انتشار اليهود في العالم القديم، استخدم يهود أوربا العبرية التلمودية في كتاباتهم الدينية أساساً، واستخدموا لغات البلاد التي يعيشون فيها للمؤلفات الدنيوية. واستخدم يهود البلاد العربية العبرية المستعربة، وهي عبرية في معظم المفردات الأساسية لكنها عربية النحو والدلالة والمفاهيم، كما استخدموا العربية في كتاباتهم الأخرى، وفي بعض الكتابات الدينية أيضاً مثل كتابات موسى بن ميمون الذي وضعها أصلاً بالعربية ولكن بحروف عبرية.
ومن العصور الوسطى في الغرب، أصبحت العبرية لغة دينية من ناحية الأساس، واقتصر استخدامها على الصلوات اليهودية وعلى الكتابات الدينية مثل المشناه وسائر كتب الهالاخاه والمدراش. أما الجماراه والباهير والزوهار، فكُتبت بالآرامية أساساً. ومع هذا، لم تكن «عبرية الصلوات» ذات سمات واحدة محدَّدة، إذ نجد أن النصوص العبرية التي يتعبد بها الإشكناز مختلفة عن تلك التي يتعبد بها السفارد، فتتسم الأخيرة بأنها أكثر فصاحة لمجاورتها اللغة العربية. ولذلك، ورغم التوجه الإشكنازي للدولة الصهيونية، فإن النطق المُعتَمد رسمياً للغة العبرية في التعليم والإذاعة والمسرح والأدب العبري الحديث هو النطق السفاردي للغة.
стр. 3251
وترتَّب على موت اللغة العبرية، واستخدامها في الصلوات وحسب، أن أصبحت تُسمَّى «اللغة المقدَّسة» (بالعبرية: لاشون هاقوديش) (وهذا تعبير آخر عن الاتجاه الحلولي الذي سيطر على اليهودية) . وكان يُظَن أن العبرية هي اللغة التي يتحدث بها الملائكة، مع أن معظم ما جاء في التلمود قد كُتب بالآرامية. ومما زاد من اتساع هالة القداسة، أن الكتب القبَّالية تُسبغ على الحروف العبرية دلالة صوفية حتى أنه يُقال إن الرب استخدم اللغة العبرية في خلق العالم، وحيث إن لكل حرف عبري مقابلاً عددياً، فقد استخدم الخالق حروف العبرية وأرقامها أداة لخلق التنوع والتعدد في العالم. وتعتمد كثير من القراءات القبَّالية والباطنية للعهد القديم على هذا التصور لوجود دلالة رقمية لكل حرف عبري، فيُترجَم النص إلى مقابله الرقمي وتُستَخلص الدلالات التي يريدها المفسِّر عن طريق الجمع والطرح والقسمة. وقد كان يهود الجيتو أسرى تقديس الحروف العبرية رغم أنهم لم يكونوا يتحدثون العبرية أو الآرامية. ولذلك كانت اليديشية (اللغة أو الرطانة التي يتحدث بها يهود شرق أوربا) مكتوبة بحروف عبرية، كما أنهم منعوا أطفالهم من الدراسة في مدارس الأغيار لأن التصور الذي كان سائداً بينهم أن اليهودي الذي ينظر إلى حروف غير عبرية تُحرَق عيناه يوم القيامة.
د (العبرية الحديثة:
стр. 3252
أُعيد بعث اللغة العبرية في العصر الحديث على يد مفكري حركة التنوير الذين حاولوا بعث ما تصوروه «التراث اليهودي» الأصلي. فتبنوا عبرية العهد القديم باعتبارها لغة خالصة، وأنتجوا أدباً حديثاً، ولكنهم فشلوا في المواءمة بين العبرية ومتطلبات العصر، وساعد على ذلك أن عبريتهم كانت قاصرة ومُتكلَّفة وجامدة، فاستعانوا بمفردات العبرية التلمودية، ثم لجأوا أخيراً إلى الاستعارة من اللغات الأوربية، وبخاصة الألمانية والروسية وغيرهما من اللغات. وبينما بلغ عدد مفردات عبرية التوراه ما بين ٧,٥٠٠ و٨,٥٠٠ كلمة، جاء قاموس العبرية الحديثة يضم ما يزيد على ٦٨,٠٠٠ كلمة. وظهرت أول مجلة عبرية في عام ١٨٥٦. وقد تبنى الصهاينة فكرة بعث العبرية باعتبار أن اللغة تعبير عن الشعب العضوي (فولك) وعن بُعْد أساسي من أبعاد الشخصية القومية، وتأثر الصهاينة في هذا بالفكر القومي العرْقي الغربي. ونجد أن الأدباء الذين يكتبون بالعبرية في العصر الحديث هم أيضاً من أهم المفكرين الصهاينة. ويمكننا أن نذكر من بينهم آحاد هعام وبياليك وتشرنحوفسكي. وقد حاول المفكر الصهيوني إليعازر بن يهودا إحياء العبرية، وقوبلت محاولته بعداء شديد في بادئ الأمر من قبَل اليهود المتدينين الذين كانوا يرون أن العبرية لغة مقدَّسة يجب ألا تُمتَهَن باستخدامها في الحديث اليومي.
стр. 3253
وقام صراع حول استخدام العبرية في الصلوات. وكان ذلك من المسائل الأساسية التي ناقشتها الفرق اليهودية المختلفة في العصر الحديث. فحاول الإصلاحيون استبعادها لتأكيد عدم ازدواج ولاء اليهود ولتشجيع اندماجهم الحضاري واللغوي مع الأمم التي يعيشون بين ظهرانيها، في حين حاول المحافظون والأرثوذكس (بدرجات متفاوتة) الإبقاء عليها. ونشبت حرب اللغة بين دعاة استخدام العبرية ودعاة استخدام الألمانية. وانتصرت العبرية في نهاية الأمر، فظهرت أول جريدة عبرية في فلسطين عام ١٨٨٦، وأصبحت لغة التعليم عام ١٩١٣ في مدارس المستوطنين الصهاينة في فلسطين، وعملوا على أن تعترف حكومة الانتداب بها، إلى جانب الإنجليزية والعربية، كلغة رسمية.
والعبرية الحديثة هي مزيج من كل المراحل السابقة للعبرية، إذ أخذت منها مختلف العناصر التي توائمها، وأصبحت المفردات والعبارات المستقاة من فترات مختلفة مترادفات، أما بناء الجملة فتأثر باللغات الأوربية. وقد نُحتَت كلمات عديدة، كما تم توليد معان جديدة من كلمات قديمة للتعبير عن المفاهيم الجديدة، ودخلت على العبرية الحديثة كلمات أجنبية كثيرة خصوصاً من الإنجليزية واليديشية. ومؤخراً، بدأ ينتشر في اللغة العبرية الإكثار من استخدام الاختصارات بدلاً من كتابة العبارة كاملة.
стр. 3254
والعبرية هي اللغة الرسمية في إسرائيل. بل تؤكد الحكومة الإسرائيلية لمواطنيها أن الرباط اللغوي يكاد يكون الرباط القومي الوحيد بينهم وليس التوراة، وذلك على اعتبار أن التراث الحضاري للجماعات اليهودية متنوع، كما أن الكتب الدينية اليهودية متنوعة وبعضها مكتوب بالآرامية ولا يؤمن به كثير من الإسرائيليين. وتحاول الحكومة الإسرائيلية استخدام اللغة كأداة لتذويب الفوارق القومية الدينية، فالعبرية أحد أُسُس أسطورة «بوتقة الصهر» الإسرائيلية. وقد جعلت إسرائيل المشاركة في الأعمال ذات الأهمية والحساسية في الدولة مقصورة على من يجيد العبرية. كما أن الجيش الإسرائيلي (أهم عناصر التكامل الاجتماعي في إسرائيل) يُدرِّس العبرية للمجندين القادمين من أطراف العالم ليصبغهم بالصبغة القومية المرجوَّة. كما أنه يتعيَّن على كبار موظفي الحكومة أن يعبرنوا أسماءهم.
ورغم كل هذه المحاولات، يبدو أن عملية الدمج لم تنجح بَعدُ تماماً. ويتضح هذا من عدد الصحف التي تظهر بلغة البلاد الأصلية التي هاجر منها الإسرائيليون، كما أن الإذاعة الإسرائيلية تذيع برامج بلغات عديدة، مثل: اليديشية والفرنسية والإنجليزية والرومانية والتركية والفارسية والعربية والروسية والإسبانية، ولكن معظم الإسرائيليين يتحدثون العبرية خارج منازلهم. أما داخلها، فإنهم يتحدثون إما لغة الموطن الذي جاءوا منه وإما العبرية باللهجة التي يعرفونها. ولكن الصابرا يتحدثون العبرية داخل المنازل وخارجها، فهي اللغة الأم بالنسبة إليهم.
стр. 3255
ونجم عن هذا الوضع ظهور مستويات مختلفة للغة العبرية إذ توجد عبرية أدبية متعددة الانتماءات، فهناك عبرية توراتية وأخرى تلمودية متأثرة بالآرامية وثالثة يديشية (أي متأثرة لغوياً بالتراث اليديشي) . وهناك عبرية نمطية يتعلمها الطلاب في المدارس، وهي مبنية على نمط النحو العربي الذي قاس اللغويون اليهود عليه نحوهم منذ العصر الأندلسي ثم هناك العبرية التي يستخدمها العامة. ومن الجدير بالذكر أن مستويات نُطْق العبرية تختلف من فئة اجتماعية لأخرى تبعاً لاختلاف أصولهم. وثمة تهاون من جانب المستوطنين الصهاينة في إخراج الحروف من مخارجها، فهم مثلاً ينطقون العين كالهمزة والحاء كالخاء والراء غيناً والطاء تاء والقاف كافاً، كما يهملون الإدغام إهمالاً شبه تام. وقد لاحظ برنارد أفيشاي، أحد مؤرخي الحركة الصهيونية والأستاذ بمعهد ماساشوستس للتكنولوجيا، أن اللغة العبرية لغة متحجرة جامدة، كما يرى أن هذه الخاصية تركت أثرها في الخطاب السياسي الإسرائيلي وعلى الفكر السياسي للإسرائيليين، وهي وجهة نظر خلافية تستدعي الدراسة والنظر.
стр. 3256
وهناك أسلوب في الحديث يُسمَّى «الأسلوب الدوغري» (تُكتب في المراجع بالحروف اللاتينية dughri) وهو أسلوب مباشر في الحديث كان في الماضي ينم عن الإحساس بالتضامن وشيء من الوقاحة، ولكن يُقال إن التضامن قد بدأ يتراجع وأصبحت الطريقة الدوغري تعبيراً عن وقاحة الأجيال الجديدة وحسب. ويشكو كثير من الزوار اليهود لإسرائيل من فظاظة الإسرائيليين في الحديث. وقد أسَّس الكنيست عام ١٩٥٣ أكاديمية اللغة العبرية لتطوير اللغة العبرية وهي تابعة للجامعة العبرية وتنشر قواميس متخصصة وقوائم مصطلحات ولكن قراراتها غير ملزمة. والإسرائيليون، شأنهم شأن كثير من البشر، يتسمون بالكسل اللغوي. فعلى سبيل المثال صاغت الأكاديمية كلمة تسيمريا tzimriya (من كلمة «صوت» العبرية) للإشارة إلى السويتر، ولكن الجميع يفضلون كلمة «سفيتر» . كما دخلت كلمات إنجليزية كثيرة مثل «لداسكيس» بمعنى «يُناقش» (من مصدر تو دسكس to discuss) ، و «لتربيد» (من مصدر تو توربيدو to torpedo) كما دخلت كلمات «هامبورجر» و «فوت بول» و «الفريزر» (كما هو الحال في العربية الحديثة) .
ومع وصول المهاجرين الروس بدأت اللغة الروسية تنافس اللغة الإنجليزية. فكلمة «بروتكشن protection» أي «حماية» ) وهي كلمة شائعة في عالم الجريمة المنظمة) تتنافس مع كلمة «بروتكسيا proteksia» ذات الأصل الروسي والتي تعني «الواسطة» (أو كما يُقال في العامية المصرية «الكوسة» ) .
стр. 3257
ويشهد الكيان الصهيوني الآن بعثاً لليديشية، وهو تعبير عن محاولة الارتباط بماض ثقافي حي وثري (الأمر الذي لا يتوافر في العبرية) وعن أزمة الهوية في إسرائيل. ومما يزيد الوضع تعقيداً أن موجات المهاجرين تزيد من خلخلة هذه الوحدة المرجوة لأن كل مهاجر يُحضر معه انتماءه الحضاري واللغوي وهو ما يضمن للرطانات واللهجات اليهودية قدراً من الاستمرار والحياة. ومعنى ذلك أن الصورة العامة للعبرية الآن، على مستوى الجماعات اليهودية في العالم، هي كما يلي:
стр. 3258
لا تزال العبرية لغة القلة من اليهود إذ يتحدث أعضاء الجماعات اليهودية لغة أوطانهم بما في ذلك ما يكتبونه عن أنفسهم وعن اليهودية، فيتحدث أكثر من عشرة ملايين يهودي الإنجليزية، ويتحدث مليونان الروسية وعدة آلاف تتحدث اليديشية (لكن عددهم آخذ في التناقص بسرعة) ، وأكثر من مليون ونصف المليون يتحدثون لغات أخرى مثل الفرنسية في فرنسا وغيرها أو الإسبانية أو البرتغالية لغة يهود أمريكا اللاتينية. ولا يتحدث العبرية سوى ٣٨% من الإسرائيليين، وهم لا يتحدثونها طوال الوقت. ويبدو أن لغة الغالبية العددية من أعضاء الجماعات اليهودية في العالم هي الإنجليزية، فيهود الولايات المتحدة وإنجلترا وجنوب أفريقيا وكندا ونيوزيلندا، أي معظم يهود العالم، يتحدثونها ويكتبون بها، كما أن معظم الإسرائيليين يعرفونها. ويفضل كثير من العلماء الإسرائيليين نشر أبحاثهم بالإنجليزية حتى يكون لهم جمهور واسع من القراء. وقد أطلق أحد الصهاينة مصطلح «الهيلينية الجديدة الإنجليزية» على هذا الاتجاه، أي أنه قَرَن هذا الاندماج اللغوي والحضاري اللغوي بالاندماج الذي مارسه اليهود من قبل في العصر الهيليني. وتوجد جماعات صغيرة من المتحدثين بالعبرية في أنحاء العالم (الولايات المتحدة وألمانيا) من النازحين من إسرائيل. وقد ورد في أحد التحقيقات الصحفية أن العبرية لغة القوادين في هولندا لأن كثيراً من البغايا وقواديهم من بين هؤلاء النازحين.
وبحسب قانون الدولة الصهيونية، هناك لغتان رسميتان: العبرية والعربية. وتُكتَب معظم اللافتات باللغتين، ومن الاستثناءات المهمة لافتات المكاتب التابعة لوزارة الزراعة التي تُكتَب بالعبرية فقط. ويختلف الأمر في الأحياء التي يقطن فيها اليهود إذ تختفي اللافتات العربية. كما أن الشركات الخاصة لا تستعمل العربية. هذا إلى جانب أن برامج تدريس العربية للأطفال الإسرائيليين اليهود آخذة في التراجع.
الأبجدية والنحو العبري
стр. 3259
Hebrew Alphabet and Grammar
يميل علماء اللغة إلى تأكيد أنه لا توجد علاقة كبيرة بين اللغة كنسق والكتابة. وأن طريقة الكتابة لا تؤثر في اللغة من قريب أو بعيد. وإن كان هناك الآن من يميل إلى رؤية أن ثمة علاقة ما بين نسق اللغة وطريقة كتابتها. ويُقسَّم تاريخ الكتابة إلى خمس مراحل مختلفة:
١ ـ في المرحلة الأولى: كانت كل كلمة أو دال عبارة عن صورة مجردة للمدلول، وهو ما يُسمَّى «الكتابة التصويرية» (بالإنجليزية: «بكتوجرافيك pictographic» ) ، فللتعبير عن «سمكة» مثلاً نرسم صورة لها، وللتعبير عن «ثور» نرسم صورة لرأسه وقرنيه، وللتعبير عن «القمح» نرسم سنبلة. وكان يُرمَز للأفعال بضروب من الأساليب البارعة، فصورة القدم تعني الذهاب وصورة فم الرجل مع إضافة العلامة الدالة على الخبز أو الماء تعني الأكل أو الشرب، وهكذا. وكانت هناك دوال مختلفة بعدد المدلولات، كما هو الحال في لغة سكان أمريكا الأصليين.
٢ ـ وفي المرحلة الثانية: تجمدت الرموز الدالة وأصبحت أشكالاً أو صوراً ثابتة مجردة علاقتها ليست مباشرة مع المدلول، فكتابة الصور الدقيقة والخطوط المقوسة على الصلصال الأملس لم يكن أمراً يسيراً، كما أن النزوع الإنساني نحو التجريد قد ساهم في هذه العملية. ومن ثم، تحولت الرسوم المختلفة إلى مجموعات من الخطوط على نمط خاص تمثل فقط الفكرة التي تدل على أصولها، ومن ثم سميت الرموز التصويرية (بالإنجليزية: «إيديوجرام ideograms» ) ، كما هو الحال في الكتابة الصينية ويبلغ عدد الكلمات في هذه المرحلة الآلاف.
стр. 3260
٣ ـ وفي المرحلة الثالثة: اقترن صوت معيَّن ونُطْق معيَّن بصورة معيَّنة دون ارتباط بين هذا النطق وبين ما كانت الصورة تعبِّر عنه. فالكلمة الدالة هنا تشير إلى مقطع من الكلمة وحسب وليس إلى كلمة بأسرها. فكلمة «لبن» في السومرية هي «جا» . ولذا، أصبحت كلمة «جا» تستعمل لكتابة المقطع «جا» بغض النظر عن معناه. وعلى هذا المنوال، أمكن كتابة مقاطع أخرى، وأمكن بضم بعضها إلى بعض كتابة كلمات أو أجزاء من كلمات كما في صيغ الأفعال دون الرجوع إلى الرموز التصويرية، فلكتابة كلمة «جاز» (ومعناها «كسر» ) كانت تُكتَب العلامة «جا» (الدالة على «اللبن» ) ثم العلامة «آز» الدالة على «الدب» ، وهذه هي الكتابة الصوتية، وكان اختراعها خطوة واسعة إلى الأمام نحو تبسيط نظام الكتابة، ولكنها كانت أيضاً شديدة الصعوبة فالقيم الرمزية للعلامات لم تختف تماماً، فكان كثير من العلامات يُفسَّر إما على أساس رمزي أو على أساس صوتي، حسب السياق. هذا إلى جانب أن معظم الرموز، وهي وافرة الكثرة، تتألف من علامات لكل منها أكثر من قيمة صوتية، فالعلامة المشتقة من قدم الإنسان كانت تُقرأ جين gin (بمعنى سار) أو جاب gub (بمعنى وقف) أو تام tum (بمعنى حمل) . وكانت الكتابة الآشورية والمصرية تأخذ هذه الصبغة التصويرية والمقطعية.
٤ ـ وفي المرحلة الرابعة: تخصَّصت بعض العلامات لتدل على الحروف الجامدة، وقد جعلوا هذه الحروف تمثل صوت الكلمة الأولى التي اقتُبست منها على أن تُفهَم الحروف المتحركة من السياق. ويبدو أن المصريين القدامى كانوا أول من طوَّر هذه الأبجدية، ويُقال إنه تم تطويرها في مناجم سيناء حيث كان من الصعب كتابة الهيروغليفية، وهي لغة تصويرية رمزية، فتم تبسيطها وظهرت الحروف عام ١٨٠٠ ق. م.
٥ ـ أما المرحلة الخامسة: فكانت تتعلق بالساكن والمتحرك من الحروف. وعادةً ما يكون عدد رموز هذا النظام الهجائي حوالي ثلاثين.
следующие страницы →