Полный текст (8 511 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.
стр. 3291
وللغة اليديشية قيمة عالية في وجدان يهود شرق أوربا، فهي الوعاء الذي يحوي تراثهم الحيوي (لا موروثهم الديني الجامد) والذي عبَّروا عن تجربتهم التاريخية في شرق أوربا من خلاله، ولذلك فثمة حنين عاطفي لها في الدولة الصهيونية بين شباب الصابرا (الإشكناز) الذي يجدون أن العبرية لغة جامدة لا جذور لها، تفتقر إلى امتداد تاريخي يتصورون وجوده في اليديشية بدرجة أكبر. وقد أسقط بعض الإسرائيليين الأسماء العبرية التي اختاروها واستعادوا أسماءهم اليديشية التي كانوا قد أسقطوها. وكثير من المفكرين الصهاينة وأعضاء النخبة الحاكمة في إسرائيل (من الجيل القديم) يتحدثون اليديشية.
ولا تزال اليديشية لغة الدراسة بالمدارس الدينية العليا (يشيفا) في إسرائيل، كما أن نواطير المدينة (ناطوري كارتا) ، وهم جماعة يهودية أرثوذكسية معادية للصهيونية، يتحدثون اليديشية على اعتبار أن العبرية لغة الصلاة وحسب. وهي أيضاً اللغة التي يتحدث بها المهاجرون الإشكناز من شرق أوربا، ولذلك أصبحت اليديشية إحدى علامات التميز الاجتماعي في إسرائيل. ويُلاحَظ أن اليديشية مازالت مستخدَمة داخل بعض المنازل هناك، ويتعلمها الشباب سماعياً، ولكنهم لا يقرءونها ولا يكتبون بها. ويتكلف بعض الشباب في إسرائيل التحدث باليديشية، حتى السفارد ويهود العالم الإسلامي، إذ أن ذلك يجعلهم بحسب تصوُّرهم من الطبقة الحاكمة، ويعطيهم من ناحية أخرى قدراً من الرضاء الذاتي بالحصول على قيمة ثقافية يهودية، كما يُسهِّل في الوقت نفسه عملية الاتصال بالعناصر المهاجرة الجديدة. وتصدُر في إسرائيل عدة صحف ومجلات باليديشية، ولا يزال هناك أدباء يكتبون بها في كلٍّ من إسرائيل والولايات المتحدة، بعضهم صهيوني والبعض الآخر إما معاد لها أو غير مكترث بها.
مؤتمر تشيرنوفتس
Czernowitz Conference
стр. 3292
«مؤتمر تشيرنوفيتس» مؤتمر عُقد عام ١٩٠٨ ليُحدِّد دور اليديشية في حياة أعضاء الجماعات اليهودية، وقد دعا إلى عقد المؤتمر كل من نيثان برنباوم وحاييم جيتلوسكي. ونادى المؤتمر بالاعتراف باليديشية باعتبارها اللغة القومية «الوحيدة» ليهود شرق أوربا. وبطبيعة الحال، حدث صراع حاد بين دعاة اليديشية والعبرية. وقد وصل المؤتمر إلى صيغة وسط حيث اعتُبرت اليديشية «لغة قومية» (ضمن لغات أخرى) .
معهد البحوث اليهودية (ييفو (
Yivo
» ييفو» مختصر لعبارة «يديشر فيسينشافتليكر إنستيتوت «Yidisher Visenshaftlekher Institut» ، وهي عبارة يديشية تعني «معهد البحوث اليهودية» الذي أسسته مجموعة من العلماء اليهود عام ١٩٢٥ في فلنا (ليتوانيا) لدراسة حياة الجماعات اليهودية في جميع أنحاء العالم، خصوصاً يهود اليديشية، وقد كان لهذا المعهد فروع في ثلاثين بلداً. وانتقل المعهد إلى نيويورك مع الحرب العالمية الثانية ونُقلت معه مكتبة فلنا، وتغيَّر اسمه من «معهد البحوث اليهودية» إلى «ييفو: معهد البحوث اليهودية» . وينشر المعهد عدة مطبوعات وكتباً، ولكنه يعاني أزمة مالية دائمة نظراً لاختفاء اللغة اليديشية وبالتالي عدم وجود قطاعات يهودية مهتمة بتمويله. كما أن المؤسسة الصهيونية تفضل تخصيص الاعتمادات للدراسات العبرية ولدعم المستوطَن الصهيوني. ولذا، فإن المعهد يعيش على معونات الحكومة الأمريكية. وتُدار جلسات مجلس إدارة المعهد بالإنجليزية. ويصدر المعهد حولية، كما يصدر بعض الكتيبات العلمية.
اللادينو
Ladino
стр. 3293
كلمة «لادينو» تحريف لكلمة «لاتينو» ، واللادينو لهجة إسبانية، ولذا فهي تسمَّى أحياناً «إسبانيولي» ، كما يُطلَق عليها أحياناً «رومانسي» ، و «جوديزمو» . ويتحدث بهذه اللهجة اليهود السفارد، وبخاصة يهود المارانو. وتتكون مفردات اللادينو من إسبانية العصور الوسطى (القشطالية) بعد أن دخلتها بضع كلمات من العبرية والتركية واليونانية، وبعض المفردات من اللهجات الإسبانية الأخرى والبرتغالية، غير أن نسبة العناصر الدخيلة على إسبانية اللادينو غير كبيرة كما هو الحال في اليديشية. وتُستخدَم في اللادينو أيضاً النهايات العبرية التي تدخل على الكلمات العبرية. وقد ظهرت هذه اللغة في القرون التي سبقت طرد اليهود من إسبانيا عام ١٤٩٢. وهي أساساً لغة حديث، ولذا فإن معظم ما كُتب بها كان مجرد شروح على الكتاب المقدَّس.
وكانت اللادينو تُكتَب بالحروف العبرية، ولكن المتحدثين بها الآن يكتبونها بالحروف اللاتينية. وهناك نصوص كُتبت باللادينو في العصور الوسطى. لكن أول كتاب مطبوع بهذه اللغة ظهر في القسطنطينية عام ١٥١٠، كما طُبعت بها بعض الروايات والجرائد في القرن التاسع عشر. وقد سادت اللادينو بين الجماعات اليهودية في الدولة العثمانية. وكان أهم مراكزها، حتى الحرب العالمية الثانية، مدينة سالونيكا اليونانية، عاصمة اليهود السفارد.
стр. 3294
واللادينو على وشك الاختفاء، شأنها في ذلك شأن كل الرطانات التي تتحدث بها الجماعات اليهودية المختلفة في العالم، وذلك بسبب الاندماج أو الهجرة إلى إسرائىل. ويتراوح عدد اليهود الذين كانوا يتحدثون اللادينو، أو على الأقل يفهمونها، بين ٢٠٠ ألف و٣٠٠ ألف، حيث كانوا ينتشرون في حوض البحر الأبيض المتوسط وفي الولايات المتحدة. وتتأثر لهجة المتحدثين باللادينو بلغة البلد الذي يعيشون فيه، فالمتحدث باللادينو في يوغوسلافيا يستخدم مفردات سلافية، أما المتحدث بها في تركيا فيميل إلى استخدام اللغة التركية. وفي إسرائيل، تصدر في الوقت الحالي بعض المطبوعات باللادينو، لكن عدد المتحدثين بهذه اللغة يكاد ينعدم تماماً.
الإسبرانتو
Esperanto
«إسبرانتو» كلمة مُخلَّقة تعني «الذي عنده أمل» . وقد نشر لودفيج زامنهوف (١٨٥٩ ـ ١٩١٧) وهو لغوي من يهود اليديشية (ومن أعضاء جماعة أحباء صهيون) مخططاً للغة دولية جديدة (عام ١٨٧٧) بتوقيع «الدكتور إسبرانتو» ، وقد أصبحت الكلمة اسماً للغة التي وضعها.
ويستند نحو الإسبرانتو إلى التركيب النحوي في اللغات الأوربية. ولكن نحو الإسبرانتو بسيط إذ يتكون من ١٦ قاعدة ويخلو من أي شواذ. وقواعد اشتقاق الكلمات بسيطة إذ يمكن توليد كل الكلمات المطلوبة من عدد صغير من الكلمات الأساسية البالغ ٩٠٠ كلمة وحسب (بالقياس إلى حوالي ٢٠ ألف كلمة في كل لغة) . ومن ثم فمفرداتها لا نهاية لها، ولكن من السهل تذكرها. وقد فكر زامنهوف أن يجعل الإسبرانتو لغة المستوطَن الصهيوني، لكن إليعازر بن يهودا كان قد بدأ عملية بعث العبرية.
стр. 3295
وقد عُقد أول مؤتمر للإسبرانتو في فرنسا عام ١٩٠٥، ثم عُقدت عدة مؤتمرات حتى بداية الحرب العالمية الأولى. ومع أنه هناك عدة محاولات أخرى لتطوير لغات عالمية، فإن الإسبرانتو لا تزال هي أشهر هذه اللغات. ويبدو أن زامنهوف كان يدور في إطار فكر عصر الاستنارة الذي يُعادي كل الخصوصيات حتى يظهر الإنسان الطبيعي، ومن ثم فقد طوَّر لغة طبيعية عالمية علمانية محايدة تقترب من حالة الجبر والهندسة، معقمة من التاريخ والزمان والإنسانية. ولذا فهي لغة طبيعية وُلدت ميتة، وقد لاحظ دارسو الإسبرانتو أنها تصلح للتعبير عن الحاجات المادية (الطبيعية) للإنسان (مثل طلب الطعام والشراب) إلا أنها لا تصلح للتعبير عن أية قضايا إنسانية مركبة (تلك القضايا التي يتعامل معها الدين والفلسفة) . ومن الطريف أن زامنهوف حاول تطوير ديانة عالمية طبيعية محايدة (مثل الإسبرانتو) سماها الهليلية (نسبة إلى الحاخام هليل الذي كان يدَّعي زامنهوف أنه من نسله) . ولا شك في أنه كان يهدف من مساعيه العالمية هذه أن يتوصل إلى بنىًّ فكرية وفلسفية لا تتمتع بأية خصوصية قومية أو دينية وتقضي على أي تطلُّع إنساني أو ديني.
стр. 3296
الباب الحادى عشر: المفكرون من أعضاء الجماعات اليهودية
الفكر اليهودي والمفكرون اليهود
Jewish Thought and Jewish Thinkers
تُطلَق عبارة «فكر يهودي» أحياناً على الكتابات التي يكتبها مفكرون من أعضاء الجماعات اليهودية ( «المفكرون اليهود» في المصطلح الشائع) ، وكأن هناك عناصر يهودية متكررة تربط بين كتابات هؤلاء المفكرين وتضفي عليها درجة من الوحدة. ويمكننا أن نسأل: ما الوحدة التي تربط كتابات يوسيفوس فلافيوس ويهودا اللاوي وإسحق لابيرير ويعقوب صنوع ومراد فرج وألبير ميمه، حتى يمكن تصنيف فكرهم على أنه يهودي؟ فإسحق لابيرير وألبير ميمه فَقَدَا الإيمان الديني، ومراد فرج يهودي قرّائي ويوسيفوس يهودي متأغرق، أما يهودا اللاوي فهو من اليهود المستعربة، وتأثرت عقيدة كلٌّ منهم بمحيطه الحضاري.
ومن ناحية الانتماء الحضاري ولغة الكتابة والتقاليد الفكرية، فإن يوسيفوس جزء من التراث الهيليني، ويهودا اللاوي جزء من التراث العربي الإسلامي القديم، على عكس يعقوب صنوع ومراد فرج فهما جزء من التراث العربي الإسلامي في مصر. وكل مؤلف من هؤلاء يكتب بلغة مختلفة تماماً عن لغة الآخر. وتتنوع القضايا التي يتعامل معها هؤلاء المفكرون والكُتَّاب بتنوع لغاتهم وحضارتهم، وإن بقيت عناصر مشتركة فلن تكون لها قيمة تفسيرية أو تصنيفية كبيرة. ولذا، قد يكون من الأفضل الحديث عن مفكرين من أعضاء الجماعات اليهودية بسبب المقدرة التصنيفية والتفسيرية العالية لهذا التعبير، فهو يؤكد عدم التجانس والتنوع، ويمكن داخل هذا الإطار أن نشير إلى المفكرين من أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب باعتبار أن لهم بعض السمات المشتركة التي يكتسبونها من داخل التشكيل الحضاري الغربي لا رغماً عنه أو من خارجه.
стр. 3297
وقد تزايد بروز المفكرين اليهود في الحضارة الغربية مع تزايُد حلوليتها وتزايُد عدميتها في مرحلة الحلولية بدون إله. وحينما ظهر نيتشه الذي أعلن موت الإله، تلبست النيتشوية المفكرين اليهود في أواخر القرن التاسع عشر، إذ كانت الحلولية اليهودية قد توصلت إلى النيتشوية قبل نيتشه (على حد قول آحاد هعام) . ومما لا شك فيه أن غربة المثقف اليهودي في مجتمعه عمقت اغترابه وموقفه النقدي والعدمي. ونحن نرى أن هذه العناصر جعلت المثقفين اليهود أكثر حداثة وأكثر امتلاكاً لناصية الخطاب الحضاري الغربي الحديث، ومن ثم أكثر بروزاً.
ومع هذا، حتى لا نسقط في التعميمات البسيطة والاختزالات السهلة، لنا أن نلاحظ أن من الأنماط التي تتواتر بين المثقفين من أعضاء الجماعات اليهودية، أن عدداً لا بأس به منهم ينتمون إلى زمرة المثقفين التي تحاول الاحتفاظ بالوظيفة النقدية للعقل، بحيث لا يُستوعب العقل في المادة ويظل متجاوزاً وبشكل دائم للأمر الواقع والوضع القائم، أي أنهم يحاولون تخطِّي الحلولية الكامنة في الفكر العلماني المادي عن طريق افتراض وجود نقطة ثبات خارج النسق (شيستوف ولا محدودية الاحتمالات ـ إرنست بلوخ والإمكانية الإنسانية التي لم ولن تتحقق، أي مقولة «ليس بعد» ـ العداء بين المعرفة والدولة عند ولتر بنجامين ـ القيم الأخلاقية الدائمة عند ليو ستراوس ـ المجال الخاص الذي يستطيع الفرد أن يفكر فيه وأن يحكم ضميره عند أرنت ـ التعددية التي لا يمكن اختزالها عند أيزياه برلين ـ المسيحية وسيمون فاي ... إلخ) . ويُلاحَظ وجود الظاهرة نفسها عند بعض الفلاسفة وعلماء الاجتماع والنفس من أعضاء الجماعات اليهودية.
مفكرون ومثقفون من أعضاء الجماعات اليهودية
Thinkers and Intellectuals from Members of Jewish Communities
стр. 3298
نفضل استخدام مصطلح «مفكرون ومثقفون من أعضاء الجماعات اليهودية» بسبب مقدرته التصنيفية والتفسيرية العالية، فهو يؤكد عدم التجانس كما يؤكد التنوع والانفصال بين المفكرين اليهود. ونحن في هذه الموسوعة، نفرق بين «الفكر» و «الفلسفة» . وهو فصل متعسف بعض الشيء، بخاصة في العصر الحديث، حيث نجد أن جزءاً كبيراً من التفكير الفلسفي يتم من خلال دراسات في اللغة (تشومسكي وفتجنشتاين ودريدا) والأنثروبولوجيا (كلود ليفي شتراوس) وعلم النفس (فرويد) وعلم الاجتماع (أدورنو وهوركهايمر) . ومع هذا، فإن الفصل هنا ذو فائدة تصنيفية، من منظور هذه الموسوعة، بل وله فائدة تفسيرية أيضاً.
يهودا اللاوي (١٠٨٠-١١٤١)
Judah Halevy
شاعر وطبيب ومفكر عربي يهودي يُكنَّى بأبي حسن اللاوي. وُلد في طليطلة التي احتفظت بطابعها الإسلامي لبعض الوقت حتى بعد أن استولى عليها المسيحيون. وتلقَّى تعليمه في إسبانيا الإسلامية حيث درس اللغة العبرية وعلوم الدين اليهودي والفلسفة وكذلك اللغة العربية وآدابها والطب. وعندما تقدم به العمر، خرج من الأندلس إلى الإسكندرية، ثم ذهب إلى دمياط حيث مكث عامين يعمل بالتجارة، ومنها سافر إلى القاهرة التي خلبه جمالها وكتب قصائد في وصفها. ثم توجه إلى الشام حيث مات هناك. وتقول الأساطير التي ترددها الكتب الصهيونية إن عربياً قتله برمحه وهو على مشارف القدس. ويبدو أنه وقع تحت تأثير الأفكار المشيحانية، فتصوَّر أن العصر المشيحاني وانهيار حكم المسلمين في الأندلس هو عام ١١٣٠. وبطبيعة الحال، لم يتحقق هذا الحلم أو غيره من أحلامه المشيحانية الأخرى.
стр. 3299
ويُعَدُّ اللاوي من أشهر شعراء العبرية في عصره، فقد امتلك ناصية الشعر العبري بعد تأثره بالشعر العربي وأوزانه وأدخل كثيراً من مضامينه وأشكاله على الشعر العبري. وكتب اللاوي كثيراً من القصائد ذات الأغراض الدنيوية (مثل الحب ووصف الطبيعة) . كما كتب قصائد في المدح والمناسبات كافة، فكتب قصائد ذات طابع ديني مثل «أغنية إلى صهيون» ، وتحدث عن الأرض المقدَّسة التي سكن فيها الرب، وعن اختياره الشعب اليهودي رغم معاناة أفراده، وعن رغبته في العودة. ونظم بعض القصائد للمناسبات الدينية مثل الاحتفال بالسبت والأعياد وأيام الصوم، ووجدت هذه القصائد طريقها إلى كل كتب صلوات العيد (ماحزور) .
اتخذ اللاوي موقفاً معادياً للفلسفة، وقال إن الفلسفة من عبث العقل، وتبدَّى موقفه هذا في شعره الديني. ولكن أهم مؤلفاته هو كتاب الخزري (سيفر هاكوزاري) الذي يُعرَف أيضاً باسم الحجة والدليل في نصر الدين الذليل. وقد أُلف الكتاب بالعربية ودُوِّن بحروف عبرية حتى لا يُتداول إلا بين اليهود، وهو يُعَدُّ من كلاسيكيات الفكر العربي اليهودي. والكتاب يدور حول حادثة تهود بولان، ملك الخزر، ولا يعدو أن يكون صدى لبعض التيارات الفكرية في العالم الإسلامي. فقد انتشر علم الكلام بين كثير من المفكرين اليهود وسيطر تماماً على فكر القرّائين الذين تبنوا العقل وجعلوه الأساس الوحيد للتفسير والاجتهاد. وكتاب الخزري هو رد اللاوي على هذا الاتجاه متأثراً في شكله وفكره بمؤلفات الغزالي (١٠٥٨ ـ ١١١١) . ويأخذ الكتاب شكل مناظرة بين حاخام يهودي وقس مسيحي وشيخ مسلم وفيلسوف أرسطي، ويعرض كل واحد منهم وجهة نظره، وبعد الحوار الطويل (وبعد أن يعرض كلٌّ موقفه) يختار ملك الخزر اليهودية ويعتنقها.
стр. 3300
ويُهاجم اللاوي الفلسفة اليونانية ويُبيِّن عجز العقل عن الوصول إلى الحقيقة. ولذا، فهو يعتقد أن الفلسفة لابد أن تظل في خدمة الدين. وكان اللاوي يتصور أن الإسلام والمسيحية يرتكزان على شخصيتي محمد ﵊ والمسيح ﵇، وأن القرآن (لأنه مكتوب بالعربية) موجه إلى العرب وحسب، على حين أن اليهودية لا تدور حول شخص، وإنما تستند إلى الشعب اليهودي الذي اختصه الرب بالتوراة دون شعوب الأرض. ويعبِّر تاريخ هذا الشعب عن الإرادة الربانية، ومن ثم فهو تاريخ مقدَّس.
ومن أهم القضايا التي طرحها اللاوي في كتابه قضية النبوة، فهو يرى أن ملَكة النبوَّة مقصورة على أقلية منذ آدم ولا تظهر إلا في فرد واحد في كل جيل. وهذه المَلَكة انتقلت من إبراهيم إلى إسحق ومنه إلى يعقوب ومن يعقوب إلى كل شعب يسرائيل وهو الشعب الوحيد الذي ظهر بينه العديد من الأنبياء. ولكن ملَكة النبوَّة ليست كافية في حد ذاتها لأن يصبح المرء نبياً. وهنا يورد اللاوي صورة الكرمة الرفيعة المجازية التي يجب أن تُزرع في تربة خاصة، ويُعتنى بها بمهارة غير عادية قبل أن تُعطي العنب الذي يمكن استخلاص الخمر الفاخر منه. وهكذا النبوَّة، لا يمكنها أن تزدهر إلا في أرض خاصة وهي أرض يسرائيل، وتحتاج إلى طريقة خاصة للعناية بها وهي اللغة العبرية، وقوانين الكتاب المقدَّس الشعائرية.
стр. 3301
وتحت هذه الظروف فقط، يستطيع الأنبياء أن يسمعوا الكلمة المقدَّسة ويُدركوا الرؤىا السماوية. وبهذا، يمكن تفسير عدم ظهور أنبياء في يسرائيل بعد النفي. ولن تتحقق موهبة يسرائيل ولن تعود مقدرتها على التنبؤ إلا بعد عودتها إلى الأرض. وهذا الرأي يربط من جهة بين النبوَّة وتميُّز يسرائيل وبين عناصر طبيعية وبيولوجية، ويربط بين الحلولية اليهودية التقليدية وصورة الطبيعة العضوية المجازية من جهة أخرى. وهو، بهذا، يُعَدُّ أحد رواد الفكر الصهيوني الذي يربط بين الشعب والأرض واللغة والرب ويراها جميعاً كلاًّ عضوياً ملتحماً بسبب حلول الرب في مادة يسرائيل المقدَّسة. وهذه الفكرة تشبه فكرة الشعب العضوي (فولك) الألمانية.
ثم يتوجَّه اللاوي إلى مشكلة الشعب الذليل الذي قد يُؤخذ عذاب أفراده قرينة على رفض الرب لهم. وهنا يلجأ اللاوي إلى تفسير طريف بقدر ما هو ملتو، إذ يقول إن الأمم لا تُباهي بمحاربيها وملوكها وإنما بشهدائها (وهنا يظهر التأثير الواضح للفكر المسيحي عليه بتأكيد حادثة الصلب باعتبارها حادثة ذات دلالة عميقة على عكس الإسلام الذي يؤكد نصر الله والفتح) . وبالتالي، يكون العذاب ميزة، وهي ميزة يتمتع بها اليهود. ولعل القصور الوحيد عند اليهود يكمن في أنهم لا يتعذبون برضاهم. ولكنه يستدرك قائلاً: إن عذاب اليهود مسألة تتم باختيارهم، إذ أن بمقدور اليهودي أن يهرب من معاناته باعتناق دين آخر. ثم يضيف أن هناك هدفاً وراء معاناة اليهود، فيسرائيل هي بمثابة القلب بين أعضاء الجسد، وهذه فكرة صهيونية أخرى، حيث تمنح الشعب اليهودي مركزية في الكون والتاريخ الإنساني.
ابن كمونة (١٢١٥-١٢٨٥ (
Ibn Kamuna
стр. 3302
ابن كمونة اسم الشهرة لسعد بن منصور بن سعد بن الحسن الإسرائيلي. عاش في بغداد وعَمل بعض الوقت مع الغزاة المغول الوثنيين. ارتبطت شهرته بكتابه الجديد في الحكمة، وهو الكتاب الذي نال اهتماماً خاصاً من المسلمين وأعضاء الجماعات اليهودية. مع أن لابن كمونة مؤلفات أخرى، مثل التذكرة في الكيمياء، وشرح كتاب الإشارات والتنبيهات لابن سينا، وشرح كتاب التلويحات العرشية للسهروردي، وتنقيح الأبحاث في البحث عن الملل الثلاث. وهذا الكتاب الأخير مطبوع مع ترجمة للإنجليزية (جامعة كاليفورنيا ١٩٦٧، نشرة موسى برلمان) . أما الكتب الأخرى فهي في حكم المفقود. يتناول الكتاب النقاش الدائر بين أتباع الديانات الثلاث (اليهودية والمسيحية والإسلام) ، ويبدأ بفصل تمهيدي عن النبوة بشكل عام ثم يُتبعه بفصول عن النبوة في الديانات الثلاث تتسم بالموضوعية. كما يتبدَّى في الكتاب تعَاطُف ابن كمونة مع الاتجاهات العقلانية (مقابل الاتجاهات الصوفية والإشراقية) . ولكن مادة الكتاب في معظمها اقتباسات من كتابات ابن سينا والغزالي وموسى بن ميمون (دون أن يعيِّن المصدر) . وقد نسب البعض لابن كمونة كتاب إفحام اليهود مع ادعاء أنه أسلم في آخر حياته! وهو خلط بين ابن كمونة والسموأل، فالأخير هو الذي أسلم وألَّف الإفحام.
стр. 3303
ويُعدُّ الجديد في الحكمة أحد أهم المؤلفات الفلسفية (ذات الطابع الديني) في القرن السابع الهجري. ومع أن مؤلفه يهودي الديانة، إلا أن الكتاب يحمل طابع الثقافة الإسلامية الأصيل آنذاك؛ فهو مكتوب بلغة عربية فصيحة، ويعالج القضايا نفسها التي عالجها المسلمون آنذاك، مستخدماً مصطلحاتهم وتقسيمهم للقضايا. بل يعكس ابن كمونة، بقوة، طابع الثقافة الإسلامية التي كان المسلمون يبدأون بها مؤلفاتهم؛ يقول ابن كمونة بعد البسملة: أحمد الله تعالى حمداً يُقرِّب إلى جنابه الكريم، ويُوجب المزيد من فضله وإحسانه؛ وأستغفره استغفاراً يؤمِّن من عقابه الأليم، ويُخلِّد في الفردوس الأعلى من جنانه؛ وأسأله الهداية إلى صراطه المستقيم، بإلهام الحق وإنارة برهانه [لاحظ السجع التبادلي المُركَّب بين العبارات] . وبعد، فقد اتفق أرباب العقائد العقلية، والديانات النقلية، على أن الإيمان بالله، واليوم الآخر، وعمل الصالحات؛ هو غاية الكمالات الإنسانية ... إلخ.
ولا يحمل الجديد في الحكمة أي جديد مخالف لما قرره العلماء المسلمون السابقون على ابن كمونة، وبخاصة متكلمو المعتزلة والأشاعرة، فهو يكاد يلخص أقوالهم، أو بالأحرى: ينتقي من أقوالهم أشهرها. ومهما فتَّشنا في هذا الكتاب، فلن نجد دليلاً واحداً ـ ظاهراً أو مستتراً ـ على يهودية مؤلّفه ابن كمونة؛ حتى أنه لم يفعل كسلفه موسى بن ميمون الذي كان ينثر في كتابه دلالة الحائرين بعض آيات التوراة بين آراء متكلمي المسلمين، ليُضفي طابعاً يهودياً مُصطَنعاً على ثقافته العربية الإسلامية.
وقد كتب ابن كمونة كذلك كتيباً عن الفرق بين اليهود الحاخاميين والقرّائين. ولا تشير المصادر اليهودية إلى ابن كمونة.
إسحق لابيرير (١٥٩٤ أو١٥٩٦-١٦٧٦)
Isaac La Peyrere
стр. 3304
عالم لاهوت فرنسي من أصل ماراني وأحد نقاد العهد القديم. وُلد في بوردو، وكانت مركز تجمُّع اليهود المارانو، ونُشِّئ على العقيدة الكالفنية إذ كان من الهيجونوت.
كتب مؤلفاً بعنوان الإنسان قبل آدم، صُودر عند نشره وإن استمر تداوله مخطوطاً في فرنسا وهولندا والدنمارك. كما كتب عام ١٦٤٣ كتاباً ذا طابع صهيوني مشيحاني يُسمَّى استدعاء اليهود. وفي عام ١٦٤٤، ذهب لابيرير إلى كوبنهاجن مع السفير الفرنسي، وألَّف كتابين عام ١٦٤٧ عن جرينلاند وأيسلندا يعدان من الدراسات الأنثروبولوجية الرائدة.
وقد أطَّلعت الملكة كريستينا على مخطوطة كتاب الإنسان قبل آدم وحثته على نشره على نفقتها، فطُبع عام ١٦٥٥ في كلٍّ من أمستردام وبازل، وظهرت خمس طبعات لاتينية عام ١٦٥٥ وطبعة إنجليزية عام ١٦٥٦ وطبعة هولندية عام ١٦٦٦، وقد أُحرق الكتاب في كل مكان بسبب أطروحاته المهرطقة القائلة بأن آدم لم يكن الإنسان الأول، وأن العهد القديم ليس سجلاً لتاريخ الجنس البشري وإنما لتاريخ اليهود وحسب، وأن موسى لم يكتب أسفار موسى الخمسة وأنه لا توجد نسخة دقيقة واحدة من الإنجيل. وأُلقي القبض عليه، ولم يُفرَج عنه إلا بعد أن تكثلك وعبَّر عن ندمه أمام البابا. وقد فعل هذا من أجل التقية على طريقة المارانو قائلاً إن هرطقاته هي نتيجة تنشئته الكالفنية، وأنه على الرغم من عدم اتفاق كل اليهود والمسيحيين معه، ورغم أنه لم يعثر على أية شواهد توراتية أو عقلية ضد نظرياته، إلا أنه سيتخلى عنها كلها لأن الكنيسة قررت أنها خاطئة. ومع هذا، استمر لابيرير في جمع الشواهد على نظرية الوجود الإنساني قبل آدم.
стр. 3305
ويذهب بعض المؤرخين إلى أن لابيرير هو من آباء الصهيونية التي تضرب بجذورها في مشيحانيته المارانية، إذ ذهب في كتابه استدعاء اليهود إلى أن الماشيَّح على وشك الظهور، وأنه سيقود اليهود إلى صهيون بمساعدة ملك فرنسا، وأن عودتهم شرط انتصار المسيحية. والكتاب مليء بالصور القبَّالية والغنوصية.
وتبيِّن كتابات لابيرير تداخل عدة موضوعات أساسية في الحضارة الغربية الحديثة (المشيحانية ونهاية التاريخ والاستعمار والعلمانية والصهيونية) . وتوجد نقط تشابه كثيرة بين لابيرير وإسبينوزا الذي تأثر به، ولعل هذا رافد قبَّالي آخر يصب في فكر إسبينوزا. ويُبيِّن لابيرير مدى تأثير الفكر الماراني على مسار الفكر الغربي الحديث.
مراد فرج (١٨٦٦-١٩٥٦)
Murad Faraj
كاتب مصري يهودي قرّائي كان يكتب بالعربية والعبرية، صدر له حوالي ثلاثين مجلداً من الأشعار والكتابات الدينية والقانونية. وقد وُلد مراد فرج في القاهرة ودرس المحاماة وعمل بالحكومة المصرية خلال عهد الخديوي عباس حلمي، واهتم بشئون طائفة اليهود القرّائين ومشاكلها، وقام بتحرير جريدة الطائفة التهذيب حيث نشر كثيراً من مقالاته الأولى. واشتغل بالمحاماة بعد استقالته من وظيفته وحتى عام ١٩٣٢، ثم تفرغ بعد ذلك تماماً للأنشطة الأدبية.
ونشر مراد فرج كثيراً من مقالاته وأشعاره في الصحف والمجلات المصرية مثل جريدتي الجريدة والمؤيد. وتناولت مقالاته قضايا فلسفية وفكرية واجتماعية متعددة، وبخاصة في مجال العلاقة بين الطوائف الدينية. ولم تتناول مقالاته الأحداث السياسية برغم سخونة الأحداث في تلك الفترة باستثناء مقال واحد دعا فيه إلى ضرورة الوحدة الوطنية بين عناصر الأمة الثلاثة: المسلمين والمسيحيين واليهود، وناشد المسلمين بمعاملة غير المسلمين على قدم المساواة.
стр. 3306
كما صدر لفرج مجموعة من الأشعار (أثنى عليها الشاعر المصري الكبير أحمد شوقي من قبيل المجاملة، فليس فيها ما يميزها عن غيرها من المجموعات الشعرية التي يكتبها صغار الشعراء في كل العصور) من أهمها ديوان فرج الذي صدر في خمسة مجلدات في الفترة بين عامي ١٩١٢ و١٩٣٥، ومجموعة الشعراء اليهود العرب التي صدرت بين ١٩٢٩ ـ ١٩٣٢. كما أصدر عام ١٩٤٥ مجموعة أخرى من الأشعار بالعربية والعبرية.
وقد كتب فرج جميع أعماله الدينية بالعربية ما عدا عملاً واحداً. ومن بين هذه الأعمال القرّاءون والربانيون (١٩١٨) ، واليهودية (١٩٢٠) ، وتفسير التوراة (١٩٢٨) ، والقدسيات والتي ترجمها إلى العبرية عام ١٩٢٣. وتناول فرج في هذا العمل الأخير كثيراً من القضايا اليهودية؛ خصوصاً علاقة اليهود بغير اليهود، والمشروع الصهيوني في فلسطين، والذي أبدى فرج بعض التعاطف معه رغم انتمائه القرّائي.
وقد تفرغ فرج خلال الأعوام العشرين الأخيرة من حياته لكتابة معجم مقارن للغتين العربية والعبرية، كما قام بترجمة أجزاء من العهد القديم إلى اللغة العربية. وانتُخب عام ١٩٣٦ عضواً في مجمع اللغة العربية. وليس هناك بُعد يهودي في كتابات مراد فرج إلا مجموعة الكتب والدراسات التي كتبها عن اليهود واليهودية (وهي لا تتسم بكثير من العمق) .
فرتز هابر (١٨٦٨-١٩٣٤)
Frtiz Haber
стр. 3307
كيميائي فيزيائي ألماني يهودي حاصل على جائزة نوبل. وُلد في برسلاو ابناً لتاجر كيماويات وأصباغ ناجح. درس الكيمياء وحصل على الدكتوراه من جامعة برلين، وعُيِّن عام ١٩٠٦ أستاذاً في الكيمياء الفيزيائية والكهربائية. ونجح من خلال أبحاثه العلمية في الوصول لقانون في الكيمياء أصبح يحمل اسمه، إلا أن أهم أعماله كانت في مجال تطوير عملية إنتاج مادة النشادر عن طريق دمج عنصري الهيدروجين والنيتروجين كيميائياً. ومُنح هابر جائزة نوبل عام ١٩١٨ عن هذا الإنجاز العلمي. وقامت بعض الشركات الألمانية الكبرى بتطوير هذه المادة صناعياً واستغلالها تجارياً، كما كانت هذه المادة ذات أهمية كبرى للمجهود الحربي الألماني خلال الحرب العالمية الأولى، وبخاصة في إنتاج المتفجرات. وفي عام ١٩١١، عُيِّن هابر أول رئيس لمعهد قيصر فيلهلم للبحوث في برلين. وفي عام ١٩١٤، تم توجيه نشاط المعهد للمجهود الحربي الألماني، خصوصاً باتجاه الحرب الكيماوية، حيث أشرف هابر على عمليات تطوير واستخدام غازات الكلور والخردل. وعقب انتهاء الحرب عمل هابر على تطوير المعهد حتى أصبحت ألمانيا في العشرينيات الدولة الأولى في العالم في مجال الكيمياء الفيزيائية. وانتُخب هابر رئيساً للجمعية الألمانية الكيميائية. وبعد أن أمضى عدة أشهر في اليابان، قام بتأسيس «معهد اليابان» في كلٍّ من طوكيو وبرلين بغرض تدعيم العلاقات الثنائية والتفاهم بين البلدين. كما أجرى هابر بعض الأبحاث لمحاولة استخراج الذهب من مياه البحر وذلك لمساعدة ألمانيا في دفع تعويضات الحرب.
وكان هابر رافضاً لأصوله اليهودية، بل ترك العقيدة اليهودية وتنصَّر. ولذلك، لم يتعرض لأي تهديد أو اضطهاد عندما وصل النازي إلى الحكم في ألمانيا عام ١٩٣٣. ولكنه استقال من رئاسة المعهد بعد أن رفض طلب الحكومة النازية بطرد جميع العاملين اليهود بالمعهد. وقد سافر عقب ذلك إلى سويسرا حيث تُوفي في إحدى المصحات.
стр. 3308
جوستاف لانداور (١٨٧٠-١٩١٩)
Gustav Landauer
مفكر ألماني فوضوي اشتراكي وابن تاجر ثري. درس الفلسفة ولكنه طُرد من الجامعة بعد أن حُكم عليه بالسجن عام ١٨٩٣ لأنه حرَّض مجموعة من العمال على الثورة. ثم قُبض عليه مرة أخرى عام ١٨٩٦ وهو يدعو إلى التمرد.
يتسم فكر لانداور بأنه فكر صوفي عضوي حلولي فوضوي، فقد تأثر بأفكار الفوضوي الروسي كروبتكين. وقام لانداور بترجمة أعمال المتصوف الألماني مايستر إيكهارت إلى الألمانية الحديثة. ووجد أن فلسفة صديقه فريتز ماوثنر في اللغة قد فتحت آفاقاً عظيمة لكل من التعددية الفلسفية والصوفية، فهي فلسفة إلحادية تماماً ترى أن كل فكر يُرد إما إلى المادة أو إلى أوهام الإنسان. وهي فلسفة أعلنت أن من المستحيل الوصول إلى أية حقيقة من خلال اللغة، وهو ما يعني أن الحقيقة فردية نسبية، وما يقوله شخص لا يفهمه شخص غيره، ومن هنا التعددية (الفوضوية) والنسبية والفردية الصوفية. وقد رفض لانداور أية سلطة أو إدارة مركزية واقترح بدلاً من ذلك ما سماه «الرابطة الاشتراكية» التي ستحل محل الدولة والاقتصاد الرأسمالي. فطالب بثورة يلعب فيها الأفراد (لا الطبقة العاملة) دوراً أساسياً، أفراد سيقومون بصياغة علاقات تعاونية جديدة لتؤسِّس أسلوباً جديداً للحياة من خلال القدوة الحسنة وليس من خلال السياسة أو الحزب.
وحينما اندلعت الحرب العالمية الأولى عارضها لانداور، وتحمَّس لانتفاضة بافاريا، ودعاه إيسنر (رئيس وزراء جمهورية بافاريا) إلى ميونيخ وعيَّنه وزيراً، وقد استمر في منصبه بعد اغتيال إيسنر وبعد إعلان بافاريا جمهورية سوفيتية.
стр. 3309
وكان لانداور، رغم فوضويته وفرديته، يؤمن بفكرة الديكتاتور العادل الذي يعرف مصلحة رعاياه خيراً منهم، كما كان يرى أن الفكرة المشيحانية في اليهودية فكرة ثورية إلى أقصى حد. فاليهود شعب ينتظر الماشيَّح والمنفى، ولذا فإنهم يقومون بتثوير كل الشعوب. وهم يُعتبرون، على أحد المستويات، بمثابة ماشيَّح الشعوب، وكان يرى أن خلاص اليهود والإنسانية شيء واحد لا يتجزأ. بل إنه كان يرى أن سنة اليوبيل في اليهودية تجعل من الثورة الدائمة أساس الدستور الاجتماعي.
ورغم أن لانداور كان ملحداً، يهودياً غير يهودي، إلا أن استخدامه بعض الأفكار والمصطلحات اليهودية جعل الكثيرين يعتبرونه مسئولاً عن كثير من الجرائم التي ارتكبتها جمهورية بافاريا. كما ارتبط اسمه بالدعاية المعادية لليهود باعتبارهم من دعاة الفوضوية، والفوضىون مسئولون عن ضعف ألمانيا. وقد قُتل لانداور في الشارع حينما وصلت القوات الألمانية النظامية وقضت على الجمهورية.
صدرت للانداور رواية عام ١٨٩٣، كما صدرت له مجموعة قصص قصيرة عام ١٩٠٣، وله دراسات في أعمال شكسبير المسرحية وفي النظرية الاشتراكية. وقد أثر فكر لانداور في كثير من المفكرين اليهود والصهاينة، خصوصاً مارتن بوبر، ويبدو أن معظم أفكار بوبر الاشتراكية الصوفية تعود إلى لانداور.
ويبيِّن فكر لانداور الصوفي الحلولي مدى تداخل الفكر الديني اليهودي بالفكر المسيحي في عصر الحلولية والعلمانية. ويبدو أن إيكهارت (المسيحي) أثر في لانداور (اليهودي) الذي أثر بدوره في بوبر (اليهودي) الذي ترك أثراً عميقاً في الفكر الديني المسيحي واليهودي في العصر الحديث.
إرنست بلوخ (١٨٨٥-١٩٧٧ (
Ernst Bloch
стр. 3310
فيلسوف ألماني ماركسي يهودي. نشر كتابه روح اليوتوبيا (المدينة المثالية) عام ١٩١٨، وهو خليط غريب من التصوف اليهودي والهرطقات المسيحية والرومانسية الألمانية والمشيحانية الماركسية. وكان بلوخ مُعجباً بجيوردانو برونو ونيكولاس كوزا والمتصوفين المسيحيين الذين رأوا مملكة الرب باعتبارها إمكانية كامنة في الإنسان. هاجر بلوخ إلى الولايات المتحدة عام ١٩٣٨، وبعدها كتب أهم أعماله مبادئ الأمل وهو دراسة ضخمة في الفكر الطوباوي. وقد وُصف بلوخ بأنه رومانتيكي ماركسي أو حتى اشتراكي تلمودي. بينما يصف هو فلسفته بأنها الأمل في المستقبل، وهو يرى أن الفن والدين هما مستودع الحاجات الروحية والتطلعات المثالية (الطوباوية) التي تكافح لتعبِّر عن نفسها. فالفن والدين يحتويان على ما يُسميه بلوخ «فائض الحضارة» بما يتجاوز الواقع وما هو مُعطي وتاريخي ومادي، ومن ثم فالفائض الحضاري هو المثالي والطوباوي، هو الأمل الذي يتجاوز الواقع. ويرى بلوخ ضرورة أن تحتفظ النظرية الثورية بهذا اللب الطوباوي للدين والفن كأفق تاريخي للجدلية التاريخية. ولذا يجب على النظرية الثورية أن تفهم فكرة التجاوز الدينية والخلاص والتطلع للحياة الآخرة.
стр. 3311
ويمكن القول بأن بلوخ يحاول أن يولّد ثنائية داخل النظام المعرفي المادي (تجاوز من خلال المادة) حتى يحتفظ بروح الثورة والأمل؛ ثنائية تشبه الثنائية التقليدية. وبالفعل يتحدث عن أن الأمل الطوباوي يشغل الحيز نفسه الذي كان يشغله الإله من قبل. ولذا تظهر داخل فلسفته ثنائية هيومانية: الإنسان مقابل المعطيات الجامدة وكل ما يشيّئه. فهو يرى على سبيل المثال أن مصدر الثورة هو التناقض بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج (على حد قول النظرية الماركسية التقليدية) ، ولكن «اتجاه» الثورة هو أمر كلي ونهائي (تطلق عليه الديانات لفظ «إسكاتولوجي» أو «تيليولوجي» ، أي «علم نهاية الأشياء» ) . وهذا تعبير عن ثنائية عالم الأشياء مقابل اليوتوبيا. والإنسان نفسه تعبير عن هذه الثنائية، فهناك قوانين التاريخ الحتمية والأفق المادي الذي يعيش فيه، ولكن هناك أيضاً داخل الإنسان إمكانيات لم تتحقق بعد. فهو يعيش في أفق «ليس بعد» (بالألمانية: نوخ نيخت Noch-Nicht) . وهذه الإمكانية المثالية الطوباوية هي التي تحرك الإنسان وهي التي تجعل الطفرات النوعية نحو الجديد ممكنة وهو ما يعني وجود انقطاع في التاريخ، أي أن الحديث عن الحتمية التاريخية (كما يفعل الماركسيون الآليون) أمر لا معنى له. هذا لا يعني أن الممكن، غير المتحقق، (ما ليس بعد) منفصل عن الحقيقي، فهو إرهاص له، هو طريق الخلاص للإنسان ولكنه خلاص يتحقق داخل العالم المادي. ولذا، ينادي بلوخ بإنسانية ثورية، أي إنسانية تحقق للإنسان، إمكانياته من خلال نضال ثوري وتحوُّل اجتماعي (هذا في مقابل ما يُسميه «الإنسانية البورجوازية» التي تُمجِّد الإنسان كوضع قائم في المجتمع البورجوازي) .فالإنسان «ليس بعد» لأنه مقيد بالأحوال الاجتماعية والتاريخية المحيطة به والمؤسسات التي تمنعه من تحقيق إمكانياته. وغاية الفلسفة معرفة هذه الإمكانية التي لم تتحقق، ومن ثم فإن المعرفة الفلسفية معرفة ثورية لأنها تدفع صاحبها
стр. 3312
إلى ما ليس بعد. كما تدفع العالم من حوله نحو الأفضل وتقوده إلى الحرية. وبدون هذا العنصر المثالي الطوباوي فإن الماركسية ستتشيأ وتسقط في العقلانية التكنولوجية وتصبح مرتبطة بالوضع القائم الملحد الذي يُعطل الروح الإنسانية ويقضي عليها (أي يقضي على ثنائية الإنسان والأشياء) ولا يُبقي سوي فرد متشيئ ذي بُعد واحد وفردوس متشيئ.
ومن الواضح أن بلوخ يبذل قصارى جهده للهروب من انغلاق النسق المادي ومن السقوط في نهاية التاريخ، حتى لا يضيع الحلم الإنساني الطوباوي تماماً. ومع هذا تُطل إشكالية نهاية التاريخ برأسها القبيح، إذ يُبشر بلوخ بفردوس أرضي يمكن أن يتحقق إذا ما تم تحرير كل من قوى الإنتاج (المادية البرانية) وقلب الإنسان وعقله وخياله (الروحي الجواني) في مجتمع ديموقرّاطي حقيقي دون اغتراب أو قمع للذات. حينئذ سيظهر في العالم شيء يظهر لنا جميعاً في طفولتنا - شيء لم يصله أحد منا بعد - المنزل/الدار. وهكذا تتحقق الإمكانية وتكتمل الدائرة وتعود البراءة الأولى في العصر المشيحاني (هل تختفي حينئذ «ليس بعد» ؟ أم أن هذا الفردوس ليس نهاية المطاف؟ (.
стр. 3313
ومن الواضح أن بلوخ، في فلسفته العامة، لا يفرد دوراً خاصاً لليهودي، كما أنه لم يتناول الموضوع اليهودي بكثير من الإفاضة والتفصيل. ومع هذا، نجد أنه في كتابه روح اليوتوبيا يخصِّص فصلاً يُسمَّى «رمز اليهود» ، وهو من المقالات النادرة التي كتبها بلوخ عن اليهود. يرفض بلوخ كلاًّ من الموقف الاندماجي والموقف الأرثوذكسي. كما أنه يرفض الصهيونية، إذ أنها ستُحوِّل يهودا (أي فلسطين) إلى دولة آسيوية صغيرة. وتظهر الموضوعات القبَّالية اللوريانية ومفهوم إصلاح الخلل الكوني (تيقون) في كتابه توماس موزنر: لاهوتي الثورة (١٩٢١) . ومن الواضح أن مصادره القبَّالية ليست بالضرورة يهودية، بل إن القبَّالاه المسيحية تلعب دوراً أكثر فعالية في فكره، ولذا نجد أن اهتمامه الأساسي ينصب على حركات الهرطقة المسيحية في القرن السادس عشر باعتبارها إرهاصات للمدن المثالية الثورية الحديثة.
وتُشير بعض فصول كتاب مبادئ الأمل، كفصل «موسى: اليوتوبيا في الدين، الدين في اليوتوبيا» ، إلى التراث الديني اليهودي باعتباره أحد المصادر الروحية للفكر الطوباوي. كما أن هناك فصلاً عن الصهيونية يوجه فيه بلوخ النقد لصهيونية هرتزل ويُسمِّيها «صهيونية بورجوازية» لأنها دعوة قومية، تخاطب اليهود دون غيرهم، وتطالب بأرض ودولة، بينما يجد هو أن اليهودية أكثر رحابة من ذلك، فالعالم بأسره هو وطنها. ويجد بلوخ أن أصدق مثل على ذلك هو كتابات المفكر موسى هسّ الذي يُحوِّل النزعة الطوباوية المثالية في اليهودية إلى نزعة عالمية. وهذه، بطبيعة الحال، قرّاءة شديدة التحيُّز لهذا المفكر الصهيوني الذي يطالب بتأسيس دولة اشتراكية يهودية تقوم بطرد الفلسطينيين وتحقيق الأمن والعدالة لليهود!
ويرى إرنست بلوخ أن معاداة اليهود هي شكل من أشكال الحقد على الإمكانيات الطوباوية التي يمتلكها اليهود داخل الحضارة الغربية (وهو موقف لا يختلف كثيراً عن موقف مدرسة فرانكفورت (.
стр. 3314
وقد عاد بلوخ إلى ألمانيا الشرقية بعد عام ١٩٤٨، ولكنه تركها عام ١٩٦١ إلى ألمانيا الغربية بعد اختلافه مع النظام الشيوعي، ومع هذا ظل بلوخ ماركسياً حتى وفاته. وقد دافع عن حق الدولة الصهيونية في الوجود عام ١٩٦٧، وهو في هذا لا يختلف عن كثير من المثقفين الغربيين.
ليو ستراوس (١٨٨٩-١٩٧٣ (
Leo Strauss
فيلسوف وعالم سياسي ألماني أمريكي يهودي. وُلد في ألمانيا، واشتغل عام ١٩٢٥ في أكاديمية البحوث اليهودية في برلين. ومع صعود النازي إلى السلطة، هاجر ستراوس إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث قام بالتدريس في المدرسة الجديدة للبحوث الاجتماعية في نيويورك في الفترة بين عامي ١٩٣٨ و١٩٤٩ ثم في جامعة شيكاغو عام ١٩٦٨.
стр. 3315
وفي أعماله يتناول ستراوس الفكر السياسي الغربي بالنقد والتحليل، ويهتم بشكل خاص بقضية الخلاف بين فكر القدماء وفكر المحدَثين، وقضية الخلاف بين الفلسفة والدين. وقد قاده ذلك إلى دراسة وتحليل نصوص القدماء والبحث عن كيفية استيعاب المفكرين والكتاب اليهود والمسلمين خلال العصور الوسطى للفلسفة اليونانية. وتبنَّى ستراوس نهجاً في دراسته يهدف إلى تفسير النَّص وفقاً لمفهوم المؤلف نفسه للنَّص، وهو في ذلك يؤكد أهمية وقيمة النَّص في ذاته، ولكنه يرفض المنهج التاريخي الذي يسعى إلى تفسير وتأويل النصوص على ضوء اعتبارات نفسية واجتماعية خارجية، كما يرفض استخدام المعايير والمفاهيم الحديثة في تفسير النصوص القديمة. ولذلك، عمل ستراوس على محاولة تفسير النصوص واستخلاص معانيها الكامنة من خلال تحليل بنيانها وفهم أسلوب المؤلف في الكتابة. وقام بالتمييز بين المعنى البسيط أو الخارجي للنص والمعنى الخفي المركب الكامن بداخله، وهو تمييز ظل متَّبعاً منذ القدم وحتى القرن التاسع عشر حيث كان كثير من الكتاب والفلاسفة يخفون آراءهم الحقيقية والمخالفة للمعتقدات الدينية والسياسية السائدة وراء ستار من اللغة والأساليب الأدبية التي لا تبدو مخالفة في ظاهرها. ولذلك، يجب أن يسعى تحليل وتفسير نصوص القدماء إلى استخلاص المفاهيم والمعاني الكامنة وراء السطور. وفي كتابه الاضطهاد وفن الكتابة (١٩٥٢) يبيِّن ستراوس، من خلال دراسته لأعمال موسى بن ميمون ويهودا اللاوي وإسبينوزا، ماهية «فن الكتابة بين السطور» عن طريق معرفة كيفية «القرّاءة بين السطور» . ويتناول الموضوع نفسه في كتابه كيفية دراسة كتاب دلالة الحائرين (لموسى بن ميمون) الذي يعطي الباحثين والدارسين في هذا المجال أدوات اكتشاف ما هو كامن ومستتر في كتاب الدلالة. كما كانت دراسته حول فكر إسبينوزا نقد إسبينوزا للدين الصادرة عام ١٩٣٠ بداية في هذا الاتجاه.
стр. 3316
ومن خلال تحليله ودراسته نصوص وفكر القدماء، عمل ستراوس على إبراز قيمة الفكر السياسي الكلاسيكي بالمقارنة بالفكر الحديث. وتبيِّن أعماله، مثل ما الفلسفة السياسية (١٩٥٩) والحق الطبيعي والتاريخ (١٩٦٥) والليبرالية: القديمة والحديثة (١٩٦٨) ، مدى انتمائه للتيار المحافظ في الولايات المتحدة، وهي تتضمن نقداً للليبرالية الحديثة التي يرى ستراوس أنها حافلة بالمشاكل الجوهرية التي لا سبيل إلى معالجتها، فهو يرى أن الديموقرّاطية القائلة بالمساواة بين البشر وبنسبية القيم لا ينتج عنها سوى ثقافة جماهيرية منحلة واتجاه نحو التكيف والامتثال ويفرز ذلك قيادات مفلسة أخلاقياً. ويدعو ستراوس إلى نظام نيابي تقوده صفوة متميِّزة ويستلزم ذلك وجود طبقة أرستقرّاطية تمتلك الثقافة الرفيعة. وقد انتقد ستراوس أيضاً الوضعية والتاريخية اللتين ترفضان مفهوم الحقيقة الأخلاقية الثابتة، وتفتتان الحياة السياسية الملموسة إلى تجريدات خاوية وثنائيات زائفة. كما رأى أن الفكر السياسي الحديث تخلى عن هدف البحث عن القيم الأخلاقية الدائمة، وهو هدف الفلسفة الكلاسيكية في سبيل أهداف سياسية سهلة المنال، تسعى إلى التحكم في الإنسان والسيطرة عليه بعيداً عن أية معايير أخلاقية.
وتعود أهمية ستراوس إلى تأكيده أهمية تحليل الخطاب وفك شفرته للوصول إلى المعنى الحقيقي الكامن، وهو بذلك يُعَدُّ أحد المفكرين الغربيين (من أصل يهودي) الذين انشغلوا بآليات تحليل الخطاب ومحاولة الوصول إلى المعنى الكامن بين السطور، مثل جاكوبسون ودريدا، ولعل هذا يعود إلى تراث التفسير اليهودي والتراث الماراني. ولكن لابد من الإشارة إلى أن الاهتمام بتحليل النصوص وبفلسفة اللغة بشكل عام هو اهتمام مركزي في الحضارة الغربية الحديثة، بخاصة في القرن العشرين، كما أصبح مبحث اللغة من المباحث الأساسية في الفلسفة، ولعل هذا يعود إلى تصاعد مشكلة المعنى وانتشار النسبية.
стр. 3317
ويُلاحَظ أن ستراوس مفكر سياسي محافظ، وهو أمر نادر بين المفكرين من أعضاء الجماعات اليهودية، إذ يُلاحَظ أن معظم المفكرين السياسيين الغربيين من أصل يهودي ينتمون إلى التقاليد الثورية أو الليبرالية. ومع هذا، يُلاحَظ أن هناك تحولاً واضحاً منذ السبعينيات في هذا النمط، إذ بدأ مفكرون كثيرون من أصل يهودي في تبنِّي الفلسفة المحافظة واتخاذ مواقف رجعية.
وولتر بنجامين (١٨٩٢-١٩٤٠ (
Walter Benjamin
فيلسوف وناقد ألماني، وُلد في برلين وتعلم في مدارسها حيث انخرط في الحركة الطلابية ولعب دوراً مهماً فيها، فكان رئيساً لاتحاد الطلاب في برلين في الفترة ١٩١٠ - ١٩١٤. لكنه ترك صفوف الحركة الطلابية الراديكالية عام ١٩١٥ بسبب تأييدها المشاركة في الحرب، وتهرَّب من التجنيد في صفوف الجيش الألماني وادعى المرض. واستمر في دراسة الفلسفة في فرايبورج وبرلين وميونخ. وفي ١٩١٧، ارتحل إلى برن بسويسرا، ثم عاد عام ١٩٢٠ إلى ألمانيا حيث استقر حتى عام ١٩٣٣.
تعرَّف في برلين عام ١٩٢٨ إلى برتولت بريخت وأُعجب بأفكاره للغاية. ويدَّعى صديقه ومؤرخه جرشوم شولم أن بنجامين أحس بيهوديته في تلك الفترة وفكر أكثر من مرة في الذهاب إلى فلسطين. وتعرَّف بنجامين عام ١٩٢٤ إلى الممثلة اللاتفية الشيوعية آسيا لاشيس وأُعجب بأفكارها الشيوعية اليسارية، إلا أنه لم ينضم أبداً للحزب الشيوعي.
ومع وصول النازي إلى السلطة، هاجر بنجامين إلى جزر البليار ومنها إلى باريس. ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية، احتُجز باعتباره مواطناً ألمانياً ثم أُطلق سراحه في نوفمبر ١٩٣٩. هرب بعدئذ إلى جنوب فرنسا مع مجموعة من اللاجئين وعبر معهم الحدود الإسبانية، وعند دخولهم قرية صغيرة في إسبانيا تعرضوا للابتزاز من قبَل رئيس البوليس في هذه القرية والذي هددهم بإعادتهم للنازي. ولم يتحمل بنجامين التهديد وانتحر باستخدام جرعة زائدة من المورفين.
стр. 3318
ويُعتبَر بنجامين من أهم النقاد الألمان في فترة ما بين الحربين العالميتين. كما تُعتبر أطروحته التي قدمها لجامعة فرانكفورت عام ١٩٢٥ لنيل الأستاذية عن «أصل دراما الباروك في ألمانيا» ، والتي رفضتها الجامعة، من كلاسيكيات النقد الألماني الحديث ومن أهم التأويلات الفلسفية في هذا المجال. وتحتوي الأطروحة على إحدى أهم الأفكار والمفاتيح في فكر بنجامين وهي فكرة «الرمز» بوصفه رسالة عن الحقيقة المكتوبة وعن صوت الإنسان المخدوع، وبوصفه التعبير عن أمله الدائم في الخلاص. ويعبِّر بنجامين عن توجهاته الميتافيزيقية في مفهوم الثورة الروحية الدائمة، حيث يرى أن ثمة عداء مبدئياً بين المعرفة والدولة. ويمتلئ كتابه طريق ذو اتجاه واحد الصادر بالألمانية عام ١٩٢٨ بما أسماه إرنست بلوخ «الأفكار السريالية» و «مفهوم التسمية» . والتسمية ـ حسب رؤيته ـ هي فاعلية تسبق اللغة والكلام وتعطي الأشياء ماهيتها وجوهرها. فالتسمية عنده نوع من المطلق الأعظم يستدعي للذهن فكرة الاسم الأعظم التي تمتلئ بها الديانات الحلولية. واهتم بنجامين في هذا الكتاب بعملية تأويل النص وإبعاده عن السياق التاريخي، حيث يرى أن المضمون الحقيقي للنص أو معناه المثالي النهائي غير قابل للتوصيل، فهو يستمد فعاليته من عملية التسمية التي تجاوز الكلام واللغة، ومن ثم لا يمكن أن ينكشف ذلك عند القرّاءة النقدية إلا بعد مسافة زمنية وبعد أن يخفت ارتباط النص بالملابسات التاريخية.
стр. 3319
وقد تأثر بنجامين بكل من بودلير وبروست في فكرة وحدة الزمن في الموجودات والتي هي تعبير عن وحدة الوجود. كما أبدى إعجابه الشديد بالسينما والصور الفوتوغرافية حيث يرى أن السينما حطمت قيم الفن المستقرة وحررته وأدخلت عملية الأيقنة (باعتبار أن الدال والمدلول ملتحمان عضوياً في الأيقونة) في صلب الحياة اليومية. وقد استخدم بنجامين تكنيك التقطيع السينمائي في عمليات تفكيك النص الأدبي للوصول إلى المعنى المثالي متخذاً نموذج الرائي المنطلق المراقب كنموذج أساسي.
وتمتلئ أطروحات بنجامين، التي قام تيودورو أدرنو بالاشتراك مع شولم بنشرها عام ١٩٦٦، بالأفكار المشيحانية، وتُعتبَر فكرة الخلاص فكرة محورية في كل أعماله.
وفكر بنجامين ليس يهودياً، وإنما هو تعبير واضح عن استيلاء الفكر الحلولي على المجتمع الغربي. ولكن الحلولية هنا ليست رغبة في الذوبان في المادة أو الكون، وإنما هي تعبير عن التمرد على الأطر المادية لهذا المجتمع والتي نزعت القداسة عن كل شيء، فحاولت ـ كرد فعل ـ أن تملأ كل شيء بالقداسة. ولكن إن امتلأت كل الأشياء بالقداسة، وبدرجة واحدة، تصبح كل الأمور متساوية ونسبية، ومن ثم لا قداسة لها.
حنه أرنت (١٩٠٦-١٩٧٥ (
Hannah Arendt
كاتبة أمريكية وفيلسوفة سياسية، وُلدت وتعلمت في ألمانيا ثم هاجرت إلى الولايات المتحدة بعد وصول هتلر إلى السلطة. كانت في مطلع حياتها متحمسة بعض الشيء للفكرة الصهيونية، وانضمت إلى بعض المنظمات الشبابية الصهيونية في ألمانيا، وكانت السكرتيرة العامة لفرع منظمة هجرة الشباب في فرنسا (١٩٣٥ ـ ١٩٣٩) ، كما كانت صديقة شخصية لكورت بلومنفلد وهو من أهم الزعماء الصهاينة الألمان. ولم تفقد أرنت قط اهتمامها بأعضاء الجماعات اليهودية في الغرب حتى بعد رفضها للصهيونية. وفي الفترة ١٩٣٦ ـ ١٩٦٧، عملت أستاذة في جامعة شيكاغو، ثم عملت في المدرسة الجديدة للبحوث الاجتماعية في نيويورك بعد ذلك التاريخ.
стр. 3320
ويتسم فكر أرنت بالشمول والاتساع، كما يتضح من عناوين بعض كتبها التي نجد من بينها أصول الشمولية (١٩٥١) ، والعنف (١٩٧٠) ، وأزمة الجمهورية (١٩٧٣) ، وحياة العقل (١٩٧٨) ، ومحاضرات عن فلسفة كانط السياسية (١٩٨٢) ، كما كتبت عن الثورة وأزمة المجتمع الحديث. وتدور معظم اهتماماتها حول تآكل المجال العام في المجتمع الحديث، وهو تآكل يواكبه تآكل الحرية والفكر، فتذهب أرنت إلى أن الحرية (الفعل التلقائي) والفكر (الحوار الداخلي بين الضمير وإدراك المعنى) يتوقف على الفصل بين الحياة السياسية (المجال العام) والحياة الاجتماعية والاقتصادية (المجال الخاص) . فالمجال الخاص يعطي الفرد الحيز الذي يحتاج إليه للتفكير ويحميه من هيمنة المجال العام. وهي ترى أن المدينة اليونانية، بديموقرّاطية المشاركة التي سادت فيها، كانت وضعاً مثالياً، إذ كان بوسع الفرد أن ينسحب من الحياة العامة (السياسية) إلى مجاله الخاص ليفكر ويتأمل ويختار (ويُحكِّم ضميره ويفهم معنى الأمور) . وترى أرنت أن المجتمع الحديث يتسم بأن المجالين العام والخاص قد اندمجا تماماً، وبذا حُرم الإنسان من المجال الخاص وتم رد الفكر والعقل إلى مستوى النفعية التي لا تهتم إلا بالبقاء البيولوجي (الإنتاج والاستهلاك) ، أي أن المجتمع الحديث يلغي ثنائية المادة والروح، ويسقط في حلولية دون إله (إذا أردنا استخدام مصطلحنا) . وساهم كل هذا في ظهور المجتمع الجماهيري، كما ظهرت النزعة الذرية والاغتراب واللا معيارية التي تؤدي بدورها إلى الشمولية. وهي ظاهرة جديدة تماماً في تاريخ الإنسانية ومختلفة عن الدكتاتورية التقليدية، إذ أن كل مجالات الحياة الخاصة والعامة في العصر الحديث تخضع لهيمنة الدولة، على عكس الماضي حين كانت الحياة العامة وحدها هي التي تخضع لسلطان الحاكم. والشمولية الحديثة ليست ظاهرة واضحة، وإنما هي ظاهرة هلامية تتغلغل في كل أشكال الحياة، إذ لا يوجد مركز واضح للسلطة،
стр. 3321
وإنما توجد أجهزة منتشرة مثل أجهزة المخابرات والإعلام التي تقوم بنشر الشمولية من خلال إعلام متقدم مصقول يبدو كما لو كان حراً. ويؤدي هذا إلى أن حياة الإنسان تصبح لا أهمية لها على الإطلاق ولا قيمة.
وشبَّهت أرنت أزمة المجتمع الحديث بأزمة الإمبراطورية الرومانية في تدهور الدين والتقاليد والسلطة. وهي ترى أن عملية علمنة المجتمع، التي تؤدي إلى تحويل المجال العام إلى ملحق للمجال الاقتصادي، تؤدي في الوقت نفسه إلى ظهور مجتمع استهلاكي لا يكترث بالسياسة، حيث تصبح الثقافة شيئاً منحطاً يخدم حاجات صناعة السلعة، ويتخلى الإنسان عن البحث عن المعنى مقابل الأمن الزائف البرجماتي الذي تقدمه له الحقيقة العلمية. وترى أرنت أن العلم هو واجهة من الحياد تخبئ إرادة القوة، وإمكانية شمولية تبدأ بالسيطرة على الطبيعة وتنتهي بالسيطرة على الإنسان باسم الهندسة الاجتماعية. لكل هذا، نادت أرنت بالحرية التي تستند إلى المشاركة العامة في السياسة مقابل الحرية التي تستند إلى المصالح الشخصية.
стр. 3322
ومن أهم دراساتها الأخرى، كتاب أيخمان في القدس ـ تقرير عن تفاهة الشر (١٩٦٣) الذي أثار ضجة كبيرة، فقد بيَّنت أن القيادات اليهودية الأوربية أثناء المواجهة مع النازيين لم تكن قط على مستوى المسئولية، وأن الضحايا كانوا مسئولين إلى حدٍّ ما عن المذبحة التي وقعت لهم لأن عددهم يصل إلى الملايين. فقد كان بوسعهم، عن طريق المقاومة السلمية وحدها، أن يعطلوا آلة الحرب النازية. كما أن أيخمان لم يكن سوى بيروقرّاطي تافه عادي يؤدي ما يوكل إليه من مهام مثل أي موظف في بيروقرّاطية حديثة، ومعنى ذلك أنه نتيجة طبيعية لعملية الترشيد التي تؤدي إلى الشمولية. واتسم نقلها لما حدث في قاعة المحكمة بالأمانة الشديدة، فأشارت على سبيل المثال إلى خطبة المدعي العام الإسرائيلي الذي بيَّن كيف لاقى الشعب اليهودي صنوف العذاب في كل زمان ومكان على يد الأمم، فقام محامي أيخمان وتساءل عن سرّ ذلك، وعما إذا كان هناك خلل ما في هذا الشعب؟ وأصيبت المحكمة بالذهول بسبب هذا السؤال. كما يبين كتاب أرنت أن القيادة الصهيونية في المجر وغيرها من الدول تعاونت مع النازيين وعقدت معهم اتفاقية تقوم بمقتضاها القيادة الصهيونية (رودلف كاستنر) بضمان سكوت أعضاء الجماعة اليهودية وامتناعهم عن مقاومة عمليات الترحيل (عن طريق خداعهم وإقناعهم بأنهم متوجهون إلى معسكرات عمل وليس إلى معسكرات الإبادة) مقابل أن يسمح النازيون لعدد من اليهود، وصفهم أيخمان بأنهم من أفضل المواد البيولوجية بالهجرة إلى فلسطين. وقد وصف جرشوم شوليم هذا الموقف بأنه قاس وخبيث ولا ينم عن أي حب للشعب اليهودي. وردت أرنت على هذا الاتهام بالإيجاب، فهي حسب قولها لا تحب شعباً بشكل جماعي «فأنا لا أحب سوى أصدقائي، والحب الوحيد الذي أعرفه هو حب الأفراد» .
стр. 3323
ومن الواضح أن موقف أرنت من الصهيونية، ابتداءً من الأربعينيات، كان قد تغير وأخذ شكلاً معادياً للصهيونية. وتُعَدُّ مقالاتها عن الصهيونية، التي كتبت قبل عام ١٩٤٨، من أكثر الدراسات تفسيرية، إذ حدَّدت فيها المعالم الرئيسية لفكرة الصهيونية ولفكرة الدولة الصهيونية فيما بعد. ففي مقالها «إعادة النظر في الصهيونية» بيَّنت أن انعزالية الصهيونية المهووسة تعود إلى تقبُّل أعمى للقومية بالمعنى الألماني، والتي تستند إلى الإيمان بأن الأمة جسم عضوي أزلي، ونتاج عملية نمو حتمية لسمات كامنة. وهكذا، فإن هذا المفهوم للقومية يحدد الشعب لا باعتباره مسألة تنظيم سياسي، وإنما باعتباره مسألة شخصيات بيولوجية ذات طابع فوق إنساني، أي يتجاوز الإنسان. وبيَّنت أن الحركة الصهيونية، كحركة قومية، باعت نفسها من البداية لإحدى القوى العظمى لأن شعار الدولة اليهودية كان يعني في واقع الأمر أن اليهود سيؤسسون أنفسهم من البداية باعتبارهم منطقة نفوذ تحت وهم القومية. وحذرت أرنت من الأوهام الصهيونية، مثل وهم (شعار) : أرض بلا شعب لشعب بلا أرض. وأشارت إلى شيء واضح تمام الوضوح لكل الناس ما عدا الصهانية، وهو أن إرتس يسرائيل (أي فلسطين) ليست مكاناً في القمر، وإنما هي مكان مأهول بالسكان، وأن تأسيس الدولة يعني تهجير سكانها الأصليين. وقد بيَّنت أن فكرة نقل العرب الفلسطينيين (الترانسفير) ظلت منذ عام ١٩٤٥ تُناقَش بشكل جدي في صفوف الصهاينة. وقد استمر موقف أرنت معادياً للصهيونية حتى وفاتها.
إسحق دويتشر (١٩٠٧-١٩٦٧ (Isaac Deutscher
مفكر بولندي يهودي من أهم شارحي الماركسية، والتروتسكية على وجه الخصوص. وُلد بالقرب من كراكوف ونُشِّئ تنشئة دينية أرثوذكسية، ولكنه تلقى فيما بعد تعليماً علمانياً في جامعات بولندا. ويبدو أنه غازل الصهيونية في شبابه، فتعلم العبرية وترجم بعض الأشعار العبرية إلى البولندية.
стр. 3324
انضم دويتشر عام ١٩٢٦ للحزب الشيوعي السري، ولكنه طُرد منه عام ١٩٣٢ حينما نادى بتكوين جبهة متحدة بين الاشتراكيين والشيوعيين لمجابهة التهديد النازي. وانتقل عام ١٩٣٩ إلى لندن ليعمل مراسلاً لجريدة بولندية يهودية، ولكنه استقر فيها وأصبحت مكان إقامته الدائم.
من أهم دراساته ستالين: سيرة حياة سياسية حيث يشبه فيها ستالين بروبسبيير، ويذهب إلى أن تطهير الثورة الشيوعية من ستالين كان ممكناً مثلما تم تطهير الثورة الفرنسية من روبسبيير. وقد بيَّن دويتشر في هذه الدراسة ما تصور أنه انحراف ستالين عن الخط الماركسي اللينيني. ولكن أهم أعماله هو الدراسة التي كتبها في ١٩٥٤ ـ ١٩٦٣ من ثلاثة أجزاء عن حياة ليون تروتسكي وفكره. ويبدي الكتاب تعاطفاً مع تروتسكي ووضعه المأساوي كما يبدي رفضاً عميقاً لستالين. وكتب دويتشر كذلك دراسة عن الثورة البلشفية بعنوان الثورة الدائمة (١٩٦٧ (.
وفي كتابه اليهودي غير اليهودي، يذهب دويتشر إلى أن اليهودية تتضمن رؤيتين: إحداهما ضيقة متعصبة وهي الرؤية الحاخامية والصهيونية، والأخرى عالمية تبناها مفكرون يهود، مثل إسبينوزا وهايني وماركس وروزا لوكسمبرج وتروتسكي، ومن خلالها توصلوا إلى نظرة إلى العالم تتجاوز اليهودية ذاتها وتستند إلى التضامن والإخاء العالميين، أي أن تحقُّق النزعة العالمية الكامنة في اليهودية يؤدي إلى نفي اليهودية. ومن ثم، عارض دويتشر الصهيونية، كما رفض الدولة التي أسستها في فلسطين واعتبرها تمثل خطوة للوراء بالنسبة إلى اليهود. وكان آخر حديث له يتضمن إدانة شديدة لإسرائيل والتوسعية الصهيونية في عام ١٩٦٧، وقد نُشر بعد وفاته.
أيزياه برلين (١٩٠٩-)
Isaiah Berlin
فيلسوف بريطاني يهودي، وُلد في لاتفيا وتعلم في لندن ثم في أكسفورد حيث قام بالعمل معظم حياته، وحصل على عدة شهادات دكتوراه فخرية من الجامعات الإسرائيلية.
стр. 3325
من أهم مؤلفاته، السيرة التي كتبها عن ماركس، كارل ماركس: حياته وبيئته (١٩٣٩) حيث درس فكره ووضعه في سياقه الفكري، وفي الحتمية التاريخية (١٩٥٣) ، وأربع مقالات في الحرية (١٩٦٩) . وتدور كتاباته أساساً حول فكرة الحقيقة الثابتة العالمية وفكرة الحتمية، لا سيما في كتابيه فيكو وهردر (١٩٧٦) ، وضد التيار (١٩٧٩) .
ويميِّز برلين بين الرؤية التعددية للحرية والرؤية الأحادية، فالرؤية التعددية هي رؤية تقبل تعدد الطرق والوسائل التي تؤدي إلى الحرية، أما أصحاب الرؤية الأحادية فهم يرون أن ثمة طريقاً واحداً للحرية على الجميع أن يسلكوه. وكان برلين عضواً في جماعة من المفكرين والفلاسفة في أكسفورد اهتموا بالفلسفة اللغوية والتحليلية، ولكنه مع هذا لم يقبل قط رؤيتهم الضيقة للفلسفة. فالفلسفة بالنسبة له تهتم بالأسئلة الأساسية التي لا يمكن التوصل لإجابتها من خلال الملاحظة والأساليب الإمبريقية (التجريبية) في التحقق ولا من خلال مناهج المنطق الصوري. فهذه الأسئلة النهائية تخص المعرفة والعقيدة وطبيعة التاريخ والسياسة وسمات الإنسان في علاقته بالعالم. وهو يدرس هذه القضايا الأساسية من خلال بعض المقولات التفسيرية لا من خلال المناهج العلمية (أي أنه يحاول أن يسترجع بعض الثنائية المعرفية) . وثمة تفرقة هنا بين ما أسماه برلين الرؤية الأحادية والرؤية التعددية. فالمفكر الأحادي يحاول أن يفرض على الظواهر الاجتماعية تفسيراً علمياً واحدياً بحيث يمكن التوفيق بين كل الاختلافات وحسم كل الصراعات وإخضاع كل الأهداف والغايات الفردية لهدف اجتماعي واحد نهائي (يشبه القانون الطبيعي) . ولذا، فإن التناقض بين الحرية والمساواة، والمنفعة والعدالة، وصالح الجماعة وحقوق الفرد (وهي تناقضات توجد في أي موقف أخلاقي) ، تتم إزالتها تماماً باسم قيمة واحدة يفرضها المجتمع.
стр. 3326
أما الرؤية التعددية فهي تنظر إلى العالم باعتباره مجموعة من المصالح والأهداف المختلفة، وعلى أساس أن عالم الأخلاق والسياسة توجد فيه مجموعة من القيم المتصارعة في حالة عدم اتساق دائم ولا يمكن بأية حال التوفيق بينها تحت مبدأ واحد «فكل شيء هو هذا الشيء ولا شيء سواه» ، فالحرية هي الحرية وليست المساواة والعدالة أو الحضارة أو السعادة الإنسانية، فهذه جميعاً أهداف مختلفة وليست متسقة، بل لا يمكن الحوار العقلاني بشأنها، فالحوار السياسي يفترض وجودها وأسبقيتها وتتم إدارة الحوار السياسي من منظورها. وكما هو واضح، فإن برلين يطرح تعددية للقيم ونقط الثبات والمطلقات حتى لا تتمتع قيمة واحدة بالمطلقية الكاملة، كما يرى أن الاعتراف بهذه التعددية أمر أساسي لاستمرار الحضارة والمدنية وللحفاظ على هذه القيم والمؤسسات التي ساهمت في إسعاد الإنسان. فجوهر الإنسان هو عقلانيته واستقلاليته وحريته، وإن أنكرنا عليه فرصة الاختيار بين القيم والأهداف، كما تفعل الفلسفات الأحادية، فنحن نحطم هذا الجوهر.
стр. 3327
ويميِّز برلين بين الحرية السلبية والحرية الإيجابية. فمنظرو الحرية السلبية يعرّفون الحرية باعتبارها غياب القهر وحسب، فالحرية هي وجود مجال حول الفرد يمكنه فيه أن يختار بين القيم والأهداف، سواء أكان هذا الاختيار خيِّراً أم شريراً، عقلانياً أم غير عقلاني. أما دعاة الحرية الإيجابية فهم يُعرِّفون الحرية باعتبارها المقدرة على كبح جماح الذات والتحكم فيها، فالفرد يحقق حريته لا عن طريق غياب القهر، وإنما حين يحقق أهدافاً رشيدة، أي أن الحرية الأولى لا أهداف محددة لها بينما يوجد هدف محدد في المفهوم الثاني. ولذا، يمكن، بل يجب من منظور الحرية الإيجابية، أن يتم قهر الدوافع اللاعقلانية للإنسان (ذاته السفلي) لأنها تعوقه عن تحقيق أهدافه العقلانية. ومن ثم، فإذا مورس القهر على إنسان ما لإزالة دوافعه اللا عقلانية، فإن هذا ليس بقهر على الإطلاق، حيث إن الهدف منه هو تعظيم الحرية الإيجابية العلىا. كما أن القانون الذي يستند إلى أساس عقلاني لا يمكن من وجهة نظر دعاة الحرية الإيجابية أن يعوق الحرية. ويرى برلين أن هذا المفهوم للحرية الإيجابية مفهوم شمولي لأنه يعيد تعريف كل القيم المتصارعة ويوفق بينها باسم قيمة واحدة هي الحرية العقلانية، فهي إذن رؤية شمولية لأن الحرية الوحيدة الحقيقية قد قُرنت بأهداف أو أغراض جماعية معيَّنة ومن ثم لا يوجد مجال للاختيار الفردي. أما الحرية السلبية، فهي التعددية الحقة لأنها تعترف بالصراع والاختيار، ولذا فهي نظرية المجتمعات الحرة.
стр. 3328
ومن الواضح أن برلين يحاول أن يفتح بعض الثغرات في عالم العلم المصمت حيث يخضع كل شيء للقوانين الصارمة. وقد تصوَّر أنه حقق هذا بالفعل بأن جعل كل قيمة أمراً قائماً بذاته مستقلاًّ لا يمكن أن يُدمج مع قيمة أخرى. فالعدالة هي العدالة والحرية هي الحرية وكلاهما مطلق رغم تناقضهما الواحد مع الآخر، ولا يمكن إخضاع مطلق لمطلق آخر. وينتج عن ذلك تعددية المطلقات. ولكن برلين لا يؤمن في واقع الأمر بأية قيم نهائية، ويرى أنه لا توجد أية مطلقات، ومن ثم فإن عالمه ليس عالماً مفتوحاً تعددياً، وإنما هو عالم ذراتي لا مركز له (عالم ما بعد الحداثة) . وكذلك لا توجد وسيلة للتوفيق بين القيم (المطلقة) المختلفة، ومن ثم لا يوجد أساس للاختيار أو الحرية. وقد لاحظ هو نفسه أنه، منذ القرن الثامن عشر، بدأ تحوُّل الفكر الغربي من الموضوعية إلى الذاتية، ومن الإيمان بالمطلقية إلى النسبية، وأن هذا التحول هو سبب انتشار الرؤية العلمية ونتيجة له في آن واحد.
ورغم موقفه التعددي هذا، يؤيد برلين الصهيونية كل التأييد. وهو يُعرِّف بالكثيرين من مفكريها وزعمائها. وقد ألَّف عن بعضهم دراسات، فله على سبيل المثال كتاب عن موسى هسّ (١٩٥٩) . بل إنه يرى أن ظهور الدولة الصهيونية، كدولة علمانية ديموقرّاطية، هو انتصار لا نظير له للجهد الأخلاقي الحر. والدولة الصهيونية قد وُجدت ـ في رأيه ـ لتفي بحاجة شعب يريد أن تكون له علاقة بأرضه وتاريخه، ذلك أن الدولة الصهيونية ضرورية للشعب اليهودي العضوي. والدولة الصهيونية ستقوم بتطبيع اليهود، فتجعل منهم شعباً مثل كل الشعوب. وهو في رؤيته هذه، يهمل بطبيعة الحال التاريخ وحقوق الفلسطينيين وحريتهم (السلبية والإيجابية!) ، ويُسقط المقولات الأساسية لمنظومته المعرفية والأخلاقية.
стр. 3329
ولا يمكن تفسير هذا التناقض الذي وقع فيه برلين (بين الرؤية التعددية المنفتحة التي يتسم بها نسقه الفلسفي والرؤية العنصرية المنغلقة التي تتسم بها رؤيته للمشروع الصهيوني) على أساس أنه من أصل يهودي. فكثير من المفكرين غير اليهود في الغرب وقعوا في هذا التناقض، كما أن كثيراً من المفكرين من أعضاء الجماعات اليهودية لم يقعوا فيه، وليس هناك نمط عام، ولذا ينبغي تفسير كل حالة على حدة.
سيمون فاي (١٩٠٩-١٩٤٣ (
Simone Weil
فيلسوفة فرنسية، وُلدت لأسرة يهودية أرستقرّاطية فرنسية. حصلت على الدكتوراه في الفلسفة، وكانت رسالتها عن ديكارت. ودخلت معترك السياسة وشاركت في كثير من القضايا اليسارية حتى سُمِّيت «العذراء الحمراء» . قررت عام ١٩٣٤ أن تشارك العمال حياتهم فتركت وظيفتها كأستاذ فلسفة وعملت في أحد المصانع، وكانت ثمرة هذه التجربة كتابها الحالة العمالية (نُشر عام ١٩٥١) . لم تقدِّم فاي في كتابها الحلول اليسارية المألوفة لمشاكل العمال، مثل تأميم وسائل الإنتاج والاستيلاء على السلطة، وإنما طالبت بتغيير أكثر عمقاً في طبيعة العمل الحديث نفسه، إذ طالبت بتغيير التنظيم الهرمي في المصنع، بل وتصميم الآلات نفسها حتى تستجيب لحاجات الإنسان. وانضمت عام ١٩٣٦ للقوات الجمهورية في إسبانيا إبّان الحرب الأهلية. وبعد غزو النازيين لفرنسا، اشتغلت عاملة زراعية في جنوب فرنسا، ثم هاجرت إلى الولايات المتحدة وماتت أثناء الحرب العالمية الثانية في إنجلترا. وقد نُشرت أعمالها بعد وفاتها، وتتكون أساساً من خطابات ومذكرات ومقالات وذكريات وشذرات. وتدل كتاباتها على مدى تكريسها ذاتها لعملية البحث الدائب عن الحق المطلق والعدالة.
стр. 3330
تأثرت سيمون فاي بأفكار بعض المتصوفة المسيحيين مثل مايستر إيكهارت، ويُقال إنها خاضت تجربة صوفية عميقة إذ جاءها المسيح في الرؤيا عام ١٩٣٨، وكانت تُكنُّ إعجاباً عميقاً للمسيحية باعتبارها ديانة العبيد، وترى أنها لم تتنصر لأن الدور الذي لعبته الكنيسة الكاثوليكية في التاريخ يتنافى تماماً مع تعاليم المسيحية. أما موقفها من اليهودية فكان يتسم بالرفض العميق، فهي ترى أن اليهودية عقيدة قومية ضيقة الأفق قاسية، وأن كل ما تحتويه المسيحية من شرور جاءها من اليهودية. ويشبه موقفها هذا موقف الغنوصيين (الذين كانت فاي تُكنُّ لهم إعجاباً خاصًّا) وقد أشاد الشاعر ت. س. إليوت بكتاباتها.
ويمكن أن نثير قضية يهودية فاي، فقد ورد اسمها في كلٍّ من الموسوعة اليهودية (جودايكا) ودليل بلاكويل للثقافة اليهودية باعتبارها كاتبة يهودية. وهذه الكاتبة قد وُلدت بالفعل لأسرة يهودية، ولكنها رفضت العقيدة اليهودية. وحينما مرت بتجربة صوفية، كانت تجربة مسيحية وتأثرت بمتصوفين مسيحيين. كما أن فاي هاجمت اليهودية بشراسة ونسبت لها كل نقائص المسيحية، فهل يُعتبَر تصنيفها على أنها يهودية ذا قيمة تفسيرية؟ لعله كان من الأجدى الحديث عنها باعتبارها من أصل يهودي وحسب. ولكن هذا لا يساعد كثيراً في فهم فكرها الذي يتجاوز أصولها اليهودية. ومن الطريف أن دليل بلاكويل للثقافة اليهودية استبعد المؤلفين اليهود السفارد وأبقى على فاي لأنها أشكنازية أو غربية، وهو ما يبيِّن أن أساس التصنيف مختل للغاية، وهو اختلال مصدره فشل محرري الموسوعة في تعريف ما يُقال له «الهوية اليهودية» ومصادرها الثقافية.
ملتون فريدمان (١٩١٢-)
Milton Friedman
следующие страницы →