← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

أما الرؤية التعددية فهي تنظر إلى العالم باعتباره مجموعة من المصالح والأهداف المختلفة، وعلى أساس أن عالم الأخلاق والسياسة توجد فيه مجموعة من القيم المتصارعة في حالة عدم اتساق دائم ولا يمكن بأية حال التوفيق بينها تحت مبدأ واحد «فكل شيء هو هذا الشيء ولا شيء سواه» ، فالحرية هي الحرية وليست المساواة والعدالة أو الحضارة أو السعادة الإنسانية، فهذه جميعاً أهداف مختلفة وليست متسقة، بل لا يمكن الحوار العقلاني بشأنها، فالحوار السياسي يفترض وجودها وأسبقيتها وتتم إدارة الحوار السياسي من منظورها. وكما هو واضح، فإن برلين يطرح تعددية للقيم ونقط الثبات والمطلقات حتى لا تتمتع قيمة واحدة بالمطلقية الكاملة، كما يرى أن الاعتراف بهذه التعددية أمر أساسي لاستمرار الحضارة والمدنية وللحفاظ على هذه القيم والمؤسسات التي ساهمت في إسعاد الإنسان. فجوهر الإنسان هو عقلانيته واستقلاليته وحريته، وإن أنكرنا عليه فرصة الاختيار بين القيم والأهداف، كما تفعل الفلسفات الأحادية، فنحن نحطم هذا الجوهر.

стр. 3327

ويميِّز برلين بين الحرية السلبية والحرية الإيجابية. فمنظرو الحرية السلبية يعرّفون الحرية باعتبارها غياب القهر وحسب، فالحرية هي وجود مجال حول الفرد يمكنه فيه أن يختار بين القيم والأهداف، سواء أكان هذا الاختيار خيِّراً أم شريراً، عقلانياً أم غير عقلاني. أما دعاة الحرية الإيجابية فهم يُعرِّفون الحرية باعتبارها المقدرة على كبح جماح الذات والتحكم فيها، فالفرد يحقق حريته لا عن طريق غياب القهر، وإنما حين يحقق أهدافاً رشيدة، أي أن الحرية الأولى لا أهداف محددة لها بينما يوجد هدف محدد في المفهوم الثاني. ولذا، يمكن، بل يجب من منظور الحرية الإيجابية، أن يتم قهر الدوافع اللاعقلانية للإنسان (ذاته السفلي) لأنها تعوقه عن تحقيق أهدافه العقلانية. ومن ثم، فإذا مورس القهر على إنسان ما لإزالة دوافعه اللا عقلانية، فإن هذا ليس بقهر على الإطلاق، حيث إن الهدف منه هو تعظيم الحرية الإيجابية العلىا. كما أن القانون الذي يستند إلى أساس عقلاني لا يمكن من وجهة نظر دعاة الحرية الإيجابية أن يعوق الحرية. ويرى برلين أن هذا المفهوم للحرية الإيجابية مفهوم شمولي لأنه يعيد تعريف كل القيم المتصارعة ويوفق بينها باسم قيمة واحدة هي الحرية العقلانية، فهي إذن رؤية شمولية لأن الحرية الوحيدة الحقيقية قد قُرنت بأهداف أو أغراض جماعية معيَّنة ومن ثم لا يوجد مجال للاختيار الفردي. أما الحرية السلبية، فهي التعددية الحقة لأنها تعترف بالصراع والاختيار، ولذا فهي نظرية المجتمعات الحرة.

стр. 3328

ومن الواضح أن برلين يحاول أن يفتح بعض الثغرات في عالم العلم المصمت حيث يخضع كل شيء للقوانين الصارمة. وقد تصوَّر أنه حقق هذا بالفعل بأن جعل كل قيمة أمراً قائماً بذاته مستقلاًّ لا يمكن أن يُدمج مع قيمة أخرى. فالعدالة هي العدالة والحرية هي الحرية وكلاهما مطلق رغم تناقضهما الواحد مع الآخر، ولا يمكن إخضاع مطلق لمطلق آخر. وينتج عن ذلك تعددية المطلقات. ولكن برلين لا يؤمن في واقع الأمر بأية قيم نهائية، ويرى أنه لا توجد أية مطلقات، ومن ثم فإن عالمه ليس عالماً مفتوحاً تعددياً، وإنما هو عالم ذراتي لا مركز له (عالم ما بعد الحداثة) . وكذلك لا توجد وسيلة للتوفيق بين القيم (المطلقة) المختلفة، ومن ثم لا يوجد أساس للاختيار أو الحرية. وقد لاحظ هو نفسه أنه، منذ القرن الثامن عشر، بدأ تحوُّل الفكر الغربي من الموضوعية إلى الذاتية، ومن الإيمان بالمطلقية إلى النسبية، وأن هذا التحول هو سبب انتشار الرؤية العلمية ونتيجة له في آن واحد. ورغم موقفه التعددي هذا، يؤيد برلين الصهيونية كل التأييد. وهو يُعرِّف بالكثيرين من مفكريها وزعمائها. وقد ألَّف عن بعضهم دراسات، فله على سبيل المثال كتاب عن موسى هسّ (١٩٥٩) . بل إنه يرى أن ظهور الدولة الصهيونية، كدولة علمانية ديموقرّاطية، هو انتصار لا نظير له للجهد الأخلاقي الحر. والدولة الصهيونية قد وُجدت ـ في رأيه ـ لتفي بحاجة شعب يريد أن تكون له علاقة بأرضه وتاريخه، ذلك أن الدولة الصهيونية ضرورية للشعب اليهودي العضوي. والدولة الصهيونية ستقوم بتطبيع اليهود، فتجعل منهم شعباً مثل كل الشعوب. وهو في رؤيته هذه، يهمل بطبيعة الحال التاريخ وحقوق الفلسطينيين وحريتهم (السلبية والإيجابية!) ، ويُسقط المقولات الأساسية لمنظومته المعرفية والأخلاقية.

стр. 3329

ولا يمكن تفسير هذا التناقض الذي وقع فيه برلين (بين الرؤية التعددية المنفتحة التي يتسم بها نسقه الفلسفي والرؤية العنصرية المنغلقة التي تتسم بها رؤيته للمشروع الصهيوني) على أساس أنه من أصل يهودي. فكثير من المفكرين غير اليهود في الغرب وقعوا في هذا التناقض، كما أن كثيراً من المفكرين من أعضاء الجماعات اليهودية لم يقعوا فيه، وليس هناك نمط عام، ولذا ينبغي تفسير كل حالة على حدة. سيمون فاي (١٩٠٩-١٩٤٣ ( Simone Weil فيلسوفة فرنسية، وُلدت لأسرة يهودية أرستقرّاطية فرنسية. حصلت على الدكتوراه في الفلسفة، وكانت رسالتها عن ديكارت. ودخلت معترك السياسة وشاركت في كثير من القضايا اليسارية حتى سُمِّيت «العذراء الحمراء» . قررت عام ١٩٣٤ أن تشارك العمال حياتهم فتركت وظيفتها كأستاذ فلسفة وعملت في أحد المصانع، وكانت ثمرة هذه التجربة كتابها الحالة العمالية (نُشر عام ١٩٥١) . لم تقدِّم فاي في كتابها الحلول اليسارية المألوفة لمشاكل العمال، مثل تأميم وسائل الإنتاج والاستيلاء على السلطة، وإنما طالبت بتغيير أكثر عمقاً في طبيعة العمل الحديث نفسه، إذ طالبت بتغيير التنظيم الهرمي في المصنع، بل وتصميم الآلات نفسها حتى تستجيب لحاجات الإنسان. وانضمت عام ١٩٣٦ للقوات الجمهورية في إسبانيا إبّان الحرب الأهلية. وبعد غزو النازيين لفرنسا، اشتغلت عاملة زراعية في جنوب فرنسا، ثم هاجرت إلى الولايات المتحدة وماتت أثناء الحرب العالمية الثانية في إنجلترا. وقد نُشرت أعمالها بعد وفاتها، وتتكون أساساً من خطابات ومذكرات ومقالات وذكريات وشذرات. وتدل كتاباتها على مدى تكريسها ذاتها لعملية البحث الدائب عن الحق المطلق والعدالة.

стр. 3330

تأثرت سيمون فاي بأفكار بعض المتصوفة المسيحيين مثل مايستر إيكهارت، ويُقال إنها خاضت تجربة صوفية عميقة إذ جاءها المسيح في الرؤيا عام ١٩٣٨، وكانت تُكنُّ إعجاباً عميقاً للمسيحية باعتبارها ديانة العبيد، وترى أنها لم تتنصر لأن الدور الذي لعبته الكنيسة الكاثوليكية في التاريخ يتنافى تماماً مع تعاليم المسيحية. أما موقفها من اليهودية فكان يتسم بالرفض العميق، فهي ترى أن اليهودية عقيدة قومية ضيقة الأفق قاسية، وأن كل ما تحتويه المسيحية من شرور جاءها من اليهودية. ويشبه موقفها هذا موقف الغنوصيين (الذين كانت فاي تُكنُّ لهم إعجاباً خاصًّا) وقد أشاد الشاعر ت. س. إليوت بكتاباتها. ويمكن أن نثير قضية يهودية فاي، فقد ورد اسمها في كلٍّ من الموسوعة اليهودية (جودايكا) ودليل بلاكويل للثقافة اليهودية باعتبارها كاتبة يهودية. وهذه الكاتبة قد وُلدت بالفعل لأسرة يهودية، ولكنها رفضت العقيدة اليهودية. وحينما مرت بتجربة صوفية، كانت تجربة مسيحية وتأثرت بمتصوفين مسيحيين. كما أن فاي هاجمت اليهودية بشراسة ونسبت لها كل نقائص المسيحية، فهل يُعتبَر تصنيفها على أنها يهودية ذا قيمة تفسيرية؟ لعله كان من الأجدى الحديث عنها باعتبارها من أصل يهودي وحسب. ولكن هذا لا يساعد كثيراً في فهم فكرها الذي يتجاوز أصولها اليهودية. ومن الطريف أن دليل بلاكويل للثقافة اليهودية استبعد المؤلفين اليهود السفارد وأبقى على فاي لأنها أشكنازية أو غربية، وهو ما يبيِّن أن أساس التصنيف مختل للغاية، وهو اختلال مصدره فشل محرري الموسوعة في تعريف ما يُقال له «الهوية اليهودية» ومصادرها الثقافية. ملتون فريدمان (١٩١٢-) Milton Friedman

стр. 3331

اقتصادي أمريكي بارز، وُلد في بروكلين (نيويورك) . بدأ في العمل في الحكومة الأمريكية عام ١٩٣٥، كما عمل بالتدريس في عدة جامعات أمريكية قبل أن يصبح أستاذاً للاقتصاد في جامعة شيكاغو. واكتسب فريدمان في هذه الجامعة سمعة عالمية، حيث أصبح من كبار مفكري ما عُرف بمدرسة شيكاغو، وهي مجموعة من الاقتصاديين وجهت النقد إلى النظريات الاقتصادية التي صاغها جون كينز والسياسات الاقتصادية المترتبة عليها والتي كانت تلقى قبولاً عاماً في الدوائر الاقتصادية والحكومية الأمريكية منذ الثلاثينيات من القرن العشرين. من أهم مؤلفات فريدمان الرأسمالية والحرية (١٩٦٢) ، والتاريخ المالي للولايات المتحدة ١٨٦٧ ـ ١٩٦٠ (١٩٦٣) ، وأسواق حرة لرجال أحرار (١٩٧٤) ، وحر أن أختار (١٩٨٠) ، ويمكن القول بأن رؤيته الاقتصادية تستند إلى رؤية واضحة ومحدَّدة للإنسان، فالإنسان عنده هو الإنسان الاقتصادي الذي خلَّقه فلاسفة الرأسمالية الكلاسيكيون. فالاقتصاد هنا هو المطلق المكتفي بذاته، واجب الوجود، وما دون ذلك (كالأخلاق والعواطف) فلا وجود له. والآلية التي يعبِّر بها هذا المطلق عن نفسه هو السوق، فمن خلال آليات السوق الحر يتمكن الأفراد، الذين لكلٍّ منهم ذوقه الخاص وقيمه الخاصة وتطلعاته وأهدافه المستقلة، من أن يصلوا إلى تفاهم وإجماع، وهو ما يمنع وقوع صراعات حادة في المجتمع. ويرى فريدمان أن تدخُّل الدولة لا يفيد كثيراً في منع الصراع، بل إن الدولة هي المصدر الأساسي للقهر، فالحرية الاقتصادية هي أساس الحرية السياسية. وحين يستطيع الناس أن يتعاونوا، الواحد مع الآخر، دون قهر أو توجيه مركزي، فإن رقعة الحرية الاقتصادية تتزايد ومن ثم تتناقص رقعة الهيمنة السياسية. كما أن الحرية الاقتصادية تؤدي إلى توزُّع مراكز السلطة، بدلاً من تجميع السلطة السياسية والاقتصادية في يد واحدة.

стр. 3332

وانطلاقاً من هذه الرؤية، عارض فريدمان تدخُّل الدولة في الحياة الاقتصادية، فدور الدولة يجب أن يقتصر على منع الأفراد من أن يقهر الواحد منهم الآخر. ولذا، طالب فريدمان بالحد من قوة الدولة على فرض الضرائب وانفاق عائدها، كما طالب بإلغاء الحماية الجمركية وآليات التحكم في الأسعار والأجور وكل معوقات الاختيار الحر، وعارض استخدام السياسات الضريبية والإنفاق الحكومي كوسيلة لتنظيم الاقتصاد. ويذهب فريدمان إلى أن التغيرات في حجم المعروض من النقد هي المحدِّد الرئيسي للتغيرات قصيرة الأجل في مستوى النشاط الاقتصادي، وأن التحكم في المعروض من النقد هو الأداة الأكثر أهمية لدى الحكومة الفيدرالية لإحداث تغيرات قصيرة الأجل في النشاط الاقتصادي، كما ذهب إلى أن تحديد معدل نمو ثابت للمعروض من النقد لفترات طويلة يوفر قدراً أكبر من الاستقرّار الاقتصادي ويحول دون حدوث تقلبات واسعة في النشاط الاقتصادي كذلك النوع الذي تعرضت له الولايات المتحدة في الماضي. واعتبر أن المبالغة في استخدام السياسات المالية والنقدية للتحكم في الأوضاع الاقتصادية الجارية قد يُعمِّق حدة هذه التقلبات على المدى البعيد. كما كان فريدمان يفضل نظاماً ضريبياً مبسَّطاً وتعويماً لأسعار العملة، وكان يفضل أيضاً إبطال استعمال الذهب كمقياس نقدي، وطالب بإلغاء نظام التكافل الاجتماعي والإعانة باعتباره نظاماً غير فعال ويعني دوراً نشيطاً وضخماً للحكومة، واقترح بدلاً من ذلك فرض ضريبة «سلبية» على الدخل، أي أن تقدم الحكومة معونة مالية للأسرة التي تقع تحت خط الفقر من خلال صيغة تسمح لهم بتوفير احتياجاتهم الأساسية مع الحفاظ في الوقت نفسه على الحافز على العمل وزيادة الدخل لدى هذه الأسر.

стр. 3333

ويُعَدُّ فريدمان من أبرز الاقتصاديين المحافظين في الولايات المتحدة. عمل مستشاراً للرئيس الأمريكي السابق ريتشارد نيكسون، كما عمل مستشاراً لعدة مؤسسات أمريكية ودولية. ولا يختلف فريدمان عن غيره من الاقتصاديين الأمريكيين، من اليهود أو غير اليهود، في أن أفكاره وآراءه الاقتصادية تعكس التيارات والاتجاهات المختلفة داخل النظام الاقتصادي الرأسمالي الأمريكي، والتي تنبع من حركيات هذا النظام بشكل خاص ومن حركيات المجتمع الأمريكي بشكل عام. ويقوم ملتون فريدمان بتقديم الاستشارات الاقتصادية للحكومة الإسرائيلية، وهو من دعاة فك القطاع العام في إسرائيل وتشجيع الاقتصاد الحر وتقليص الهستدروت والمؤسسات الصهيونية الاستيطانية الجماعية التي يُقال لها «اشتراكية» ، وهو لا يختلف في هذا عن كثير من رجال الاقتصاد والسياسة الأمريكيين الذين لا يدركون تماماً الطبيعة الاستيطانية للدولة الصهيونية والتي تجعل وجود المؤسسات الجماعية وتدخل الحكومة في الاقتصاد مسألة حتمية. فعملية مثل تمويل المهاجرين واستيعابهم، على سبيل المثال، تتطلب ملايين الدولارات ولا يمكن أن يقوم القطاع الخاص بها. كما أن الأعباء الأمنية لإسرائيل، باعتبارها قاعدة للإمبريالية الغربية واستثماراً إستراتيجياً لها، يجعل من الضروري أن يتضخم جهاز الدولة، وألا تخضع الدولة الصهيونية الوظيفية ككل لحسابات المكسب والخسارة المادية وآليات السوق التي يخضع لها الاقتصاد الحر. والدعم الغربي الذي تقدمه الحكومات والشعوب الغربية، وبخاصة في الولايات المتحدة، يتنافى تماماً مع آليات الاقتصاد الحر. فالدعم له عادةً طابع أيديولوجي، أما الاقتصاد الحر فله حركياته الخاصة التي تتناقض ولا شك مع الأولويات الصهيونية. وقد ظهر هذا في مشروع طائرة اللافي، فالدولة الصهيونية كانت حريصة على إنتاجها لسببين لا علاقة لهما بالربح الاقتصادي:

стр. 3334

١ ـ تحقيق قدر من الاستقلال عن المؤسسة العسكرية الأمريكية. ٢ ـ تأسيس صناعات إلكترونية متقدمة تضمن خلق الوظائف للفنيين الإسرائيليين الذين يتزايد عددهم، حتى لا يضطروا إلى النزوح. وقد رفضت الولايات المتحدة السماح لإسرائيل بالاستمرار في إنتاج هذه الطائرة. وكان من بين الأسباب التي سيقت لإنهاء المشروع أنه غير مربح، وكان هذا رأي ملتون فريدمان أيضاً. وبالفعل، توقَّف المشروع ونزح مئات الإسرائيليين. وحينما وصل المهاجرون السوفييت، وهم يضمون في صفوفهم أعداداً كبيرة من الفنيين، وجدوا حالة بطالة. وبدأت أعداد منهم تعيد حساباتها. وهذا يبيِّن مدى عدم إدراك صانعي القرّار في الولايات المتحدة الطابع الاستيطاني للدولة الصهيونية، أو إدراكهم إياه واستخدامه للضغط على إسرائيل ووضعها تحت رحمة الولايات المتحدة وحمايتها. ألبير ميميه (١٩٢٠-) Albert Memmi مؤلف وكاتب مقال وعالم اجتماع فرنسي يهودي تونسي الأصل. وُلد في تونس لعائلة يهودية من قبائل البربر. قاتل خلال الحرب العالمية الثانية في صفوف القوات الفرنسية الحرة، ثم عاد ليكمل دراسته الجامعية حيث حصل على شهادة في الفلسفة من جامعة الجزائر، ثم حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة باريس عام ١٩٥٠، عاد بعدها إلى تونس ليترأس معهداً في علم النفس. وفي عام ١٩٥٩، انضم إلى المركز الوطني للبحث العلمي في باريس حيث استقر بشكل دائم. وفي عام ١٩٦٦، عُيِّن أستاذاً في المدرسة العليا للدراسات التطبيقية في باريس أيضاً.

стр. 3335

وتخصَّص ميميه في دراسة الآثار الاجتماعية والنفسية المترتبة على الاستعمار، ووجد من خلال أبحاثه تشابهاً بين أوضاع اليهود والشعوب المُستعمرة وخصوصاً بالنسبة لمواقفهم وأفكارهم تجاه مسألة الهوية. وظلت قضية الهوية قضية محورية في أغلب أعمال ميميه سواء الروائية أو الفكرية، وعكست أزمته وحيرته الشخصية بين انتمائه إلى جماعة يهودية نشأت وتشكلت في ظل التشكيل الحضاري العربي الإسلامي، وبين اكتسابه الثقافة الفرنسية الغربية للمستعمر الفرنسي الذي سعى بوجه عام إلى ربط أعضاء الجماعات اليهودية في المغرب العربي بالثقافة الفرنسية بغرض عزلهم عن محيطهم العربي وتحويلهم إلى جماعات وظيفية وسيطة تخدم مصالحه في المنطقة. ويبدو أن ميميه كان مدركاً هذه الحقيقة، فرغم أنه أيَّد بحماس استقلال دول المغرب العربي، إلا أنه أدرك في الوقت نفسه أن النتيجة التي ستترتب على ذلك هي رحيل أغلب أعضاء الجماعات اليهودية في هذه المنطقة مع المستعمر الفرنسي. وفي روايته أعمدة الملح (١٩٥٣) ، التي تُعتبَر أقرب إلى السيرة الذاتية، يتناول ميميه قصة شاب يهودي من المغرب العربي يخرج من بيئته المحلية المحدودة ليكتشف ثقافة المستعمر الفرنسي، ولكنه يفقد قناعاته الإنسانية والدينية نتيجة التناقض بين الثقافتين، كما يشعر بخيبة أمل تجاه المفهوم الإنساني الغربي الذي طالما نُسبت إليه صفات مثالية. أما رواية الغرباء (١٩٥٥) فتتناول قصة يهودي تونسي يجد نفسه ملفوظاً ومرفوضاً من الفرنسيين والعرب على حدٍّ سواء.

стр. 3336

أما في مقالاته ودراسته، مثل صورة يهودي (١٩٦٢) ، وتحرير اليهود (١٩٦٦) ، فيقدم صورة اليهودي باعتباره «شخصية كامنة في الظل» ، فلا هي مندمجة تماماً ولا هي راغبة في التخلي عن خصوصيتها، تعيش دائماً على هامش الأحداث التاريخية العالمية. ولذلك، فإن الدولة اليهودية أو إسرائيل تصبح، على حدّ قوله، «الحل الوحيد لنا وورقتنا الرابحة الوحيدة وفرصتنا التاريخية الأخيرة» (ولكن هذا على اعتبار أن الدولة الصهيونية لا تقف هي الأخرى على هامش التاريخ العربي والتاريخ الغربي، فهي في حالة عداء ضد الأول رغم وجودها في المشرق العربي، وفي حالة تبعية للثاني رغم وجودها خارجه) . إرفنج كريستول (١٩٢٠-) Irving Kristol مفكر سياسي أمريكي، وأحد مؤسسي مجلة كومنتاري، وأحد محرري مجلة أنكاونتر، ومؤلف عدة كتب من أهمها عن الفكرة الديموقرّاطية في أمريكا (١٩٧٢) ، وتحيتان للرأسمالية (١٩٧٨) ، وتأملات محافظ جديد (١٩٨٣) ، وتدور كتبه حول موضوعات متفرقة، مثل الحركة الثورية للطلبة في الجامعة، وعدم الاستقرّار في العالم الثالث. وهو يعمل خبيراً أو مستشاراً في عديد من المؤسسات البحثية ومؤسسات الخبرة القريبة من مؤسسات صنع القرّار في الولايات المتحدة. ويُعَدُّ كريستول من أهم مفكري تيار المحافظين الجدد الذي ظهر أثناء رئاسة كارتر، والذي يضم بين صفوفه عدداً كبيراً من المفكرين الأمريكيين اليهود. لكن أهمية هذا التيار ليست مقصورة على الجماعة اليهودية، وإنما امتدت لتشمل المجتمع الأمريكي بأسره.

стр. 3337

وقد رفض المحافظون الجدد الوفاق وخفض التسليح، كما رفضوا كثيراً من السياسات الخارجية التي تبناها كارتر، فكانوا يطالبون مثلاً بضرورة أن تتخذ أمريكا موقفاً نشيطاً في سياستها الخارجية، وأن تنبذ الاتجاه نحو العزلة، أي أن تقوم بالتدخل العسكري لحماية ما تتصور أنه مصالحها. وفي الداخل، يطالب تيار المحافظين الجدد بالتخلي عن السياسات الاجتماعية التي تبناها الديموقرّاطيون والتي تهدف إلى تهدئة الصراعات الاجتماعية في المجتمع الأمريكي وتخفيف الأثر السلبي لسياسات الاقتصاد الحر. ومن المعروف أن الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة، وقياداتها، كانت تقف دائماً وراء الحزب الديموقرّاطي وتتبنَّى سياساته، شأنها في هذا شأن معظم أعضاء الأقليات في الولايات المتحدة. ولكن، ابتداءً من منتصف السبعينيات، بدأ يتبلور تيار محافظ داخل الجماعة اليهودية يلقي بثقله وراء الجمهوريين إلى أن وصل إلى الذروة في الثمانينيات مع تولي ريجان للرئاسة، حيث أيَّدته القيادات الصهيونية واليهودية المحافظة. ومما له دلالته العميقة أن غالبية الجماهير اليهودية لم تمتثل للتوجيهات الصهيونية وأدلت بصوتها لمرشح الحزب الديموقرّاطي. ولذا، لم يكن ريجان مديناً للصوت اليهودي بانتخابه، ومع هذا فهو من أشد الرؤساء الأمريكيين تحيزاً لإسرائيل، الأمر الذي يلقي كثيراً من الضوء على خرافة «الصوت اليهودي» .

стр. 3338

وقد قام المفكرون (من أعضاء الجماعات اليهودية ومن غيرهم) من المحافظين الجدد بصياغة كثير من الأفكار الإستراتيجية لإدارة ريجان، والمتصلة بزيادة التسلح والتخلي عن الوفاق، واتخاذ سياسة نشيطة معادية للاتحاد السوفيتي، ودعم حلفاء الولايات المتحدة، خصوصاً إسرائيل، في سياسة المواجهة مع الاتحاد السوفيتي. ولذا، عارض المحافظون الجدد من أعضاء الجماعات اليهودية محاولة الضغط على إسرائيل للانسحاب من الضفة والقطاع لتهدئة الرأي العام العالمي. وسياسة ريجان بشأن الشرق العربي، كانت، في التحليل الأخير، من صياغة هذه المجموعة. وقد أُطلق عليهم اسم «صقور ريجان اليهودية» وهي عبارة دقيقة إلى حدٍّ كبير. ولكن الوضع تغيَّر كثيراً بعد الانتفاضة، إذ نصح إرفنج كريستول الإسرائيليين بأن يقرروا مساحة الأراضي التي يودون الاحتفاظ بها، وأن يرسموا الحدود ثم ينسحبوا. « ... ولا أدري لم تصاب إسرائيل بالرعب من دولة في الضفة الغربية تحكمها منظمة التحرير الفلسطينية» . ويشكل تصريحه هذا تراجعاً عن مواقفه الأمريكية السابقة.

стр. 3339

وقد كتب كريستول مؤخراً دراسة بعنوان مستقبل يهود أمريكا تتناول وضع يهود الولايات المتحدة في ظل تزايد معدلات العلمنة. وتُعَدُّ هذه المقالة حدثاً فكرياً فريداً، إذ أنه قلب الأمور رأساً على عقب، فهو يؤكد في دراسته أن العلمنة جزء عضوي من عملية التحديث، وهو يصف العلمنة بأنها «رؤية دينية حققت انتصاراً على كل من اليهودية والمسيحية» ، وهو يصر على تسميتها «رؤية دينية» (رغم رفض العلمانيين لذلك) لأنها تحتوي على مقولات عن وضع الإنسان في الكون وعن مستقبله لا يمكن تسميتها علمية، ذلك لأنها مقولات ميتافيزيقية لاهوتية. وفي هذا الدين (العلماني) ، يصنع الإنسان نفسه أو يخلقها (تأليه الإنسان) ، كما أن العالم ليس له معنى يتجاوز حدوده، وبوسع الإنسان أن يفهم الظواهر الطبيعية وأن يتحكم فيها وأن يوظفها بشكل رشيد لتحسين الوضع الإنساني. ذلك أن المقدرة على الخلق، التي كانت من صفات الإله، أصبحت في المنظومة الدينية العلمانية من صفات الإنسان، ومن هنا ظهرت فكرة التقدم. وهذه العقيدة العلمانية هي الإطار المرجعي لكل من الليبرالية والاشتراكية، بل إنها تغلغلت في الأوساط الدينية اليهودية والمسيحية (باستثناء الأصوليين والأرثوذكس) . ويُلاحظ كريستول أن معدلات العلمنة بين يهود الولايات المتحدة مرتفعة إلى أقصى حد، بل إن اليهودية ذاتها تمت علمنتها ولم تَعُد عقيدة دينية وأصبحت مجرد نوع من المهدئات النفسية التي تساعد اليهود على تحمُّل التوترات الناجمة عن العصر العلماني الحديث. ويرى كريستول أن هذا أمر مفهوم، إذ أن المجتمع العلماني هو الذي أتى لليهود بحقوقهم وهو الذي أتاح لهم فرصة الاندماج، على عكس المجتمعات المسيحية التي كانت دائماً مجتمعات معادية لليهود. لكن الخطر الذي يواجه اليهود في الوقت الحاضر لم يَعُد معاداة اليهود وإنما الزواج المُختلَط، وهو خطر لم تجد له القيادات اليهودية حلاًّ بعد.

стр. 3340

يقدم كريستول حلاًًّ جديداً للمشكلة يستند إلى مقدمات فلسفية وتاريخية مفادها أن العقيدة العقلانية للإنسانية العلمانية بدأت تفقد مصداقيتها بالتدريج رغم هيمنتها الكاملة على مؤسسات مجتمعنا (المدارس والمحاكم والكنائس ووسائل الإعلام) . ويعود هذا إلى سببين: ١ ـ بإمكان الفلسفة العقلانية العلمانية أن تزودنا بوصف دقيق للمسلمات الضرورية لتأسيس نسق أخلاقي. ولكنها لا يمكن أن تزودنا بهذا النسق ذاته، فالعقل قادر على تفكيك الأنساق الأخلاقية ولكنه ليس قادراً على توليدها، إذ أن الإنسان يقبل الأنساق الأخلاقية من منطلق إيماني غير عقلي، والعقل المحض لا يمكن أن يتوصل إلى أن الجماع بالمحارم خطأ (طالما أن مثل هذه العلاقة لا تثمر أطفالاً) ، أو أن مضاجعة الحيوانات شر (إلا من منظور أنها انتهاك لحقوق الحيوانات) ، ذلك أنه ليس معروفاً لدينا إن كانت الحيوانات تتمتع بمثل هذه العلاقة الجنسية أم لا. وبسبب هذه الفوضى الأخلاقية، أصبح من المستحيل علينا تنشئة الأطفال، وتظهر أجيال قلقة لا تجد لنفسها مخرجاً من هذا الوضع. ٢ ـ لا يمكن أن يُكتب البقاء لمجتمع إنساني إن كان أعضاؤه يعتقدون أنهم يعيشون في عالم لا معنى له. والواقع أننا، منذ القرن التاسع عشر (الحركة الرومانسية) ، نجد أن تاريخ الفكر الغربي هو رد فعل للإحساس بأن العلمانية أدَّت إلى ظهور عالم لا معنى له، وهي تحاول أن تحل هذه المشكلة بأن تؤكد للإنسان أنه يسيطر على نفسه وعلى الطبيعة من خلال الاستقلال والإبداع، وهو أمر يراه كريستول مجرد خداع للنفس، ولذا فإن أهم ثلاثة فلاسفة غربيين في العصر الحديث لا يؤمنون بالعقيدة الإنسانية (الهيومانية) : فنيتشه عدمي، وهايدجر وثني جديد، وسارتر وجودي يشعر بالغثيان، كما أن التيارات الفكرية السائدة الآن (التفكيكية وما بعد الحداثة) كلها تشعر بالازدراء تجاه الفكر الإنساني الهيوماني.

стр. 3341

كل هذا يشير إلى أن من المتوقع تراجع العلمانية وتزايد الانتماء الديني. ويتبدَّى هذا في العبادات الوثنية الجديدة التي ظهرت، أي أن من المتوقع أن يحدث بعث جديد للمسيحية في المجتمع الأمريكي. ويتوقع كريستول أن يقاوم اليهود هذا الاتجاه، ولكنه يرى أن من الأفضل لهم أن يغيروا موقفهم وأن يتكيفوا مع الوضع الجديد، فليس من المتوقع أن يؤدي البعث الديني إلى تزايد معاداة اليهود. كما يرى أن البديل لتقبل عودة الرموز المسيحية والعقيدة المسيحية ما أسماه «البربرية المعادية للكتاب المقدَّس» والتي تتحدى كلاًّ من المسيحية واليهودية، بل والحضارة الغربية ككل. وأخيراً، يُنهي كريستول مقاله بعبارة مهمة: «إن يهود أمريكا عندهم حساسية مبالغ فيها من العداء المسيحي لليهود، وهم لذلك معرَّضون لخطر أن ينسوا أن من حطم الهيكل مرتين ونفى الشعب اليهودي لم يكن العداء المسيحي لليهود، وإنما الوثنيون والبابليون والرومان» . جورج ستاينر (١٩٢٩-) George Steiner مؤلف وعالم لغوي يعمل حالياً أستاذاً في جامعتي كامبردج وجنيف، من أهم مؤلفاته تولستوي أو دوستوديفسكي (١٩٥٩) ، وموت المأساة (١٩٦٠) حيث يذهب إلى أن سبب موت المأساة هو المنظومة المعرفية المسيحية ثم الماركسية. أو في اللغة والصمت (١٩٦٧) ، يتناول مسألة التآكل التدريجي للرؤية الإنسانية (الهيومانية) بسبب إفساد اللغة عن طريق الدعاية السياسية والإباحية والماركسية، ومن ثم يصبح الصمت الاستجابة الوحيدة اللائقة لفظائع عصرنا. وفي قلعة بلو بيرد (١٩٧١) يبين أن ثمة علاقة بين التجريد الموضوعي الذي يتسم به البحث العلمي وبين عدم اكتراث البشر بالحقائق السياسية الاجتماعية المتعينة.

стр. 3342

طوَّر ستاينر موضوع اللغة في كتابيه خارج حدود الدولة (١٩٧١) ، وبعد بابل (١٩٧٥) ، حيث يحاول أن يقدم نموذجاً لعملية الفهم والإدراك. وقد كتب ستاينر رواية مثيرة بعنوان حَمْل أ. هـ إلى سان كريستوبال (١٩٨١) ، وهي رواية يتخيل مؤلفها أن جماعة من الإسرائيليين تكتشف أن أدولف هتلر (أ. هـ) مختبئ في غابات الأمازون في أمريكا اللاتينية، فتقوم باختطافه لتحاكمه على جرائمه ضد البشرية. ولكن عند حدود الغابة، في الرقعة التي تفصل بين الغابة والعالم الذي يُقال له متحضر، يقوم هتلر بالدفاع عن نفسه فيبيِّن أن أفكاراً مثل فكرة «الشعب المختار صاحب الرسالة» هي أفكار وجدها في تراث اليهود الديني، ومادام الرايخ قد ولد إسرائيل، أفليس من الممكن أن يكون هتلر نفسه هو الماشيَّح الحق؟ نورمان بودورتز (١٩٣٠-) Norman Podhoretz

стр. 3343

كاتب أمريكي يهودي، ومحلل سياسي وثقافي. وُلد لأبوين مهاجرين من يهود اليديشية ونشأ في بروكلين (حي اليهود الشهير في نيويورك) ، والتحق بكلٍّ من جامعة كولومبيا والكلية اللاهوتية اليهودية. درس على يد ليونيل ترلنج في كولومبيا وعلى يد ف. ر. لفيس في كمبردج. وبعد عودته منها، ترأس تحرير مجلة كومنتاري التي تصدرها اللجنة اليهودية الأمريكية، وكانت هذه المجلة من أهم مجلات المؤسسة الثقافية الشرقية ذات التوجه الليبرالي في الستينيات. ولكن المجلة، شأنها شأن كثير من المثقفين الأمريكيين اليهود والجماعة اليهودية في الولايات المتحدة، بدأ يسيطر عليها تيار صهيوني، وأخذت تتحرك نحو اليمين إلى أن تخلت تماماً عن ليبراليتها، وأصبحت هي وكُتَّابها من أكبر المدافعين عما يُسمَّى «تيار المحافظين الجدد» الذي يدافع عن الحرب الباردة وعن ضرورة أن تتخذ أمريكا موقفاً نشطاً في سياستها الخارجية وأن تنبذ الاتجاه نحو العزلة. وهذه عبارات تعني في الخطاب السياسي الأمريكي ضرورة أن تقوم الولايات المتحدة بالتدخل العسكري في أي جزء من العالم حينما ترى أن ذلك في مصلحتها ومصلحة الديموقرّاطيات الغربية، وهو موقف يخدم المصالح الصهيونية. وقد طالب تيار المحافظين الجدد بألا تضغط أمريكا على إسرائيل للانسحاب من الضفة والقطاع لتهدئة الرأي العام العالمي. ولكن يجب التنبه إلى أن بودورتز يعبِّر عن اتجاه قوي بين أعضاء المؤسسة الثقافية الأمريكية (من أعضاء الجماعات اليهودية ومن غيرهم) ، ولا تشكل يهوديته سوى عنصر فرعي في موقفه قد يفسر حدة موقفه لا أكثر ولا أقل. أما موقفه في ذاته، فهو موقف أمريكي أصوله أمريكية وتوجهه أمريكي، فهو في دفاعه عن إسرائيل لا يتهم أعداءها بالعداء لليهود، وإنما يتهمهم بأنهم معادون للمصالح الأمريكية والحضارة الغربية، أي أنه يضع إسرائيل في سياقها الصحيح. ويُلاحَظ أن بودورتز عدَّل موقفه كثيراً بعد الانتفاضة، إذ قال: "الأمر

стр. 3344

الواقع لا يمكن له الآن أن يستمر، كما أن بدائل الاحتلال المستمر غير سارة وخطيرة; وألَّف بودورتز كتاباً بعنوان النجاح Making It في عام (١٩٦٨) ، وهو سيرة ذاتية لإنسان لا يؤمن بأية قيم مطلقة، وإنما يؤمن بالنجاح بأي ثمن. وهو يُطلق على الإصرار على النجاح عبارة «السرّ القذر الذي يخفيه مثقفو نيويورك» ؛ فشهوة النجاح لديهم تحل محل الشهوة الجنسية، وهي الدافع الأساسي في حياتهم. الباب الثانى عشر: الفلاسفة من أعضاء الجماعات اليهودية الفلسفة اليهودية والفلاسفة اليهود Jewish Philosophy and Philosophers «الفلسفة اليهودية» عبارة تفترض أن رؤى الفلاسفة من أعضاء الجماعات اليهودية وكذلك أنساقهم الفلسفية متماثلة ومتجانسة وأن ثمة عناصر تجانس وتشابه ووحدة بينها، تفوق في أهميتها وتفسيريتها عناصر عدم التجانس وعدم التشابه. ولكننا لو وضعنا فيلسوفاً هيلينياً يهودياً مثل فيلون إلى جانب فيلسوف إسلامي الحضارة والتفكير يؤمن باليهودية مثل موسى بن ميمون إلى جانب فيلسوف فرنسي يهودي مثل برجسون لاكتشفنا أن عناصر الاختلاف وعدم التجانس بين الفلاسفة اليهود من الأهمية والضخامة بحيث أن المقدرة التفسيرية والتصنيفية لمصطلح «فلسفة يهودية» أو حتى «فلاسفة يهود» ضعيفة إلى أقصى حد. ولذا، فنحن نفضل استخدام اصطلاح «الفلاسفة من أعضاء الجماعات اليهودية» حتى يتم تفسير أنساقهم الفلسفية المختلفة بالعودة إلى التشكيلات الحضارية التي كانوا يعيشون في كنفها والتي تفاعلوا معها واستمدوا منها الإطار الأساسي لأنساقهم الفلسفية وخطابهم، بل والأبعاد الأساسية لرؤيتهم للكون.

стр. 3345

الفلاسفة من أعضاء الجماعات اليهودية Philosophers from Members of the Jewish Cmmunities «الفلاسفة من أعضاء الجماعات اليهودية» عبارة ذات مقدرة تفسيرية وتصنيفية عالية (بالقياس إلى عبارات مثل «الفلسفة اليهودية» أو «الفلاسفة اليهود» ) .ويمكن أن نُقسِّم هؤلاء الفلاسفة من منظور موضوع فلسفتهم، فهناك من يتعامل مع اليهودية وبعض المشكلات الفلسفية المرتبطة بها وهناك من يتعامل مع القضايا الفلسفية العامة، وإن تعرَّض لقضايا يهودية فهو يتعرض لها بشكل عرضي. ويمكن التمييز بين المحاولات التي يبذلها بعض المفكرين الذين يتبنون الموقف التحليلي من اليهودية ويدرسونها بطريقة منهجية. فإن كان المفكر غير يهودي فإن ثمرة فكره تكون جزءاً من الدراسة الفلسفية للدين. أما إذا كان المفكر يهودياً مؤمناً بالعقيدة اليهودية، فإن الثمرة تكون اللاهوت اليهودي أو دراسة أصول الدين (التي تناولناها في مدخل العقائد) . وغني عن القول أن المفكر من أعضاء الجماعات اليهودية حين يحاول أن يتأمل عقيدته فإنه، شاء أم أبى، يُطبِّق المقولات الفلسفية السائدة في عصره على اليهودية. ولا يمكن الفصل بين الجانب التحليلي والجانب التركيبي، فالتحليل مثل التركيب كان يتم من خلال المقولات الفلسفية السائدة في الحضارات التي كان الفيلسوف من أعضاء الجماعات اليهودية يعيش بين ظهرانيها. ومن ثم، لا يمكن الحديث عن «فلسفة يهودية» وإنما عن محاولات قام بها مفكرون من أعضاء الجماعات اليهودية لتطبيق النظم الفلسفية المختلفة على العقيدة اليهودية والمزاوجة بينهما، وهي محاولة لا تتسم بكثير من التجانس نظراً لوجود الجماعات اليهودية داخل تشكيلات حضارية مختلفة تؤثر كل منها في المفكرين بطريقة مختلفة. ولذا، فإن دراسة فكر هؤلاء لا يكون إلا بالعودة للحضارات التي يعيشون بين ظهرانيها.

стр. 3346

والعهد القديم، مثله مثل أي كتاب مقدَّس، لا يحوي نسقاً فلسفياً واضحاً، وإنما يستند إلى نسق كامن مركب يعبِّر عن نفسه في العقائد الأساسية الخاصة بطبيعة الخالق والخلق والوحي والتوحيد والعدالة الإلهية ومعنى التاريخ، وهلم جرا. كما أن التراث الديني اليهودي، من خلال الأجاداه، كان يحاول الإجابة على أسئلة فلسفية بطريقة غير فلسفية، من خلال الرموز والقصص. وتوجد تساؤلات فلسفية في كلٍّ من التلمود وكتب القبَّالاه، ولكن الاجابة عليها لا تتم بالطريقة الفلسفية المنهجية وإنما من خلال الأسطورة والأمثولة والصورة والمجاز. ولم يظهر التفكير الفلسفي المنهجي بين اليهود إلا في القرن الأول قبل الميلاد في فلسفة فيلون السكندري الذي حاول المزاوجة بين الفلسفة اليونانية (الأفلاطونية والرواقية) والعقيدة اليهودية. ولكن فلسفته لم تترك أثراً في التطور اللاحق لليهودية، بينما تأثر بها اللاهوت المسيحي. وتأثر المفكرون من أعضاء الجماعات اليهودية في الدولة الإسلامية بعلم الكلام (الذي هو بدوره، في جانب من جوانبه، رد الفعل الإسلامي للفلسفة اليونانية) .

стр. 3347

ويبدو أن اليهودية وجدت نفسها دين أقليات متناثرة تواجه دينين سماويين توحيديين تتبع كل منهما إمبراطورية مترامية الأطراف وترفض كلٌ منهما اليهودية. ولذا، ظهر فكر ديني يهودي يحاول تفسير هذه الظاهرة عقلياً ويرمي إلى الدفاع عن اليهودية وإثبات شرعيتها. وأولى هذه المحاولات محاولة داود بن مروان المقمص، وتبعتها محاولة سعيد بن يوسف الفيومي، اللذين نقلا فكر المعتزلة إلى الفكر الديني اليهودي. وهما، في هذا، لا يختلفان كثيراً عن القرّائين. وتأثر الفكر الديني اليهودي بالحوار الذي جرى داخل الفلسفة الإسلامية بين الفلسفة وأعدائها، فدافع عن الفلسفة أبراهام بن داود، وموسى بن ميمون، ولاوي بن جرشون (جيرونيدس) ، وحسداي قرشقاش. وهاجم الفكر الفلسفي كلٌّ من سليمان بن جبيرول وابن فاقودة ويهودا اللاوي. وفي العصر الحديث، يبدأ التفكير الفلسفي بين اليهود في كتابات إسبينوزا فيلسوف العَلمانية الذي وجَّه سهام نقده لليهودية خاصة، وللفكر الديني عامة، لدرجة يصعب معها الحديث عنه باعتباره مفكراً دينياً. ولذا، قد يكون من الأفضل أن نبدأ بموسى مندلسون فيلسوف حركة التنوير بين اليهود، والذي تبنَّى فكر حركة الاستنارة الغربية والفلسفة العقلانية وطبقه على اليهودية بعد إفساح المجال للوحي، وهذا ما جعل فكره ربوبياً إلى حدٍّ ما. وقد تأثر المفكرون اليهود بفكر هيجل كما يتضح في كتابات كروكمال. أما هرمان كوهين فتأثر بفلسفة كانط. وظهر فلاسفة يهود آخرون في العصر الحديث حاولوا إعادة صياغة اليهودية مستخدمين مقولات الأنساق الفلسفية السائدة. فنجد فرانز روزنزفايج، ومارتن بوبر، وليوبايك، وأبراهام هيشيل، يحاول كل منهم بطريقته استخدام مقولات نسق فلسفي ما (وجودي أو مثالي) لإعادة تفسير اليهودية (وقد تناولنا كتابات مثل هؤلاء المفكرين الدينيين في المجلد السادس الخاص باليهودية) .

стр. 3348

ويمكن أن نضع الصهيونية في هذا الإطار، فهي محاولة لتطبيق مقولات الفكر الرومانسي القومي العنصري على اليهودي. وتأثر معظم المفكرين الصهاينة (هرتزل ونوردو وآحاد هعام) بفلسفة نيتشه وأفكاره عن القوة وأخلاق العبيد والإنسان الأعلى أو الأسمى. ويُلاحَظ أن كثيراً من الموضوعات الصهيونية وجدت طريقها إلى كتابات الفلاسفة من أعضاء الجماعات اليهودية، حتى أولئك الذين لم يهتموا بالصهيونية أو ناصبوها العداء، ومن أهم هذه الموضوعات موضوع «سر بقاء الشعب اليهودي» ، ومحاولة تفسيره إما من خلال مقولات هيجلية أو من خلال مقولات نيتشوية أو وجودية. ورغم أن الموضوع يُناقَش بشكل فلسفي مجرد للغاية، وليس له علاقة كبيرة بالتطبيقات السياسية، إلا أن هذا الموضوع نفسه يشكل الفكرة المحورية في النسق العقائدي الصهيوني الذي هو بدوره علمنة لفكرة الشعب المختار أو الشعب المقدَّس. ومن ثم، نجد أن هذه الكتابات إنما هي تسويغ واع أو غير واع للغزوة الصهيونية من خلال ديباجات فلسفية معاصرة.

стр. 3349

ويوجد فلاسفة يهود كان اهتمامهم باليهودية ضعيفاً أو منعدماً، أو تعبيراً عن موقف فلسفي عام يتجاوز اليهودية في حد ذاتها. ولذا، فإن إسهامهم الأساسي كان يصب في التيار العام للفلسفة الغربية، ومعظمهم من اليهود غير اليهود، أي اليهود الذين لا يؤمنون بالعقيدة اليهودية ولا يتمسكون بإثنيتهم اليهودية حقيقية كانت أم وهمية والذين ازدهروا في الحضارة الغربية بمقدار تمثُّلهم لقيمها وبمقدار تهميشهم هويتهم وفهمهم. وإسبينوزا هو أول هؤلاء الفلاسفة. ويمكن أن نذكر في هذا المقام كارل ماركس، وفرديناند لاسال، وإدموند هوسرل، وهنري برجسون، ولودفيج فيتجنشتاين، وهربرت ماركوز، وهوراس كالن، وجاك دريدا (أي كل الفلاسفة من أعضاء الجماعات اليهودية الذين ازدهروا على مستوى الحضارة الغربية) . وقد يكون لهؤلاء الفلاسفة بعض الملاحظات أو العبارات المؤيدة للصهيونية أو المعادية لها أو لليهودية ولكنها تظل ملاحظات عرضية (إلا في حالة كالن) . وقد لاحظنا أن معظم الفلاسفة العلمانيين من أعضاء الجماعات اليهودية يُعبِّرون في فلسفتهم عن الرؤية الحلولية الكمونية الواحدية وأنهم يتأرجحون بين التمركز حول الذات والتمركز حول الموضوع.

стр. 3350

ومن الظواهر التي تستحق الدراسة عدم ظهور فلاسفة من أعضاء الجماعات اليهودية يُعتَد بهم عبر تاريخ العالم الغربي والإسلامي، وأن أول فيلسوف يُعتَد به هو إسبينوزا في القرن السابع عشر (هذا على عكس علم الاجتماع وعلم النفس وعلم الأنثروبولوجيا وعلم اللغة، حيث يُلاحَظ وجود عدد كبير من العلماء من أعضاء الجماعات اليهودية ساهموا في تأسيس هذه العلوم وتطويرها) . ولتفسير ذلك يمكن الإشارة إلى أن الفلسفة كانت دائماً مرتبطة بالدين وبرؤية المجتمع للكون، وهو ما كان يعني استبعاد أعضاء الجماعات اليهودية باعتبارهم أعضاء في جماعة وظيفية تعيش في داخل المجتمع ولكنها ليست منه. ومع ظهور الرؤية العلمانية المادية للكون وترسُّخها، وتصاعُد معدلات العلمنة في المجتمع، أصبح بإمكان أعضاء الجماعة الوظيفية (وهم عادةً من حملة الرؤية الحلولية العلمانية) أن يساهموا بدور أكثر فعالية ومباشرة في عملية الإبداع الفلسفي (وفي العلوم الأخرى التي ظهرت بعد الثورة الصناعية والثورة الفرنسية، أي بعد أن أصبحت رؤية الإنسان الغربي للكون حلولية علمانية) . وقد لاحظنا أن الفيلسوف أو المفكر من أعضاء الجماعة اليهودية يحقق ذيوعاً إن تحرك على أرضية حلولية كمونية (روحية على طريقة فيلون أو مادية على طريقة إسبينوزا) تجعل التمييز بين عقيدة وأخرى أمراً عسيراً. ومع هذا يُلاحَظ أنه بعد إسبينوزا لم يظهر فيلسوف واحد بارز من أعضاء الجماعات اليهودية، وعلينا الانتظار حتى أوائل القرن العشرين لنقابل بعض الفلاسفة البارزين من بين أعضاء الجماعات اليهودية (برجسون وهوسرل) . وقد ترك ماركس أثراً عميقاً في الفكر الفلسفي الغربي ولكنه لم يكن فيلسوفاً بالمعنى المتخصص للكلمة. ولتفسير هذه الظاهرة يمكن القول بأن إسبينوزا ظهر في لحظة انقطاع في الحضارة الغربية (نهاية الرؤية المسيحية وبداية الرؤية العقلانية المادية) وأن برجسون وهوسرل ظهرا هما الآخران في لحظة انقطاع في

стр. 3351

الحضارة الغربية (عالم ما بعد نيتشه وبداية اللاعقلانية المادية) . ويُلاحَظ تزايد اشتراك أعضاء الجماعات اليهودية في صياغة الفكر الفلسفي النقدي في الغرب (ماركس وفرويد) خصوصاً في فلسفة اللغة، وهو تيار يصل إلى قمته في فكر تشومسكي (الثورة التوليدية) وفكر دريدا (الفلسفة التفكيكية التي تضم عدداً كبيراً من المفكرين من أعضاء الجماعات اليهودية) . وقد تلاحَظ بعض السمات الأساسية في أنساقهم الفلسفية التي لا يمكن تفسيرها إلا بالعودة لميراثهم اليهودي (مارانية إسبينوزا ومشيحانية ماركس العلمانية وحلولية دريدا ... إلخ) . ولكن نسقهم الفكري يظل في شكله ومضمونه جزءاً من الفلسفة الغربية ينبع منها ويصب فيها. ولذا، سيُلاحَظ أن تتابع فلسفات هؤلاء الفلاسفة وتغيُّرها ينبع من تاريخ الفلسفة في الغرب. وفي هذه الموسوعة فرقنا بين المفكرين والفلاسفة، فالمفكرون هم من يتعاملوا مع القضايا الفكرية والفلسفية من خلال مقولات فكرية عامة ليست بالضرورة المقولات الفلسفية المتعارف عليها، كما أن آليات التحليل والخطاب المستخدم مختلفة عن تلك التي يستخدمها الفلاسفة. ومع هذا، بإمكان القارئ أن يعود للباب المعنون «المفكرون اليهود» للتعرف على فكر بعض المفكرين الفلاسفة مثل حنه أرنت وإرنست بلوخ وإيزياه برلين، وغيرهم. فيلون (بين ١٠ و١٥ ق. م - ٣٠ م) والأفلاطونية المُحدَثة Philo and Neo-Platonism

стр. 3352

فيلسوف سكندري هاجر أبوه إلى فلسطين من مصر ضمن الألوف الأخرى من اليهود التي هاجرت (قبل سقوط الهيكل) حتى فاق عدد يهود الإسكندرية يهود القدس. وكان أبوه يلعب دوراً بارزاً في فلسطين، أي أنه كان من أعضاء النخبة اليهودية، التي كانت متأغرقة إلى حدٍّ كبير. وكان أخو فيلون (ليسيماخوس) من كبار المصرفيين ومسئولاً عن الجمارك في الإسكندرية. وكان أثرى رجل في الإسكندرية، بل يُقال إنه كان من أثرى الناس في العالم آنذاك، إذ يقول يوسيفوس المؤرخ إنه أعطى قرضاً ضخماً «للملك» أجريبا الأول، كما أرسل كميات من الذهب والفضة لتزيين بوابات الهيكل اليهودي التسعة في القدس. وكان صديقاً للإمبراطور الروماني كلوديوس تايبيرو. وفيلون هو عم تايبريوس ألكسندر الذي ارتد عن اليهودية وكان حاكماً رومانياً وجنرالاً في الجيش الروماني أثناء حصار القدس عام ٧٠م والذي انتهى حينما أمر تيتوس بهدم الهيكل. وُلد فيلون في الإسكندرية التي كانت قد تأغرقت جماعتها اليهودية وتحولت إلى جماعة وظيفية (كما تدل على ذلك وظيفة أخى فيلون) . وقد بلغ بهم التأغرق حد أنهم نسوا العبرية، فكانوا يؤمنون بأن الترجمة اليونانية للعهد القديم المعروفة باسم «الترجمة السبعينية» مُرسَلة من الإله. وظهر في الإسكندرية عدد من الكتاب اليهود (ممن كتبوا باليونانية) تُظهر أعمالهم مدى تمثُّلهم قيم الحضارة الهيلينية. وظهر بين هؤلاء أدب يحاول المزاوجة بين الحضارتين اليونانية والعبرانية ولكنها كانت في واقع الأمر محاولة لإعادة صياغة اليهودية على أسس يونانية هيلينية. كما حاول هؤلاء الكُتَّاب أن يبينوا أن اليهود ليسوا أقل مكانة أو تحضراً من الشعوب الأخرى، خصوصاً اليونانيين.

стр. 3353

وكان يهود الإسكندرية يرسلون أبناءهم للجمنيزيوم اليوناني (وهو يعادل المدرسة الثانوية) عندما يبلغون العاشرة من عمرهم تقريباً. والجمنيزيوم كان مدرسة كاملة للجسد والروح، مرتبطة تمام الارتباط بالعقيدة الوثنية اليونانية. ولا شك في أن اليهود الذين درسوا في مثل هذه المعاهد فقدوا ما تبقى لهم من هوية «عبرانية» . وقد أجهزت المؤسسات الثقافية الشعبية الأخرى (مثل المسرح والسيرك) على ما تبقى من ترسبات عبرانية في وعيهم وذاكرتهم. ثم كان هناك أخيراً الحراك الاجتماعي، فاليهودي الذي كان يود أن يخدم المدينة، كان عليه أن يصبح وثنياً إذ أن طقوس المدينة السياسية كانت مرتبطة تمام الارتباط بالشعائر الدينية الوثنية (وهذا ما فعله تايبريوس ألكسندر، ابن أخي فيلون، وهو بذلك ينتمي إلى نمط أبناء الجيل الثالث من المهاجرين الذين ينسون كل شيء عن وطنهم الأصلي (إلا بضعة قصص أو كلمات) وينتمون تماماً إلى وطنهم الجديد، على عكس أبناء الجيل الثاني ممن يحتفظون ببعض القشور الحضارية من الوطن الأصلي من خلال احتكاكهم بآبائهم) .

стр. 3354

ولم يكن فيلون استثناء من هذه القاعدة، إذ تلقى تعليماًً هيلينياً كاملاً. فهو يذكر في كتاباته عدداً ضخماً من الكُتَّاب اليونانيين وكان يعرف جيداً أسرار الخطابة اليونانية، وتلقى تعليمه في الجمنيزيوم (ويشير إليه في عبارات إيجابية) . وحينما تحدث فيلون عن العلوم التي أتقنها موسى، فإنه يذكر أنها الرياضيات والهندسة والفلك والموسيقى والفلسفة والنحو والخطابة والمنطق، وهي العلوم التي كانت تُدرَّس في الجمنيزيوم، والأغلب أنها العلوم التي درسها فيلون نفسه. ومن المعروف عن فيلون أنه كان مغرماً بالمسرح والموسيقى وبمباريات الملاكمة وحضر كثيراً من سباق العربات. كما أنه يذكر في كتاباته أنه كثيراً ما كان يحضر مآدب العشاء التي كانت تتبعها أنواع من التسلية التي سادت في الإمبراطورية الرومانية، أي أنه (على المستوى الثقافي العام) كان متأغرقاً تماماً. وفي مقابل هذا، لا يذكر فيلون شيئاً عن تعليمه اليهودي رغم أنه كان يعتبر نفسه يهودياً ممارساً للعقيدة اليهودية. والإشارة الوحيدة للتعليم اليهودي في أعماله تبيِّن مدى ضعف صلته، فهو لا يذكر سوى مدارس السبت اليهودية التي كانت تُعقَد لسماع محاضرات عن الأخلاق. ولم يكن فيلون يعرف العبرية ولا الشريعة الشفوية، كما كان يستخدم الترجمة السبعينية اليونانية. ويبدو أنه، في مرحلة من حياته، انضم إلى جماعة المعالجين (ثيرابيوتاي) وهي جماعة يهودية ذات طابع غنوصي كانت توجد بجوار الإسكندرية، كما أنه عبَّر عن إعجابه بجماعة الأسينيين (أي أنه كان معجباً بجماعات دينية يهودية هامشية) .

стр. 3355

ومما يُعرَف عن فيلون أنه زار فلسطين ذات مرة، كما أنه كان ضمن الوفد اليهودي الذي ذهب إلى روما ليعرض شكوى يهود الإسكندرية على الإمبراطور كاليجولا بعد ثورة سكان الإسكندرية اليونانيين على أعضاء الجماعة اليهودية فيها. وكان أبيون قد اتهم اليهود بأنهم لا يدينون بالولاء للمدينة أو للإمبراطورية، فأعد فيلون دفاعاً ليلقيه بين يدي الإمبراطور. ولكنه ما أن بدأ في إلقائه حتى قاطعه كاليجولا وصرف الوفد اليهودي. وأهم مصادر فكر فيلون الفلسفة الأفلاطونية، كما أنه تأثر بأرسطو والفيثاغورثيين الجدد والكلبيين والرواقيين. وقد حاول أن يمزج بين روح الفلسفة اليونانية (خصوصاً فلسفة أفلاطون) وعقائد الدين اليهودي (خصوصاً فكرة الوحي الإلهي والعهد القديم) ، فكان يرى أن الفلسفة اليونانية وحي عميق، ومصدراً لبيان الحقائق بينما الكتاب المقدَّس وحي واضح جلي لبيان ما في هذا الكون من حق. بل إنه كان يرى، شأنه شأن كثير من الكُتَّاب اليهود المتأغرقين. أن الفلسفة اليونانية مأخوذة من التقاليد العبرية، وأن أفلاطون وأرسطو أخذا تعاليمهما من موسى ومن التوراة. ورغم كل هذا، لا يمكن تصنيف فلسفة فيلون إلا على أنها فلسفة يونانية تنتمي أساساً إلى التقاليد الأفلاطونية بعد اختلاطها بالعبادات السرية.

стр. 3356

والوجود الإلهي في نظر فيلون هو الكمال المطلق، والوجود الحق، والموجود حقاً، والصلة الأولى، وأبو العالم ونفسه وروحه الذي لا يمكن أن نعرفه بإدراك عقلي ولا يستطيع الفكر إدراك كنهه، أو هو (بمعنى أدق) لا يدخل في نطاق العقل الإنساني (وبهذا فهو يشبه الإله الخفي في الفكر القبَّالي والفكر الغنوصي) . والإله لا يستطيع أن يحكم هذا العالم مباشرةً، فاستعان فيلون بالمفهوم الأفلاطوني الخاص بالأشكال أو النماذج المثالية أو الأفكار المطلقة والتي يسميها فيلون «القوى التي تحدد أشكال العالم المرئي» . هذه الأشكال هي أفكار الإله قبل خلق العالم، ولذا، فهي أدواته التي يفرض من خلالها النظام على العالم. ويُفسِّر فيلون رغبة موسى في أن يرى جلال الإله رؤية العين، فيقول: إنها رغبة في رؤية القوى الإلهية، لكن الإله يخبره أن أحداً لا يمكنه أن يدرك هذه القوى، بل يمكن فقط رؤية أثرها في العالم تماماً كما يرى الإنسان أثر الختم في الشمع دون أن يرى الختم نفسه. فهذه القوى هي مصدر كل من البنية الكامنة والنظام الواضح في العالم، وهي بمنزلة الوسيط بين الملك والكون.

стр. 3357

وأهم الوسطاء (والفكرة العليا التي توحِّد القوى كافة) اللوجوس (الكلمة) التي تُعبِّر عن الإله ولكنها منفصلة عنه. فمن خلالها خلق الإله العالم، وبواسطتها يتجلى في الوجود كما تتجلى آثار الشمس في أضوائها. وبهذه الوسيلة، فإنه موجود دائماً، حاضر في كل شيء، فعّال في الأشياء التي تفيض منه دون أن ينفعل على الإطلاق. إن اللوجوس هو الوكيل الذي تتجلى من خلاله عظمة الإله في العالم المادي. وقد سماه فيلون «أول أبناء الإله» و «صورة الإله» . وقد يكون اللوجوس هو ما يتجسد في التوراة التي أرسلها الإله للبشر. واللوجوس لا يحل فقط في الكون والتوراة وإنما يحل في الإنسان نفسه أيضاً. فأرواح البشر أصلها الإله، ولذا فإن الإنسان يمكنه أن يصل إلى فهم طبيعة الإله لا من خلال الإدراك الروحي وإنما من خلال التأمل الصوفي وروح النبوة. وحتى يتم ملء كل الثغرات تماماً (وهذا متوقع في رؤية حلولية كمونية فيضية للإله) . يقول فيلون: بعد اللوجوس، يأتي نموذج العالم ويليه الحكمة ثم رجل الإله أو آدم الأول ثم الملائكة ثم الإله نفسه، وأخيراً القوى وهي كثيرة: ملائكة وجن ناريون وهوائيون يُنفِّذون الأمر الإلهي. والتماثل البنيوي بين هذه الأفكار والقبَّالاه واضح للغاية. وعلى كلٍّ، ورغم مهاجمة فيلون للغنوصية، فثمة أثر واضح للغنوصية في فكره يتضح بشكل خاص في رؤيته للجسد باعتباره سجن الروح التي تهرب من الجسد وتعود للإله وتلتحم به.

стр. 3358

وثمة رأي يذهب إلى أن النزعة الحلولية القوية في فكر فيلون هي في واقع الأمر محاولة من جانبه لأن يجعل اليهودية قادرة على التنافس مع عبادات الأسرار (الحلولية) ذات الطابع التبشيري القوي والتي جذبت كثيراً من أعضاء الجماعات اليهودية. وهذا تفسير براني تراكمي، فالفلسفات والعبادات التي انتشرت في العالم الوثني الروماني بعد أفلاطون وأرسطو (الرواقية ـ الأبيقورية ـ الفيثاغورثية الجديدة ـ الأفلاطونية الحديثة ـ الغنوصية ـ الأورفية ... إلخ) . كانت فلسفات وعقائد حلولية. وفيلون السكندري جزء من هذا التيار الحضاري العام بغض النظر عن البُعد اليهودي في تفكيره ووجدانه. وتأخذ الحلولية عند فيلون طابعاً كوزموبوليتانياً كونياً (كما هو الحال في الرواقية والأبيقورية والأفلاطونية الحديثة) . ولذا، فإن الإله ليس رب اليهود وإنما هو رب الكون. ويتوقف الحديث عن الشعب المقدَّس، ولا يوجد أثر للنزعة المشيحانية المرتبطة بالحلولية اليهودية. وقد أوَّل فيلون قضية جمع شمل اليهود في بلد واحد بعد توبتهم (أي الشتات والعودة) بأنه يعني اجتماع الفضائل في النفس وتناسقها بعد ما تُحدثه الرذيلة من تشتُّت. أما الوعد بخيرات مادية للشعب، فهو وعد بالخيرات الروحية للنفس الصالحة وسيادة الشريعة على العالم. ويفسر فيلون كلمة «يسرائيل» بأنها «الرجل أو الشعب الذي يرى الإله» . وهذا أمر ليس مقصوراً على اليهود وحسب، وكل ما في الأمر أن اليهود يقومون على خدمته. واليهودية، من ثم، ليست انتماء عرْقياً وإنما عقيدة دينية. وعلى ذلك، فقد كان فيلون من دعاة التبشير باليهودية وبأنه يتعيَّن على اليهودي أن يكون مواطناً في البلد الذي يقيم فيه.

стр. 3359

ويتجاوز فيلون أحياناً المنظومة الحلولية، فيُظهر الإله منزهاً عن الكون، غير خاضع لقوانين الطبيعة، قادراً على أن يوقفها. كما أن التشبيهات الغليظة والصور التجسيمية التي ترد في العهد القديم (وهي تعبير عن الحلولية اليهودية) يتم تأويلها وتخليصها من ماديتها. كما لجأ إلى التفسير الرمزي لمعاني العهد القديم حتى يخلِّص كثيراً من النصوص من معانيها الحلولية الوثنية إن فُسِّرت حرفياً. وفي المجال الأخلاقي، يتميَّز فيلون عن الحلولية الوثنية بأنه يؤمن بحرية الإرادة. وحينما تحدث عن الفضائل فقد تحدث عن فضيلة العدالة وأدرج الإيمان الديني والإنسانية ضمن الفضائل، كما أنه يرى أن الندم على الخطايا فضيلة (بينما هو ضعف من وجهة نظر الفلاسفة الوثنيين) . وكتابات فيلون إسقاط لكثير من القيم الهيلينية على التراث الديني اليهودي وليست مزجاً بينهما. ومن ثم، فإنه لم يترك أثراً واضحاً في التطور اللاحق للفكر الديني اليهودي، في حين استفاد منه الآباء المسيحيون (أمبروزو وأوريجين) استفادة بالغة بحيث يمكن أن نقول إن فلسفة فيلون هي مسيحية جنينية. وقد تركت طريقته في التأويل الرمزي أعمق الأثر في التراث المسيحي ومن أهم إضافاته أيضاً رموز الأنبياء. وقد صنفته الموسوعة البريطانية كرائد من رواد اللاهوت (بالإنجليزية: فورانر forerunner) المسيحي ومؤسس الفلسفة الوسيطة المسيحية. موسى بن ميمون (١١٣٥-١٢٠٤) والفلسفة الإسلامية Maimonides and Islamic Philosophy

стр. 3360

موسى بن عبد الله بن ميمون القرطبي. مفكر عربي إسلاميُّ الحضارة والفكر يؤمن باليهودية وعضو في الجماعة اليهودية في إسبانيا الإسلامية. وُلد في قرطبة لأسرة من القضاة والعلماء اليهود. وعُرف أيضاً باسم «رمبم» وهي الحروف الأولى من اسمه ولقبه حيث تجيء الراء اختصاراً لكلمة «رابي» أى «حاخام» . وكان من الأقوال المأثورة بين اليهود قولهم «لم يظهر رجل كموسى من أيام موسى إلا موسى» وذلك لأنه كان بارعاً في آداب الدين والعهد القديم والطب والعلوم الرياضية والفلسفة. تلقى تعليماً عربياً ودينياً يهودياً، ومن بين شيوخه تلميذ من تلاميذ ابن باجه. وحين استولى الموحِّدون على قرطبة عام ١١٤٨، اتخذوا سياسة متشددة تجاه الأقليات الدينية بسبب تصاعد المواجهة مع الدولة المسيحية في شمال شبه جزيرة أيبريا. وقد خُيِّر اليهود والمسيحيون بين أن يسلموا أو يرحلوا خلال مدة محددة. وبقي موسى بن ميمون وأظهر الإسلام حتى أتته الفرصة فسافر إلى فلسطين ومكث فيها بعض الوقت ومنها ذهب إلى الإسكندرية ثم إلى الفسطاط فعاش بين أعضاء الجماعة اليهودية وأظهر اليهودية وتزوج بنت كاتب يهودي وشمله القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني برعايته وقدر له راتباً كطبيب. وفي آخر عمره دخل مصر فقيه أندلسي فشنع عليه وهاجمه لأنه كان بالأندلس يُظهر الإسلام فدافع عنه القاضي عبد الرحيم بأنه أسلم مكرهاً فلا يصح إسلامه شرعاً. وقد عمل ابن ميمون في بداية الأمر تاجر جواهر ثم طبيباً للوزير القاضي الفاضل. وحينما تولى ابن صلاح الدين (الأفضل) الملك، أصبح موسى بن ميمون طبيبه الخاص. وقد ألَّف ابن ميمون معظم كتبه أثناء إقامته في القاهرة (ومن بينها عدة كتب في الطب) . ومات فيها عام ١٢٠٤م.

стр. 3361

من أهم كتبه كتاب السراج وهو تفسير دقيق للمشناه. ومن كتبه الأخرى كتاب مشنيه توراه أي «تثنية التوراة» وهو الكتاب الوحيد الذي كتبه بالعبرية حتى يستطيع كل قضاة اليهود قرّاءته والاستفادة بما جاء فيه ولا يضطروا إلى العودة للتلمود. والكتاب عمل تصنيفي متأثر بالتصنيفات الإسلامية المماثلة، رتب فيه في نظام منطقي وبإيجاز واضح ما حواه العهد القديم من قوانين بالإضافة إلى جميع قوانين المشناه والجماراه. وإذا كانت طريقة التلمود هي عرض الموضوع وإفساح المجال للمناقشة بين أصحاب المذاهب والآراء المختلفة بدون ترجيح في أغلب المشكلات، فإن ابن ميمون اعتمد على رجاحة عقله وعلى التقاليد الموروثة في الحكم بشكل مجرد. وهو لا يجمع روايات ولا يدخل في غمرة مناقشات، بل يُفصِّل تفصيلاً ويحكم حكماً صريحاً مبيناً. ومن هنا، نراه لا يشير إلى مصادر أو إلى أسانيد أو إلى أصحاب المذاهب من أحبار التلمود إذ ليست المذاهب جوهر الموضوع الذي يبحثه. وقد ُسمِّي هذا الكتاب اليد القوية (يد حازاقاه) ، وكلمة «يد» تعادل الرقم ١٤ وهو عدد فصول الكتاب.

стр. 3362

أما أهم كتب ابن ميمون على الإطلاق فهو كتاب دلالة الحائرين الذي كتبه بالعربية ثم تُرجم إلى العبرية، وهو مقسَّم إلى ثلاثة فصول. ويحاول ابن ميمون في هذا الكتاب أن يُوفِّق بين العقل والدين، لأن العقل غرسه الخالق في الإنسان. وحينما يبحث ابن ميمون في الذات الإلهية، فإنه يستنتج مما في الكون من شواهد التنظيم المُحكَم أن عقلاً سامياً يسيطر على هذا الكون. فالخالق حسب رأيه عاقل ولا جسم له، وكل العبارات التي تشير إلى شيء من أعضاء الجسم في وصف الخالق يجب أن تُفسَّر تفسيراً مجازياً. وصفاته لا تنفصل عن ماهيته وهو المحرِّك الأول والصلة الأولى الواجبة. وهو خالق العالم من العدم، ولذا فهو يدحض فكرة أرسطو الخاصة بأزلية الكون. والعالم كلٌ تترابط أجزاؤه على أساس قوانين معينة تتوقف في كليتها على فعل الخلق (أي عملية الخلق) ذاته، وهو فعل لا نظير له في التاريخ، وهذا الرأي يقترب من رأي الأشاعرة رغم هجوم ابن ميمون عليهم. ويصر ابن ميمون على فكرة فعل الخلق هذه إذ بدونها يصبح العالم عبارة عن مادة محضة تتحرك بقانون السببية المادي. وهو يضيف أنه لو كان هذا هو الوضع حقاً لفهمنا كل شيء في الطبيعة بقوانين المنطق. ولكن هناك في الطبيعة من الظواهر ما لا يمكننا فهمه.

стр. 3363

تعرَّض موسى بن ميمون للمعجزات فآمن بإمكانية حدوثها، ولكنه حاول أن يُبقي هذه الإمكانية في أدنى حد ممكن. وفسَّر بعض ما ورد من المعجزات في العهد القديم تفسيراً علمياً وأوَّل كثيراً من الأفكار الدينية اليهودية تأويلاً يجعلها تتفق مع العقل. ويتعرض الكتاب أيضاً لطبيعة النبوَّة حيث عرَّفها بأنها ظاهرة تكاد تكون طبيعية يستطيع المرء أن يصل إليها من خلال المران اللازم حتى يرتفع إلى الكمال الخلقي والعقلي. ولكن، مع هذا، ليس بإمكان النبي أن يصبح نبياً إلا بإرادة الخالق. وأبو الأنبياء هو موسى، فكل الأنبياء يأتيهم الوحي منقطعاً، أما موسى فقد أتى بشريعة وأطلق نبوءته بشكل مستمر. وشريعة موسى من أهم المعجزات في التاريخ، ومع هذا كان على الشريعة أن تتنازل للعقل الشعبي، ومن هنا تأتي بعض الشعائر مثل تقديم الضحايا والقرّابين التي تُعَدُّ تنازلاً لهذا العقل الذي ينجذب دائماً نحو الوثنية (ولذا لا يمكنه تخيُّل عبادة بدون تضحية) .

стр. 3364

والشر، حسب رأي ابن ميمون، ليس له وجود ذاتي موجَب وإنما هو انتفاء الخير. وكثير مما يبدو لنا أنه شر في ذاته إنما هو نتيجة خطأ الإنسان. كما أن الإنسان لا يمكنه أن يعرف الغرض الإلهي النهائي. وقد خلق الإله العالم بإرادته وحكمته. وعناية الإله لا تتوقف عند النوع والعام وإنما تصل إلى الأفراد، وهي تتناسب مع جهد الفرد في أن ينشِّط عقله ويسمو به. ثم يتحدث ابن ميمون عن دين الكمال الإنساني، دين قوامه التأمل الفلسفي في الخالق. ويضرب مثلاً ليوضح فكرته فيشبِّه مستويات العقل الإنساني بمجموعات من الناس يقفون حول قصر الملك بعضهم خارج حوائط المدينة، وهؤلاء هم الذين لا يؤمنون بعقيدة ما. وبعضهم داخلها، وهؤلاء يؤمنون بعقيدة ولكنهم وقعوا في خطأ ما أثناء تأملهم أو أنهم اتبعوا رأي حجة وقع هو نفسه في الخطأ. ويحاول بعضهم دخول قصر الملك ولكنهم لا يستطيعون لأنهم لا يعرفون الطريق (وهؤلاء هم الذين يعرفون الشريعة بسذاجة) . وهناك من يسيرون حول القصر (وهم علماء اليهود الذين يؤمنون بالآراء الدينية الصائبة ولكنهم لا يتأملون فلسفياً) . أما في داخل القصر، فهناك هؤلاء الذين انغمسوا في تأمل مبادئ الدين، ولهؤلاء كتب ابن ميمون كتابه.

стр. 3365

والتأمل الفلسفي في الخالق يعادل حب الإله. ولكن هل يعني هذا الرغبة الصوفية في الاتحاد به؟ يقتبس ابن ميمون من سفر إرميا (٩/٢٣ ـ ٢٤) : "لا يفتخرنَّ الحكيم بحكمته ولا يفتخر الجبار بجبروته ولا يفتخر الغني بغناه. بل بهذا ليفتخرنَّ المفتخر: بأنه يفهم ويعرفني أني أنا الرب الصانع رحمة وقضاء وعدلاً في الأرض لأني بهذه أُسر". ويُفسِّر ابن ميمون هذه الكلمات بأن الخالق يُسرُّ بمقدرة الإنسان على أن يسمو على كل ما هو متغير مثل القوة الجسدية والكمال الجسدي. ويذهب ابن ميمون إلى أن السلوك الأخلاقي ذاته لا يحقق هذا إذ أنه خاضع للتغير باعتبار أنه يتوقف على وجود الآخرين. وعلى الفرد أن يطمح إلى أن يُشبه اكتفاء الخالق بذاته. ولا توجد صفة واحدة يستطيع الإنسان أن يحقق من خلالها هذا الاكتفاء إلا معرفة الخالق داخل الحدود المتاحة للإنسان (أي صفاته) وهي معرفة تدفع الإنسان إلى أن يحاول محاكاة الخالق. وضع ابن ميمون ما يُعرَف بالأصول الثلاثة عشر (بالعبرية: شلوشاه عسار عيقاريم) لليهودية، وهي أهم محاولة لتحديد عقائد الدين اليهودي، التي وردت في مقدمة ابن ميمون لكتاب السنهدرين في كتاب السراج، وهي في جوهرها لا تختلف عن المعتقدات الإسلامية كثيراً، فهي تنفي أية حلولية عن الإله: ١ ـ الإله هو خالق ومدبِّر هذا الكون. ٢ ـ واحد منذ الأزل وإلى الأبد. ٣ ـ لا جسد له ولا تحدُّه حدود الجسد. ٤ ـ هو الأول والآخر. ٥ ـ على اليهودي ألا يعبد إلا إيّاه. ٦ ـ كلام الأنبياء حق. ٧ ـ موسى أبو الأنبياء؛ من جاء قبله ومن جاء بعده. ٨ ـ التوراة التي بين يدي اليهود هي التي أُعطيت لموسى. ٩ ـ التوراة غير قابلة للتغيير ولن تنسخها شريعة أخرى. ١٠ ـ الخالق عالم بكل أعمال البشر وأفكارهم. ١١ـ إنه يجزي الحافظين لوصاياه ويعاقب المخالفين لها. ١٢ ـ سيجيء الماشيَّح، وعلى اليهودي انتظاره. ١٣ ـ على اليهودي أن يؤمن بقيامة الموتى.
следующие страницы →