Полный текст (8 511 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.
стр. 3396
أما ثالث الأنواع فهو الديانة التاريخية السوقية أو الفارغة (باللاتينية: فانا ريليجيو vana religio) ، وهي الديانة التي تستند إلى مجموعة من القصص الأسطورية والتاريخ المقدَّس والشعائر وتمتد لتشمل عالم السياسة وهي عقيدة تضرب بجذورها في مخاوف الإنسان وعواطفه (لا في عقله) وجهله بالأسباب الحقيقية، ولذا تحل الخرافات محل العقل ويظهر الإيمان بالمعجزات والقوى الخفية، وهي مخاوف يستخدمها الحكام ويوظفونها لصالحهم. وهذا النوع من الديانة يرفضه إسبينوزا جملةً وتفصيلاً قلباً وقالباً.
стр. 3397
ومن المفارقات التي تستوجب النظر أن الفيلسوف الذي يشير له البعض بأنه فيلسوف العلمانية الذي حاول استبعاد الدين تماماً من منظومته الفلسفية والذي حاول تأسيس مذهب فلسفي يخلو من جميع عناصر ما فوق الطبيعة أو العناصر التشبيهية أو اللاعلمية أو فلنقل الروحية الدينية والإنسانية، نقول إن من المفارقات أنه صرح بأنه يحاول عن طريق فلسفته الوصول إلى «الغاية نفسها التي تتخذها الأديان هدفاً أسمى لها» ، أي أنه تخلص من الغائية الإنسانية الروحية ليُحل محلها غائية مادية مجردة لا إنسانية (أي أنه حاول تحقيق قدر من التجاوز داخل الإطار المادي الكموني) . ففي منظومته الفلسفية يوجد خلاص عن طريق إدراك النظام الكلي للأشياء، وفيه أيضاً حرية عن طريق فهم موقع كل شيء في السلسلة الضرورية الشاملة، وفيه أيضاً طمأنينة وبركة عن طريق إدراك وحدة الكون والذهن الذي هو مظهر جزئي له، وفيه أيضاً حب هو حب المعرفة والعلم. إن فلسفة إسبينوزا ليست علمية وليست مادية بما فيه الكفاية، أي لم تتم علمنتها تماماً، وإلا فلم البحث عن الخلاص والطمأنينة، بل وعن شيء قديم إنساني متخلف مثل الحب؟ ولذا سُمِّيت فلسفته «صوفية العلم الذي لا تداخله أية سمة من النزوع إلى ما فوق الطبيعة» ، أي أن فلسفته هي ميتافيزيقا بدون إله، أو حلولية مادية. وهو أيضاً من مفكري الربوبية المتطرفين، فالربوبية حاولت أيضاً أن تجد الرب في قوانين الطبيعة بحيث يمكن الوصول إليه عن طريق العقل وحسب. وإسبينوزا، بذلك، يكون قد بدأ المشروع المعرفي التحديثي والحداثي ولكنه تعثَّر وسقط في مفهوم الكل (والميتافيزيقا) وبحث عن الطمأنينة والحب، وهو ما يدل على ضعف الرؤية الكونية الموضوعية عنده. أما نيتشه، فقد اتسم بالجسارة وأكمل هذا المشروع المعرفي، فظهر النسق المعرفي المادي المعقم من كل مطلقات، وأعلن موت الإله وتطهير العالم من ظلاله وسقوط فكرة الكل والمركز بل والحقيقة، وإن كان قد ترك
стр. 3398
فكرة إرادة القوة كمصدر لتماسك النسق وكمركز له. ويتحقق المشروع المعرفي الغربي الحداثي في فكر دريدا (وهو يهودي سفاردي آخر) الذي أعلن سقوط الكل والمركز وعلاقة الدال بالمدلول وبداية عصر ما بعد الحداثة!
وقد فرَّق إسبينوزا بين اليهودية والمسيحية وصنف اليهودية باعتبارها نسقاً دينياً لا يتناول إلا الجانب الظاهر من سلوك الإنسان، في مقابل المسيحية التي تُعَدُّ نموذجاً دينياً يركز على حياة الإنسان الباطنة، والتي تجعل الجزاء روحياً أكثر منه دنيوياً. وقد أصبحت هذه التفرقة أساساً للتفرقة بين النموذجين الدينيين المسيحي واليهودي في الفكر الغربي (سواء بين اليهود أو بين غير اليهود) فتبناه موسى مندلسون وكانط وهيجل وماركس وأصبح أحد البدهيات والمقولات التحليلية في علم مقارنة الأديان في الغرب، وهي تفرقة أقل ما يُقال عنها إنها مغرضة وسطحية وأحادية.
стр. 3399
وقد أثر إسبينوزا في الفكر الألماني، خصوصاً في فكر هردر ولسنج ( «لا يوجد سوى فلسفة إسبينوزا» ) ، وفي فكر موسى مندلسون وهيجل ( «لا يوجد سوى الفلسفة أو الإسبينوزية» ) ، وشلنج ( «لا يمكن لإنسان أن يتقدم نحو الحق والكمال في الفلسفة دون أن يغوص مرة على الأقل في حياته في هوة الإسبينوزية» ) . وأشاع كوليردج فكر إسبينوزا وصرح بأنه لا يوجد سوى نسقين فلسفيين: فلسفة كانط وفلسفة إسبينوزا (ولكنه رفض حلولية إسبينوزا في أواخر حياته) . وقد تأثر به كذلك الهيجليون اليساريون إذ كان فيورباخ ينظر إلى مادية إسبينوزا بعين التقدير، وتحدث بليخانوف (مؤلف كتاب تطور النظرة الواحدية للتاريخ) عن إسبينوزية ماركس وإنجلز أي واحديتهما التاريخية الكونية. واعترف إنجلز بأنه يؤمن بفكرة إسبينوزا القائلة بأن الامتداد والفكر صفتان لجوهر واحد، لأن الفكرة ليست لها دلالة سوى الدلالة المادية. كما نوه إنجلز في كتابه جدلية الطبيعة بفكرة إسبينوزا بأن الطبيعة علة نفسها، لا نهائية وأزلية، وهي صفات الإله التي خلعها إسبينوزا على الطبيعة.
وقد بدأ الباحثون يهتمون بأثر فكر إسبينوزا في فرويد، كما أن فلسفته لقيت اهتماماً غير عادي في الاتحاد السوفيتي. وشعر كثير من العلماء والمفكرين في العصر الحديث مثل أينشتاين وبرجسون بوجود علاقة وثيقة بين رؤيتهم للكون ورؤية إسبينوزا.
стр. 3400
ونحن نذهب إلى أن المنظومة العلمانية الشاملة اكتملت في كتابات إسبينوزا، وأن المتتالية التي أدَّت إلى تفكيك الإنسان في القرن العشرين بدأت مع واحديته المادية الصارمة، وأن هناك داخل منظومته (بشكل جنيني) معظم الفلسفات العلمانية الأساسية: الفلسفة النفعية المادية (بنتام) والرؤية المادية الآلية التجريبية للعقل والنفس (لوك) ونسبية الأخلاق وإعلاء القوة كمطلق (نيتشه) والبرجماتية (وليام جيمس وجون ديوي) . ومع هذا لم يُقدَّر لفلسفة إسبينوزا أن تكون الإطار الأساسي للفلسفات العلمانية الحديثة، فالهيجلية أحرزت قصب السبق في هذا المضمار، وهذا يعود إلى سكونية منظومة إسبينوزا، وفكرة الإله/الطبيعة المكتمل الذي يتجلى في الطبيعة، على عكس فكرة الإله/الصيرورة الهيجلية (هو إله غير مكتمل ويتحقق تدريجياً داخل الطبيعة والتاريخ) .
стр. 3401
وقد يكون من المفيد التوقف قليلاً عند علاقة إسبينوزا بنيتشه. قال نيتشه (في كارت بوستال أرسل به لصديق له) إنه يتعرف على نفسه في عدة نقاط في عقيدة إسبينوزا: إنكار حرية الإرادة ـ إنكار الغائية ـ إنكار وجود نظام أخلاقي في العالم وإلغاء فكرة الخير والشر ـ رفض فكرة إيثار الغير والتأكيد على حب الذات والقوة كأساس للحياة وللأخلاق. وأكد نيتشه أنه هو وإسبينوزا يجعلان المعرفة جزءاً لا يتجزأ من الغريزة وليس نشاطاً مستقلاً عن رغبات الإنسان وغرائزه، أي أن نظامهما المعرفي يتسم بالكمون الكامل (موت الإله المتجاوز) وأن الحياة مكتفية بذاتها. ومع هذا، يمكن القول بأن ثمة نقط اختلاف مهمة بينهما تعود إلى أن إسبينوزا يقف عند بداية المتتالية العلمانية بينما يقف نيتشه في مرحلتها النهائية، ذلك أن إسبينوزا أخذ أول خطوة في عمليات العلمنة حينما أمكن تهميش الإله أو القول بموته (باعتبار أن الإله هو الطبيعة) ، كما أنه رفض أن يُمنَح الإنسان أية مركزية في الكون. ولهذا، أكد أن العالم تحكمه قوانين لا شخصية آلية لا تكترث بالإنسان أو بغائياته. ولكنه لم يأخذ الخطوة الثانية الحاسمة وهي تطهير العالم من ظلال الإله، أي من كل عناصر الثبات والمطلقية والتجاوز. فالعالم المادي (الطبيعة) والإنسان يرثان كثيراً من صفات الإله، فالعالم هو علة ذاته وغاية ذاته ومرجعية ذاته، عالم أزلي تحكمه قوانين ثابتة آلية خالدة، والطبيعة المطبوعة في حالة حركة دائمة ولكنها تحركها الطبيعة الطابعة التي لها عقل وهدف وغاية وهي التي تمنح الطبيعة المطبوعة شيئاً من الثبات. وهذه الطبيعة الطابعة هي العقل الأكبر الذي يحكم الكون والذي تتجسد عقلانيته في الطبيعة المطبوعة وثباتها. هذا الإيمان بالعقلانية هو سقوط في الغائية الإنسانية إذ أننا نُسقط صفاتنا ورغباتنا الإنسانية على عالم الطبيعة فنراه ثابتاً معقولاً!
стр. 3402
وقد ورث الإنسان، هو الآخر، بعض هذه الصفات الربانية، فهو يتصور أنه كائن عقلاني وأن ثمة عقلاً إنسانياً عالمياً شاملاً قادراً على مراكمة المعرفة. ومن خلال إيمانه هذا، يدَّعي الإنسان أنه يؤمن بأنه قادر على تحقيق قدر من تجاوز الصيرورة والتناهي ومن هنا مفهوم الحب العقلي للإله، فهو يعني أسبقية العقل على الوجود، فالوجود بعض من جوهر الإله ولذا فهو وجود عقلاني، أما الحتمية التي ينصب عليها حب الإنسان فيمكن فهمها وفهم قوانينها ويمكن الإذعان لها برضا ويمكن للإنسان تحقيق الصفاء والغبطة (أتاركسيا) من خلالها باكتشافه الوحدة الكامنة فيه. بل إن الحب العقلي للإله يدخل عنصراً أزلياً في عقل الإنسان بحيث يصبح هذا العقل خالداً أيضاً، ومن هنا حديث إسبينوزا عن وحدة صوفية بين الإنسان والطبيعة والخالق.
стр. 3403
أما نيتشه، فتحرر تماماً من الإله وهرب من ظلاله فتجربته الكمونية كاملة، فهي لا تترك أي مجال للنظام أو الثبات أو الاستمرارية أو العقلانية في الكون. والإنسان نفسه في حالة سيولة وتغير، فهو إرادة قوة محضة وموازين قوى. كل هذا يعني استحالة تفسير أي شيء أو تبرير أي شيء. ولذا، بدلاً من فكرة الحب العقلي للإله عند إسبينوزا، يظهر حب القَدَر (باللاتينية: آمور فاتي amor fati) . والحتمية، موضع الحب عند إسبينوزا، هي حتمية داخل نظام عقلاني متسق، أما الحتمية في نظام نيتشه فهي قَدَر غامض غاشم لا يمكن فهمه، حتمية تلقي بكلكلها على كل المخلوقات كعبء لا يمكن التخلص منه. ولذا، لا يمكن تحقيق الصفاء أو الأمن، فالعالم أرض خراب ميتافيزيقية، عالم من الصراع والتحول ولا يوجد أي عزاء فلسفي، فالفرد في حالة عزلة دائمة، وحب القدر عمل من أعمال التحدي، فهو رفض لفكرة الطبيعة البشرية ولفكرة السببية وقبول للصيرورة والعود الأبدي لا تنتج عنها أية وحدة صوفية. ومن هنا، دعا نيتشه إلى إعادة تقييم القيم حتى يمكن اتخاذ الخطوة الحاسمة نحو تأسيس حضارة نسبية كاملة لا توجد فيها طبيعة معقولة ولا إنسان عاقل، حضارة تتجاوز ثنائية الذات والموضوع لتصل إلى السيولة الشاملة.
إسبينوزا وعلاقة فلسفته بالعقيدة والجماعات اليهودية
Relationship between Spinoza's Philosophy, Judaism and Jewish Communities
يمكن تقسيم علاقة إسبينوزا باليهود واليهودية إلى قسمين: علاقة التضاد على المستوى المباشر، وعلاقة التماثل على المستوى النماذجي:
١ ـ علاقة التضاد (على المستوى المباشر) :
كان لابد أن يهاجم إسبينوزا العقيدة اليهودية انطلاقاً من واحديته المادية، وكان هجومه يتم على مستويين: اليهودية كدين له شعائره الخاصة، واليهودية كمجموعة من العقائد تستند إلى ما فوق الطبيعة والإيمان بالإله كقوة مفارقة لها، أي اليهودية كنموذج لكل الأديان.
стр. 3404
ومن أهم مؤلفات إسبينوزا كتاب رسالة في اللاهوت والسياسة، وهو أساساً نقد للعهد القديم ولأسفار موسى الخمسة. ومن هنا يُعَدُّ إسبينوزا من أوائل المفكرين الذين وضعوا دعائم العلم الذي يُسمَّى «نقد العهد القديم» (أي النقد التاريخي للكُتب المقدَّسة) . وقد أنكر إسبينوزا في كتابه كثيراً من مبادئ اليهودية أو مبادئ أي دين آخر مثل الإيمان بالوحي، فالأنبياء حسب تصوره إن هم إلا أشخاص ذوو خيال متوقد، كانوا قادرين على التوصل إلى حقائق أخلاقية. أما فيما يتصل بمعرفتهم بالقوانين العلمية فأفكارهم متناقضة. وموسى لا يختلف عن الأنبياء إلا في أن الوحي بالنسبة إليه كان مباشراً من خلال صوت الإله. وقد رفض إسبينوزا الإيمان بالمعجزات إذ لا يمكن أن يحدث أي شيء متناقض مع القانون الطبيعي (فالطبيعة/المادة هي المرجعية النهائية) . وإن كانت هناك إشارات للمعجزات في العهد القديم، فإن هذا يعود إلى أنه مُوجَّه للوجدان الشعبي ولا يصلح لكل الناس. والتوراة عديمة القيمة إلا في تلك الجوانب المشتركة مع القانون الطبيعي، أي أن المرجعية النهائية هي دائماً الطبيعة/المادة (وهذا هو جوهر التفكير الربوبي (.
وأكد إسبينوزا أن الكتب الدينية اليهودية موجهة أساساً إلى الجماهير اليهودية وحدها، وأن الشريعة اليهودية إن هي إلا قوانين الدولة العبرانية القديمة التي صدرت لضمان الاستقرّار السياسي بين العبرانيين. ولذا، لا علاقة لهذه القوانين باليهود بعد الشتات، أي بعد انتشارهم في العالم، فعلاقتها أساساً بالاستقرّار الزمني للدولة. ويرى إسبينوزا أن سائر الشعائر والاحتفالات الدينية التي وردت في العهد القديم هي من وضع العلماء اليهود الفريسيين.
стр. 3405
ويقارن إسبينوزا بين موسى والمسيح فيقول إن موسى كان يخاطب اليهود بوصفه مشرِّعاً وقاضياً وكان يتناول في تشريعه الجانب الظاهر من سلوك الإنسان، أما المسيح فتناولت تعاليمه حياة الإنسان الباطنة وكان الجزاء عنده روحياً أكثر منه دنيوياً.
وقد حلل إسبينوزا مختلف طرق الاتصال بين الإله والأنبياء حسبما جاء في الأناجيل، ويرى أن الأوصاف الواردة في الأناجيل لا تدل على حدوث اتصال مباشر بين العقل الإلهي وبين أي عقل آخر سوى المسيح. فالاتصال الإلهي بموسى كان مخاطبة أو كلاماً، والكلام يحتاج دائماً إلى المخيلة لتفسيره أو فهمه (أي أن هناك ثغرة بين الخالق وموسى إبّان عملية الوحي) . وكذا كان الأمر مع الأنبياء، فالاتصال ببقية الأنبياء اليهود كان عن طريق أحلام أو علامات أو أمارات معيَّنة، أي أنه كان يتم دائماً من خلال واسطة، وهو ما يعني وجود ثغرة أو فجوة بين الإله والأنبياء. والحالة الوحيدة التي تم فيها اتصال مباشر، ومن عقل إلى عقل دون توسط اللغة أو الخيال، هي حالة المسيح (فهل التجسد ـ إذن ـ هو النموذج الكامن في فكر إسبينوزا: أي أن تصبح الكلمة جسداً، ويصبح الدال مدلولاً، وتختفي الثغرات تماماً؟ هل التجسد هو تحوُّل الواحدية الروحية إلى واحدية مادية وتحوُّل اللاهوت إلى ناسوت؟) . وعلاوة على كل هذا، أُرسل موسى إلى اليهود وحسب، ولذا فقد توجه موسى إلى اليهود وحدهم وتكيَّف عقله مع أوضاعهم. أما المسيح فتوجه إلى العالم، ولذا فإن أفكاره عالمية وحقيقية. وقد أثرت رؤية إسبينوزا للعقيدة اليهودية فيمن أتى بعده من فلاسفة غربيين بما في ذلك كانط وهيجل وماركس، بل وفي مقارنة النماذج التحليلية التي سادت في علم مقارنة الأديان (وفي الفكر الديني اليهودي) .
стр. 3406
وقد حدا هذا بالبعض على أن يروا في موقف إسبينوزا هذا محاباة للمسيحية على حساب اليهودية. ولكن إسبينوزا يستوعب كل شيء في نسقه الواحدي فبيَّن كيف يختلف رأيه عن رأي المسيحيين، فهو يرى الإله باعتباره العلة الكامنة في الأشياء (المبدأ الواحد) وليس العلة العالية فوق الأشياء، المتجاوزة لها. ولذا، فهو يُفسِّر الفكرة المسيحية القائلة بأن المسيح هو ابن الإله الأزلي باعتبار أنها تعني في واقع الأمر أن المسيح كان يُعبِّر عن الحكمة الإلهية الأزلية كما تتمثل في الأشياء ولا سيما العقل البشري (المبدأ الواحد الكامن في المادة) ، وهي الحكمة المؤدية بالفعل إلى الخلاص. أما فكرة أن يتخذ الإله صورة بشرية، فإنها مستحيلة تماماً كأن نقول إن الدائرة اتخذت صورة المربع، وهكذا نعود دائماً إلى الهندسة والأرقام.
ولا ينصرف نقد إسبينوزا إلى اليهودية وحسب وإنما يمتد ليشمل اليهود أيضاً، إذ يرى أنهم تمسَّكوا بعقائدهم بعد هدم الهيكل لا ابتغاء مرضاة الإله وإنما كرهاً للمسيحية. وعنده أن عقيدة الاختيار إن هي إلا تعبير عن غبطتهم بعزلتهم عن الآخرين. واليهود هم محط كراهية الإله الذي حطم هيكلهم والذي أرسل إليهم بشرائع وقوانين لا يستطيع أحد أن يعيش بمقتضاها. ولذا، فهذه القوانين لم تكن تعبيراً عن رغبة الإله في الحفاظ على رضاء اليهود بل تعبيراً عن غضبه عليهم ومنهم.
وأفاض إسبينوزا بعد ذلك في ذكر صفات اليهود السلبية، فاليهود يكرهون كل الشعوب الأخرى حتى أصبح الحقد بالنسبة إليهم طبيعة ثانية، ينمونها كل يوم في صلواتهم. وحتى صفاتهم الطيبة، فإنها نابعة من سيئاتهم، فتماسكهم وتعاطفهم ينبع من كُرههم لكل الشعوب الأخرى.
стр. 3407
ويُفسِّر إسبينوزا استمرار ما يرى أنه الهوية اليهودية على أساس موقف الشعوب غير اليهودية من اليهود، فيشير إلى أن يهود المارانو في إسبانيا الذين سُمح لهم بشغل مناصب رفيعة حققوا الاندماج وانتهى الأمر بهم إلى الانصهار، على عكس المارانو في البرتغال الذين احتفظوا بهويتهم لأنهم تم استبعادهم من الوظائف الحكومية. ومن هنا يجب على المسيحيين ألا يضطهدوا اليهود المتنصّرين لأن المعاملة الحسنة هي التي ستؤدي إلى اختفائهم، بل إن السياسة نفسها يمكن أن تُطبَّق على اليهود المؤمنين، وقد تؤدي إلى نفس النتائج.
٢ ـ علاقة التماثل (على المستوى النماذجي (:
هاجم إسبينوزا اليهودية، إذن، بشكل واضح، والمسيحية بشكل مستتر، بل هاجم اليهود وتاريخهم. ومع هذا، فإن علاقة إسبينوزا باليهود واليهودية علاقة بالغة العمق والتركيب، وثمة جوانب في فكره لا يمكن فهمها دون العودة إلى الكثير من العناصر في العقيدة اليهودية وإلى أشكال تطور الجماعات اليهودية في أوربا. ففكره، من هذا المنظور، تعبير عن جوانب كامنة في النموذج الديني الذي يرفضه. كما أن ثمة تطورات لاحقة بين اليهود واليهودية كان إسبينوزا تعبيراً عميقاً عنها، ونموذجاً أساسياً لها:
стр. 3408
أ) كان إسبينوزا من يهود المارانو الذين فقدوا هويتهم الدينية، فقد كانوا مسيحيين كاثوليك قولاً، يهوداً فعلاً، أو هكذا كانوا يتوهمون، إذ أنهم في واقع الأمر فقدوا هويتهم اليهودية الدينية في الفترة التي أخفوها فيها فلم يبق منها إلا قشرة ضعيفة، فأصبحوا جماعة هامشية بالنسبة لكل العقائد، ولم يكونوا مسيحيين ولا يهود. ولذا، فإنهم حينما تركوا شبه جزيرة أيبريا واستقرت أعداد منهم في أمستردام، التي كانت قد حققت أعلى معدلات العلمنة في الغرب، وجدوا التربة المناسبة لهم هناك وبدأوا يقودون الفكر المعادي للدين، أيِّ دين، وكانوا من حملة لواء الشك الفلسفي والديني. وقد خرج إسبينوزا من هذه التشكيلة الحضارية الدينية الفذة، فهو مفكر ماراني بالدرجة الأولى يُظهر الإيمان الديني ويستخدم الخطاب الديني ولكنه يُبطن الإيمان الكامل بالمادة وقوانينها باعتبارها النقطة المرجعية النهائية، لا بالنسبة إلى العالم المادي وحسب (الطبيعة) وإنما بالنسبة للإنسان أيضاً. وعلى مستوى الخطاب، يتحدث إسبينوزا عن الإله، وهو في واقع الأمر يعني الطبيعة. ولذا، فإنه عندما يقول «بأمر الإله» إنما يعني «حسب قوانين الطبيعة» . وقد أشار أحد المؤلفين إلى إسبينوزا باعتباره ماراني العقل (مادي) ، أي أنه يدافع عن الرؤية المادية بشكل خفي.
стр. 3409
ب) وحينما استقر المارانو في أرجاء أوربا، كانت اليهودية الحاخامية تعاني من بدايات أزمتها بعد هجمات شميلنكي وبعد تحجر الفكر الديني اليهودي الحاخامي وعزلته عن التيارات الدينية في العالم وأوربا. وشن كل من إسبينوزا وشبتاي تسفي هجوماً شرساً على اليهودية، وكلاهما من أصل ماراني، وكلاهما حلولي واحدي في فكره يؤمن بوحدة الوجود الروحية في المظهر، المادية في المخبر، ويؤمن بإمكانية تشييد الفردوس الأرضي (الآن وهنا) وإعلان نهاية التاريخ. ولعل الفارق الوحيد بينهما هو أن تسفي ظل حبيس الديباجة الدينية اليهودية القبَّالية اللوريانية ووحدة الوجود الروحية، بينما تمكَّن إسبينوزا من تجاوزها واكتشف التوازي بين الحلولية الواحدية الروحية والحلولية الواحدية المادية، فاستخدم مصطلحاً دينياً روحياً ومصطلحاً فلسفياً مادياً في آن واحد، ويمكن فك شفرة الأول من خلال المقولة المبدئية «إن الإله هو الطبيعة» . وحتى المصطلح الديني السطحي الذي استخدمه إسبينوزا كان مصطلحاً دينياً عاماً ليس فيه سوى أصداء يهودية. ولذا، كان هجوم تسفي على اليهودية من الداخل، بينما كان هجوم إسبينوزا هجوماً من الخارج.
ونحن نذهب إلى أن رؤية إسبينوزا الفلسفية حلولية متطرفة تضرب بجذورها في القبَّالاه اللوريانية. ولكن قبل أن نعرض لهذا المصدر الأساسي من مصادر رؤيته، قد يكون من المفيد الإشارة إلى وجود تيارات أخرى داخل اليهودية أثرت في إسبينوزا وعمقت اتجاهه الحلولي. وتذهب بعض الدراسات إلى أن هناك اتجاهين داخل اليهودية: الاتجاه الميموني العقلاني، نسبة إلى موسى بن ميمون، والاتجاه الحلولي القبَّالي اللاعقلاني. ولكن فكر موسى بن ميمون نفسه يحوي في داخله عناصر مادية، فعقلانيته أحياناً شاملة متطرفة كثيراً ما تقترب من حالة الواحدية المادية الشاملة التي حققها إسبينوزا والتي لا تختلف عن واحدية الرؤية الحلولية الروحية.
стр. 3410
وتوجد داخل اليهودية الحاخامية أفكار تركت أعمق الأثر في إسبينوزا. فاليهودية، في إحدى صورها، تكاد تكون ديناً بدون إله وبدون ميتافيزيقا. ونظراً لتناقض بعض العقائد اليهودية، تم التركيز على الشعائر حتى لا تتعارض الفرق اليهودية المختلفة فيما بينها وبحيث يمارس كل اليهود الشعائر نفسها بعد أن ينسب إليها كل فريق المعنى الذي يريده. وهذه السمة في اليهودية هي التي أثرت في إسبينوزا حينما فرق بين اليهودية والمسيحية باعتبار أن الأولى دين الظاهر والثانية دين الباطن. ورؤية إسبينوزا للإله متأثرة بجانب مهم في اليهودية هو الإيمان بإله متجاوز للمادة تماماً (إلى درجة التعطيل أحياناً) حالٍّ فيها تماماً في الوقت نفسه، إله يشبه قوانين الضرورة في المنظومة الإسبينوزية، وهي قوانين عامة مجردة ولكن لا وجود لها خارج المادة (يشبه من بعض الوجوه إله كالفن (.
стр. 3411
وقد يكون من المفيد هنا أن نشير إلى ما سميناه «الطبيعة الجيولوجية التراكمية لليهودية» ، فهناك داخل اليهودية إيمان بإله مفارق وإيمان بإله حالّ، وإيمان بالبعث واليوم الآخر وإنكار لهما أو عدم اكتراث بهما. وقد أشار إسبينوزا نفسه إلى أن فكرة الآخرة في العقيدة اليهودية كانت دائماً فكرة شاحبة، فالعهد القديم لا يتحدث عن خلود الروح (وعلى كلٍّ، فإن هذا هو الحال دائماً مع المنظومات الحلولية الواحدية) . وشدد إسبينوزا على أن الصدوقيين كانوا يُنكرون اليوم الآخر وعقيدة البعث، وأنهم مع هذا لم يُطرَدوا من حظيرة الدين بل كانوا يشكلون الطبقة الكهنوتية القائدة. وكانوا يجلسون في السنهدرين جنباً إلى جنب مع الفريسيين. كما أن العهد القديم لا يوجد فيه، على حد قوله، أي شيء عن وجود غير مادي أو غير جسماني للإله (أي أنه اكتشف الطبقة الحلولية التجسيدية المادية في العهد القديم) . ولكل ما تقدَّم، فإنه يُعرِّف اليهودي بأنه من وُلد لأم يهودية حتى ولو لم يؤمن بالإله، فاليهودية خاصية بيولوجية مادية وراثية. وإسبينوزا على حق فيما يقول، بشكل جزئي، فكل الآراء التي ذكرها وردت في التراث الديني اليهودي. ولكن هذه الآراء لا تشكل إلا جزءاً وحسب أو طبقة جيولوجية توجد بجوارها طبقات أخرى متناقضة معها تماماً. وبسبب هذه الخاصية الجيولوجية، ظهر إسبينوزا وولَّد الإلحاد والعلمانية من داخل النسق الديني اليهودي ذاته (وهذه إستراتيجية كثير من المفكرين الإلحاديين في القرن العشرين، فتحت شعار التوفيق بين العقل والدين يتم إحلال العقل محل الدين، ثم المادة محلهما جميعاً (.
стр. 3412
ومهما يكن تأثير اليهودية الحاخامية، فإن القبَّالاه اللوريانية (التي تُعَدُّ مكوِّناً أساسياً في فكر اليهود السفارد والمارانو والتي تشبَّع بها إسبينوزا) تركت أثراً حاسماً فيه وشكلت إطاراً لمعظم أفكاره. والقبَّالاه اللوريانية صياغة غنوصية حلولية متطرفة، بل تُعَدُّ من أكثر الصياغات الحلولية تطرفاً، فهي حلولية روحية توحِّد تماماً بين الخالق ومخلوقاته، أي بين الإله والإنسان والطبيعة. والكون ليس مجرد تعبير عن الإله وإنما هو الإله ذاته. والخالق حسب القبَّالاه اللوريانية يسري تماماً في الكون متصلاً بمخلوقاته ملتحماً بهم بحيث يصبح المخلوق في قداسة الخالق وتصبح المادة/الطبيعة في قداسته. ويمكن القول بأن وحدة الوجود الروحية شكل من أشكال علمنة الدين من الداخل، فالرؤية الدينية التوحيدية تؤمن، كما هو معروف، بثنائية الدنيا والآخرة، والخالق والمخلوق، والمادة والروح، والكل والجزء، والسماء والأرض، والإله والطبيعة. وتحاول الديانات والفلسفات الدينية التوحيدية كافة الحفاظ على هذه الثنائية حتى وإن حاولت أن تختزل المسافة بين الخالق والمخلوق وتُقرِّب بينهما (بحيث تتحول الثنائية الصلبة إلى ثنائية فضفاضة وتتحول المسافة إلى مجال تفاعل بين الخالق والمخلوق) . أما الفلسفات الحلولية في لحظة وحدة الوجود فتأخذ شكل رؤية وحدة عضوية كاملة بحيث يسري قانون واحد في كل الكون، ومن هنا النزعة الكونية الموضوعية التي تكتسح الإنسان. وقد أكدت الكنيسة الكاثوليكية هذه الثنائية بشكل حاد. ويُعَدُّ الإصلاح الديني البروتستانتي أولى محاولات كسر الثنائية، ولكن القبَّالاه اللوريانية كانت قد أنجزت ذلك منذ زمن وعلمنت اليهودية، فثمة عالم واحد أحادي يسري فيه قانون واحد ضروري حتمي عام، وهو عالَم يتراجع فيه الإنسان ويختفي، فهو جزء من كل وليس له خصوصية إنسانية.
стр. 3413
وعالَم القبَّالاه اللوريانية لا عاطفة فيه ولا أخلاق، فالأمور كلها جزء من نسق هندسي، ومن هنا ظهرت الجماتريا، وهي محاولة تفسير العالم بالأرقام من أجل التحكم فيه لا التوازن معه، وهذا يقابل تماماً فكرة إسبينوزا عن إمكانية فهم العالم، بما في ذلك الإنسان، من خلال المنطق والخطاب الهندسي، وعن إمكانية التحكم في العالم وفي الذات بأن ينظر الإنسان إلى الكون من منظور الإله (الرؤية الكونية الموضوعية) . وقد قيل عن القبَّالاه اللوريانية إنها ألهَّت الجنس وجنَّست الإله، وهو إنجاز فرويد فيما بعد، ويمكننا أن نقول إن إسبينوزا ألَّه الطبيعة وطَّبع الإله، وتطبيع الإله شكل من أشكال التجسد الدائم والمستمر. وإذا كان التجسد في المسيحية أخذ شكل لحظة تاريخية فريدة في حياة المسيح باعتباره ابن الإله (وهو ما نسميه «الحلول المؤقت» ) ، فإن حلولية القبَّالاه اللوريانية هي في الواقع تجسد دائم إذ يُصبح الكون بأسره جسد الإله، فالطبيعة هي التجسد الكامل والمستمر للإله، وعلى من يود معرفته أن يدرسها ويستخلص منها كل ما يلزمه من معرفة للخلاص. وجاء في القبَّالاه اللوريانية أن " إلوهيم هو هاطيفع " أي أن الإله هو الطبيعة (تماماً كما يقول إسبينوزا) ، وأكد القبَّاليون أن طيفع هي المعادل الرقمي لإلوهيم. بل إن إنجازه الفلسفي الأكبر هو اكتشافه هذا التقابل المدهش بين وحدة الوجود الروحية (لا موجود إلا هو، أي الإله) ووحدة الوجود المادية (لا موجود إلا هي، أي المادة أو الطبيعة) . ومن خلال اكتشافه هذا، جعل إسبينوزا الإنسان الغربي قادراً على أن يتبنَّى الرؤية العلمانية الشاملة دون أن يدري ودون أي إحساس بالحرج.
стр. 3414
وقد أشرنا من قبل إلى تأثير اليهودية الحاخامية في رؤية إسبينوزا للإله باعتباره متجاوزاً تماماً للمادة حالاًّ تماماً فيها. وهذه الرؤية المتناقضة، توجد وبشكل حاد في القبَّالاه اللوريانية، فالسفيروت أو التجليات النورانية هي تجسُّد إنساني كامل للإله، فهي الحلول الكامل، ولكن وراءها يوجد الـ «إين سوف» ، أي الإله الخفي المفارق تماماً للعالم والذي لا علاقة له به، وهي ثنوية (أو ثنائية صلبة) توجد كذلك في الفكر الغنوصي.
وبحسب أسطورة تهشُّم الأوعية، فقد تبعثر النور الإلهي في الكون كله، بحيث اختلط الخير بالشر والروح بالجسد وأصبح الشر ملازماً للخير بحيث يصبح التمييز بين الواحد والآخر مستحيلاً. وفي مفهوم الخلاص بالجسد (بالعبرية: عفوداه بجشيموت) ، نجد أن الخلاص يتم عن طريق ارتكاب المعاصي أو عن طريق الغوص في المادة. ونظرية القبَّالاه اللوريانية الأخلاقية لا تختلف كثيراً عن نظرية إسبينوزا في الأخلاق حيث يتم الخلاص لا من خلال معرفة الخير والشر، وممارسة الخير وتجنُّب الشر، وإنما يتم من خلال إدراك أن الكون لا غاية له ولا خير فيه ولا شر وإنما ضرورات وحتميات تحدث لأنها يجب أن تحدث، فهو خلاص من خلال معرفة قوانين المادة. كما أن المطلَق الوحيد في منظومة إسبينوزا هو البقاء وبالتالي القوة، وكلما ازداد الإنسان قوة ازدادت مقدرته على البقاء وازداد خيراً. وهذا لا يختلف كثيراً عن طريق الخلاص من خلال المعاصي والغوص في المادة. كما أن النسبية الأخلاقية التي تسم المنظومة الإسبينوزية توجد في المنظومة اللوريانية.
стр. 3415
ومن الأفكار الأساسية في القبَّالاه فكرة أن الإنسان (المايكروكوزم: الكون الأصغر) يشبه الكون (الماكروكوزم: الكون الأكبر) في البنية، وأن ثمة قانوناً واحداً يسري عليهما. وهذه فكرة أساسية أيضاً في فلسفة إسبينوزا حيث نجد هذا التعادل بين الخالق والطبيعة والإنسان، وأن الإنسان إن هو إلا جزء من كل، خاضع تماماً لقوانينه.
وقد طُرد إسبينوزا من حظيرة الدين اليهودي، إلا أنه يشكل أول تعبير عن نمط متكرر بعد ذلك في الحضارة الغربية، وهو اليهودي الإثني، أي اليهودي الذي يترك عقيدته الدينية ولا يعتنق ديناً آخر، ومع هذا يظل يُشار إليه باعتباره يهودياً. وهو اليهودي الذي تستند هويته لا إلى عقيدته وإنما إلى انتمائه للموروث اليهودي.
ويقف إسبينوزا أيضاً على بداية سلم طويل من المثقفين الغربيين العلمانيين ذوي الجذور اليهودية الذين يقفون على هامش الحضارة لا يشعرون بأية قداسة نحو أي شيء، ويُخضعون كل شيء، بما في ذلك الإنسان نفسه، للقياس الكمي، ويناصبون كل التقاليد السائدة العداء. وهم سلم طويل بدأ بإسبينوزا ويضم لاسال وماركس (إلى حدٍّ ما) وفرويد وتروتسكي وليفي شتراوس. ومعظم هؤلاء المفكرين يرفضون الدين تماماً ولكنهم يقترحون بدلاً منه نموذجاً معرفياً مادياً متكاملاً شاملاً يحمل كثيراً من سمات الدين.
стр. 3416
ويبدو أن إسبينوزا والمفكرين الثوريين مثل ماركس متأثرون بالنزعة المشيحانية في اليهودية وهي نزعة حلولية واحدية معادية تماماً للتاريخ وللحدود وترى أن كل تفاصيل التاريخ والكون تفاصيل مؤقتة، تؤدي جميعاً (في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير) إلى العصر المشيحاني (والفردوس الأرضي عند نهاية التاريخ) الذي سيحدث فيه تغيُّر كامل لكل شيء. وهذه النقطة عند إسبينوزا تأخذ شكل الإدراك الكامل لقانون الضرورة والحتمية، وهي المعرفة الشاملة بكل الأمور بحيث يصل الإنسان في معرفته إلى مرتبة الآلهة، وهي معرفته بأنه ليس ثمة حرية ولا معنى خاص له، وأنه جزء من كل مادي يتحرك حسب قوانينه الذاتية التي تستطيع الإرادة الإنسانية التدخل فيها. وتحوَّلت هذه الفكرة عند ماركس إلى فكرة الحتمية التاريخية وقوانين الجدل المادية التي ترتفع بالإنسانية جمعاء إلى المجتمع الشيوعي (في نهاية الأمر) حيث يتم التحكم الكامل في الذات والموضوع. ومع هذا، يجب تأكيد أن هذه النزعة المشيحانية السياسية العلمانية هي تيار واضح بين المفكرين العلمانيين الغربيين سواء كانوا من أصول مسيحية أم كانوا من أصول يهودية.
стр. 3417
هاجم إسبينوزا اليهودية واليهود، وأشار البعض إلى أنه بسبب ذلك لا يمكن أن يكون صهيونياً. ولكننا بيَّنا أن مفهوم الشعب العضوي المنبوذ هو أساس لكل من معاداة اليهود والصهيونية. وينتمي إسبينوزا إلى هذا النمط، فعداؤه الشديد لليهود أدَّى به إلى طرح اقتراح صهيوني حين قال: "بل إنني لأذهب إلى حد الاعتقاد بأنه لو لم تكن مبادئ عقيدتهم [أي اليهود] قد أضعفت عقولهم، ولو سنحت الفرصة وسط التغيرات التي تتعرض لها أحوال البشر بسهولة، فقد يُنشئون مملكتهم من جديد، وقد يختارهم الإله مرة ثانية". ويمكن هنا أن نملأ بعض الفراغات الموجودة بين السطور والكلمات، وبين الدال والمدلول، من خلال معرفتنا برؤية إسبينوزا. فالعقيدة اليهودية حسب رأيه أضعفت عقول اليهود بما حوت من غيب وغرض واتجاه وثنائيات، فإن نجحت اليهودية في تطهير نفسها من أية مطلقات أو ثنائيات، أي أصبحت عقيدة مادية علمانية تماماً، تدور في إطار وحدة الوجود المادية لا وحدة الوجود الروحية، لأمكنها أن تنقذ اليهود خصوصاً وسط التغيرات التي تحدث في العالم، وكان التغير الأساسي آنذاك هو صعود القوة الغربية وبداية التشكيل الاستعماري الغربي الذي كان يعني في واقع الأمر علمنة العالم وفرض إرادة القوة عليه. وسيؤدي هذا إلى أن يقوم اليهود بتأسيس مملكتهم الصهيونية بمساندة هذه القوة الجديدة. وهذا ما يعنيه إسبينوزا باختيار الإله لهم مرة ثانية.
стр. 3418
والمشروع الصهيوني تنفيذ حرفي للمشروع الإسبينوزي، ذلك أن الصهيونية علمنت اليهودية وطهَّرتها من الغيبيات والثنائيات والغايات الأخلاقية، فوحَّدت بين الخالق والمخلوق والطبيعة (الإله والشعب اليهودي وإرتس أو أرض يسرائيل) ، بحيث لا يمكن فصل أيٍّ من هذه الأشياء عن الآخر، تماماً مثلما وحَّد إسبينوزا بين الإله والإنسان والطبيعة في إطار واحديته الكونية المادية. ومع تصفية الثنائية، لم يَعُد اليهودي عضواً في جماعة دينية وعرْقية تتحدد هويتها حسب الموروث الديني والعرْقي (البيولوجي) وإنما عضواً في جماعة عرْقية (أي قومية) فقط تتحدد هويتها حسب موروثها العرْقي (أو الإثني) وحسب، وهو موروث لا يُلزمها بأية أهداف أخلاقية أو غايات إنسانية إذ يصبح الهدف الوحيد بقاء اليهود. لكن آلية هذا البقاء تكمن في القوة وفي المقدرة على ضرب كل من يقف في طريق اليهود بيد من حديد، فلهم «حق طبيعي كامل [مطلق] ، ولهم من الحق على الطبيعة بقدر ما لهم من القوة» . فحق كل فرد «يمتد بقدر ما تمتد قوته» . وبالتالي، أصبح الشعب اليهودي شعباً مختاراً «مرة ثانية» ، شعباً مختاراً لأنه اختار نفسه، شعباً يُشبه في كثير من الوجوه المستوطنين البيوريتان في أمريكا الشمالية الذين اختاروا مصيرهم وركبوا سفنهم و «اكتشفوا» العالم الجديد وطهروه من تاريخه السابق، وحولوه إلى جنة عذراء.
وقد أُقيمت في إسرائيل مراسم عودة إسبينوزا لحظيرة الدين مرة أخرى، ويُحتَفل بميلاده وذكرى نشر كتبه، ويوجد معهد متخصص لدراسة كتبه.
الفلاسفة من أعضاء الجماعات اليهودية في القرن الثامن عشر
Philosophers among Members of the Jewish Communities in the Eighteenth Century
стр. 3419
بعد إسبينوزا لم يظهر داخل التشكيل الحضاري الغربي ولمدة قرنين من الزمان فيلسوف مهم من بين أعضاء الجماعات اليهودية. فجميع الفلاسفة البارزين من أعضاء الجماعات اليهودية وُلدوا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبدأوا يكتبون في العقود الأولى من القرن العشرين. هذا لا يعني أنه لم يظهر بينهم فلاسفة، ففكر حركة الاستنارة ترك أثراً كاسحاً فيهم، ففكر موسى مندلسون ( «أفلاطون ألمانيا وسقرّاط اليهود» كما كان يُقال له) هو تنويع مباشر إن لم يكن اشتقاقاً مباشراً من فكر حركة الاستنارة والعقلانية المادية بكل نقطه الإيجابية والسلبية. كما تأثر المفكرون الدينيون والتربويون من أعضاء الجماعات اليهودية بالفكر الاستناري والربوبي وحركة التنوير اليهودية (هسكلاه) وهي ثمرة حركة الاستنارة.
وترك ظهور الفكر المعادي للاستنارة هو الآخر أثره العميق في المفكرين من أعضاء الجماعات اليهودية فظهر فكر عضوي يتحدث عن «تفرُّد اليهود» وعن «الشعب العضوي (فولك) » و «حركة التاريخ اليهودي» و «الشخصية اليهودية» . وتبلور هذا الفكر في نهاية الأمر في الفكر الصهيوني. ولعل الانتقال من فكر حركة الاستنارة إلى فكر العداء للاستنارة يتبدَّى في ظهور اليهودية الإصلاحية (ثمرة حركة الاستنارة والتفكير الآلي) ثم اليهودية المحافظة (ثمرة حركة العداء للاستنارة والتفكير العضوي) .ويبدو أن الفلاسفة من أعضاء الجماعات اليهودية يحققون بروزهم داخل الحضارة الغربية في لحظات الانقطاع الحادة. فإسبينوزا ظهر عند ولادة المنظومة العلمانية في إطار العقلانية المادية (وتواري المنظومة المسيحية) وعبَّر عنها أبلغ تعبير. أما برجسون وهوسرل فظهرا بعد ميلاد اللاعقلانية المادية (بعد مقتل العقلانية المادية على يد نيتشه) وهما أيضاً عبَّرا عنها أبلغ تعبير.
هنري برجسون (١٨٥٩-١٩٤١) واللاعقلانية المادية
Henri Bergson and Materialist Irrationalism
стр. 3420
أحد أهم الفلاسفة الفرنسيين في مطلع القرن العشرين. وُلد في باريس في ٨ أكتوبر ١٨٥٩. وكان أبوه موسيقياً مشهوراً وسليل أسرة يهودية ثرية هي أسرة «أبناء بيريك» أو «بركسون» التي اشتُق منها اسم «برجسون» بعد أن اندمجت الأسرة في المجتمع الفرنسي (وتغيير الاسم حتى يفقد ملمحه اليهودي أمر مألوف بين أعضاء الجماعات اليهودية) . كانت أم برجسون من أصل إنجليزي يهودي، ولكنها كانت هي الأخرى مندمجة في مجتمعها. ولذا، فقد تلقَّى برجسون تعليماً فرنسياً علمانياً، وأظهر نبوغاً في الدراسات الكلاسيكية والرياضيات معاً. دخل برجسون مدرسة المعلمين العليا الشهيرة عام ١٨٧٨، وتجنَّس بالجنسية الفرنسية عام ١٨٨٠ عندما بلغ سن الرشد. وفي عام ١٨٨١، حصل على الليسانس في الرياضيات والآداب معاً، ثم حصل على درجة الأجريجاسيون في الفلسفة عام ١٨٨١. وإذا كان تعليم برجسون فرنسياً، فإن حياته المهنية كانت كذلك أيضاً؛ فقد عُيِّن أستاذاً بالكوليج دي فرانس عام ١٩٠٠، وانتُخب عضواً بأكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية عام ١٩٠١، ثم عُيِّن بالأكاديمية الفرنسية، وحصل على جائزة نوبل في الآداب عام ١٩٠٨. ومن أشهر مؤلفاته التطور الخلاق (١٩٠٧) ، ومنبعا الأخلاق والدين (١٩٣٢) .
ويمكن توصيف عالَم برجسون بأنه مثل معظم الأيديولوجيات العلمانية يحاول أن يرد العالم بأسره إلى مبدأ واحد، وهو في حالته مبدأ التطور الدارويني، ولكنه يبذل محاولة لتهذيبه (لا لتغيير جوهره) . وعالَم داروين عالَم حلقاته متصلة صلبة، كل عنصر فيه يؤدي إلى ما بعده، وتتطور الكائنات في إطاره حسب قوانين برانية صارمة تنضوي تحت رايتها كل الأشياء، فهو عالم لا ثغرات فيه؛ مطلق مصمت ميت.
стр. 3421
وعلى طريقة مفكري عصر ما بعد الاستنارة والصورة المجازية العضوية للكون، أي شأنه شأن نيتشه ووليام جيمس، يحاول برجسون أن يُحيي هذا العالم الميت المغلق بأن يجعله كياناً تطورياً عضوياً مُفعَماً بالحياة التي تنبعث من داخله وتحركه وهي سبب نموه. فهذه طبيعة الأنساق الفكرية العلمانية حيث يتحوَّل المطلق إلى مبدأ حالٍّ في المادة، كامن فيها، ولا يمكنه أن يظهر إلا بأن يتجسد من خلالها. فيصبح الكون عالمَاً تطورياً حيوياً سائلاً حلقاته متصلة، لا ثغرات فيه ولا يستطيع أحد أن ينفلت من قوانينه وحركة نموه. ويمكن القول بأن كل فلسفة برجسون هي محاولة يائسة لإحياء عالم ميت وتأكيد للحرية في عالم السببية المادية الصلب.
стр. 3422
ينطلق برجسون من مفهوم أساسي في كل من الحضارة والفلسفة الغربية وهو مفهوم الشيء، فالشيء هو مقولة نظرية وصل إليها المنظّرون من خلال عملية تجريد طويلة. وفُرضت هذه المقولة على العالَم الذي تم النظر إليه باعتباره مجموعة أشياء محددة صلبة، فالفلسفة الغربية ترى أن العالم هو أساساً شبكة من الجواهر المرتبطة بعضها بالبعض بطرق مختلفة، وهذا هو منطق الأشياء الصلبة، منطق عصر العقل والاستنارة وعالم نيوتن الآلي الصلب. لكن ثمة منطقاً آخر وعالمَاً آخر يتسم بالسيولة والتماوج والتمازج هو عالَم ما بعد الاستنارة، عالَم الصورة المجازية العضوية للكون. ويمكن القول بأن ثمة ثنائية صلبة تجري في كل أعمال برجسون تشبه الثنائية التي تسم منظومة نيتشه، مع فارق أن نيتشه يهتم بجانب واحد في الثنائية. أما برجسون، شأنه شأن وليام جيمس، فإنه يهتم بكليهما ويقننهما. كما أن برجسون أحل الحدس محل القوة كوسيلة لتجاوز الواقع المادي. ويمكن أن نورد بعض الثنائيات المتعارضة في منظومة برجسون: العقل/الحدس ـ التحليل/الإدراك المباشر ـ العلم المجرد/العالَم المتعيِّن ـ الامتداد المكاني/الامتداد (أو التمازج) الزماني ـ الكمي/الكيفي ـ الصلب/السائل ـ الموجود/الصائر ـ المتقطع/المستمر ـ البرجماتي (وهو العملي القادر على التعامل مع البراني) / الصوفي (وهو الذي يستخدم الحدس فيتعامل مع الإنسان والأزلية ويصل إلى الجوهر الجواني للأشياء) ـ مجتمع مغلق/مجتمع مفتوح ـ الامتثال للقوانين والأعراف/تجاوز القوانين والأعراف ـ قانون الضرورة البراني للبشر العاديين/قانون الحدس الجواني للنخبة (الأبطال والمتفوقون) .
стр. 3423
والطرف الأول في الثنائية يمثل الجانب العقلي لعالَم الاستنارة الجاف الذي تهيمن عليه صورة مجازية آلية، وهو المجال الخاضع للقياس ولتقييم العقل وقوانين الواقع، أما الطرف الثاني فيمثل عصر معاداة الاستنارة والذي يتمركز حول صورة مجازية عضوية، فهو عالَم الديمومة، عالم مُفعَم بوثبة الحياة الكامنة في المادة، العالَم العضوي الحلولي الذي يتسم بالسيولة والحركية.
وتدور أعمال برجسون حول هذه الثنائية الصلبة وحول تحيُّزه للطرف الثاني في الثنائية (شأنه شأن كل الفلسفات الحيوية) . ولعل أهم المفاهيم الفلسفية التي نظر إليها برجسون من منظور هذه الثنائية هو مفهوم الزمن، فالإنسان الغربي الذي اعتبر الشيء كياناً صلباً حينما نظر إلى الزمن اعتبره خطاً مستقيماً. وهذا هو جوهر الرؤية العلمية للزمن التي تثبت العالم كمقولات جامدة: الحاضر هنا ـ الماضي خلفنا ـ المستقبل أمامنا. إنها رؤية مكانية للزمن تنظر للزمن باعتباره امتداداً للمكان، وهي رؤية جامدة تؤدي إلى الحتمية. فنحن هنا وجئنا من هناك في السابق وسنتقدم إلى هناك في المستقبل، ولكن الزمن الحقيقي (الديمومة) هو امتزاج الماضي بالحاضر بالمستقبل، وهو ليس مجرد خط مستقيم يمتد بشكل رتيب من الماضي إلى الحاضر إلى المستقبل. ويرى برجسون أن كثيراً من البشر يفشلون في التمييز بين الزمن الحي المُعاش، كتجربة فريدة حية يدركها الحدس، والزمن كمكان جامد يعيه العقل؛ كمٌّ يقاس بالساعة وهو الزمن الموضوعي الآلي (الشيئي) الذي يستخدمه العلم. ويذهب برجسون إلى أن معظم البشر يخلطون بين الامتداد الزماني (أو الحيز الزماني) والامتداد المكاني، وبين الكيف والكم، وبين التزامن والتعاقب.
стр. 3424
ويذهب برجسون إلى أن العنصر الحيوي في الامتداد الزمني المتدفق هو وحده الذي يتخلل كل الوجود الحقيقي، فالزمن يُلغي الوعي العقلي الجامد. ومن هنا، فإن عنصر الامتداد (الحيز) الزمني يمكن تعريفه باعتباره التغيُّر المستمر الذي يحدث في الزمن، وهو تغيُّر لا ينبع من أية قوى متجاوزة للزمن وإنما ينبع من طاقة داخلية موجودة في أجزاء الوجود (مهما تنوعت أشكالها) ؛ قوة كامنة متشابهة في الجميع: هي الحياة. وهذه الحياة الحالَّة في كل شيء تخلق فيما تحل فيه ميلاً خاصاً وتوجيهاً معيناً يؤثران في كل جزئية من جزئياته: وهكذا يظل الجسم المادي يتشكل ويتغير حسب ذلك التوجيه الذي تمليه تلك الحياة الدافعة الكامنة فيه، ويسميها برجسون «الوثبة الحيوية» (بالفرنسية: إيلان فيتال elan vital) التي تنبع من مصدر لا متناه يوجد داخل الكون ذاته.
واستمرار هذه الوثبة الحيوية وتعبيرها المستمر عن نفسها من خلال الزمان هو العنصر الأساسي في الكون. وينتج عن هذا أن ما يكوِّن الوعي هو الذاكرة، فالذاكرة هي التي تستوعب الامتداد الزمني لأنها تراكم لكل إنجازات الماضي وتستدعي الصور الذهنية التي مرت بنا في التجارب الماضية مقرونةً بما سبقها وما تلاها، فتتمكن بذلك من الحكم على المواقف المشابهة التي قد تعرض لنا حكماً صادقاً. فالذاكرة، من ثم، علم. لكن للذاكرة فوق هذا عمل آخر. فمن خلالها ينمو الماضي ليصبح الحاضر، ومن خلال الحدس، الذي هو جوهر الذاكرة، يدرك الإنسان جوهره الشخصي باعتباره (هو ذاته) امتداداً زمنياً وحيوياً، وكذلك يدرك الامتداد الزماني المبدع الذي هو الحقيقة المطلقة. وبواسطة الذاكرة يمكن أن يستوعب الخلود بأسره في لحظة واحدة، وفي ذلك تحرير لنا من قيود الصيرورة الطبيعية التي تخضع لها الأشياء الجامدة، فهي من ثم تحوِّل الإنسان من آلة صماء في يد القوانين المادية ليصبح كائناً مدركاً حرّ الإرادة قادراً على الاختيار.
стр. 3425
ولكن برجسون يدور في إطار الواحدية الكونية، أي أنه يرى أن ثمة عنصراً واحداً يُكوِّن العالم بأسره، ولذا فهو يصفي كل الثنائيات. فالكائنات الحية كلها تتصف، في جوهرها، بالصيرورة التي تعني تطور الكائن بانتقاله من مرحلة إلى أخرى وخضوعه لحكم الزمن. والحقيقة الأولى هي الصيرورة لا الوجود، والتغير لا الثبات. وهذه الحياة التي لا تفتأ تخلق وتغير وتبدع والتي تتلمس الحرية من قيود المادة هي الإله، فالإله والحياة اسمان لمسمَّى واحد. وأغلب الظن أن هذه الحياة الدائمة التخلص من أغلالها وأصفادها ستظفر في آخر الأمر بما تريد، فتتغلب على الموت وتتحقق لها الحرية والخلود (وهي لحظة نهاية التاريخ، والفردوس الأرضي، وتحقُّق الفكرة المطلقة في التاريخ ونهاية الدورة الكونية لتبدأ دورة أخرى) .
ومما يجدر ملاحظته أن الوثبة الحيوية في منظومة برجسون تحل محل الإله في كثير من المنظومات الدينية التقليدية. ومن ثم، فإن الإله في فلسفة برجسون كيان متغيِّر متحرك قابل للنمو والتزايد باستمرار. وهو صيرورة كاملة، فهو ليس هنا ولا هناك، وهو ليس موجوداً ولا يتصف بأي كمال من الكمالات التي ننسبها في العادة إلى المبدأ الإلهي، كما أن صفة القدرة المطلقة ليست من صفاته. ولا يوجد هنالك فارق بينه وبين العالم، فالاختلاف بينهما في درجة الشدة والتوتر أو الترقي، كما لا يوجد فارق بين الإله والإنسان. ويمكننا القول بأن مفهوم الإله في فكر برجسون يتأرجح بين فلسفة وحدة الوجود الروحية وفلسفة وحدة الوجود المادية، فهو يُسمِّي المبدأ الواحد الذي يسري في الكون أحياناً «الإله» ويسميه أحياناً «الوثبة الحيوية» . ومهما تكن التسمية، فإن العالم بأسره يُردُّ إلى هذا المبدأ الواحد.
стр. 3426
فإذا كان الإله صيرورة وحركة نحو هدف، فإن الهدف هو الإنسان، فهو النقطة التي تتحقق فيها الوثبة الحيوية (وهذا يشبه من نواحٍ كثيرة مبدأ الإصلاح [تيقون] في القبَّالاه اللوريانية وفي كثير من المنظومات الغنوصية حيث يبلغ الإله كماله ووحدته بل ووجوده من خلال الإنسان، كما أن الكون حين يصل لحظة الكمال يشبه الإنسان) . وكل هذا تعبير عن الواحدية الكونية وعن وحدة الوجود بدون إله، ولكنها وحدة وجود فيضية من نوع خاص تجعل الإله الينبوع الحر الخالق الذي تنبعث منه الحياة والمادة على السواء بمقتضى جهد إبداعي يتجلى في تطوُّر الأنواع الحية وظهور الشخوص البشرية. ويظهر الفكر الأخروي لهذه المنظومة في لحظة الكمال النهائية التي ستتحقق داخل الزمان التاريخي وتلغيه في ذات الوقت.
هذه هي ركيزة النسق الأساسية: وثبة حيوية تعبِّر عن نفسها من خلال مادة واحدة، والتاريخ الكلي للبشرية إن هو إلا محاولتها التعبير عن نفسها عبر الزمان. ومادام الزمان هو نسيج الواقع، فإن التطور هو الحقيقة الوحيدة الثابتة. والتطور تسلسل منطقي من الأحداث والصور، وهو تحرك ليس آلياً برانياً مدفوعاً من الخارج وإنما هو حيوي مدفوع من الباطن، من داخل المادة نفسها، والتطور يأخذ شكل تزايد في التركيب فتيار الحياة، التي تدفعه الوثبة الحيوية نبع في وقت ما وفي نقطة من مكان ما، وانتقل من جسم إلى جسم ومن جيل إلى جيل، ويمضي قدماً نحو أعلى صور الحياة وأرفعها.
стр. 3427
ورغم هذه السيولة الكونية، نجد أن برجسون يُقسِّم البشر بصرامة إلى هؤلاء الذين يدركون الزمان كامتداد مكاني وكأنه كادرات فيلم سينمائي يتتابع الواحد تلو الآخر دون حركة أو وصل أو حياة، لا حياة في كل وحدة على حدة، وهم يدركون أنفسهم كتجل صلب في المكان وكوحدة جامدة صلبة باردة، ويستخدمون عقولهم وحسب في إدراك الواقع وتجميده وقتله. لكن هناك أيضاً أولئك الذين ينظرون للزمان باعتباره حيوية متدفقة متموجة، تُولَد وتنمو دائماً وكأنه الشريط السينمائي الذي يُلغي صلابة كل صورة على حدة فيبث فيها الحياة والحركة الدائمة ويربط بين أشتاتها ويكوِّن منها حقيقة واحدة متحركة (والحركة غير قابلة للقسمة، وهي متصلة تأخذ شكل ثبات لا يمكن فصل أولها عن آخرها، وذلك على عكس المسار المكاني فهو قابل للقسمة) . وهذا الفريق من البشر يتمتعون بالبصيرة والحدس، ولذا فإنهم يدركون الواقع في كليته وحيويته. وهم يدركون أنفسهم ككيان حركي حي قادر على الوصول إلى جوهر الأشياء.
ونلاحظ هنا أن التقسيم الثنائي الصلب الذي يوجد في فلسفة نيتشه ووليام جيمس: الأقوياء والضعفاء، المنتصرون والمهزومون، الأبطال والعاديون، والمتصوفون الذين يُولِّدون القوانين التي يُحكم بها عليهم، والمتعبدون والخاضعون لقوانين المجتمع. وعامة الناس هم، بطبيعة الحال، الضعفاء الخاضعون المهزومون الذين تسري عليهم القوانين العادية، أما الآخرون فهم نخبة صغيرة، مجموعة محدودة تتحرر من قيود العادة التي تربط الإنسان بالحقائق الاجتماعية والأخلاقية والإدراكية للواقع، لتحلِّق في عالم السيولة، ذلك الجزء الذي تدفعه الوثبة الحيوية بلا توقُّف، فهم قمة الحرية والإبداع.
стр. 3428
وقد أدَّت الوثبة الحيوية في مجال الأخلاق إلى ظهور ضربين مختلفين منها يقابلان هذين الاتجاهين المتمايزين، اتجاه الغريزة واتجاه العقل، الأول تناسبه الأخلاق المغلقة، وهي أخلاق الجماعات المغلقة على نفسها التي تشبه من بعض الوجوه مجتمع النحل أو النمل، والثاني تناسبه الأخلاق المفتوحة التي تتجاوز حدود الجماعة، وعليه يتوقف مصير الإنسانية لأنه هو الذي يفتح أمام التطور البشري أفقاً واسعاً لا نهائياً. وتقوم الأخلاق المغلقة على الإلزام الذي يفرض على الجماعة نظاماً من العادات يحقق لها وحدتها ويصون كيانها، بينما الأخلاق المفتوحة تصدر عن نزوع عام تتمثل فيه جاذبية القيم وحب الإنسانية؛ الأولى يسميها برجسون الأخلاق الاجتماعية ومَثَلُها الأعلى تحقيق العدالة والتضامن الاجتماعي، والثانية يسميها الأخلاق الإنسانية ومثلها الأعلى المحبة والكمال الأخلاقي. ولكن الوثبة الحيوية لم تستطع أن تنتج إلا مجتمعات مغلقة بطريقة أو بأخرى، ولذلك فإنها عندما عجزت عن الاستعانة بالنوع بأكمله لم تجد بُداً من أن تستعين ببضع شخصيات ممتازة اتخذت منها أدوات لتحقيق مقاصدها وأغراضها، وهؤلاء هم الأبطال والأنبياء والمصلحون، رموز الوثبة الحيوية ودعاة المحبة والإيثار، وهم الصفوة المختارة التي تُحقِّق للحياة حركتها الصاعدة. ونحن هنا نواجه السوبرمان، الإنسان المتأله (أو تساديك) قمة التطور وتجسيد المطلق في التاريخ والنقطة التي ينغلق عندها النسق فهو مكتف بذاته لا يشير إلى نفسه.
стр. 3429
وماذا عن البُعد اليهودي في فلسفة برجسون؟ كان برجسون يذهب إلى أن اليهودية ديانة مغلقة من وحي مجتمع مغلق، وأنها دين ساكن إستاتيكي جامد، أخلاقه مغلقة تحمل الفرد على الإخلاص بشكل غريزي للجماعة. أما الكاثوليكية، في رأيه، فهي ديانة عالمية تتجاوز اليهودية، وهي دين منبعه الحدس لا الغريزة وغايته الاتصال بالوثبة الحيوية التي تكمن وراء شتى مظاهر الوجود. وإذا كانت اليهودية تُعلّم اليهودي التشبث بالحياة، فإن الكاثوليكية تعلم المسيحي الانفصال عن كل شيء (لا التعلق بأهداب الحياة) وهو شيء يتسم به المتصوفون وحدهم. والمسيح في نظر برجسون أكبر شخصية صوفية عرفها التاريخ بحيث يمكن القول بأن كل المتصوفة أتباع له. والصوفي المسيحي يشعر بأن الحب يستنفد وجوده كله، وهو ليس حب إنسان للإله، ولكنه حب الإنسانية من خلال الإله وبواسطته. ثم يُعرِّف برجسون إله الصوفية بأنه حياة ومحبة تعبر عنهما تلك الوثبة الحيوية التي تَصدُر عنها ديانة المتصوفين، وهم وحدهم الذين يتلقون عن تلك الطاقة الخلاقة التي هي الأصل في رؤاهم وكشوفهم، وعلى عاتقهم تقع مسئولية توجيه الإنسانية إلى حياة مستقرة مليئة بالمحبة والتعاطف.
وإذا ما أردنا أن نحدِّد البُعد اليهودي في فلسفة برجسون، فإننا سنجد أنه أقرب إلى إسبينوزا منه إلى اليهودية الحاخامية. فكلاهما يهاجم جمود اليهودية ولكنه يدور في إطار وحدة الوجود (الروحية والمادية) ، وكلاهما يُغيِّب الإله بأن يجعله مجرد قوة دافعة للمادة أو للزمان كامنة فيها تتخلل ثناياها وتضبط
وجودها. ولكن وحدة الوجود ليست سمة من سمات اليهودية وإنما هي أيضاً السمة الأساسية للرؤية العلمانية المتمركزة حول الإنسان أو المادة أو حول الإنسان باعتباره مادة، فكأن فكرة وحدة الوجود هي الإطار الذي ينتظم كلاًّ من اليهودية والعلمانية وكلاًّ من إسبينوزا وبرجسون، وكذلك كل الفلاسفة اليهود وغير اليهود الذين يتحركون في هذا النطاق.
стр. 3430
ولعل هذا يساهم في كشف النموذج الكامن وراء كثير من الفلسفات العلمانية الحديثة (بل ووراء حركة الحداثة ككل) فهذه الفلسفات شكل متطور من أشكال وحدة الوجود والرؤية الحلولية، فجميعها فلسفات حيوية، مثل فلسفة برجسون، ترى المطلق في النسبي وترى المثل الأعلى باعتباره شيئاً كامناً في المادة أو في الزمان، وتنظر إلى الواقع من منظور عضوي حسب قوانين عضوية كامنة فيه، وإن وُجدت ثغرة فإن النقيض يحدث على الفور: التبعثر الذري. وهي فلسفات تُحلُّ محل الأخلاق مقولات نفسية مثل القوة والتوازن وتحقيق الذات.
ومما يجدر ذكره أنه رغم إعجاب برجسون الشديد بالكاثوليكية، إلا أنه لم يتخذ الخطوات النهائية للانضمام للكنيسة وقبول التعميد حتى لا يتخلى عن أولئك الذين سيقع عليهم العذاب والاضطهاد من بني جنسه. وقبل موته بأسابيع، ترك برجسون فراش مرضه ووقف في صف طويل مع أولئك المطالبين بتسجيل أنفسهم كيهود، وذلك حسب مقتضيات القانون الذي أصدرته حكومة فيشي، وقد رفض إعفاءه من هذا الإجراء.
إدموند هوسرل (١٨٦٦-١٩٣٨) والفينومينولوجية
Edmund Husserel and Phenomenology
فيلسوف ألماني من أصل يهودي، مؤسس المدرسة الفينومينولوجية (يُشار إليها بأنها المدرسة الظاهراتية) . وُلد في مورافيا (حينما كانت تابعة لألمانيا) ودرس الرياضة والفيزياء والفلك في جامعة ليبزيج، وتنصَّر (على المذهب البروتستانتي) وهو شاب، مثل العديد من أقرانه اليهود. وازداد اهتمامه بالفلسفة في فيينا تحت تأثير برنتانو. قام بالتدريس في جامعة هال (١٨٨٧ ـ ١٩٠١) ثم في جامعتي جوتنجن وفرايبورج (١٩٠٦ ـ ١٩١٦) حتى تقاعد عام ١٩٢٩.
стр. 3431
كان هوسرل يتصور أن الفلسفة الفينومينولوجية التي دعا إليها ستكون شيئاً جديداً تماماً. فالأنطولوجيا الغربية تستند إلى ثنائية الذات والموضوع أما هو فكان يرمي إلى تأسيس أنطولوجيا جديدة تفترض ارتباط الواحد بالآخر بل وتجسد الواحد من خلال الآخر، فالطبيعة (الموضوع) حسب تصوره لا تعني شيئاً إلا إذا ارتبطت بالوعي الإنساني (الذات) . هذا النسق الفلسفي الجديد سيحل محل كلٍّ من الوحي المسيحي والعلم الطبيعي القديم، وسيحقق ثورة ضد الوضعية والاتجاه التجريبي الطبيعي والاتجاه السلوكي في علم النفس، وكلها اتجاهات تستخدم العلم الطبيعي نموذجاً وتتصور أن المعرفة اتصال مباشر بالحقيقة دون وساطة المفاهيم والوعي. والفينومينولوجية، علاوة على ذلك، ثورة ضد الاتجاه التاريخاني النسبي الذي يؤدي إلى ذاتية متطرفة تشكيكية، تُسقط إمكانية قيام علم فلسفي صحيح في ذاته، فهي ثورة ضد التمركز حول الذات أو حول الموضوع، وضد المادية والمثالية، ثورة ستؤدي ـ حسب تصوُّر هوسرل ـ إلى تطوير منهج متماسك وفلسفة شاملة جديدة.
стр. 3432
ونقطة الانطلاق لا هي الذات المغلقة على نفسها ولا هي الموضوع المطلق المغلق على نفسه، بل هي الشعور والوعي الإنساني (الجمعي) . وكان هوسرل يرى أن كل حدس كوني مصدر مشروع للمعرفة، بل المصدر الأساسي للمعرفة الإنسانية. فالإدراك الإنساني ليس سلبياً وإنما هو إعادة وعي بشيء فهو يتجه وينطلق ويمتد نحو شيء ما (وهذا ما يُسمَّى «القصدية» وهو مفهوم أخذه هوسرل من كتابات برنتانو وطوَّره) . وبهذا المعنى، فالشعور ليس فيض عواطف ولا انفعالات ذاتية ولا أحاسيس شخصية وإنما هو شيء مركَّب يضم عنصرين لا عنصراً واحداً: الشعور الإنساني، والشيء ذاته. والشيء ذاته مختلف عن مفهوم كانط «الشيء في ذاته» الذي يختفي دوماً عن الشخص الذي يسعى إلى المعرفة، والذي لا يمكن معرفته إلا بالإيمان. ولفهم الشيء ذاته سنشير إلى أن الموضوع عند هوسرل ليس ما يقع خارج الوعي (حسب التعريف المادي) وإنما ما هو في متناول الوعي. والظاهرة ليست شيئاً موضوعياً مادياً يوجد جاهزاً مستقلاً في عالم الطبيعة له حدوده الواضحة، وإنما هي ظاهرة بمقدار ما تكشف عن الوجود كتجربة حية في الشعور فتصبح مرادفة للشيء ذاته وتكشف ما تنطوي عليه معطيات الشعور نفسها. في هذا الإطار تنحل الذات وينحل الموضوع، فالموضوع ليس شيئاً جامداً بل مجموعة من العلاقات الحية، والذات أيضاً ليست شيئاً محدَّداً وإنما علاقة.
стр. 3433
من هنا فكرة الشعاع المزدوج الذي تتم بمقتضاه عملية الوعي بالشيء إذ يخرج شعاع من الموضوع ليصل إلى الذات، ويخرج شعاع من الذات ليصل إلى الموضوع، فالإدراك عملية يلتحم فيها المدرك والمدرَك فيتوحدان في علاقة ويوجدان من خلالها. وهي ليست عملية سلبية من جانب الإنسان يتلقى فيها الأحاسيس المادية (فهو بذلك سيسقط في المادية والموضوعية المحضة التي رفضها هوسرل) وإنما تتَّسم بتركيز الأحاسيس بحيث يُصبح الإدراك انتباهاً (والتفكير يصبح تأملاً وهكذا) . والموضوع ذاته ليس مجرد شيء وإنما هو شيء مقصود من الشعور، يحتاج إلى التثبت داخل الوعي الذاتي. إن الذات دائماًً ممتلئة بهذا العالم بسبب قصدية الوعي أو الشعور، والموضوع لا يعني شيئاً بدون وعي إنساني. ومن ثم فتحليل الشعور هو تحليل للقصد المتبادَل وتحليل للمعرفة في آن واحد.
ورغم أن هوسرل يفترض هنا وجود علاقة تبادلية، علاقة مواجهة ندية بين الذات والموضوع، إلا أن إرادة الموضوع مسألة يصعب تصورها، فما هي حاجة الموضوع لأن يتثبت في الوجدان؟ ما حاجة الشيء ذاته للإنسان؟ لماذا لا يُهيمن الموضوع على الذات تماماً، كما تُهيمن الدولة والمؤسسات والشركات متعددة القوميات على الفرد/الذات؟ ولذا، فبدلاً من الوحدة العضوية الكاملة المقترحة بين الذات والموضوع، سنُواجَه في نهاية الأمر إما بثنائية صلبة أو واحدية موضوعية.
стр. 3434
والفينومينولوجيا عند هوسرل لا تبحث عن هذا النوع أو ذاك من المعرفة وإنما عن بنية العقل العميقة، أي عن شروط تحقُّق المعرفة، فهي لا تتعامل مع هذا الأرنب أو تلك القطة وإنما مع الجوهر الثابت للأرانب والقطط (أرنبية الأرانب وقطية القطط - أيدوس الأرانب والقطط) وهي لا تتعامل معهما في ذاتهما وإنما كما ينعكسان لا على وعي الإنسان الفردي، وإنما على الوعي الإنساني الجمعي، والفينومينولوجيا ليست إمبريقية مهتمة بتجارب بعض الأفراد وليست نفسية مهتمة بالعمليات العقلية وإنما هي مهتمة ببنية الوعي ذاته. فالوعي هنا ليس إمبريقياً وإنما متعال، فهو يتعامل مع الواقع المعاش وعالم الحياة (بالألمانية: ليبنزفلت lebenswelt) ، عالَم الواقع كما يُنظّمه وجود الإنسان باعتباره إنساناً.
ويتحدث هوسرل عن عملية الرد الفينومينولوجي (أو الاستبعاد الفينومينولوجي) وهي عملية استبعاد صارمة لكل ما ليس كامناً في الوعي. هي محاولة تطهير النفس من الازدواجيات والاستقطابات وتطهير الوعي من كلٍّ من الواقعية المادية (الموضوعية) والواقعية النفسية (الذاتية) . ويبدأ الرد الفينومينولوجي بوضع الصفات العارضة بين قوسين (تعليقها) واستبعادها من عملية التأمل. هذه الصفات العارضة يمكن أن تكون صفات مادية في الشيء، ليس لها أهمية من منظور الوعي الإنساني، وقد تكون عناصر ذاتية ضيقة داخل الذات، أو حتى مواضيع داخل الذات لا علاقة لها بالذات، فهي عملية استبعاد لكل ما هو تجريبي أو واقعي وكل ما ليس كامناً في الوعي وكل ما ليس جوهرياً من منظوره (كان هوسرل يُعرِّف الفينومينولوجيا بأنها «علم الروح المكتفي بذاته بشكل مطلق» ) .
стр. 3435
وبعد عملية الرد الذي يتجاوز به الوعي أو الأنا العالم المباشر والذات الضيقة والظواهر العارضة نصل إلى نقطة الالتحام الطوباوية المطلقة بين الذات والموضوع وتصبح الأنا متحررة من أية مصلحة محددة، أو قصدية ضيقة، وتظهر الذات المتعالية (تُسمَّى فلسفة هوسرل «الذاتية المتعالية» ) ، ولكنها ليست ذاتاً محايدة باردة فهي منشغلة بذاتها الإنسانية العريضة واعية بذاتها. حينئذٍ ينبثق الواقع بوضوح أمام هذه الذات، فهو ليس مجرد أحداث منفصلة وإنما هو المجري الخالص للخبرة المعاشة.
ويمكن في لحظة الكشف أو الإشراق الفينومينولوجي هذه أن يعود الوعي إلى الأصول أي إلى الأشياء الجوهرية التي أصبحت غامضة أو اختفت أو احتجبت بسبب تراكم أشياء غير جوهرية، وهذه هي نقطة الوعي الخالص؛ الوعي بما هو وعي، نقطة النظر للواقع باعتباره ظاهرة خالصة تظهر داخل الوعي الإنساني الجمعي (فهي نقطة ذاتية/موضوعية ـ متحركة/ثابتة) .
следующие страницы →