← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

كان هوسرل يتصور أن الفلسفة الفينومينولوجية التي دعا إليها ستكون شيئاً جديداً تماماً. فالأنطولوجيا الغربية تستند إلى ثنائية الذات والموضوع أما هو فكان يرمي إلى تأسيس أنطولوجيا جديدة تفترض ارتباط الواحد بالآخر بل وتجسد الواحد من خلال الآخر، فالطبيعة (الموضوع) حسب تصوره لا تعني شيئاً إلا إذا ارتبطت بالوعي الإنساني (الذات) . هذا النسق الفلسفي الجديد سيحل محل كلٍّ من الوحي المسيحي والعلم الطبيعي القديم، وسيحقق ثورة ضد الوضعية والاتجاه التجريبي الطبيعي والاتجاه السلوكي في علم النفس، وكلها اتجاهات تستخدم العلم الطبيعي نموذجاً وتتصور أن المعرفة اتصال مباشر بالحقيقة دون وساطة المفاهيم والوعي. والفينومينولوجية، علاوة على ذلك، ثورة ضد الاتجاه التاريخاني النسبي الذي يؤدي إلى ذاتية متطرفة تشكيكية، تُسقط إمكانية قيام علم فلسفي صحيح في ذاته، فهي ثورة ضد التمركز حول الذات أو حول الموضوع، وضد المادية والمثالية، ثورة ستؤدي ـ حسب تصوُّر هوسرل ـ إلى تطوير منهج متماسك وفلسفة شاملة جديدة.

стр. 3432

ونقطة الانطلاق لا هي الذات المغلقة على نفسها ولا هي الموضوع المطلق المغلق على نفسه، بل هي الشعور والوعي الإنساني (الجمعي) . وكان هوسرل يرى أن كل حدس كوني مصدر مشروع للمعرفة، بل المصدر الأساسي للمعرفة الإنسانية. فالإدراك الإنساني ليس سلبياً وإنما هو إعادة وعي بشيء فهو يتجه وينطلق ويمتد نحو شيء ما (وهذا ما يُسمَّى «القصدية» وهو مفهوم أخذه هوسرل من كتابات برنتانو وطوَّره) . وبهذا المعنى، فالشعور ليس فيض عواطف ولا انفعالات ذاتية ولا أحاسيس شخصية وإنما هو شيء مركَّب يضم عنصرين لا عنصراً واحداً: الشعور الإنساني، والشيء ذاته. والشيء ذاته مختلف عن مفهوم كانط «الشيء في ذاته» الذي يختفي دوماً عن الشخص الذي يسعى إلى المعرفة، والذي لا يمكن معرفته إلا بالإيمان. ولفهم الشيء ذاته سنشير إلى أن الموضوع عند هوسرل ليس ما يقع خارج الوعي (حسب التعريف المادي) وإنما ما هو في متناول الوعي. والظاهرة ليست شيئاً موضوعياً مادياً يوجد جاهزاً مستقلاً في عالم الطبيعة له حدوده الواضحة، وإنما هي ظاهرة بمقدار ما تكشف عن الوجود كتجربة حية في الشعور فتصبح مرادفة للشيء ذاته وتكشف ما تنطوي عليه معطيات الشعور نفسها. في هذا الإطار تنحل الذات وينحل الموضوع، فالموضوع ليس شيئاً جامداً بل مجموعة من العلاقات الحية، والذات أيضاً ليست شيئاً محدَّداً وإنما علاقة.

стр. 3433

من هنا فكرة الشعاع المزدوج الذي تتم بمقتضاه عملية الوعي بالشيء إذ يخرج شعاع من الموضوع ليصل إلى الذات، ويخرج شعاع من الذات ليصل إلى الموضوع، فالإدراك عملية يلتحم فيها المدرك والمدرَك فيتوحدان في علاقة ويوجدان من خلالها. وهي ليست عملية سلبية من جانب الإنسان يتلقى فيها الأحاسيس المادية (فهو بذلك سيسقط في المادية والموضوعية المحضة التي رفضها هوسرل) وإنما تتَّسم بتركيز الأحاسيس بحيث يُصبح الإدراك انتباهاً (والتفكير يصبح تأملاً وهكذا) . والموضوع ذاته ليس مجرد شيء وإنما هو شيء مقصود من الشعور، يحتاج إلى التثبت داخل الوعي الذاتي. إن الذات دائماًً ممتلئة بهذا العالم بسبب قصدية الوعي أو الشعور، والموضوع لا يعني شيئاً بدون وعي إنساني. ومن ثم فتحليل الشعور هو تحليل للقصد المتبادَل وتحليل للمعرفة في آن واحد. ورغم أن هوسرل يفترض هنا وجود علاقة تبادلية، علاقة مواجهة ندية بين الذات والموضوع، إلا أن إرادة الموضوع مسألة يصعب تصورها، فما هي حاجة الموضوع لأن يتثبت في الوجدان؟ ما حاجة الشيء ذاته للإنسان؟ لماذا لا يُهيمن الموضوع على الذات تماماً، كما تُهيمن الدولة والمؤسسات والشركات متعددة القوميات على الفرد/الذات؟ ولذا، فبدلاً من الوحدة العضوية الكاملة المقترحة بين الذات والموضوع، سنُواجَه في نهاية الأمر إما بثنائية صلبة أو واحدية موضوعية.

стр. 3434

والفينومينولوجيا عند هوسرل لا تبحث عن هذا النوع أو ذاك من المعرفة وإنما عن بنية العقل العميقة، أي عن شروط تحقُّق المعرفة، فهي لا تتعامل مع هذا الأرنب أو تلك القطة وإنما مع الجوهر الثابت للأرانب والقطط (أرنبية الأرانب وقطية القطط - أيدوس الأرانب والقطط) وهي لا تتعامل معهما في ذاتهما وإنما كما ينعكسان لا على وعي الإنسان الفردي، وإنما على الوعي الإنساني الجمعي، والفينومينولوجيا ليست إمبريقية مهتمة بتجارب بعض الأفراد وليست نفسية مهتمة بالعمليات العقلية وإنما هي مهتمة ببنية الوعي ذاته. فالوعي هنا ليس إمبريقياً وإنما متعال، فهو يتعامل مع الواقع المعاش وعالم الحياة (بالألمانية: ليبنزفلت lebenswelt) ، عالَم الواقع كما يُنظّمه وجود الإنسان باعتباره إنساناً. ويتحدث هوسرل عن عملية الرد الفينومينولوجي (أو الاستبعاد الفينومينولوجي) وهي عملية استبعاد صارمة لكل ما ليس كامناً في الوعي. هي محاولة تطهير النفس من الازدواجيات والاستقطابات وتطهير الوعي من كلٍّ من الواقعية المادية (الموضوعية) والواقعية النفسية (الذاتية) . ويبدأ الرد الفينومينولوجي بوضع الصفات العارضة بين قوسين (تعليقها) واستبعادها من عملية التأمل. هذه الصفات العارضة يمكن أن تكون صفات مادية في الشيء، ليس لها أهمية من منظور الوعي الإنساني، وقد تكون عناصر ذاتية ضيقة داخل الذات، أو حتى مواضيع داخل الذات لا علاقة لها بالذات، فهي عملية استبعاد لكل ما هو تجريبي أو واقعي وكل ما ليس كامناً في الوعي وكل ما ليس جوهرياً من منظوره (كان هوسرل يُعرِّف الفينومينولوجيا بأنها «علم الروح المكتفي بذاته بشكل مطلق» ) .

стр. 3435

وبعد عملية الرد الذي يتجاوز به الوعي أو الأنا العالم المباشر والذات الضيقة والظواهر العارضة نصل إلى نقطة الالتحام الطوباوية المطلقة بين الذات والموضوع وتصبح الأنا متحررة من أية مصلحة محددة، أو قصدية ضيقة، وتظهر الذات المتعالية (تُسمَّى فلسفة هوسرل «الذاتية المتعالية» ) ، ولكنها ليست ذاتاً محايدة باردة فهي منشغلة بذاتها الإنسانية العريضة واعية بذاتها. حينئذٍ ينبثق الواقع بوضوح أمام هذه الذات، فهو ليس مجرد أحداث منفصلة وإنما هو المجري الخالص للخبرة المعاشة. ويمكن في لحظة الكشف أو الإشراق الفينومينولوجي هذه أن يعود الوعي إلى الأصول أي إلى الأشياء الجوهرية التي أصبحت غامضة أو اختفت أو احتجبت بسبب تراكم أشياء غير جوهرية، وهذه هي نقطة الوعي الخالص؛ الوعي بما هو وعي، نقطة النظر للواقع باعتباره ظاهرة خالصة تظهر داخل الوعي الإنساني الجمعي (فهي نقطة ذاتية/موضوعية ـ متحركة/ثابتة) .

стр. 3436

وبعد عمليات الرد الفينومينولوجي تأتي عملية الوصف الفينومينولوجي، وهو وصف شامل يحيط بالشيء كما يتمثل في الوعي يحاول أن يكشف سماته وأبعاده وماهيته من خلال الإدراك الحدسي وأن يدرك الظواهر الخالصة، أي الثابت وغير المتغيِّر والجوهري والعالمي في الظاهرة، كما تنعكس على الوعي الجمعي. وأن يكتشف النمط الثابت المتواتر (وكلمة «نمط» في اليونانية تعني إيدوس eidos) ، ومن هنا حديث هوسرل عن الرد الفينومينولوجي باعتباره التجريد الإيديتيكي، وهو التجريد الذي يتم في إطار البحث عما هو جوهري وثابت. لكل هذا يمكن الوصول إلى معرفة غير مؤسَّسة على الخبرات العملية الضيقة وبدون اللجوء إلى عمليات الاستقراء (والوصول إلى القوانين الموضوعية العامة) أو إلى الاستنباط (من بعض المبادئ العقلية أو المثالية العامة) ، معرفة تستند إلى الخبرة الإنسانية العامة بأنماطها وأبنيتها (الماهيات والأنماط المثالية) وبنى الوعي الأساسية المستقلة عن معطيات التجربة الشخصية (المتمركزة حول الذات والمستقلة عن الموضوع) أو الموضوعية (المتمركزة حول الموضوع والمستقلة عن الذات) وصولاً إلى أعماق الإنسان ووعيه الخالص لتصبح أساساً لعلم يقيني جديد (منطق الوعي) تستند يقينيته إلى أنه راسخ في الوعي الجمعي للإنسان (بالمعنى الأنطولوجي وليس بالمعنى النفسي الشائع) ، أي أننا سندرس الوعي الإنساني كما يَدْرس علم الحساب الخالص الأعداد وكما يَدْرس علم الهندسة الأشكال المكانية. فعلم الحساب الخالص وعلم الهندسة الخالص يهتمان بأنماط معيَّنة من الأبنية والعلاقات الداخلية بينها. وتُعبِّر قضاياها عن الخصائص المميِّزة لهذه الأبنية بدون أية إشارة إلى أية خصائص تجريبية أو تجارب ذاتية.

стр. 3437

تصوَّر هوسرل أنه بذلك قضى تماماً على الاتجاه الطبيعي والذاتي وأن روح الحضارة الغربية (وعيها الخالص) ستستيقظ من حيرتها وستخرج من عدميتها كما تُبعَث العنقاء من رمادها، وهي صورة مجازية عضوية حلولية كمونية وثنية، امتداد لصورة الاستنارة المجازية ونورها المتوهج، صورة بروميثيوس المجازية والنار المتقدة التي سرقها من الآلهة، وحسب تضمينات هذه الصورة المجازية عند هوسرل يبدو أن نار العلم الطبيعي أحرقت العالم فأصبح رماداً وأن فلسفة هوسرل هي البلسم. ورغم أن إيمان هوسرل كان عميقاً إلا أنه لم يكن هناك ما يسانده في الواقع. فالحضارة الغربية كانت تمارس أقسى أنواع العنف في المستعمرات، وتحرق الأخضر واليابس وتحولهما إلى رماد، وكان هتلر على الأبواب وكان ستالين متربعاً على عرش القياصرة. وما ظهر بعد ذلك لم تكن العنقاء التي تُبعَث من الرماد وإنما ظهرت أفران الغاز ومعسكرات الجولاج التي أحرقت الجسد والروح (بعد التحام الذات والموضوع) وبدلاً من العنقاء التي ترفرف بأجنحتها القوية تساقط مزيد من الرماد على الإنسان والطبيعة.

стр. 3438

ويمكننا الآن أن نتوجه إلى البُعد اليهودي في فلسفة هوسرل. ثمة نزعة حلولية كمونية واحدية (روحية مادية) في فكر هوسرل، ولكن مصادرها ليست بالضرورة يهودية، ففكره امتداد للتقاليد الحلولية الكمونية، المادية الروحية، في الغرب منذ عصر نهضته. ونحن نجد أن ثمة تشابهاً بنيوياً عميقاً بين محاولة تأسيس الحقيقة على أساس تجاوز الذات الفردية والموضوع وصولاً إلى نقطة الواقع، باعتباره ظاهرة خالصة داخل الوعي الجمعي من جهة، ومن جهة أخرى مفهوم الإله في أسفار موسى الخمسة (وهو جزء من تراث اليهودية المسيحية) . فالإله ليس كياناً حالاًّ تماماً في المادة كامناً فيها ولا هو حالّ كامن في فرد بعينه، ولكنه مع هذا ليس متجاوزاً تماماً للأفراد وللشعوب، فهو يختار الشعب اليهودي ويحل فيه ويوجه تاريخه ويتبدَّى من خلاله، وهذا لا يختلف كثيراً عن تبدِّي الواقع كظاهرة خالصة في الوعي الخالص الجمعي. وقد تأثر هوسرل بفكر العديد من الفلاسفة غير اليهود، كما أنه أثّر في مارلو بونتي وماكس شيلر وجان بول سارتر ومارتن هيدجر، والأخير بالذات دفع المنظومة الفينومينولوجية إلى نهايتها المنطقية وتبنَّى الأيديولوجية النازية ودافع عن هتلر باعتباره النقطة التي تلتحم فيها الذات بالموضوع. ومن ثم فالحديث عن يهودية هوسرل هو حديث لا طائل من ورائه. وعلى كلٍّ، تنصَّر هوسرل في مطلع شبابه كما أسلفنا، فهو ليس يهودياً حتى من الناحية الشكلية. ولعل اسمه لهذا السبب لم يرد في كثير من الموسوعات التي تحدثت عن الثقافة اليهودية، وإن كان قد ورد في بعض منها (الموسوعة اليهودية [جودايكا] على سبيل المثال) . ليف شيستوف (١٨٦٦-١٩٣٨) والفلسفة المسيحية Lev Shestov and Christian Philosophy اسمه الأصلي هو ليف إيزاكوفيتش شوارتسمان. وهو فيلسوف وكاتب ديني وجودي روسي، ويُعدُّ من أهم ناقدي الاتجاهات العقلانية المنهجية باعتبارها وسائل لمعرفة الحقيقة.

стр. 3439

وُلد شيستوف في كييف لأب ثري كان يمتلك مصنعاً للنسيج، ودرس في الجامعة ليصبح محاسباً لكنه لم يمارس مهنته قط. كما أنه، رغم تحمسه للفكر الثوري، لم تساوره أية أوهام بشأن الثورة البلشفية عند اندلاعها، وهاجر من روسيا وعمل أستاذاً للفلسفة الروسية في جامعة باريس. وتُعَدُّ مقالاته عن تشيخوف ودوستويفسكي وتولستوي من أهم ما كتب. يدور فكر شيستوف الوجودي حول موضوع يراه تناقضاً أساسياً بين نسقين فلسفيين أساسيين: نسق يطمح إلى اليقين الكامل، ونسق يَصدُر عن الإيمان بأن الاحتمالات في الواقع غير محدودة، ومن ثم فإن اليقين الكامل مستحيل. ويرى شيستوف أن المشروع المعرفي الغربي إن هو إلا محاولة للوصول إلى نسق تفسير منطقي منهجي كلي وشامل يفسر الواقع بأسره ويجيب على كل الأسئلة عن طريق التوصل إلى القوانين الثابتة التي تحكم الواقع الإنساني والطبيعي. ويتم التعبير عن هذا الاتجاه في فلسفة أفلوطين بل وفي آراء توماس الأكويني، وقمة هذا الاتجاه فلسفة إسبينوزا العقلية. فقد حاول إسبينوزا ألا يضحك وألا يبكي وألا يكره، وركز جل اهتمامه على أن يفهم وحسب، فهو قمة الاتجاه نحو اليقينية الكاملة. ويرمز شيستوف لهذا النسق بأثينا التي آمنت بمبدأي عدم التناقض والثالث المرفوع، وحاولت الوصول إلى درجة عالية من الوضوح والثبات تؤدي في نهاية الأمر إلى إلغاء المطلقات (كل المطلقات) واختفاء القداسة كلها. ويضيف شيستوف أن النظم المعرفية المستقرة لا يمكنها في واقع الأمر الحفاظ على وجودها إلا من خلال القوة، فالنظام (المغلق) مثل القلعة المسلحة (وهو في هذه الصورة المجازية لا يُذكِّرنا بفلسفة شوبنهاور ونيتشه وداروين والبرجماتية وحسب وإنما أيضاً بالدولة القومية المركزية وبالفكر الإمبريالي والعنصري وبالفكر الذي يعلن موت الإله وموت الإنسان) .

стр. 3440

وفي مقابل كل هذا، يطرح شيستوف فكرة لا محدودية الاحتمالات (النسق المفتوح) ، فيذهب إلى أن الفلسفة الحقة، مثل الدين، تَصدُر عن إيمان بأن كل شيء محتمل لا نهائي ومنفتح، وعن احترام الأسرار الكامنة في الإنسان وإدراك قداسته، ذلك لأن الإنسان يتحدى سائر المحاولات العقلانية والمنهجية لفهمه وتفسيره. والفلسفة، مثل الدين، لا يمكنها أن تصبح علماً، وإنما هي معرفة تتعامل مع الأسئلة النهائية التي لا إجابة منهجية لها، والتي لا يملك الإنسان أن يقابلها إلا بصيحة أيوب، أي من خلال تجربة إنسانية وجودية مباشرة. فالتأمل العقلي المحض (مثل أثينا) أفسد الدين تماماً كما أفسد الفلسفة. ويرمز شيستوف لهذا الاتجاه بالقدس الذي يصل إلى ذروته وقمته - حسب تصور شيستوف - في أفكار ترتوليان بشأن قبول التناقض باعتباره نقطة انطلاق للإيمان الحق وفي أفكار لوثر الخاصة بالخلاص من خلال الإيمان وحده. وإذا كان النسق العقلاني يعلن موت الإله، ثم موت الإنسان، فإن هذا النسق يعلن مولد الإنسان الذي لا يُردُّ إلى الطبيعة، ومن ثم وجود الإله الذي هو تعبير عن الإمكانيات اللا محدودة وعن سر وجودها وضمان بقائها. ولذا، فإن شيستوف يرى أن التناقض الأساسي ليس بين الإلحاد والإيمان، وإنما بين التأمل والوحي، وبين أثينا والقدس (أي بين العقل والدين) .

стр. 3441

وتقول الموسوعة اليهودية (جودايكا) إن شيستوف كان يهودياً ومسيحياً في آن واحد، وهو تصنيف أقل ما يوصف به أنه غريب للغاية. وفي محاولة شرح هذا التصنيف تقول الموسوعة اليهودية إن اهتمام شيستوف بالتجربة الداخلية الدينية باعتبارها طريق الخلاص جعل من الصعب عليه البقاء داخل حدود اليهودية الحاخامية. ولكنه، مع هذا، وجد أن من الصعب عليه قبول العهد الجديد، فقد كان يحب إله العهد القديم بكل نزواته. ولكن هل كان حب نزوات إله العهد القديم كافياً لأن يجعل من مفكر ما أحد عباقرة اليهود؟ إن مفكراً وجودياً مسيحياً مثل كيركجارد، صاحب التأثير الواضح على شيستوف، جعل هذا العنصر نقطة انطلاقه الفلسفية، كما أن مصادر فكر شيستوف هي مجموعة من المفكرين المسيحيين، مثل: دوستويفسكي ولوثر وترتوليان أو مفكرين متمردين على المسيحية مثل نيتشه. وهو يعود دائماً في كتاباته إلى حادثة الصلب والصيحة التي أطلقها المسيح وهو على الصليب (حسب التصور المسيحي) «لم يارب هجرتني؟» . وحينما يشير شيستوف إلى العهد القديم أو إلى بعض الأحداث والأفكار التي وردت فيه، فهو يؤكد مغزاها النفسي أو الجواني، وينظر إليها من منظور مسيحي أو وجودي يَصعُب تصنيفه باعتباره يهودي حاخامي. بل إن المفكرين اليهود الذين يشير إليهم في كتاباته، مثل إسبينوزا، لا يظهرون باعتبارهم يهوداً وإنما باعتبارهم ممثلين لنزعة التأمل العقلي والنزعة العقلانية الهيلينية في الحضارة الغربية، ومن ثم فهو يرفضهم ويرفض فكرهم. ولكل هذا، يصعب تصنيف شيستوف باعتباره مفكراً دينياً يهودياً. ومما له دلالته أن شيستوف، شأنه شأن بوبر، لم يؤثِّر البته في الفكر الديني اليهودي، ولكنه ترك أثراً في مفكرين إما مسيحيين أو ذوي أصول مسيحية، مثل: ألبير كامو، ونيقولا برديائيف، ود. هـ. لورانس. هوراس كالن (١٨٨٢-١٩٧٤) والبرجماتية Horace Kallen and Pragmatism

стр. 3442

مفكر تربوي وفيلسوف برجماتي أمريكي يهودي صهيوني، وأحد تلاميذ وليام جيمس، وأحد أهم المفكرين الصهاينة التوطينيين. وهو ابن حاخام ألماني إصلاحي (من أتباع المتصوف الحلولي السويدي سويدينبورج) . هاجر إلى الولايات المتحدة وهو بعد طفل ودرس فيها الفلسفة والتربية واشتغل هناك بالتدريس في عدة جامعات. وهو لا يُعَدُّ من بين كبار المفكرين التربويين، ولكنه يُذكَر بين الفلاسفة البرجماتيين. قام هوراس ماير كالن، المفكر الصهيوني وتلميذ وليام جيمس، بتحرير مختارات من أعمال أستاذه، وأكد في المقدمة التي كتبها لهذه المختارات أن موقف وليام جيمس من الواقع (بل ومن الوجود الأمريكي ككل) يشبه موقف الرائد الأمريكي من عدة وجوه، فالشعب الأمريكي يستجيب للواقع استجابة حرة لم تقررها من قبل عادات اجتماعية أو أية عادات خاصة استجلبوها من أوربا معهم، فقد طرحوا هذا التاريخ جانباً ليدخلوا في علاقة (طبيعية/مادية) مع عالم لم يسبق له مثيل؛ عالم محفوف بالمخاطر ولا يمكن التنبؤ به. فالدخول في تجربة لا تُعرَف نتائجها مقدماً هو جوهر تجربة الرجل الأبيض في أمريكا. فالرجل الأبيض في أمريكا هو الرجل البرجماتي بالدرجة الأولى والسوبرمان الحق والكاوبوي الذي لا يهاب شيئاً ويبني بيته بجوار البركان، يخاطر بكل شيء فيفقد كل شيء أو يربح كل شيء.

стр. 3443

ويُلاحظ كالن، البرجماتي الصهيوني، في كتابه المثاليون في مأزق، العلاقة الوجدانية الوثيقة بين إسرائيل والولايات المتحدة بل والتشابه البنيوي بينهما. فهو في بداية كتابه يؤكد لقارئه أن كلاًّ من إعلان استقلال إسرائيل وإعلان استقلال الولايات المتحدة يعبِّر عن مسيرة الإنسان نحو الحرية ونحو مزيد من التقدم. وهو في كل صفحة من صفحات الكتاب يُعرِّفنا بنفسه باعتباره «أمريكياً» يُلاحظ بعيون أمريكية، ونجده أمام إحدى مستعمرات الناحال في إسرائيل يتذكر كتابات وليام جيمس. والواقع أنه محقٌ تماماً في رصده التشابه بين البرجماتية والصهيونية. فكلتاهما تصدُر عن فكرة الطبيعة السائلة الكونية، وعن تجزؤ الكون وانقطاعه، وعن الإنسان الطبيعي (المادي) الذي يصبح جزءاً مستقلاًّ يتوحد بهذه السيولة، فتسقط كل الحدود التاريخية والقيم المطلقة وأي شكل من أشكال التجاوز، ولا يبقى سوى البقاء كهدف نهائي والقوة كآلية لتحقيق هذا البقاء. والإرادة التي لا تكترث بالآخر هي مصدر القيمة والمعنى. والصهيونية، مثل البرجماتية، حلولية بدون إله (وحدة وجود مادية) تصدُر عن فكرة الطبيعة التي استوعبت الإله والإنسان وصهرتهما فتوحدا بها حتى اختفيا ولم تَعُد هناك قداسة أو مركز في الكون، ولا تبقى سوى الحركة الطبيعية المتدفقة والسيولة الكونية والإنسان الطبيعي السائل الذي لا تحده حدود أو سدود والذي لا يخضع لأي قانون وكأنه الطبيعة السيّالة نفسها أو هو الجزء المستقل بذاته. وهذا ما تفعله الصهيونية مع فلسطين، فهي تُسقط عنها أية قداسة أو خصوصية أو تاريخية وتحوِّلها إلى مجرد أرض لا تاريخ لها ولا علاقة بالتاريخ الإنساني، مجرد شيء ينتمي إلى عالم الطبيعة/المادة. وتطبيع أرض فلسطين وتطبيع أهلها (أي تحويلهم إلى جزء من الطبيعة) وتغييبهم أول موجة في تيار السيولة الكونية، ولذا ينكر كالن وجود القومية العربية، فالعرب هم أساساً بدو ينظر إليهم كالن باحتراس

стр. 3444

وحذر شديدين، تماماً مثلما يعامل العالم الأنثروبولوجي القبيلة البدائية التي يدرسها بعد أن يعزلها عن تاريخها وعن إنسانيتها المتعيِّنة. ويقول بعض دارسي البرجماتية إن إنكار الأمريكيين قيمة التاريخ مردُّه أنهم نشأوا في العالم الجديد وليس في العالم القديم، وأن الهنود الحمر كانوا يعيشون في اتساق مع الطبيعية، ولذا لم تصل حضارتهم إلى وعي تاريخي بالذات، كما كان محتماً على المستوطنين البيض أن ينكروا التاريخ في بلد لا تاريخ له. ولكننا نعتقد أن لا تاريخية الوجدان الأمريكي تعود إلى البناء الفلسفي البرجماتي ذاته، فالهنود الحمر رغم أنهم لم يكن عندهم وعي بالتاريخ، إلا أنهم كانوا يشكلون نوعاً من الوجود التاريخي، كما أن الاستيطان الإسباني البرتغالي (الكاثوليكي) في أمريكا اللاتينية لم يكن مبنياً على إنكار التاريخ. ولعل الاستيطان الصهيوني في فلسطين أكبر دليل على أن إنكار التاريخ جزء من بناء البرجماتية ذاته، فالصهيوني يذهب إلى فلسطين وهو يعرف أنها بلد عربي وجزء من تاريخ عربي قديم متماسك. ومع ذلك، نجده يصر على القول بأنها «أرض بلا شعب» . ويؤكد كالن أنه لا يوجد شعب عربي وإنما شعوب متحدثة بالعربية، وما يُسمَّى بالعروبة إن هو إلا رد فعل للنهضة الصهيونية المباركة، ولم يخلق جامعة الدول العربية سوى الرشوة البريطانية، كما يؤكد أن البلاد العربية لا يوحِّدها سوى كره إسرائيل. أما الفلسطيني فهو أيضاً لا وجود له، فهو خليط لا نهاية له من كل الأجناس. والقومية العربية شيء مُصطنَع اصطنعته طبقة «الأفندية» وهم يستخدمونها كأداة لتحقيق أغراضهم الكريهة (ولكننا نُفاجأ بعدم اتساق واضح في كتابات كالن، إذ نجده فجأة يقتبس مثلاً إنجليزياً يقول «إنك إذا ضربت عربياً في فلسطين فأنت أيضاً تضرب جده في الأردن» ، وهو ما يعني أن ثمة وحدة ما تتجاوز ما رصده) .

стр. 3445

وحينما يترك كالن العروبة ويتحدث عن العرب أنفسهم، فإن الأمر لا يختلف كثيراً، فالعرب دائماً يبحثون عن البقشيش، وهو حينما يذهب لحي عربي فإنه يُلاحظ أن هذا الحي كان (قبل مجيء الإسرائيليين) حياً للعاهرات ومدمني المخدرات. وهناك شيخ قبيلة في صحراء النقب يلبس هو وأولاده ساعات أجنبية لا تبيِّن الوقت ويحملون أقلام حبر في جاكتات غربية يرتدونها فوق جلاليبهم، وهم يلبسون أحزمة أغمدوا فيها خناجر، ووظيفة هذا الخليط الإنساني هي تهريب الحشيش. ولكن ماذا عن الفدائيين الذين يحلمون ويحملون السلاح دفاعاً عن حقوقهم ويحاولون تحقيق البقاء (ومن ثم فهم مستوفون للشروط البرجماتية: الذاتية والعملية) ، هؤلاء يصفهم كالن بأنهم كالديدان. كل هذا التغييب والتهميش والتطبيع وإسقاط القداسة والخصوصية يهدف إلى شيء واحد وهو جعل العربي خاضعاً لقوانين السيولة الكونية؛ جزءاً لا يرتبط بشيء، ولذا يمكن تحريكه ببساطة.

стр. 3446

إن رؤية كالن للطبيعة البشرية برجماتية مخيفة، فالإنسان كيان مطاط ولا ثبات في الطبيعة البشرية. وشخصية الإنسان حدث مستمر وليست مجرد حالة جامدة (تماماً مثل الأفكار والمعرفة) ، وكل شيء يتغير ويتبدَّل دائماً (مثل الحقيقة والقيمة) . ولذا، فإن حل القضية الفلسطينية في رأيه يتلخص في أن يترك الفلسطيني أرضه وأن يتحول الفلسطيني الثابت في أرضه (الجامد مثل الحقيقة والقيمة) إلى الفلسطيني التائه (المتغير مثل الأفكار البرجماتية الناجحة) : يُدفَع له بعض المال ويُعطَى جواز سفر ويصبح العالم كله مجال اختياره، أي أن يتحول إلى إنسان برجماتي مرن يقبل الحقائق المالية المباشرة (القيمة النقدية «كاش فاليو cash value» ، وليس القيمة الثابتة، القيمة الفورية التي تحقق له النجاح الفردي والبقاء الشخصي) . أما الوجود الإنساني كجماعة، فيجب على الفلسطيني البرجماتي ألا يشغل باله به، على الفلسطيني أن يتحول إلى شيء متحرك يتجاوز القيم الثابتة (مثل حب الأرض والالتصاق بها) ويقبل الترانسفير (التهجير) بصدر رحب، حتى يصبح العالم كله حيزاً مليئاً بالفوضى محفوفاً بالمخاطر. ولتعميق هذه المرونة وهذه الحركية، يؤكد كالن أن العربي عليه أن يُغيِّر معتقداته الدينية (مثلما يغير الفلسطيني وطنه) . بل ويرى أن التغير بدأ بالفعل، وعلى هذا فإن الإسلام قد أخذ في الاختفاء، أو في التحول الذي هو مرادف للاختفاء، إذ بدأت تنتشر البهائية، وهو يرى أن البهائية بمنزلة الإصلاح الديني في الإسلام.

стр. 3447

هذا فيما يتصل بالعرب المستضعفين الذين يخضعون لقانون السيولة الكونية الذي يكتسحهم والذي يوجب عليهم أن يتركوا هويتهم وأرضهم ودينهم ويسبحوا مع التيار أينما يأخذهم، فماذا عن العباقرة (اليهود) الذين يجسدون هذه السيولة التي تتبدَّى من خلالهم، وتصبح إرادتهم وأحلامهم هي النقطة المرجعية ويصبحون هم المطلق؟ يؤسس كالن حق اليهود في فلسطين على أسس برجماتية راسخة وهي ذاتيتهم المطلقة إذ يقول إن هذا الحق يستند إلى الشعور القوي والجارف لدى اليهود بمركزية إسرائيل في حياتهم، فأينما ذهبت في العالم تجد اليهود يتطلعون لإرتس يسرائيل ويحلمون بها. كما يستند هذا الحق إلى خوف اليهود الدائم من أن هتلر قد يجيء في أيِّ مكان. وبسبب هذه «الحالة الشعورية» ، تصبح فلسطين من حق اليهود وليس العرب، وهذه حالة شعورية ذات قيمة نقدية فورية، وهي منسجمة مع آراء الصهاينة وتطمئن لها نفوسهم ولا تتعارض مع قيمهم العملية، ولذا فإنها تصبح الحقيقة المطلقة. وفكرة الحقوق التي تستند إلى حالة شعورية تستند بدورها لرؤية غريبة للتاريخ، فالتاريخ عنده حالة شعورية وإيمان، ولا تهم أية حقائق خارجية، فالسيولة تكتسحه. ويتفق الفيلسوف البرجماتي مع الرؤية الحلولية اليهودية التقليدية حين يساوي بين عقائد اليهود وتاريخهم المقدَّس وتاريخهم الحقيقي. فإن أخبر الإله اليهود في التوراة أنه وعدهم بإرتس يسرائيل، فقد أصبحت هذه الرقعة من الأرض أرضهم عبر التاريخ. فالتاريخ ـ حسب تعريف كالن «هو الماضي كما يتذكره الإنسان» . ولكن التاريخ كوجود ذاتي، أو كذكرى وحسب، هو الأسطورة بعينها. فالتاريخ ليس مجرد تذكُّرنا له وإنما هو كيان موضوعي نحاول نحن استرداده من الماضي، واسترداد الماضي شيء ووجوده في الذهن شيء آخر. ولكن، في عالم السيولة الكونية، تكون كل هذه اعتبارات ثانوية.

стр. 3448

ويحاول كالن أن يشرح لنا فكرته عن التاريخ كذكرى والذكرى كتاريخ فيقول: "تحولت الرغبة إلى نبوءة والنبوءة بدورها تحولت إلى ذكرى، والذكرى أُعيدَ تشكيلها إلى وعد، والوعد تحول إلى مشروع". وهذا يُذكِّرنا بتعريف وليام جيمس للفكرة كمشروع وكمخطَّط، فرغبة العبرانيين تحولت إلى نبوءة مقدَّسة ثم صَدَر الوعد الإلهي الذي تحول إلى مشروع استيطاني، فشرعية المشروع الاستيطاني تستند إلى أحلام اليهود. يذوب التاريخ والواقع إذن في وجدان من يرغب، ويصبح بلا حدود، ثم يظهر جيل من حملة التراث اليهودي، المثاليون الذاتيون الذين يحلمون ويفرضون حلمهم دون أدنى اعتبار لأي تاريخ، فالتاريخ هو ما تشاء (!) والطوباويون أو المثاليون الذين يشير إليهم عنوان الكتاب هم الإسرائيليون، كل الإسرائيليين. ويخبرنا كالن أن اليوتوبيا حالة عقلية، وهذا أمر لا جدال فيه. ولكن ما ينساه كالن هو أن اليوتوبيا ـ مثل الحالات العقلية ـ أنواع ودرجات، فهناك الفردوس السماوي الذي نحلم به ونحمله في قلوبنا أينما سرنا ونضع فيه آمالنا، وكل ما لم وما لن يتحقق «الآن» و «هنا» ؛ فهو حلم فردوسي كامل نحن في أمس الحاجة إليه رغم استحالة تحقيقه، إذ يساعدنا هذا الحلم على تجاوز الواقع المادي المباشر. ولكننا نعلم جيداً، إن لم نكن من الذاتيين البرجماتيين، أن أحلام الآخرين وذكرياتهم ورغباتهم وأشواقهم تضع حدوداً لأحلامنا الفردوسية، كما نعلم أن الفردوس السماويَّ سماويٌ ولذا فنحن لا نتوقع أبداً تحقيقه الآن وهنا. ولكن هناك أيضاً اليوتوبيا التي يتحدث عنها كالن البرجماتي، فاليوتوبيا - كما يقول - هي مادة الأشياء التي نأمل فيها وتقوم شاهداً على أشياء غير منظورة دون أن تحدها الحدود. وفي إسرائيل الموعودة، يكتشف البرجماتي أن كل الرجال والنساء طوباويون وأن أرض بيولاه (وهو اصطلاح قبَّالي يعني الفردوس) هي الرؤية التي لم تتجسد بعد في أي مكان ولا زمان، ولم تتحقق في الواقع في أي

стр. 3449

مكان ولا زمان على الأرض، ولكنها دائماً على وشك التجسد في هذا الزمان وفي هذا المكان: الآن وهنا. إن الفردوس الذي يريده كالن هو فردوس أرضي يتحقق الآن وهنا، وهو بهذا يكون حقاً أمريكياً علمانياً حتى النخاع. وإذا كان هناك أيُّ شك في مكان الفردوس الذي يحلم به كالن، فإنه يزيله تماماً بقوله إن بعض الأديان حددت اليوتوبيا باعتبارها «غداً» سماوياً لن يلحق به الإنسان بتاتاً في يومه الذي يعيشه. ولكن توجد أديان أخرى ترى أن «الغد» إن هو إلا يوم يعمل ويحارب من أجله المؤمنون ويحاولون تحقيقه في أيامهم الأرضية كي يستمتعوا بحاضر فردوسي. هؤلاء المؤمنون يحاولون يوماً بعد يوم أن يشيدوا مدينتهم الفاضلة التي يحلمون بها الآن وهنا. إنهم يريدون أن يحيوا فردوسهم وهم أحياء وليس بعد موتهم (وهذا يشبه تماماً الأفكار الأخروية الحلولية اليهودية والعقائد الألفية الاسترجاعية) . الفردوس السماوي كما يرى كالن قابل للتحقيق إذن، ونهاية التاريخ ممكنة في أية لحظة. والطوباويون الإسرائيليون ـ حسب تصوُّر كالن ـ يقومون بالفعل بتشييد الفردوس الأرضي (بأموال يهود العالم) . وهم، في محاولتهم هذه، لا يفصلون بين المعجزات الإلهية والمنجزات الآلية، ولا بين مبادئ التوراة والتلمود ومبادئ وممارسات رجال العلم في معهد وايزمان.

стр. 3450

وقد قال له أحد الفردوسيين: «إننا بشر عاديون؛ نحارب مثل أي شخص آخر» ، ولكن البرجماتي الذي أسقط القداسة عن العرب تماماً يجد الإسرائيليين مفعمين بالقداسة، فسعيهم من أجل لقمة العيش (علاقات الإنتاج) أمر ميتافيزيقي، فلقمة العيش هذه لا تغذي الجسد الذي يكد ويعرق، وإنما تغذي تفرُّد الروح، هذا التفرد الذي تعبِّر عنه كلمات مثل «يهودي» و «إسرائيلي» . ثم تتكشف الحلولية بدون إله بشكل واضح وصريح حينما يتحدث كالن عن تحول الخبز الذي يتناوله الإسرائيليون إلى ما يشبه الخبز المقدَّس الذي يتناوله المسيحي في صلواته على أنه جسد المسيح: أي أن المجتمع الإسرائيلي تحول إلى ما يشبه الكنيسة أو التجربة الدينية المطلقة أو حتى الفردوس السماوي، وبذا يتداخل النسبي والمطلق تداخلاً كاملاً ويصبح المجتمع الإسرائيلي العبد والمعبود والمعبد، أي أن المثل الأعلى البرجماتي تحقق تماماً في إسرائيل حيث أصبح المستوطنون الصهاينة (هؤلاء السوبرمانات المقدَّسون) تجسيد البرجماتية القديمة قدَم الأزل، فقد اشتقوا أسماءهم في بداية التاريخ من الصراع (الواقعي) والقداسة (المثالية) ، فاسم يسرائيل كما يخبرنا البرجماتي الحلولي يعني المتصارع مع الرب، فهو شعب نيتشوي دارويني يعيش في صراع دائم مع الطبيعة القاسية من رمال وتلال ومستنقعات يواجهونها بالإيمان نفسه الذي يواجهون به الطبيعة البشرية المعادية لهم، طبيعة جيرانهم (من العرب) الذين يكنون الكره لهم وينوون تحطيمهم ولا يتمتعون بأية قداسة، فالصراع هنا يصبح صراعاً ضد جمادات لا حياة فيها، وبالتالي يسهل اجتثاثها. وحينما كان الكاوبوي يقف أمام أعدائه، فإنه كان يصرعهم، سواء كانوا من الهنود أو من الذئاب أو من رعاة البقر الآخرين. وكذا الحالوتس (الرائد الصهيوني) فكان عليه أن يحارب حتى يمكنه البقاء، مجرد البقاء في أرض فلسطين الجرداء.

стр. 3451

إن البيئة الطبيعية، بما في ذلك الإنسان، تقف ضد الحالوتس الذي لم يكن يحارب ضد طبيعتها الحجرية المستنقعية البرية بل ضد طبيعتها الإنسانية المفترسة. والبرجماتي رجل عملي مرن يتعامل مع ما هو قائم بشكلٍّ مباشر دون أن يُصدِّع رأسه بالتاريخ، فعليه أن يذهب للواقع الجديد الذي يفرضه بالمسدس ضد الطبيعة الإنسانية العنيدة (وهذه حقيقة مريحة بالنسبة له تتفق مع آرائه وأحلامه) . والطوباويون، في صراعهم المستمر ضد الطبيعة والإنسان، أصبحوا تجسيداً كاملاً للقيمة الكبرى، الصراع من أجل البقاء، ولذا فإن السيولة الكونية تكتسحهم فيصبحون برجماتيين طيعين. وقد استجابوا للنداء البرجماتي الدارويني النيتشوي وتحوَّلوا إلى جيش محارب عظيم، أو لم يقل فيلسوف البرجماتية وليام جيمس: «لقد وُلدنا كلنا لنحارب، وإن المجتمع سيصاب بالعقم دون ذلك البذل الصوفي الحلولي للدم» ؟ وكأن المجتمع الإنساني آلهة وثنية متعطشة للدماء، وليس الإطار الذي يتجاوز الإنسان من خلاله حالة الطبيعة والصراع! ويُلاحظ كالن بقلب برجماتي مبتهج عسكرة المجتمع الإسرائيلي عسكرة كاملة: إن شعب إسرائيل هو جيش إسرائيل، وجيش إسرائيل هو شعبها، وهذا ليس بالمعني المجازي وإنما هو معنى حرفي، فالجيش الإسرائيلي هو المدرسة التي يتعلم فيها الجميع. ومرة أخرى أيضاً، يُلاحظ كالن بقلب برجماتي مبتهج أنه لم يقابل أيَّ فتى أو فتاة لا يتطلع إلى الخدمة العسكرية. ويخبرنا بكل سرور أنه يمكن جمع الاحتياط في ساعات قليلة، أي أن إسرائيل ( «إسرائيل القلعة» كما يسميها خلال الكتاب كله) على أهبة الاستعداد دائماً لملاقاة العدو براً وبحراً وجواً. ويمكننا ملاحظة ما يلي على فلسفة كالن:

стр. 3452

١ ـ لا يمكن الحديث عنه باعتباره فيلسوفاً يهودياً أو حتى باعتباره مفكراً يهودياً، فيهوديته أصبحت ملتصقة تماماً بالعقيدة الأساسية للمجتمع (وهي العلمانية في شكلها البرجماتي) أي الحلولية بدون إله. وفلسفته برجماتية تماماً سواء حين يتعامل مع النسق الفلسفي أو حين يتعامل مع المجتمع الصهيوني. ولا يمكن فهم موقف كالن من المجتمع الصهيوني إلا في إطار تطور الفكر الفلسفي الغربي وتصاعد معدلات العلمنة وتزايد هيمنة الفكر الحيوي. ٢ ـ يمكننا الآن إدراك المضمون الحقيقي للدعوة الموجهة للفلسطينيين والعرب بأن يكونوا أكثر مرونة وبرجماتية، فهي تعني الخضوع للعنف. إذ لو كان الأمر مجرد مرونة وتعويضات تُدفَع، فلم لا تدفع التعويضات للإسرائيليين كي يغتنموا الفرصة المتاحة أمامهم في هذا العالم الرحب النيتشوي المحفوف بالمخاطر؟ لم لا يُطبَّق الترانسفير (أعلى درجات الحركية والمرونة) على الإسرائيليين وهم جزء من الحضارة الغربية ويتباهون بذلك، كما أن عودتهم لن تُشكِّل مشكلة كبيرة (خصوصاً أن حوالي ربع الشعب الإسرائيلي موجود بالفعل في الغرب) ؟ إن الأمر ليس مجرد مرونة وواقعية، وإنما هو مرتبط بحجم المدفع وبمقدار العنف، فمن لا يملك آليات البقاء وسبل العنف يصبح مستضعفاً وعليه أن يقلع عن الجهاد ويُسلِّم بروح رياضية برجماتية تتجاوز المطلقات والمثاليات والأحلام وكل ما هو نبيل وكل ماهو إنساني في الإنسان.

стр. 3453

ويمكن تصنيف كالن باعتباره من صهاينة الدياسبورا التوطينيين، فهو يرى أن الصهيونية تنبع من الإيمان بالتعددية الحضارية. فالحركة الصهيونية بمنزلة توكيد على ولاء اليهود الأمريكيين لقيمهم الحضارية اليهودية، وهو ما يجعلهم لا يذوبون تماماً في التيار الرئيسي لحضارتهم الأمريكية، ولكنهم مع هذا جزء منه ويقومون بتغذية هذا التيار بعناصر جديدة عليه. وهذا الطرح لدور اليهود يختلف عن الطرح الصهيوني الاستيطاني الذي يطالب اليهودي بالهجرة إلى فلسطين بدعوى أنه لا يمكنه الحياة السوية خارج أرض الميعاد. جورج لوكاتش (١٨٨٥-١٩٧١) والماركسية الجديدة Georg Lukacs and Neo-Marxism فيلسوف وناقد أدبي ماركسي مجري يهودي. أثر في الفكر الأوربي الماركسي وغير الماركسي، خصوصاً في النصف الأول من القرن العشرين.

стр. 3454

وُلد لأسرة يهودية ثرية وكان أبوه يعمل مدير بنك. وتلقى تعليمه في مدرسة بروتستانتية لوثرية في بودابست، وفي جامعتي بودابست وبرلين، وانتقل بعد ذلك إلى هايدلبرج. درس على يد جورج زيميل وماكس فيبر وتأثر بكتابات فيلهلم دلتاي (فيلسوف الحياة والتأويل) كما تأثر بأفكار صديقه إرنست بلوخ وبالأفكار الرومانسية وبالاتجاهات المضادة للنزعات الوضعية والطبيعية والمادية (بشكلٍّ عام) . وانضم إلى الحزب الشيوعي عام ١٩١٩ حيث عمل قوميساراً للثقافة والتربية في وزارة بيلا كون، ثم انتقل إلى فيينا حيث بقى لمدة عشرة أعوام. ونشر كتابيه نظرية الرواية (١٩٢٠) ، والتاريخ والوعي الطبقي (١٩٢٣) في هذه الفترة. وعاش لوكاتش في موسكو بين عامي ١٩٣٠ و١٩٤١ وعمل في معهد ماركس وإنجلز، كما عمل بين عامي ١٩٣٠ و١٩٤٤ في معهد الفلسفة في الأكاديمية السوفيتية للعلوم. وعاد إلى المجر عام ١٩٤٥، وأصبح عضواً في البرلمان وأستاذاً لعلم الجمال وفلسفة الحضارة في جامعة بودابست. كان لوكاتش أحد الشخصيات الأساسية في الثورة المجرية عام ١٩٥٦، وُعيِّن وزيراً للثقافة. وقُبض عليه بعد إخماد الثورة ونقل إلى رومانيا، ولكن سُمح له بالعودة إلى بودابست عام ١٩٥٧ حيث كرس جل وقته لإعداد مجلد ضخم من جزءين في علم الجمال. وكتب لوكاتش ما يزيد على ثلاثين كتاباً ومئات المقالات والمحاضرات. ومن بين دراساته العديدة، دراسات عن كلٍّ من هيجل والوجودية والجمال. ومعظم كتابات لوكاتش بالألمانية. ومن أهم كتبه الأخرى دراسات في الواقعية الأوربية (١٩٤٨) ، وجوته وعصره (١٩٤٧) ، وهو دراسة عن الاستنارة، وهيجل الشاب (١٩٤٨) ، وتحطيم العقل (١٩٥٤) ، والرواية التاريخية (١٩٦٢) ، والجماليات (١٩٦٥) ، غير أن محاولته الأخيرة وضع أسس أنطولوجيا ماركسية لم تكتمل: أنطولوجيا الوجود الاجتماعي (١٩٧٨) .

стр. 3455

ويرى لوكاتش (في كتاباته النقدية مثل الرواية التاريخية) أن الفن الواقعي فن يعكس كلاً من اللحظة التاريخية القائمة والإمكانات الكامنة في الواقع التاريخي، ويُقدِّم لنا أنماطاً بشرية تمثل كلاً من اللحظة والإمكانية. وتكمن أهمية الفن في مقدرته على تحويل أحداث حياتنا إلى متتالية قصصية ذات معنى، والمعنى ـ حسب تصوُّر لوكاتش ـ ينبع دائماً من إدراك ما هو قائم وما هو ممكن. فالأشكال القصصية الواقعية تعكس الواقع التاريخي وتزيد وعينا بالممارسة الاجتماعية القائمة، ولكنها في الوقت نفسه تجعلنا ندرك أيضاً البدائل الممكنة والغاية وراء المشروع الإنساني. ويرى لوكاتش أن هذه الغاية هي خلق قدر من الوحدة بين الإنسان والطبيعة (والذات والموضوع، والفرد والمجتمع، والوعي والواقع) والفن هو الوسيط بين كل هذه الثنائيات. ورؤية لوكاتش، رغم حديثها عن الوحدة النهائية، تستند إلى ثنائية حقيقية بين قطبين سماهما هو نفسه الجوهر (المتجاوز) والحياة (الواقعية) ، والحياة المثلى هي الحياة التي يتحد فيها الاثنان. وقد قام لوكاتش بتصنيف الأنواع الفنية إلى ثلاثة أنواع تبعاً لنجاح العمل الفني في تحقيق الوحدة بين الجوهر والحياة: أ) النوع الملحمي: وهو النوع الأول الذي يكون الجوهر والحياة فيه كلاً مستمراً، وتتسم علاقة البطل بجماعته فيه بأنها علاقة عضوية. ب) النوع المأساوي: ويستند إلى الإحساس المأساوي بالتعارض بين الجوهر والحياة وبانفصال البطل عن الجماعة. جـ) النوع الأفلاطوني: ويستند إلى قبول الانفصال الكامل بين الجوهر والواقع والبطل والجماعة بحيث يصبح الجوهر جزءاً من عالم مثالي ثابت ويصبح الواقع والحياة مجرد أجزاء متناثرة.

стр. 3456

ويرى لوكاتش أن الرواية الواقعية (في عصر البورجوازية) محاولة للعودة إلى الرؤية الملحمية والاستمرارية السردية بين الجوهر الروحي والحياة الواقعية والمادية. ولكن بدلاً من الآلهة التي كانت تضمن الوحدة الكونية وتهدي خُطى أبطال البطل الملحمي الأسطوري تظهر الرؤية الواقعية الحديثة حيث يحدث الشيء نفسه، ولكن مصدر الوحدة هو الإنسان نفسه وبحثه الدائب عن المعنى في عالم لا معنى له. وعادةً ما يفشل البطل في الرواية الحديثة، فالعالم الذي يعيش فيه عالم متشيئ، ولذا يعيش البطل منفصلاً عن جماعته منعزلاً عنها. وتعبِّر الرواية عن عزلة الفرد من خلال المثالية (سرفانتس) أو الواقعية (فلوبير) أو الطوباوية (تولستوي) . ولكن الرواية ذاتها، كتجسيد سردي وشكلي لعملية البحث عن المعنى والوحدة، تؤكد العلاقة بين الجوهر والحياة وتشير إلى إمكانية الوحدة بين الذات والموضوع. فالعمل الروائي، من ثم، رغم أنه قد يكون على مستوى المضمون السردي المباشر يتحدث عن إحباط البشر، يظل عملاً تبشيرياً طوباوياً متجاوزاً، فالعمل الروائي مثل العمل الثوري في تبشيره بإمكانية وحدة الوعي والواقع؛ أي أن الرواية الواقعية لا تقدم مجرد وصف وتحليل وإنما تقدم لنا عناصر تكوين الواقع والمنظور والبديل، ومن ثم فهي تبشير بعالم متكامل واحتجاج على عالم يسحق الإنسان. ويؤكد لوكاتش أن المؤلف البورجوازي قد يصل إلى إدراك العملية التاريخية بشكل واع من خلال خلق شخصيات تتجاوز ـ على المستوى الخيالي ـ أساسها الطبقي. ويضرب لوكاتش مثلاً بوولترسكوت وتوماس مان ودوستويفسكي وبلزاك وفلوبير باعتبارهم روائيين أدركوا طبيعة التحول التاريخي الاجتماعي في العصر الحديث فقدموا شخصيات هي أنماط إنسانية تعبِّر عن الإمكانية الإنسانية الحقيقية وعن رغبة الإنسان في أن تتحد الذات مع الموضوع، رغم الوضع الطبقي لهؤلاء الكُتَّاب ورغم تذبذبهم.

стр. 3457

والواقعية التي يتحدث عنها لوكاتش ليست الواقعية الاشتراكية التي تتراوح بين الفوتوغرافية والدعاية، ولكنها واقعية تستند إلى إدراك متعين للواقع الاجتماعي ولكيفية تجاوزه، كواقع مباشر متغيِّر من خلال العملية التاريخية التي يُفترَض أنها تحتوي على الإمكانيات الإنسانية والاجتماعية التي سيُقدَّر لها أن تتحقق في نظام اجتماعي وثقافي جديد. من هذا المنظور، وجه لوكاتش نقداً حاداً لكلٍّ من النزعة الجمالية (الشكلانية) والنزعة الرومانسية في الفن وما يُسمَّى بالحداثة. فكلها نزعات واحدية تركز على الشكل أو على جانب واحد من الواقع (الوضع القائم) دون الجانب الثاني (الإمكانية) ، أي أنها تُلغي الثنائية. ولعل نقده للحداثة (في مقاله الشهير «أيديولوجيا الحداثة» ) يوضح لنا وجهة نظره، فالأدب الحداثي هو نتاج وعي كاتب لا يشعر بالكل ولا بالوحدة ولا بالإمكانية بسبب تركيزه على جانب واحد من الواقع (الجزء ـ السطح) وهو ما يجعل وجدان الأديب غير قادر على تجاوز هذا التفتت الذري من حوله وتجاوز التشيؤ والجمود. ويصف لوكاتش الحداثة بأنها تأمُّل متشائم وسقوط في العدمية واليأس، وهي (عنده) تعود بجذورها إلى تشاؤمية هايدجر وكتابات سارتر الأولى حيث يذهبان إلى أن الوضع الأنطولوجي للإنسان يحكم عليه بحالة اغتراب دائم لا يمكن تجاوزه بغض النظر عن التطور التاريخي. والحداثة، بهذا، تقهقر إلى عالم مجرد ميتافيزيقي لا تاريخي، عالم المثالية المجردة (الأفلاطوني) . فالواقع مرادف للعبث والروح إحباط مستمر ولا يوجد أي بحث عن المعنى (كما هو الحال مع الرواية الواقعية البورجوازية) . وقد أصبحت الشخصيات ذاتها أحادية فلم تَعُد تجسّداً لنمط إنساني اجتماعي عام في لحظة تاريخية وفي ظروف اجتماعية محددة تتعامل معها وتؤثر فيها وتتأثر بها، وإنما أصبحت الشخصيات منعزلة غير اجتماعية غير قادرة على الدخول في علاقة مع الآخرين أو على التفاعل مع الواقع الاجتماعي،

стр. 3458

شخصيات لا تُدرك أية إمكانية ذاتية أو اجتماعية ولذا لا تحلم بالتجاوز وتقنع بالواقع ولا تبحث عن أي شيء، وهي شخصيات مسطحة أحادية البُعد مثل شخصيات قصص الأمثولة (بالإنجليزية: ألجوري allegory) وليست شخصيات مستديرة متعددة الأبعاد. ويذهب لوكاتش إلى أن الحداثة بهذا المعنى عبادة للفراغ الذي أوجده غياب الإله، فهي تعبير عن الجنون والشذوذ. وقد وجه لوكاتش سهام نقده للمفهوم الحداثي للمحاكاة، فهو لا يركز على الإمكانية الاجتماعية والتاريخية ولا يرى إلا الأمر الواقع ولأن الأديب يأخذ موقفاً نقدياً، فإنه يشوِّه الواقع الذي يحاكيه. ولكن لابد أن يكون هناك معيار حتى نستطيع أن نرى التشويه تشويهاً. ولكن ما يحدث في المحاكاة الحداثية أن عملية التشويه تتم خارج أي إطار وأية معيارية، ولذا يرتبط التشويه بتشويه آخر إلى أن يصبح التشويه جوهر المحاكاة والعنصر الشكلي الأساسي ويصبح هو المطلق أو الحالة العادية، أي إلى أن يتم تطبيع التشويه. فالحداثة تبتعد عن السواء الإنساني والواقع التاريخي والمسئولية الجماعية، ولذا فهي لا تثمر روايات واقعية أو غير واقعية وإنما روايات مضادة. حتى أصبح موضوع الكتابة الوحيد استحالة الكتابة!

стр. 3459

إن وقوف لوكاتش ضد كلٍّ من النزعة الجمالية الشكلانية والرومانسية والحداثة يرتبط ارتباطاً وثيقاً برفضه النسبية في الفكر الاجتماعي، إذ تمثل هيمنتها في رأيه اتجاهاً خطيراً نحو اللا عقلانية والعدمية. وأرخ لوكاتش بشكل شامل لتزايد اللا عقلانية في الأدب والفلسفة والفكر الاجتماعي في الحضارة الغربية، بخاصة في ألمانيا، في كتابه تحطيم العقل حيث يرى أن ثمة مفارقة في الحضارة الحديثة هي عقلانية العلم الحديث التي تؤدي إلى توليد اللاعقلانية، فالعلم يحطم أي يقين يتصل بالقيم المطلقة والقواعد العالمية للسلوك، وحينما يتحطم اليقين تصبح الأمور متساوية في حضارة نسبية، ولذا فإن كل شيء يصبح مباحاً. والنسبية تؤدي إلى اللا عقلانية حين يصبح من المستحيل اختيار أسلوب حياة له ميزته الداخلية. ويرى لوكاتش أن هذا الموضوع يشكل حلقة الوصل بين نيتشه ومؤسسي علم الاجتماع الألمان (ماكس فيبر وجورج زيميل) .

стр. 3460

ولكن أهم دراسات لوكاش الاجتماعية تتمثل في ثماني مقالات نُشرت في كتاب تحت عنوان التاريخ والوعي الطبقي (كُتبت بين عامي ١٩١٩ و١٩٢٢) . ويعكس الكتاب خليطاً متميِّزاً من كلٍّ من الرومانسية الثورية والإبستمولوجيا الكانطية الجديدة والفلسفة الماركسية. ويذهب لوكاتش إلى أن العلوم الطبيعية لا يمكنها أن تزودنا بنموذج لتحليل المجتمع، لأن السمة الأساسية في السلوك الإنساني (على عكس السلوك الطبيعي أو الحيواني) أنه واع. فالفعل الإنساني يستند إلى عملية اختيار بين سبل مختلفة، وهو ما يعني أن دراسة الفعل الإنساني تتطلب منهجاً مختلفاً بشكل واضح عن العلوم الطبيعية. ويرى لوكاتش أن مشكلة الماركسية تتحدد في أنها تتصور أنها هي علم المجتمع الذي يحاول أن يكتشف قوانين السلوك الإنساني والتطور الاجتماعي، وأنكرت أن العقل الإنساني يتجه نحو نهاية واعية. ويرفض لوكاتش الحتمية الاقتصادية التي تَرُدُّ كل شيء إلى العوامل الاقتصادية. ويذهب إلى أن المادية الجدلية ليست مجموعة جامدة من القوانين الثابتة الأزلية وإنما هي منهج في البحث.

стр. 3461

يرى لوكاتش أن المنهج الجدلي عند ماركس يؤكد تاريخية الوعي الإنساني، وهذا يعني أن الإنسان ليس كياناً متلقياً للتاريخ وإنما ذات فاعلة، كما أن المجتمع الإنساني ليس مجرد أجزاء مترابطة آلياً وإنما هي كلٌّ اجتماعي متماسك. وجوهر الماركسية في تصور لوكاتش أنها لا تزود الإنسان بقوانين جاهزة ومعايير مفروضة بصورة مسبقة على الممارسة الإنسانية وإنما تزود الإنسان بطريقة للفهم بحيث يستطيع الإنسان التعرف على الأحداث الجزئية والفردية، التي تبدو في ظاهرها منعزلة متفردة. ويرى لوكاتش أن مفتاح فهم فلسفة ماركس يكمن في مفهوم «توّثن السلع» (أو تسلّع الإنسان) وفي أهمية تجاوز كل أشكال الوعي المتشيئ، فبينما يبدو العالم الاجتماعي كما لو كان عالماً موضوعياً شيئياً مستقلاً بذاته، برانياً وله قوانينه الموضوعية، فإننا في واقع الأمر نعيش في عالم خلقته الإرادة الإنسانية وصاغته ومن ثم تظهر ثنائية الفكر البورجوازي (الموضوع مقابل الذات، والإرادة مقابل القانون، والمجتمع مقابل الطبيعة) التي هي في واقع الأمر نتاج تناقضات كامنة في علاقات الإنتاج الرأسمالية المبنية على الإنتاج السلعي. ولكن التأكيد الماركسي على القوانين الموضوعية التي تتحكم في المجتمع الإنساني هو ذاته سقوط في التشيؤ والتبرجز، وثنائيات الوعي البورجوازي (خصوصاً الفصل الجامد بين الحقيقة والقيمة) لا يمكن أن تُحل عن طريق الفلسفة التأملية وإنما عن طريق الفعل الإنساني المتعيِّن والممارسة الثورية. والطبقة المرشحة تاريخياً (أي المقدَّر لها) أن تحطم الوعي المتشيئ للرأسمالية البورجوازية هي الطبقة العاملة التي تمثل الذات الفعالة التي تحقق التغير الاجتماعي وتمثل الكلية والشمول البشري، وهي طبقة ليس لها أية مصالح في استمرار حالة التشيؤ والتفتت، ومن ثم فإن الطبقة العاملة حينما تعي ذاتها نظرياً وتحقق مصالحها الطبقية ستحقق الخلاص الاجتماعي للبشرية وتحل لغز الفلسفة

стр. 3462

الألمانية، فمعرفتها الذاتية للواقع هي ذاتها الرؤية الشاملة التي تحقق وحدة الذات والموضوع وتحولها إلى ممارسة ثورية وتصل بجدل التاريخ إلى نهايته من خلال تحطيم الرأسمالية. إن الوعي الإنساني لا يعكس الوضع التاريخي بشكل سلبي جاهز وإنما يمكنه تجاوزه ومن ثم تحويله وتغييره. وعلى هذا النحو، يقدم لوكاتش نقداً جذرياً لفكرة الحتمية الحديثة. وقد وُجِّهت عدة انتقادات لفكر لوكاتش من بينها: ١ ـ أنه يبشر برؤية غائية للتاريخ، رؤية لا تقوم فيها البروليتاريا بدور الأداة التي ستحطم الرأسمالية وحسب وإنما تصبح آلية تأتي بعصر جديد خال من الوعي الزائف. وإذا كان الأمر كذلك، فإن هذا يعني في واقع الأمر أن الجدل سينغلق في هذا العهد الجديد (نهاية التاريخ) . وهكذا، فلن يكون هناك مجال للعقل النقدي في مجتمع ما بعد الثورة (وهذه هي إشكالية المابعد ونهاية التاريخ الكامنة في الأنساق العلمانية كافة) . ٢ ـ اتُهم لوكاتش بأنه حوَّل ماركس إلى منهج ومن ثم وضعه فوق النقد، ولأن الفكر الجدلي لا يدافع عن أي فكر محدد أو موقف محدد لأنه مجرد منهج، فإن الماركسية الجدلية لا يمكن أن تخطئ أبداً. ٣ ـ رؤية لوكاتش للمعرفة نخبوية، فوعي الطبقة العاملة ليس بالضرورة ثورياً، ومن ثم يجب تفسير هذا الوعي وتطويره وتحويره حتى يصبح ثورياً، ومثقفو الحزب الثوري هم النخبة التي ستقوم بهذا الدور حتى يتوصلوا إلى الحقيقة التي تتفق مع المصالح الحقيقية للطبقة العاملة. ٤ ـ واتُهم لوكاتش كذلك بأنه زوَّد عدم الاكتراث السياسي بأساس فلسفي، فإذا كان الحزب يحتكر الحقيقة فثمة ضرورة أخلاقية للكذب والتدليس من أجل صالح الحزب. وهنا يظهر عنصر اللا عقل مرة أخرى في فلسفة لوكاتش، فالحزب دائماً على حق حتى ولو كذب، وقد قيل إن حياة لوكاتش ذاتها هي أنصع دليل على ذلك.

стр. 3463

٥ ـ اتُهم لوكاتش بالغائية الكاملة بل وبالمشيحانية، فالطبقة العاملة في منظومته هي وسيلة التاريخ في انتصار العقل المطلق أو روح العالم على كلٍّ من التشيؤ والاغتراب والانحراف، وهي كيان يشبه الشعب المختار في المنظومة الحلولية اليهودية. ولا يمكن تصنيف لوكاتش باعتباره مفكراً يهودياً. فقد نشأ في بيئة مندمجة، حيث كان يهود المجر من أكثر الجماعات اليهودية اندماجاً، كما كانت أسرته أسرة بورجوازية عادية حريصة على الاندماج. تلقى لوكاتش تعليمه في مدارس وجامعات غير يهودية، كما أن منابع فكره أوربي. ويُضاف إلى ذلك أن اهتمامه بالموضوع اليهودي كان ضعيفاً، فحتى حينما تناول مفكرين اشتراكيين يهوداً، مثل موسى هس وفرديناند لاسال، فإن البُعد اليهودي في فكرهم لم يلق عنده أي اهتمام.

стр. 3464

وإن كانت ثمة حلولية في فكر لوكاتش فهي حلولية كمونية علمانية مادية (حلولية بدون إله، وحدة وجود مادية) لا تختلف كثيراً عن أية منظومة فكرية هيجلية تحاول أن ترى تجليات العقل المطلق في التاريخ والمادة. ومع هذا، يجب أن نشير إلى أن لوكاتش يُدرك تماماً مخاطر الحلولية الكمونية. ولذا، فإن تأكيده أهمية التجاوز وإصراره عليه، باعتباره ضماناً وحيداً لإنسانية الإنسان واستقلاله عن الطبيعة والتاريخ، أو أية كليات أخرى، أمر واضح للغاية. ولعل هذا هو سرّ المشاكل العديدة التي واجهها عبر حياته مع السلطات الماركسية اللينينية. ورغم كل هذا، فهو يظل يدور في إطار الحلولية الكمونية، لأن مصدر التجاوز يظل كامناً في المادة أو في النفس البشرية. ولعل الحوار بشأن الماركسية الإنسانية في مقابل الماركسية العلمية هو حوار بشأن الحلولية الكمونية. فالماركسية الإنسانية تحاول الحفاظ على الإنسان داخل المنظومة الماركسية باعتباره كياناً مطلقاً مستقلاًّ ذا إرادة مستقلة تعبِّر عن نفسها في اختيارات محددة بين بدائل مختلفة، ومن ثم فإن العلوم الطبيعية (التي تفترض وحدة الإنسان والطبيعة) لا تصلح لدراسة ظاهرة الإنسان. أما الماركسية العلمية فتحاول الوصول إلى القوانين العلمية التي تتحكم في كلٍّ من التاريخ والطبيعة على حدٍّ سواء والتي يتحرك التاريخ والبشر وفقاً لها، والتي تفترض وحدة الطبيعة والتاريخ (واحدية كونية) ، ولذا فهي تحاول تطهير الماركسية تماماً من المطلقات أو الغائيات كافة وتؤدي في نهاية الأمر إلى الشمولية والأحادية السياسية. وقد رفض لوكاتش هذا النوع من الماركسية ولذا فهو يُعَدُّ واحداً من أهم المفكرين المدافعين عن مقولة الإنسان داخل المنظومة الماركسية. والواقع أننا لو قلنا إن لوكاتش (المدافع عن الماركسية الإنسانية) يهودي، وإن كثيراً من المدافعين عن الماركسية العلمية أيضاً يهود، وإن ماركس مؤسس النظرية الماركسية كذلك يهودي،

стр. 3465

فإن كلمة «يهودي» تصبح مثل الصيغة السحرية التي تُفسِّر كل شيء، ومن ثم فإنها لا تُفسِّر شيئاً على الإطلاق. كلود ليفي شتراوس (١٨٩٨-) والبنيوية Claude Levi-Strauss and Structuralism عالم أنثروبولوجي فرنسي وأحد أعمدة الفكر البنيوي. وُلد في بلجيكا ثم انتقل إلى فرنسا. ينتمي إلى عائلة من البورجوازية الفرنسية اليهودية المثقفة المندمجة. ورغم أن أحد أجداده كان حاخام فرساي، إلا أنه نشأ في جو علماني في منزل عائلته في بلجيكا التي وُلد بها أو في منزله في باريس (فيما بعد) . تلقَّى ليفي شتراوس تعليمه الجامعي في السوربون وتخرَّج في كلية الحقوق عام ١٩٣١. ثم التحق بالبعثة الجامعية الفرنسية في البرازيل حيث أصبح أستاذاً لعلم الاجتماع في جامعة ساو باولو في الفترة ١٩٣٥ ـ ١٩٣٩، وهي الفترة التي قام فيها بعمل أبحاث حقلية إثنوجرافية بين قبائل البورورو في وسط البرازيل والتي على أساسها أقام نظريته في علم الأساطير. خدم في الجيش الفرنسي مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، وبعد سقوط باريس عام ١٩٤٠. رحل إلى نيويورك حيث عمل كأستاذ زائر لأبحاث علم الاجتماع في جامعة نيو سكول أوف سوشيال ريسيرش New School of Social Research بين عامي ١٩٤١ و١٩٤٥، ثم عاد ليعمل كأستاذ لعلم الأديان في مدرسة الدراسات العليا بالسوربون. ومنذ عام ١٩٥٩، شغل ليفي شتراوس منصب أستاذ الأنثروبولوجيا الاجتماعية في الكوليج دي فرانس، وانتُخب عام ١٩٧٣ عضواً بالأكاديمية الفرنسية.

стр. 3466

من أهم كتبه الأبنية الأولية لعلاقات القرابة (١٩٤٩) الذي بلور فيه نظريته الخاصة بأن التبادل التعاقدي هو العامل الاجتماعي الأساسي. وفي كتاب الأنثروبولوجيا البنيوية (١٩٥٨) ، بلور ليفي شتراوس نظريته الأنثروبولوجية متخذاً اللغويات نموذجاً يُحتذَى. ثم صدرت له مجموعة من الدراسات بعنوان الأساطير أو مقدمة لعلم الميثولوجيا (١٩٦٤ ـ ١٩٧١) في أربعة أجزاء: النيء والمطبوخ، ومن العسل إلى الرماد، وأصل آداب المائدة والإنسان العاري. ولفهم فكر ليفي شتراوس (وظهور ما بعد الحداثة) ، لابد من فهم الفكر البنيوي (في سياقه الغربي) باعتباره تجلياً لإشكاليات العلمانية الشاملة والتأرجح بين التمركز حول الذات والتمركز حول الموضوع. و «البنيوية» هي المقابل العربي للكلمة الإنجليزية «ستركتشراليزم Structuralism» . وهي فلسفة لا عقلانية مادية تشكل ثورة ضد الوضعية وضد تشيؤ الواقع واللغة (والتمركز حول الموضوع) وتحاول في الوقت نفسه ألا تسقط في الذاتية (والتمركز حول الذات) . وهي تدَّعي أنها تتجاوز الميتافيزيقا، ولذا فهي ترفض الوجودية والفكر الإنساني الهيوماني بشكل عام.

стр. 3467

ورغم أن الفلسفة البنيوية ترفض الفلسفة الهيومانية، إلا أنها فلسفة متمركزة حول الإنسان. وبالفعل، تظهر الطبيعة البشرية أحياناً في الفكر البنيوي كمعيار (بل كمطلق ومرجعية نهائية) حينما يتحدث ليفي شتراوس عن رغبة البشر في التواصل باعتبار أن هذه الرغبة إحدى سمات الإنسان الأساسية، وهي رغبة تعزله عن عالم الطبيعة/ المادة وتخلق مسافة بينهما. وتتبدَّى الرغبة في التواصل في واقع أن الإنسان ينتج أنظمة إشارية. والإنسان البدائي، رغم بدائيته وبساطته، لا يبحث مثل الحيوان عن طعامه وحسب (كما يتصور النفعيون) ولا يبحث عن لغة طبيعية نفعية مباشرة (كما يتصور الوضعيون) ، وإنما يبحث دائماً عن رموز وإشارات للتواصل ولتفسير العالم. فهو حينما يجد شيئاً لا يسأل «هل هذا الشيء صالح للأكل (بالفرنسية: بون آمانجرييه bon a manger) » كما يتصور دعاة النفعية المادية، وإنما يسأل «هل هو صالح للتفكير من خلاله (بالفرنسية: بون آبانسيه bon a penser) » أو «صالح لاستخدامه رمزاً (بالفرنسية: بون آسيمبوليزيه bon a symboliser) » . وهذا الإنسان البدائي الذي يرغب في التواصل يبحث عن الحقيقة ويصل إليها من خلال منطقه الخاص. ولأن الأساطير ليست مجرد قصص خيالية وإنما لها منطقها الخاص (بالفرنسية: مثيو لوجيك mythologique) الذي يختلف عن منطقنا الخاص (بالفرنسية: لوجيك logique) ، فإن الإنسان البدائي قد لا يعرف علمنا المجرد ولكنه يملك علمه الخاص الذي يدركه بمنطقه الخاص ومن خلال نظامه الإشاري المتعيِّن ومقولاته المتعيِّنة، ولذا سمى ليفي شتراوس هذا العلم «علم المتعيِّن» (بالإنجليزية: ساينس أوف ذي كونكريت science of the concrete) . بل إن النزعة الإنسانية تظهر عند ليفي شتراوس بشكل متطرف في قوله إن للعقل الإنساني وظيفة رمزية وإنه يتسم بالقدرة على توليد دوال أكثر من عالم المدلولات، إذ أن الإنسان يجد أن العالم ليس مفعماً بما فيه الكفاية بالمعنى، وأن

стр. 3468

العقل يحوي من المعاني ما يفوق ما يوجد في الواقع من أشياء. وهذه هي طريقة ليفي شتراوس في الحديث عن أسبقية الإنسان على الطبيعة. ويذهب ليفي شتراوس إلى أن مشكلة الإنسان الحديث هي أنه قد قمع هذا الاتجاه في العقل الإنساني نحو توليد الرموز والإشارات. هل هذا يعني أن الإنسان هو المرجعية النهائية في الكون وأن العقل يُولِّد معياريته النهائية من داخل ذاته؟ هنا سنكتشف نمط التمركز حول الذات الذي يؤدي إلى التمركز حول الموضوع، وسنجد أنه قد بدأ يؤكد نفسه بشكل حاد. ولكن التمركز حول الموضوع سيأخذ في حالة البنيوية شكل التمركز حول البنية. وكلمة «بنية» لها معنى محدَّد في الفلسفة البنيوية. فهي تُستخدَم في علم اللغة البنيوي للإشارة إلى المنهج الذي يدرس السمات اللغوية المختلفة لا كتفاصيل في حد ذاتها وإنما كجزء من بنية عامة لا يمكن أن تُردَ إلى ما دونها. وقد استُخدمت الكلمة بعض الوقت في علم اللغة للإشارة إلى منهج العالم اللغوي بلومفيلد حيث كان يقوم بتقسيم السمات المباشرة للكلام وتصنيف هذه السمات، وهذا ما سماه تشومسكي «البنية السطحية» . ومقابل ذلك، طرح تشومسكي مفهوم «البنية العميقة» أو «البنية الكامنة» . ولذا سَمَّى تشومسكي اتجاهه في علم اللغة «النحو التوليدي» . ولكن يمكن القول بأن كلمة «توليدي» كما يستخدمها تشومسكي ترادف تقريباً كلمة «بنيوي» كما يستخدمها ليفي شتراوس (في علم الأنثروبولوجيا) أو جان بياجيه (في علم النفس) .

стр. 3469

وواضع أساس علم اللغة البنيوي (ورائد الثورة البنيوية) هو عالم اللغة السويسري فرديناند دي سوسير (١٨٥٧ ـ ١٩١٣) الذي ذهب إلى أن علاقة الدال بالمدلول (الاسم والمسمى ـ الكلمة ومعناها ـ الإشارة والمشار إليه) لا تستند إلى أية صفات موضوعية لصيقة بالدال أو كامنة فيه، ومن ثم فالعلاقة بين الدال والمدلول ليست ضرورية أو جوهرية أو ثابتة بل اعتباطية. ويرى دي سوسير أن النظام اللغوي نسق إشاري مبني على علاقة الاختلاف بين الثنائيات المتعارضة، فمعنى كل إشارة ينبع من اختلافها مع إشارة أخرى. والنظام اللغوي ككل يعمل من خلال سلسلة الاختلافات والثنائيات المتعارضة هذه، فالمعنى ـ كما أسلفنا ـ ليس كامناً في الإشارة ذاتها ولا حتى يضاف إليها وإنما هو أمر وظيفي يتحدد داخل شبكة العلاقات داخل النص نفسه، أي أن المعنى يُولَد من داخل اللغة نفسها وليس من الواقع. وقد بيَّن ليفي شتراوس أن الأساطير، مثل اللغة، نظام يتسم باعتباطية وعشوائية علاقة الدال بالمدلول، فالأسطورة (أو الكلمة) ليس لها معنى في حد ذاتها، فعلاقتها بالواقع (معناها) مسألة عرضية ليست كامنة في الأسطورة أو الكلمة ذاتها أو في الواقع ذاته وإنما هي مسألة عُرفية (اتفاقية) . كما أن الكلمة والأسطورة لا يمكن أن يظهر لهما معنى إلا إذا أصبحا جزءاً من شبكة أكبر منهما. هذه الشبكة تتسم بما يُسمَّى «التعارضات الثنائية» (بالإنجليزية: بايناري أوبسيشنز binary oppositions) . فما يحدد المبتدأ والخبر ليس خاصية مادية في أي منهما وإنما علاقة تعارض بينهما. واللغة والأساطير ليس لهما وجود موضوعي بل ليس لهما مضمون محدَّد، ولكن لكلٍّ منهما منطقه الشكلي المجرد العام. وانطلاقاً من هذا، يمكن أن نُعرِّف البنية بأنها ليست صورة الشيء أو هيكله أو عناصره أو أجزاءه أو وحدته المادية أو شيئيته الموضوعية ولا حتى التعميم الكلي الذي يربط أجزاءه. وحدَّد بياجيه خصائص البنية بأنها ثلاث:

стр. 3470

١ ـ الكلية، وتعني أن البنية ليست موجودة في الأجزاء. ٢ ـ التحولات، وهي التي تمنح البنية حركة داخلية وتقوم في الوقت نفسه بحفظها وإثرائها دون أن تضطرها إلى الخروج عن حدودها أو الانتماء إلى العناصر الخارجية. ٣ ـ التنظيم الذاتي، ويعني أن البنية كيان عضوي متسق مع نفسه منغلق عليها مكتف بها، فهي كل متماسك له قوانينه وحركته وطريقة نموه وتغيره ومن ثم فهي لا تحتاج إلى تماسكه الكامن. ويرى بياجيه أن المثل الأعلى للبنيوية هو السعي إلى تحقيق معقولية كامنة عن طريق تكوين بناءات مكتفية بذاتها، لا نحتاج من أجل بلوغها إلى الرجوع إلى أية عناصر خارجية. والبنية ليست ذاتية ولا موضوعية، ولا هي مادية أو مثالية، وهي ليست كامنة في العقل وليست انعكاساً لشيء في الواقع على عقل الإنسان، وليس لها وجود متعال، وليس لها وجود ذاتي أو تجريبي أو موضوعي أو وضعي. فالبنية، في واقع الأمر، شبكة العلاقات التي يعقلها الإنسان ويجردها ويرى أنها هي التي تربط بين عناصر الكل الواقعي أو تجمع أجزاءه، وهي القانون الذي يتصور الإنسان أنه يضبط العلاقات بين العناصر المختلفة. وهذا القانون هو الذي يمنح الظاهرة هويتها ويضفي عليها خصوصيتها. ويتم التعرف على البنية من خلال علاقة التعارض والتشابه بين العناصر المختلفة (ويُطلَق عليها «قوانين التركيب» ) . ولا يهم أصول البنية التاريخية ولا عوامل تكوينها ولا مضمونها ولا فاعليتها الوظيفية، فهذه عناصر يجب تعليقها (وضعها بين قوسين) للتوصل إلى البنية المجردة.
следующие страницы →