← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

واللغة الإنسانية أفضل مرآة تعكس العقل، فثمة تَماثُل بين بنيتي العقل واللغة، أي أن اللغة هي بمنزلة البناء السطحي لبنية أكثر عمقاً هي العقل الإنساني. وهذا، في الواقع، هو منهج البنيويين والتوليديين كافة: أن يروا بنية ظاهرة ما (الأساطير ـ طريقة الطهي ـ اللغة ـ الرموز) ويحاولون من خلال دراستها أن يدرسوا بنية العقل البشري. وهم في هذا يدافعون عن العقل البشري وإبداعه ضد هجوم دعاة وحدة العلوم والنماذج التجريبية الطبيعية المادية.

стр. 3502

في إطار هذا تتحدد وظيفة علم اللغة بأنها «دراسة النحو» أو بمعنى أدق «دراسة أبنية الجملة» (بناء الجملة هو ترتيب كلمات الجملة في أشكالها وعلاقاتها الصحيحة، وكذلك تركيب واستعمال الكلمة أو العبارة في جملة) . ومهمة اللغوي كشف مجموعة القواعد والمبادئ التي يمكن أن تُفسِّر الجُمل الممكنة (grammatical-permssible) كافة للغة ما، أي أنه يحاول الوصول إلى البنية الكامنة للغة بكل علاقاتها وتحويلاتها المتشابكة. وهو جهد أقرب إلى البحث المنطقي الرياضي وأبعد ما يكون عن المهمة التقليدية عند اللغوي في إعداد المعاجم وتعريف المعاني وتَطوُّرها التاريخي. ولكن علم اللغة، بذلك، وبسبب تماثل بنية اللغة مع بنية العقل، يصبح «علم اكتشاف قدرة الإنسان على الإدراك ونمو هذه القدرة من خلال اللغة» و «علم إدراك خصائص العقل الإنساني وتركيبه والسلوك الإنساني الحر الذي تحكمه القواعد وإمكانيات العقل الحر والمبدع داخل إطار نسق من القواعد التي تعكس الخواص الداخلية لعقل الإنسان» . وهذه هي النقطة التي يلتقي فيها علم اللغة بعلم السياسة بالفنون، أي أن هذه هي النقطة التي تشكل القاعدة الأساسية في فكر تشومسكي وهي مصدر الثنائية لديه. ومشروع تشومسكي لعلم اللغة هو تأسيس نظرية عامة عن بنية اللغة الإنسانية، نظرية تتسم بالعمومية بالقدر الذي يكفي لأن تنطبق على جميع اللغات، ولكنها ليست من العموم بحيث تنطبق (أي النظرية) على أي نظام اتصالي، أي أن علم اللغة يجب أن يحدد الصفات العامة والأساسية للغة الإنسان بطريقة تُبقي الإنسان وتستبعد الكائنات الأخرى.

стр. 3503

وكما أن نظرية تشومسكي في اللغة تؤكد الوحدة، فإن هناك التنوع فيها والذي يجب أن تُفسِّره أية نظرية لغوية. ولإنجاز هذا، يُقدِّم تشومسكي ثنائية أخرى: الكفاءة المثالية أو المقدرة الموروثة (البنية العميقة) ، وهي مقدرة الفرد على إنتاج وفهم عدد غير محدد من الجُمل وتحديد الخطأ وتَلمُّس الغموض من جهة، والأداء الفعلي (البنية الظاهرة) ، أي عملية استخدام هذه القدرة في نسق محدد، من جهة أخرى. والمقدرة «المثالية» تتحقق في كل لغة بشكل جزئي (يرى تشومسكي أن دور الجماعة يقتصر على تشخيص النظام اللغوي إذ تقوم الجماعة بتحديد المقدرة اللغوية عن طريق استبعاد بعض الإمكانات اللغوية، أي فرض حدود على المقدرة اللغوية الكامنة التي تحوي الثوابت اللغوية العالمية كافة) . ورغم أهمية الأداء اللغوي الفعلي، فإن علم اللغة لابد أن يُركز على الكفاءة المثالية وحسب، وعلى الثوابت اللغوية التي تتمثل في قواعد وتراكيب اللغة. هذا لأن دراسة الأداء الفعلي والاستخدامات المختلفة للغة بكل ما يكتنف ذلك من المصاعب والتفاصيل والتعقيدات الفعلية للواقع، يَصعُب التعامل معه على نحو رياضي علمي صارم (وهنا يبدأ الجانب الآخر الخاص بالبرمجة والتشفير في منظومة تشومسكي يُطل برأسه) . وقد اكتشف كثير من علماء الإنسانيات والاجتماع إمكانية تطبيق منهج تشومسكي التوليدي البنيوي على العلوم الإنسانية كافة، بل وعلى الإبداع الفني.

стр. 3504

إن النظام المعرفي (الكلي والنهائي) عند تشومسكي يستند إلى ثنائية الإنسان والطبيعة وإلى الإيمان بأن البشر مختلفون عن كل من الحيوانات (النموذج العضوي) والآلات (النموذج الآلي) ، وأن هذا الاختلاف لابد أن يُحترَم، فهذا هو أساس كرامة الإنسان وإخوة البشر. هذا الإيمان باستقلالية العقل عن البيئة المحيطة به وإبداعه، هو أساس هجومه على الفلسفة الوضعية والتجريبية، فهي فلسفات لا تكترث بالبنَى العميقة، أي ما يُميِّز الإنسان عن بقية الكائنات. فالمدرسة السلوكية تكتفي بوصف البنية السطحية في أشكالها المادية المنطوقة (المسموعة) والمكتوبة ولم تتجاوز ذلك إلى التعرف على البنية العميقة. ويرى السلوكيون أن الإنسان يجب أن يبتعد عن دراسة ما يُسمَّى «الأفكار» (بالإنجليزية: أيدياز ideas أو ثوتس thoughts) وأن يركز على المثيرات والاستجابات، أي على العناصر البرانية التي يمكن وَصفُها كمياً. كما أن السلوكيين ركزوا على مبادئ أنماط السلوك التي تنطبق على الأنواع كافة (الإنسان والحيوان) وعلى أنواع السلوك كافة (من الاكتشاف إلى التواصل إلى كسب الرزق) . أي أن السلوكيين ركزوا على البراني والعام واللاشخصي (وهذه هي صفات الطبيعي/المادي) وأنكروا الجواني والخاص والفريد. ومن ثم، قضى السلوكيون عشرات السنين يدرسون سلوك الفئران وغيرها من الحيوانات ويُعمِّمون النتائج على الكائنات الأخرى بما في ذلك الإنسان ـ بل وخصوصاً الإنسان ـ (سمَّى تشومسكي هذا «بلاي آكتنج آت ساينس play-acting at science» أي «اللعب بالعلم» ) .

стр. 3505

وقد ركز اللغويون الوصفيون على وصف البنية السطحية للغة أو لهجة ما مع عدم تَجاوُز ذلك إلى ما وراء المستوى السطحي الظاهر. ويركز علماء المقارنات على مقارنة ظواهر جزئية مثل مقارنة الصوت الواحد أو الصيغة الواحدة أو النمط الواحد في اللغات. واهتم علم اللغة التاريخي بمتابعة التغيرات اللغوية في اللغة الواحدة وربطها بتاريخ الحضارة. كما اهتم علم اللغة الاجتماعي بعلاقة اللغة بالتغيرات في المجتمع. لقد اهتمت هذه المدارس كافة بعملية رصد البيانات كمياً دون تقديم نموذج تفسيري يُفسِّر قدرة المتكلم وحدسه اللغوي. فكل هذه المدارس والاتجاهات ترى الإنسان آلةً صماء تُخزَّن فيها الأنماط التحويلية، وهي غير قادرة على إدراك الكل بشكل مبدع. ولذا، فإن العقل اللغوي ـ بالنسبة للسلوكيين على سبيل المثال ـ يقوم على أساس استدعاء النمط اللغوي المُختزَن بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. وعلى هذا، يرى تشومسكي وجوب تأسيس علوم اجتماعية تدرس الطبيعة البشرية باعتبارها كياناً مستقلاً عن الطبيعة/المادة لضمان حرية الإنسان وتعميقها، وهذه العلوم لابد أن تكون ذات أسس راسخة في الطبيعة البشرية ذاتها. ولابد أن ينبع العمل الاجتماعي من تَصوُّر لطبيعة المجتمع في المستقبل وأن يستند إلى بعض الأحكام الواضحة بشأنه، وهي أحكام تستند بدورها إلى رؤية للطبيعة البشرية. فمفهوم الطبيعة البشرية مفهوم محوري عند تشومسكي، وهو يشير إلى كيفية التوصل إليها من خلال الدراسة الإمبريقية إذ أن هذه الطبيعة تتبدَّى في سلوك الإنسان وإبداعاته المادية والفكرية والاجتماعية.

стр. 3506

ولكن مفهوم الطبيعة البشرية بالنسبة لتشومسكي ليس مفهوماً إمبريقياً محضاً، ففي حوار له مع بيل مويرز طرح عليه هذا الأخير الإشكالية الهوبزية بطريقة ماكرة إذ سأله: «هل تعتقد أن البشر يحنون بطبيعتهم للحرية ... أم أنهم على استعداد لأن يخضعوا للنظام مقابل الأمن والأمان؟» فكان رد تشومسكي قاطعاً: «هذه مسائل خاصة بالإيمان لا المعرفة، تُوجِّه آمالك نحو ما تؤمن به.. وأنا أحب أن أؤمن بأن الناس قد وُلدوا أحراراً، ولكنك إن طلبت مني دليلاً على ذلك لما أمكنني أن أعطيك إياه» . فسأله مويرز في دهشة: "أنت تتحدث عن الإيمان، فهل «تؤمن» بالحرية؟ " فأجابه تشومسكي: "أحاول ألا يكون إيماني غير عقلاني، فنحن يجب أن نسلك على أساس معرفتنا وفهمنا مع تمام العلم بأن معرفتنا محدودة ... ولكنه، على أية حال، إيمان خاضع لاعتبارات الحقائق والعقل". وتشومسكي، بهذا، قد طبَّق على الطبيعة البشرية نفسها المنهج العقلاني الذي طبقه على البحث اللغوي، وهو أمر منطقي أن نبدأ بما نتصوره المقدرة المثالية ثم ندرس الأداء الفعلي: المثالي قبل المادي، والعقلي قبل الحسي، والإنساني قبل الطبيعي.

стр. 3507

وفي ضوء هذه الأولويات يمكننا أن نتوصل إلى أن المنظومة الأخلاقية عند تشومسكي تستند إلى الثنائية المبدئية (ثنائية الإنسان والطبيعة) وتتفرع عنها ثنائيات أخلاقية الشق الأول منها هو الإنساني الإيجابي والثاني هو السلبي (ويمكن أن نقول بشيء من التحفظ «الطبيعي» ) ، وفيما يلي بعض هذه الثنائيات: حرية/تَحكُّم ـ إبداع/تنميط ـ تضامن وجماعية/تعظيم الربح وأنانية وطمع ـ مبدئي/برجماتي ـ تَوازُن بيئي/استغلال بيئي ـ تلقائية/اتجاه نحو الترشيد والتحكم ـ مساواة/هرمية ـ الديموقراطية/الشمولية ـ الاشتراكية/الرأسمالية ـ الفوضوية/هيمنة الدولة ـ الإمبريالية/التحرر ـ البقاء بطريقة جديرة بالاحترام/البقاء بأي ثمن (يستخدم تشومسكي كلمة «ديسنت decent» الإنجليزية فيقول " ديسنت سيرفايفال decent survival» وكلمة «سيرفايفال survival» في الإنجليزية تستدعي إلى الذهن مباشرةً العبارة الداروينية القبيحة «سيرفايفال أوف ذا فيتسيت survival of the fittest» أي «البقاء للأصلح» . والأصلح هنا هو الأقوى، ومن ثم فهو بقاء يمكن أن نسميه «إن ديسنت indecent» أي «بطريقة غير لائقة» (ومن الواضح أن استخدام تشومسكي لهذه الكلمة الضعيفة في هذا السياق، وهو عالم اللغة، يدل على محاولته تحاشي كلمات أشد قوة. ويمكن ترجمة كلمة «ديسنت decent» بكلمات مثل: مهذب ـ لائق ـ مُرضي ـ مقبول ـ جدير بالاحترام. وكلها كلمات تشير إلى وجود معيارية ما ومرجعية ما دون الإفصاح عنها، فهي كلمات تشي بالثنائية وتتحاشاها في آن واحد) .

стр. 3508

في هذا الإطار، يعارض تشومسكي الرؤية الهوبزية الداروينية النيتشوية ومنطق القوة الصماء، فالتضامن الإنساني (خلافاً للصراع المادي) هو آلية البقاء الجديرة بالاحترام. وهو، لهذا، يرفض التفسيرات الآلية (مثل تفسيرات السلوكيين) لأنها تفشل في تفسير طبيعة البشر التي تميل نحو الحرية والإبداع وتفشل في تفسير وعي الإنسان. وهي تفسيرات تُلغي ثنائية الإنسان والطبيعة، فالإنسان، من منظور سلوكي، شأنه شأن الكائنات الأخرى، ليست عنده مقدرة توليدية تضمن حريته، وإنما هو مجموعة من العادات المكتسبة من خلال عملية تطويع (وتكييف) . ولذا يكون هدف المجتمع، من منظور سلوكي، زيادة التحكم في الفرد وتطويعه، فالسلوكية والإمبريقية مرتبطتان تماماً بعملية التحكم. وكل هذا يؤدي إلى ظهور «الخبراء» الذين يدَّعون أنهم خبراء في حقل لا تُوجد فيه بالضرورة خبرة علمية إذ يجب أن تسود فيه الاعتبارات الخلقية الإنسانية العامة. وانطلاقاً من هذه الثنائية، يطرح تشومسكي صورة المجتمع الإنساني المثالية، فهو مجتمع يتكون من تجمعات طوعية تلقائية تقضي على البنَى الهرمية القمعية. وهو يذكر باستحسان كبير مقولة ماركس عن العمل في المجتمع المثالي، حيث يصبح العمل لا مجرد وسيلة للحياة وإنما تعبيراً عن حاجة إنسانية كبرى، فيصبح العامل مدفوعاً للعمل بنزعته الجوانية التلقائية (لا القسر الخارجي البراني) . ورغم مثالية هذه الصورة، إلا أن تشومسكي يبيِّن أن هناك دلائل إمبريقية عليها. فالأسرة، على سبيل المثال، كيان اجتماعي يعبِّر بشكل جيد عن الإمكانات الكامنة عند الإنسان إذ لا يحاول أفراد الأسرة تعظيم الربح وإنما يتعاملون مع بعضهم البعض داخل إطار من التضامن والتعاون.

стр. 3509

وينادي تشومسكي بما يسميه «الاشتراكية التحررية» . وهي نزعة فوضوية (بالمعنى الفلسفي) معادية لا للرأسمالية وحسب وإنما معادية أيضاً للتنظيم المركزي للدولة الاشتراكية. كما ينادي بما يُسمَّى «النزعة النقابية الفوضوية» ( «ارتباطات حرة لمنتجين أحرار» ) وهو يرى أن الكيبوتس في الدولة الصهيونية من أهم التجارب التي يتحقق فيها هذا المثل. ورغم هذه الفوضوية والنزوع الشديد نحو الحرية والتلقائية، لا يجد تشومسكي أية غضاضة في أن يُمجِّد دور العلم الحديث والتكنولوجيا باعتبار أنها آليات يمكنها أن تريح الإنسان من ضرورات العمل وتُحقّق له أساساً لنظام اجتماعي يستند إلى الترابط الحر والتحكم الديموقراطي ( «إن كان لدينا الإرادة في أن نفعل ذلك» ) في مقابل هذه الصورة الوردية، يضع تشومسكي النظام الرأسمالي الذي يستند إلى مفهوم الإنسان الطماع التنافسي الذي يُعظّم الثروة والقوة، الخاضع لعلاقات السوق، وهو مفهوم معاد للطبيعة البشرية كما يراها تشومسكي (وفي سياق آخر، يقول «معاد لقوانين الطبيعة» دون أن يبيِّن ما المقصود: الطبيعة البشرية أم الطبيعة المادية بعامة؟ وهو غموض له مدلوله العميق الذي يشبه التأرجح بين الكمون والبرمجة كما سنبين فيما بعد) . فحفنة من الرجال يُتخَمون بالسلع الاستهلاكية التي لا حاجة لهم بها، بينما الملايين الجائعة تحتاج الضروريات. والرأسمالية، بحكم بنيتها، لا يمكنها أن تفي باحتياجات البشر، لاستحالة الوفاء بها إلا من خلال قنوات اجتماعية. ولا يمكن أن يحل محل الرأسمالية التقليدية رأسمالية الدولة الشمولية أو رأسمالية الدولة المسلحة (التي بدأت تظهر في الولايات المتحدة) أو دولة الرفاه البيروقراطية المركزية ولا حتى الدولة الاشتراكية المركزية. فالدولة آلية كبرى للتحكم والهيمنة، بنية قوة وليست كياناً إنسانياً أخلاقياً. وتشومسكي يعارض، بطبيعة الحال، السوق الحر ويرى أنه من أهم آليات التحكم والهيمنة.

стр. 3510

ويُلاحظ تشومسكي أن عملية الهيمنة لم تَعُد تتم من خلال القمع وإنما تتم من خلال الإغواء، ومن هنا يلعب الإعلام دوراً أكثر خطورة من دور الدولة، كما أن للشركات التجارية الضخمة دوراً يفوق دور الدولة، كما يلعب الخبراء دوراً مهماً في عملية القمع من خلال الإغواء (والخبراء هم أشخاص يعتقدون أن عندهم إجابات علمية تستند إلى خبرتهم العلمية في مجالات لا تحتاج، في واقع الأمر، إلا للرؤية الأخلاقية. وقد عرَّف كيسنجر الخبير بأنه الشخص القادر على الإفصاح بوضوح ودقة عن إجماع أهل القوة) فيتكاتف كل هؤلاء لتخليق الإجماع والرأي العام الحر. ومن هنا تأكيد تشومسكي دور اللغة والمفردات والأسلوب، فهي آلية أساسية لتخليق الإجماع ومن ثم كَبْت الإبداع والحرية. فيُلاحظ تشومسكي أن المُصطلَحات في اللغة السياسية تُستخدَم بشكل مختلف ومعكوس تماماً بحيث تُظهر الكلمات نقائض ما يُضمر القائلون، بحيث تُعطي الكلمات مدلولات تختلف عن مقصودها اللغوي وتُجرِّدها من معناها الأصلي. ففي القرن التاسع عشر سُمِّي الاحتلال «حماية» ، والهيمنة «انتداباً» ، والنهب الاستعماري «عبء الرجل الأبيض ورسالته» ، ثم استُبدلت بهذه التسميات المضللة تسميات أخرى لا تقل عنها ضلالاً وتضليلاً إنما تتفق مع ما يُسمَّى «روح العصر» . فدخلت إلى المعجم السياسي المتداول كلمات جديدة مثل: «المعونات الدولية» ـ «القروض» ـ «نقل التكنولوجيا» ـ «الاعتماد المُتبادَل» ، وكل هذه المُصطلَحات لا تخرج عن مضمون الاحتلال والتبعية والاستنزاف بصور جديدة.

стр. 3511

ومن بين هذه الكلمات ذات المدلول المضلل في الاستعمال السياسي الدولي كلمة «الإرهاب» بحيث أصبحت القوى الاستعمارية والمنظمات الدولية الخادمة لها تستخدم الكلمة «الإرهاب الدولي» كمرادف لتعبير «الحرب المشروعة» التي هي حرب الضعفاء ضد الأقوياء بحيث أصبح من يقذف حجراً أو يُطلق رصاصة على من يحتل أرضه ويسلبه كرامة المواطن «إرهابياً مدفوعاً» ، على عكس المحتل الذي يبدو وكأنه بالاحتلال يؤدي حقاً تُقِّره الأعراف، فقد تبلور كل هذا في اتجاهين أساسيين: ١ ـ أصبح القتل والنهب بالجملة يُسمَّى «حرباً مشروعة» ويُسمَّى من يمارسها «إمبراطوراً» ، أما القتل والنهب بالتجزئة فتُسمَّى «إرهاباً» ويُسمَّى من يمارسها «لصًّآ أو قرصاناً» . ٢ ـ ما تمارسه الولايات المتحدة يُسمَّى «حرباً» وما يُمارَس ضدها «إرهاب» . فمُصطلَح «إرهابي» مثلاً تستخدمه كلٌّ من إسرائيل وأمريكا والإعلام «العالمي» للإشارة إلى الفدائيين الفلسطينيين أو أي شخص يقف ضد مصالحهم مع أنهما أكبر دولتين إرهابيتين في العالم. وكلمة «توازن» هي الأخرى أصبحت تعني «حماية المصالح الأمريكية» ، فحينما تظهر قوة قومية محلية تحاول الدفاع عن مصالحها تُوصَف بأنها تخل بالتوازن، بينما كل ما فعلته هو محاولة فرض توازن جديد يفي بمصالح الشعب على عكس التوازن القديم.

стр. 3512

كما أن عملية تخليق الإجماع التي تقوم بها المؤسسات الحكومية وغير الحكومية قد حققت نجاحاً منقطع النظير، إذ تَحوَّل المواطن العادي في الغرب إلى إنسان مُنمَّط مُدجَّن مطوَّع لا توجد في عقله أية بنَى داخلية ثابتة ولا حاجات جوانية ذات صفة ثقافية أو اجتماعية، ولذا فهو إنسان مرن طيِّع تماماً؛ قادر على التَحوُّل والتلون يسهل تشكيل سلوكه من خلال سلطة الدولة أو مدير الشركة أو التكنوقراطية أو اللجنة المركزية (إنسان يذكرنا بالإنسان ذي البُعد الواحد عند ماركوز وغيره من فلاسفة مدرسة فرانكفورت) ، وبذا يتم تهميش الجماهير وتبقى السلطة في يد الدولة والشركات والخبراء. ويؤمن تشومسكي، شأنه شأن فلاسفة مدرسة فرانكفورت، بنظرية التلاقي. فهو يرى أنه لا يوجد فارق كبير بين الاتحاد السوفيتي (سابقاً) والولايات المتحدة الأمريكية. فالخلاف الوحيد بينهما أن الإمبريالية السوفيتية كانت تمارس نشاطها داخل حدودها (فالاتحاد السوفيتي كان دولة مترامية الأطراف) ، بينما ذراع الولايات المتحدة تمتد خارج حدودها في أرجاء العالم كافة. وفي إطار هذا التلاقي، يشير تشومسكي إلى النظام الذي نشأ في العالم الغربي بعد عصر النهضة باعتباره «نظام ما بعد كولومبوس» (مكتشف أمريكا) أي أنه نظام واحد، ويصفه بأنه نظام مبني على القرصنة والنهب.

стр. 3513

وبعد أن عرضنا المنظومات المختلفة عند تشومسكي (المعرفية واللغوية والأخلاقية والسياسية) ، وقبل أن نعرض لآرائه في الأداء السياسي في أنحاء العالم، قد يكون من المفيد أن نتوقف عند بعض التناقضات العميقة التي تسم فكره. فتشومسكي فوضوي ملتزم بالعلم والتكنولوجيا (ولهما منطقهما الرياضي الحتمي الصارم الذي يتجاوز حرية الأفراد وأغراضهم) . وهو يؤمن بأن عقل الإنسان حر بسبب الأنساق الكامنة فيه ولكنه يعود ويسميها «برنامج» و «شفرة» . وهو يقف بشدة ضد الرأسمالية والسوق الحر باسم الدفاع عن الحرية، ويتعاطف مع التخطيط العقلاني الذي يعني ضرورة اكتشاف القواعد وتطبيعها كما يعني المزيد من الترشيد. وهو يرى أن الأسرة مؤسسة يتم فيها تلاقي الإنسان بأخيه الإنسان في إطار من التراحم، ولكنه يرى أن الكيبوتس (المبني على تصفية الأسرة لصالح التنظيم الجماعي) أكثر المؤسسات مثالية. وهو فوضوي يؤمن بالتلقائية الكاملة وبصوت الشعب، ولكن حين سألته ماذا لو أخطأ الشعب، رد قائلاً: "لابد إذن من توجيهه" (فقلت له: "من أي منظور؟ ومن يعطينا هذا الحق؟ ") .

стр. 3514

هذا التناقض يضرب بجذوره في تَناقُض عميق في فكر تشومسكي. وأثناء زيارته للقاهرة عام ١٩٩٤ طرحت عليه قضية العلم النازي والتجريب النازي وقضية الطبيعة، وهو مُصطلَح يستخدمه كما أسلفنا بشكل مبهم أحياناً. سألت تشومسكي: ما الطبيعة؟ وهل هناك داخل البشر ما يُميِّزهم عن الطبيعة أم أنهم جزء لا يتجزأ منها لا يتجاوزها قط؟ وأشرت إلى بعض آرائه التي عرضت لها من قبل، ولعبارة «معجزة اللغة» على وجه التحديد وسألته ألا تعني هذه العبارة خرقاً لقوانين الطبيعة والمادة في حالة الإنسان، أو على الأقل انقطاعاً وعدم استمرار. ومضمون سؤالي كان، في واقع الأمر، عن الثنائية العميقة التي تسم رؤيته وعن التمركز حول الذات في نسقه المعرفي. ولكن تشومسكي، شأنه شأن كل الفلاسفة الغربيين العلمانيين، يحاول أن يُنكر أية ثنائية حينما يُواجَه بالتضمينات الفلسفية لنسقه المعرفي. ولذا ضاق تشومسكي ذرعاً بسؤالي وأجاب إجابة تنم عن الضيق وقال: الطبيعة هي كل ما هناك، والطبيعة لا تُردُّ إلى شيء خارجها (نيتشر إز إرديوسابل Nature is irreducible) . وقد عُدت إلى كتاباته أبحث عن إجابة أكثر تفصيلاً وإفاضة، فوجدت أن تشومسكي الذي يؤكد كمونية الأفكار يرى أنها في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير إن هي إلا جزء من بيولوجيا الإنسان (شأنها في هذا شأن الجوانب الفسيولوجية التشريحية) . ولذا، لا يتردد تشومسكي في أن يصف مَلَكة اللغة (معجزة اللغة) في مُصطلَح بيولوجي مادي حتمي صرف. فاكتساب الطفل للغة لا يختلف عن تغييره أسنانه من الأسنان اللبنية إلى الأسنان الناضجة، وكالمراهق حين تتغيَّر خصائصه التشريحية. فاللغة تنمو فسيولوجياً، تماماً مثل أية صفات تشريحية أخرى، من تلقاء نفسها، أي أن كلمة «كامن» تصبح «فسيولوجي» أو «فيزيائي» ، والبنَى العقلية الكامنة هي بنَى فيزيائية. والكمون لا يعني في واقع الأمر سوى البرمجة البيولوجية أو التشفير (بالإنجليزية: بروجرام

стр. 3515

program وكود code) ، وهي كلمات تشير إلى نظم مغلقة حتمية. ولا يتردد تشومسكي في أن يصف نظمنا العقيدية بأنها النظم التي يقوم العقل (باعتباره بنية بيولوجية) بإنتاجها. ويرى تشومسكي أن العقل قد «صُمم» لتوليدها (بالإنجليزية: ديزاينيد designed] وهي كلمة تعني «تصميم» ولكنه تصميم هندسي لآلة، أي أن الكلمة التي تشير إلى الإبداع تستدعي في الوقت نفسه نظاماً مغلقاً حتمياً) . ويبدو أن هذه ليست مجرد صور مجازية لوصف شيء يصعب وصفه باللغة المباشرة وإنما هو وصف حرفي إذ أن تشومسكي يشير إلى العقل باعتباره عضو التفكير (بالإنجليزية: منتال أورجان mental organ) أو وحدة قياسية (بالإنجليزية: موديول module) ؛ فالعبارة الأولى وصف عضوي للعقل، والثانية وصف آلي، وكلاهما مغلق وحتمي. وكل النظريات العلمية التي تم تطويرها عبر تاريخ البشرية مستمدة من حصيلة محدودة من النظريات الممكنة وفرتها لنا الجينات (النظام البيولوجي) وتتناقلها الأجيال. وهكذا توارى الإبداع وحلت محله الحتمية البيئية والاجتماعية (التي نادى بها السلوكيون والتي هاجمها تشومسكي) وهي حتمية بيولوجية.

стр. 3516

إن تشومسكي قد رفض في إحدى المناظرات العامة (عام ١٩٧٥) أية مفاهيم برانية مثل «سياق» و «تَفاعُل» ، فبينما كان بياجيه يرى أن تَطوُّر الطفل يتم من خلال تفاعله مع سياقه، أصر تشومسكي في تفسيره تَطوُّر لغة الطفل على عدم وجود أي مبرر لتَبنِّي مفاهيم التعليم التدريجي عن طريق الاكتساب، ورفض استيعاب اللغة في أيٍّ من نظم التمثيل الإدراكي الأخرى مثل تصنيف الأشياء وتَخيُّل الصور حتى تحتفظ اللغة بتفرُّدها كلحظة فارقة. وهو، بذلك، يصل إلى قمة تمجيد الحرية والإبداع. ولكنه يُفسِّر اللغة بعد ذلك على أساس برنامج شفرة كامنة في نظام الإنسان البيولوجي، وأن ما هو بيولوجي هو حتمي صارم مطلق. بل ويرى البعض أن الحتمية البيولوجية (المسوغ النظري للنظريات العرْقية والهيمنة الإمبريالية) أشد ضراوة ولا إنسانية من الحتميات البيئية والاجتماعية. فبإمكان البشر التحكم في البيئة وتغييرها، ولكنهم يعجزون (حتى الآن على الأقل) عن التحكم في الجينات وتغييرها.

стр. 3517

ولكن تشومسكي يرى العكس، فالحتمية البيئية والاجتماعية مرتبطة في نظره باستغلال الإنسان لأخيه الإنسان، على عكس الحتمية البيولوجية، فهي مصدر الحرية لأنها نابعة من داخل الإنسان كامنة في عقله لا تحدها حدود برانية، ولذا فإن الحتمية البيولوجية تُولِّد في نفسه قدراً كبيراً من التفاؤل والالتزام بالقيم الأخلاقية والإيمان بالمستقبل. ورغم تفاؤله بشأن الحرية، إلا أن نسقه الحتمي البيولوجي يؤدي به (من حيث لا يشعر) إلى العداء للتاريخ ثم إعلان نهايته. ويمكن القول بأن ثمة عداء للتاريخ في منظومة تشومسكي يتبدَّى في موقفه من اللغويات الاجتماعية والمقارنة، وفي تبجيله المتطرف للعلم والتكنولوجيا وعقيدة التقدم (والعداء للتاريخ إحدى سمات الموقف البنيوي الأساسية وكذلك تفسيراته الكمونية العقلية التوليدية) . أما فيما يتصل بنهاية التاريخ، فإن تشومسكي ـ كما أسلفنا ـ يرى أن النظريات العلمية والرؤى الإنسانية مستمدة من حصيلة محددة من الرؤى (البرامج الوراثية) وفرتها لنا الجينات ويتناقلها البشر عبر الأجيال من خلالها. ولكن هذه النظريات (الشفرات ـ البرامج) العلمية قاربت على النضوب لأن العصر الحديث يضم أناساً كثيرين يُوفِّر لهم المجتمع وقت الفراغ اللازم والتسهيلات اللازمة لعملية البحث العلمي وكشف البرامج الكامنة. وما تبقى من موضوعات ليس بإمكان العقل إدراكها، فهي قد تبقى كذلك إلى نهاية الزمان لأنها تقع خارج نطاق النظريات (البرامج) المتاحة للإنسان بيولوجياً (أي أن تشومسكي قد أحل البيولوجوس محل اللوجوس) .

стр. 3518

هنا سألت تشومسكي مجموعة من الأسئلة: ما الفرق إذن بينه وبين السلوكيين إذا كان كل شيء بيولوجياً فيزيائياً مُشفَّراً في الجينات؟ وإذا كان علينا أن نتبع الطبيعة (البرامج الطبيعية التي صُمِّمت مسبقاً) أفلا يمكن إذن دراسة الإنسان كما تُدرَس الفئران (وهذه خطيئة السلوكيين الكبرى) ؟ ألا يمكن لهؤلاء الخبراء أن يوفروا علينا الكثير من العناء ويدرسوا الموضوع (الإنساني) بآلاتهم العلمية الدقيقة؟ ثم دفعت السؤال إلى ناحية حساسة وسألته: كيف يمكن التصدي لمجموعة من العلماء (النازيين) الذين يرون أن بإمكانهم إسعاد البشر إن قَبل البشر أن يخضعوا للتجريب ويُذعنوا للنتائج العلمية، فهؤلاء الخبراء بوسعهم أن يستخلصوا لنا قوانين الطبيعة التي يمكن على أساسها تأسيس المجتمع وتحديد ما هو خير وما هو شر وما هو نافع وما هو ضار؟ وماذا لو قال هؤلاء الخبراء إن المسنين والمعوقين واليهود يقفون ضد قوانين الطبيعة (الإنتاجية - السعادة المادية) ؟ ماذا يمكن أن نقول لهؤلاء الخبراء؟ أي أنني ألمحت إلى أن هذه العقلانية المادية تؤدي إلى الواحدية والعقلانية التكنولوجية والتي تؤدي بدورها إلى التجريبية والوضعية والسلوكية والهيمنة والتحكم. فبيَّن تشومسكي أن كلمة «فيزيائي» (أي مادي) حسب تَصوُّره قد تم توسيع مدلولها تدريجياً لتغطي أي شيء يمكن فهمه، ولذا فالكلمة لا تُعرَّف بمعزل عن العقل. ومضمون الكلمة سيتسع ليغطي كل الخصائص التي يكتشفها العقل، فأشرت إلى أن المرجعية النهائية في هذه الحالة ستظل هي العالم المادي والفيزيائي، أي أن الإنسان يُستوعب في الطبيعة وذكَّرته بالعبارة التي استخدمها «الطبيعة لا يمكن أن تُردُّ لأي شيء خارجها» ، وهذا هو الافتراض السلوكي الأساسي، ثم أشرت إلى أحد أهم الأنماط الفكرية العامة في الحضارة الغربية: محاولة التجاوز من خلال المادة. ثم أشرت إلى أن الأفكار الكامنة يمكن أن تكون إيجابية أو سلبية، وأنه في إطار

стр. 3519

الحتمية البيولوجية التي يتحرك في إطارها لا يوجد مجال لقبول البعض ورفض البعض الآخر، فالطبيعة هي كل ما هناك وعلينا قبولها والإذعان لها! وقد طلبت من تشومسكي أن يُفسِّر لي ظاهرة ما بعد الحداثة في الغرب، وهي فلسفة تقف على طرف النقيض من فلسفته، فهو يؤمن بمعجزة اللغة ومقدرة الإنسان على توليد نظم اتصالية تستند إلى إنسانية مشتركة، أما ما بعد الحداثة فتؤدي إلى انفصال الدال عن المدلول وإلى عطب اللغة واستحالة التواصل ومن ثم إلى انسحاب العقل واستحالة إقامة العدل. وكان الهدف من السؤال أن أُبيِّن له أن النظم الفلسفية المادية يمكن أن تؤدي إلى أي شيء، وأن إيمانه بالإنسان، النابع من إيمانه بمعجزة اللغة، هو إيمان نابع من شيء كامن في الإنسان، ولكنه مُتجاوز للنظام الطبيعي (أي نابع من ثنائية مبدئية) . فكان رده هذه المرة جافاً وصارماً إذ قال: إن ما بعد الحداثة نتاج ثرثرة المثقفين الفرنسيين الذين يجلسون على المقاهي يضيِّعون وقتهم فيما لا يفيد! وأخيراً، أثرت مع تشومسكي قضية الدين والأدب والفن، وأنه رغم حديثه المستمر عن الإبداع لا يعالج إلا السياسة (وبشكل مباشر) في كتاباته السياسية، أما كتاباته اللغوية فهي لا تتعرض أبداً لأية نصوص أدبية، والنص الأدبي نص لغوي مكثف يبيِّن معجزة اللغة عن حق. فقال إنه قد سمع هذا النقد من قبل ولعل انشغاله بالسياسة هو السبب (وهو تفسير غير كاف في تصوري) . أما فيما يتصل بالدين فقد قال إنه لم يمكنه قط أن يتعامل مع فكرة الإله أو ما وراء الطبيعة ولا يمكنه أن يفهمها، وأن مناقشة مثل هذه الأمور أمر لا طائل من ورائه. وأعتقد أن إهماله الدين والأدب والفن نابع من حتميته البيولوجية الواحدية، ولذا فهو يؤثر الابتعاد عن الحقول المعرفية التي يمكن أن تثير له أسئلة تقع خارج نطاق نموذجه المعرفي.

стр. 3520

ويمكن أن نعرض الآن لآراء تشومسكي في بعض القضايا السياسية المعاصرة. أهم إسهامات تشومسكي هو تسليطه الضوء على دور الولايات المتحدة في إدارة العالم الحديث وإفساده والهيمنة عليه، وهو دور مرتبط تمام الارتباط ببنية الولايات المتحدة السياسية. فهو يذهب إلى أن الولايات المتحدة هي الدولة التي يصل فيها نظام ما بعد كولومبوس (المبني على النهب والقرصنة) إلى الذروة، وتتبلور حقيقة هذا النظام مع ظهور المركَّب الصناعي العسكري. ولهذا النظام ضحاياه داخل الولايات المتحدة وخارجها. أما في الداخل، فإن مؤسساته تتجه نحو المزيد من السيطرة والهيمنة والمركزية حتى نجح النظام السياسي في الولايات المتحدة في أن يخلق جواً غير سياسي (يلائم الإنسان المرن ذا البُعد الواحد المفرغ من الداخل) . فعلى سبيل المثال، اختفى الوعي الطبقي تماماً حيث لا يُوفِّر مكتب الإحصاءات الاتحادي البيانات عن الطبقات الاجتماعية. والصحافة بدورها تعطي انطباعاً بأن معظم أعضاء الشعب الأمريكي ينتمون إلى الطبقة الوسطى. هذا على عكس الطبقة الرأسمالية التي تتسم بوعي طبقي حاد وتخوض حرباً طبقية صريحة. ولكن الإشارة إلى هذا الأمر تقتصر على الصحافة الاقتصادية.

стр. 3521

ويبيِّن تشومسكي أن الفرد في المجتمع الأمريكي يتمتع بقدر عال من الحرية لا مثيل له في العالم. ولكن الشرائح الاجتماعية الرأسمالية قد سيطرت على ذهن الجمهور من خلال الإعلام الذي يتمتع بميزانيات ضخمة ليس لها نظير في العالم. وقد تم استيعاب المثقفين تماماً داخل هذا النظام. ويتميَّز النظام الأمريكي، إلى جانب كل هذا، بغياب مؤسسات الرفاه الاجتماعي ووهن المنظمات النقابية. ونظام ما بعد كولومبوس (في حالة الولايات المتحدة) لا يبقى داخل حدوده وإنما يمتد ليشمل العالم بأسره. وعدو الولايات المتحدة الأساسي هو النظم القومية الراديكالية التي تستجيب للجماهير المطالبة بتحسين مستوى المعيشة وتنويع الاقتصاد وما يُسمَّى «الوطنية الاقتصادية» (أي العمل على تنمية البلاد ضمن إطار من الاستقلالية) ، فهذا يتناقض مع مصالح الولايات المتحدة ورغبتها في الحصول على المواد الخام وفي توسيع نطاق اقتصاديات السوق الحرة. والمفترض في العالم الثالث أن تكون مصدراً للمواد الخام ومنطقة تصريف وخدمات وحسب. وللتغلب على مثل هذه الحكومات، تلجأ الولايات المتحدة لعدد من الإستراتيجيات، فوكالة الاستخبارات الأمريكية، على سبيل المثال، قامت ضمن النشاط التخريبي للولايات المتحدة بترويج المخدرات، إذ قامت هذه الوكالة بإعادة تأسيس نشاط مافيا الهيروين في فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية حتى يتم تقويض الحركة العمالية والنقابية وحركة مقاومة الفاشية. والشيء نفسه حدث في أفغانستان إذ قامت المخابرات الأمريكية بتمويل حكمتيار من خلال المخدرات (يُقال إن محصول الأفيون في أفغانستان الآن أكبر محصول شهده العالم) . ويشير تشومسكي كذلك إلى الانقلابات العسكرية المباشرة كما حدث في حكومة مصدق التي كانت حكومة قومية صرفة ذات أهداف قومية محددة. وهناك، كذلك، التدخل العسكري المباشر كما حدث في فيتنام وفي أرجاء العالم المختلفة.

стр. 3522

ولكن الولايات المتحدة بدأت تتخلى عن أشكال المواجهة المباشرة وتلجأ إلى الهيمنة من خلال آليات جديدة من أهمها عمليات ما يُسمَّى «التكامل الاقتصادي» ، وهو تكامل يتم في واقع الأمر بين المصالح الأمريكية وبعض النخب الحاكمة، وبالتالي فهي تؤدي إلى مزيد من إفقار الجماهير وتؤدي إلى الهيمنة الأمريكية كما يحدث في أمريكا اللاتينية. وفي هذا الإطار، يمكن فهم السوق الشرق أوسطية، فهي أساساً محاولة لإنشاء حلف بين عملاء الولايات المتحدة (إسرائيل ـ تركيا ـ مصرـ بلاد الخليج) على حساب المنطقة ككل (وهذا ما فشلت الولايات المتحدة في تحقيقه قبل حرب الخليج) . وهدف السوق الشرق أوسطية الأخير هو إلغاء القضية الفلسطينية تماماً. ويرى تشومسكي أن الولايات المتحدة، في الوقت الحاضر، تعتبر الشرق الأوسط منطقة نفوذ أمريكية، حكر عليها، ومحظوراً على الدول الأخرى، بما في ذلك حلفاء الولايات المتحدة، التدخل فيها. وهي لا تحتاج لبترول العرب كمصدر طاقة وإنما كمصدر قوة للضغط على اليابان وأوربا، وهذ سر عداء الولايات المتحدة للحركات الإسلامية، فهذه الحركات قد أصبحت أصدق تعبير عن الحركة الوطنية المستقلة والوطنية (الاقتصادية) في العالم الثالث، وهي لا تزال تتصدى للولايات المتحدة وعملائها. وقد أشار تشومسكي في أحد تصريحاته أنه قابل مجموعة من المفكرين الإسلاميين أثناء زيارته للقاهرة حيث ذكَّره هؤلاء بأعضاء النخب المستقلة في العالم الثالث الذين يؤمنون بنماذج التنمية المحلية المستقلة.

стр. 3523

وقد وجَّه البعض النقد لتشومسكي باعتبار أنه حتمي يتجاهل عديداً من التغيرات، وبخاصة في العالم الثالث، وأنه أطلق من التنبؤات ما ثبت عدم دقته. ولكن تشومسكي، رغم أنه يبيِّن شراسة الولايات المتحدة وقوتها، لا يرى أن القضية منتهية. فثمة أمل يتبدَّى في التقلص المستمر لقوة الولايات المتحدة، فقد أصبحت مقيدة بالسوق العالمية، كما أن ثمة ١٤ تريليون دولار من الأموال غير خاضعة للسلطات الحكومية في العالم اليوم، وهذا يجعل دفاع الدول الأوربية والولايات المتحدة عن عملاتها عقيماً. كما أن الولايات المتحدة لم تتمكن من تحقيق المكاسب في كثير من المناطق (في الشرق الأوسط وغيره) وهذا دليل آخر على أن قدرتها محدودة. ويُلاحظ تشومسكي كذلك أن هناك من المؤشرات ما يدل على أن النظام الأمريكي لم ينجح تماماً في إحكام قبضته على الشعب الأمريكي، وعلى أن هناك تزايداً للسخط في صفوف الجماهير غير المُسيَّسة المُدجنَّة عن طريق وسائل الإعلام. ففي استطلاعات الرأي العام عادةً ما يذهب ٥٠% إلى أن الحكومة يديرها رجال الأعمال لصالحهم وليس لصالح الشعب، كما يُلاحَظ أن ٥٠% من الشعب الأمريكي لا يذهبون للانتخابات، وهو ما يعني أن الانسحاب هنا هو احتجاج على ما اكتشفه الناخبون. ويرى تشومسكي أن ثمة انفصاماً شبه كامل بين الجماهير الأمريكية والحكومة الأمريكية منذ بداية الثمانينيات، كما أن كل استطلاعات الرأي تثبت هذه الفكرة حيث تعارض الجماهير المغامرات العسكرية والإنفاق على التسلح وتطالب بمزيد من الإنفاق الاجتماعي. وهو يرى أن الرأي العام يجبر الحكومة على اتخاذ خطواتها في السر أو بمعزل عن الرأي العام. ورغم سقوط الاتحاد السوفيتي، إلا أن الولايات المتحدة كثيراً ما تتردد في التدخل في مختلف أرجاء العالم لتعاظم المعارضة الداخلية في الولايات المتحدة.

стр. 3524

وتشومسكي يؤمن بعقيدة التقدم: فإطار الحرية والعدالة يتسع دائماً، وهذه صفة نماذجية عامة تنطبق على عموم الحقب التاريخية. فالاتجاه العام هو نحو التقدم (وإن كان الأمر لا يخلو من بعض الانتكاسات!) . ويضرب تشومسكي أمثلة على انتصار التقدم (والعدالة والحرية) ، فالاسترقاق لم يعد مقبولاً والتجارب المعملية على البشر أصبحت تُعتبَر أمراً وحشياً (بعد أن كانت أمراً مقبولاً) وبدأت النساء يحصلن على مزيد من حقوقهن. وفيما يتصل بالقضية الفلسطينية، فمن المُلاحَظ أن تشومسكي ليست له آراء معلنة في اليهودية واليهود، ولكن موقفه من الصهيونية يتسم بنوع من الازدواجية واللاتاريخية. فهو يرى أن الصهيونية حركة قومية ذات وجه إنساني لكن لها وجهاً آخر، فهي أيديولوجيا يتنازعها عنصران: أحدهما إيجابي والآخر سلبي. أما الجانب الإيجابي فهو مؤسسة الكيبوتس وهي الجانب الاشتراكي العالمي. وقد طوَّر المُستوطَن الصهيوني (يشير له تشومسكي بالمُصطلَح العبري «يشوف» وهو أمر له دلالته وينم عن النزعة اللاتاريخية) أكثر المؤسسات الاشتراكية نقاءً في العالم. وتُعدُّ نموذجاً مصغراً (مايكروكوزم) للبقاء الإنساني الذي يستحق الاحترام. ولكن الصهيونية لها أيضاً جانبها السلبي، وهو الجانب القومي الاستبعادي الرجعي الذي يُنكر وحدة البشر، ويؤكد بدلاً من ذلك وحدة الأمة وضرورة فصل اليهود عن بقية العالم بدلاً من دمجهم. وفي هذا الإطار يرى تشومسكي أن ثمة حقاً صهيونياً وأن الصراع العربي الإسرائيلي هو صراع حق في مواجهة حق آخر، وأن إسرائيل (في حدود ما قبل ١٩٦٧) تُجسِّد الحق المشروع لليهود الإسرائيليين في تقرير المصير. ولذا، فإن قيام الدولة الصهيونية الاستيطانية وحروبها عام ١٩٤٨ هي "حرب استقلال"، وهو يصف سياسات الدولة الصهيونية بأنها عنصرية شديدة التعصب، إلا أنه عارض قرار الأمم المتحدة بإدانة الصهيونية كشكل من أشكال العنصرية. ويمكن القول بأن تشومسكي لا

стр. 3525

يعارض المثال الصهيوني (الإمكانية الكامنة) وإنما الأداء الصهيوني وحسب، وهي رؤية أقل ما توصف به أنها ساذجة لأن الإمكانية المثالية لابد أن تتحقق بشكل جزئي. والأداء الصهيوني عبر تاريخه الطويل (منذ عام ١٨٨٢) عنصري استبعادي إحلالي بشكل واضح، ونقطة البدء الصهيونية ذاتها (أي الاستيطان وإعلان الدولة) مبنية على اغتصاب الآخر.. أفلا يدل هذا على أن طبيعة الصهيونية هوبزية داروينية نيتشوية وأن الصهيونية لا يمكنها أن تحقق البقاء إلا بطريقة غير جديرة بالاحترام؟ أو لا يدل هذا على أن المثل الصهيوني الكامن قد يكون في واقع الأمر أكثر عنصرية وشراسة من الأداء الصهيوني؟ مهما يكن الأمر، فإن موقف تشومسكي من إسرائيل يتسم بالرؤية النقدية الصارمة، فهو يقبل حق تقرير المصير للفلسطينيين في الضفة والقطاع ويبذل جهداً غير عادي في كشف السياسات العدوانية والتوسعية والعنصرية من جانب إسرائيل وعمالتها للولايات المتحدة. وقد وقف تشومسكي ضد اتفاق أسلو ووصفه بأنه استمرار طبيعي لمشروع آلون (وهو مشروع يوافق عليه كلا الحزبين الأساسيين في إسرائيل ويدور في إطار عدم الإقرار بالحقوق الوطنية للفلسطينيين وألا تُرغَم إسرائيل على الانسحاب إلى حدود ١٩٦٧، كما أنه يعطي إسرائيل الفرصة في الوقت نفسه كي لا تدير بنفسها المناطق ذات الكثافة السكانية الفلسطينية) . وكان المطروح في الماضي أن تقوم السلطة الأردنية بذلك، والتعديل الوحيد هو إحلال السلطة الفلسطينية محل السلطة الأردنية. وكل هذا يعني في واقع الأمر تقليل الاحتكاك بين الفلسطينيين وقوات الاحتلال دون الإخلال بالأساس القمعي الإسرائيلي.

стр. 3526

ولتشومسكي مؤلفات عديدة تغطي علم اللغة وعلم السياسة ومن أهم كتاباته اللغوية: علم اللغة الديكارتي (١٩٦٦) ، وموضوعات في نظرية النحو التوليدي (١٩٦٦) ، واللغة والعقل (١٩٦٨) ، ودراسات سيمانطيقية دلالية في النحو التوليدي (١٩٧٢) ، ومقالات عن الشكل والتفسير (١٩٧٧) ، واللغة والمسئولية (١٩٧٩) ، والقواعد والتمثيلات (١٩٨٠) ، واللغة ومشاكل المعرفة (١٩٨٧) ، واللغة والسياسة (١٩٨٩) . أما دراساته السياسية فيمكن تقسيمها إلى قسمين: القسم الأول يُعنَى بشئون الشرق الأوسط، من بينها: السلام في الشرق الأوسط (١٩٧٤) ، والثالوث الخطر: أمريكا وإسرائيل والفلسطينيون (١٩٨٣) ، وقراصنة وأباطرة (١٩٨٦) ، وثقافة الإرهاب (١٩٨٨) ، وأوهام ضرورية (١٩٨٩) ، والديموقراطية المعوقة (١٩٩١) . أما القسم الثاني من دراساته فيعبِّر عن موقف نقدي جذري للولايات المتحدة، ومن أهمها: القوة الأمريكية والسادة الجدد (١٩٦٥) ، وإعلان الحرب على آسيا (١٩٧٠) ، ومن أجل صالح الدولة (١٩٧٣) ، وحقوق الإنسان والسياسة الخارجية الأمريكية (١٩٧٨) ، والاقتصاد السياسي لحقوق الإنسان (١٩٧٩) ، ونحو حرب باردة جديدة (١٩٨٢) . ومما يجدر ذكره أن تشومسكي، رغم أصوله اليهودية الإثنية الواضحة، إلا أنه نادراً ما يُذكَر في الموسوعات والمراجع الصهيونية باعتباره فيلسوفاً أو عالماً لغوياً يهودياً. وتشير له بعض المراجع الصهيونية باعتباره يهودياً كارهاً لنفسه. ولعل هذا يعود لمواقفه المعادية للصهيونية وإسرائيل. وهذا يثير تساؤلاً: هل اتخاذ مفكر يهودي موقفاً معادياً من الصهيونية (أو بعض جوانبها) أو إسرائيل يُسقط يهوديته؟

стр. 3527

الباب الثالث عشر: علماء الاجتماع من أعضاء الجماعات اليهودية علم الاجتماع والجماعات اليهودية Sociology and the Jewish Communities من الصعب تعيين نقطة محدَّدة ظهر عندها الفكر الاجتماعي (السوسيولوجي) ، ذلك أن أي مؤرخ أو فيلسوف يتعرض لموضوعه الأساسي، وهو حياة البشر في جماعات، يجد نفسه ـ شاء أم أبى ـ يتطرق إلى موضوعات أصبحت في صميم علم الاجتماع. وهذا القول ينطبق على هيرودوت والبيروني وأرسطو. ولكن التطرق لحياة الجماعات البشرية يختلف إلى حدٍّ ما عن المحاولة الواعية أو شبه الواعية لدراسة حركة المجتمعات وقوانين تطورها. ولعل من أول المفكرين الذين حاولوا ذلك المفكر العربي ابن خلدون. ثم تصاعدت وتيرة هذه المحاولة في عصر النهضة في الغرب في كتابات فيكو وتوماس هوبز ثم في كتابات الفلاسفة الأخلاقيين الإسكتلنديين (آدم فرجسون وديفيد هيوم وآدم سميث) . ولكن كلمة «علم الاجتماع» (سوسيولوجي) ذاتها لم يتم نحتها إلا على يد أوجست كونت، ولم يظهر العلم إلا بعد الثورتين الفرنسية والصناعية ومع التحولات الطبقية التي خاضها المجتمع الغربي إبّان عمليات تحديثه وعلمنته والتي تصاعدت وتيرتها بشكل ملحوظ مع منتصف القرن التاسع عشر. ويُلاحَظ أنه، حتى ذلك التاريخ، لم تكن هناك أية إسهامات تُذكَر لأي مفكرين يهود، وبعد ذلك يُلاحَظ تزايد مساهمة المفكرين من أعضاء الجماعات اليهودية في هذا الحقل. وفي محاولة تفسير هذا الوضع، يمكن أن نسوق الأسباب التالية: ١ ـ ينتمي أعضاء الجماعات اليهودية إلى جماعات وظيفية تنظر إلى المجتمع نظرة محايدة موضوعية. ٢ ـ يميل أعضاء الجماعات اليهودية (بسبب وضعهم الوظيفي) إلى التفكير في الواقع من خلال جوهر ثابت (الذات الوظيفية المقدَّسة) ومن خلال علاقات دينامية، أي من خلال حركيتها ورؤيتها للآخر المباح. ٣ ـ يميل أعضاء الجماعات الوظيفية والهامشية إلى النظر بطريقة نقدية إلى المجتمع. ٤ ـ تم إعتاق اليهود في أوربا في منتصف القرن التاسع عشر وكان من مصلحتهم معرفة القوانين التي تحكم المجتمع حتى يمكنهم التكيف معه والاستفادة من هذه القوانين.

стр. 3528

٥ ـ يُقال إن النزعة المشيحانية عند اليهود لها أثر في إقبال بعض المفكرين اليهود على علم الاجتماع حتى يمكنهم اكتشاف نقائص المجتمع ومن ثم تثويره وتغييره. ٦ ـ تصوَّر كثير من المفكرين من أعضاء الجماعات اليهودية أن علم الاجتماع سيساهم في عملية علمنة المجتمع عن طريق كشف قوانينه. ولكننا سنلاحظ أن هؤلاء المفكرين اليهود الذين أقبلوا على دراسة علم الاجتماع هم يهود غير يهود، أي يهود فقدوا الأواصر الدينية أو الإثنية التي تربطهم بالجماعة اليهودية، فهم غرباء بالمعنى الحرفي للكلمة لا ينتمون إلى عالم اليهود ولا إلى عالم الأغيار، وهم نموذج جيد لإنسان العصر الحديث اللا منتمي الذي سقط في العدمية ونُزعت عنه القداسة فلا يملك إلا أن ينزع القداسة عن كل شيء. ويمكن أن نذكر بعض الأسماء الأساسية حتى تتضح هذه الفكرة: كارل ماركس وإميل دوركهايم وجورج زيميل ولودفيج جومبلوفيتش وكارل مانهايم وجورج لوكاش وماكس هوركهايمر وتيودور أدورنو وهربرت ماركوز وريمون آرون وجورج فريدمان ودانيال بل. ولا يمكن فهم هؤلاء إلا بوضعهم في سياقهم الحضاري والاجتماعي والفكري الغربي. ولا يمكن بأية حال أن نعيّن خاصية محددة مشتركة بينهم نسميها «خاصية يهودية» فمنهم اليميني ومنهم اليساري، ومنهم المتفائل ومنهم المتشائم (وإن كانت أغلبيتهم تميل إلى التشاؤم) . ومع هذا، يمكن أن نلاحظ أنهم جميعاً غير مستقرين تماماً في أي تيار فكري ينتمون إليه. ولكن هذه هي سمة كل المفكرين العظماء، الذين لا يمكنهم الاستقرار الكامل في أي نسق فكري مهما بلغ من أصالة وتركيب ولا تتسم أنساقهم الفكرية بالتناسق الهندسي البسيط.

стр. 3529

ويُلاحَظ كذلك أن معظم هؤلاء العلماء لا يهتمون بالموضوع اليهودي اهتماماً خاصاً ولا يتعرضون له إلا في إطار اهتمامهم بالحضارة الغربية. فهم يتعرضون للموضوع اليهودي باعتباره موضوعاً غربياً حديثاً كما فعل ماركس في المسألة اليهودية حيث وضعها في إطار إشكالية ظهور الرأسمالية، وكما فعل دوركهايم في موضوع ظاهرة الانتحار بين اليهود (والكاثوليك والبروتستانت) ، وكما فعل زيميل مع الغريب، وكما فعل لودفيج جومبلوفيتش مع الأمة اليهودية حيث توقَّع اختفاءها. وهم في هذا لا يختلفون البته عن ماكس فيبر أو ورنر سومبارت اللذين تناولا الموضوع اليهودي بشيء من الإسهاب في سياق الحديث عن أصول الرأسمالية الرشيدة. أما الصهيونية، فمعظم علماء الاجتماع من اليهود غير مكترث بها ولم يكتب عنها لا معها ولا ضدها. إميل دوركهايم (١٨٥٨-١٩١٧ ( Emile Durkheim أول عالم اجتماع فرنسي أكاديمي. وُلد في أبينال في مقاطعة اللورين التي لم تضمها فرنسا إلا في القرن السادس عشر، ولذا ظلت محتفظة إلى حد ما بطابعها الألماني. وكان أعضاء الجماعة اليهودية فيها من يهود اليديشية؛ يتحدثون رطانة ألمانية، ويعملون بالتجارة والربا، وغير مندمجين في المجتمع الفرنسي أو الثقافة اللاتينية (على عكس اليهود السفارد في الجنوب) . ويمكن القول بأن التنظيم الاجتماعي للجماعة اليهودية في اللورين كان بسيطاً يتسم بما سماه دوركهايم فيما بعد «التضامن الآلي» ، فقد كانت جماعة صغيرة يديرها الحاخام أو أحد الرؤساء (بارناسيم) . وكانت عائلة دوركهايم تنتمي إلى هذه القيادة، فقد كان أبوه حاخاماً، كما أن أجداده كانوا من الحاخامات.

стр. 3530

وكان من المفترض أن يتبع دوركهايم نفسه هذا التقليد العائلي الراسخ ويصبح حاخاماً، فدرس العبرية والعهد القديم والتلمود وتلقى في الوقت نفسه تعليماً علمانياً. وبعد أن وصل إلى سن التكليف الديني (برمتسفاه) ، خاض تجربة صوفية قصيرة ذات مضمون كاثوليكي. ولكنه، بعد ذلك، ترك الإيمان الديني تماماً وإن لم يفقد اهتمامه بالدين كظاهرة. ولا شك في أن عملية الانفصال عن الجماعة اليهودية الصغيرة كانت تجربة قاسية لأقصى حد. غير أن المجتمع الفرنسي كان مجتمعاً مركباً يستند إلى التضامن العلماني (العضوي) ، فكان يفتح ذراعيه لمن ينضم إليه ويتيح أمامه فرص الاندماج (ولذا وُصفت فرنسا بأنها البلد الذي يأكل اليهود) . وكان دوركهايم من أكثر الفرنسيين فرنسية ومن أكثر العلمانيين علمانية، ولا شك في أن انتقاله من اللورين إلى باريس، من مجتمع صغير متزمت ضيق إلى مجتمع رحب، جعله يشعر بالحرية والانعتاق. ولذا، فإننا لا نجد في دراساته أي حنين للجماعة الصغيرة «المترابطة» (كما هو الحال في علم الاجتماع الألماني) وإنما الانتماء الكامل للمجتمع التعاقدي. ومن هنا حماسه الشديد، بل والمفرط، للبحث عن أساس أخلاقي للمجتمع الجديد الذي انتمى إليه ليحل محل القيم الدينية التي تركها، ومن هنا أيضاً إيمانه الديني بالمجتمع (المدني) وتأليهه المجتمع (ثم تأليهه الذات القومية بعد ذلك) . ويُلاحَظ أن الفرنسيين عادةً ما ينتمون إلى بقعة أو منطقة محلية معينة على عكس دوركهايم الذي كانت تُعبِّر كتاباته عن الانتماء إلى كل فرنسا دون تفرقة، وإلى المجتمع الفرنسي في أعلى درجات تجريده. وقد كان انتماؤه إلى هذا البلد انتماءً مباشراً دون وساطة أية تقاليد أو تاريخ خاص، ولذا كان دوركهايم إنساناً علمانياً تماماً، يقترب إلى حدٍّ كبير من الإنسان العام الذي كان فلاسفة الاستنارة يحلمون به.

стр. 3531

التحق دوركهايم بمدرسة المعلمين العليا. وكانت المدرسة مركزاً فكرياً مهماً في ذلك الوقت، إلا أن علم الاجتماع لم يكن قد احتل مكانته اللائقة بعد. وقد التقى هناك بزملاء كانوا فيما بعد رواد الفلسفة والعلم مثل الفيلسوف برجسون. ولم يكن دوركهايم طالباً متفوقاً وإن كان قد حظي ببعض كبار الأساتذة هناك من بينهم فوستيل دي كولانج وإميل بترو، كما تأثر بأعمال أوجست كونت وسان سيمون. وبعد تخرجه قرر أن يكرس نفسه للدراسة العلمية لعلم الاجتماع واشتغل بالتدريس في الجامعات الفرنسية كما اشتغل بتحرير حولية علم الاجتماع التي ظهر العدد الأول منها عام ١٨٩٨. إن الجذور الفكرية لدوركهايم هي جذور أي مفكر غربي حديث، فقد استوعب فكر ديكارت (وثنائيته الصلبة) وفكر حركة الاستنارة والعقلانية المادية (البحث الدائب عن أساس عقلي) وأعمال روسو (مفهوم الإرادة العامة والتفرقة بين الظاهرة الاجتماعية والظاهرة النفسية) ومونتسكيو (ترابط المجال الثقافي والاجتماعي) ، وأعمال كونت (تقسيم العمل كمصدر للتضامن وفكرة الإجماع) ، وفكر سان سيمون (علم الاجتماع كعلم مستقل) والفكر المعادي للاستنارة (أسبقية المجتمع على الفرد، والحاجة إلى السلطة والالتزام الخارجي) وآراء فوستيل دي كولانج (المنهج التاريخي ودور الدين) وأفكار إميل بترو (مستويات الواقع المختلفة) وتشارل رينوفييه (رفض الحتمية التاريخية ومركزية الاعتبارات الأخلاقية في البحث الفلسفي، والحاجة إلى علم أخلاق لإعادة بناء الجمهورية، ورؤية العنف باعتباره شراً) . كما تأثر دوركهايم بهربرت سبنسر (الرؤية التطورية) ووليام سميث (أهمية الطقوس في الدين) . أما في ألمانيا، فتأثر بكانط (فلسفة الأخلاق) وبزيميل وجومبلوفيتش وتونيز وبالفكر العضوي الألماني، وأخيراً بفيلهلم فوندت (فكرة روح الجماعة) وبمعمل علم النفس والأبحاث العلمية التي أجراها فوندت وشاهدها دوركهايم.

стр. 3532

أما خلفية دوركهايم الاجتماعية، فهي تحوُّل فرنسا إلى مجتمع صناعي وتصاعد وتيرة هذا التحول. وقد واكبت ذلك أحداث سياسية واجتماعية أخرى مثل هزيمة فرنسا أمام ألمانيا، الأمر الذي ولَّد الحاجة إلى إعادة بناء الجمهورية. وقد نشب صراع شرس بين الكنيسة والقطاعات العلمانية في فرنسا حول حادثة دريفوس، فتصاعدت المطالبة بفصل الدين عن الدولة. وشهدت هذه المرحلة تصاعد أهمية الفكر القومي العضوي حتى أصبح الإطار المرجعي لرؤية الإنسان الأوربي للكون. وثمة موضوعان أساسيان في علم الاجتماع عند دوركهايم، أولهما مشكلة النظام الاجتماعي في مجتمعات وصل فيها تقسيم العمل إلى درجات عالية من الشمول والتنوع، ويوجد فيها صراع بين الطبقات؛ مجتمع تصاعدت فيه معدلات التصنيع والتحديث والعلمنة، وغاب فيه اليقين الأخلاقي والتوقعات الاجتماعية المعتادة، وتُرك فيه الأفراد دون توجيه أخلاقي جماعي في محاولتهم الوصول إلى أهدافهم، وهذا هو ما أدَّى إلى تفكُّك المرجعية وغيابها وتزايد الأنانية والنفعية. وتمخض كل هذا عن حالة الأنومي أو اللا معيارية، فاللا معيارية ليست حالة عقلية فردية وإنما هي ظاهرة اجتماعية. والإنسان حسب تصور دوركهايم حيوان لا يشبع (على عكس الحيوانات الأخرى) ، وكلما ازداد ما يحصل عليه يزداد نهمه. ولذا، فلابد أن توضع رغباته الفردية داخل حدود خارجية جماعية. ولنا أن نلاحظ أن هذه الأفكار هي إعادة إنتاج للأفكار المسيحية، والكاثوليكية على وجه التحديد، الخاصة بالخطيئة الأولى للإنسان وبأنه لا خلاص للفرد خارج الكنيسة، فالخلاص لا يتم إلا بشكل مؤسسي.

стр. 3533

أما الموضوع الثاني، فهو طريقة حل هذه المشاكل. وكان دوركهايم يرى أن علم الاجتماع يمكنه أن يلعب دوراً حاسماً في البحث عن أساس جديد للتماسك الاجتماعي في المجتمع الحديث العلماني، ولذا فقد انصب اهتمامه على محاولة أن يجعل علم الاجتماع تخصصاً أكاديمياً مستقلاًّ وعلماً ذا أسس منهجية ومعرفية مستقلة. درس دوركهايم ظاهرة الانتحار في إطار علم الاجتماع، فبيَّن أن الانتحار ليس انحرافاً نفسياً فردياً كما كان متصوَّراً وإنما حقيقة اجتماعية، فحاول الربط بين معدلات الانتحار كما حدده والفروق في التضامن الاجتماعي بين الجماعات المختلفة، فوجد أنه كلما تآكلت الضوابط المجتمعية والروابط الأسرية ضعف التضامن وزادت عزلة الفرد الاجتماعية وتعرَّض النظام السياسي والاجتماعي للانهيار، الأمر الذي يؤدي إلى ظهور حالة اللا معيارية، وتزايد معدلات الانتحار. فالانتحار يرتبط ارتباطاً عكسياً بدرجة التكافل في المجتمع. وبيَّن دوركهايم أن معدل الانتحار في أوربا يزداد في الدول البروتستانتية عنه في الدول الكاثوليكية، وتقل نسبة الانتحار بين اليهود عنها بين الكاثوليك والبروتستانت، ويرجع هذا إلى ما يتمتع به البروتستانت من حرية البحث فضلاً عما يشيع بينهم من فردية نتيجة ضعف التضامن بين جماعاتهم. أما انخفاض معدلات الانتحار بين اليهود، فيرجع إلى شعورهم غير العادي بالتضامن الذي ولَّده بينهم ما تعرضوا له من مذلة وما تتميز به حياتهم من انعزالية. وما أنجزه دوركهايم في دراسته عن الانتحار هو توضيح الأبعاد الاجتماعية لظاهرة قد تبدو نفسية، وتأكيد إسهام علم الاجتماع في كشف أسباب اللا معيارية التي تؤدي إلى هذه الظاهرة، ومن ثم يصبح علم الاجتماع قادراً على اقتراح حلول لمشاكل المجتمع الحديث، وهذا هو جوهر مشروع دوركهايم المعرفي.

стр. 3534

وفي كتابه الأخير والمهم الأشكال الأساسية للحياة الدينية يطرح دوركهايم رؤيته للدين وللعلاقة بين الدين والمجتمع. وينتمي دوركهايم لخط طويل من المثقفين الفرنسيين المؤمنين بحتمية الدين كظاهرة. فالدين ليس سمة من سمات السلوك الفردي، ولا هو اختيار شخصي، وإنما بُعد أساسي في الحياة الجماعية لا يستقيم المجتمع بدونه. وقد واجه هؤلاء المثقفون الإشكالية التي يمكن أن نُطلق عليها «إشكالية موت الإله في المجتمعات العلمانية» ، وهي الإشكالية التي اكتشفها دوستويفسكي حين قال: إذا لم يكن الإله موجوداً، فكل شيء يصبح مباحاً. ويمكن أن نعيد صياغة هذه الفكرة على النحو التالي: إذا مات الإله اختفى المطلق المتجاوز للواقع المادي الذي تؤمن به الجماعة، أي اختفت المرجعية ومن ثم لم تَعُد هناك حدود للفرد، وأصبح كل فرد مرجعية ذاته وحاول تحقيق ذاته وصالحه كفرد. ومن ثم تظهر الإشكالية التالية: كيف يمكن التوفيق بين الصالح العام والاتجاهات الفردية في المجتمع؟ كيف نحمي المجتمع من السقوط في الإشكالية الهوبزية: حرب الجميع ضد الجميع؟ هذه هي الإشكالية الأساسية الكامنة في فلسفة المنفعة العلمانية التي تذهب إلى أن مصدر التماسك في المجتمع ومصدر حركته هو سعي كل فرد نحو مصلحته الشخصية لتحقيقها، وأن الفرد حين يحقق مصلحته الشخصية فهو يحقق الصالح العام بشكل تلقائي، وأن التناسق يتم من خلال الصراع بشكل آلي. إذ أن السؤال الذي يطرح نفسه: كيف يحدث هذا؟ لماذا لا يستمر الإنسان الفرد في تحقيق مصالحه حتى يدمر نسيج المجتمع ذاته؟ أفليست المصلحة الذاتية هي الحقيقة المطلقة (لوجوس) وتحقيقها هو الهدف (تيلوس) ، خصوصاً أن دوركهايم أكد أن الإنسان حيوان شره لا تتوقف رغباته عند أية حدود؟ الدين حتمي إذن، ولكن الميتافيزيقا غير مقبولة في عصر العقل المادي والعلم والاستنارة والتفسيرات المادية، فما المخرج إذن؟ لقد حاول هؤلاء المثقفون الفرنسيون أن يحلوا

стр. 3535

المشكلة بالتوصل إلى دين جديد إنساني مُخلَّق يتوصل إلىه العقل البشري ليحل محل الدين التقليدي الذي يفترض المؤمنون به أنه مُرسَل من السماء. وبدأت هذه المحاولة بعبادة العقل إبّان الثورة الفرنسية، وحاول سان سيمون طرح رؤيته للمسيحية الجديدة، وطرح أوجست كونت رؤيته لديانة الإنسانية، وهو تقليد ليس مقصوراً بأية حال على المثقفين الفرنسيين وإنما يمتد ليشمل كل المحاولات الرامية إلى تأسيس مجتمع علماني صرف يُغيِّب الإله أو يهمشه، فالفلسفة الماركسية تطرح ديانة الطبقة العاملة الجديدة، وتطرح الليبرالية ذاتها ديانة التقدم الدائم والانتصار المستمر للعقل (حتى أعلن فوكوياما نهاية التاريخ) . أما دوركهايم، فيحاول حل الإشكالية عن طريق تعريف الدين ليصل إلى ما يمكن تسميته «دين بدون إله» أو «لاهوت بدون إله» (وهو لاهوت موت الإله قبل أن تُطبَّق على الإنسان الغربي رؤيته التشاؤمية بشأن العدمية الكامنة في مثل هذه الرؤية) . وهو دين ينطلق من مجموعة من الافتراضات: ١ ـ الدين نسق موحَّد من المعتقدات والممارسات التي تتصل بشيء مقدَّس. والمقدَّس شيء ليس له وظيفة عملية، فهو يتسم بسمات تجعله مهماً في حد ذاته، مكتفياً بذاته، فالدين نسق يدور حول مطلق ما، بغض النظر عن طبيعة هذا المطلق. ٢ ـ الإيمان بالإله ليس سمة عامة في الأنساق الدينية جميعاً، فما يميز الأنساق الدينية هو فصلها بين المقدَّس والمدنَّس، أي أن المطلق قد لا يكون الإله، ومن ثم لا حاجة للميتافيزيقا بالضرورة (أو على الأقل لا حاجة للميتافيزيقا التي تستند إلى الغيب وعالم ما وراء الطبيعة (.

стр. 3536

٣ ـ فكرة الإله مجرد إعلاء لفكرة المجتمع، والدين هو المجتمع بعد أن أصبح موضع القداسة والتبجيل والتقديس. والأفكار والممارسات الدينية التقليدية إنما تشير أو ترمز إلى المجتمع، أي أن الدين إن هو إلا شيء اجتماعي غير نابع من طبيعة الفرد وإنما من طبيعة المجتمع، فالمجتمع هو المصدر أو المنبع الأصلي أو السبب النهائي للخبرة الدينية. ٤ ـ المجتمع، في واقع الأمر، هو المحرك الأول والأخير لكل الظواهر الإنسانية، فقد صرنا إلى ما نحن عليه بسبب المجتمع. ٥ ـ تتمثل وظيفة الدين الرئيسية في تحقيق التضامن الاجتماعي وتدعيمه والمحافظة عليه. ٦ ـ المجتمع يتحرك داخلياً ليسمو بنا، لا كما تفعل الشرارة الإلهية بطريقة غامضة (كما كان الظن في الماضي) وإنما بطريقة مادية يمكن رصدها ومعرفة قوانينها. ومن خلال هذا الرصد نكتشف أمرين: أ) المعتقدات والممارسات تتحد في مجتمع أخلاقي واحد يُسمَّى «الكنيسة» ويضم كل الذين يرتبطون به. ب) الشعائر (البرانية) أكثر أهمية من العقائد (الجوانية) في عملية تنظيم الأنساق الدينية واستمرارها. هذا هو موقف دوركهايم من الدين وتعريفه له. ومن الواضح أنه حرَّر المطلق من فكرة الإله، وربطها بشيء آخر مادي تاريخي متعيِّن قابل للرصد هو المجتمع. وبعد تحديد قوانين البنية كما يتخيلها، يرسم لنا دوركهايم ملامح تاريخ عام للبشرية يبين لنا فيه كيف حدث التفتت الاجتماعي وكيف ضاع التماسك (السقوط والخطيئة الأولى في إطار مادي اجتماعي) وكيف يمكن التغلب على التفتت (الخلاص من خلال الكنيسة الجديدة التي تحتكر شعائر الخلاص تماماً مثل الكنيسة الكاثوليكية (. وبيَّن دوركهايم أن تقسيم العمل هو الآلية الكبرى لكل من السقوط والخلاص، فهو الذي يسبب التحولات العميقة في المجتمع وهو المظهر الأساسي لهذه التحولات. وقد جرد دوركهايم العمل من كل علاقات القوة والهيمنة والسيطرة، ولذا فقد جعله المصدر الحقيقي للتضامن في المجتمع.

стр. 3537

ويذهب دوركهايم إلى أن الفرد، باعتباره كياناً مستقلاًّ حراً له ضميره الخاص، لم يكن له وجود في المجتمعات البدائية البسيطة. فالانحراف عن العقل (أو الضمير) الجمعي كان يُعاقَب عليه بشدة من خلال النفي والاستبعاد وأشكال العقاب المختلفة، ولذا يكون التضامن في هذه المجتمعات تضامناً آلياً (برانياً) يستمد قوته من الضمير الجمعي والقانون القهري (لا من قوة الضمير الشخصي) . ويَنتُج عن هذا الوضع التماثل أو التشابه بين الناس بصورة ملحوظة، وهو تماثل يُعبِّر عن وجود عواطف ومشاعر مشتركة، وعن مشاركة عامة في القيم والمعايير السائدة في المجتمع. وقد حدث تغيُّر في المجتمع البسيط الذي يستند إلى التضامن نتيجة تزايد عدد السكان والتموين والتصنيع، إذ أدَّى هذا إلى تراجع التضامن الآلي وتقويض الضمير الجمعي خلال تدهور العقيدة المشتركة وظهور الفردية. كما أدَّى اتساع نطاق تقسيم العمل (الذي يمتد ليشمل كل أشكال الحياة) إلى تزايد التباين بين الأفراد، وإلى اختفاء التشابه العقلي والنفسي والأخلاقي بينهم وذلك نتيجة زيادة الفردية، ويبدو ذلك واضحاً في تباين أذواق الأفراد ومعتقداتهم وآرائهم وأخلاقياتهم. ومن ثم يقل الدور الذي كانت تلعبه الوراثة في الحصول على المكانة الاجتماعية، وهكذا ينعدم التجانس في هذا المجتمع وتختفي القيم الدينية والأخلاقية المشتركة والممارسات القمعية التي تستند إلى الضمير الجمعي وهو ما يؤدي إلى ظهور حالة الأنومي (اللا معيارية) وانعدام التماسك (لحظة السقوط وغياب المطلق (.

стр. 3538

والآن كيف يمكن استعادة التماسك والمركز والمطلق؟ يذهب دوركهايم إلى أن الكنيسة الجديدة (التي سيُزوِّد المجتمع بإطاره العقائدي والتي ستكون الآلية التي يحقق الإنسان من خلالها الخلاص) هي علم الاجتماع، فهو العلم الذي يُبيِّن كيف يتمكن الجزء (الفردي) من أن يتواصل مع الكل (الاجتماعي) ، وكيف يمكن أن يحقق النسق تماسكه، وهو العلم الذي سيزوِّد الإنسان بالمعرفة العلمية اللازمة التي يمكن أن يستند إليها التشريع الاجتماعي. فكأن دوركهايم لم يفصل الأخلاق عن العلم وإنما كان يحاول إقامة علم أخلاق مختلف تماماً عن الفلسفة الأخلاقية. وعلم الاجتماع قادر على رصد المطلق وتعريفه وهو مطلق لا يتجاوز الزمان والمكان ولكنه مرتبط بهما، ولذا فإن القواعد الأخلاقية التي يطرحها هذا العلم ترتبط ارتباطاً وثيقاً بظروف الحياة الاجتماعية والتي تعتبر نسبية من حيث الزمان والمكان. وعلم الاجتماع سيكتشف القيم النسبية المناسبة للزمان والمكان، ولذا فهي قيم مطلقة مؤقتة تنبع مطلقيتها من موافقتها لملابسات اللحظة التاريخية والظروف المكانية (ومن ثم، فإن دوركهايم هو من أوائل المبشرين بلاهوت ما بعد الحداثة) . إنها الأخلاقيات اللازمة لاستمرار المجتمع. وعلى الفرد أن يتبع هذه القوانين وأن يستبطنها تماماً باعتبارها القيمة المطلقة وعليه أن ينفذ الشعائر. وبذا، تحوَّل علم الاجتماع من علم يرصد الآليات بحياد علمي رهيب إلى علم معياري يقنن ويطرح الرؤى الأخلاقية التي تستند إلى قوانين علمية. وهو علم يرصد دائماً النظام والتماسك في المجتمع. وكل هذه الأبعاد تؤدي إلى شمولية كاملة حيث يجتمع التكنوقراط ليقرروا للبشر ما هو المطلق، ثم يطلبون منهم اتباعه باعتبار أن ما قرروه تم تقريره على أساس علمي.

стр. 3539

وبهذا المعنى، فإن علم الاجتماع لم يَعُد مجرد علم وإنما أصبح نوعاً من أنواع الوعي (العلمي العلماني) المناسب للمجتمع الحديث (العلماني) وللحضارة الحديثة التي تعيش في ظلال العقلانية (المادية) الديكارتية. ومن ثم، فإن دوركهايم استمرار للتقاليد الفلسفية الوضعية التي تضرب بجذورها في فلسفة سان سيمون وأوجست كونت، وهي فلسفة تصدر عن الواحدية (المادية) الكونية التي لا تفصل بين عالم الطبيعة وعالم الإنسان وترى أن ثمة وحدة بينهما، فالثاني جزء لا يتجزأ من الأول. وهي رؤية عضوية للمجتمع، فهي تُشبِّه المجتمع بجسد الإنسان، وتدركه داخل إطار تطوُّري. فإذا مرض جسم الإنسان، فلابد أن يُزوَّد بالعلاج اللازم. وكذلك المجتمع، فإن أصيب بالمرض فلابد أن يُزوَّد بالدواء. وقد عرَّف دوركهايم علم الاجتماع بأنه علم طبيعي وموضوعي وشامل للظواهر الاجتماعية التي ترتبط فيما بينها بعلاقات عامة وضرورية مشتقة من طبيعتها الخاصة، أي أنها بعبارة أخرى خاضعة لنفس مبدأ الحتمية الذي تنهض عليه العلوم كافة (طبيعية كانت أم إنسانية) ، ومن ثم فإن بوسعنا أن نكشف عن القوانين المعبِّرة عن هذه الروابط الضرورية بين الظواهر مستخدمين في ذلك مناهج الملاحظة الدقيقة والبرهان المنطقي والتعميم النظري، وهي نفسها المناهج التي تستخدمها العلوم الطبيعية. وهذا العلم سيساعد على اكتشاف أن المجتمع مكوَّن من أفراد، إلا أن الحقائق الاجتماعية تشكل واقعاً قائماً بذاته، ولذا فإن للمجتمع وجوداً موضوعياً خارجياً يعلو على الأفراد له قوانين مستقلة عنهم وعن وعيهم، وهو وجود يشكل سلوكهم وإدراكهم ويحدد الإطار الاجتماعي. والفرد هو الجزء والإطار الاجتماعي هو الكل، والفرد السوي هو الذي ينجح في تحقيق الاندماج في الكل الاجتماعي. فالمجتمع، إذن، واقع لم تخلقه إرادات فردية. ولكنه، مع هذا، ليس منفصلاً تماماً عن الإنسان، فهو «التمثيل الجماعي للمجتمع» ، ولذا فهو موجود داخلياً

стр. 3540

وخارجياً (ويمكن تشبيهه بالوثبة الحيوية عند برجسون التي لها وجود موضوعي وذاتي في آن واحد) . وانطلاقاً من هذا، يكتشف دوركهايم فكرة الضمير الجمعي، فالمجتمع ـ كما أسلفنا ـ يوجد داخل الأفراد وخارجهم، ولذا فهو الشيء الوحيد الذي يمكن أن يبعث الرهبة والورع في نفوسهم، ويرغمهم على الخضوع لقواعد السلوك ولتقديم التضحية التي لا يمكن أن يستمر المجتمع بدونها. ولكن المجتمع ليس متعيناً بما فيه الكفاية ليصبح موضع التقديس والتبجيل، ولذا فإن شعور الفرد تجاه المجتمع يتم من خلال وساطة الضمير الجمعي الذي يتألف من التصورات والمعتقدات والرموز المقدَّسة والعواطف الشائعة والعامة بين الأفراد (الذين يشكلون غالبية أعضاء المجتمع) التي تكوِّن نسقاً خاصاً يوجد داخل الأفراد ولكنه مستقل عنهم وله قوة ذاتية مستقلة، ولهذا فإنه يمارس ضغطاً على الأفراد بحيث يُوجد بينهم تماثلاً عقلياً وعاطفياً ويخلق لديهم وعياً بواقعهم، فيدعم الكيان الجمعي لنفوس أولئك الأفراد. والضمير العام له وجوده الخاص المتميِّز، وهو كيان لاتاريخي إلى حدٍّ ما يدوم عبر الزمن ويعمل على توحيد الأجيال. والضمير الجمعي، في واقع الأمر، هو المجتمع وقد تحوَّل إلى صورة مجازية أساسية وقيمة حاكمة بإمكان الأفراد استبطانها. وإذا كان المجتمع هو ما يقابل الأب في الثالوث المسيحي، فإن الضمير الجمعي هو الابن المتجسد في التاريخ والذي يستطيع البشر التواصل معه لأنه الإنسان الإله. أما روح القُدُس التي تسري في كل شيء، فهي القوانين الاجتماعية التي يكتشفها كهنة الكنيسة الجديدة الذين قد لا يتحلون بالعصمة النهائية (كبابا روما) ولكنهم يتحلون بقدر من العصمة المؤقتة (التي تجعل منهم باباوات عصرهم) . وهم الذين يقيمون شعائر الدين العلمي الجديد الذي سيحقق الخلاص للإنسان الحديث.
следующие страницы →