Полный текст (8 511 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.
стр. 3466
من أهم كتبه الأبنية الأولية لعلاقات القرابة (١٩٤٩) الذي بلور فيه نظريته الخاصة بأن التبادل التعاقدي هو العامل الاجتماعي الأساسي. وفي كتاب الأنثروبولوجيا البنيوية (١٩٥٨) ، بلور ليفي شتراوس نظريته الأنثروبولوجية متخذاً اللغويات نموذجاً يُحتذَى. ثم صدرت له مجموعة من الدراسات بعنوان الأساطير أو مقدمة لعلم الميثولوجيا (١٩٦٤ ـ ١٩٧١) في أربعة أجزاء: النيء والمطبوخ، ومن العسل إلى الرماد، وأصل آداب المائدة والإنسان العاري.
ولفهم فكر ليفي شتراوس (وظهور ما بعد الحداثة) ، لابد من فهم الفكر البنيوي (في سياقه الغربي) باعتباره تجلياً لإشكاليات العلمانية الشاملة والتأرجح بين التمركز حول الذات والتمركز حول الموضوع.
و «البنيوية» هي المقابل العربي للكلمة الإنجليزية «ستركتشراليزم Structuralism» . وهي فلسفة لا عقلانية مادية تشكل ثورة ضد الوضعية وضد تشيؤ الواقع واللغة (والتمركز حول الموضوع) وتحاول في الوقت نفسه ألا تسقط في الذاتية (والتمركز حول الذات) . وهي تدَّعي أنها تتجاوز الميتافيزيقا، ولذا فهي ترفض الوجودية والفكر الإنساني الهيوماني بشكل عام.
стр. 3467
ورغم أن الفلسفة البنيوية ترفض الفلسفة الهيومانية، إلا أنها فلسفة متمركزة حول الإنسان. وبالفعل، تظهر الطبيعة البشرية أحياناً في الفكر البنيوي كمعيار (بل كمطلق ومرجعية نهائية) حينما يتحدث ليفي شتراوس عن رغبة البشر في التواصل باعتبار أن هذه الرغبة إحدى سمات الإنسان الأساسية، وهي رغبة تعزله عن عالم الطبيعة/ المادة وتخلق مسافة بينهما. وتتبدَّى الرغبة في التواصل في واقع أن الإنسان ينتج أنظمة إشارية. والإنسان البدائي، رغم بدائيته وبساطته، لا يبحث مثل الحيوان عن طعامه وحسب (كما يتصور النفعيون) ولا يبحث عن لغة طبيعية نفعية مباشرة (كما يتصور الوضعيون) ، وإنما يبحث دائماً عن رموز وإشارات للتواصل ولتفسير العالم. فهو حينما يجد شيئاً لا يسأل «هل هذا الشيء صالح للأكل (بالفرنسية: بون آمانجرييه bon a manger) » كما يتصور دعاة النفعية المادية، وإنما يسأل «هل هو صالح للتفكير من خلاله (بالفرنسية: بون آبانسيه bon a penser) » أو «صالح لاستخدامه رمزاً (بالفرنسية: بون آسيمبوليزيه bon a symboliser) » . وهذا الإنسان البدائي الذي يرغب في التواصل يبحث عن الحقيقة ويصل إليها من خلال منطقه الخاص. ولأن الأساطير ليست مجرد قصص خيالية وإنما لها منطقها الخاص (بالفرنسية: مثيو لوجيك mythologique) الذي يختلف عن منطقنا الخاص (بالفرنسية: لوجيك logique) ، فإن الإنسان البدائي قد لا يعرف علمنا المجرد ولكنه يملك علمه الخاص الذي يدركه بمنطقه الخاص ومن خلال نظامه الإشاري المتعيِّن ومقولاته المتعيِّنة، ولذا سمى ليفي شتراوس هذا العلم «علم المتعيِّن» (بالإنجليزية: ساينس أوف ذي كونكريت science of the concrete) . بل إن النزعة الإنسانية تظهر عند ليفي شتراوس بشكل متطرف في قوله إن للعقل الإنساني وظيفة رمزية وإنه يتسم بالقدرة على توليد دوال أكثر من عالم المدلولات، إذ أن الإنسان يجد أن العالم ليس مفعماً بما فيه الكفاية بالمعنى، وأن
стр. 3468
العقل يحوي من المعاني ما يفوق ما يوجد في الواقع من أشياء. وهذه هي طريقة ليفي شتراوس في الحديث عن أسبقية الإنسان على الطبيعة. ويذهب ليفي شتراوس إلى أن مشكلة الإنسان الحديث هي أنه قد قمع هذا الاتجاه في العقل الإنساني نحو توليد الرموز والإشارات.
هل هذا يعني أن الإنسان هو المرجعية النهائية في الكون وأن العقل يُولِّد معياريته النهائية من داخل ذاته؟ هنا سنكتشف نمط التمركز حول الذات الذي يؤدي إلى التمركز حول الموضوع، وسنجد أنه قد بدأ يؤكد نفسه بشكل حاد. ولكن التمركز حول الموضوع سيأخذ في حالة البنيوية شكل التمركز حول البنية.
وكلمة «بنية» لها معنى محدَّد في الفلسفة البنيوية. فهي تُستخدَم في علم اللغة البنيوي للإشارة إلى المنهج الذي يدرس السمات اللغوية المختلفة لا كتفاصيل في حد ذاتها وإنما كجزء من بنية عامة لا يمكن أن تُردَ إلى ما دونها. وقد استُخدمت الكلمة بعض الوقت في علم اللغة للإشارة إلى منهج العالم اللغوي بلومفيلد حيث كان يقوم بتقسيم السمات المباشرة للكلام وتصنيف هذه السمات، وهذا ما سماه تشومسكي «البنية السطحية» . ومقابل ذلك، طرح تشومسكي مفهوم «البنية العميقة» أو «البنية الكامنة» . ولذا سَمَّى تشومسكي اتجاهه في علم اللغة «النحو التوليدي» . ولكن يمكن القول بأن كلمة «توليدي» كما يستخدمها تشومسكي ترادف تقريباً كلمة «بنيوي» كما يستخدمها ليفي شتراوس (في علم الأنثروبولوجيا) أو جان بياجيه (في علم النفس) .
стр. 3469
وواضع أساس علم اللغة البنيوي (ورائد الثورة البنيوية) هو عالم اللغة السويسري فرديناند دي سوسير (١٨٥٧ ـ ١٩١٣) الذي ذهب إلى أن علاقة الدال بالمدلول (الاسم والمسمى ـ الكلمة ومعناها ـ الإشارة والمشار إليه) لا تستند إلى أية صفات موضوعية لصيقة بالدال أو كامنة فيه، ومن ثم فالعلاقة بين الدال والمدلول ليست ضرورية أو جوهرية أو ثابتة بل اعتباطية. ويرى دي سوسير أن النظام اللغوي نسق إشاري مبني على علاقة الاختلاف بين الثنائيات المتعارضة، فمعنى كل إشارة ينبع من اختلافها مع إشارة أخرى. والنظام اللغوي ككل يعمل من خلال سلسلة الاختلافات والثنائيات المتعارضة هذه، فالمعنى ـ كما أسلفنا ـ ليس كامناً في الإشارة ذاتها ولا حتى يضاف إليها وإنما هو أمر وظيفي يتحدد داخل شبكة العلاقات داخل النص نفسه، أي أن المعنى يُولَد من داخل اللغة نفسها وليس من الواقع.
وقد بيَّن ليفي شتراوس أن الأساطير، مثل اللغة، نظام يتسم باعتباطية وعشوائية علاقة الدال بالمدلول، فالأسطورة (أو الكلمة) ليس لها معنى في حد ذاتها، فعلاقتها بالواقع (معناها) مسألة عرضية ليست كامنة في الأسطورة أو الكلمة ذاتها أو في الواقع ذاته وإنما هي مسألة عُرفية (اتفاقية) . كما أن الكلمة والأسطورة لا يمكن أن يظهر لهما معنى إلا إذا أصبحا جزءاً من شبكة أكبر منهما. هذه الشبكة تتسم بما يُسمَّى «التعارضات الثنائية» (بالإنجليزية: بايناري أوبسيشنز binary oppositions) . فما يحدد المبتدأ والخبر ليس خاصية مادية في أي منهما وإنما علاقة تعارض بينهما. واللغة والأساطير ليس لهما وجود موضوعي بل ليس لهما مضمون محدَّد، ولكن لكلٍّ منهما منطقه الشكلي المجرد العام.
وانطلاقاً من هذا، يمكن أن نُعرِّف البنية بأنها ليست صورة الشيء أو هيكله أو عناصره أو أجزاءه أو وحدته المادية أو شيئيته الموضوعية ولا حتى التعميم الكلي الذي يربط أجزاءه. وحدَّد بياجيه خصائص البنية بأنها ثلاث:
стр. 3470
١ ـ الكلية، وتعني أن البنية ليست موجودة في الأجزاء.
٢ ـ التحولات، وهي التي تمنح البنية حركة داخلية وتقوم في الوقت نفسه بحفظها وإثرائها دون أن تضطرها إلى الخروج عن حدودها أو الانتماء إلى العناصر الخارجية.
٣ ـ التنظيم الذاتي، ويعني أن البنية كيان عضوي متسق مع نفسه منغلق عليها مكتف بها، فهي كل متماسك له قوانينه وحركته وطريقة نموه وتغيره ومن ثم فهي لا تحتاج إلى تماسكه الكامن.
ويرى بياجيه أن المثل الأعلى للبنيوية هو السعي إلى تحقيق معقولية كامنة عن طريق تكوين بناءات مكتفية بذاتها، لا نحتاج من أجل بلوغها إلى الرجوع إلى أية عناصر خارجية.
والبنية ليست ذاتية ولا موضوعية، ولا هي مادية أو مثالية، وهي ليست كامنة في العقل وليست انعكاساً لشيء في الواقع على عقل الإنسان، وليس لها وجود متعال، وليس لها وجود ذاتي أو تجريبي أو موضوعي أو وضعي. فالبنية، في واقع الأمر، شبكة العلاقات التي يعقلها الإنسان ويجردها ويرى أنها هي التي تربط بين عناصر الكل الواقعي أو تجمع أجزاءه، وهي القانون الذي يتصور الإنسان أنه يضبط العلاقات بين العناصر المختلفة. وهذا القانون هو الذي يمنح الظاهرة هويتها ويضفي عليها خصوصيتها. ويتم التعرف على البنية من خلال علاقة التعارض والتشابه بين العناصر المختلفة (ويُطلَق عليها «قوانين التركيب» ) . ولا يهم أصول البنية التاريخية ولا عوامل تكوينها ولا مضمونها ولا فاعليتها الوظيفية، فهذه عناصر يجب تعليقها (وضعها بين قوسين) للتوصل إلى البنية المجردة.
стр. 3471
ولكن ما علاقة البنية بالإنسان الفرد؟ تبدأ المنظومة البنيوية في الانتقال التدريجي من تأكيد أسبقية الإنسان على الطبيعة (أو الكل) إلى إعلان المساواة والتسوية بينهما. ولإنجاز ذلك، يلجأ البنيويون إلى الحل الحلولي الكموني التقليدي، وهو الزعم بأن ثمة تماثلاً (بالإنجليزية: هومولوجي homology) بين العقل والواقع، وأن البنية بهذا المعنى متطابقة مع كل من العقل والواقع. والبنية التي تُماثل الواقع كامنة في العقل الإنساني، لا بمعنى عقل الأفراد وإنما العقل الجمعي للإنسانية بأسرها منذ بداية التاريخ حتى الآن، لا فرق في هذا بين العقل البدائي والعقل المتحضر. وهي بنية ثابتة لا تتغيَّر بتغير الزمان أو المكان ولا تتأثر بتغير الأفراد أو المجتمعات أو التحولات التاريخية، وهي لا تعكس الواقع المادي أو مشاعر الفرد أو التاريخ الإنساني وإنما تُعيد إنتاجها كلها حسب أشكالها الثابتة الكامنة.
لكن، كما هو الحال دائماً مع النظم الحلولية، يتساقط هذا التماثل بين الإنساني وغير الإنساني. ويتحرك غير الإنساني إلى المركز ليؤكد أن له الأولوية والأسبقية (في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير) ومن ثم يتحرك الإنساني إلى الهامش ويذوي ويختفي ويذوب في الكل اللاإنساني. وبالفعل، نكتشف أن البنية التي قيل إنها كامنة في عقل الإنسان أمر لا شعوري يقع خارج إرادة الإنسان. فالإنسان داخل المنظومة البنيوية ليست له إرادة مستقلة أو وعي مستقل، هو مجرد مفردة تتشكل منها جُمل لغوية ومنظومات أسطورية. والذات الإنسانية الواعية إن هي إلا جزء من بناء ضخم شامخ يتحرك حسب هواه أو قوانينه، وما الذات سوى حامل ترتكز عليه البنية.
стр. 3472
إن المعنى لا يبدأ وينتهي من تجربة الإنسان الفرد الحر الذي يفرض المعنى على الكون أو يجده كامناً فيه. فالمعنى، إن وُجد، هو شيء يحدث للإنسان وللكون. فما يُنتج المعنى في واقع الأمر هو البنية (النظام الدلالي والعلاقات الإنسانية في حالة اللغة، والمنظومة الأسطورية في حالة الأسطورة) . وما حديث الأفراد أو قصصهم أو رؤاهم إلا تجلٍّ لهذا النظام وتلك المنظومة. فاللغة والأسطورة ليس لهما بداية في أي وعي خاص، فهما يسبقان وجود العقل البشري، ولذا فهو يُدرك الواقع من خلال اللغة والأسطورة ويقوم بتصنيف الواقع من خلالهما (دون وعي منه) . فالإنسان (بمعنى الذات المتفردة) لا يفكر من خلال الأساطير وإنما الأساطير (كبنية مستقلة) هي التي تفكر من خلاله، وهو لا يتحدث من خلال اللغة وإنما تتحدث اللغة من خلاله، وهي تحرك الإنسان أينما كان وتتبدَّى في كل رسائله (رغم أنفه) وفي أي موضوع ينتجه.
وذكر ليفي شتراوس أكثر من مرة أن العقل البشري ما هو إلا تعبير عن منطق صارم وحتمي وأن فكرة الإبداع إن هي إلا وهم. كل هذا يعني، في واقع الأمر، أن الذات لم تَعُد ذاتية وأن الواقع لم يَعُد موضوعياً، وأن التفسير ليس ثمرة تفاعل الذات والموضوع، فثمة أسبقية للأداة (اللغة ـ الأسطورة) على الغاية (التواصل الإنساني ـ التفسير) . وثمة أسبقية مطلقة للبنية وللعلاقات البنيوية على الوعي الإنساني والذوات الفردية، تماماً كما تفترض المادية القديمة أسبقية المادة على الوعي الإنساني. ولكن المادية الجديدة تضيف أن هذا المطلق الجديد له أسبقية على الواقع الموضوعي ذاته.
стр. 3473
لكل هذا، يركز البحث البنيوي لا على السمات الخاصة المتعينة للظاهرة الإنسانية أو الأهداف والدوافع الإنسانية، ولا حتى على العلاقات المادية التي تحقق الترابط بين عناصر البنية، وإنما يركز على النسق العقلي الذي يزودنا بتفسير البنية وتحولاتها. ولكن هذا النسق العقلي هو في واقع الأمر نتاج بنية أولية قَبْلية تتجاوزه وتتجاوز كل التفاصيل الإنسانية والمادية. ولذا، فإن علم الأنثروبولوجيا بالنسبة لكلود ليفي شتراوس هو علم العلاقات المنطقية بين الظواهر الاجتماعية أو هو علم دراسة البنية الكامنة والعلاقات البنيوية المختلفة. ومهمة عالم الأنثروبولوجيا هي تحويل الكامن إلى ظاهر والأسرار إلى قواعد منطقية عامة ثابتة، وبذلك تتضح العلاقات البنيوية الكامنة في مختلف الأنساق الاجتماعية.
في هذا الإطار، يحاول ليفي شتراوس أن يثبت أن كل أساطير العالم (وأساطير الأمريكتين بصفة خاصة) إن هي إلا تعبير عن حكمة خفية وما هي إلا أسطورة واحدة في النهاية (على حد تعبيره) . وحاول ليفي شتراوس إنجاز ذلك من خلال نسق تحليلي منطقي صارم يتم فيه تحويل رموز الأساطير واستبدال بعضها بالبعض الآخر من خلال مجموعة معادلات رمزية وجبرية. والأساطير في تصوره تتبع قانوناً عاماً ولذا فهي تقبل التحول إلى معادلات جبرية لأنها بنى اختزالية بسيطة، ولكن الأساطير هي أيضاً المنطق الخفي في كل الحضارات. فهي بمنزلة اللوجوس الذي يمنح المجتمع تماسكه ومعقوليته، ولكنه لوجوس علماني ليس له غرض نهائي، فهو لوجوس بلا تيلوس، مطلق بلا غاية، وميتافيزيقا بلا مسئولية أخلاقية (مثل روايات الخيال العلمي) .
стр. 3474
ويمكن القول بأن البنية تشبه من بعض النواحي المُثُل الأفلاطونية المستقلة عن الظواهر التي تتبدَّى من خلالها وعن الأفراد الذين يعبِّرون عنها، وإن كانت المُثُل الأفلاطونية، رغم استقلالها عن الإنسان وتجاوزها له، تترك له مجالاً كبيراً لحرية الاختيار وفعل الخير والشر، ولذا فهي في واقع الأمر تشبه فكرة العقل الأول في الأفلاطونية المحدثة الذي تصدر عنه كل العقول الأخرى داخل سلسلة صارمة لا تسمح بحرية الاختيار، وتشبه نَفَس العالم (أنيموس موندي) عند الرواقيين، كما تشبه الروح المطلقة (جايست) عند هيجل. وهي لا تختلف كثيراً عن وثبة الحياة (بالفرنسية: إيلان فيتال elan vital) عند برجسون، أو الايدوس عند هوسرل، أو عالم الحياة عند هوسرل وهايدجر وهابرماس (بالألمانية: ليبنزفلت Lebenswelt) ، وقوة الحياة عند كثير من الفلاسفة الحيويين (بالإنجليزية: لايف فورس life force) ، وهي قوة تتجاوز الذات والموضوع وإن كانا يحققان اتحادهما من خلالها، وهي مقولة غيبية ميتافيزيقية رغم كل ادعاءاتها المادية ترتدي مسوح العقلانية والموضوعية. ولكنها، في واقع الأمر، ليست بعقلانية ولا موضوعية، فهي غير قابلة للقياس أو الرصد أو الفحص أو الملاحظة، ولا يمكن إدراكها بالحواس الخمس. وهذه المقولة هي إفراز الرؤية العضوية الداروينية والنيتشوية للواقع، وهي المعادل الموضوعي (في عصر المادية الجديدة) لفكرة قوانين الحركة المادية (في عصر المادية القديمة) .
стр. 3475
ويُفرِّق البنيويون بين التعاقب (بالإنجليزية: دياكرونيك diachronic) والتزامن (بالإنجليزية: سينكرونيك synchronic) ويرون أن البنية خالية من الزمان (ومن هنا معارضتهم النزعة التاريخية والتاريخانية) . بل يمكن القول بأن البنية المُثلى هي البنية المجردة تماماً من الزمان، أي البنية الرياضية (فصدق المعادلات الرياضية لا ينبع من أنها متسقة مع واقع خارج عنها وإنما من اتساقها مع نفسها) . ويتضح الانتقال من الإنساني إلى اللاإنساني في التحليل البنيوي، فرغم أنه يهدف إلى اكتشاف بنية العقل الإنساني عن طريق تحليل نواتج هذا العقل من أساطير ونظم اجتماعية ولغة وطقوس، إلا أنه لا ينتهي في عالم الإنسان وإنما ينتهي في عالم الأرقام والأشكال الهندسية ومعادلات السالب والموجب. فالتحليل البنيوي يأخذ شكل تصاعُد عمليات التجريد، وتعليق متصاعد للمضامين الفردية والإنسانية، واختزال التفاصيل المتعينة وتصفية الثنائيات، بهدف التبسيط من أجل الوصول إلى مقولة أساسية وبناء أساسي كامن وراء كل الأنساق. ويمكن تصوير البنية باعتبارها ذات طابع هرمي، ويسود القانون نفسه الذي يضبط العلاقة بين العناصر على كل المستويات من قاعدة الهرم إلى أن نصل إلى قمته حيث نجد أن المبدأ البنيوي هو أعلى درجات التجريد؛ مبدأ لا يعرف المكان ولا الزمان، ولا الضحك ولا البكاء، ولا الإنسان ولا التاريخ.
وإذا طبقنا هذا على المفردات المختلفة للحضارة الواحدة (من طعام وطقوس وعادات) فإننا سنكتشف من خلال عملية تجريد متصاعدة أن ثمة لغة كلية واحدة تضمها جميعاً، ويمكننا فهم بنية هذه الحضارة من خلال فك شفرة هذه اللغة. ولكن ثمة تصاعداً لمعدلات التجريد وتعليقاً متزايداً للمضامين الفردية المتعيِّنة للحضارات المختلفة يكشفان لنا أن ثمة لغة كلية شاملة تضم كل لغات الحضارات المختلفة وأن ثمة تماثلاً بنيوياً بين لغات الحضارات المختلفة وأنها في واقع الأمر لغة واحدة.
стр. 3476
وتستمر معدلات التجريد بلا هوادة وبكل صرامة إلى أن نصل إلى الثنائيات البسيطة المتعارضة (التي تُختَزل هي نفسها أحياناً) لنصل إلى بنية البنى وأسطورة الأساطير ونموذج النماذج، أي عالم الواحدية. وعلى حد قول ليفي شتراوس، فإنه «إن كان ثمة قانون في أي مكان، فإن القانون موجود في كل مكان» ، وكذلك فهو موجود في كل شيء ويتجاوز كل شيء (الإنسان والطبيعة) ، ويتحقق في كل المجتمعات بشكل جزئي رغم وجوده الكلي. وهو قانون يمكن ترجمته رياضياً ويشبه المعادلات الرياضية في تجريديته واختزاليته.
وعبَّر ليفي شتراوس عن رغبته في أن يتوصل إلى جدول يشبه جدول مندليف لتصنيف المواد، وهو الجدول الذي تم عن طريقه التنبؤ بوجود مواد في الطبيعة لم تكن معروفة للعلماء، ثم تم اكتشافها فيما بعد. كما يحاول كثير من البنيويين أن يصلوا إلى نوع من الجدول الرياضي أو المصفوفة الجبرية التي تغطي كل التحولات والتجمعات: الفعلية والممكنة في الماضي والحاضر والمستقبل.
ويمكننا أن نرى هنا كيف أن التحليل البنيوي، رغم كل هذا الحديث عن العقل الإنساني، يعيش في ظلال العلوم الطبيعية والرياضية، ومن هنا الرغبة العارمة في تصفية الخصوصية والفردية، ومن هنا العداء للنزعة التاريخية والنزعة الإنسانية وكل ما يمت بصلة لعالم الإنسان الفرد، ومن هنا الرغبة في الوصول إلى درجة عالية من اليقينية لا يمكنها أن تتحقق إلا في المنظومات الرياضية والقوانين العلمية.
ويثير دعاة الاتجاه الإنساني الهيوماني التاريخي الاعتراضات التالية على البنيوية:
стр. 3477
١ ـ التحليل البنيوي يتجاهل كلاًّ من الواقع المادي والإنسان الفرد ويعلقهما (كما يفعل الفينومينولوجيون مع الواقع) ويَردُّ كل شيء إلى مبدأ واحد لا هو موضوعي ولا هو ذاتي، لا هو مادي ولا هو عقلي، فالبنيوية من ثم شكل من أشكال التفكيك والتقويض الجذري الذي يهدف إلى إلغاء الذات الفردية (أو على الأقل إزاحتها عن مركز الكون) وفي تعليق الموضوع المباشر (المضمون الحقيقي) . وبالفعل، نجد أن فوكو (البنيوي التفكيكي) يتنبأ باختفاء ظاهرة الإنسان كليةً، لأنها ظاهرة غير ذات بال، بل إنها نوع من أنواع التصدع في النسق الكوني الطبيعي. وهو أيضاً يُهاجم سارتر لأنه يُدافع عن الواقع الإنساني التاريخي. ويتحدث ألتوسير عن تاريخ يتحرك دون ذات تاريخية فاعلة، تاريخ كله مبني للمجهول إن أردنا استخدام مُصطلَح بنيوي.
٢ ـ تدور البنيوية في إطار نموذج واحدي تطبقه تطبيقاً شاملاً على كل شيء، ولذا فهي مذهب أحادي تبسيطي (بل وإرهابي على حد قول أحد النقاد الإنسانيين الهيومانيين) .
٣ ـ النموذج البنيوي مستمد من أصل علمي (لغوي ـ رياضي) ويميل نحو التجريد المخل الذي يُسقط التجربة الإنسانية المتعيِّنة كما يهتم بشكل متطرف بقواعد البنية دون مضمونها. ومن هنا، فإن البنيوية تصلح لمجتمع تسوده وتحكمه التكنوقراطية، ولا يهتم بالرؤية الكلية، مجتمع سيطر عليه تماماً العقل الأداتي والترشيد الإجرائي والالتزام بالقواعد دون الهدف والغاية. والبنيوية لا تهتم بالتغيير الذي يتطلب إدراك مثل هذه الرؤية الكلية (ويرى ليفي شتراوس أن سارتر وأمثاله من فلاسفة التجربة المعاشة يُصعِّدون مشاغلهم الشخصية إلى مرتبة المشكلات الفلسفية القائمة، أي أنهم يعودون إلى مرحلة ما قبل العلمية ويتناسون العلم بتجريداته ونماذجه الشكلية) .
стр. 3478
٤ ـ البنيوية (خاصةً عند ليفي شتراوس) فلسفة معادية للتاريخ تَغرق في تجريدات شكلية تنصب على حضارات بدائية يصفها ليفي شتراوس بوصفها «خارج التاريخ» (كما يشير ليفي شتراوس إلى المجتمعات الميدانية بأنها مجتمعات باردة مقابل المجتمعات التاريخية المعاصرة الساخنة) . ولذا، فإن البنيوية لا تفهم الانتقال التاريخي ولا حركة التاريخ، فهي تتعامل مع التاريخ المُجمَد (ويرد ليفي شتراوس على هذا بأن الوجودية لا تفهم التاريخ بتركيزها على المستقبل، كما أنها أيديولوجيا متمركزة حول الذات وحول الحاضر، ولذا فإن التاريخ بالنسبة لها ليس الماضي بكل تركيبيته وإنما هو ما يؤدي إلى الحاضر، ولذا فهي لا تفهم الماضي وتغض نظرها عن أشكال أساسية في التجربة الإنسانية مثل الطقوس والأساطير (.
ويثير أنصار ما بعد الحداثة بعض التحفظات بشأن البنيوية ومفهوم البنية. ولابد أن نتوقف هنا لنشير إلى ظاهرة ذات دلالة عميقة من وجهة نظرنا، وهي أنه، بينما يتهم الوجوديون البنيوية بأنها معادية للإنسان، يتهمها أنصار ما بعد الحداثة بأنها مثل الوجودية متمركزة حول الإنسان. ونحن نذهب إلى أن التناقض الظاهري يدل على تصاعد معدلات العداء للإنسان والحلولية الكمونية في الفلسفة الغربية، فما كان معادياً للإنسان، متطرفاً في عدائه، في الخمسينيات والستينيات، أصبح هو ذاته متمركزاً حول الإنسان، متطرفاً في تمركزه في الثمانينيات.
ويمكن إيجاز تحفظات أنصار ما بعد الحداثة فيما يلي:
стр. 3479
١ ـ البنية، رغم ادعاءات البنيويين عن ماديتهم، ليس لها وجود مادي وإنما هي كامنة في العقل الجمعي للإنسان وفي بنية هذا العقل ذاته، أي أنها تشبه إلى حدٍّ ما مقولات كانط الأولية القبَلْية المستقلة المفطورة في عقل الإنسان، فالبنى برامج تُماثل بناء عقل الإنسان، وثمة إمكانية تَواصُل من خلال العقل الإنساني والأساطير ذاتها تُماثل بناء عقل الإنسان. فالبنية، من ثم، لها وجود ميتافيزيقي سابق على الواقع المادي.
٢ ـ رغم كل ادعاءات البنيويين عن اختفاء الموضوع الإنساني تماماً، إلا أنه يعاود الظهور وبحدة في كتابات البنيويين. بل إن المشروع البنيوي بأسره محاولة لتطوير مفهوم الإنسان وتأكيد لمقدرة البشر على الترميز والتواصل، بينما تحاول ما بعد الحداثة التحرر تماماً من مفهوم الإنسان ومركزيته.
٣ ـ تحاول البنيوية أن تنفي الأصول الربانية أو حتى الإنسانية للإنسان بأن تجعل البنية (بديل المادة) هي الأصل. ولكن البنية (مثل المادة في الفلسفات المادية القديمة) تتسم بشيء من الثبات، ولذا فهي ميتافيزيقا مادية.
٤ ـ البنية، حسب تصور البنيويين، لها قانون واللغة والأسطورة والنصوص الأدبية والأعمال الفنية (مهما بلغت من تجريد) تخبر عن الواقع، أي أن الدال له علاقة أكيدة بالمدلول، وهو ما يشي بإيمان بالثبات.
٥ ـ وجود البنية يشير إلى وجود مركز وهامش وحقيقة كلية تتجاوز الأجزاء وكذلك أجزاء خاضعة للكل. والحقيقة الكلية تتسم بالثبات وبالاستقلال عن الطبيعة/المادة وتشير إلى وجود جوهر ثابت لا يتغيَّر بتغير الأجزاء، أي أنها شكل من أشكال الميتافيزيقا.
стр. 3480
٦ ـ تسقط البنيوية بسبب هذا كله في الثنائيات المتعارضة، وتحتفظ بالثنائية باعتبارها طبيعية وحتمية وذات دلالة. ومن هذه الثنائيات ما يلي: جسد/عقل ـ داخل/خارج ـ كتابة/قراءة ـ حضور/غياب ـ مكان/زمان ـ حرفي/مجازي ـ ذكر/أنثى. وافتراض مثل هذه الثنائيات يعني تجاوز الصيرورة وعالم الحس المادي المباشر.
٧ ـ من أهم الثنائيات المتعارضة في البنيوية ثنائية الطبيعة/الحضارة. فقد حدَّد شتراوس هدفه بأنه الوصول إلى طبيعة الذهن البشري الأساسية، وهو ما يوحي بأن لهذا تركيباً طبيعياً ثابتاً. لكن هذا التركيب الطبيعي ليس مصدره الطبيعة/المادة وإنما النظم الثقافية (اللاطبيعية ومن ثم اللامادية) . فطبيعة الإنسان مرتبطة بخروجه عن الطبيعة (المادة) . فالمبادئ الكلية للذهن البشري بوجه عام ليست كامنة في تكوين طبيعي لم يتدخل فيه الإنسان، وإنما هي مبادئ اهتدى إليها الإنسان في ذلك التنظيم الثقافي الذي يتحكم به في حياته والذي يُعبِّر مباشرةً عما هو أساسي في طريقة تفكيره.
стр. 3481
والشائع في النظريات المادية هو النظر إلى الطبيعة التي لم يخلقها الإنسان على أنها الأصل وإلى الثقافة على أنها الفرع أو الناتج، لكن ليفي شتراوس يقلب الآية ويرى الثقافة أصلاً والطبيعة) في حالة الإنسان بالذات) مشتقة منها. وإذا كان من الشائع أيضاً وصف الطبيعة الخام بأنها ثابتة والثقافة بأنها نسبية متغيِّرة، فإن ليفي شتراوس يؤكد أن الثقافة هي العنصر الثابت في تكوين الإنسان ومنها يستمد الإنسان ثبات طبيعته، فالإنسان يصنع طبيعته عن طريق ثقافته. فمنذ اللحظة التي يُحظَر فيها زواج المحارم، يظهر عنصر ثقافي في المجتمع الإنساني (وهو الحظر، أي التنظيم الاجتماعي، والقانون) يشكل الطبيعة متمثلة في غريزة الجنس ويتحكم فيها. ففي هذا الحظر وذلك التحريم، تتجاوز الطبيعة ذاتها وتبدأ في تكوين بناء جديد يحل فيه التنظيم المعقد المميِّز للإنسان محل العفوية والعشوائية المبسطة التي تميز بناء الحياة الحيوانية (فؤاد زكريا (.
стр. 3482
كل هذا يعني أن ثنائية الثقافة والطبيعة تحل مشكلة أصل الإنسان بطريقة غير مادية وتشير إلى أصل الإنسان الرباني بشكل حييّ متعثر. كما يعني ذلك ببساطة أن البنية تفلت من قبضة الصيرورة وتتسم بقدر من الثبات والتجاوز والمعنى، وأنها لا تزال متمركزة حول اللوجوس والتيلوس، وأن البنيوية متمركزة حول الإنسان ككائن ثابت متجاوز لعالم الطبيعة/المادة. وكل هذا يشير إلى عالم وراء عالم الصيرورة والواحدية المادية، أي أن البنيوية لاتزال ملوثة بالميتافيزيقا (حسبما يقول أنصار ما بعد الحداثة) . وفي الإطار الحلولي الكموني الواحدي، فإن هذا يمثل فضيحة لا يمكن قبولها، فهذا يعني أن الإله لا يزال يُلقي بظلاله على العالم رغم أن الإنسان قد أعلن موته، ومن ثم ظهرت ما بعد البنيوية وما بعد الحداثة لتحقيق المشروع النيتشوي لا لقتل الإله وحسب وإنما لإزاحة ما يُحتمل أن يكون قد تركه من ظلال على الطبيعة والإنسان ولتطوير نظام حلولي كموني لا يفلت أي عنصر فيه من دوامة الصيرورة اللامتناهية ولا يطفو فوق سطح المادة. وهكذا، فإن ما كان جنينياً متعثراً في البنيوية، يصبح واضحاً متبلوراً في ما بعد البنيوية وما بعد الحداثة.
ويمكننا الآن أن نتوجه إلى يهودية ليفي شتراوس. وقد أرجع هو نفسه أصول فكره ومنهجه إلى ثلاثة مصادر) اليهودية ليست أحدها: (
١ ـ الماركسية التي استمد منها فكرة الجدل ووحدة الأضداد وكذلك فكرة البناء الأساسي أو الركيزة النهائية.
٢ ـ التحليل النفسي الفرويدي الذي استمد منه فكرة اللاشعور والرمز وعملية التحويل.
٣ ـ علم الجيولوجيا الذي وجد فيه الأفكار المتناثرة المتصلة بالتراتبية والطبقات وصولاً إلى القلب النهائي أو ما أسماه أحياناً «أسطورة الأساطير» .
стр. 3483
وقد حاول إدموند ليش، وهو من أتباع ليفي شتراوس، تطبيق طريقته في التحليل الأسطوري على اليهودية. ولكن ليفي شتراوس نفسه أبدى عدم اهتمامه بالديانات ككل إلا من حيث اعتبارها نصوصاً إثنوجرافية. وهو يطرح مقابل الفكر الديني نسقه العقلاني المادي الصارم الخالص.
ورغم كل هذه العقلانية الظاهرة، يرى البعض أن المقولات (الدينية والإثنية) اليهودية تركت أثرها الواضح في مقولات ليفي شتراوس التحليلية العلمية:
١ ـ يذهب ليفي شتراوس، شأنه شأن البنيويين، إلى أن البنية أهم من الذات وأن القوة البنيوية (التي تأخذ شكل أسطورة الأساطير وقواعد اللغة ... إلخ) لها أسبقية على المجتمع. ولكن البنية ليست شيئاً خارجياً وإنما هي مستقرة في الذات الجمعية. والبنية الكامنة في الذات الجمعية لا تختلف كثيراً عن تصور أسفار موسى الخمسة للإله، فهو إله متجاوز للواقع المادي وللأفراد ولكنه حالّ في الشعب بأسره وفي العقل الجمعي اليسرائيلي. وهو الذي يوجهه ويوجه تاريخه، تماماً كما تفعل البنية عند البنيويين والماديين الجدد.
٢ ـ يرى بعض الدارسين أن مقولة الثنائيات المتعارضة تعود إلى التعارض الثنائي الذي يعيشه كل يهودي، أي ثنائية اليهود/الأغيار.
٣ ـ يبدو أن الثنائية في حالة ليفي شتراوس كانت أكثر عمقاً، فهو يهودي/غير يهودي؛ بلجيكي/فرنسي؛ إثنولوجي/عالم؛ جندي في الجيش الفرنسي/أجنبي دائم. وهناك أخيراً ثنائية الأنثروبولوجي مقابل «العالم المتحضر» و» المتقدم. «
٤ ـ يرى البعض أن اشتغال ليفي شتراوس بالأنثروبولوجيا هو في ذاته تعبير عن يهوديته، فالأنثروبولوجي يشبه اليهودي التائه أو المتجول، وهو شخص يوجد في كل المجتمعات ولا يضرب بجذوره في أيٍّ منها، فهو في كل مكان ولا مكان، الغريب الدائم، المغترب عن كل الأوطان.
стр. 3484
٥ ـ الأنثروبولوجي هو شخص يترك عالَم الحضارة المتقدمة المستقرة ليذهب إلى عالم الحضارة البدائي ويحوِّل هذا العالَم إلى معياريته الكامنة ويحكم من خلالها على العالم المتحضر. فكأن الأنثربولوجي يُعلن ولاءه للبدائي على حساب الحضاري وللهامشي على حساب المركزي. ولذا، فالأنثروبولوجي عنصر من عناصر التفكيك والتقويض في العالم، فهو من دعاة الاستنارة المظلمة والهرمنيوطيقا المهرطقة، واليهودي لا يختلف كثيراً عن ذلك، فهو أيضاً عنصر تفكيك وتقويض في مجتمع الأغيار الذي أخرجه من وطنه وشتته وأحل آخرين محله وجعله عنصراً بلا جذور، ولذا فنشاطه التفكيكي وإنكاره المركز ودعوته للتشتيت ورغبته في زعزعة الثقافة الغربية (المسيحية) المستقرة تعبير عن رغبته الدفينة في الانتقام من الحضارة المسيحية.
ورغم وجاهة كل هذه العناصر، إلا أنها في واقع الأمر ليست مقصورة على اليهودي. فالاغتراب والتشتت صفة أساسية لمعظم المثقفين في العصر الحديث بعد انحسار الإيمان الديني واليقين العلمي. ويعيش معظم المثقفين في ثنائيات حادة لعل أهمها أنهم يعيشون في عالم مادي متحرك ينكر المركز والقيمة ومع هذا يظل طموحهم الإنساني الفطري لمركز وعالم تحكمه القيم الإنسانية. ولذا فلا توجد خصوصية «يهودية» في هذا المضمار.
وفكرة الذات الجمعية التي تكمن فيها البنية فكرة أساسية في الحضارة الغربية، قد يكون العهد القديم أحد مصادرها. ولكن العهد القديم نفسه ليس مقصوراً على اليهود، فهو كتاب مقدَّس لدى كل من اليهود والمسيحيين ومكوِّن أساسي في الحضارة الغربية ككل. ومهما كان الأمر، فإن فكرة الذات الجمعية التي تحوي داخلها ما يحركها ويكفي لتفسيرها فكرة محورية في الحضارة الغربية الحديثة وقد عبَّرت عن نفسها في مفهوم الشعب العضوي وفي النظرية العنصرية والإمبريالية ككل، ولذا لا يمكن اعتبارها فكرة «يهودية» .
стр. 3485
ونحن نرى أن نموذج الحلولية الكمونية ذو مقدرة تفسيرية أعلى في هذا المثال. ويمكن وصف فلسفة ليفي شتراوس (والبنيوية ككل) بأنها شكل من أشكال وحدة الوجود المادية. وهذه الحلولية الشاملة، والتي تسم أيضاً الأنساق الفلسفية عند كلٍّ من إسبينوزا وهيجل وماركس (ومعظم الأنساق الفلسفية العلمانية) ، نزعة عامة في الحضارة الغربية الحديثة، ولا يمكن تفسيرها بردها إلى يهودية ليفي شتراوس. ولعل انتماءه اليهودي (أو بقايا هذا الانتماء) يُفسِّر حدة الحلولية وصرامتها، ولكنه لا يُفسِّر بأية حال مركزيتها في فكره، فهذا أمر ليس مقصوراً عليه (هو اليهودي!) وإنما سمة عامة يشاركه فيها معظم المفكرين الغربيين العلمانيين.
هربرت ماركوز (١٨٩٨-١٩٧٩) والماركسية الجديدة
Herbert Marcuse and Neo-Marxism
فيلسوف وسياسي ماركسي وعضو في مدرسة فرانكفورت. وُلد في برلين ودرس في ألمانيا حيث تأثر بهايدجر، ثم هاجر إلى الولايات المتحدة عام ١٩٣٤ ودرَّس في عدد من الجامعات الأمريكية. له عدة مؤلفات من أهمها العقل والثورة: هيجل ونشأة النظرية الاجتماعية (١٩٤١) ، الجنس والحضارة (١٩٥٥) ، والماركسية السوفيتية (١٩٥٨) ، والإنسان ذو البُعد الواحد (١٩٦٤) ، ومقال عن التحرر (١٩٦٩) ، والبُعد الجمالي (١٩٧٧) . ويتجلى في فكره خليط من الأنطولوجيا الوجودية والفكر السياسي الطوباوي وفكر فرويد ونظرية ماركس في الاغتراب وفكر هيجل النقدي. والثمرة هي ما سماه ماركوز «النظرية النقدية» ، وهو تحليل نقدي ينفي المؤسسات الاجتماعية السياسية.
стр. 3486
ولعل التجربة الأساسية في حياة ماركوز الفكرية هي فشل اليسار الماركسي في الاستيلاء على السلطة بعد نجاح الثورة البلشفية في أوائل القرن. كما أنه لاحظ تزايد هيمنة النظم الشمولية اليمينية (الفاشية في إيطاليا والنازية في ألمانيا) واليسارية (الستالينية في الاتحاد السوفيتي) . ثم لاحظ في الخمسينيات، بعد الحرب العالمية الثانية، تزايُد رسوخ الرأسمالية الاستهلاكية في الولايات المتحدة وأوربا، وهي ضرب من ضروب الشمولية. وحاول ماركوز خلال كل هذه الأعوام أن يُبقى الفكر الماركسي أداة حية وفعالة لتحليل المجتمع وفي نهاية الأمر تغييره.
ولعل أهم المفاهيم التي طورها ماركوز فكرة: الإنسان ذو البُعد الواحد. وهو إنسان المجتمعات الحديثة الذي تم احتواؤه تماماً وتم تخليق رغباته وتطلعاته من قبل مؤسسات المجتمع، حتى استبطن قيمه كافة وأصبح هذا الإنسان يرى أن الهدف من الوجود تعظيم الاستهلاك والإنتاج والاختيار بين السلع المختلفة. ولكن الاختيار في الأمور المهمة (المصيرية والإنسانية والأخلاقية) تقلص تماماً، وبذا فقد هذا الإنسان مقدرته على التجاوز وآصبح غارقاً تماماً في الأمور الاستهلاكية.
стр. 3487
ووصف ماركوز للإنسان ذي البُعد الواحد هو تطوير لفكرة الإنسان الاقتصادي والجسماني (الإنسان الطبيعي) حيث بيَّن أن نسق الإنسان ذي البُعد الواحد هو نسق واحديّ مغلق، ولذا فإنه يحاول أن يفتح النسق. وكي يفعل ذلك، كان لابد له أن يخرج من الواقع المغلق كي يقوم بتحليل وتقييم الكل الكامن المتجاوز لهذا الواقع الظاهر. وفي كتابه العقل والثورة، يجد ماركوز ضالته في فكر هيجل. لقد أصر هيجل على أن يظل الإنسان عاقلاً رشيداً قادراً على أن يتحرر مما يُسمَّى الحقائق المحيطة به (فالعقل البشري نفسه يصبح المطلق وموضع الكمون وأساس التجاوز، ومن ثم يستعيد الإنسان إنسانيته ومركزيته ومطلقيته) . وبوسع الإنسان أن يخضع الحقائق التي يقبلها الجميع بالسليقة وباعتبارها أموراً طبيعية لمعايير أعلى، أي معايير العقل. وقد سمِّيت فلسفة هيجل العقلانية النقدية باسم «فلسفة النفي» لأن الفيلسوف، مسلحاً بالمنهج الجدلي، يوجه النقد لما هو كائن (الوصف) باسم ما يجب أن يكون (المعيار) وهو معيار يتجاوز ما هو قائم مستمد من الإمكانيات البشرية بشكل عام. ومن ثم، فإن الإنسان العقلاني بوسعه أن يتجاوز النظام الاجتماعي القائم ويصل إلى مستوى أعلى من خلال عقله الذي يقارن المعطى المباشر (المجتمع الأحادي البعد) بالمعايير الإنسانية العقلانية العالمية. والحقيقي هو ما يتفق مع هذه المعايير، وهي معايير العقل، إذ أن التاريخ نفسه حسب هذه الرؤية يتحرك حسب معايير العقل، أما اللاعقلاني فهو لا تاريخي وغير حقيقي.
стр. 3488
ويذهب ماركوز ـ شأنه شأن الماركسيين ـ إلى أن المجتمع الفاضل هو المجتمع الذي لا يستغل الإنسان فيه أخاه الإنسان. كما يتفق مع فرويد في أن إرجاء الإشباع وممارسة قدر من الكبت وقمع الغرائز أمر أساسي إن كان للحضارة أن تستمر. وحسب تصور ماركوز وصل التطور التكنولوجي إلى الدرجة التي أصبح القمع الشديد معها ليس ضرورياً بعد أن أدَّى قمع الغرائز وظيفته التاريخية. فالإنسان الغربي طوَّر تكنولوجيا تجعل بإمكان كل شخص أن يعيش في حرية وكرامة وإشباع دونما حاجة لقمع، وأصبح بوسع الإنسان (خصوصاً الإنسان الغربي) أن يعيد تشكيل المجتمع بما يتفق مع معايير العقل بحيث يصبح مجتمعاً مثالياً فاضلاً. ويحاول ماركوز في كتابه الجنس والحضارة أن يعطي صورة لهذا المجتمع الفاضل الجديد (الذي يحمل كل سمات نهاية التاريخ المشيحانية التي تسم كل الأنساق العلمانية الثورية والليبرالية مؤخراً) . وقد تنبأ ماركس بأن الإنسان في المجتمع الشيوعي سوف يصطاد في الصباح ويرعى الأغنام في الظهيرة ويمارس النقد في المساء. ولا تختلف رؤية ماركوز عن ذلك كثيراً، فالإنتاجية في هذا المجتمع المثالي لا تتم من خلال قمع الرغبات والزهد والاغتراب إذ أن الملكية الاجتماعية لأدوات الإنتاج المتطورة ستجعل الطاقة الغريزية تعود لشكلها الأصلي. كما أن وقت العمل الذي يسبب الاغتراب سيصل إلى الحد الأدنى ويختفي، بحيث يصبح اللهو مثل العمل، كما يمكن تنظيم العمل بحيث يتفق مع احتياجات الإنسان الفردية.
стр. 3489
ويسأل ماركوز عن العقبات النفسية التي تقف في طريق تحقق مثل هذا المجتمع. وفي كتابه المذكور يرى ماركوز أن إيروس (مبدأ اللذة والحياة) يبحث دائماً عن التحقق والإشباع من خلال إعادة صياغة النظام الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية فيه (مبدأ الواقع) وهو يرى إمكانية الموازنة بين العقل والحس والسعادة والحرية في مجتمع خال من القمع، أي أن الإيروس (بهذا المعنى) إمكانية كامنة في الإنسان تُمكِّنه من أن يتجاوز عالمه ذا البُعد الواحد.
ولكن المجتمع الحديث سيطرت عليه العقلانية التكنولوجية (أو المبدأ الأداتي) التي توظف كل شيء بما في ذلك مبدأ اللذة ذاتها لمصلحتها. ولاحتواء مبدأ اللذة يقوم المبدأ الأداتي بما يلي:
١ ـ تقوم صناعات اللذة بترشيد أحلام الإنسان الجنسية واستيعابها داخل إطار النظام القائم، فهي تطلق الرغبة الجنسية من عقالها ولكنها تُفرِّغ مبدأ اللذة من محتواه الثوري وتحتويه تماماً، إذ تطرح إمكانية الإشباع الكامل من خلال عالم الخدمات المختلفة مثل السياحة والنوادي الليلية وأحلام الإباحية. أي أن كل شيء يتم تدجينه، وضمن ذلك الرغبة الجنسية نفسها.
стр. 3490
٢ ـ يقوم المبدأ الأداتي بتخليق رغبات غير ضرورية (زائفة) جديدة حين يتم إشباع الرغبات الضرورية (الحقيقة) وذلك من خلال الدعاية لآخر الموضوعات والإعلانات وما يُسمَّى «التآكل المخطَّط» (أي إنتاج السلع بطريقة تضمن تآكلها بسرعة) ، ويُلاحَظ أن الجنس (العنصر البروميثي في الإنسان) يصبح مجرد خدعة إعلانية. وبذلك يزداد اتساع نطاق الحاجة للسلع كما يزداد إنتاجها وتظهر الوفرة السلعية. ولكن الوفرة هنا هي في واقع الأمر شكل من أشكال القمع لأي اتجاه نحو التساؤل عن الهدف من الوجود والحاجة لتحقيق الذات والبحث عن الحرية، وكلما زادت الوفرة زاد القمع لأن الدولة ومجتمع الوفرة قاما بخنق الفرد واستيعابه تماماً في دورة الحاجات المتصاعدة اللامتناهية غير الضرورية والتي يتم إشباعها بشكل دائم (وهو صدى لجدلية الاستنارة عند هوركهايمر وأدورنو فكلما زادت معدلات الاستنارة وزادت هيمنة الإنسان على الطبيعة زاد ضموره هو) .
ويذهب ماركوز إلى أنه بهذا يحل مبدأ الموت (ثانانوس) محل مبدأ الحياة (إيروس) وبذلك يعود الإنسان مرة أخرى للقمع الذي يزيد عن الحد اللازم للاستمرار في خلق الحضارة.
٣ ـ لاحظ ماركوز أن مؤسسات الرفاه الاجتماعي في المجتمعات الحديثة أصبحت إحدى أهم وسائل السيطرة على حياة الذين ينعمون بفوائدها ومزاياها بفضل هيمنتها على مستوى معيشتهم. وهكذا يتحول التحرر من الحاجة المادية، الشرط المسبق لكل أشكال الحرية، ليصبح هو نفسه أساس العبودية. وكلما ازداد استهلاك الناس للسلع، الذي كان من المفروض أن يوسِّع نطاق عالم الحرية، ازداد ادمانهم لهذه السلع واحتياجهم لها، ومن ثم ازداد عالم الضرورة اتساعاً وضَمُر إحساسهم بالحرية وشعورهم بالمسئولية.
стр. 3491
وكيف يمكن الخروج من هذا المأزق؟ إن آلية الخلاص عند ماركوز ليست الطبقة العاملة (كما هو الحال مع ماركس ولوكاتش) ، فقد نجح العقل الأداتي في الهيمنة عليها وتم استيعابها في الرؤية الاستهلاكية السائدة.
وهنا تظهر مشكلة أساسية: إذا كانت الأغلبية (بما في ذلك الطبقة العاملة الثورية) قد تم غسيل مخها وأصبحت ذات بُعد واحد تعيش في السلع وتموت من أجلها، وإذا كانت رؤية الإنسان مادية، فلماذا لا يكون الخلاص في السلعة؟ ومن الذي سيقرر نفي ذلك، واستناداً إلى ماذا؟ إن مشكلة القيمة المطلقة تطرح نفسها هنا مرة أخرى وبقوة، ولذا نجد أن ماركوز يتحدث عن نخبة مثقفة تقوم بتوجيه الجماهير التي فقدت رشدها وتم إغواؤها من قبَل المؤسسات الليبرالية الديموقراطية الاستهلاكية، أي أن النخبة الثقافية صاحبة العقل النقدي والذاكرة التاريخية والمقدرة على إدراك الكل الإنساني المتحقق في التاريخ والتي لم يتمكن المجتمع من استيعابها في رؤيته وبنيته ورفضت هي استبطان رؤيته، والقادرة من ثم على تجاوز الواقع المباشر، هي الآلية التي يمكنها تحقيق الانعتاق للإنسان والعمل على تأسيس مجتمع يسمح بظهور الإنسان المركب متعدد الأبعاد، ولهذا كانت كتابات ماركوز أثيرة لدى الشباب في حركة اليسار الجديد في الستينيات.
стр. 3492
ويتَّسم كتاب ماركوز الأخير البُعد الجمالي بقدر من التشاؤم المفعم بالفرح. وهو يذهب في هذا الكتاب إلى أن الفن هو الملاذ الوحيد المتبقي للتجربة متعددة الأبعاد في مجتمع أحادي البُعد، فثمة مسافة تفصل بين الفن والواقع. ويتَّسم الفن بأن له أبعاداً تجعله يتجاوز العناصر الاجتماعية المحدِّدة له وتجعل العمل الفني قادراً على الانعتاق من العالم الذي ينتمي إليه، ومن ثم فإن الفن يُعبِّر عادةً عن تجربة إنسانية مركبة في مواقف متبلورة، وهو لهذا يذكِّرنا بحقائق إنسانية عادةً ما ننكرها. إن منطق العمل الفني يؤدي إلى ظهور حساسية مركبة جديدة تتحدى كلاً من الحساسية القائمة والعقل الذي يتبدَّى من خلال المؤسسات الاجتماعية السائدة، وهذا هو الدور الذي يمكن أن يلعبه الفن في تغيير الواقع وليس كما يرى الواقعيون الاشتراكيون.
وماركوز ليس له اهتمام خاص بالموضوع اليهودي. ولكنه أيد إسرائيل عام ١٩٦٧ في هجومها على الدول العربية باعتبار أن ذلك دفاع عن النفس. وإن بحثنا عن البُعد اليهودي في فكره، فإن من العسير أن نعثر عليه، فهو مفكر متأثر بالتقاليد الألمانية في الفلسفة خاصةً هيجل وماركس. أما موقفه من إسرائيل، فهو موقف سياسي ينم عن جهل شديد، وربما عن انتهازية شخصية لا علاقة لها بالبنية العميقة الكامنة لفكره الفلسفي.
نعوم تشومسكي (١٩٢٨ -) والثورة التوليدية
Naom Chomsky and the Generative Revolution
стр. 3493
عالم لغويات أمريكي يهودي من أصل يديشي، ويُعَدُّ من أهم المفكرين اللغويين والسياسيين النشيطين في العالم في النصف الأخير من القرن العشرين. ويضعه البعض في مصاف كبار المفكرين مثل جان بياجيه وكلود ليفي شتراوس (وربما ماركس وفرويد) بالنظر إلى ما أحدثه من ثورة في علم اللغويات والعلوم الإنسانية ككل، فهو جزء مما يُسمَّى «الانقلاب البنيوي التوليدي» (وما يُسمَّى أيضاً «الثورة الإدراكية أو المعرفية» ) الذي تصدى للاتجاه التجريبي الوضعي. وتشير بعض الدراسات إلى «الثورة التشومسكية» في ميدان علم اللغة والإنسانيات. وقد قورن بفرديناند دي سوسير عالم اللغويات السويسري الذي بدأ هو وبروب، عالم الأساطير الروسي، هذه الثورة البنيوية (لا يعترف تشومسكي نفسه بفضل سوسير في مجال اللغويات (.
وُلد تشومسكي في الولايات المتحدة الأمريكية لأبوين من يهود اليديشية (من أوكرانيا) . وكان أبوه لغوياً متخصصاً في العبرية الأندلسية وله كتاب عن أحد نحاة العبرية في الأندلس، والتي كانت دراستها تدور في إطار الأنساق المنهجية التحليلية عند نحاة العربية. ولهذا، فإن ثمة عناصر من النظرية العربية في التحليل النحوي تَعرَّف عليها تشومسكي في مقتبل حياته الفكرية من خلال أبيه. وكانت رسالة تشومسكي للدكتوراه بعنوان «التحليل التحويلي أو التوليدي» والتي نُشرت فيما بعد في كتابه الأول الأبنية التركيبية (١٩٥٧) . ويُعدُّ هذا مجرد جزء من عمل أشمل وأكثر تفصيلاً هو كتاب البنية المنطقية للنظرية اللغوية (١٩٧٥) .
قضى تشومسكي فترة في إسرائيل حيث كان يؤمن بأن الكيبوتس تجربة اشتراكية مثالية، لكنه سرعان ما عاد إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث عمل بعض الوقت في هارفارد، ثم انتقل إلى معهد ماساشوستس للتكنولوجيا ومازال يعمل به حتى الآن.
стр. 3494
ومن الصعب تلخيص فكر تشومسكي اللغوي والسياسي، أو تلخيص سماته الأساسية وتناقضاته الحادة، والأكثر صعوبة محاولة توضيح العلاقة بينهما. ويمكننا أن نقول إن فكر تشومسكي ينطلق من الثنائية الأساسية (ثنائية الإنسان والطبيعة) التي تُشكِّل جوهر الرؤية الإنسانية (الهيومانية) للعالم وللفكر العقلاني المادي (المتمركز حول الإنسان) . ولكن، هذا الفكر، صدوراً عن ماديته الصارمة وحلوليته الكامنة المادية، يحاول إنكار هذه الثنائية ومحوها وتأكيد الواحدية العلمية المادية. ومن هنا التأرجح الشديد لفكر تشومسكي بين التمركز الكامل حول الذات والتمركز الكامل أيضاً حول الموضوع، بين الحرية المطلقة، والحتمية المطلقة، وبين الإبداع الإنساني والحتمية البيولوجية.
стр. 3495
ولنبدأ بإحدى الأفكار المحورية في النسق الفكري لدى تشومسكي وهي فكرة البنية السطحية والبنية العميقة. يرى تشومسكي أن أية ظاهرة مكوَّنة من مستويين: سطحي ظاهر، وعميق كامن. فوراء كل البنَى السطحية الظاهرة تُوجَد بنية أكثر عمقاً وتركيباً. ولكن البنية السطحية رغم انفصالها عن البنية العميقة، إلا أنها على علاقة وثيقة بها، ومن خلال تحليل المكونات الشكلية للبنية السطحية (الملموسة) وطريقة تنظيمها وتفاعلها، يمكن الوصول إلى البنية العميقة. المهم هو أن ندرك أن البنية السطحية مُكوَّنة من مجموعة من العلاقات تحكمها شفرة إن توصلنا إليها أمكننا أن نفهم البنية العميقة. ويمكن أن يتم هذا من خلال تحويل تركيب إلى تركيب آخر. وهذه الفكرة فكرة محورية في العلوم الإنسانية الغربية منذ عصر النهضة يحاول عن طريقها الفكر الغربي في عصر العقلانية المادية تَجاوُز ثنائية الروح والمادة. فالروح هنا هي البناء الفوقي (عالم الأفكار والأشكال) ورغم استقلاليته الظاهرة إلا أنه (في التحليل الأخير وفي نهاية الأمر) إن هو إلا تعبير عن البناء التحتي (المادة ـ علاقات الإنتاج ـ الدوافع الغريزية) ، وحينما يُردُّ الأول للثاني نصل إلى عالم المادة والواحدية المادية وتُصفَّى الثنائية الظاهرية. ولعل إبداع تشومسكي (والثورة البنيوية التوليدية ككل) يكمن في أنه لم يجعل البناء التحتي مادياً وإنما علاقات وأفكاراً كامنة في العقل ذاته تعبّر عن نفسها من خلال أشكال وظواهر كثيرة، أي أن عالم الأشكال الإنسانية الظاهر يُردُّ لا إلى حركة المادة اللاإنسانية وإنما إلى عالم العقل والعلاقات الكامنة فيه (التي تستعصى على الدراسة التجريبية الكمية (.
стр. 3496
العقل الإنساني، إذن، هو أعمق البنَى عند تشومسكي. وهذا العقل ليس عقلاً سلبياً ولا صفحة بيضاء، كما يرى السلوكيون والتجريبيون، وهو لا يكتسب أفكاره تدريجياً (بشكل تراكمي) من البنية المحيطة به ويدور في إطار أنساق مغلقة مصمتة اختزالية، وإنما هو عقل نشط فعال إذ توجد فيه إمكانات إبداعية وملكات مفطورة كامنة فيه هي أشكال وبنَى قَبْلية تتبع قواعد معيَّنة ذات مقدرة توليدية وتلعب دوراً أساسياً في عملية اكتساب المعرفة. وهذا يعني أن الإنسان لا تتحكم فيه الدوافع الخارجية أو البيئية وأن قدراته الإبداعية التوليدية تمنحه قدراً كبيراً من الاستقلال والحرية. وهذا يعني أن الإنسان يدور في إطار أنساق مركبة مفتوحة.
لهذا نجد أن نقطة الانطلاق عند تشومسكي عقلانية جوانية استدلالية، وليست تجريبية برانية استقرائية، فهو يبدأ من العام والبنية والنمط ومن المعطيات القَبْلية الكامنة في عقل الإنسان ولا يدع العقل يقف على عتبات البيانات والمعطيات الحسية والبراهين الجزئية والبيئة المادية وكأنه شحاذ فقير عاجز، بل يقف كالأمير القوي الذي يعطي أكثر مما يأخذ. ولذا، فإن صياغة الفروض العلمية والنماذج التفسيرية ـ حسب تصوُّر تشومسكي ـ أمر منوط بالعقل والخيال، وليس أمراً خاضعاً للحواس. لكن هذا لا يعني بطبيعة الحال أن الحواس قد تم إلغاؤها، فهي مسألة أسبقية، ونحن هنا أمام ثنائية هرمية يسبق الإنسان فيها الطبيعة، ويسبق العقل فيها الحواس، ويسبق الخيال الفعال فيها التلقي السلبي للمعطيات الحسية.
стр. 3497
ويرى تشومسكي أن أهم الإمكانات الكامنة في عقل الإنسان هي مقدرته اللغوية. فاللغة تمثل لحظة فارقة في تاريخ الكون، فهي ما يُميِّز الإنسان عن الكائنات الأخرى التي تعيش معه في هذه الأرض، ولكنها ليس لها الفطرة اللغوية. ولغة البشر مختلفة بشكل جوهري عن لغات الحيوانات وطرق التواصل بينها. ولذا، فإن تشومسكي يتحدث عن «معجزة اللغة» ، فبها يُكوَّن المجتمع وتتقدم الحضارة ويظهر الفكر (وتشومسكي في هذا ينهج منهج سابير الذي كان يذهب إلى أن اللغة تستحق الدراسة لأنها ظاهرة إنسانية فريدة ولا يستطيع الإنسان التفكير بدونها) . وإن أردنا استخدام مُصطلَحنا لقلنا إن ظهور اللغة يعني تَراجُع الإنسان الطبيعي (المادي) وظهور الإنسان الإنسان أو الإنسان الرباني.
ويُعرِّف تشومسكي اللغة بأنها المقدرة التي يمتلكها كل المتحدثين بلغة ما لإنتاج وفهم عدد لا محدود من الجُمل المفهومة، لكلٍّ منها بناؤها الصحيح وذلك من خلال النحو، وهو مجموعة من القواعد والمبادئ الكامنة يربط من خلالها الإنسان بين الأصوات والمعاني بطريقة محددة (نحو تحويلي توليدي) . وهذه المقدرة ليست مجرد عادة يكتسبها الإنسان من العالم الخارجي وإنما هي ملكة فطرية موروثة يُولَد بها (والقدرة الموروثة سمة لا يمكن دراستها تجريبياً، إذ لا يمكننا عزل فرد ومراقبة نمو هذه الفعالية عنده (.
стр. 3498
وكدليل على رؤيته (الثورية التوليدية) للغة باعتبارها مفطورة في العقل، يشير تشومسكي إلى الزمن الذي يقضيه الطفل البشري (الذكور منهم والإناث، الأذكياء منهم والأغبياء) لتعلم لغته الإنسانية، فهذا الطفل يتعلم لغته بسرعة وبلا جهد وبكفاءة عالية، رغم أنه محاط بكم كبير من الكبار الذين كثيراً ما يكسرون قواعد اللغة ويُصدرون أصواتاً لا معنى لها ظناً منهم أنهم بذلك يقلدون لغة الطفل ويتواصلون معه. ورغم كل هذا، يتعلم الطفل الإنساني أسس لغته بيُسْر من خلال هذه العينات العشوائية غير المثالية خلال عام (وهو وقت أقصر من الوقت الذي يستغرقه بعض الرجال في تعلُّم قيادة سيارة) مع أن وصف قواعد أية لغة قد يستغرق عدة سنوات من الباحثين. ويصل الطفل إلى مرحلة امتلاك ناصية اللغة بين سن الخامسة والسادسة، أي أنه يتملك ناصية نظام لغوي متكامل، مُكوَّن من مجموعة هائلة ومركبة من القواعد ويتطلب استخدامه كثيراً من قواعد المنطق (الاستقراء والقياس) وقواعد التحويل وقواعد الترتيب التي لو تعلمها الطفل لاستغرق في ذلك عشرات السنين.
стр. 3499
ويضرب تشومسكي مثلاً بإحدى قواعد التحويل التي يتعلمها الطفل في اللغة الإنجليزية. فصياغة السؤال في اللغة الإنجليزية يكون عن طريق وضع فعل الكينونة (تو بي to be) في أول الجملة. فمثلاً عبارة «ذا مان إز تول The man is tall" تصبح «إز ذا مان تول؟ Is the man tall ?". ولكن في جملة أخرى مثل "ذا مان هو إز هير إز تول The man who is here is tall" تصبح "إز ذا مان هو إز هير تول؟ Is the man who is here tall? ". ولو الأمر كان آلياً ومكتسباً لقام الطفل بتحريك «إز is» الأولى ولأصبح السؤال "إز ذا مان هو هير إز تول؟ Is the man who here is tall?" وهي صيغة سليمة من الناحية الميكانيكية ولكنها خطأ من الناحية اللغوية. ويُفسِّر تشومسكي بأن عقل الطفل بإمكاناته الكامنة فيه يعرف أن عبارة "who is here" مرتبطة باسم الفاعل في وحدة واحدة لا يجوز أن تُقسَّم عند الإتيان بصيغة السؤال عن الجملة كلها. ولذلك فهو ينقل is الثانية في هذه الجملة وليس is الأولى إلى بداية الجملة.
стр. 3500
واللغات البشرية كافة، رغم تنوعها وتعددها، تشترك في بنيانها العميق. فهي كلها تعبير عن القوالب أو البنَى اللغوية أو الأشكال الثابتة والعالمية نفسها. ونقط التشابه بين اللغات أكثر أهمية من مواطن الاختلاف. ولا يمكن تفسير العناصر العالمية للغة (بالإنجليزية: لنجوستيك يونيفرسالز linguistic universals) إلا بالقول بأن العقل يُوجَد كامناً فيها (يستخدم تشومسكي أحياناً تعبيرات مثل: «مُبرمَج فيه» أو «مُشفَّر فيه» ، وثمة اختلاف عميق بين الكامن والمُشفَّر) ، وأن هناك برنامجاً محدداً موروثاً يحوي البنَى كافة. وهذا يُذكِّرنا بموقف كانط من الصفات المجردة المنطقية لأنماط الفكر، وهي أنماط حادثة ولكنها مستقلة عن التجربة. ورغم الصلة الواضحة بينه وبين كانط، إلا أن تشومسكي نفسه يشير إلى كل من ديكارت وروسو وفلهلم فون هومبولت باعتبارهم أسلافه الفكريين. ومع هذا، تجب الإشارة إلى أن كانط لم يستخدم كلمات مثل «مُبرمَج» أو «مُشفَّر» ، فالمقولات القَبْلية عنده محاطة بالأسرار. ولعل هذا سر إنكار تشومسكي كون كانط سلفه الحقيقي وإصراره على ديكارت، بسبب النزعة الرياضية المنطقية عند الأخير، أي الشكلية الصارمة التي تنتهي إلى الواحدية الصارمة، والبحث المحموم عن تفسيرات بيولوجية (الغدة الصنوبرية) حتى لا يكون هناك أيُّ مجال للميتافيزيقا!
ويتحدث تشومسكي عما يسميه «النحو العالمي» وهو تعبير عن الثوابت اللغوية العالمية، ولذا يُنكر تشومسكي وجود لغات بدائية، تماماً كما يُنكر كلود ليفي شتراوس وجود نظم معرفية بدائية أو ما يُسمَّى «قبل المنطقي» .
стр. 3501
واللغة الإنسانية أفضل مرآة تعكس العقل، فثمة تَماثُل بين بنيتي العقل واللغة، أي أن اللغة هي بمنزلة البناء السطحي لبنية أكثر عمقاً هي العقل الإنساني. وهذا، في الواقع، هو منهج البنيويين والتوليديين كافة: أن يروا بنية ظاهرة ما (الأساطير ـ طريقة الطهي ـ اللغة ـ الرموز) ويحاولون من خلال دراستها أن يدرسوا بنية العقل البشري. وهم في هذا يدافعون عن العقل البشري وإبداعه ضد هجوم دعاة وحدة العلوم والنماذج التجريبية الطبيعية المادية.
стр. 3502
في إطار هذا تتحدد وظيفة علم اللغة بأنها «دراسة النحو» أو بمعنى أدق «دراسة أبنية الجملة» (بناء الجملة هو ترتيب كلمات الجملة في أشكالها وعلاقاتها الصحيحة، وكذلك تركيب واستعمال الكلمة أو العبارة في جملة) . ومهمة اللغوي كشف مجموعة القواعد والمبادئ التي يمكن أن تُفسِّر الجُمل الممكنة (grammatical-permssible) كافة للغة ما، أي أنه يحاول الوصول إلى البنية الكامنة للغة بكل علاقاتها وتحويلاتها المتشابكة. وهو جهد أقرب إلى البحث المنطقي الرياضي وأبعد ما يكون عن المهمة التقليدية عند اللغوي في إعداد المعاجم وتعريف المعاني وتَطوُّرها التاريخي. ولكن علم اللغة، بذلك، وبسبب تماثل بنية اللغة مع بنية العقل، يصبح «علم اكتشاف قدرة الإنسان على الإدراك ونمو هذه القدرة من خلال اللغة» و «علم إدراك خصائص العقل الإنساني وتركيبه والسلوك الإنساني الحر الذي تحكمه القواعد وإمكانيات العقل الحر والمبدع داخل إطار نسق من القواعد التي تعكس الخواص الداخلية لعقل الإنسان» . وهذه هي النقطة التي يلتقي فيها علم اللغة بعلم السياسة بالفنون، أي أن هذه هي النقطة التي تشكل القاعدة الأساسية في فكر تشومسكي وهي مصدر الثنائية لديه. ومشروع تشومسكي لعلم اللغة هو تأسيس نظرية عامة عن بنية اللغة الإنسانية، نظرية تتسم بالعمومية بالقدر الذي يكفي لأن تنطبق على جميع اللغات، ولكنها ليست من العموم بحيث تنطبق (أي النظرية) على أي نظام اتصالي، أي أن علم اللغة يجب أن يحدد الصفات العامة والأساسية للغة الإنسان بطريقة تُبقي الإنسان وتستبعد الكائنات الأخرى.
стр. 3503
وكما أن نظرية تشومسكي في اللغة تؤكد الوحدة، فإن هناك التنوع فيها والذي يجب أن تُفسِّره أية نظرية لغوية. ولإنجاز هذا، يُقدِّم تشومسكي ثنائية أخرى: الكفاءة المثالية أو المقدرة الموروثة (البنية العميقة) ، وهي مقدرة الفرد على إنتاج وفهم عدد غير محدد من الجُمل وتحديد الخطأ وتَلمُّس الغموض من جهة، والأداء الفعلي (البنية الظاهرة) ، أي عملية استخدام هذه القدرة في نسق محدد، من جهة أخرى. والمقدرة «المثالية» تتحقق في كل لغة بشكل جزئي (يرى تشومسكي أن دور الجماعة يقتصر على تشخيص النظام اللغوي إذ تقوم الجماعة بتحديد المقدرة اللغوية عن طريق استبعاد بعض الإمكانات اللغوية، أي فرض حدود على المقدرة اللغوية الكامنة التي تحوي الثوابت اللغوية العالمية كافة) .
ورغم أهمية الأداء اللغوي الفعلي، فإن علم اللغة لابد أن يُركز على الكفاءة المثالية وحسب، وعلى الثوابت اللغوية التي تتمثل في قواعد وتراكيب اللغة. هذا لأن دراسة الأداء الفعلي والاستخدامات المختلفة للغة بكل ما يكتنف ذلك من المصاعب والتفاصيل والتعقيدات الفعلية للواقع، يَصعُب التعامل معه على نحو رياضي علمي صارم (وهنا يبدأ الجانب الآخر الخاص بالبرمجة والتشفير في منظومة تشومسكي يُطل برأسه) . وقد اكتشف كثير من علماء الإنسانيات والاجتماع إمكانية تطبيق منهج تشومسكي التوليدي البنيوي على العلوم الإنسانية كافة، بل وعلى الإبداع الفني.
стр. 3504
إن النظام المعرفي (الكلي والنهائي) عند تشومسكي يستند إلى ثنائية الإنسان والطبيعة وإلى الإيمان بأن البشر مختلفون عن كل من الحيوانات (النموذج العضوي) والآلات (النموذج الآلي) ، وأن هذا الاختلاف لابد أن يُحترَم، فهذا هو أساس كرامة الإنسان وإخوة البشر. هذا الإيمان باستقلالية العقل عن البيئة المحيطة به وإبداعه، هو أساس هجومه على الفلسفة الوضعية والتجريبية، فهي فلسفات لا تكترث بالبنَى العميقة، أي ما يُميِّز الإنسان عن بقية الكائنات. فالمدرسة السلوكية تكتفي بوصف البنية السطحية في أشكالها المادية المنطوقة (المسموعة) والمكتوبة ولم تتجاوز ذلك إلى التعرف على البنية العميقة.
ويرى السلوكيون أن الإنسان يجب أن يبتعد عن دراسة ما يُسمَّى «الأفكار» (بالإنجليزية: أيدياز ideas أو ثوتس thoughts) وأن يركز على المثيرات والاستجابات، أي على العناصر البرانية التي يمكن وَصفُها كمياً. كما أن السلوكيين ركزوا على مبادئ أنماط السلوك التي تنطبق على الأنواع كافة (الإنسان والحيوان) وعلى أنواع السلوك كافة (من الاكتشاف إلى التواصل إلى كسب الرزق) . أي أن السلوكيين ركزوا على البراني والعام واللاشخصي (وهذه هي صفات الطبيعي/المادي) وأنكروا الجواني والخاص والفريد. ومن ثم، قضى السلوكيون عشرات السنين يدرسون سلوك الفئران وغيرها من الحيوانات ويُعمِّمون النتائج على الكائنات الأخرى بما في ذلك الإنسان ـ بل وخصوصاً الإنسان ـ (سمَّى تشومسكي هذا «بلاي آكتنج آت ساينس play-acting at science» أي «اللعب بالعلم» ) .
стр. 3505
وقد ركز اللغويون الوصفيون على وصف البنية السطحية للغة أو لهجة ما مع عدم تَجاوُز ذلك إلى ما وراء المستوى السطحي الظاهر. ويركز علماء المقارنات على مقارنة ظواهر جزئية مثل مقارنة الصوت الواحد أو الصيغة الواحدة أو النمط الواحد في اللغات. واهتم علم اللغة التاريخي بمتابعة التغيرات اللغوية في اللغة الواحدة وربطها بتاريخ الحضارة. كما اهتم علم اللغة الاجتماعي بعلاقة اللغة بالتغيرات في المجتمع. لقد اهتمت هذه المدارس كافة بعملية رصد البيانات كمياً دون تقديم نموذج تفسيري يُفسِّر قدرة المتكلم وحدسه اللغوي. فكل هذه المدارس والاتجاهات ترى الإنسان آلةً صماء تُخزَّن فيها الأنماط التحويلية، وهي غير قادرة على إدراك الكل بشكل مبدع. ولذا، فإن العقل اللغوي ـ بالنسبة للسلوكيين على سبيل المثال ـ يقوم على أساس استدعاء النمط اللغوي المُختزَن بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. وعلى هذا، يرى تشومسكي وجوب تأسيس علوم اجتماعية تدرس الطبيعة البشرية باعتبارها كياناً مستقلاً عن الطبيعة/المادة لضمان حرية الإنسان وتعميقها، وهذه العلوم لابد أن تكون ذات أسس راسخة في الطبيعة البشرية ذاتها. ولابد أن ينبع العمل الاجتماعي من تَصوُّر لطبيعة المجتمع في المستقبل وأن يستند إلى بعض الأحكام الواضحة بشأنه، وهي أحكام تستند بدورها إلى رؤية للطبيعة البشرية. فمفهوم الطبيعة البشرية مفهوم محوري عند تشومسكي، وهو يشير إلى كيفية التوصل إليها من خلال الدراسة الإمبريقية إذ أن هذه الطبيعة تتبدَّى في سلوك الإنسان وإبداعاته المادية والفكرية والاجتماعية.
следующие страницы →