Полный текст (8 511 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
لكن لا القهر قادر على أن يؤدي إلى اندلاع الانتفاضة ولا الإغواء قادر على إطفائها. فهذه جميعاً عناصر مساعدة، إذ لابد أن تكون هناك عناصر إيجابية تحرك الفاعل الإنساني العربي، وفي تصوُّرنا أن العنصر الحاسم في هذا المجال هو تماسُك هوية الفلسطينيين وتجذُّرهم في تراثهم الحضاري والديني، فقد كان هذا هو المدد الذي لا ينفد، والذي جعل الفلسطينيين يدركون إمكاناتهم وعوامل الحياة والانطلاق داخلهم، وفي الوقت نفسه يدركون مدى تَخثُّر العدو وعوامل التآكل والموت داخله. لقد أدركوا الأزمة العقائدية التي كان يخوضها التجمُّع الصهيوني نتيجة تصاعد معدلات العلمنة فيه وتوجهه نحو قيم المنفعة واللذة. ولابد أنهم لاحظوا أن المستوطنين الصهاينة في الضفة الغربية غير قادرين على حمل السلاح، ولذا فهم يتحركون دائماً في حماية قوات "الدفاع" الإسرائيلية. ولابد أن أهل الضفة الغربية رأوا المنازل الفارهة التي تُشيَّد لهؤلاء "الرواد" الصهاينة الذين يتمسكون بجهاز التكييف وحمام السباحة أكثر من تَمسُّكهم بأرض الميعاد (أطلق على هذا النوع من الاستيطان "الاستيطان مكيف الهواء"، أما زئيف شيف المعلق العسكري الإسرائيلي فيسميه "الاستيطان دي لوكس") .
стр. 352
ولا يوجد أية ضرورة لإطلاق الرصاص على مثل هذا المستوطن المرفه، فالحجارة كفيلة بأن تُعكر صفو حياته الدنيوية وفردوسه الأرضي الحديث الصغير. وبينما كان العدو يَتخثَّر لم تتوقف العمليات الفدائية، التي قد تتفاوت في حدتها، ومدى نجاحها وفشلها إلا أنها نجحت في الإبقاء على روح الجهاد لدى الشعب الفلسطيني، وعلى تماسكه وتمسُّكه بعقيدته، وهذا التماسك هو وحده الذي هيأ الأجيال الفلسطينية الجديدة لإدراك ما حدث داخل المجتمع الصهيوني فازدادت امتلاءً وإبداعاً. وجاءت هزيمة القوات الإسرائيلية في لبنان فحركت إمكانية إلحاق الهزيمة بالعدو من مجال الحلم إلى مجال الواقع. ثم كانت عملية قبية التي قام بها مواطن عربي من تونس فكانت بمنزلة الشرارة.
في هذا الإطار بدأ النموذج الانتفاضي، نموذج التكامل الفضفاض غير العضوي، يظهر بتدريجياً، وبدأ المناضلون في الضفة والقطاع يتبنونه إلى أن أصبح النموذج الأساسي والمهيمن، وأصبحت الانتفاضةحالة ممثِّلة لهذا النموذج. ولتوضيح وجهة نظرنا سنقوم بمقارنة نموذج التكامل الفضفاض غير العضوي بنموذج التلاحم العضوي من منظور إمكانية التشغيل والتطبيق.
١ ـ يمكن القول بأن نموذج التلاحم العضوي ثمرة حقيقية لمنظومة الحداثة الغربية المبنية على القطيعة المعرفية والفعلية مع الماضي، والبدء من الواقع المادي المباشر ومحاولة السيطرة على عناصره. والتغيير يعني رفض الماضي والبدء من نقطة الصفر الافتراضية. أما نموذج التكامل الفضفاض غير العضوي فهو نموذج يحاول أن ينسلخ عن الحداثة الغربية ليستلهم التراث ويولِّد منه حداثة جديدة ونظماً في الإدارة وتحريك الكتلة البشرية بأسرها.
стр. 353
وهذا أمر متوقع تماماً فالنموذج الانتفاضي نموذج استرجاعي: أن تصبح إسرائيل فلسطين مرة أخرى وأن تُزال آثار العدوان الاستعماري الغربي الصهوني الذي نجح في مواجهتنا بآلاته الحديثة وقصم ظهرنا فلابد إذن من استدراجه إلى أرضنا حيث يمكننا أن نحاوره حسب قواعدنا ونستلهم تراثنا. ولذا فالانتفاضة كانت شكلاً من أشكال «العودة عن الحداثة» demodernization، وبعث أشكال تقليدية من التكامل الاجتماعي والإنتاج (الأسرة كوحدة أساسية ـ الزراعة التقليدية ـ المخبز الريفي ـ العودة لشجرة الزيتون كمصدر للحياة وللرموز) ليزداد التكامل الفضفاض والتراحم في المجتمع. ويُلاحَظ أن القرى التي لم تحقق مستوى عالياً من التحديث هي أكثر القرى صلابة في النضال إذ أن بنيتها التحتية التقليدية تضمن لها مقدرة أعلى على الاستمرار بسبب عدم تبعيتها.
стр. 354
وكلمة «انتفاضة» تبلور النموذج الانتفاضي بشكل يبعث على الدهشة، فهو دال يكاد ينطبق انطباقاً كاملاً على مدلوله ويعبِّر عنه بكل خصوصيته ونتوءاته ومنحنياته، وهو مصطلح يعود للمعجمين اللفظي والحضاري العربي الإسلامي. والكلمة مشتقة من فعل «نفض» مثل «نفض الثوب» يعني «حرَّكه ليزول عنه الغبار أو نحوه» . والكلمة على المستوى الدلالي المباشر تشير إلى حركة خلاّقة تولِّد الجديد من القديم (النظافة) ، وهي توحي في الوقت نفسه بعدم تجذُّر هذا الذي سيزول ـ الغبار الذي علا الثوب ـ أو الاستعمار الصهيوني الذي حط على أرض فلسطين. ويُقال أيضاً «نفض المكان» أي «نظر جميع ما فيه حتى يعرفه» (وهذه حيلة معروفة لدى شباب الانتفاضة) . ويقولون أيضاً «نفض الطريق» أي «طهره من اللصوص» . و «النفضة» هي «جماعة يُبعثون في الأرض متجسسين لينظروا هل فيها عدو أو خوف» . وتحمل الكلمة أيضاً معاني الخصوبة فيُقال «نفض الكرم» أي «تفتحت عناقيده» . ويُقال «نفضت المرأة» أي «كثُر أولادها» . والمرأة النفوض هي «المرأة كثيرة الأولاد» (مثل المرأة الفلسطينية) ، وهناك تعبيرات مثل «نفض عنه الكسل» و «نفض عنه الهم» وكذلك «انتفض واقفاً» . والكلمة، بدلالتها وإيحاءاتها تفترض وجود قوة ما كامنة، كانت ساكنة ثم تحركت، وأن مصادر الحركة ليست من خارج النسق، وإنما من داخله. وهذا البُعد يجعل كلمة «انتفاضة» (لا ثورة) مصطلحاً أكثر دقة في وصف ما يحدث، فالثورة تفيد الانقطاع (الثورة الفرنسية والثورة البلشفية) أما الانتفاضة فتفيد أن الكامن قد أصبح ظاهراً، وأنه وصل ما انقطع ولم يقطع ما اتصل.
стр. 355
ونحن نذهب إلى أن الحجر في حالة الانتفاضة ليس مجرد سلاح استخدمه المنتفضون بكفاءة عالية وإنما هو بلورة كاملة لنموذج التكامل الفضفاض غير العضوي. فاستخدام الحجر كفاءة توصَّل لها الإنسان منذ أن بدأ التاريخ البشري. والحجر موجود بكثرة داخل معجمنا الحضاري، فهو أحد المفردات الأساسية في التراث العربي الإسلامي. فالحصان، على سبيل المثال، يُشبَّه في معلقة امرئ القيس بأنه "جلمود صخر حطه السيل من عل". ونحن نعرف كذلك آية الطير الأبابيل التي رمت الغزاة «بحجارة من سجيل» ، وعقوبة الزنى هي "الرجم". ويستعيذ المسلمون بالله من الشيطان" الرجيم"، ويقضون حياتهم يحلمون بإقامة شعائر الحج، ومن أهمها "رجم" إبليس وتحية "الحجر" الأسود (وربما تقبيله) . وتقف الكعبة نفسها "حجراً" ضخماً، مكعب الشكل يشير إلى ما لا نهاية، إلى الإمكانيات والوعود والجنة. ويزخر شعر المقاومة الفلسطينية قبل الانتفاضة وبعدها بإشارات لا تُعَد ولا تحصى للأرض والجبال والحجارة.
وثمة سمات مشتركة أخرى بين نموذج الانتفاضة، نموذج التكامل الفضفاض غير العضوي، والنماذج الإدراكية السائدة في المجتمعات التقليدية. فعلى سبيل المثال لجأت الانتفاضة، التي تحاول أن تحرك الكتلة البشرية بأسرها، إلى البحث عن رقعة الإجماع الشعبي بين الفلسطينيين (الثوابت الإنسانية) مثل التمسك بالأرض والدفاع عن حق تقرير المصير، ولم تشغل بالها بالأطروحات الثورية النقية الدقيقة. وهذا التوجه للثوابت قد لا يكون رشيداً من منظور علمي مادي ولكنه رشيد تماماً من الناحية الإنسانية والتعبوية. والانتفاضة في هذا لا تختلف كثيراً عن المجتمعات التقليدية التي تتسم بقدر عال من التماسك بسبب الإيمان بالثوابت ومن محاولةإدارة الأمور من خلال الإجماع لا الصراع (والإدارة من خلال الإجماع لا من خلال تصعيد المنافسة أسلوب في الإدارة تبنوه في اليابان بنجاح كبير، وبدأوا يكتشفون أهميته وجدواه في الغرب) .
стр. 356
ويمكن أن نرى النزعة الانتفاضية نحو الاستفادة من خبرات المجتمع التقليدي من موقفها مما يُسمَّى «الموضة» . والموضة ـ كما نعلم نحن عرب الخارج ـ اختراع غربي شيطاني، الهدف منه أن نغيِّر ملابسنا وأذواقنا (وهويتنا) مرتين كل عام، وأن نبدد طاقتنا الجسدية والروحية والمالية دائماً، ولكن في زمان الانتفاضة، وفي مكانها، تتغيَّر الأمور وتصبح الموضة ليس السعي للحصول على آخر ما اقترحه القرد الأعظم في باريس، وإنما أن تلبس ثياباً من صنع المصانع الفلسطينية، وبالتالي تضرب العدو وتساند الصناعة المحلية، فيزداد المنتفضون عزة واعتداداً بالنفس. كما أن اتباع الموضة الانتفاضية يعني أن الجميع سيرتدي الزي نفسه تقريباً فيصعب على العدو أن يميز بين الفلسطينيين، ومن ثم تصبح عملية المطاردة شبه مستحيلة (وهذا يشبه من بعض الوجوه الثورة الجزائرية حين أصبح كل الذكور يسمون محمداً وكل الإناث فاطمة، بحيث يغرق العدو في البحر الإنساني) . بل إن كل متجر ملابس أصبح مكاناً لتغيير الزي، ولذا إذا دلف أحد المنتفضين إلى مثل هذا المتجر فإن صاحبه يتصرف بتلقائية متعمدة، ويساعد المطارد على تغيير ملابسه، ليخرج وينضم للبحر الإنساني، والعدو الأبله يقف ممسكاً برشاشه الرهيب لا يعرف ماذا يفعل.
٢ ـ نموذج التلاحم العضوي (وهو نموذج أساسي في الحضارة الغربية) يدور في إطار القانون العام المجرد العالمي. وقد توصلت النظرية الثورية الماركسية في عالمنا العربي إلى أنه لابد من ظهور وعي بروليتاري متبلور. لكن حيث إن الوعي البروليتاري ناجم عن ظروف موضوعية (تركُّز العمال في المدن ـ تفاقم الصراع مع البورجوازية ... إلخ) فلابد من الانتظار لحين ظهور هذه الظروف الموضوعية. وهكذا دخلنا دائرة مفرغة، وتضخَّم الحديث عن الثورة وطرق إشعالها، وظل الواقع من حولنا مجدباً عقيماً يشهد بتعاستنا الفكرية وبؤسنا العملي والنظري!
стр. 357
وحينما وظف ثوار فيتنام (الفلاحون) الغابات والجبل في حربهم ضد الغزو الأمريكي الشرس، قال بعض الظرفاء إن على الثوار العرب أن يزرعوا بعض الغابات والجبال حتى يمكنهم أن يبدأو الكفاح الثوريّ، أي أننا فقدنا أنفسنا تماماً في القوانين والنماذج المجردة. ونموذج التكامل الفضفاض غير العضوي لا يفقد نفسه في القانون العام فهو يشبه المجتمعات التقليدية ذات الهوية الواضحة التي لا تفقد ذاتها في حضارة عالمية وهمية وتتعامل مع المتعين بكفاءة، ولذا نظر المنتفضون من حولهم وأدركوا أبعاد واقعهم واهتدوا إلى الحجر: سلاح غير مستورد متوافر في كل مكان لا يمكن نزعه أو مصادرته ويستطيع كل إنسان استخدامه فهو تعبير عن الإجماع الشعبي.
٣ ـ نموذج التكامل الفضفاض غير العضوي مبني على التدوير وإعادة استخدام المواد (بالإنجليزية: ري سايلكلينج recycling) ، وهو في هذا يشبه المجتمعات التقليدية، على عكس الحضارة الحديثة المبنية على فكرة التخلص من الفوارغ disposable (وهذا يعود إلى ولاء الحضارة الحديثة لفكرة السرعة وتنظيم الحركة واستهلاك الطاقة) . ويتميَّز الحجر بإمكانية استخدامة عدة مرات وربما إلى ما لا نهاية.
стр. 358
وهناك أمثلة عديدة على عمليات التدوير الأخرى، فعلى سبيل المثال، حينما كان بعض الشباب العادي يدخل السجن يتم تحويلهم إلى كوادر انتفاضية واعية وهو ما حوَّل السجون إلى أكاديميات لتخريج الثوار. ويقوم المنتفضون بتنظيم إضرابات داخل السجن تزيد التراحم. وحينما يخرج المسجون فإنه يعود بطلاً في الحي، نموذجاً انتفاضياً جديداً، ينظر له الأطفال والشباب والكهول. وهكذا يتحوَّل غيابه السابق في السجن إلى حضور ثري ينير العقول والقلوب (يُقال إن معظم العناصر القيادية من خريجي هذه الأكاديميات) . والمساجين لا يختلفون هنا عن الشهداء، إذ حينما يسقط أحد المنتفضين شهيداً فهو يتحول إلى رصيد مضاف، ويؤخذ الجثمان لتقام الصلاة عليه، ويتحوَّل استشهاده بذلك إلى وسيلة من وسائل زيادة التماسك. فالشهيد هنا ليس طاقة مبددة وإنما طاقة جديدة تظل تسري في جسد الجماعة. كما أن الكفاح بالحجر يعني أن بوسع المنتفض أن يستخدم الحجر ويفر في الطرق الضيقة فيضمن لنفسه الاستمرار والبقاء في دورة الكفاح اليومي.
стр. 359
٤ ـ نموذج التلاحم العضوي (شأنه شأن نموذج الحداثة المادية الغربية) مبني على النمو المستمر والمتصاعد وتعظيم مراكمة الطاقة واستهلاكها وتبديدها بل أحياناً تبديد المادة نفسها حتى يصل النموذج إلى الذروة، وهي نقطة الاشتعال (نهاية التاريخ) . فهذا النموذج يذهب إلى أن تراكم الظروف الموضوعية وتصاعد التناقضات واحتدامها، سيولد حتماً وعياً ثورياً، وهذا سيؤدي بدوره إلى اندلاع الثورة. وعملية التراكم والنمو التي تتم، هي عملية عالمية تحدث في كل المجتمعات حسب النمط نفسه. فنمط التراكم والتناقض واحد، ومن هنا الاهتمام المفرط بالظروف الموضوعية العامة لا بالظروف الفريدة المحلية. والنماذج التراكمية ترى أن التصعيد الثوري لابد أن يأخذ شكل تصعيد رأسي لا أفقي، بمعنى حتمية أن يكون هناك تزايد دائم في احتدام التناقضات، وفي تصاعُد درجة الحرارة حتى تصل إلى درجة الاحتراق. ولذا أصبح الفكر الثوري مشغولاً بـ «تهيئة الظروف الموضوعية لنشوب الثورة» التي لم ينجح أحد في تهيئتها حتى الوقت الحاضر.
أما نموذج التكامل الفضفاض غير العضوي فيحتاج إلى قَدْر من الطاقة ولكنه لا يتجه نحو تعظيم مراكمتها واستهلاكها، وإنما يركز على استخدامها مع الحفاظ عليها وعلى مصادرها (كما هو الحال في المجتمعات التقليدية) . وهو نموذج يفضل التوازن على الصراع. ولذا فهو يجمع بين الطاقة الإنسانية (التقاط الحجر وإلقاؤه) والطاقة الطبيعية (الحجر نفسه) .
стр. 360
ولأن النموذج الانتفاضي لا يتجه نحو النمو المستمر فهو لا يحاول أن يصل إلى الذروة، ولذا فهو يتوهج أحياناً ويخبو أحياناً أخرى. ولكنه لا ينطفئ أبداً ولا يشتعل أبداً. ويتضح هذا فيما نسميه التصعيد الأفقي، أي ابتداع أشكال جديدة من النضال هي استمرار للأشكال القائمة وربما تحسين لها ولكنها ليست تصعيداً كمياً لها. والتصعيد الأفقي يأخذ شكل زيادة الخبرة عند الجماعة البشرية الفلسطينية المنتفضة التي تعادل تزايد بطش العدو ومقدرته على محاربة الانتفاضة دون أن يشكل ذلك تزايداً في الحرارة ودون الإخلال بالإستراتيجية العامة للانتفاضة ـ أن تستمر في رفض العدو بشكل نشيط وفي إرسال الرسائل له: إننا كنا وما زلنا وسنكون.
стр. 361
وقد درَّب أهل الضفة والقطاع أنفسهم تماماً حتى أصبح بوسعهم أن ينجزوا في ساعتين أو ثلاث ما لا يستطيع غيرهم إنجازه إلا في يومين أو ثلاثة، وهذا يتطلب تدريب كل أفراد الجماعة على الحركة المنسقة وعلى توزيع الأدوار والوظائف توزيعاً دقيقاً. وقد أدى هذا إلى زيادة مقدرة الفلسطينيين على القيام بهذا العدد الهائل من الإضرابات والاحتجاجات دون أن يحترقوا. وقيادة الانتفاضة بقبولها فكرة السماح بفتح المحلات وغيرها من الخدمات لعدة ساعات تبيَّن أنها مدركة تماماً لضرورة تحريك كل أجزاء الجماعة الإنسانية وبشكل مستمر، ومن ثم لابد أن تلبي حاجاتهم الإنسانية كبشر، لابد أن يأكلوا ويشربوا ويفرحوا ويحزنوا. ولكنهم كبشر أيضاً يحققون إنسانيتهم من خلال انتفاضتهم فلا يسقطون في رتابة الزمان اليومية، ولا في آليته المبتذلة، إذ أنهم بعد عودتهم من عند البقال يضعون ما اشتروا من بضائع في زاوية الدار ثم يعانقون النجوم ويرشقون عدوهم بالحجارة. لقد ابتدع الفلسطينيون زماناً فلسطينياً للمكان الفلسطيني ـ هذا إذن هو الإنسان في زمن الانتفاضة، هذا هو الإنسان الذي أفلت من قبضة الزمن الرديء، وقد أنجز ذلك لا بتحطيم الزمان ونفسه (كبروميثيوس أو العنقاء ـ كما يقول شعراء الحداثة) ، وإنما بتقبُّله كمعطى والعمل من خلاله، وبزيادة الخبرة اليومية، ومن خلال التكاتف والتعاطف والتراحم. وماذا يستطيع العدو مهما بلغت كفاءته أن يفعل في مجابهة هذا؟
ومن الأمثلة الأخرى على التصعيد الأفقي أن المنتفضين لاحظوا أن جنود العدو كانوا يتعرفون على راشقي الحجارة عن طريق التراب العالق بأيديهم. فقام المنتفضون بتجنيد الأطفال الصغار ليحملوا فوطة مبللة يغسل راشق الحجارة بها يده بعد فراغه من فعله البطولي.
стр. 362
واستخدام الوزنة الحديدية بدلاً من الحجر، هو مثل ثالث على التصعيد الأفقي. والوزنة بالنسبة للحجر كالمدفعية الثقيلة بالنسبة للبندقية، فاستخدامها شكل من أشكال التصعيد ولا شك، ولكن مع هذا تظل الوزنة تنويعاً على الحجر. ويبدو أن إخفاء الوزنة أمر أسهل بكثير من إخفاء كمية من الحجارة، كما أنها لا تترك أثراً في يد صاحبها بعد أن يلقيها. إن زيادة الإبداع هنا لا يخل بالبنية العامة ولا يُشكِّل زيادة في الحرارة، كما أنه يفترض إمكانية تجنيد كل عناصر الجماعة. ولنتخيل شعور الطفل الذي يحمل الفوطة المبللة ومدى إحساسه بالكرامة حينما يعود إلى منزله ليحكي لأمه ولأبيه ما فعل فتزداد درجة التماسك والتراحم في الجماعة الفلسطينية.
ثمة مؤشرات أخرى على زيادة كفاءة الجماعة الفلسطينية في الانتفاضة، فعلى سبيل المثال عندما بدأت الانتفاضة كان بعض راشقي الحجارة يلجأون إلى مدارس البنات للهرب من المطاردين الإسرائيليين، فكانت البنات يصرخن بسبب فجائية الموقف، ولكن الجميع تعلَّم كيف يعزف لحن الانتفاضة المستمر. ولذا فحينما كان أحد المنتفضين يدخل مدرسة بنات فإن الجميع كن يتحركن بتلقائية متعمدة ويختفي المنتفض. وقد يظهر المنتفض فجأة أمام مكتب إحدى الموظفات وبالتلقائية المتعمدة نفسها تعطيه شهادة حسن سلوك لأخته التي حضر من أجلها، وليغوص العدو في هذا البحر الإنساني، إذ لا توجد آلة واحدة قادرة على مساعدته في اجتيازه.
٥ ـ يتطلب نموذج التلاحم العضوي حداً أقصى من التنظيم والترشيد الكامل في إطار القانون العام والتطبيق الصارم له. فيتم التنسيق الكامل بين الأجزاء المختلفة. ولذا لابد أن تكون كل العناصر متجانسة، ولابد أن تذعن للقانون العام والسلطة المركزية وتتسم بالخضوع للأطروحات الثورية العلمية الدقيقة.
стр. 363
أما في حالة نموذج التكامل الفضفاض غير العضوي، فإن الترشيد الكامل لا يكون ضرورياً، بل قد يكون على العكس ضاراً، إذ أن الترشيد يعني تطبيق قانون واحد على الجميع، أو مجموعة من القواعد المختلفة ينتظمها قانون واحد، وهذا يتعارض مع تنوُّع الأجزاء وتفاوت السرعات. ونموذج التكامل غير العضوي قد لا يعمل بنفس المستوى من الكفاءة ولا على نفس القدر من السرعة التي يعمل بها نموذج التكامل العضوي، ولكنه قادر على أن يعمل بسرعات متفاوتة في الوقت نفسه بسبب عدم وجود تنسيق صارم بين الأجزاء المختلفة (إذ يحتفظ كلٌّ بشخصيته إلى حدٍّ ما) . وهو بسبب مساميته وليونته يتمتع بإمكانية الحركة إلى الأمام أو إلى الخلف أو إلى اليمين أو إلى اليسار. بل يمكن أن تتحرك بعض أجزائه إلى الأمام وتتحرك بعض أجزائه الأخرى إلى الخلف، حسب الظروف. ويمكن أن تتحرك بعض أجزائه بينما تتوقف الأجزاء الأخرى، ولذا فمقدرته على تعبئة الجماهير، رغم عدم تجانسها، عالية.
وهذا ما فعلته الانتفاضة من خلال تجنيدها الكتلة البشرية (من كل الأعمار والطبقات والانتماءات الإثنية والدينية) في الأراضي المحتلة وتحريكها جميعاً في وقت واحد، في فترات مختلفة، وحسب مقدرة كل قطاع داخل هذه الكتلة على الحركة. ولم تكن الحركة دائمة متجانسة، وإنما كانت متقطعة غير متجانسة.
وقد تركت الانتفاضة بسبب عدم التزامها بقانون مجرد واحد مجالاً واسعاً للإبداع الشخصي وحوَّلت الارتجال إلى شكل مهم من أشكال النضال الإبداعي الذي يمكن استيعابه داخل التخطيط المركزي الفضفاض. والنضال بالحجر لا يتطلب درجة عالية من الترشيد ومن ثم لا توجد ضرورة لدورات توعية أو حلقات تدريب ولا درجات عالية من التثوير والتسييس.
стр. 364
٦ ـ نموذج التلاحم العضوي بسبب تماسكه العضوي وصلابته وافتقاده إلى المسامية والفضفاضية قادر على الحركة في ظروف مثالية وحسب، وفي اتجاه واحد وحسب ـ دائماً إلى الأمام. ولكنه بسبب هذا نجده غير قادر على التوقف، وفي الوقت نفسه مهدَّد بالتوقف الكامل إن لم تتوافر له الظروف المثالية، أي ظروف التحكم الكامل والتجانس الكامل والترشيد الكامل.
قد لا يتسم نموذج التكامل الفضفاض غير العضوي بمقدرته على الحركة السريعة والدائبة والمستمرة ولكنه يعوِّض هذا بمقدرته على التحكم في الإيقاع العام وفي توظيفه بما يتفق مع المنحنى الخاص لواقعه. وقد أدرك المنتفضون طبيعة واقعهم، وهو أنهم يعيشون تحت وطأة نظام عسكري شرس ذي ادعاءات ديموقراطية تتمتع بتأييد الحكومات والصحافة الغربية. ولذا كان المنتفضون يقومون بمضايقة العدو وإلحاق الألم والأذى به. ولكن الحجر ليس قاتلاً، وقد فوَّت هذا على عدوهم فرصة استخدام آلته العسكرية إلا بحذر شديد (وبخاصة في وجود وسائل الإعلام) . ولذا يمكن القول بأن النموذج الانتفاضي يقف بين النموذج الفيتنامي (القتال المسلح) والنموذج الغاندي (العصيان المدني السلمي) ، ومع هذا بوسع النموذج الانتفاضي أن يتحرك في نطاقهما إن لزم الأمر.
كما يتسم نموذج التكامل الفضفاض غير العضوي بمقدرته الفائقة على التحرك والاستمرار تحت معظم الظروف، وعلى الاستمرار بعد الانقطاع، وهذا ما حققته الانتفاضة، فهي أطول حركة عصيان مدني نشيط في التاريخ. لقد استمرت الانتفاضة وأنهكت العدو تماماً، حتى أن التفكير الإستراتيجي الإسرائيلي توصَّل إلى اقتناع مفاده أنه لن يمكن القضاء على الانتفاضة إلا عن طريق الالتفاف حولها، ومن هنا مدريد ثم أوسلو.
стр. 365
وقد صرَّح اللواء حسن البدري مؤرخ الجيش المصري، وأحد أهم مفكريه الإستراتيجيين، أن الجيش النظامي الذي يستمر في قمع العصيان المدني لمدة أكثر من عام يفقد مقدرته على القتال وينعدم فيه «الضبط والربط» وأن هذا ما حدث في فلسطين المحتلة. كما أضاف قائلاً إن حركة العصيان المدني التي تستمر لمدة أكثر من ست سنوات يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية، لأنها تكون قد شيدت كل المؤسسات البديلة لإدارة المجتمع، أي أن الانتفاضة بهذا المعنى كانت انتصاراً لفكرة المجتمع الأهلي مقابل الدولة المركزية. واندلاع الانتفاضة الثانية دليل آخر على مقدرة النموذج الانتفاضي على الاستمرار بعد التوقف وعلى التأجج بعد الراحة.
стр. 366
٧ ـ يتسم نموذج التكامل العضوي بالثنائية الصلبة، فالمركز قوي أما الأطراف فضعيفة، ولذا فالتنظيم يتسم بالهرمية الصلبة؛ نخبة طليعية مسلحة بالنظرية الثورية تتمتع بوعي ثوري عال، وجماهير تابعة ينظمها الحزب الثوري (طليعة الطبقة العاملة!) ويقودها إلى أرض الميعاد. ولذا لا يمكن تخيُّل الثورة بدون النظرية الثورية أو الحزب الثوري: ثمة حاجة إلى مركز قوي وفعال، لا يستطيع النموذج التحرك بدونه. ولكن، إن أصاب المركز خلل، تبعثرت الأطراف تماماً وانتقل من الثنائية الصلبة إلى السيولة الشاملة وتحوَّل الهرم المدبب إلى شيء مسطح لا مركز له ولا قوام. أما في حالة نموذج التكامل الفضفاض غير العضوي، فإن المركز لا يكون بالضرورة أقوى من الأطراف، ولذا يكون التنظيم شبه هرمي، قمته ليست مدببة ولا حادة، والقيادة لا تمسك كل الأمور بيدها ولا تسبق الجماهير وإنما تسير في وسطها جنباً إلى جنب، كما هو الحال في المجتمعات التقليدية التي لا تعطي أهمية مطلقة للنخبة أو الدولة إذ تتم الإدارة من خلال عدد هائل من المؤسسات الأهلية والوسيطة (الأسرة، ـ علاقات القرابة ـ الأوقاف ... إلخ) ، ومن خلال النصح والإرشاد وقدر من الإجماع. وإن حدث شيء للمركز فلن يؤثر كثيراً في الأطراف إذ لا يختلف المركز عن الأطراف كثيراً. والأطراف، شأنها شأن كل الأجزاء، لها شخصيتها المستقلة، أما وتيرة حركتها فينظمها المركز ولكنها مستقلة عنه ولها تموجاتها المختلفة ومنحنياتها الخاصة.
стр. 367
هذا التماسك بين أفراد الجماعة يمكِّنها من الاستمرار في الأداء دون توجيه يومي من القيادة ودون رقابة حزبية صارمة (دون انضباط حزبي كما يُقال في الخطاب الثوري) وهذه هي طريقة التنظيم في الانتفاضة، فالنضال بالحجر لا يتطلب عملية تنظيم مركزية أو قيادة قوية، فرغم وجود القيادة المركزية إلا أن الأطراف ظلت قوية. فحينما يتم القبض على أحد القادة فإن الجماعة تبذل قصارى جهدها لإثبات أنه ليس القائد الفعلي وذلك عن طريق الاستمرار في النضال وتصعيده. ومن هنا يصبح القبض على القائد عنصراً يزيد التلاحم والتماسك والتراحم بدلاً من أن يكون عنصر تآكُل وتراجُع. بل إنه في كثير من الأحيان، ونتيجة تحسُّن الأداء، كان العدو يستنتج أنه لم يتم إلقاء القبض على القائد الحقيقي ويعود للبحث عنه.
ومن المفارقات، أن تماسك الجماعة وفعالية كل أفرادها جعلها أكثر قدرة على اختيار العناصر القيادية الأكثر كفاءة، لأنه إذا كان الجميع يعرف الجميع وإذا كان الطفل والشاب والعجوز يتكاتفون، فمن خلال الممارسة اليومية تسهُل معرفة العناصر الأكثر حركية وانتفاضاً فتصعد لمرتبة القيادة. فالتماسك هنا لم يجعل القيادة مهمة، ولكنه ضمن في الوقت نفسه وصول العناصر البشرية الأكثر إبداعاً وانتفاضاً إلى مركز القيادة!
стр. 368
وقد اهتم المنتفضون، انطلاقاً من نزعتهم التراثية، أيما اهتمام بالأغاني الشعبية والتراث الشعبي في نضالهم واحتجاجهم، ولكن إبداعهم التراثي وصل إلى ذروته وعبَّر النموذج الانتفاضي، نموذج التكامل الفضفاض، عن نفسه خير تعبير فيما سميته «حيلة البطيخة» . فمن المعروف أن قوات الاحتلال الصهيوني كانت تُحرِّم على الفلسطينيين أن يرفعوا العلم الفلسطيني وتُجرِّم هذا الفعل. ولذا بدلاً من المواجهة المباشرة كان الفلسطينيون، عند مرور القوات الصهيونية، يقومون بقطع بطيخة إلى نصفين ثم يرفعون أحد النصفين، وكل لبيب بالإشارة يفهم. فألوان البطيخة المقطوعة حمراء وقشرتها خضراء وبيضاء وبذورها سوداء، وهي ألوان العلم الفلسطيني. ولعل عملية قطع البطيخة نفسها تذكر الجندي الصهيوني بأشياء أخرى يخافها. إن قطع البطيخة المتعينة أكثر عمقاً في مدلوله من مجرد رفع العلم المجرد. وهو سلاح مبتكر تماماً يوجد عند الفكهاني في أي وقت، وليس بإمكان العدو مصادرته وإن فعل يصبح أضحوكة أمام العالم. وهو سلاح اقتصادي تماماً يمكن تدويره (بالإنجليزية: ريسياكلنج recycling) ! يستطيع المجاهد أن يأكله بعد أن يناضل به. ويستطيع الجميع استخدام سلاح البطيخة من سن السابعة إلى سن السابعة والسبعين. وهو أيضاً سلاح يستفز العدو دون أن يعطيه فرصة للبطش. وهو في نهاية الأمر تعبير عن الهوية: حلبة الصراع الحقيقية. والبطيخ سلاح شعبي مائة في المائة، ولا أعتقد أن من يأكل الهامبورجر كثيراً ويسمع الديسكو طويلاً قادر على أن يستخدم البطيخة كعلم فلسطين، والأغنية كنظرية ثورية، والحجر كسلاح.
стр. 369
هذا هو «نحو» الانتفاضة، وهذه هي «قواعدها» ، وما أشكال الإبداع الانتفاضية الأخرى إلا تنويعات أو جُمَل تم توليدها على هذا النحو. فسلاح إشعال النار في الغابات يتسم (تماماً كالحجر) بأن لا يحتاج لسلاح مستورد، ولا لمستوى تنظيمي عال ويحقق درجة عالية من إمكانية البقاء. ويمكن تحسين هذا السلاح من داخل النسق التقليدي إذ يقوم المنتفضون بسرقة حمام من مزارع الإسرائيليين ثم يزودونه بفيلينة تشعل الحرائق ويطلقونه ليعود ـ كما تملي عليه غريزته ـ إلى منطقة سكناه، وفي الطريق يشعل الحرائق! ولعل حادثة الحافلة التي بثت الرعب في نفوس المستوطنين شكل آخر من النضال الانتفاضي الذي يعبر عن نموذج التكامل الفضفاض، إذ قام أحد المنتفضين وبيديه العاريتين بدفع سائق الحافلة فسقط الجميع في الوادي وتناثرت أشلاء العدو، فهي فعل تم بمبادرة شخصية وجهد إبداعي فردي، ولذا لم تتمكن الاستخبارات من ضربه، وهو مع هذا جزء ينسجم تماماً مع الكل (الانتفاضة) ويخدم أهدافه!
وقد تركت الانتفاضة أعمق الأثر في أطراف الصراع، أما بالنسبة للفلسطينيين والعرب فقد نزعت الانتفاضة عنصر الخوف من القلوب وأثبتت أن بالإمكان إلحاق الهزيمة بالعدو الذي كان يظن أنه لا يُقهَر، هذا لو نفضنا عن أنفسنا التبعية الإدراكية وتعاملنا مع واقعنا من خلال النماذج الخاصة بنا، بل إن بوسعنا ـ لو شئنا ـ أن نولِّد من الانتفاضة ـ باعتبارها نموذجاً معرفياً ـ نماذج تنموية جديدة مختلفة عن النماذج (العضوية التراكمية) السائدة، فالانتفاضة اكتشفت شيئاً ما داخل الإنسان العربي وحرَّكته، وهو الأمر الذي لم تنجزه أية حركة فكرية أو سياسية أخرى من قبل.
أما على الصعيد الدولي فقد أسقطت الانتفاضة قناع إسرائيل الديموقراطي وأصبح من العسير الحديث عن التراث اليهودي ـ المسيحي والتقاليد الليبرالية وما شابه من ديباجات طريفة أحرزت شيوعاً في العالم الغربي بين البسطاء ورجال الصحافة والإعلام.
стр. 370
أما بالنسبة للصهاينة فعُمْق أثر الانتفاضة في التجمع الصهيوني يفوق الوصف. فالانتفاضة عمَّقت جوانب أزمة المجتمع الصهيوني سواء في المجالين الاقتصادي أو السياسي. وتعميق الأزمة الاقتصادية والسياسية يترجم نفسه إلى مزيد من الاعتماد على الولايات المتحدة وتآكل السيادة الاقتصادية والسياسية، ومن ثم ازدادت طفيلية التجمُّع الصهيوني وازداد التفسخ الاجتماعي فيه.
ولكن الأهم من هذا، أن الانتفاضة زعزعت دور إسرائيل كوسيط، فالدولة الصهيونية كانت تطرح نفسها على أنها استثمار ليس ذا عائد اقتصادي كبير ولكنه ذو عائد إستراتيجي مرتفع (فهي حاملة طائرات أمريكية زهيدة التكاليف) ، ولكن الانتفاضة بيَّنت بما لا يقبل الشك أن الدولة الصهيونية مكلفة من النواحي الإعلامية والاقتصادية والسياسية، وأنها قد يمكنها القيام بعمليات إجهاضية سريعة (دور الفتوة) أو أن تضرب في العمق العربي، ولكنها غير قادرة على الاحتفاظ بالأمن والسلام الأمريكي فهي إن كانت غير قادرة على الاحتفاظ بالأمن والسلام الأمريكي ضد الشباب من حملة الحجارة، فكيف يمكنها أن تحافظ على السلام الأمريكي من باكستان إلى المغرب، كما كانت تزعم. ومع استمرار الانتفاضة وعجز المؤسسة الصهيونية عن إطفاء نورها ونيرانها، ومع تزايد تماسك المجاهدين الفلسطينيين اكتشف الصهاينة أن دورهم التقليدي كشرطي للمنطقة لم يعد ممكناً، وأن محاولة ضرب الانتفاضة من خارجها لن تفلح، ومن هنا بدأت إسرائيل تطرح نفسها على أنها عدو الأصولية الإسلامية ليمكنها دخول تحالف مع الحكومات العربية ضد الروح الجهادية، ومن هنا توقيع اتفاقيات السلام والإلحاح على ضرورة رفع المقاطعة العربية حتى تلعب إسرائيل دوراً اقتصادياً يحل محل دورها العسكري القديم أو يكمله، بهذه الطريقة تحل الدولة الصهيونية أزمتها تجاه الدول الغربية الراعية لها وتكون قد توصَّلت إلى طريقة لضرب الانتفاضة من الداخل.
стр. 371
ولكن أهم آثار الانتفاضة بغض النظر عن نتائجها العملية والمباشرة أنها أصابت الحلم الصهيوني في مقتل، فالمستوطن الصهيوني الذي كان يستند وجوده وإحساسه بالأمن الداخلي إلى وهم الإيمان بأن العرب ـ في نهاية المطاف ـ سيخضعون ويقبلون الأمر الواقع، قد رأى المقهورين، وهم يهبون ـ فجأة من وجهة نظره ـ ويلقون الأحجار عليه في انتفاضة اشترك فيها الجميع حرفياً. ولذا بدلاً من الأحلام الوردية المتمركزة حول البيت الفاخر الذي توجد على أطرافه العمالة العربية الرخيصة، توجد كوابيس مظلمة يقف في وسطها طفل ممسك بحجر، ومن ثم بدأ المُستوطن الصهيوني يتساءل ـ ولأول مرة ـ لا عن الخلل الذي يمكن إصلاحه، وإنما عن شرعية وجوده نفسها، وبهذا تكون الانتفاضة قد استعادت للصراع العربي الإسرائيلي أبعاده الحقيقية، ورغم كل المحاولات الحالية الرامية لتحويل قضية الصراع العربي الإسرائيلي إلى قضية إجرائية متصلة بالممرات وفرق المطافئ وبضعة كيلو مترات، فإن اندلاع الانتفاضة يؤكد أن القضية أكثر شمولاً وعمقاً، وأن جهادنا ليس من أجل هذا الشيء أو ذلك، وإنما من أجل هوية هذه المنطقة ومن أجل قيمها ومستقبلها.
إن الانتفاضة ليست حركة عصيان مدني لتحرير فلسطين أو الشعب العربي وإنما هي نموذج متكامل ورؤية للكون يمكن استخدامها في إدارة المجتمع العربي بطريقة تفجِّر الإمكانات الثورية والإبداعية لدى الجماهير. وهذا ما فشلت فيه كل من الحركات الثورية العربية وأعضاء النخب الحاكمة. فإنجاز الانتفاضة إنجاز لنا جميعاً نحن أبناء الشعب العربي والشعوب الإسلامية، وهو طريقة للجهاد ذات فعالية عالية. ولعل عودة الانتفاضة ونشاطها بعد سكوتها، يعني أن نموذج الجهاد لا يموت، فهي قد تهدأ قليلاً لتراقب ما يحدث، لتعود حية شامخة، كالنجم الساطع في سمائنا التي لا يتلألأ فيها كثير من النجوم.
المؤشر بين النماذج الاختزالية والمركبة
стр. 372
كلمة «المؤشِّر» من فعل «أشَّر» ، وهو من الألفاظ العربية المحدثة، وتقابلها في اللغة الإنجليزية كلمة «إنديكيتور indicator» . والمؤشِّر هو عادةً جسم متحرك (إبرة أو عقرب) يتحرك على سطح به مقياس. وتدل حركة المؤشِّر على التحولات التي تطرأ على شيء آخر، فالإبرة التي تُوجَد في عداد السرعة في السيارة تدل على السرعة، أما الإبرة التي تُوجَد في جهاز قياس الضغط، فتدل على الضغط، وتدل عقارب الساعة على الزمن. ويُلاحَظ أنه تُوجَد هنا علاقة بين شيئين: جسم مادي يشاهده المرء بشكل مباشر، وشيء آخر غير منظور يجرى قياسه مثل السرعة والزمن وضغط الدم في الإنسان أو الضغط الجوي.
وتُستخدَم كلمة «مؤشِّر» في العلوم الإنسانية لنفس الهدف. فالمؤشِّر عنصر ما في الواقع تمكن ملاحظته بسهولة، والتحولات التي تطرأ عليه تدل على التحولات التي تطرأ على مفهوم مجرد. وبسبب هذه العلاقة يمكن جمع المعلومات والبيانات عن المفاهيم المجردة (الطبقة ـ المكانة ـ الأسرة) من خلال المؤشِّر بحيث يتعمق إدراكنا لكل هذه المناهج وبنيتها، كما يمكن رصد التحولات التي تطرأ عليها.
стр. 373
ويتراءى للبعض أن علاقة المؤشِّر بالواقع مباشرة تماماً تشبه علاقة العقل بالواقع أو علاقته بالمعلومات، وذلك في الرؤى الموضوعية المتلقية المادية (صفحة بيضاء تنطبع عليها معطيات الواقع الحسية دون تَدخُّل الرؤى والرموز والذكريات والإرادة والمقدرة والمصالح على خداع الذات وتجاوزها) ، كما تشبه علاقة المثير بالاستجابة في النماذج السلوكية إذ لا توجد مسافة تفصل بين الواحد والآخر. ولكن المؤشِّر لا يتحرك في فراغ أو على صفحة بيضاء، فهو مرتبط دائماً بالنموذج الإدراكي أو التفسيري الذي يحكم رؤية من يستخدم المؤشِّر، وقد يكون المؤشِّر تعبيراً عن نموذج مركب (ولنسمه «المؤشِّر المركب» ) ، ولذا فإن علاقته بالواقع ستكون مركبة لأنه يشير إلى الواقع في مستوياته المختلفة الظاهره والباطنة والبرانية والجوانية وأبعاده المتنوعة دون اختصار أو اختزال. وهو سيدور في إطار رؤية تفسيرية اجتهادية تدرك تماماً أن معرفة بعض جوانب الواقع ممكنة، أما معرفة كل جوانب الواقع فأمر إمبريالي مستحيل. وقد يدور المؤشِّر في إطار نموذج اختزالي (ولنسمه «المؤشِّر الاختزالي» ) فتصبح مهمته اختزال الواقع. فالمؤشِّر الاختزالي ـ شأنه شأن النماذج الاختزالية ـ يتعامل مع الواقع (متضمناً الإنسان) باعتباره ظاهرة بسيطة واضحة، خاضعة للسببية الصلبة المباشرة الكاملة؛ الظاهر هو الباطن، والسطح لا يختلف عن الأعماق، والظاهر يكشف ما في الباطن بسهولة ويُسر، والسطح يشف عما تحته بدون عناء. والدوافع الإنسانية بسيطة واضحة يمكن رصدها، ولذا فإن الإنسان يسلك حسب نمط متكرر مسبق، ولذا يَسهُل التنبؤ بما سيفعل كما يتصور السلوكيون (وهم حالة متطرفة من أصحاب المؤشِّرات الاختزالية الكمية [المادية] ) . ويظن صاحب المؤشِّر الاختزالي أن مؤشِّره أو مؤشِّراته يقينية نهائية صلبة وما عليه إلا أن يتسلح بها وينظر للواقع بشكل موضوعي محايد (متجاهلاً السياقات المركبة المتداخلة
стр. 374
والأبعاد التاريخية والتركيبات النفسية والرموز متعددة الأوجه) . وهو عادةً ما يحوِّل الكيف إلى كمّ، بل إنه يدرك الكيف باعتباره كماً (فعلم اجتماع عشة الدجاج لا يختلف بالنسبة له عن علم اجتماع المنزل الإنساني) ثم يعبئ جداوله التي لا تنتهي بالبيانات وهو فطن دائماً إلى أنه أحاط بكل جوانب الواقع وشرحه تماماً بشكل موضوعي باهر.
وصاحب المؤشِّرات الاختزالية جاهز دائماً بآلياته الرصدية وجداوله البحثية واستبياناته، ولكنه جاهز بالدرجة الأولى بأطروحته الاختزالية التي تُفسِّر كل شيء ويُردُّ إليها كل شيء. فالأمور إن هي إلا: عناصر اقتصادية ـ صراع من أجل البقاء ـ دوافع جنسية ـ شهوة للسلطة ـ مؤامرة بلشفية ـ مؤامرة يهودية ـ مؤامرة إسلامية متطرفة. ويتم الرصد في إطار هذه الأطروحة وتُستخدَم المؤشِّرات للتوثيق الذي لا ينتهي. وبذلك يصبح المؤشِّر ليس طريقة لاكتشاف الواقع وإنما لتسطيحه وتبسيطه وتسويته.
стр. 375
ينظر صاحب المؤشِّرات الاختزالية حوله جاهزاً بأطروحاته البسيطة، ويتحول كل ما حوله إلى مؤشِّرات تثبت ما يؤمن به دون أي قلق أو اجتهاد أو إشكاليات. وبدلاً من اكتشاف الواقع وإعادة اكتشافه، يقوم هو بعملية رصد موضوعي متلقٍ وتوثيق سطحي. فإن اشترك يهودي أمريكي في مظاهرة من أجل إسرائيل، فإن الأمور منتهية والدلالة واضحة، فالظاهر والباطن واحد، والمثير والاستجابة متصلان. فاشتراك هذا اليهودي في مثل هذه المظاهرة دليل صلب لا يُدحَض على أنه صهيوني متعاطف مع إسرائيل. وإن ضُبطت مجموعة من المجرمين من أعضاء الجماعات اليهودية، فإن المسألة أيضاً منتهية، فهذا مؤشِّر صلب على أن اليهود أشرار ينشرون الفساد في الأرض. وإن قررت الولايات المتحدة نقل سفارتها إلى القدس، فإن المسألة واضحة وسهلة وتنهض دليلاً على سطوة اللوبي الصهيوني. وإن صرح أحدهم أن أبواب الهجرة من الاتحاد السوفيتي ستُفتَح أمام اليهود فهذه ولا شك جريمة العصر إذ من المتوقع أن تهاجر الملايين، لأن الأطروحة السائدة أن اليهود يهاجرون إلى إسرائيل كلما سنحت لهم الفرصة!.
стр. 376
وما يغيب في هذه الاستجابات هو الإحساس بتركيبية الواقع وأن الظاهر ليس هو الباطن. ومن ثم، فإن الأطروحات البسيطة لا تكفي، والمؤشِّرات الواضحة البسيطة لابد أن تثير في أنفسنا الشك. فالإنسان ظاهرة مركبة إلى أقصى حد، ظاهرة تحوي داخلها عناصر لا يمكن بأية حال ردها إلى النظام الطبيعي (الوعي ـ الحس الخلقي ـ الحس الجمالي ـ المقدرة على مراقبة الذات وتغييرها ـ المقدرة على فعل الخير وعلى فعل الشر بشكل واع ونتيجة اختيار حر ـ المقدرة على استخدام الرموز في العمليات الإدراكية) . وهذه العناصر تتجلى في أشكال ملموسة مختلفة، ولكن إدخالها في شبكة السببية الصلبة والتوصل إلى مؤشِّرات مادية عليها أمر عسير في معظم الأحيان ومستحيل في بعضها، ولعل هذا هو سبب صعوبة التنبؤ بسلوك الإنسان. ولكن يظل من الضروري، مع هذا، استخدام المؤشِّرات والتعميم منها، فبدونها لا يمكن رصد الواقع ولا يمكن رؤية الأنماط الكامنة وراء سيل المعطيات والمعلومات ولا يمكن أن يقوم علم. ولكن لابد أن تحاول المؤشِّرات أن تفلت من قبضة النماذج الاختزالية التي تُجمِّد الواقع وتُسطِّحه، وأن ندرك عدة قضايا أساسية عند استخدام المؤشِّرات.
стр. 377
١ ـ لعل من الواجب أن ندرك قصور المنطلقات المعرفية للنماذج الموضوعية المتلقية المادية التي تظن أن الإنسان إن هو إلا ظاهرة طبيعية، ويجب تَبنِّي منطلقات الرؤية التفسيرية الاجتهادية التي تنطلق من ثنائية الإنسان والطبيعة والتي تؤكد أن الإنسان ليس إنساناً طبيعياً وإنما إنسان غير طبيعي، رباني، إنساني. هذا الاختلاف بين الإنسان والطبيعة (المادة) يُعبِّر عن نفسه في الاختلاف بين المؤشِّر في العلوم الطبيعية والمؤشِّر في العلوم الإنسانية. ولنأخذ على سبيل المثال مستوى التعميم الذي يمكن أن يطمح إليه الباحث. إن أي علم لابد أن يستند إلى قدر من التعميم، وإلا لما أصبح علماً. ولكن التعميم في العلوم الطبيعية يصل إلى مستويات أعلى بكثير من المستويات التي تصل إليها العلوم الإنسانية، إذ أن عنصري الزمان والمكان بالنسبة للعلوم الطبيعية ليسا في أهميتهما بالنسبة للعلوم الإنسانية. ولذا، فإننا نجد أن التعميم في العلوم الإنسانية يكون بمثابة إطار عام يتم من خلاله تصنيف مجموعة من الظواهر، وتظل كل ظاهرة محتفظة بخصوصيتها واستقلاليتها عن الإطار الكلي. ومن هنا، فإننا نجد أن التعميم في العلوم الإنسانية يظل لصيقاً إلى حدٍّ ما بالمادة المستخدمة في الوصول إلى التعميم. ولذا، فإنه يُقبَل في العلوم الإنسانية بقدر من التناقض بين النظرية والظواهر المختلفة لا يُسمَح به في العلوم الطبيعية. كما يُلاحَظ أن التعميمات في العلوم الإنسانية كثيراً ما يتم تعديلها من خلال عملية التطبيق، ذلك لأن العلاقة بين المؤشِّر (العام) والظاهرة (الخاص) في العلوم الإنسانية علاقة حلزونية تبادلية. فنحن يمكن أن نصل إلى تعميم مفاده أن الجماعات الوظيفية اليهودية، بعد ظهور الدولة القومية، تتحول عادةً إلى طبقات متوسطة. ويمكن تعريف الطبقة المتوسطة من خلال الدخل والمكانة وأسلوب الحياة، ويمكن استخدام هذا كمؤشِّر عام. ولكن، عند التطبيق، لابد أن نَلزَم
стр. 378
الحذر، فأعضاء الجماعات اليهودية من أعضاء الطبقة المتوسطة في الولايات المتحدة ليس لهم أية خصوصية، وإن كان ثمة خصوصية فليس لها أهمية تفسيرية كبيرة. أما في جنوب أفريقيا، في إطار المجتمع الاستيطاني، فإنها تصبح طبقة متوسطة استيطانية، الأمر الذي يمنحها خصوصية لها قيمة محورية في عملية التفسير، فعلاقة الطبقة المتوسطة في جنوب أفريقيا بالطبقة العاملة السوداء تختلف تماماً عن علاقة الطبقة الوسطى في بلد مثل فرنسا مع الطبقة العاملة فيها. أما في أمريكا اللاتينية، فإن قولنا إن أعضاء الجماعات اليهودية انخرطوا في صفوف الطبقة المتوسطة هو من قبيل التجاوز. فهم طبقة متوسطة من ناحية الدخل والمقاييس الخارجية والمهنية، ولكنهم مع هذا احتفظوا ببعض ملامح الجماعة الوظيفية المالية. ومن بين هذه الملامح العلاقة مع النخبة الحاكمة، إذ أن أعضاء الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية كانوا غير مُمثَّلين (حتى عهد قريب) في النخبة الحاكمة بسبب التكوين الحضاري الخاص للمجتمعات اللاتينية. فرغم أنها مجتمعات استيطانية، إلا أنها لم تصل إلى درجة عالية من العلمنة والانفتاح كما حدث على سبيل المثال في الولايات المتحدة.
٢ ـ يجب أن ندرك أن مضمون المؤشِّر في العلوم الإنسانية ليس مباشراً، فظاهر الإنسان يختلف عن باطنه، إذ لابد أن يَكد الباحث لتحديد المعنى الحقيقي للمؤشِّر، ولذا يمكن أن تكون بعض المؤشِّرات متشابهة بشكل سطحي، ولكننا بعد شيء من التعمق فيها سنكتشف أنها تشير إلى مدلولات مختلفة بل متناقضة. والعكس صحيح، إذ يمكن لمؤشِّرات أن تبدو متناقضة ولكن بعد شيء من التعمق يتضح أنها تشير إلى مدلول واحد.
стр. 379
ولنضرب بعض الأمثلة على ما نقول: إن هجرة اليهود من بلادهم إلى إسرائيل هو مؤشِّر على أن ثمة عناصر طرد في بلادهم الأصلية وعناصر جذب في إسرائيل وتدل على فشلهم في الاندماج في مجتمعاتهم. وبناءً على هذا التعميم المعقول، بل البديهي، يمكن القول بأن هجرة يهود جورجيا هي تعبير عن نفس الاتجاه. ولكننا لو تعمقنا قليلاً لوجدنا أن هجرة يهود جورجيا تعبير عن اندماجهم في مجتمعهم، فجماهير جورجيا السوفيتية (قبل سقوط الاتحاد السوفيتي) كانت تناصب الدولة السوفيتية العداء، وأعضاء الجماعات اليهودية كانوا جزءاً لا يتجزأ من هذه الجماهير ومن مجتمعهم الجورجي. وبالتالي، فإن الخروج من جورجيا والذهاب إلى إسرائيل (عدو الاتحاد السوفيتي اللدود) ليس خروجاً يهودياً بل هو خروج جورجي وتعبير عن حركيات المجتمع الجورجي وعن رفض الهيمنة السوفيتية. وإذا نظرنا إلى يهود بني إسرائيل في الهند فسنجد أنهم يعيشون في عزلة (وهذا يؤخذ كمؤشِّر على عدم اندماجهم) . ولكننا سنكتشف أن المجتمع الهندي مبني على نظام الطائفة المغلقة، وأن من ينتمي إلى هذا المجتمع عليه أن يُنظِّم نفسه على هيئة طائفة مغلقة، وهذا ما فعلته الجماعات اليهودية في الهند، فعزلتها هي تعبير عن اندماجها.
стр. 380
٣ ـ يجب أن ندرك أن مضمون المؤشِّر في العلوم الإنسانية مرتبط إلى حدٍّ كبير بالمعنى الداخلي الذي ينسبه الفاعل إليه ومرتبط بالدلالة الرمزية للمُعطَى المادي (وهو أمر غير متوافر وغير وارد في العلوم الطبيعية) . ولنأخذ هجرة اليهود السوفييت من الاتحاد السوفيتي كمثل. إذا لم نعرف دوافع المهاجرين للهجرة وظروف هجرتهم، فلن نتمكن من فهم اتجاه حركتهم. فإذا افترضنا ـ كما يفعل الصهاينة ـ أن الدافع للهجرة هو العودة إلى أرض الميعاد، فإن اتجاه اليهود السوفييت إلى الولايات المتحدة يبدو كما لو كان غباءً منهم. ولكننا إذا عرفنا أن دوافعهم هي الحراك الاجتماعي، لأصبحت الهجرة إلى الولايات المتحدة أمراً منطقياً جداً. ويؤدي تنوع المعنى الداخلي إلى تنوع الدلالات لنفس المؤشِّر المادي، ولذا فإن ثمة مؤشِّراً مادياً واحداً قد يشير إلى أكثر من مدلول أو إلى المدلول وعكسه. وقد درس الزعيم الصهيوني بن جوريون دوافع يهود الولايات المتحدة وتركيبتهم الأيديولوجية والنفسية، وخلص من هذا إلى أن صهيونية كثير من يهود أمريكا التي تتبدَّى في دفع التبرعات لإسرائيل والتظاهر من أجلها ليست تعبيراً عن رغبتهم في العودة إلى أرض الميعاد أو تمسُّكهم بهويتهم وإنما هي محاولة لتغطية اندماجهم في المجتمع الأمريكي وإرضاءً لضمائرهم اليهودية المتعبة. فكأن المؤشِّر هنا (ادعاء الصهيونية) يشير إلى عكس مضمونه الصهيوني التقليدي (تماسك الهوية اليهودية) . ولذا، رغم أن كثيراً من يهود أمريكا متعصبون ويعلنون صهيونيتهم بشراسة غير عادية، إلا أن المُلاحَظ أنهم لا يذهبون إلى انتخابات المؤتمر الصهيوني ويكتفون بدفع اشتراكات العضوية. ويُلاحَظ أن صهيونية يهود أمريكا تعني أنهم يهود/أمريكيون (على غرار إيطاليون/أمريكيون) أي أن إسرائيل مسقط رأسهم. ولكن مسقط الرأس هو المكان الذي يهاجر منه الإنسان لا إليه. ومرة أخرى نلاحظ أن المضمون الحقيقي لصهيونية يهود أمريكا ليس
стр. 381
صهيونياً.
وهناك، كذلك، متحف الهولوكوست في الولايات المتحدة الذي افترض بعضهم أنه مؤشِّر على النفوذ الصهيوني. ولكن، بعد دراسة الأمر، ظهر أن يهود أمريكا قد أسسوا هذا المتحف دفاعاً عن هويتهم اليهودية الأمريكية وتأكيداً على أن أمريكا (وليس إسرائيل) هي وطنهم، وأنها ليست المنفى الذي يتحدث عنه الصهاينة. ولذا، لم يسعد صهاينة إسرائيل كثيراً بهذا المتحف إذ جعل مركز يهود أمريكا في أمريكا نفسها.
ولنأخذ ظاهرة حب اليهود وكرههم. فإذا عرفنا مثلاً أن حب بلفور لليهود كان يُعبِّر عن رغبته في التخلص منهم، فإننا سنكتشف أن حب بلفور لهم لا يختلف كثيراً عن كره هتلر لهم. إن المعنى الداخلي للمؤشِّر مرتبط تماماً برؤية الفاعل إلى الكون، فكأن المضمون المحدَّد والمتعيِّن للمؤشِّر يتحدَّد إلى حدٍّ كبير في إطار رؤية الفاعل. وثمة نقطة هامة أخرى مرتبطة تماماً بقضية المعنى الداخلي وهي أن رؤية الفاعل، ظاهرة كانت أم كامنة، مختلفة عن أمنياته وعن أقواله. فقد تتطابق الأمنيات والأقوال مع الرؤية إلى الكون، وقد تتناقض جزئياً أو كلياً معها. والمتتالية المحتملة والمشروع والبرنامج كثيراً ما تختلف عن المتتالية المتحققة وعن النتائج الفعلية، ويجب ألا يخلط الباحث الواحد بالآخر، فيأخذ البرنامج السياسي باعتباره مؤشِّراً صلباً على ما سيحدث.
стр. 382
٤ ـ يرتبط بالعنصر السابق قضية استطلاعات الرأي التي يُنظر إليها باعتبار أنها مؤشِّرات صلبة على الاتجاهات السياسية في مجتمع ما. فتُوجَّه أسئلة واضحة يمكن الإجابة عنها بنعم أو لا، ثم تُصب المعلومات في جداول ويُقسَّم أصحاب الإجابات إلى صقور وحمائم مثلاً. والتقسيمات الثنائية تكون عادةً مغرية ولكن اختزالية، إذ لا يُعقل أن يكون الواقع بمثل هذه البساطة. فإن سُئِّل إسرائيلي هل أنت مع السلام؟ ستكون إجابته ولا شك "نعم أنا مع السلام"، إذ من النادر أن يوجد إنسان قادر على أن يقول أنا ضد السلام ومع سفك الدماء. فالسؤال الساذج يؤدي إلى إجابة ساذجة. ولكن الثنائيات المتعارضة لا يمكنها أن تصل إلى تركيبية الواقع وتموجاته. وثمة أسئلة يمكن الإجابة عنها بـ «نعم» على مستوى و «لا» على مستوى آخر، و «نعم ولا» في آن واحد على مستوى ثالث. وهناك أيضاً الدوافع المركبة (بعضها خفي وبعضها على مستوى اللاوعي) . فقد بيَّنت إحدى إحصاءات الرأي في الاتحاد السوفيتي أن ١٧% من يهود الاتحاد السوفيتي يتحدثون اليديشية. ولكنهم، بعد مراجعة الأرقام، وجدوا أن جزءاً كبيراً منهم قد صرح بأن اليديشية لغته كجزء من تأكيد هويته وكجزء من الاحتجاج على الدولة السوفيتية، وأن هؤلاء في واقع الأمر لا يتحدثون اليديشية، والأهم من هذا أنهم لا يرسلون أولادهم لتعلُّم اليديشية، وبالتالي فاستطلاع رأي هؤلاء لا يجدي كثيراً إذ أن ولاءهم العقائدي وأحلامهم المثالية هي التي تحدد إجابتهم وليس واقعهم الفعلي. وفي أحد استطلاعات الرأي في إسرائيل، قالت أغلبية المشتركين إنهم من مؤيدي مؤتمر السلام، فقام أحد الصحفيين باستطلاع رأي آخر ليتأكد أن المشاركين يعنون ما يقولون ليكتشف أن ٨٠% لا يعرفون مؤتمر السلام هذا ولا أهدافه. وكمحاولة للتوصل إلى إطار أكثر تركيباً، اقترحت في إحدى دراساتي، بدلاً من الصقور والحمائم، أن يكون هناك صقور وحمائم ودجاج (يفر) ونعام (يتجاهل
стр. 383
الواقع) ، واقترحت المزيد من " الطيور الإدراكية".
٥ ـ يجب أن ندرك أن المؤشِّر في العلوم الإنسانية يشير إلى عالم الإنسان المركب الذي يوجد فيه ما هو جوهري وما هو هامشي، وأن المؤشِّر على الجوانب الجوهرية للظاهرة أكثر أهمية من المؤشِّر على الجوانب الهامشية. فيمكن أن يورد الإنسان مؤشِّرات صلبة ولكن ليست لها مقدرة تفسيرية عالية أو مركزية. ولذا، إن بيَّن أحد أن كل نساء ولاية إلينوي ممن تجاوزن سن الأربعين يؤيدن الدولة الصهيونية، فلابد أن يكون ذلك الأمر مهماً ولكنه أقل أهمية عن معرفة أن مستشاري الأمن القومي في الولايات المتحدة (من يهود وغير يهود) مؤيدون لإسرائيل.
٦ ـ كما ينبغي، بقدر الإمكان، الاحتفاظ بالبُعد المعرفي النهائي للمؤشِّر إذ سيساعدنا هذا على التمييز بين المهم والأقل أهمية، وبين الهامشي والجوهري والنماذجي، وبين الجزء والكل، وبين الأمنية والحقيقة، وبين المضمون المتعيِّن للمؤشِّر وأي مضمون عشوائي. فالمؤشِّر بدون بُعد معرفي (وفي إطار محايد) قد يصلح لأن يكون مؤشِّراً على أي شيء.
ويجب أن ندرك أن المؤشِّر، مهما بلغ من شفافية أو سطحية أو وضوح، له بُعده المعرفي. وحين يأخذ دارس ما اشتراك أمريكي يهودي في مظاهرة تأييد لإسرائيل دليلاً واضحاً على صهيونية هذا اليهودي، فلابد أنه يؤمن، في واقع الأمر بشكل ما، أن كل يهوديٍّ صهيونيٌّ بشكل فعلي أو محتمل، أي أنه يؤمن ببساطة الدوافع الإنسانية وأحاديتها وجمود الطبيعة البشرية. أو كما يقولون بالإنجليزية " وانس أي جو ألويز أي جو Once a Jew, always a Jew من وُلد يهودياً يظل كذلك مدى حياته ". وكلمة «يهودي» هنا تشير إلى مجموعة من الصفات التي يُفترَض فيها أنها يهودية. وهذه رؤية سطحية يائسة.
стр. 384
٧ ـ وفي تحليل المضمون تؤخذ الكلمات والجمل كمؤشِّرات على أفكار أو مواقف من استخدمها أو نطق بها. ويمكن أن تدور الكلمات والجمل في إطار النماذج الاختزالية فيتم تصنيفها بشكل سطحي مباشر، وكأنها انعكاس بسيط لواقع المتحدث، وكأن الكلمات أدوات شفافة تُوصِّل ما يريد الإنسان التعبير عنه بشكل مباشر. وتبدأ عملية الإحصاء والرسوم البيانية التي لا تلامس إلا السطح. ولتجاوز هذا لابد أن يُدرك الباحث أن علاقة الدال بالمدلول ليست بسيطة أو سهلة أو مباشرة وإنما بالغة التركيب. فالمدلول يتغيَّر حسب تغيُّر السياق. ولذا نجد أن الدال الواحد مثل «قومية» له مدلول داخل التشكيل الحضاري العربي مختلف عن مدلوله داخل التشكيل الحضاري الياباني. كما أن اللغة المجازية لها أبعاد مختلفة عن اللغة المباشرة. وعلاقة الكلمات بعضها ببعض قد تكون أكثر أهمية من معنى الكلمة في نفسها وما بين السطور قد يُحدِّد معنى الكلمات التي فوقها.
стр. 385
٨ ـ وقد يكون من المفيد أن نتوقف هنا لنشير إلى ظاهرة لاحظناها في العالم العربي وهي أن كثيراً من الباحثين ممن هُزموا من الداخل بدأوا يوظفون المؤشِّرات في دعم الهزيمة. وهذه ظاهرة بدأت مع العصر الحديث في العالم العربي. فبعد وصول القوات الغازية الغربية في أوائل القرن التاسع عشر، اهتزت ثقة الإنسان العربي في نفسه، وخصوصاً أنه لم يكن يعرف شيئاً عن الحضارة الغازية (فكرها ـ آلياتها ـ قوانينها ـ نقاط تصورها) ، لم يكن يعرف مثلاً أي شيء عن تاريخ النهب الإمبريالي والتراكم الإمبريالي، فتصور واهماً أن الإنسان الغربي قد توصَّل إلى ما توصَّل إليه من نظام ورخاء من خلال إعمال عقله وبذل جهده وعمله لا من خلال استخدام عضلاته وتكنولوجيا الفتك المتقدمة وعمليات النهب المنظمة. وحينما ذهب الطهطاوي إلى باريس لم ير سوى الحرية والثقافة، ولم ير الجوانب المظلمة لهذه الحضارة رغم أنه ذهب إلى هناك عام ١٨٣٠، وهو نفس العام الذي كانت فيه المدافع الفرنسية تَدُك الجزائر الآمنة. وقد يكون من المهم مقارنة استجابة الطهطاوي باستجابة ذلك الشيخ الجزائري الذي قيل له إن عساكر الفرنسيين قد جاءوا لينشروا الحضارة والمحبة في ربوع الجزائر، فأجاب إجابة مقتضبة جداً: لم أحضروا كل هذه المدافع وكل هذه البارود إذن؟ وهذا هو السؤال الذي لم يسأله الطهطاوي ولم يسأله كثير من الباحثين ممن وقعوا تحت وطأة الهزيمة واستبطنوها تماماً. وبدلاً من اكتشاف الواقع الغربي بجوانبه المنيرة والمظلمة، جعلوا شغلهم الشاغل النقل عن الغرب كجزء من محاولة اللحاق به. وبالتدريج، وتحت شعار الموضوعية والواقعية، بدأوا يتجردون من مثالياتهم وتراثهم وإبداعهم وأصبح همهم تَقبُّل الوضع القائم وموازين القوى وأصبح الآخر هو المثل الأعلى. وقد أنتج هذا مجموعة من المؤشِّرات الموضوعية هي في الواقع تعبير عن الهزيمة.
стр. 386
وقد حدث شيء مماثل بالنسبة لإسرائيل، فنحن في رصدنا لها لا نركز إلا على مواطن قوتها وتَقدُّمها وتَفوُّقها، وهذه هي الموضوعية والواقعية، أما إذا اكتشفنا نقط ضعف العدو وقصوره وتآكله، فإن هذا يُصنَّف باعتباره خداعاً للذات. إن الذات المهزومة تخضع تماماً للآخر ولا يمكنها أن تتصور أن من الممكن أن تتفاعل داخله عوامل الحياة والانتصار والموت والانكسار. وتدريجياً، يدمن الإنسان الهزيمة إدماناً كاملاً حتى تصبح رؤية للكون لا يستطيع المرء أن يحتفظ بتوازنه بدونها. ومع أطروحة الهزيمة الاختزالية، تحوَّل كثير من الباحثين إلى جند مجندة تخدم العدو بنزاهة موضوعية دون أن تدري، فهي ترصد مواطن قوته، وتُصدِّق كل ما يقوله وتتصرف في إطاره بأمانة مضحكة دون تمحيص، وكيف يتأتى لهم غير ذلك وهم المهزومون من الداخل؟
стр. 387
ويمكن تجاوز النموذج الاختزالي، كما يمكن تحسين أداء المؤشِّر كأداة لمعرفة الواقع بدلاً من أن تُحوِّله إلى أداة تُخفيه تماماً عن عيوننا، وذلك عن طريق إدراك تركيبية الواقع. ويترجم هذا الموقف نفسه إلى تنويع السياقات التي يتم إدراك المؤشِّر في إطارها بحيث يتحول المؤشِّر الصلب من مجرد آلة صلبة لتسطيح الواقع إلى أداة مرنة تكتشف نتوءه ومنحناه الخاص. وهذا لا يتأتى للباحث إلا إذا قام بعملية تثقيف ذاتية فيما يتصل بالسياقات المختلفة المحتملة للمؤشِّر، فإدراكه لهذه السياقات سيُمكِّنه من وضع المؤشِّر داخل نمط عام، كما أنه سيدرك معناه الداخلي والإشكاليات المختلفة المرتبطة به. ولنضرب مثلاً باللوبي الصهيوني الذي تُجمع معظم الكتابات العربية أنه القوة الحقيقية وراء تحركات الولايات المتحدة والعالم الغربي ضدنا. وقد كُتبت كثير من الدراسات انطلاقاً من هذه الأطروحة البسيطة وقامت بتوثيقها بعناية بالغة دون اختبارها أو وضعها هي نفسها موضع الاختبار. وبإمكان الباحث أن يفعل ما يلي حتى يمكنه وضع هذه الأطروحة الصلبة البسيطة موضع التساؤل:
١ ـ دراسة جماعات الضغط الأخرى (الشواذ جنسياً ـ المدافعين عن حق المواطن الأمريكي في امتلاك السلاح) لنقارن قوتها بقوة اللوبي الصهيوني، ولنرى هل قوة اللوبي الصهيوني أمر فريد، أم أنها إحدى سمات الديموقراطية الأمريكية (ديموقراطية جماعات الضغط) ؟
٢ ـ يمكن دراسة الموقف الأمريكي (والغربي بشكل عام) من الصهيونية وإسرائيل قبل ظهور اللوبي الصهيوني وبعد ظهوره ومقارنتها.
٣ ـ دراسة تزايد الدعم الأمريكي للصهيونية وإسرائيل وعلاقته باللوبي الصهيوني. وهل هناك علاقة طردية بين هذا التزايد وتزايد قوة اللوبي الصهيوني والحركة الصهيونية أم أن الدعم يتزايد بغض النظر عن قوة أو ضعف اللوبي؟
стр. 388
٤ ـ دراسة الدعم الأمريكي لبلد مثل تركيا أو شيلي ليس لهما لوبي وهل الدعم الأمريكي لإسرائيل مختلف عن دعمها لهاتين البلدين؟
٥ ـ دراسة الدعم البريطاني لإسرائيل وهل يوجد لوبي صهيوني قوي في إنجلترا أم أن الدعم البريطاني مرتبط بالمصالح الإستراتيجية لبريطانيا؟
٦ ـ هل صدرت قرارات أمريكية لدعم إسرائيل بدون ضغط من اللوبي الصهيوني أم أن القرارات لا تصدر إلا من خلال الضغط الذي يمارسه؟
٧ ـ دراسة طريقة صنع القرار في الولايات المتحدة ومدى تأثرها بجماعات الضغط في الأمور الإستراتيجية الجوهرية.
٨ ـ دراسة التوجه الإستراتيجي العام للسياسة الأمريكية وهل تم تحديد هذا التوجه من خلال الضغط الصهيوني أم أن هذه سياسة عليا لم يساهم الصهاينة في صياغتها؟
٩ ـ دراسة لحظات التوتر بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل (عدوان ١٩٥٦ وحادثة بولارد) وهل نجح اللوبي الصهيوني في تغيير السياسة؟
١٠ ـ مقارنة لحظات التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل ولحظات التوتر بين السلطات البريطانية في فلسطين والمستوطنين الصهاينة (ولحظات التوتر بين فرنسا والمستوطنين الفرنسيين في الجزائر) .
١١ ـ دراسة تاريخية للعناصر التي أدَّت إلى صدور وعد بلفور (أهم إنجاز صهيوني على الإطلاق) وهل لعب اللوبي الصهيوني أي دور في ذلك وماذا كان حجم الدور؟
١٢ ـ إجراء عمليات عقلية تصورية عن مسار السياسة الأمريكية لو غاب اللوبي الصهيوني وغابت إسرائيل. هل سياسة الولايات المتحدة تجاه القومية العربية (على سبيل المثال) كانت ستتغيَّر لو أن يهود العالم وإسرائيل اختفوا من على وجه الأرض أم أن ملامحها الأساسية ستظل كما هي؟
الجزء الثالث: الحلول الكمونية الوحدانية
الباب الأول: الحلولية ووحدة الوجود والكمونية
الحلولية ووحدة الوجود والكمونية: التعريف من خلال دراسة مجموعة من المصطلحات المتقاربة ذات الحقل الدلالى المشترك أو المتداخل
стр. 389
هناك عدد من المصطلحات تُستخدَم للإشارة إلى مفهوم الحلول، وهي تُستخدَم أحياناً كمترادفات وأحياناً أخرى كمصطلحات تُشير إلى مفاهيم متقاربة. ويُلاحَظ أن المعاجم الفلسفية واللغوية المختلفة لا تتفق على معنى محدَّد أو دقيق لهذه المصطلحات، ولذا فإن حقلها الدلالي يتداخل بشكل كبير. ومن أهم المصطلحات ما يلي:
١ ـ «الحلولية» : وقد ترجمها أحد المراجع بالكلمة الإنجليزية «إنفيوشن infusion» .
٢ ـ «وحدة الوجود» : وقد ترجمها أحد المراجع بالكلمة الإنجليزية كلمة «بانثيزم pantheism» .
٣ ـ «الكمون» : وتقابلها في الإنجليزية كلمة «إمنانس immanence» .
٤ ـ «الباطن والباطنية» : ولها ترجمات عديدة باللغة الإنجليزية مثل: «إسوتريك esotiric» ، كما تترجم إلى «أَكَّلت occult» بمعنى «الخفي» ، وإلى «إنترنزيك intrinsic» بمعنى «جزء لا يتجزأ» ، و «إيمنينت immanent» أي «كامن» .
٥ ـ «المحايثة» : وهي ترجمة أخرى لكلمة «إمنانس immanence» الإنجليزية.
٦ ـ «الاتحاد» : وتقابلها في الإنجليزية كلمة «يونيان union» .
٧ ـ «الفناء» : وتقابلها في الإنجليزية كلمة «أنيهيليشن annihilation» .
٨ ـ «الفيضية» : وتقابلها في الإنجليزية كلمة «إمانتيزم emanatism» .
٩ ـ «التجسد» : وتقابلها في الإنجليزية كلمة «إنكارنيشن incarnation» .
١٠ ـ «النفسانية الشاملة» : وتقابلها في الإنجليزية كلمة: «بان سايكيزم pansychism» .
١١ ـ «المبدأ الحيوي» : وتقابلها في الإنجليزية كلمة «أنيميزم animism» .
١٢ ـ «إسقاط الصفات الإنسانية على كل الكائنات» : وتقابلها في الإنجليزية كلمة «أنثروبومورفيزم anthropomorphism» .
١٣ ـ «الماكروكوزم (الكون الأكبر) والميكروكوزم (الكون الأصغر، أي الإنسان) » : وتقابلها في الإنجليزية عبارة «ماكروكوزم آند ميكروكوزم macrocosm and microcosm» .
стр. 390
وما يهمنا في المداخل المختلفة عن بعض هذه المصطلحات ليس تحديد معنى أو تعريف كل مصطلح على حدة، وإنما تحديد الحقل الدلالي العريض والإشارة إلى العناصر المشتركة والمتداخلة بين المصطلحات.
ويُلاحَظ أن الحقل الدلالي لكل هذه المصطلحات يفترض أن التنوع والثنائيات (خالق/مخلوق ـ مطلق/نسبي ـ كلي/جزئي ـ جوهري/عرضي ـ روحي/مادي ـ ظاهر/باطن ـ داخل/خارج) هي أمور تنتمي إلى عالم الظاهر وما يحدث أن طرفي الثنائية يتصلان ثم يمتزجان، ويفنى أحدهما في الآخر ويذوب، حتى يكونا كلاًّ واحداً عضوياً لدرجة يستحيل معها التمييز بينهما فيختفي الحيز الإنساني ثم الحيز الطبيعي (الناجمان عن انفصال الخالق عن المخلوق) ويظهر في العالم جوهر واحد فيصبح عالماً واحدياً (أي أن الحلولية هي تعبير عن النزعة الجنينية في الإنسان، مقابل النزعة الربانية نحو قبول الحدود والتركيب والثنائية والمقدرة على التجاوز) .
следующие страницы →