← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

٥ ـ مما لا شك فيه أن وجود اليهود داخل عديد من المجتمعات الغربية، كجماعات وظيفية متفرقة تنتظمها شبكة من العلاقات التجارية الوثيقة، والتي تَحقَّق من خلالها قدر كبير من النجاح التجاري والمالي، عمَّق الرؤية الاختزالية التآمرية في النظر لليهود. وقد بلغت هذه الشبكة قمة تماسُكها وقوتها في القرن السابع عشر حين كانت تصل بين يهود الأرندا في شرق أوربا (في بولندا وأوكرانيا) ، ويهود البلاط في وسطها وغربها، ويهود السفارد في البحر الأبيض والدولة العثمانية وشبه جزيرة أيبريا والعالم الجديد. وخلق هذا الوجود إحساساً عميقاً لدى كثير من الدارسين بأن ثمة تنسيقاً تآمرياً بين اليهود في كل أنحاء العالم (وقد انحلت هذه الشبكة تماماً بقيام النظام المصرفي الحديث وظهور الدول القومية العلمانية الحديثة) . ٦ ـ أدَّى تعثُّر التحديث في الإمبراطورية الروسية في أواخر القرن التاسع عشر وتَزايُد عدد اليهود نتيجة انفجار سكاني صغير (ولمُركَّب آخر من الأسباب) إلى خلق مشكلة عدم تأقلُم لدى الكثيرين من أعضاء الجماعات اليهودية إزاء النظام الاقتصادي الجديد، الأمر الذي اضطر أعداداً كبيرة منهم للهجرة، وقد وُصف هذا بأنه دليل على رغبة اليهود الأزلية في الخروج من أوطانهم ودليل على تطلُّعهم الدائم لصهيون. ٧ ـ ومع ضعف المجتمعات الغربية وبنائها القيمي، بسبب انتشار قيم النفعية واللذة، ومع تَركُّز أعضاء الجماعات اليهودية في كثير من الحركات الفوضوية وفي قطاع اللذة (الكباريهات ـ السينما ـ السياحة) ، تَعمَّق الإحساس بأن ثمة مؤامرة يهودية لا تهدف إلى السيطرة على العالم وحسب، بل تهدف أيضاً إلى إفساده (مع العلم بأن الجماعات اليهودية في أوربا كانت من أكثر القطاعات البشرية محافظة من الناحيتين الأخلاقية والسياسية حتى منتصف القرن التاسع عشر، ولم تكن ظاهرة الأطفال غير الشرعيين معروفة بينهم) .

стр. 317

وطريقة صياغة النموذج الاختزالي لا تختلف عن طريقة صياغة أية نماذج تحليلية أخرى، فهي عملية تفكيك وتركيب: ١ ـ يحدِّد صاحب النموذج الاختزالي الواحدي (الروحي أو المادي) أطروحته الأولية (الفرض العلمي) ، وهي عادةً أطروحة بالغة البساطة، وفائقة العمومية بسبب استبعادها لتركيبية الواقع وتركيبية الفاعل الإنساني (اليهود إن هم إلا عناصر بورجوازية ـ اليهود إن هم إلا شياطين ... إلخ) . ٢ ـ تُمنَح الأطروحة البسيطة مركزية تفسيرية. ٣ ـ تتم مراكمة المعلومات في ضوء هذه الأطروحة البسيطة، ومهما بلغت سذاجة وبساطة الأطروحات والفروض الأولية، فهناك دائماً في الواقع بعض المعطيات والحقائق التي يمكنها أن تضفي قدراً من المصداقية على هذه الأطروحات والافتراضات، وهي عادةً حقائق صلبة وصادقة تماماً من الناحية الإخبارية المباشرة، أي أنها موجودة بالفعل في الواقع. ٤ ـ ولكن ما يحدث لهذه الحقائق الصلبة هو ما يلي: أ) تُنزَع الوقائع والتفاصيل من سياقها التاريخي والإنساني، بحيث تصبح لا تاريخ لها ولا أصول اجتماعية ولا أبعاد إنسانية. ب) تُعزَل الوقائع والتفاصيل عن كل أو معظم الحقائق الأخرى، وعن أية نماذج أو أنماط تاريخية أو اجتماعية أو إنسانية أخرى، أي أن المنظور المقارن يُسقَط تماماً. جـ) بعد إتمام هاتين العمليتين يمكن فرض أي اتجاه على هذه الحقائق فتتحوَّل إلى مؤشر إمبريقي دقيق ودليل مادي قاطع على صدق الأطروحة أو الفرضية الأولية، فهناك عدد لا بأس به من البورجوازيين من أعضاء الجماعات اليهودية، ولا شك في أن هناك من اليهود من يسلك سلوكاً شيطانياً (شأنهم في هذا شأن بعض البشر) .

стр. 318

وبعد أن تتم صياغة النموذج البسيط وتوثيقه، لابد أن يتسم من يتلقَّى "الأطروحة الموثقة" بمقدرة فائقة على تَقبُّل الحقائق المادية الصلبة دون مساءلة وعلى استبعاد الفاعل الإنساني، فهو مُتلقٍّ موضوعي محايد، إن رأى أرقاماً آمن بها على التو، وإن سمع عن واقعة حدثت فعلاً عليه أن يصدقها بكل ما أوتي من عنف وموضوعية دون تفكيك أو تركيب، ودون استدعاء حقائق وأنماط أخرى، ودون إدراك السياق الاجتماعي والتاريخي الإنساني للتفاصيل والوقائع التي تُعرَض عليه، ودون تساؤل عن مدى أهميتها ومركزيتها. وتتسم النماذج الاختزالية، روحية كانت أم مادية، بالواحدية، وتُعبِّر هذه الواحدية عن نفسها إما في مستوى متدن جداً من الخصوصية في حالة النماذج الروحية أو مستوى عال جداً من التعميم في حالة النماذج المادية (كما يمكن أن يتأرجح النموذج الاختزالي بشدة بين المستويين) ، فالنماذج الاختزالية التآمرية ترى اليهود ظاهرة واحدة متماسكة (شعب واحد ـ طبقة واحدة ـ تشكيل حضاري واحد) ، وهو شكل من أشكال التعميم المفرط. وتبدأ هذه الدراسات في الحديث عن تاريخ واحد مع أن مثل هذا التاريخ غير موجود. والأبحاث التي تقبل مثل هذه المقولات تجد نفسها تدور داخل حدود ضيقة متحيزة تؤكد بعض العناصر الهامشية وتهمِّش (أو تُسقط تماماً) بعض العناصر الأساسية، ثم يجد الباحث نفسه يراكم الحقائق داخل هذه الحدود ويبحث عن أنماط مستمرة حيث لا أنماط ولا استمرار، فتفرض عليه المقدمات المتحيزة الكامنة نتائج مضلِّلة. ثم يجد نفسه في نهاية المطاف يكتشف خصوصية يهودية تعزل الظواهر اليهودية عن الظواهر الإنسانية الأخرى، أي أن النموذج الاختزالي التآمري انتقل من التعميم المفرط إلى التخصيص المفرط.

стр. 319

وقد يكون من المفيد أن نضرب بعض الأمثلة على ذلك: حين يفترض الباحث ذو النزعة الاختزالية (التآمرية) أن اليهود (وليس، على سبيل المثال، أعضاء الجماعات اليهودية في القرن التاسع عشر في روسيا) يتحركون داخل التاريخ اليهودي (وليس داخل التاريخ الروسي بشكل مُحدَّد) ، فإنه يبحث عن أسباب ظهور الصهيونية داخل هذا النطاق اليهودي الضيق، وذلك بدلاً من أن ينظر إلى الديناميات الحضارية والإنسانية الأشمل والأكثر فعالية مثل تَعثُّر التحديث في روسيا القيصرية وظهور التشكيل الاستعماري الغربي وتآكُل المنظومات الأخلاقية للمجتمع القيصري ككل. بدلاً من ذلك يشير صاحب النزعة التآمرية إلى إحدى خصائص اليهود الفريدة: اتجاههم نحو التعالي على غير اليهود، الأمر الذي يستفز الشعوب التي يعيش اليهود بين ظهرانيها. وحينما تُكتَشف عصابة مخدرات ودعارة في كاليفورنيا يديرها مهاجرون سوفييت أو يُعلَن عن وجود مافيا من اليهود السوفييت والإسرائيليين، فإن هذه الواقعة تتحوَّل في ذهن التآمريين من أعداء اليهود إلى مؤشر على انحلال الشخصية اليهودية. وفي الوقت نفسه وافق بعض الصهاينة على هذا ولكنهم يحوِّلون هذا الانحلال إلى مؤشر صلب وأكيد يدل على أن اليهود إن عاشوا خارج أرض الميعاد فإنهم يصابون بالانحلال الخلقي والتفسخ الاجتماعي بسبب اغترابهم ولا صلاح لهم إلا بالعودة لوطنهم القومي. ولا يرد في سياق هذا التحليل أي شيء عن معدلات الجريمة في كاليفورنيا، ولا نسبة اشتراك الجماعات المهاجرة الأخرى فيها، ولا نسبة اشتراك المهاجرين السوفييت، ولا نسبة اشتراك اليهود الأمريكيين (الذين استقروا في الولايات المتحدة منذ أمد طويل) .

стр. 320

وحينما يظهر مجرم يهودي، فهذا تعبير عن الإجرام المتأصل في الطبيعة اليهودية (بالنسبة للمعادين لليهودية) ولا تتم الإشارة إلى عتاة المجرمين الآخرين من غير اليهود. وإن حصل يهودي على جائزة نوبل، فإن الصهاينة يشيرون إلى أن اليهود عباقرة بطبيعتهم، وإلى أن اليهود يشكلون ٣% من الشعب الأمريكي بينما بلغ عدد اليهود من الحاصلين على جائزة نوبل ٣٠% (مثلاً) وذلك دون الإشارة إلى أن العلماء اليهود الذين يكسبون جائزة نوبل يُوجَدون دائماً داخل التشكيل الحضاري الغربي ولم يظهر عباقرة بين يهود الهند أو إثيوبيا (وهو ما يدل على أن العنصر الثابت ليس يهودية العبقري وإنما وجوده في الحضارة الغربية بما تتيحه من إمكانيات وإعلام) . وما يحدث هنا أن نقطة البدء هي حقيقة صلبة جزئية يتم تعميمها على اليهود ككل (وهذا هو جوهر التفكير العنصري) .

стр. 321

أما النموذج الاختزالي العلمي فاختزاليته تتضح عادةً في رفضه أية خصوصية. فاليهود ظاهرة عامة ليس لها ما يُميِّزها. والصهيونية إن هي إلا نتاج تفاعل عوامل اقتصادية سياسية (عادةً واضحة ومحددة) داخل المجتمعات الأوربية في نهاية القرن التاسع عشر. وهي لا علاقة لها بالدين اليهودي أو ميراث الجماعات اليهودية أو بوضعها المتميِّز داخل الحضارة الغربية. ومن ثم فإن الأشكال الحضارية المختلفة هي عبارة عن قشور (بناء فوقي) ، والدين إن هو إلا الأفيون يستخدمه المستغلون لخداع الجماهير. ويتم إسقاط عشرات العناصر التاريخية والإنسانية والسقوط في التعميمات الكاسحة المخلة مثل القول بأن "الصهيونية هي جزء عضوي لا يتجزأ من الإمبريالية الغربية" أو أن "الصهيونية تعبير عن مصالح البورجوازية اليهودية". ومن هنا طُرح في وقت من الأوقات شعار "وحدة الطبقة العاملة العربية واليهودية ضد البورجوازيات العربية واليهودية والاستعمار العالمي المتحالف مع الصهيونية" ... إلخ، وهي شعارات وأقوال تنم عن عدم إدراك أصحابها لخصوصية العمال من أعضاء الجماعات اليهودية وخصوصية وضع هذه الجماعات في الحضارة الغربية وخصوصية الحضارة العربية. وتتضح هذه السذاجة الاختزالية حينما انطلق أحد كبار علماء السياسة العرب من إيمانه بأن النظام السياسي الإسرائيلي يشبه أي نظام "ديموقراطي آخر" ولذا قرَّر أن هذا النظام ينتمي إلى نظام الحزبين على النمط البريطاني، وفي ذهنه بالطبع حزبا العمال والمحافظين مقابل المعراخ والليكود. والمقارنة صادقة تماماً لكنها سطحية جداً، فالحزب داخل النظام الاستيطاني الصهيوني يضطلع بوظائف تختلف تماماً عن وظائف الحزب في النظام الرأسمالي الديموقراطي الغربي، كما أن بنية الحزب وطريقة تمويله في إنجلترا مختلفتان عن مثيلتيهما في إسرائيل إذ لا يُوجَد نظير للمنظمة الصهيونية العالمية في النظام السياسي البريطاني. وعلى هذا النحو، يتم تناول النظام

стр. 322

السياسي أو البنية الاقتصادية أو البناء الطبقي في إسرائيل وكأنها لا تختلف عن نظائرها في المجتمعات الأخرى. وهذا بطبيعة الحال مناف تماماً للواقع، فالظواهر الصهيونية الإسرائيلية لها أبعادها الخاصة وقوانين حركتها المتميِّزة. ومما يجدر ذكره في هذا المضمار أن بعض الصهاينة يحاولون قدر استطاعتهم أن يطرحوا تصوُّراً للصهيونية باعتبارها تشكيلاً قومياً مثل أي تشكيل قومي آخر وتصوُّراً لإسرائيل باعتبارها دولة صغيرة مثل أية دولة صغيرة. وما يحدث هنا أن نقطة الانطلاق هي قانون عام أو بدهية واضحة يتقبلها الباحث باعتبارها مسلَّمة لا تخضع للبحث ويظل الباحث حبيساً فيها ثم يُعمم منها على الواقع، متجاهلاً كل السمات الخاصة التي قد تُشكِّل جوهر الظاهرة. ومن الممكن أن يلتقي النموذجان الاختزاليان، التآمري والعلمي. فإذا كان الباحث التآمري الاختزالي يتخذ اضطهاد اليهود دليلاً على شيطانيتهم المتأصلة، فبإمكان أصحاب النموذج الاختزالي العلمي أن يأخذوا الظاهرة نفسها باعتبارها تعبيراً عن بؤس اليهود وضرورة تعويضهم عما لحق بهم من أضرار وأذى، وما لا يدركه الفريقان أنهما لم يتحركا خارج حدود الظاهرة اليهودية ليدرساها في إطارها الإنساني الأوسع.

стр. 323

وأطروحة اللوبي الصهيوني القوي، التي تُدرَس بعلمية وموضوعية شديدتين، هي نتاج هذه العقلية الاختزالية التي تبدأ من أطروحة بدهية: الولايات المتحدة دولة ذات مصالح ـ من بين هذه المصالح البترول والنفوذ في الشرق الأوسط ـ يمكن أن تخدم الولايات المتحدة مصالحها عن طريق التعاون مع العرب، ولكنها مع هذا تعاديهم. وهنا، فإن العقلية الاختزالية تركن إلى تفسير مثل هذا السلوك اللا عقلاني من قبَل دولة يُفترض فيها أنها عقلانية بالعودة لعنصر خارجي هو اللوبي الصهيوني الذي يحرِّك كل شيء، وتصبح هذه المقولة المنطقية الإطار الذي تُراكَم داخله المعلومات ولا يختبرها أحد. ولا يسأل أحد: هل يوجد لوبي شيلي قوي في الولايات المتحدة يجعلها تطيح بالرئيس ألليندي وتؤيد حكم بينوشيه العسكري؟ هل يوجد لوبي صربي قوي يضغط على الولايات المتحدة (وهيئة الأمم) بحيث يَضطرهم لتَرْك الصرب يذبحون البوسنيين ويكتفي العالم الحر بإصدار البيانات الصارمة؟ أليس من المحتمل أن تكون الولايات المتحدة قد حدَّدت "صالحها" بطريقة تختلف عن تصوُّرنا العقلاني، وأنها ترى الأمور بطريقة مختلفة ومع هذا تتصوَّر أنها طريقة عقلانية تماماً؟

стр. 324

ومن أطرف الأمثلة على سذاجة النموذج الاختزالي (التآمري والعلمي) وبساطته وطريقة عمله ما ورد في إحدى الدراسات التي قام كاتبها بحشد عدد هائل من الحقائق الصلبة المتناثرة. كان بين هذه الحقائق الصلبة: وجود صديقة يهودية لليدي بيرد (زوجة الرئيس الأمريكي جونسون) في البيت الأبيض أثناء حرب ١٩٦٧ وقد قُدِّمت هذه الحقيقة الصلبة باعتبارها دليلاً مادياً علمياً وقاطعاً على قوة النفوذ الصهيوني واليهودي وكيف يحرك اليهود الولايات المتحدة، وكيف يضغطون عليها حتى تسمح لقاعدتها العسكرية في الشرق الأوسط بالهجوم على مصر عام١٩٦٧ (لضرب القومية العربية) ، وكأن مثل هذه الأمور الإستراتيجية الكبرى لم يتم إقرارها إلا لوجود الصديقة اليهودية داخل البيت الأبيض. ولعل ما حدث أثناء هجرة اليهود السوفييت وذلك الحديث الهستيري عن "جريمة العصر" يبيِّن مدى قصور وكسل وسطحية النموذج الاختزالي العلمي الموضوعي والتآمري، فما حدث هو أن بعض المحللين السياسيين الاختزاليين الواحديين (من الموضوعيين الماديين والروحيين التآمريين) قرأوا في جريدة "عالمية" (أي غربية) أن هناك ملايين اليهود السوفييت سيهاجرون إلى إسرائيل فصَدَّق الجميع الخبر على الفور استناداً إلى فرضيات وأطروحات عامة بسيطة، استقرت في العقول تماماً إلى أن أصبحت "بدهيات" أو قوانين علمية عامة. ومن المعروف بشكل عام لدى الموضوعيين الماديين والتآمريين الذين يتقبلون الفرضيات البدهية السائدة ما يلي: ١ ـ إن فُتحت أبواب الهجرة ليهود الاتحاد السوفيتي، فإنهم سيهاجرون إلى إسرائيل لأن اليهود (كما هو معروف) لا يرتبطون بأوطانهم أو أماكن إقامتهم فهم مرتبطون بأرض الميعاد يتوجهون إليها حينما تسنح لهم الفرصة. ٢ ـ من المعروف كذلك أن إسرائيل دولة استيطانية تحتاج للمستوطنين.

стр. 325

٣ ـ هؤلاء المهاجرون (باعتبارهم جزءاً عضوياً من هذه الكتلة اليهودية الواحدية) سيتحولون إلى رواد صهاينة يحملون السيف بيد والبندقية بالأخرى فور وصولهم إلى فلسطين المحتلة. إن أضفنا الأطروحة البدهية الأولى للفرضية البدهية الثانية والثالثة فإننا سنصل إلى النتيجة الواضحة الحتمية، وهي أن هجرة الملايين من اليهود السوفييت وشيكة، وأن كارثة العصر على وشك الوقوع. ثم تَسابَق المحللون الاختزاليون إلى اقتباس الإحصاءات الموضوعية الصلبة (وهي في واقع الأمر تصريحات كبار المسئولين في الاتحاد السوفيتي أو في إسرائيل) التي تؤكد أن ملايين اليهود سيهاجرون من الاتحاد السوفيتي إلى فلسطين. وظهرت جريدة عربية كبرى تحمل عنواناً رئيساً في صفحتها الأولى تؤكد هذا المعنى استناداً إلى تصريح وكيل وزارة الخارجية في الاتحاد السوفيتي. وبدأت عملية التوثيق الاختزالية الهستيرية. فتم عزل حقيقة هجرة اليهود السوفييت عن الحقائق والظواهر الأخرى وتم البحث الدائب عن شواهد مادية لتوثيقها دون كد أو عناء ودون بحث عن أنماط عامة متكررة.

стр. 326

ووسط هذا الصخب شبه المعرفي لم يُكلِّف أحد نفسه مشقة النظر في أبعاد الواقع الأخرى المُركَّبة التي تتجاوز الاستنتاجات العقلية والمنطقية النظرية أو عناء التساؤل بشأن الأطروحات والفرضيات التي استندوا إليها. ولم يُشر أحد إلى أن يهود الاتحاد السوفيتي تعرضوا للدعاية الإلحادية لمدة سبعين عاماً وفقدوا علاقتهم بأية عقيدة أو مُثُل، فهم لا يحنون إلى أي أرض إلا أرض السمن والعسل، تلك التي تحقِّق لهم دخلاً عالياً يفوق ما يحققونه في أماكن إقامتهم (إذ يَصعُب أن نطلق عليها أوطانهم) . ولم يُبيِّن أحد أن هؤلاء المهاجرين السوفييت هم في واقع الأمر مرتزقة يأكلون الأخضر واليابس ولا علاقة لهم بأية مثاليات صهيونية أو غير صهيونية ولذا تُقدِّم لهم الدولة الصهيونية الرشاوى السخية، وهم قد يضطرون إلى الذهاب إلى إسرائيل (بسبب إغلاق أبواب الولايات المتحدة) فيصبحون عنصر تدمير فيها، وربما لا يجد كثير من المؤهلين منهم عملاً مناسباً وهو ما قد يضطرهم إلى العمل في السوق السوداء والحرَف الطفيلية. وحينما يحمل هؤلاء المرتزقة السلاح فإنهم لن يحملوه إلا بأجر، وهم سيجلسون على حقائبهم حتى تتاح لهم فرصة الهروب إلى أرض الميعاد الأمريكية. ولم يُكلِّف أحد نفسه عناء النظر في استجابة العناصر الدينية والشرقية لدى هؤلاء المهاجرين اللادينيين الأوربيين. بل لم يُكلِّف أحد نفسه مشقة النظر في آخر إحصاءات يهود الاتحاد السوفيتي التي تقول إن عددهم قبل ازدياد عمليات الهجرة لا يمكن أن يزيد على مليون وربع (أي أن الموضوعية الاختزالية المتلقية في هذه الحالة أسقطت أبسط قواعد الموضوعية، فقد بلغت بها مقدرتها على التلقي أن تُصدِّق كل ما يُقال لها دون اختبار!) . ولم يثر أحد قضية أن الهدف من التصريحات الصهيونية المليونية وهذا التضخيم للأعداد الوافدة يخدم مصالح معينة، وهو تعبير عن الرغبة في زيادة حجم الدعم الأمريكي وتدفُّق الأموال اليهودية. كما أن

стр. 327

من المحتمل أن هذه التصريحات مجرد تعبير عن أمنيات وأحلام أصحابها. وقد أثبتت الأحداث أن عدد المهاجرين لم يقترب من نصف مليون، وأن نسبة النزوح بينهم كانت عالية، وأنهم أدّوا إلى تصدعات داخل النظام السياسي الإسرائيلي أو على الأقل لم يُدخلوا العافية عليه كما كان مُتوقَّعاً. ولم يستوطن هؤلاء المستوطنون في الضفة الغربية، فقد آثروا المدن القريبة من الساحل، حيث تتوافر لهم أسباب الراحة واللذة. لم يجتهد أحد وتقبَّل الاختزاليون العلميون والتآمريون البدهيات وسقطوا صرعى لها، وقاموا بالتوثيق العلمي الذي لم يُعمِّق الرؤية وإنما حجبها تماماً. ويمكن تلخيص نقط قصور النماذج الاختزالية في دراسة الجماعات اليهودية فيما يلي: ١ ـ النماذج الاختزالية ـ كما أسلفنا ـ نماذج مغلقة، رؤيتها للتاريخ واحدية مُصمَتة وواضحة، فتطوُّر «التاريخ اليهودي» معروف مسبقاً ويتبع نمطاً محدَّداً: عبودية في مصر ـ خروج منها ـ تَغلغُل في كنعان ـ نفي إلى بابل ـ سقوط الهيكل ـ عودة إلى فلسطين في نهاية الأيام. فالعودة النهائية إلى صهيون أمر حتمي ومُتوقَّع في الرؤية المشيحانية، إذ سيأتي الماشيَّح ويقود شعبه إلى صهيون ويُنهي الآلام ويؤسس الفردوس الأرضي فيها ويصل بالتاريخ اليهودي إلى نهايته الفردوسية. والصهيونية هي الوريثة العلمانية لهذه الرؤية الدينية وتتبنَّى النمط نفسه، فبعد السقوط الشتات وآلام المنفى ثم العودة إلى صهيون والجنة. والإبادة النازية هي قمة المآسي تعقُبها العودة والدولة الصهيونية ونهاية التاريخ الفردوسية المُتوقَّعة حين يعود كل اليهود ليهنأوا في أرض أجدادهم وليؤسسوا دولة يهودية تكون منارة لكل الأمم.

стр. 328

٢ ـ تسقط النماذج الاختزالية في نوع من السببية الاختزالية البسيطة السهلة، فتصبح كل النتائج لها سبب واحد وهذا ما يجعلها عاجزة عن تقديم تفسير معقول لتنوُّع الواقع. وعلى هذا، تكون المقدرة التفسيرية للنماذج الاختزالية (العلمية والتآمرية) ضعيفة للغاية. أ) ولنبدأ بالنماذج التآمرية التي ترى أن خصوصية اليهود تكمن في شرهم الأزلي وطبيعتهم الشيطانية التي لا تتغيَّر. ولكن إذا كان اليهود أشراراً متآمرين بطبيعتهم، وإذا كان اليهود والشر صنوين، فكيف نُفسِّر ظهور بعض اليهود الخيرين المعادين للصهيونية (أمثال الحاخام إلمر برجر وأعضاء الناطوري كارتا) المؤمنين بالإله الواحد والمعادين للصهيونية أكثر من عداء معظم العرب لها؟ وكيف نُفسِّر نجاح الجماعة اليهودية في الأندلس (إسبانيا الإسلامية) في الانتماء الكامل للحضارة العربية الإسلامية والتفاعل معها والإسهام فيها؟ بل تذهب كثير من المراجع إلى أنهم قاموا بمساعدة الفاتحين الإسلاميين لشبه جزيرة أيبريا، تماماً كما فعل اليهود السامريون أثناء الفتح الإسلامي لبيت المقدس. كما يُقال إن يهود العالم العربي ساعدوا العرب أثناء حروب الفرنجة بتسريب الأخبار لهم عن الاستعدادات العسكرية في أوربا وعن الحملات التي كانت تجردها أوربا (وكانت هذه هي أحد الأسباب التي حدت بالوجدان الغربي في العصور الوسطى إلى الربط بين اليهودي والمسلم) . وإذا كان انتشار الشر في العالم مرده تأثير اليهود السيء على الشعوب (وهو ما يعني استبعاد احتمال وجود الشر في النفس البشرية، وتلك حقيقة تؤيدها كل الأديان السماوية ولا ينكرها سوى غلاة الحتميين الماديين) فكيف نُفسِّر ظهور الشر في بلاد لا يوجد فيها يهود، فتايلاند عاصمة الإباحية والبغاء في العالم لا يوجد فيها يهود، كما لا يوجد يهود بين الصرب الذي بعثوا أمجاد هتلر وإن كان الضحايا هذه المرة مسلمين؟

стр. 329

ب) تسقط النماذج الاختزالية العلمية المادية في التعميم المُخل فلا ترى المنحنى الخاص للظاهرة وهو ما يضعف مقدرتها التفسيرية، فهي لا يمكنها أن تُفسِّر لنا سبب ظهور الصهيونية في أواخر القرن التاسع عشر وعدم ظهورها، مثلاً، في أواخر القرن الثاني عشر الميلادي بعد حروب الفرنجة (التي يُقال لها «صليبية» ) ، وهي الحروب التي ارتُكبت المذابح أثناءها ضد تجمعات الجماعات اليهودية في غرب ووسط أوربا واجتثتها من جذورها في بعض الأحيان؟ كما أن النموذج الاختزالي يفشل في أن يفسِّر لنا سبب ظهور الصهيونية في شرق أوربا وليس في غربها، أو حتى في الولايات المتحدة، مع أن عدد يهود الولايات المتحدة مع بداية القرن كان آخذاً في التزايد حتى بلغ عدة ملايين قبيل الحرب العالمية الأولى؟ ولماذا ظلت فاشلة في إحراز أية انتصارات على مستوى الاستيطان في فلسطين أو على مستوى التحرك الدبلوماسي في العالم حتى عام ١٩١٧ (عام صدور وعد بلفور) ؟

стр. 330

جـ) وتفشل النظريات الاختزالية (العلمية المادية) في تفسير لماذا اتخذت مشاكل اليهود الاجتماعية الاقتصادية شكل بنية تاريخية مُحدَّدة تُعرَف باسم «المسألة اليهودية» ، وهي بنية قد تشترك في بعض قسماتها وملامحها العامة مع البنَى المماثلة ولكنها تختلف عنها في الملامح الخاصة وفي الحلول المطروحة؟ وتفشل النظريات العلمية في تفسير سبب توطين الإمبرياليين في فلسطين يهوداً وعدم توطينهم أوربيين مسيحيين كما فعلوا في الجزائر أو روديسيا؟ أليست كلها مصالح إمبريالية تخدم المخطط الإمبريالي؟ أوليس المستوطنون هم مجرد «الفائض البشري» الذي كان على أوربا الرأسمالية أن تُصدِّره إلى الشرق (وحينما نتحدث عن «فائض بشري» يجب ألا نفرِّق بين يهودي ومسيحي) ؟ كما أن هذه النظريات لا يمكنها أن تفسر تَعيُّن البرنامج الصهيوني وخصوصيته، فالاستعمار الصهيوني ليس استعماراً بالمعنى العام بل هو استعمار استيطاني، كما أنه استعمار استيطاني يختلف عن الأنماط الاستيطانية التقليدية في أنه لا يهدف إلى الاستيطان وحسب بل يهدف إلى الإحلال أيضاً. ٣ ـ تُبسِّط النماذج الاختزالية دوافع الآخر. فاليهود ـ حسب الرؤية الاختزالية (العلمية أو التآمرية) ـ دائمو التطلع لصهيون يهاجرون إليها إن سنحت الفرصة. ولكن هذه الأطروحة البسيطة لا تفسِّر أن عدد اليهود خارج فلسطين كانوا أكثر من عددهم داخلها قبل سقوط الهيكل، ولا تفسِّر لمَ لم يهاجر الملايين من اليهود إلى فلسطين بعد أن وقعت في يد الصهاينة وبعد أن فتحت أبوابها للهجرة الاستيطانية، بل وبعد تقديم الرشاوي المالية والعينية لمن يوافق منهم على الاستيطان؟ ولماذا كان من الضروري أن تُوصَد أبواب الولايات المتحدة أمام المهاجرين اليهود السوفييت حتى يضطروا للهجرة إلى إسرائيل؟

стр. 331

٤ ـ من خصائص النماذج الاختزالية (العلمية أو التآمرية) أنها قابلة للتوظيف ببساطة في أي اتجاه. فعملية الاختزال، كما بيَّنا، هي عملية فصل الحقائق والوقائع عن سياقها الاجتماعي والتاريخي، ومن ثم يمكن فرض أي معنى عليها واستخلاص أية نتائج منها. ومن ثم يمكن استخدامها للتبشير بالحرب أو السلام، وباستمرار الصراع أو ضرورة وقفه، ويمكن المناداة بضرورة الحرب المستمرة ضد الإمبريالية الغربية متمثلة في قاعدتها إسرائيل، ويمكن أيضاً الحديث عن ضرورة التحالف مع الطبقة العاملة اليهودية.

стр. 332

٥ ـ تُوظَّف النماذج الاختزالية في بث الهزيمة والرعب في قلب العرب، كما حدث في حكاية جريمة العصر، وكما يحدث في بعض الدراسات العربية التي تجعل همها توثيق قوة العدو دون أن تشير إلى جوانب أخرى، وكما حدث في النظريات التآمرية التي ترى أن اليهود قادرون على كل شيء فهم قوة عجائبية وظاهرة خرافية من المستحيل ضربها وإلحاق الهزيمة بها. ولذا، فإن الصهاينة يروجون النموذج الاختزالي العلمي التآمري إذ أن من صالحهم تضخيم دور اليهود عبر التاريخ والمبالغة في قدرات الدولة الصهيونية في كل المجالات، فهذا يُكسبهم شرعية غير عادية في عالم يؤمن بالنجاح والحلول العملية. ولعل كثيراً من الكتب التي تُنشَر تحت شعار «اعرف عدوك» تهدف إلى بث الرعب في نفوسنا عن طريق توفير بعض المعلومات الصلبة التي تؤكد أن العدو لا يُقهَر (وحجب غيرها من المعلومات) . وعندي إحساس عميق بأن المخابرات الإسرائيلية قد ساهمت في نشرها تماماً كما تساهم في نشر البروتوكولات. ويجب أن نتذكر أن كثيراً من الدول الكبرى تبني أسلحة ولا تستخدمها لمجرد أن تبث الرعب في قلب أعدائها. بل إنها أحياناً تلوح بمقدرتها على إنتاج سلاح ما دون أن تفعل لتدعم موقفها التفاوضي. واصطلاح «توازن الرعب» يعني أن توليد الرعب في قلب العدو هو أحد الأهداف الأساسية في الحروب وهي مسألة يُحسَب حسابها. والاختزالية العلمية المادية والتآمرية تنجز هذا بالنسبة للصهاينة دون جهد من جانبهم. وبعد قليل سيكون بوسع المتلقي الموضوعي أن يستخلص بنفسه النتائج، ويرى أن الواقعية تدعو لقبول العدو وأن الرؤية العلمية تؤيد الاستسلام والإذعان له، فهو عدو لا يُقهَر، ومن هو هذا الأحمق (المثالي وغير العلمي) الذي يريد أن يضرب برأسه في الحجر الصلب؟

стр. 333

٦ ـ لا تفيد النماذج الاختزالية كثيراً في عملية الممارسة إذ أن الممارسة تتطلب نموذجاً تحليلياً أكثر تفصيلاً ودقة وتركيبية يزوِّد الدارس بخريطة يعرف من خلالها كل نتوءات الواقع، وما هو مركزي منها وما هو هامشي، وما الوضع القائم وما الإمكانات الكامنة، ومن العدو ومن الصديق، خريطة يفهم بواسطتها العناصر والانقسامات المختلفة في معسكر العدو ومدى كفاءته ودوافعه ومواطن ضعفه وآلاف التفاصيل الأخرى التي تظل بمنأى عن النموذج الاختزالي. ٧ ـ يُبرئ النموذج الاختزالي التآمري الإمبريالية الغربية والدول الغربية من الجرائم التي ارتكبتها وترتكبها ضد الشعب العربي، فهذه الدول (حسب النموذج التآمري) إن هي إلا ضحية التآمر اليهودي الأزلي وهي ليست مسئولة عن غرس الجيب الاستيطاني الصهيوني في المنطقة وتمويله ودعمه وفرضه بقوة السلاح علينا، فالمشروع الصهيوني (حسب النموذج الاختزالي الصهيوني) هو أمر قام به اليهود تعبيراً عن إرادتهم الحرة القومية المستقلة وبجهودهم الذاتية. وعادةً ما تنسب النماذج الاختزالية مقدرات فائقة لليهود ومخططاتهم. وبمعنى آخر، فإن هذه النماذج تقوم بالتهويل من الجزء (الصهيونية) والتهوين من شأن الكل (الإمبريالية) . ٨ ـ تؤدي النماذج الاختزالية إلى السقوط في رؤية اليهود من منظور عنصري، فجوهر العنصرية هو عملية الاختزال هذه، التي تحوِّل الكل الإنساني المركب إلى عنصر واحد، وهذا ما فعله الصهاينة والمعادون لليهود في إدراكهم اليهود واليهودية. ٩ ـ تبنِّي النماذج الاختزالية هو تعبير عن كسل عقلي، ولكن هذا التبني يزيد في الوقت نفسه هذا الكسل إذ يصيب العقل بالشلل حتى نصبح موضوعيين نتلقى تماماً كل ما يأتينا من حقائق صلبة دون تساؤل أو إبداع.

стр. 334

١٠ ـ أشرنا من قبل إلى أن النموذج الاختزالي يُولِّد تفاؤلاً لا أساس له، ويمكن أن نشير هنا إلى أنه، يمكن أن يولِّد أيضاً في نفس صاحبه اليأس والقنوط إذ أنه قد يُصعِّد التوقعات التي لا تتحقق وقد يُخفي الإمكانات التي يمكن أن تتحقق في المستقبل. لكل هذا يصبح من الضروري (من الناحية المعرفية والأخلاقية بل والعملية) تبنِّي نماذج أكثر تركيباً من النماذج الاختزالية المادية العلمية أو الغيبية التآمرية. ونحن نضع «النموذج الاختزالي» مقابل «النموذج المركب» ، ونذهب إلى أن الصراع بين النماذج الموضوعية المادية (المتلقية) والنماذج التفسيرية (الاجتهادية) يتبدَّى في نهاية الأمر في الصراع بين النموذج الاختزالي والنموذج المركب. فالبُعد المعرفي (الكلي والنهائي) للنموذج الاختزالي هو الموضوعية المادية، أما البُعد المعرفي للنموذج المركب فهو التفسيرية الاجتهادية. النموذج المركب «النموذج المركب» (ويمكن أن نطلق عليه أيضاً «النموذج المنفتح» أو «النموذج التعددي» أو «النموذج الفضفاض» أو «نموذج التكامل غير العضوي» ) . وهو النموذج الذي يحوي عناصر متداخلة مركبة (أهمها الفاعل الإنساني ودوافعه) بحيث يعطي الإنسان صورة مركبة عن الواقع ولا يختزل أياً من عناصره أو مستوياته المتعددة أو تناقضاته أو العوامل المادية والروحية، المحدودة واللامحدودة والمعلومة والمجهولة، التي تعتمل فيه. وهو النموذج الذي لا يمكنه أن يطرح نهاية للأشياء بسبب تركيبيته، فهو نموذج تفسيري اجتهادي منفتح وليس نموذجاً موضوعياً متلقياً مادياً.

стр. 335

والنموذج المركب يدور في إطار المرجعية المتجاوزة. وهو يتسم بالتماسك والوحدة ولكن تماسكه ليس عضوياً أو صلباً، وثمة وحدة في الوجود ولكنها وحدة غير عضوية وغير مصمتة لأن مصدر الوحدة ومركز الكون غير المنظور ليس كامناً أو حالاًّ في العالم (فهو الإله الواحد المفارق المنزَّه في النظم التوحيدية وهو الإنسان المتميِّز عن الطبيعة في النظم الهيومانية الإنسانية) . والمركز مفارق للعالم لا يتجسد فيه رغم تجليه وتبديه من خلاله، ولذا فإن النموذج المركب لا يسقط في الكمونية الواحدية ويظل محتفظاً دائماً بمسافة بين الخالق والمخلوق وبين الإنسان والطبيعة لا يمكن اختزالها ولا إلغاؤها إذ لا يمكن توحيد قطبي الثنائية. ولكن هذه الثنائية الأولية ليست ثنائيةصلبة (ثنائية غير تكاملية) وإنما ثنائية فضفاضة، فثمة تفاعل بين عنصري الثنائية، فالإله خلق العالم ونفخ فيه من روحه ولم يهجره بل دخل في علاقة معه فهو يرعاه. وقد منح الله الإنسان بعض الصفات الربانية التي تميزه عن الطبيعة ثم استخلفه في الأرض. وهو لم يضعه في الأرض ليكون في علاقة صراع مع الطبيعة أو ليوظفها وإنما استخلفه فيها واستأمنه عليها ليستخدمها ويعمرها، وهو يكتسب مركزيته من عملية الاستخلاف هذه. ولذا، فإن العلاقة بين الإنسان والطبيعة أو بين الإنسان والإله ليست علاقة وحدة وإنما علاقة تكامل.

стр. 336

والإنسان الذي يحوي داخله القبس الإلهي (في المنظومة التوحيدية) أو المتميِّز عن الطبيعة (في المنظومة الإنسانية) قد يشارك في بعض سمات النظام الطبيعي وقد تسري القوانين الطبيعية وقوانين الأشياء على بعض جوانب وجوده (فهو يولد ويأكل ويمشي ويضاجع النساء ويمرض ويموت) ولكنه لا يُردّ في كليته إليها. وقد نعرف هذا الجانب أو ذاك من وجوده، ولكن تظل هناك جوانب (ربانية) مجهولة لا يمكن معرفتها أو إخضاعها للقانون المادي العام الواحد. ولذا، يظل هناك قانونان: واحد للإنسان والآخر للأشياء. وتنبع بعض جوانب فكر الإنسان من واقعه (المادي الطبيعي أو الإنساني) ، ولكنه لا يمكن أن يُردَّ في كليته إليه لأن بعض هذا الفكر نابع من ذاته (الربانية الإنسانية غير الطبيعية) المتجاوزة لذاته المادية والطبيعية، أي أن الإنسان جزء يتجزأ من الطبيعة متجاوز لها. ولكل هذا، يشكل الإنسان ثغرة في النظام الطبيعي/المادي، فهو كائن قادر على تجاوز الجوانب الطبيعية/المادية في ذاته وقادر على تجاوز الطبيعة/ المادة ذاتها. وهي مسافة لا يمكن أن تُسد تماماً (مثل المسافة التي تفصل الخالق عن المخلوق) ، فالجانب الرباني في الإنسان لصيق تماماً بإنسانيته. ووجود الإنسان كثغرة في النظام الطبيعي هو الذي يؤدي إلى ظهور كل الثنائيات الفضفاضة الأخرى (كل/جزء ـ عام/خاص ـ ذات/موضوع ـ سبب/نتيجة ـ محدود/لا محدود ـ معروف/مجهول ـ ذكر/أنثى ـ سماء/أرض) . وكلها ثنائيات لا يمكن القضاء عليها، فهي صدى للثنائية الكبرى الكلية والنهائية (خالق/ مخلوق) . ولذا، فإن وجود مسافات داخل النموذج المركب هي من صميم بنيته، ومن ثم فهو غير قابل للانغلاق ولا يمكن إخضاعه للقوانين الواحدية. وكما يتفاعل الإله مع الإنسان تتفاعل وتتكامل الثنائيات كافة لذا فالنماذج المركبة تتسم بالتكامل غير العضوى.

стр. 337

والنماذج المادية تتأرجح بين التماسك العضوي الكامل (الصلابة) والتجانس المطلق (الذي يُفقد الأجزاء شخصيتها واستقلالها وهويتها) والاستمرارية الكاملة من جهة ومن جهة أخرى عدم التماسك (السيولة) وعدم التجانس (الذي يجعل لها هوية لا يمكن القضاء عليها) والانقطاع الكامل. أما نموذج التكامل غير العضوي، فهو يفترض أن العالم كل متماسك، مُكوَّن من كليات متماسكة، مُكوَّنة بدورها من أجزاء غير مترابطة بشكل صلب وغير متجانسة بشكل كامل، ومع هذا فهي أجزاء متماسكة لكلٍّ شخصيتها ولكنها لا تُفهَم إلا بالعودة إلى الكليات. ولكن الكليات ليست صلبة، ومركزها ومصدر تماسكها يوجد خارجها، ولذا فهي تظل كليات فضفافة تحوي داخلها ثغرات. وهذا يعني أن الأجزاء هامة في أهمية الكل، وأنها لا تُردُّ إلى الكل، فنموذج التكامل غير العضوي يحاول إدراك الخاص دون السقوط في التأيقن، ويدرك العام دون الذوبان في القانون العام إذ أن لكل ظاهرة منحناها الخاص رغم أنها تنضوي تحت نمط عام. وعدم الالتحام العضوي يسمح بقبول الشخصية المستقلة لكل جزء رغم انتمائه للكل، فالجزء ليس جزءاً عضوياً لا يتجزأ وإنما هو جزء يتجزأ، أي أن انفصال الأجزاء عن الكل ليس انفصالاً كاملاً وإنما هو درجة من الاستقلال النسبي للأجزاء عن الكل وللأجزاء (الواحد عن الآخر) . ومع هذا، ثمة افتراض لأسبقية نهائية للكل على الأجزاء (وإلا انتفت فكرة الحقيقة الكلية وفكرة النموذج نفسها) . ولذا، لا يذوب الجزء في الكل ولا الكل في الجزء، ولا يذوب العام في الخاص ولا الخاص في العام، والاستمرار والانقطاع لا يُجُبُّ أيٌّ منهما الآخر. ولذا، فبإمكان النموذج أن يتناول الظواهر والعلاقات بكل أشكالها ومستوياتها ويحترم منحناها الخاص ويتناول الكل والجزء والخاص والعام والاستمرارية والانقطاع دون أن يَرُدَّ الواحد إلى الآخر، بل يحاول الوصول إلى النقطة المفصلية حيث يتصل الواحد بالآخر.

стр. 338

والنموذج المركب ينكر وجود قوانين تاريخية عامة وحتمية ويرى أن مقدرتها التفسيرية ضعيفة، ويطرح بدلاً من ذلك فكرة الأنماط التاريخية المتشابهة، وليست بالضرورة المتكررة والمتجانسة تماماً، فالتاريخ لا يتطور بنفس المستوى ولا بنفس المعدل ولا بنفس الطريقة من مجتمع لآخر. بل إنه، داخل المجتمع الواحد يوجد من العناصر الخاصة ما يجعل التأني والدراسة المدققة ضروريين لتَفهُّم مسارات التاريخ المختلفة. والنماذج المركبة لا تدور في إطار الواحدية السببية التي تدور إما في إطار عنصر روحي واحد أو عنصر مادي واحد والتي تستوعب كل شيء في شبكة السببية الصلبة. وبدلاً من ذلك، يظهر مبدأ التعددية السببية، ويحل مبدأ تعددية المؤثرات محل مبدأ أحادية المؤثرات في فهم الطبيعة والإنسان وتفسيرهما والتنظير لهما. ومن ثم يجري النظر إلى الظاهرة في أبعادها المتكاملة دون الاقتصار على بُعد واحد مادي أو روحي، ثم يتم بعد ذلك تحديد أكثر الأبعاد فعالية وتأثيراً دون التقيد بأية مسلمات مسبقة تقول إن أحد الأبعاد (العنصر الاقتصادي أو العنصر الجنسي أو العنصر الروحي على سبيل المثال) أكثر فعالية وتأثيراً من الأبعاد الأخرى. فكل ظاهرة لها منحناها الخاص ولا توجد حتميات سببية مطلقة ولا يوجد شيء في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير إلا وجه الله، ضمان حرية الإنسان ووعيه بحريته. ولذا، لابد أن تُدرَس كل ظاهرة حسب المقاييس المناسبة لها، ويُنحَت نموذج خاص لدراستها، فلا تُطبَّق قوانين الأشياء على الإنسان ولا تُطبَّق قوانين الإنسان على الأشياء. هذا لا يعني بطبيعة الحال إسقاط النماذج التفسيرية المادية الخالصة أو الروحية الخالصة، فالأولى لها دورها في تفسير الوجود الطبيعي وتفسير بعض جوانب الوجود الإنساني، تماماً كما أن الثانية لها دورها في تفسير جوانب أخرى لهذا الوجود الإنساني.

стр. 339

والنموذج المركب يُنكر الواحدية السببية ولكنه لا يسقط في العبثية، حيث لا سببية على الإطلاق، وإنما يدور في إطار السببية المركبة التعددية حيث لا تؤدي (أ) حتماً وبشكل آلي إلى (ب) (ولكنها في معظم الأحوال تؤدي إليها) ، فهي بسبب عدم تحكمنا في كل الواقع وبسبب عدم معرفتنا بكل عناصره قد تؤدي إلى (ج) (ولكنها بإذن الله تؤدي إلى ب) . وتحل النماذج المركبة قضية القيمة، فهي تستطيع التعامل مع المثالي والواقعي، ومع الروحي والمادي، فهي ليست نماذج واحدية بسيطة مادية لا تجيد التعامل إلا مع العالم الواقعي المادي، وليست نماذج روحية بسيطة لا تجيد إلا التعامل مع عالم الروح. وتأخذ عملية التفسير (أو الاجتهاد) داخل هذا النموذج شكلاً حلزونياً، فالمُفسِّر المجتهد لن يواجه الواقع بقانون عام أو افتراض عام يُفسِّر به الواقع بأسره، وهو لن يقوم بمراكمة المعلومات عن الواقع بلا تمييز، بل سيصوغ نموذجاً تفسيرياً تصورياً من خلال قراءة التاريح ومعرفة الدوافع الإنسانية وقوانين البنية الموضوعية والمتتاليات التفسيرية السابقة، ثم يُختبَر هذا النموذج بالعودة إلى التفاصيل التاريخية والاجتماعية. ولكن عملية الاختبار هذه ستقوم بتعديل النموذج، ومن ثم فإن عملية التفسير عملية حلزونية لا متناهية.

стр. 340

ومثل هذا النموذج لا يطمح إلى الوصول إلى اليقين الكامل والتفسير النهائي والحلول الشاملة والتحكم الإمبريالي الكامل في الطبيعة، وبالتالي فهو لا يسقط في أسفل درجات العبثية والإذعان التام للطبيعة/المادة (تَمركُز حول الذات يؤدي إلى انتصار الموضوع) كما أنه لا يحلق في أقصى درجات الروحية والتجاوز التام لعالم الطبيعة/المادة، وإنما هو نموذج يطرح إمكانية أن المعرفة ممكنة وأن الحقيقة يمكن الوصول إليها، ولكنها معرفة إنسانية وحقيقة غير مطلقة (لأن المعرفة المطلقة تقع خارج نسق التاريخ الإنساني ـ وعند الإله وحده وهو مفارق للمادة وإن كان يُسبِغ عليها المعنى والاتجاه) ، فهو نموذج يَقنَع بتناول ما يمكن أن يُعرَف وحسب دون أن يصاب باليأس بسبب المجهول وما لا يمكنه معرفته، فالمسافات سمة بنيوية فيه. إن النموذج المركب أقرب إلى الصورة المجازية منه إلى القانون، وهي صورة مجازية لا تتشيأ ولا تُشيئ لأن مركز الكون لا يتجسد فتظل هناك مسافة بين الدال والمدلول.

стр. 341

ومن هذه النقطة يمكن أن نطرح فكرة النظرية الكبرى الحاكمة (بالإنجليزية: جراند ثيري grand theory) . ونحن نذهب إلى أن التخلي عن محاولة الوصول إلى نظرية حاكمة كبرى (رؤية للكون وللأمور المعرفية الكلية والنهائية) أمر غير ممكن. فالواقع قد ينقسم إلى مجموعة من القصص الصغرى (على حد قول أنصار ما بعد الحداثة) ولكن هناك داخل كل قصة ـ مهما بلغت من صغر ـ قصة كبرى، وهذا ما نعبِّر عنه بقولنا "إن ثمة نموذجاً ما كامناً وراء كل الظواهر". وهذا أيضاً ما يُقال له «حتمية الميتافيزيقا» . وإن لم يطور الإنسان نظرية كبرى، فإنه سيقع فريسة النظرية الكبرى للآخر وضحية لما يُسمَّى «إمبريالية المقولات» ، أي أن يستورد الإنسان المقولات التفسيرية الكبرى من الآخر، ويقصر جهده البحثي والمعرفي على مراكمة المعلومات من خلال المقولات الجاهزة التي استوردها. وداخل إطار النموذج الفضفاض وفكرة الاجتهاد، سنحاول الوصول إلى نظرية شاملة كاملة، ولكننا نعرف أننا لن نصل إلى اليقين المطلق أو التفسير النهائي، فنظريتنا لن تكون نظرية شاملة كاملة (جراند ثيري) وإنما «ريلاتيفلي جراند ثيري relatively grand theory» ، أي "نظرية كبرى وشاملة إلى حدٍّ ما" أو داخل حدود ما هو ممكن إنسانياً. ومثل هذه المحاولة لا يمكن أن تتم في إطار كموني مادي واحدي يرى أن كل القوانين كامنة في المادة؛ إطار يُلغي ثنائية الإنسان والطبيعة ويتأرجح بين الموضوعية الكاملة والذاتية الكاملة. وكما تُصاغ النماذج عادةً، يمكن أيضاً صياغة النماذج المركبة من خلال عملية تفكيك وتركيب: ١ ـ تُفصَل الوقائع والتفاصيل التي تستخدمها النماذج الاختزالية (العلمية أو التآمرية) عن هذه النماذج أو أي نماذج مسبقة بقدر الإمكان.

стр. 342

٢ ـ تُوضَع الوقائع والتفاصيل في سياق إنساني (تاريخي واجتماعي) عريض، أي تتم استعادة البُعد التاريخي والمنظور المقارن (وهو الأمر الذي تحرص على استبعاده الكتابات الصهيونية والمعادية لليهود والكتابات العلمية الاختزالية) . ٣ ـ تُربَط الأجزاء والتفاصيل والحقائق بالكليات التاريخية والاجتماعية داخل أنماط. ٤ ـ تُضَم وقائع ومعلومات كان قد تم استبعادها من منظور النماذج الاختزالية القائمة، ويتم توسيع وتعميق الأنماط. وبذلك يمكن إظهار عجز النموذج الاختزالي عن تفسير كثير من المتغيرات وعناصر الواقع، كما يمكن البرهنة على مقدرة النموذج المركب على إنجاز ما عجز عنه النموذج الاختزالي، إذ تكتسب الوقائع معنى جديداً ويصبح بالإمكان تفسيرها بطريقة أكثر تركيباً وإنسانية. واستخدام النماذج المركبة له نتائجه العملية والمعرفية والأخلاقية الكثيرة. وقد بيَّنا مواطن القصور الناجمة عن استخدام النماذج الاختزالية في دراسة الجماعات اليهودية، ويمكننا أن نبيِّن في هذا المدخل النتائج الإيجابية (العلمية والمعرفية والأخلاقية) لاستخدام النماذج المركبة في نفس المجال. ١ ـ النماذج المركبة لا تختزل العدو في صهيونيته أو ماسونيته بل تراه في تركيبيته الإنسانية والعميقة وبمقدرته على الانتصار والانكسار وفي سياقاته المتعددة، ولذا فهي تُسقط عن اليهودي عجائبيته وإعجازه وتفرده (الذي يصر عليه الصهاينة والمعادون لليهود) وتستعيد له إنسانيته وتركيبيته ومن ثم تُعرِّفه في قوته وفي ضعفه الحقيقيين.

стр. 343

٢ ـ أسلفنا القول أن النموذج المركب سيساعدنا على التخلص من الربط بين اليهودي وكل الظواهر السلبية في المجتمع، الأمر الذي سيوسع من أفقنا ويجعلنا أكثر قدرة على دراسة هذه السلبيات والبحث عن سببها الحقيقي بدلاً من البحث الاختزالي عن اليهود. وكثير من الوظائف التي ارتبطت في أذهاننا باليهود، وباليهود وحدهم (وبسبب الأدبيات العنصرية الغربية) ، يقوم بها غير اليهود في أماكن وفترات مختلفة. كما أن ربط اليهود بالشر يُولِّد في أنفسنا الهلع، ويجعلنا غير قادرين على التمييز بين العناصر المعادية وتلك التي يمكننا التحالف معها. ٣ ـ سيساعدنا النموذج المركب على أن ندرك أعضاء الجماعات اليهودية في سياقاتهم المتعددة (الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية) ، فهم ليسوا يهوداً والسلام، أي يهوداً بشكل عام، وإنما جماعات يهودية مختلفة؛ لكل منها وضعها ودوافعها وأبعادها، وهو ما يُحسِّن قدرتنا على تفسير كثير من الظواهر اليهودية ومن مقدرتنا التنبؤية ويفيد كثيراً في الممارسة. ٤ ـ سيساعدنا النموذج المركب على إدراك الطبيعة العميقة والبنيوية للعلاقة بين الدولة الصهيونية والحضارة الغربية والتشكيل الاستعماري الغربي، ومدى عمق الصراع بيننا وبين العدو الصهيوني ومدى اتساعه.

стр. 344

٥ ـ إذا استخدمنا النماذج التفسيرية المركبة، فإننا نكون قد طبَّقنا واحداً من أهم تعاليم الإسلام وهو ضرورة الحفاظ على حقوق الأقليات التي تعيش بيننا (لهم ما لنا وعليهم ما علينا) إذ ليس من حق أحد إسقاط الحقوق التي أعطاها الله إياهم استناداً إلى رؤية حرفية واختزالية حتمية تهدر حقوقهم حتى قبل أن يُولَدوا وتعتبرهم أشراراً بالوراثة، أي من خلال طبيعتهم المادية لا اختيارهم الأخلاقي. ونظرية الحقوق الدينية مختلفة في هذا المضمار عن نظرية الحقوق المدنية التي ترى أن هذه الحقوق ليست مطلقة، فالأمة مصدر السلطات وهي التي تمنح وتمنع. وفي حالة الدولة النازية، قررت الدولة الألمانية (باعتبارها تجسيداً لإرادة الشعب) أن تدمر كل من يقف في طريق التقدم والتنمية (مثل مُشوَّهي الحرب والعجائز) وكثيراً من أعضاء الأقليات (مثل الغجر واليهود) . ٦ ـ إذا أدركنا، من خلال النموذج المركب، المغزى الإنساني الكامن في واقعة عنصرية، فإن الحزن من أجل الضحية سيكون حزناً إنسانياً لا يمكن توظيفه في خدمة عقيدة عنصرية استيطانية كما يحدث في الوقت الحاضر. فإذا سقط اليهودي ضحية العنف والعنصرية في مجتمعه الغربي، فإن هذا لا يعني أن اليهودي هو الضحية الأزلية للعنف وإنما ضحية مجتمعه الغربي العنصري، والحل الإنساني الوحيد لهذه المشكلة ليس هو تصدير المشكلة لنا وإنما أن ينضم اليهودي للجماعات التي تدافع عن حقوق الإنسان (من أعضاء الأقليات الأخرى وأعضاء الأغلبية) وأن يناضل من أجل حقوقه داخل مجتمعه. وتصبح القضية هي كيفية الدفاع عن الحقوق السياسية والمدنية والدينية لليهود (وغيرهم من الأقليات) داخل وطنهم، مثل الولايات المتحدة واتحاد دول الكومنولث المستقلة (الاتحاد السوفيتي سابقاً) لا أن نطالب بتهجيرهم (أو خروجهم) كما يفعل العنصريون من الصهاينة والمتآمرون من بلهاء صهيون.

стр. 345

ويجب أن نتذكر أن اليهودي الذي يفر من بغض أعداء اليهود وحربهم ضده هو نفسه اليهودي الذي يصبح مستوطناً صهيونياً يغتصب الأرض العربية ويتحوَّل، بعد قليل، إلى الجندي الصهيوني الذي نراه على شاشات التليفزيون يقتل الأطفال العرب أو يكسر عظامهم. وقد أدرك الصهاينة ذلك تماماً، ولذا فتاريخهم هو تاريخ التحالف مع أعداء اليهود، بل إن الصهيونية وُصفت بأنها تعيش على الكوارث اليهودية. ومن المعروف لدى الدارسين أن الحركة الصهيونية نظمت هجمات، أحياناً مسلحة، على الأفراد والجماعات اليهودية، لترغمهم على الخروج من بلادهم، ليتحوَّلوا إلى مادة استيطانية وقتالية في المستوطَن الصهيوني. وإشاعات الهجمات على اليهود السوفييت وظاهرة نبش قبور اليهود في أوربا هي، في أغلب الظن، من تدبير الحركة الصهيونية. وقد جاء في أحد تواريخ الصهيونية أنه إذا كان تيودور هرتزل هو ماركس الصهيونية، أي مُنظِّرها، فهتلر هو لينين الصهيونية، أي من وضعها موضع التنفيذ، وذلك عن طريق تصعيد اضطهاد اليهود في أوربا، فهاجرت الآلاف إلى فلسطين، الأمر الذي كانت الحركة الصهيونية قد فشلت تماماً في تحقيقه حتى ذلك التاريخ. ونحن إذا أدركنا كل هذا، يصبح من الواجب علينا أن نبتعد عن الدهاليز الضيقة المظلمة، وأن نتوقف عن البحث الطفولي الساذج عن اليهودي ذي الأنف المُقوَّس والظهر المحدودب (الذي لا يُوجَد إلا في كتب الكاريكاتير وفي النماذج الاختزالية) ظناً منا أننا لو عثرنا عليه وقضينا عليه فإننا سنريح ونستريح. فالصراع مع العدو مركب وطويل، والدولة الصهيونية ليست مؤامرة عالمية بدأت مع بداية الزمان، وإنما هي قاعدة عسكرية واقتصادية وثقافية وسكانية للاستعمار الغربي، والصراع معها إنما هو جزء من المواجهة العامة مع الحضارة الغربية الغازية. نموذج التكامل الفضفاض غير العضوى (نموذج الانتفاضة)

стр. 346

«نموذج التكامل الفضفاض غير العضوي» هو نموذج يسمح بوجود ثغرات بين الأسباب والنتائج، وبين الكل والجزء، وبين الجزء والآخر. فأجزاؤه ليست متلاحمة مع بعضها البعض. وهو نموذج يعرف الثنائيات الفضفاضة والانقطاع ويدور في إطار السببية الفضفاضة، ولذا لا يسقط في الواحدية أو التلاحم العضوي. ورغم استقلال الأجزاء عن الكل وعن بعضها البعض إلا أنها ليست مفتتة ذرياً فهي في علاقة تكاملية بحيث يمكنها أن تنسق فيما بينها وأن تتفاعل. ولذا فهو نموذج يعرف الاتساق والاستمرار والتكامل، ومع هذا يبقى لكل جزء من أجزائه استقلاله وكينونته وشخصيته وهويته. فالأجزاء مترابطة دون أن تكون متلاحمة عضوياً، والكل ينتظم الأجزاء دون أن يبتلعها، ودون أن تذوب هي فيه، ودون أن تُردَّ في كليتها إليه، والسبب له علاقة بالنتيجة ولكنها ليست علاقة مباشرة صلبة. ونحن نضع نموذج التكامل الفضفاض غير العضوي مقابل كلٍّ من نموذج التلاحم العضوي ونموذج التفتت الآلي والذري. وتتسم عناصر نموذج التلاحم العضوي بأنها جميعاً متماسكة متلاحمة بحيث لا يستطيع عنصر أن يستقل عن الكل ولا يتمتع بمساحة يتحرك فيها بشيء من الاستقلال (وهذا هو النموذج السائد في الأوساط الثورية في العالم العربي، بل في العالم الحديث بأسره، وهو النموذج المهيمن على الدول المركزية القومية وعلى منظومة الحداثة الغربية) . أما نموذج التفتت الآلي أو الذري فتتسم عناصره بأنها مستقلة تماماً بعضها عن البعض، فيعمل كل عنصر بمفرده (وهذا بطبيعة الحال لا يصلح أن يكون نموذجاً ثورياً، ولا حتى نموذجاً لإدارة دفة الحكم. ومع هذا يسيطر على فكر كثير من الأفراد وطريقة إدراكهم مع تفشِّي البرجماتية والوضعية وما بعد الحداثة) .

стр. 347

والتراث الإسلامي العربي تراث قد تَرد فيه النماذج العضوية والآلية (وهي لابد أن ترد داخل أي تشكيل حضاري) ، إلا أنها لا تتمتع بأية مركزية فيه إذ يشغل المركز نموذج التكامل الفضفاض غير العضوي. فلننظر (على سبيل المثال) إلى الحديث الشريف: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى" (متفق عليه) . فرغم أن الصورة المجازية الأساسية هنا هي الجسد، إلا أن بنيتها غير عضوية نظراً لاستخدام أداة التشبيه التي تحتفظ بمسافة (أو ثغرة) بين طرفي التشبيه وتقلِّل عضوية المجاز وتمنع تأيقنه. فالمؤمنون في تعاطفهم ليسوا «جسداً» وإنما هم «مثل الجسد» وحسب. فأداة التشبيه تخفف حدة الترابط وتُدخل قدراً من الترابط الفضفاض غير الصلب. ولعل الحديث الشريف الآخر عن نفس الموضوع تظهر فيه فكرة الترابط غير العضوي الفضفاض بشكل واضح: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً" [متفق عليه] ثم شبَّك الرسول ﷺ أصابعه. فالصورة المجازية هنا في مضمونها غير عضوية وتُعبِّر عن تكامل وترابط، ولكنه ترابط البناء غير العضوي الذي تتخلله الثغرات (تماماً مثل أصابع اليد المتشابكة) .

стр. 348

ويمكن أن نضرب عشرات الأمثلة الأخرى من القرآن والسنة (والتراث الديني وغير الديني) على فكرة الترابط الفضفاض غير العضوي. فمثلاً مفهوم النفس المطمئنة هو مفهوم فضفاض تماماً، فهي ليست النفس الذرية الآلية ذات البُعد الواحد المغتربة التي تحتفظ بحدودها وانغلاقها، ولا هي النفس الرومانسية ذات البُعد الواحد التي تلتحم عضوياً بالآخر، وإنما هي نفس مركبة الأبعاد تكتسب المقدرة على الإبداع والبقاء (الطمأنينة) من خلال التوكل على الله دون الاتحاد به، ومن خلال التعاون مع الآخرين دون الالتحام الكامل بهم أو الانفصال الكامل عنهم؛ فهي تظل في حالة اتصال وانفصال، تَواصُل واستقلال. وأعتقد أن النموذج الأكبر (نموذج النماذج إن صح التعبير) هو المفهوم الإسلامي لله وعلاقة الإنسان به؛ فالله ليس كمثله شيء ولكنه قريب يجيب دعوة الداعي (دون أن يحل فيه) ، وهو مفارق تماماً للكون (للطبيعة والتاريخ) متسام عليهما ولكنه لا يتركهما دون عدل أو رحمة، فهو أقرب إلينا من حبل الوريد (دون أن يجري في عروقنا) وبإمكان الإنسان أن يقترب منه ولكنه لا يمكنه أن يتحد به. ولذا يظل أشرف المخلوقات في أكثر اللحظات قرباً منه "قاب قوسين أو أدنى". فثمة مسافة تفصل بين الإله والإنسان والطبيعة، تماماً مثل تلك التي تفصل بين الإنسان والطبيعة. وهذه المسافة حيز إنساني يتحرك الإنسان فيه بقدر كبير من الحرية، فهي ضمان استقلال الإنسان عن الإرادة الإلهية بحيث يصبح الإنسان حراً مسئولاً من الناحية الأخلاقية، ويصبح له من ثم هوية مركبة محددة، ويصبح التاريخ الإنساني مجال حريته واختباره (ومن هنا مركزية مفهوم «خاتم المرسلين» باعتباره إعلانا من الله بأن التاريخ، بعد اكتمال الوحي، هو رقعة الحرية) . ولكن المسافة ليست هوة تعني أن الإله قد هجر الإنسان وتركه في عالم الفوضى والصدفة، فالله قد أرسل له وحياً في نص مقدَّس مكتوب، وهو قد كرَّم الإنسان

стр. 349

واستخلفه، ولذا فإن الإنسان يحمل رسالة الإله في الأرض ويحمل الشرارة الإلهية داخله. هذه هي بعض السمات الأساسية لنموذج التكامل الفضفاض غير العضوي. ويمكننا أن نتناول موضوع الانتفاضة ولنبدأ بالأسباب التي أدت إلى اندلاعها. إن القمع الصهيوني للمواطنين العرب قد تفاوت في حدته من عام لآخر، فحالة القهر حالة بنيوية تسم العلاقة بين المستعمرين والمستعمَرين. كما أن عملية تشويه المجتمع الفلسطيني وتحطيم بنيته التحتية، وربطه بالاقتصاد الإسرائيلي كانت تتسارع، حتى أن الباحث الإسرائيلي ميرون بنفنتسي كان قد أصدر دراسة بيَّن فيها أنه قد تم، على مستوى من المستويات، دمج الضفة الغربية في الاقتصاد الإسرائيلي، وأنه لا يمكن العودة عن هذا الأمر. وكان الاحتلال الصهيوني يحاول رفع المستوى الاقتصادي لسكان فلسطين المحتلة عام ١٩٦٧ عن طريق تحويل قطاعات منهم إلى عمالة رخيصة تعمل داخل إسرائيل وتخدم الاقتصاد الإسرائيلي وتستفيد منه، حتى يصبح من صالحها الإبقاء على الوضع القائم.

стр. 350

ولكن إلى جانب القهر كانت توجد عملية إغواء، فقد بلغ عدد العرب الذين يعملون وراء الخط الأخضر (وهو الخط الافتراضي الذي يفصل فلسطين المحتلة عام ١٩٤٨ تلك التي احتلت عام ١٩٦٧) ١٢٠ ألفاً، وقد ارتفع دخل الفلسطينيين العرب بالفعل من ٣٠٠ دولار عام ١٩٦٨ إلى ١٤٠٠ دولار في الضفة وألف دولار في القطاع. ولا يعود ارتفاع مستوى الدخل إلى العمل وراء الخط الأخضر وحسب، وإنما بسبب تحويلات العاملين في البلاد العربية إلى ذويهم. ويُلاحَظ أن ارتفاع الدخل قد تم إنجازه لا من خلال الارتباط بالأرض والعمل فيها، وإنما من خلال النزوح عنها (العمل في إسرائيل أو في البلاد العربية) أي أن ارتفاع الدخل كان يشكل من الناحية البنيوية حركة طاردة من الأرض تهدف إلى دفع السكان لترك وطنهم والهجرة منه والتخلي عن الكفاح المسلح. وكانت الولايات المتحدة تفكر في إقامة بعض المشروعات الاقتصادية في الضفة الغربية تهدف إلى تعميق روح التكيف والمرونة بين العرب وإقبالهم على التمتع بالحياة الدنيا دون التفكير في أية قيم أخلاقية أو قومية ودون التعلق بأية مطلقات أو ثوابت.

стр. 351

لكن لا القهر قادر على أن يؤدي إلى اندلاع الانتفاضة ولا الإغواء قادر على إطفائها. فهذه جميعاً عناصر مساعدة، إذ لابد أن تكون هناك عناصر إيجابية تحرك الفاعل الإنساني العربي، وفي تصوُّرنا أن العنصر الحاسم في هذا المجال هو تماسُك هوية الفلسطينيين وتجذُّرهم في تراثهم الحضاري والديني، فقد كان هذا هو المدد الذي لا ينفد، والذي جعل الفلسطينيين يدركون إمكاناتهم وعوامل الحياة والانطلاق داخلهم، وفي الوقت نفسه يدركون مدى تَخثُّر العدو وعوامل التآكل والموت داخله. لقد أدركوا الأزمة العقائدية التي كان يخوضها التجمُّع الصهيوني نتيجة تصاعد معدلات العلمنة فيه وتوجهه نحو قيم المنفعة واللذة. ولابد أنهم لاحظوا أن المستوطنين الصهاينة في الضفة الغربية غير قادرين على حمل السلاح، ولذا فهم يتحركون دائماً في حماية قوات "الدفاع" الإسرائيلية. ولابد أن أهل الضفة الغربية رأوا المنازل الفارهة التي تُشيَّد لهؤلاء "الرواد" الصهاينة الذين يتمسكون بجهاز التكييف وحمام السباحة أكثر من تَمسُّكهم بأرض الميعاد (أطلق على هذا النوع من الاستيطان "الاستيطان مكيف الهواء"، أما زئيف شيف المعلق العسكري الإسرائيلي فيسميه "الاستيطان دي لوكس") .

стр. 352

ولا يوجد أية ضرورة لإطلاق الرصاص على مثل هذا المستوطن المرفه، فالحجارة كفيلة بأن تُعكر صفو حياته الدنيوية وفردوسه الأرضي الحديث الصغير. وبينما كان العدو يَتخثَّر لم تتوقف العمليات الفدائية، التي قد تتفاوت في حدتها، ومدى نجاحها وفشلها إلا أنها نجحت في الإبقاء على روح الجهاد لدى الشعب الفلسطيني، وعلى تماسكه وتمسُّكه بعقيدته، وهذا التماسك هو وحده الذي هيأ الأجيال الفلسطينية الجديدة لإدراك ما حدث داخل المجتمع الصهيوني فازدادت امتلاءً وإبداعاً. وجاءت هزيمة القوات الإسرائيلية في لبنان فحركت إمكانية إلحاق الهزيمة بالعدو من مجال الحلم إلى مجال الواقع. ثم كانت عملية قبية التي قام بها مواطن عربي من تونس فكانت بمنزلة الشرارة. في هذا الإطار بدأ النموذج الانتفاضي، نموذج التكامل الفضفاض غير العضوي، يظهر بتدريجياً، وبدأ المناضلون في الضفة والقطاع يتبنونه إلى أن أصبح النموذج الأساسي والمهيمن، وأصبحت الانتفاضةحالة ممثِّلة لهذا النموذج. ولتوضيح وجهة نظرنا سنقوم بمقارنة نموذج التكامل الفضفاض غير العضوي بنموذج التلاحم العضوي من منظور إمكانية التشغيل والتطبيق. ١ ـ يمكن القول بأن نموذج التلاحم العضوي ثمرة حقيقية لمنظومة الحداثة الغربية المبنية على القطيعة المعرفية والفعلية مع الماضي، والبدء من الواقع المادي المباشر ومحاولة السيطرة على عناصره. والتغيير يعني رفض الماضي والبدء من نقطة الصفر الافتراضية. أما نموذج التكامل الفضفاض غير العضوي فهو نموذج يحاول أن ينسلخ عن الحداثة الغربية ليستلهم التراث ويولِّد منه حداثة جديدة ونظماً في الإدارة وتحريك الكتلة البشرية بأسرها.

стр. 353

وهذا أمر متوقع تماماً فالنموذج الانتفاضي نموذج استرجاعي: أن تصبح إسرائيل فلسطين مرة أخرى وأن تُزال آثار العدوان الاستعماري الغربي الصهوني الذي نجح في مواجهتنا بآلاته الحديثة وقصم ظهرنا فلابد إذن من استدراجه إلى أرضنا حيث يمكننا أن نحاوره حسب قواعدنا ونستلهم تراثنا. ولذا فالانتفاضة كانت شكلاً من أشكال «العودة عن الحداثة» demodernization، وبعث أشكال تقليدية من التكامل الاجتماعي والإنتاج (الأسرة كوحدة أساسية ـ الزراعة التقليدية ـ المخبز الريفي ـ العودة لشجرة الزيتون كمصدر للحياة وللرموز) ليزداد التكامل الفضفاض والتراحم في المجتمع. ويُلاحَظ أن القرى التي لم تحقق مستوى عالياً من التحديث هي أكثر القرى صلابة في النضال إذ أن بنيتها التحتية التقليدية تضمن لها مقدرة أعلى على الاستمرار بسبب عدم تبعيتها.

стр. 354

وكلمة «انتفاضة» تبلور النموذج الانتفاضي بشكل يبعث على الدهشة، فهو دال يكاد ينطبق انطباقاً كاملاً على مدلوله ويعبِّر عنه بكل خصوصيته ونتوءاته ومنحنياته، وهو مصطلح يعود للمعجمين اللفظي والحضاري العربي الإسلامي. والكلمة مشتقة من فعل «نفض» مثل «نفض الثوب» يعني «حرَّكه ليزول عنه الغبار أو نحوه» . والكلمة على المستوى الدلالي المباشر تشير إلى حركة خلاّقة تولِّد الجديد من القديم (النظافة) ، وهي توحي في الوقت نفسه بعدم تجذُّر هذا الذي سيزول ـ الغبار الذي علا الثوب ـ أو الاستعمار الصهيوني الذي حط على أرض فلسطين. ويُقال أيضاً «نفض المكان» أي «نظر جميع ما فيه حتى يعرفه» (وهذه حيلة معروفة لدى شباب الانتفاضة) . ويقولون أيضاً «نفض الطريق» أي «طهره من اللصوص» . و «النفضة» هي «جماعة يُبعثون في الأرض متجسسين لينظروا هل فيها عدو أو خوف» . وتحمل الكلمة أيضاً معاني الخصوبة فيُقال «نفض الكرم» أي «تفتحت عناقيده» . ويُقال «نفضت المرأة» أي «كثُر أولادها» . والمرأة النفوض هي «المرأة كثيرة الأولاد» (مثل المرأة الفلسطينية) ، وهناك تعبيرات مثل «نفض عنه الكسل» و «نفض عنه الهم» وكذلك «انتفض واقفاً» . والكلمة، بدلالتها وإيحاءاتها تفترض وجود قوة ما كامنة، كانت ساكنة ثم تحركت، وأن مصادر الحركة ليست من خارج النسق، وإنما من داخله. وهذا البُعد يجعل كلمة «انتفاضة» (لا ثورة) مصطلحاً أكثر دقة في وصف ما يحدث، فالثورة تفيد الانقطاع (الثورة الفرنسية والثورة البلشفية) أما الانتفاضة فتفيد أن الكامن قد أصبح ظاهراً، وأنه وصل ما انقطع ولم يقطع ما اتصل.

стр. 355

ونحن نذهب إلى أن الحجر في حالة الانتفاضة ليس مجرد سلاح استخدمه المنتفضون بكفاءة عالية وإنما هو بلورة كاملة لنموذج التكامل الفضفاض غير العضوي. فاستخدام الحجر كفاءة توصَّل لها الإنسان منذ أن بدأ التاريخ البشري. والحجر موجود بكثرة داخل معجمنا الحضاري، فهو أحد المفردات الأساسية في التراث العربي الإسلامي. فالحصان، على سبيل المثال، يُشبَّه في معلقة امرئ القيس بأنه "جلمود صخر حطه السيل من عل". ونحن نعرف كذلك آية الطير الأبابيل التي رمت الغزاة «بحجارة من سجيل» ، وعقوبة الزنى هي "الرجم". ويستعيذ المسلمون بالله من الشيطان" الرجيم"، ويقضون حياتهم يحلمون بإقامة شعائر الحج، ومن أهمها "رجم" إبليس وتحية "الحجر" الأسود (وربما تقبيله) . وتقف الكعبة نفسها "حجراً" ضخماً، مكعب الشكل يشير إلى ما لا نهاية، إلى الإمكانيات والوعود والجنة. ويزخر شعر المقاومة الفلسطينية قبل الانتفاضة وبعدها بإشارات لا تُعَد ولا تحصى للأرض والجبال والحجارة. وثمة سمات مشتركة أخرى بين نموذج الانتفاضة، نموذج التكامل الفضفاض غير العضوي، والنماذج الإدراكية السائدة في المجتمعات التقليدية. فعلى سبيل المثال لجأت الانتفاضة، التي تحاول أن تحرك الكتلة البشرية بأسرها، إلى البحث عن رقعة الإجماع الشعبي بين الفلسطينيين (الثوابت الإنسانية) مثل التمسك بالأرض والدفاع عن حق تقرير المصير، ولم تشغل بالها بالأطروحات الثورية النقية الدقيقة. وهذا التوجه للثوابت قد لا يكون رشيداً من منظور علمي مادي ولكنه رشيد تماماً من الناحية الإنسانية والتعبوية. والانتفاضة في هذا لا تختلف كثيراً عن المجتمعات التقليدية التي تتسم بقدر عال من التماسك بسبب الإيمان بالثوابت ومن محاولةإدارة الأمور من خلال الإجماع لا الصراع (والإدارة من خلال الإجماع لا من خلال تصعيد المنافسة أسلوب في الإدارة تبنوه في اليابان بنجاح كبير، وبدأوا يكتشفون أهميته وجدواه في الغرب) .
следующие страницы →