Полный текст (8 511 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.
стр. 3641
١١ ـ ويقودنا هذا إلى النقطة الأخيرة وهي شخصية فرويد نفسه، وهي قضية مهمة بسبب ارتباط التحليل النفسي به. ومن المعروف الآن أن فرويد لم يكن شخصية سوية تماماً، فقد كان يعاني ـ كما بيَّنا ـ مشكلة هوية حادة بسبب كونه يهودياً غير يهودي، الأمر الذي سبَّب كثيراً من الإبهام في مفاهيمه.
ويشير الدكتور قدري حفني إلى شخصيته التسلطية وكيف أنه كان لا يقبل المعارضة. فحينما اختلف مع يونج وصفه بأنه الكذاب ـ المدعي ـ المهرطق (وهو ما يُبيِّن أن فرويد كان يرى أن التحليل النفسي البديل العلماني للدين، وأن المفسر هو البديل العلماني للكاهن) . وحيث إن المسألة مسألة دينية فإن فرويد كتب إلى إرنست جونز مشجعاً إياه على طرد أنصار يونج من جمعية لندن مستخدماً في خطابه مصطلحاً شبه ديني ( «إن عزمك على تطهير جمعية لندن من أنصار يونج لأمر رائع» ) .
стр. 3642
ووصف فرويد أدلر، بعد اختلافهما، بأنه «كومة من النفايات مليئة بالسم والشر» . وقال إنه «صنع من القزم عملاقاً» . فرد أدلر: " ... حتى القزم، إذا ما احتل مكانه على كتفي عملاق ضخم، فإنه يستطيع أن يرى أبعد ممن يحمله". فرد فرويد، مرة أخرى، قائلاً: « ... قد يصدق ذلك على القزم، ولكن لا يصدق، بحال، على قملة في شعر ذلك العملاق» . بل إن الأمر ليمضي إلى ما هو أبعد من ذلك. فبعد وفاة أدلر، في الأول من مايو ١٩٣٧، كتب آرنولد زفايج إلى فرويد معبِّراً عن تأثره لذلك، إذ أن أدلر وافته المنية فجأة وهو يسرع الخطى عبر أحد شوارع إسكتلندا في طريقه لإلقاء إحدى محاضراته، فإذا بفرويد يكتب لزفايج، في ٢٢ يونيه ١٩٣٧، مؤنباً إياه، لإبدائه مثل تلك المشاعر، قائلاً: « ... إنني لا أفهم تعاطفك من أجل أدلر. إن ملاقاة الموت في أحد الشوارع الفاخرة في إسكتلندا ليُعدُّ، بالنسبة إلى ولد يهودي خرج من ضاحية متواضعة من ضواحي فيينا، حدثاً رائعاً في حد ذاته، ودليلاً على مدى ما بلغه من رفعة. لقد كافأته الدنيا بسخاء نظير ما قدمه من خدمات بمعارضته التحليل النفسي» . وكل هذه الملاحظات تدل على ضيق الأفق والتسلط والفشل الذريع في فهم الآخر.
стр. 3643
وقد ترك فرويد أثراً عميقاً في كثير من العاملين بالتحليل النفسي. فقام بعض أتباعه ببلورة بعض العناصر في المنظومة الفرويدية دون غيرها. ففيتلز مثلاً ذهب إلى أن الترخيصية الجنسية هي الحل الطبيعي لمشاكل البشر النفسية. وقام ويلهلم لايخ بالبحث عن الحل السحري في طاقة الأورجون التي ذهب إلى أنها الأساس العلمي للتحليل النفسي، وتحدث كارل أبراهام الألماني عن «سقوط قضيب الأم» . وقد تحوَّل التحليل النفسي في الولايات المتحدة إلى نوع من العبادة الوثنية حيث صار المحللون يعتقدون أنهم كهنة وأن مهنتهم مقدَّسة. وامتلأت كتب التحليل النفسي بالترهات التي تهدف إلى إقناع الفرد بأن كل ما يفعله سويّ، طالما أنه يريحه نفسياً ويُشبع رغباته.
وعلى المستوى الفلسفي أكد بعض أتباع فرويد البُعد الحتمي، فذهب لاكان الفرنسي إلى أن اللاشعور هو الأساس فاستخدم منهج اللغويات ليخبرنا بأن اللاشعور هو من يتكلم أو يفكر حينما يتكلم الإنسان أو يفكر. كما ذهب لاكان إلى أن الاتصال البشري مستحيل حيث إن اللاشعور سيتدخل في الطريق. ولكن ظهر محللون نفسيون رفضوا مثل هذه الحتمية مثل إريك إريكسون وإريك فروم ودونالد وينكوت. فإريكسون يُصِّر على تاريخية طريقة التحليل النفسي وبالتالي ينفي عنها الجانب الحتمي والفكر الاختزالي الذي يقفز من الفرد إلى المجتمع، ويتحدث عن الروح والخالق كضرورة للإيمان والثقة (على عكس فرويد «الذي لا إله له» على حد قوله) . وبالمثل يرى وينكوت أنه لا يكفي أن نقول إن ثمة سبباً عضوياً للمرض النفسي، بل يجب أن نتساءل عن سبب اختلال هذا التوازن العضوي من الداخل. فالإنسان ليس آلة ولا مجموعة مركبات. والسؤال الأساسي عنده هو: لماذا وكيف أصبح الإنسان إنساناً؟
البُعد "اليهودي" في رؤية فرويد
The Jewish Dimension Of Freud's World VIEW
стр. 3644
من القضايا الأساسية التي تثار في الدراسات الخاصة بتاريخ التحليل النفسي والمنظومة الفرويدية قضية البُعد اليهودي فيها، ويمكننا أن نؤكد ابتداءً أن فرويد ينتمي بشكل كامل إلى الحضارة الغربية التي هيمن عليها نموذج العلمانية الشاملة والتي كانت قد بدأت تدخل مرحلة السيولة واللاعقلانية المادية. ويُعتبَر فرويد من أهم مفكري هذه الحضارة ومنظريها، ولا يمكن فَهْم فكره إلا في إطار الحضارة الغربية الحديثة. ومع هذا يذهب كثير من مؤرخي الأفكار إلى القول بأن التحليل النفسي «علم يهودي» يضرب بجذوره في طبيعة اليهود النفسية (وهذه مقولة أخذ بها النازيون وكثير من الصهاينة) . والمدافعون عن هذا الرأي (أ. روباك A.Roback ـ إيزيدور سادجر Sadger ـ إرنست جونز Jones) يسوقون قرائن عديدة من بينها أن اليهود دائمو التأمل في أسباب الظواهر، ويتضح هذا في مزامير داود وفي التلمود. وهذا التفسير يربط بين التحليل النفسي وبعض الصفات الأزلية الثابتة في طبيعة اليهود. وهناك من يحاول أن يُدخل بُعداً تاريخياً فيذهب إلى القول بأن التحليل النفسي هو محاولة اليهودي أن يعالج عُصابه الناجم عن وجوده الدائم في المنفى. وتذهب سوزان هاندلمان إلى أن فرويد إن هو إلا تعبير عن تقاليد الهرمنيوطيقا المهرطقة (انظر الباب المعنون «اليهود واليهودية وما بعد الحداثة» ) وهو جزء من انتقام اليهودي من مجتمع الأغيار الذي اقتلعه من مكانه، ولذا فاليهودي يقوم بتفكيك الحضارة الغربية المسيحية، تماماً كما قامت هذه الحضارة بتفكيكه. ومثل هذه الأفكار تلاقي رواجاً غير عادي في بعض الأوساط في العالم العربي، وتُستخدَم في تدعيم الرأي القائل بوجود «مؤامرة يهودية» تعبِّر عن الجوهر اليهودي.
стр. 3645
وكان فرويد نفسه يغذي هذه الأفكار فكان يربط بين التحليل النفسي وانتمائه اليهودي، فالمقاومة التي لاقاها التحليل النفسي كانت، في تَصوُّره، جزءاً من رفض الحضارة الغربية لكل ما هو يهودي. والتحليل النفسي في تصوره كان من إبداعه ( «لمدة عشر سنوات كنت أنا الشخص الوحيد الذي انشغل به ولا أحد يعرف أكثر مني ما هو التحليل النفسي» ) .
وكان فرويد يتصور أن عالم الأغيار سيرفض التحليل النفسي بسبب يهوديته ولذا كان يتصور أنه لابد من إعطائه واجهة «مسيحية» . وكان هذا هو الدور المُوكَل ليونج ابن الراعي السويسري. فكتب فرويد إلى كارل أبراهام (١٩٠٨) خطاباً يحثه فيه على كسب مودته «فيونج مسيحي وابن قسيس [ولذا فهو] يجد عناصر مقاومة داخلية شديدة تعوق اقترابه مني. ونحن لا غنى لنا إطلاقاً عن رفاقنا الآريين كافة، وإلا سقط التحليل النفسي ضحية معاداة اليهود» . وحينما اعترض أتباع فرويد على ترشيح يونج لرئاسة الجمعية الدولية قال لهم فرويد: «إن معظمكم من اليهود ومن ثم فإنكم لن تستطيعوا ضم أصدقاء للفكر الجديد. على اليهود أن يَقنَعوا بدورهم المتواضع في تمهيد الطريق، فمن أشد الأمور أهمية بالنسبة لي أن أستطيع إيجاد روابط مع دنيا العلم. وها أنتم ترون أني أتقدم في السن وأشعر بالتعب من الهجوم المتواصل. إننا جميعاً [أي اليهود العاملين في حقل التحليل النفسي] في خطر» . ثم أمسك فرويد بثنية سترته ومضى يقول بطريقة مسرحية: «إنهم لن يتركوا لي سترة أغطي بها ظهري ولكن السويسريين [أي المسيحيين] سينقذوننا سينقذونني، وسينقذونكم جميعاً أيضاً»
стр. 3646
وكان فرويد كثيراً ما يتباهى باليهودية وبانتمائه اليهودي، فكان يرى أن الشعب اليهودي قَدَّم التوراة للعالم، وأن اليهودية مصدر طاقة لكثير مما كتب. وقد أكد أكثر من مرة أنه كان دائماً مخلصاً لشعبه «ولم أتظاهر بأنني شيء آخر: يهودي من مورافيا جاء أبواه من جاليشيا» . وحينما سأله صديق يهودي عما إذا كان من الواجب على اليهود أن يوجهوا أولادهم لاعتناق المسيحية (وهو أمر كان شائعاً بين اليهود آنذاك، بل من المعروف أن بعض أقارب فرويد قد تَنصَّروا) رد قائلاً: «اليهودية مصدر طاقة لا يمكن أن تُعوَّض بأي شيء آخر، [فاليهودي] عليه كيهودي أن يكافح، ومن الواجب أن يُنمِّي في نفسه كل هذا الكفاح، فلا تحرمه من هذه الميزة،.
стр. 3647
وقد انضم فرويد لجماعة بناي بريت عام ١٨٩٥ وفيها ألقى أولى محاضراته عن تفسير الأحلام. وفي ٦ مايو عام ١٩٢٦ أقامت الجمعية حفلاً خاصاً بمناسبة بلوغه السبعين من عمره. ولم يَحضُر فرويد هذا الحفل وأناب عنه في حضوره طبيبه الخاص البروفسور لدفيج براون الذي ألقى كلمته والتي تضمنت قوله « ... إن كونكم يهوداً لأمر يوافقني كل الموافقة لأنني أنا نفسي يهودي. فقد بدا لي دائماً إنكار هذه الحقيقة ليس فقط أمراً غير خليق بصاحبه، بل هو عمل فيه حماقة أكيدة. إنني لتربطني باليهودية أمور كثيرة تجعل إغراء اليهودية واليهود أمراً لا سبيل إلى مقاومته، قوى انفعالية غامضة كثيرة كلما زادت قوتها تَعذَّر التعبير عنها في كلمات. بالإضافة إلى شعور واضح بالذاتية الداخلية، الخلوة الآمنة لتركيب عقلي مشترك. ثم بعد هذا كله كان إدراكي أنني مدين بالفضل لطبيعتي اليهودية فيما أملك من صفتين مميزتين لم يكن في وسعي الغناء عنهما خلال حياتي الشاقة: فلأني يهودي وجدت نفسي خلواً من التحيزات التي أضلت غيري دون استخدام ملكاتهم الذهنية، وكيهودي كنت مستعداً للانضمام إلى المعارضة وللتصرف دون موافقة الأغلبية الساحقة. وهكذا وجدت نفسي واحداً منكم أقوم بدوري في اهتماماتكم الإنسانية والقومية، واكتسبت أصدقاء من بينكم، وحثثت الأصدقاء القليلين الذين تبقوا على الانضمام إليكم» . ولكنه بعد خمسة أعوام نجده يكتب رداً على تهنئة حاخام فيينا له بمناسبة عيد ميلاده الخامس والسبعين يقول: «في مكان ما في أعماق روحي أشعر أني يهودي متعصب.. وأني شديد الدهشة أن أكتشف نفسي هكذا، رغم كل جهودي للوصول للموضوعية ولإنكار التحيز» ، أي أن اليهودية التي جعلته خلواً من التحيزات في سن السبعين، جعلته غير قادر على إنكار التحيز في سن الخامس والسبعين. هل هذه سقطة فرويدية، بمعنى أنه في المرة الأولى كان يدَّعي خلوه من التحيزات حين كان يُلقي خطاباً عاماً، وفي المرة الثانية سقط
стр. 3648
القناع وكشف مكنون نفسه لأنه يكتب خطاباً خاصاً لحاخام؟
بل يبدو أن فرويد كان يغازل الصهيونية ويظهر هذا في تباهيه بما يُسمَّى «الشعب اليهودي» . وكان فرويد يعرف تيودور هرتزل ويوليه الاحترام ويشير إليه باعتباره «الشاعر والمحارب من أجل حقوق شعبنا» . وأرسل إليه أحد كتبه مع عبارة إهداء شخصي عليه. وكان أحد أبناء فرويد عضواً في جماعة قديما الصهيونية، كما كان هو نفسه عضواً فخرياً بها.
وقد كتب فرويد إلى إحدى تلميذاته من العاملات بالتحليل النفسي، وهي إشبيلر اين، بعد أن علم أنها توشك أن تضع طفلاً، يقول لها: " ... أود لو خرج الطفل ذكراً أن يصير صهيونياً متعصباً.. إننا يهود، وسنظل يهوداً.. وسيبقى الآخرون، على استغلالهم لنا، دون أن يفهمونا، أو يقدرونا حق التقدير» (الخطاب مؤرخ في أغسطس ١٩١٣ ولكنه لم يُنشَر إلا عام ١٩٨٢) . وكان فرويد عضواً في مجلس أمناء الجامعة العبرية بالقدس، وكان يفتخر بذلك ويقول عنها «جامعتنا".
стр. 3649
ويُشير الدكتور قدري حفني إلى ما يسميه «التنظيم الصهيوني الفرويدي» . فقد نشر فرويد عام ١٩١٤ كتيباً بعنوان تاريخ حركة التحليل النفسي أشار فيه إلى تشكيل الرابطة الدولية للتحليل النفسي عام ١٩٠٢ "حين تشكَّلت حولي مجموعة من أطباء شبان، كان هدفهم المعلن تَعلُّم وممارسة ونشر التحليل النفسي ... وبعد سنتين من المؤتمر الأول الخاص للمحللين النفسيين، انعقد المؤتمر الثاني في نورمبرج هذه المرة في مارس ١٩١٠، وفي الفترة الفاصلة بين هذين المؤتمرين ... وإزاء العداء المتزايد الذي كان يُواجَه به التحليل النفسي في ألمانيا ... صمَّمت مشروعاً، وأفلحت أثناء ذلك المؤتمر الثاني، في وضعه موضع التنفيذ، بمساعدة صديقي س. فيرنزي. وكان هذا المشروع يرمي إلى تزويد حركة التحليل النفسي بتنظيم ... تحاشياً للتجاوزات التي يمكن أن تُرتكَب باسم التحليل النفسي ... وكنت أرغب، أيضاً، في أن تقوم بين أنصار التحليل النفسي علاقات صداقة وتآزر ولهذا، وليس لأي شيء آخر، كنت أرغب في قيام الرابطة الدولية للتحليل النفسي ... ".
كان ذلك هو أقصى ما صرَّح به فرويد علناً آنذاك. أمّا ما نُشر بعد ذلك بأعوام طوال، فقد كان مختلفاً تماماً. لقد قام المحلل النفسي المعروف، إرنست جونز، ابتداءً من عام ١٩٥٣، بالشروع في نشر سيرة حياة فرويد. وكان جونز آنذاك آخر الأحياء من القيادة السرية للتنظيم الصهيوني الفرويدي. وتضمَّنت تلك السيرة، التي نُشرت في ثلاثة أجزاء، العديد من الخطابات المتبادلة بين فرويد وخلصائه، ومن بينهم أعضاء تلك القيادة السرية، والتي كانت تضم، إلى جانب فرويد، كلاً من جونز وفيرنزي وساخس ورانك وأبراهام، وإيتنجتون الذي انضم إلى تلك القيادة بعد تشكيلها بعدة أعوام.
стр. 3650
أشار جونز إلى أن بداية التفكير في تشكيل تلك القيادة السرية ترجع إلى يوليه ١٩١٢ حيث اقترح جونز على فيرنزي اقتراحاً مؤداه تشكيل «جماعة صغيرة من المحللين الموثوق فيهم كنوع من الحرس القديم الذي يحيط بفرويد» . ونوقش هذا الاقتراح، بالتفصيل مع فرويد، الذي استجاب له فوراً وبصورة إيجابية. وتتضح تفاصيل هذا الاقتراح، وكذلك طبيعة استجابة فرويد له، في خطاب بعث به فرويد إلى جونز، يحمل تاريخ الأول من أغسطس ١٩١٢، أي بعد مرور أقل من شهر على بزوغ الفكرة، ذكر فيه: " ... إن ما استولى على خيالي فوراً هو فكرتك عن مجلس سري يتألف من خيرة رجالنا وأكثرهم استحقاقاً للثقة، للقيام على أمور التطورات اللاحقة للتحليل النفسي، وللدفاع عن القضية في مواجهة الأشخاص والأحداث بعد وفاتي ... وقبل كل شيء، ينبغي أن تلتزم تلك اللجنة السرية المطلقة، سواء فيما يتعلق بوجودها أصلاً، أو فيما يتعلق بأعمالها ... ومهما أتت به الأيام المقبلة، فإن القائد المقبل لحركة التحليل النفسي ينبغي أن يخرج من بين هذه الحلقة الصغيرة المختارة من الرجال ... ". ولم يمض عام حتى عقدت تلك القيادة أول اجتماعاتها في منزل فرويد، الذي أهدى لكل من أعضائها فصاً إغريقياً قديماً من مجموعته، وقام هؤلاء بتركيب هذا الفص على خاتم ذهبي، كان فرويد يلبس مثيلاً له. وحين انضم إيتنجتون إلى القيادة، أهدى فرويد إليه خاتماً مماثلاً كذلك.
стр. 3651
وكان عدد اليهود بين أتباع فرويد كبيراً بشكل ملحوظ. فحلقة النقاش الأسبوعية التي بدأها عام ١٩٠٢ كان يحضرها يونج وأدلر ورانك وجونز وأبراهام وإيتنجتون ورايك وفيتلز وفرنزي، وكلهم من اليهود ما عدا يونج وجونز. ويشير الدكتور قدري حفني إلى الصهاينة منهم. فماكس إيتنجتون، مثلاً، وهو أحد أعضاء القيادة السرية للتنظيم الفرويدي الصهيوني، قرر، في سبتمبر ١٩٣٣، أن يغادر ألمانيا إلى فلسطين، حيث أقام هناك بقية حياته، وأنشأ «الجمعية الفلسطينية للتحليل النفسي» التي ما زالت قائمة حتى الآن، بعد أن تغيَّر اسمها طبعاً. وقال المحلل النفسي سيدني بومر: «لم يكن انتقال إيتنجتون إلى إسرائيل مجرد استجابة لضرورات الحرب، بل كان نتيجة طبيعية لميله، طوال حياته، إلى الصهيونية» . أما المحلل النفسي الشهير، إرنست سيميل، والصديق الصدوق لماكس إيتنجتون، فهو صاحب الكتاب المعروف المعاداة للسامية مرض اجتماعي، وفيه يُرجع المشكلة اليهودية برمتها إلى أسباب نفسية خالصة. ولقد بلغ من تقدير فرويد لسيميل أنه أهداه، عام ١٩٣٩، ذلك الخاتم الشهير نفسه الذي سبق أن أهدى مثله لأعضاء القيادة السرية للتنظيم قبل ذلك بسنوات طوال. أما سيجموند برنفيلد، المحلل النفسي، فهو نفسه ذلك العضو البارز في المنظمات الصهيونية، الذي تَبنَّى أفكار الفيلسوف الصهيوني مارتن بوبر، وكرَّس جانباً كبيراً من كتاباته النفسية لإبراز خصائص الشعب اليهودي، والدفاع عن فكرة «فلسطين كوطن قومي لليهود» . وقد زكَّاه فرويد بقوله: " ... إنه خبير بارز في التحليل النفسي. واعتبره واحداً من أقوى العقول بين تلامذتي وأتباعي ... ". وكذلك الحال بالنسبة للطبيب والمحلل النفسي فيلكس دويتش، الذي كان، منذ شبابه، من أنشط أعضاء التنظيم الطلابي الصهيوني في فيينا، والذي التقى، في صفوف هذا التنظيم، بمارتن فرويد، ابن سيجموند فرويد؛ ومن خلال لقائهما، عرف دويتش طريقه إلى فرويد والفرويدية.
стр. 3652
أما فيما يتصل بتكوين فرويد الثقافي فنحن نعرف أنه درس العبرية والتوراة في طفولته. ومن المؤكد أن فرويد كان على علم بالتراث القبَّالي فأبواه كانا من خلفية حسيدية، وكان جلينيك، وهو واحد من أشهر العلماء القبَّاليين، يعطي محاضراته في فيينا في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر. ورغم أن أحداً لم يدرس مدى معرفة فرويد بالحركة الفرانكية التي نبعت من الحركة القبَّالية، وحققت انتشاراً واسعاً بين العناصر الثورية اليهودية، إلا أن بوسعنا أن نفترض أن فرويد كان على علم بها وبرؤيتها للكون. وعلى كل لا يتطلب التأثر بالأفكار المعرفة المتخصصة والقراءة المباشرة للأعمال الأصلية، إذ يكفي أن يعيش المرء في مناخ فكري معيَّن وداخل تشكيل ثقافي معيَّن ليستوعب أفكاره الرئيسية. وهناك الملايين من «الرومانتيكيين» في بلادنا ممن استقوا رؤيتهم الرومانسية لا من جان جاك روسو ولا أشعار جوته أو وردزورث وإنما من الأغاني والأفلام والروايات العاطفية الشعبية والثقافة الشائعة. والمناخ الذي كان يعيش فيه فرويد ويتحرك كان مشبعاً بالأفكار والصور الحلولية الكمونية اليهودية. وذكرى الحركة الفرانكية ذات النزعة الترخيصية كانت لا تزال حية في الأذهان، بخاصة بين يهود اليديشية في جاليشيا، وفلولها كانت لا تزال موجودة، وابنة رئيس الحركة (التي تقول بعض المراجع إنها كانت تعاشر أباها جنسياً، كجزء أساسي من طقوس الجماعة الترخيصية) ظلت تترأس الحركة حتى وفاتها في منتصف القرن التاسع عشر، وكان كثير من أعضائها منبثين بين النخبة الثقافية في أوربا.
стр. 3653
بعد تناول ادعاءات فرويد عن يهوديته وتعصبه وصهيونيته وعن العلم اليهودي، وبعد الحديث عن خلفية فرويد الثقافية اليهودية يظل السؤال مطروحاً: هل المنظومة الفرويدية بالفعل «منظومة يهودية» ؟ وهل التحليل النفسي «علم يهودي» كما يدَّعي الصهاينة وأعداء اليهود في آن واحد، وكما يدَّعي فرويد نفسه أحياناً؟ في تصورنا أن الإجابة على هذا السؤال مركبة. وباختصار شديد نحن نذهب إلى القول بأن المنظومة الفرويدية قد تكون «يهودية» ظاهراً ولكنها في حقيقة الأمر منظومة علمانية شاملة، وبأن عناصرها اليهودية الصميمة تشبه بنيوياً عناصر داخل المنظومة العلمانية الشاملة، بسبب الإطار الحلولي الكموني الذي يجمع بينهما.
ولنبدأ بتناول البُعد اليهودي الظاهر في المنظومة الفرويدية. ولإنجاز هذا يجب أن نُضيِّق نطاق الرؤية ونركز لا على التلمود كله وإنما على بعض العناصر الحلولية فيه وعلى القبَّالاه (وقد اعتمدنا على كتاب صبري جرجس، وعلى دراسة باكان فرويد والتقاليد الصوفية اليهودية) .
стр. 3654
١ ـ لعل أهم نقط التماثل بين المنظومة الفرويدية والمنظومة القبَّالية هي مركزية الجنس في كليهما. وقد سُمِّيت الفرويدية «النظرية الجنسية الشاملة» أي «الواحدية الجنسية» ، وهي تسمية لها ما يبررها. فالجنس ـ حسب تصور فرويد ـ ليس وراء كل سقم نفسي وحسب، بل إن طاقته هي المحرك أيضاً لكل ما يَصدُر عنه من وجوه النشاط من لحظة أن نُولَد. والجنس ليس مقصوراً على العلاقة الجنسية، ولكنه في واقع الأمر صورة مجازية تتخلل على نحو ما كل النشاط الإنساني، وضمن ذلك نشاط الإنسان العلمي والفني. وهذا لا يختلف كثيراً عن استخدام القبَّالاه للجنس كصورة مجازية أساسية في رؤيتها للعالم فقد عزا التراث القبَّالي إلى الإله صفة الجنسية. فالتجليات النورانية العشرة (سفيروت) كان يتم التعبير عنها من خلال رموز وصور مجازية جنسية. وتُعدُّ الشخيناه (السفيروت العاشر) التعبير الأنثوي عن الإله.
وفي صدد ما جاء عن الجنس في التراث القبَّالي يذكر باكان أن هذا التراث يتضمن عشرة أسفار هي الفيض القدسي والسلطات الخفية للإله، وكل جزء منها مرتبط بجانب من الإله. وتاسع هذه الأسفار اسمه «يسود» (ويعني الأساس) ومكان اليسود الأعضاء الجنسية لآدم قدمون أو الإنسان الأول وهو المايكروكوزم (العالم الأصغر) الذي يقابل الماكروكوزم (العالم الأكبر) . (انظر: «الموضوعات الأساسية الكامنة في القبَّالاه وبنية الأفكار» ـ «التجليات النورانية العشرة [السفيروت] » ـ «التجلي الأنثوي للإله [الشخيناه] » ) . وقد وصف بعض الحاخامات القبَّالاه بأنها قامت بتجنيس الإله وتأليه الجنس، وهذا وصف دقيق أيضاً للمنظومة الفرويدية على الأقل في جانبها الاختزالي الشائع.
стр. 3655
٢ ـ ثمة نقطة التقاء بين الفكر القبَّالي والفكر الفرويدي تتمثل في المعرفة أو «داث» ، فداث في التراث القبَّالي تَنتُج من اتحاد «حوخماه» أو الحكمة و «بيناه» أو الفهم. والحوخماه مفهوم ذَكَري والبيناه مفهوم أنثوي، وبذا تكون داث النسل المقدَّس لاتحادهما الخفي.
غير أن المعرفة (داث) تُستخدَم أيضاً في التوراة بمعنى الاتصال الجنسي. وأول استخدام لها ورد في (تكوين ٤: ١) بهذا المعنى، «وعرف آدم امرأته حواء فحبلت ... » ، وقد تكرر استخدام الكلمة بالمعنى نفسه في مناسبات متعددة بعد ذلك.
ويذكر باكان أن الزوهار يتحدث عن الاتصال الجنسي بوصفه «الكشف عن العرى» . ولما كانت كلمة بيناه التي تعني «الفهم» تعني في الوقت نفسه «الأم» فإن الرجل الذي يخطئ جنسياً يكون في الوقت نفسه كأنه قد «كشف عن عرى الأم» (بيناه) . وفرويد يخال أنه وصل إلى الفهم (بيناه) بالكشف عن اللاشعور، أي الكشف عن عرى العقل في الإنسان. ويتضمن مفهوم الموقف الأوديبي خيال الأم العارية. والمعرفة (داث) في التراث القبَّالي تَنتُج من اتحاد الحكمة والفهم، والمعرفة (الاستبصار) عند أصحاب التحليل النفسي الفرويدي ثمرة اتحاد الشعور واللاشعور. وهذا الاتحاد في ذاته كما يقولون خبرة شهوية عميقة من حيث أنه يتناول الكشف عن الموقف الأوديبي، أي اكتشاف المرء عقدة أوديب داخل نفسه والكشف عنها ثم الكشف عما تنطوي عليه من خيال الأب والأم في العلاقة الجنسية، ومن حلول الطفل، خيالاً أيضاً، محل الأب في هذه العلاقة.
стр. 3656
والعلاقة بين المعرفة والجنسية لها شواهد أخرى عند فرويد أيضاً، فقد ذكر في مجموعة مقالاته أن الطفل في سن الثالثة إلى الخامسة، حين تصل حياته الجنسية إلى قمتها الأولى، يبدأ يبدي من النشاط ما يمكن أن يُعزَى إلى رغبته في التقصي والمعرفة، كما أن الرغبة في المعرفة لدى الأطفال، فيما يرى فرويد، تتجه على نحو عنيف وفي فترة مبكرة إلى المشكلات الجنسية. بل إن التحليل الفرويدي ليمضي في هذا الاتجاه إلى مدى أبعد فيزعم أننا نكون أكثر دقة إذا قلنا إن هذه المشكلات (الجنسية) قد تكون أول ما ينبه رغبته في المعرفة عموماً.
٣ ـ ثمة نقطة التقاء أخرى أشار إليها باكان هي تلك المرتبطة بما جاء بالزوهار من نسبة الجنسية الثنائية للإنسان، فالإله ينطوي داخل نفسه على الشخيناه وهي مرادفه الأنثوي. وآدم الذي خُلق على مثال الإله كان ينطوي على مرادف أنثوي هو الضلع الذي خُلقت منه حواء. جاء بالتوراة «فأوقع الرب الإله سباتاً على آدم فنام. فأخذ واحدة من أضلاعه وملأ مكانها لحماً. وبنى الرب الإله الضلع التي أخذها من آدم امرأة وأحضرها إلى آدم» (تكوين ٢: ٢١ ـ ٢٢) ، وجاء بها أيضاً «وهذه تُدعَى امرأة لأنها من إمرئ أُخذت» (تكوين ٢: ٢٣) . والفكر القبَّالي ينطوي على أن الذكر والأنثى قطبان لكيان واحد، كما أن الزوهار يتضمن أن «الإله لا يبارك مكاناً إلا حيث يجتمع فيه رجل وامرأة، وأن الرجل لا يُسمَّى رجلاً إلا إذا اتصل بامرأة.. والرجل غير المتزوج ناقص وتعوزه نعمة الإله» .
ويذهب فرويد إلى أن الإنسان يُولَد بتركيب جنسي ثنائي، وأن هذه الثنائية تنفصل فيما بعد، ولكن التحقيق في حياة الإنسان لا يصل إلى غايته إلا بعودة هذه الثنائية إلى الاتصال مرة أخرى في العلاقة الجنسية السوية.
стр. 3657
٤ ـ في سفر براخوت في التلمود وردت آراء عن الأحلام تشبه كثيراً من آراء فرويد. فقد ورد في هذا السفر «إن المرء لا يرى في الحلم إلا ما توحي به أفكاره..» ، فالأحلام تعبير عن رغبة لدى الحالم وبالإمكان تفسيرها عن طريق اللعب بالألفاظ وهي ذات مدلول جنسي، وهي في أساسها تعبير رمزي، كما أنها تعبِّر عن الصراع بين دوافع «الخير» ودوافع «الشر» .وهذه جميعاً تطابق ما قال فرويد عن الأحلام.
ومن المعالم البارزة في سفر براخوت أنه يستخدم الخيالات الجنسية ليرمز إلى المعرفة فيقول «إذا حلم إنسان بأنه يتصل بأمه جنسياً فله أن يتوقع الوصول إلى الفهم.. وإذا حلم بأنه يتصل جنسياً بعذراء مخطوبة فله أن يتوقع الوصول إلى معرفة التوراة ... وإذا حلم شخص بأنه يتصل جنسياً بامرأة متزوجة فله أن يثق في أنه على موعد مع القدر بالنسبة لمستقبل العالم، بشرط ألا يكون على معرفة بها وألا يكون قد فكَّر فيها أثناء المساء» .
وقد وصف سفر براخوت قاعدتين رئيسيتين لتفسير الأحلام، الأولى أن كل الأحلام ذات معنى، فالحلم الذي لا يُفسَّر كالكلمة التي لا تُقرأ، والثانية أن كل الأحلام تخرج من الفم وأن كل الأحلام تتبع تفسيرها.
٥ ـ ثمة نقطة التقاء أخيرة بصدد ما يراه التراث القبَّالي في المراحل السابقة للبلوغ. جاء بذلك التراث، فيما روى باكان، أن المراحل السابقة للبلوغ تسودها دوافع شريرة. وفي هذا المعنى قال الزوهار إن الطفل بمجرد ولادته يرتبط «الملقن» الشرير به ويظل يلازمه حتى يصل إلى سن الثالثة عشرة حين يجيء إليه «الملقن» الخيِّر. ومنذ ذلك التاريخ يلازم الملقنان الرجل، الخيّر عن يمينه والشرير عن يساره.
стр. 3658
فإذا رجعنا إلى كتاب فرويد مقالات ثلاث في نظرية الجنسية ألفيناه يُقرر أن كل ما نعده انحرافاً جنسياً في حياة الإنسان بعد مرحلة الرشد كان مظهراً سوياً لجنسية الطفولة في المرحلة السابقة للبلوغ، أي أن الشر الذي يعاني منه الرجل هو امتداد لما كان سوياً في حياته أثناء الطفولة.
ويمكننا الآن أن نتوجه إلى نقطة أكثر تفصيلاً هي علاقة التأويل الفرويدي بمدارس التفسير اليهودية. قال فرويد في تفسير الأحلام إنه سيقوم بتحليل الإنتاج الإنساني كما لو كان يحلل التوراة (ويُقال إن اسم المريضة «دورا» هو في واقع الأمر تحريف مُتعمَّد لكلمة «توراة» إذ استبدل فرويد حرف التاء بحرف الدال كما فعل مع «آتون» و «آدون» أو «أدوناي» ) ، وهو لم يجانبه الصواب في قوله إذ نلاحظ نقط تماثل عديدة:
١ ـ ابتداءً يرى التحليل النفسي أن حلم المريض لا يقول شيئاً داخلياً، فهو كلمات متراصة معناها الظاهري غير منطقي وغير مترابط، ولكن المفسر يأتي بآلياته التفسيرية المختلفة ليصل إلى المعنى الباطن فيصبح الحلم ذا معنى. كل هذا يعني أن الطبيب المفسر هو الشخصية المحورية فلا المريض ولا كلماته لها معنى. وهذا لا يختلف كثيراً عن موقف كثير من المنظومات الحلولية من عملية التفسير إذ تذهب هذه المنظومات إلى أن المعنى المنطقي الظاهر للنص معنى سطحي، أما المعنى الباطن فهو يتطلب تفسيراً عرفانياً إشراقياً لا يمكن أن يأتي به إلا «الشيخ» أو «الإمام» . وهذا الموقف نفسه لا يختلف كثيراً عن بعض المواقف الحاخامية من التوراة، فالنص المقدَّس صامت، أو معناه الظاهر سطحي ليس ذا قيمة كبيرة. ويأتي المفسر الحاخامي أو القبَّالي مسلحاً بآلياته التفسيرية فيعيد ترتيب منطوق النص واستكناه ألفاظ وعبارات بعينها في ألعاب هندسية وحروفية كبيرة ليتكشف المعنى الحقيقي الخفي للتوراة.
стр. 3659
٢ ـ لكل هذا نجد أن التفسير أكثر أهمية من النص في التحليل النفسي تماماً كما هو الأمر مع الشريعة الشفوية (التلمود ـ شروح الحاخامات) التي تصبح أكثر أهمية من النص المقدَّس ذاته.
٣ ـ بيَّن سفر براخوت كيف يُستخدَم اللعب بالألفاظ في سبر المعنى الخبيئ للأحلام. ففي التراث اليهودي يُعدُّ اللعب بالألفاظ من الوسائل المهمة في البحث عن المعنى الخفي للتوراة، وفي هذا الصدد فإن الاعتقاد يتجه إلى أن لكل كلمة معناها الباطن. وقد أكد كتاب الزوهار هذا الرأي كما أكد أهمية اللعب بالألفاظ. وفرويد أيضاً أكد أهمية اللعب بالألفاظ في كتابه علم أمراض النفس في الحياة اليومية، في الكشف عن اللاشعور وتبيين محتوياته، أي أن أهميتها تكمن في تبينُّ الدوافع الحقيقية وفي الوقت نفسه الخفية لدى الإنسان. (جرجس)
ولكن أكثر النظم الحلولية اليهودية اقتراباً من الفرويدية هي المنظومة الفرانكية، وهي المنظومة التي وصلت فيها الحلولية الكمونية اليهودية قمتها في العدمية والتفكيكية. وخلفية الفرانكية والفرويدية مشتركة فكلاهما أيديولوجية يحملها يهود فقدت اليهودية بالنسبة لهم أي معنى، وهم يهود فقدوا هويتهم اليهودية يودون الانتماء لمجتمع الأغيار لأن الانتماء اليهودي، بالنسبة لهم، كان قد أصبح عبئاً لا يُطاق للأسباب التالية:
١ ـ يقول مؤرخو العقيدة اليهودية والجماعات اليهودية في أوربا إن اليهود نتيجة الاحتكاك الطويل بالمسيحية استوعبوا مفهوم الخطيئة الأولى والإحساس بالسقوط الأمر الذي عمَّق الإحساس بالذنب لديهم.
٢ ـ كانت اليهودية قد تحجرت بحيث أصبحت مجموعة من التحريمات والأوامر والنواهي التي أصبحت تمثل أغلالاً ثقيلة جعلت من الصعب على اليهودي أن يكون يهودياً وإنساناً في آن واحد.
٣ ـ في الوقت نفسه انتشرت مُثُل الاستنارة بين الأغيار وبين اليهود وزادت من معدلات التحرر الجنسي.
стр. 3660
٤ ـ كان تراث القبَّالاه بصوره المجازية الجنسية العديدة قد تغلغل في الوجدان اليهودي وصَعَّد توقعاتهم الجنسية والطوباوية بشكل عام. ومع فشل حركة شبتاي تسفي وإحباط النزعة الطوباوية كان لابد أن تعبِّر هذه النزعة عن نفسها على شكل تصعيد التوقعات الجنسية.
٥ ـ كل هذا جعل من الصعب على أعضاء الجماعات اليهودية الاستمرار في إقامة الشعائر اليهودية وتنفيذ الأوامر والنواهي وكبح جماح رغباتهم وشهواتهم. في هذا الإطار ظهرت الفرانكية ومن بعدها الفرويدية. وقد أخذت الفرانكية شكل حركة مشيحانية ترخيصية، وأخذت الفرويدية (في شكلها الاختزالي الشائع) شكل حركة علمية ترخيصية.
كان جيكوب فرانك يقول لقد أتيت لأحرر العالم من كل الشرائع والعادات الموجودة فيه. وبالفعل أوقف فرانك العمل بالأوامر والنواهي وألغى الحدود بين المقدَّس والمدنَّس فأصبح كل شيء مقدَّساً ومن ذلك الإثم نفسه، ومن ثم أصبح الوصول إلى النور غير ممكن إلا بالنزول في الظلام وأصبح الصعود غير ممكن إلا بالسقوط في الهوة. فمن خلال الوقوع في الخطيئة سينبثق عالم لا مكان للخطيئة فيه، عالم هو الخير كله. ولذا فالممارسات الجنسية الجماعية الداعرة شكل من أشكال العبادة وطريقة للتواصل بين أعضاء الجماعة (كما هو الحال دائماً مع الجماعات الحلولية المتطرفة) . وقد جاء فرويد فوجد حضارة الغرب مليئة بالمحرمات التي فرضها الدين عليها، مكبلة بالقيود التي تحول دون انطلاق الناس، كما رأى الشعور بالإثم يكتنفهم إذا ما خرجوا على ما فيها من ضروب المنع والتحريم، فطُرح التحليل النفسي باعتباره الإطار الذي يرفع الشعور بالخطيئة عن كاهلهم. فكأن فرويد هو الماشيَّح العلماني الجديد الذي جعل اللبيدو هو اللوجوس، وتحقيقها دون قيود هو التيلوس (الهدف والغاية) . وإن لم يكن فرويد قد دعا إلى الممارسات الجنسية الجماعية فإنه كان يرى أحياناً أن الطريق الأساسي للسعادة الحقة هو الإفصاح الجنسي الكامل.
стр. 3661
ويتواتر في العهد القديم موضوع جماع المحارم (قصة ابنتي لوط ـ قصة اغتصاب أمنون لأخته نامار) . ولكن في المنظومة الفرانكية يكتسب الموضوع حدة خاصة (يُقال إن فرانك كان يجامع ابنته) . وتأكيد أهمية جماع المحارم. ومركزية موضوع جماع المحارم أمر منطقي باعتبار أن الإنسان الذي لا حدود له والذي تتمتع كل أفعاله، مهما كانت آثمة، بقداسة كاملة، هو إله، من حقه، بل من واجبه، أن يخرق كل الحدود ليؤكد قداسته الكاملة وألوهيته (النتيجة الحتمية للحلول الكامل) . ويُلاحَظ أن جماع المحارم يلعب دوراً أساسياً في المنظومة الفرويدية. (ويمكن أيضاً أن نقارن بين دور الأب والأخ الأعظم والأم في المنظومة الفرانكية ودور الأب والأم والابن في المنظومة الفرويدية (.
ثم نأتي للنزعة التفكيكية العدمية. كان فرانك مدركاً لهذا إدراكاً كاملاً إذ قال: «أينما كان يخطو آدم، كانت تنشأ مدينة، لكن أينما أضع أنا قدمي يجب أن يُدمَّر كل شيء، فقد أتيت إلى هذا العالم لأُدمِّر وأُبيد» . وكان فرانك يرى أن مهمة أتباعه تحطيم كل الأديان على أن يتم هذا من خلال ما أسماه «عبء الصمت» . وكان يرى أن اليهود قد اخترقوا الإسلام (من خلال شبتاي تسفي) وأن العناصر اليهودية المهرطقة قد اخترقت اليهودية ولم يبق سوى المسيحية ولذا كان على أتباع فرانك ادعاء المسيحية حتى ينضموا إليها ويحطموها من الداخل.
ولعل فرويد لم يكن يتسم بالوضوح نفسه والعدمية نفسها فموقفه ـ كما أسلفنا ـ كان مبهماً، ومع هذا نجد في كتاباته ما يشي بإدراكه للدور التفكيكي الذي كان يلعبه، سواء في علاقته بالدين أو في الحضارة الإنسانية نفسها، فالدين وهم، والفن تعبير عن المرض، والحضارة أهم مصادر آلام الإنسان لأنها مبنية على قمع اللبيدو.
стр. 3662
وثمة إيمان بدور البطل المتميز في كل من الفرانكية والفرويدية ولذا نجد أن الحركة الفرانكية تدور حول جيكوب فرانك تماماً كما كانت حركة التحليل النفسي تدور حول فرويد. وأخيراً ثمة نزعة عسكرية واضحة في الفرانكية لا تظهر بالوضوح نفسه في المنظومة الفرويدية وإن كان فرويد ذاته يرى حتمية الحرب، باعتبار أن الصراع أحد الغرائز الإنسانية الأساسية.
نقط التماثل إذن واضحة. ومع هذا هناك الكثير من التحفظات الجوهرية. ومن الطريف أن فرويد نفسه كان أول من أثار مثل هذه التحفظات، فقد كان يصر أحياناً على أنه لا يوجد «علم يهودي أو آري» ، وكان يشير إلى نفسه بأنه «رجل طب لا إله له» ، أو «يهودي لا إله له» . وكما هو معروف كان فرويد يرى أن الدين، وضمن ذلك العقيدة اليهودية، مجرد وهم. وقد اشتكت زوجته من أنه كان يرفض أن يدعها تضيء شموع السبت (وهي إحدى الشعائر اليهودية) لأن الدين في تَصوُّره «محض خرافة» . وتضمنت صفحة العنوان في كتاب تفسير الأحلام، أهم ما كتب فرويد في نظر الكثيرين، شعاراً باللاتينية استعاره من فرجيل ونصه ما يلي: «وإذا لم تكن الآلهة القابعة فوق ذات نفع لي فسأثيره جحيماً شاملاً» . وهذه العبارة النفعية المادية الوثنية مقتطعة من عبارة أطول وأكثر دلالة هي: «إذا لم تكن قوتي كبيرة على نحو كاف فلن أتردد يقيناً في طلب العون حيثما يمكن أن يوجد. وإذا لم تكن الآلهة القابعة فوق ذات نفع لي فسأثيره جحيماً شاملاً» . ولخص فرويد موقفه من اليهودية حين وصف علاقته بإسبينوزا بأنهم «إخوة في اللا إيمان [أي الكفر [» .
стр. 3663
ثمة ازدواجية ظاهرة هنا بين الانتماء الكامل لليهودية، بل والصهيونية، وتأكيد لأهمية هذا الانتماء والتباهي به من جهة، والإنكار الكامل له وتأكيد الانتماء للحضارة الغربية الحديثة ولنماذجها التفسيرية المادية من جهة أخرى. ولعل خطابه للراعي أوسكار فيستر يُعبِّر عن هذه الازدواجية، فقد سأله ساخراً: «وبالمناسبة ما بال التحليل النفسي لم يبتدعه واحد من المؤمنين الأتقياء. وكان عليه أن ينتظر ليقوم بذلك يهودي لا إله له (أي ملحد) ؟» ففرويد هنا ليس يهودياً وحسب، وإنما ملحد أيضاً.
ولعل هذه الازدواجية تزول حين نضع أيدينا على عنصرين أساسيين وهما أن فرويد كان يهودياً غير يهودي، بمعنى أن إثنيته اليهودية كانت قشرة لا تؤثر في اللب، فهي مجرد ادعاء، إذ أن انتماءه الثقافي الحقيقي كان للحضارة الغربية الحديثة. والعنصر الثاني هو أن الحلولية اليهودية ذاتها لم تكن تختلف كثيراً عن الحلولية المسيحية أو الحلولية الواحدية المادية، أي العلمانية الشاملة ومن الصعب التمييز بينهما، فسواء على المستوى الإثني أو على المستوى العقائدي فإن فرويد في واقع الأمر ينتمي للمنظومة العلمانية الشاملة رغم كل التباهي بانتمائه اليهودي، ورغم كل ديباجاته اليهودية.
١ ـ فرويد يهودي غير يهودي:
стр. 3664
حينما وُلد فرويد كانت اليهودية كعقيدة تفاقمت أزمتها، والجيتو كان قد تحطمت أسواره، وكان اليهود يندمجون بخطى سريعة متزايدة، ولذا تبخر وهم الخصوصية الإثنية اليهودية. وقد غيَّر سيجموند فرويد اسمه من «سيجسموند» ، اسم الملك البولندي الذي دعا اليهود للاستيطان في بولندا وأحسن إليهم وأكرم وفادتهم، إلى «سيجموند» وهو اسم بطل نوردي (تماماً كما فعل هرتزل الذي كان له اسم عبري «بنيامين» وآخر أوروبي وهو «تيودور» . أما ماكس «نوردو» فقد تَبنَّى اسمه النوردي بكل وضوح) . وقد فكر فرويد في التنصر في إحدى مراحل حياته، شأنه في هذا شأنه نصف يهود برلين، على سبيل المثال. فاليهود كانوا قد ابتعدوا تماماً عن عقائدهم الدينية وموروثاتهم الإثنية (التي أتوا بها من المجتمعات التي هاجروا منها) ، وكان المثقفون بينهم قد ازدادوا ابتعاداً بعد انتشار مُثُل التنوير وتَزايُد معدلات الاندماج والعلم.
ومع هذا واكب عمليات العلمنة والدمج تزايد ملحوظ في حدة العنصرية والعداء لليهود وانتشار مفاهيم مثل النقاء العرْقي والشعب العضوي التي فرضت على اليهود تصنيفاً لم تَعُد له أية علاقة بواقعهم، الأمر الذي يدل على غباء العنصريين، وأنهم غير قادرين على قراءة الواقع. كل هذا نتجت عنه ظاهرة اليهودي غير اليهودي، فهو يهودي اسماً، إما لأنه يتصور ذلك أو لأن المجتمع فرض عليه هذا الاسم، ولكنه فعلاً ابن عصره ومجتمعه، بكل ما فيه من سلبيات وإيجابيات.
وقد عبَّر هذا الإبهام عن نفسه في كتابات فرويد مثل موسى والتوحيد. فموسى نبي اليهود هو في واقع الأمر من الأغيار، ورغم أنه أتى بالتوراة إلا أن التوراة هي في واقع الأمر عقيدة التوحيد المصرية.
стр. 3665
وقد اختلط يهوه إله اليهود بآتون إله المصريين وهكذا. وهذه التهويمات هي في الواقع تعبير عن محاولة فرويد أن يتعامل مع قضية «اليهودي غير اليهودي» ، ولكنها طُرحت هنا على هيئة «غير اليهودي اليهودي» وهما شيء واحد. فكأن موسى هو فرويد غير اليهودي الذي فُرض عليه أن يكون يهودياً.
ويبدو أن فرويد لم يكن مدركاً لهذا الوضع على المستوى الواعي. وثمة تعبير مدهش عن هذا الإخفاق في الفهم في المقدمة التي كتبها فرويد للترجمة العبرية لكتاب الطوطم والتحريم. فقد أشار أحد أصدقائه إلى درجة ابتعاده عن «دين آبائه» بل عن كل دين آخر، وإلى أنه نبذ كل الخصائص المشتركة مع «قومه» ، ثم سأله: «أي شيء تَبقَّى لك من اليهودية؟» (وهو سؤال شديد الوجاهة، لم تتمكن الدولة الصهيونية حتى وقتنا هذا من الإجابة عليه: من اليهودي؟) . وكان رد فرويد مبهماً إلى أقصى حد: "لم يبق لي الكثير منها، ولكن ما تَبقَّى على الأرجح هو الجوهر". ولكن يظل السؤال هو: ما هذا الجوهر اليهودي، الذي بقي بعد أن تساقط كل شيء آخر؟ لم يستطع فرويد الإجابة على هذا السؤال إذ أكد: "أنه يعجز عن تفسير هذا الجوهر"، وهي إجابة أقل ما توصف به أنها غريبة خصوصاً أنها صادرة عن مفكر جعل همه تفكيك كل ما هو إنساني وطوَّر آليات لفك شفرة الأحلام وزلات اللسان والنكت وتفسير أعماق الإنسان المظلمة، كيف يعجز مثل هذا المفكر عن فهم هذا الجوهر اليهودي (الذي كان الطاقة المحركة لفكره كما قال) . لكن فرويد تدارك الأمر وقال: "ولكن اليوم سيجئ، دون ثمة ريب، حين يصبح ذلك [أي تفسير الجوهر اليهودي] ميسوراً للعقل العلمي".
٢ ـ الحلولية اليهودية والحلولية العلمانية الشاملة:
стр. 3666
لاحظ الناقد الروسي باختين حلولية فرويد حين أشار إلى المنظومة الفرويدية باعتبارها «واحدية روحية» . كما أشار بعض النقاد إلى النظرية الفرويدية بأنها النظرية «الجنسية الشاملة» . والواحدية هي الأرضية التي تلتقي عندها كل الحلوليات.
ولعل فرويد ذاته قد أدرك ذلك (بشكل غير واع) . فحينما غيَّر اسمه من «سيجسموند» اختار اسم «سيجموند» ، وسيجموند في الميثولوجيا النوردية هو ذلك الكائن البشري الذي تحدَّى الآلهة وهزمها، وهو معادل يسرائيل في التراث العبري، فيعقوب صارع الإله وهزمه فسُمِّي «يسرائيل» . فكأن فرويد أدرك تَماثُل الأساطير الوثنية الحلولية، وحينما كان فرويد يُطوِّر منظومته اختار أسماء لاتينية مثل «إيجو» و «سوبر إيجو» و «إيد» ، ويُقال إن كلمة «إيد» صدى لكلمة «ييد» حسب رأي بعض المفكرين، وهي ليست بعيدة عن كلمة «يسود» التي تكاد تكون مساوية «للبيدو» .
وتتبدَّى حلولية فرويد وواحديته في ذلك التماثل المدهش بين المنظومة الفرويدية والمنظومة الغنوصية، والتي يمكن إيجاز بعض جوانبها فيما يلي:
أ) كل من الغنوصية والفرويدية رؤية واحدية مغلقة ومنظومة حلولية تَرُد كل الظواهر إلى مبدأ واحد هو الأصل النوراني للإنسان في المنظومة الغنوصية، وهو اللبيدو في المنظومة الفرويدية.
ب) تنطلق كل من الغنوصية والفرويدية من نقطة تماسك عضوي كامل قد تكون صلبة أو سائلة، ولكنها تخلو من أية ثغرات أو حدود بين الأشياء، هي حالة البليروما الأولى في النظام الغنوصي، وهي الحالة المحيطية للطفل أو حالة الطبيعة حيث يلتصق الطفل بأمه تماماً. وتظل هذه اللحظة الأولى مسيطرة على الإنسان ويقضي حياته بمحاولة العودة إليها (تماماً كما يفعل الإنسان الروحاني في المنظومة الغنوصية) .
стр. 3667
جـ) كل من الغنوصية والفرويدية محاولة لتفسير الكون والإنسان والطبيعة والتاريخ من خلال مجموعة من الأساطير والصور المجازية، حيث نجد أن العلاقات السببية يُعبَّر عنها من خلال أحداث الأسطورة.
د) تعود جاذبية كل من الغنوصية والفرويدية (في شكلها الشعبي الترخيصي) إلى أنهما يقدمان حلولاً واحدية بسيطة لكل المشاكل.
هـ) كل من المنظومة الغنوصية والفرويدية يُسقطان تماماً عنصر التاريخ والزمان والبنية فهما منظومتان كونيتان تتعاملان مع عناصر كونية متجاوزة للزمان والمكان وحدود الإنسان الفرد.
و) يُلاحَظ أن كلاً من الغنوصية والفرويدية ينطلقان من صورة مجازية جنسية أساسية، ويلعب الجماع في النظام الغنوصي دوراً أساسياً، فالأيونات ثمرة الجماع الجنسي بين الإله الأب والأم. ويلعب الجماع دوراً مماثلاً في المنظومة الفرويدية. كما يُلاحَظ أن الأيونات في المنظومة الغنوصية تحمل أحياناً أسماء الأعضاء التناسلية، وهذا ليس بعيداً عن استخدام فرويد للأعضاء التناسلية كمقولات تحليلية تفسيرية.
ز) يُلاحَظ أن الثنائية الجنسية مفهوم أساسي في كل من الغنوصية والفرويدية.
ح) الخلاص الغنوصي يتم من خلال المعرفة، معرفة الإنسان لذاته، والصيغة السحرية الشاملة التي يمكن من خلالها فك شفرة الكون ومعرفة اسم الإله الأعظم. والخلاص الفرويدي يتم أيضاً من خلال فك شفرة أحلام المريض ومعرفة سبب عصابه ومن خلال هذه المعرفة يمكنه أن يصل إلى الخلاص.
ط) لا يمكن أن يتم الخلاص والعودة إلى الأصل النوراني إلا من خلال خداع الأركون، حكام السماوات السبعة، الذين يمنعون الإنسان من العودة لأصله، والشيء نفسه يوجد في المنظومة الفرويدية. فعملية العلاج هي في جوهرها محاولة لمغافلة الرقيب حتى يُفصح المريض عن مكنونات نفسه ومن خلال فهمها يصل المريض إلى المعرفة التي ستيسر له سُبل الخلاص.
стр. 3668
ي) لا توجد منظومة أخلاقية غنوصية، والأمر نفسه ينطبق على المنظومة الفرويدية. فهما متجاوزتان للأخلاق ولفكرة الخير والشر.
ك) لا يوجد مفهوم للخطيئة في كل من الغنوصية والفرويدية، فالشر خلل كوني والعصاب فشل في تسريب الطاقة الجنسية.
ل) ثمة ثنائية صلبة تسم النظام الغنوصي هي ثنائية الروحانيين والجسمانيين (السوبرمن والسبمن) وهي لا تختلف كثيراً عن ثنائية المفسر (النوراني) والمريض (الجسماني) .
م) يمكن أن نجد عناصر مختلفة أخرى مثل التشابه بين الإله الصانع وحالة الحضارة عند فرويد، فكلاهما معاد للإنسان، والتشابه بين سقوط الإنسان النوراني في المنظومة الغنوصية ثم عودته ومراحل حياة الإنسان في النظام الفرويدي (سقوطه وخوفه من الخصي وعودته وتصالحه مع الأب ـ سقوطه وعصابه وعودته من خلال العلاج) . وقد لعب المفكرون اليهود دوراً أساسياً في كل من الغنوصية والفرويدية. كما أن موقف الغنوصية والفرويدية من اليهود ليس إيجابياً، فيهوه هو الإله الصانع في المنظومة الغنوصية، وقد بيَّنا موقف فرويد المبهم من اليهودية ويهوه.
وتجب الإشارة إلى أن الفرويدية غنوصية تشاؤمية، من النمط النيتشوي، وليست غنوصية تفاؤلية، من النمط الماركسي. فإذا كانت الماركسية تبدأ من حالة البليروما (الشيوعية البدائية) وتنتهي نهاية سعيدة في المجتمع الشيوعي، فإن الفرويدية تبدأ في حالة البليروما، ولكن العودة مستحيلة، فحالة الحضارة، بكل ما تؤدي إليه من عصاب، هي مصير المجتمع.
ولنا أن نلاحظ أن المنظومة القبَّالية اليهودية التي تأثر بها فرويد هي الأخرى منظومة غنوصية في عناصرها الأساسية فهي تؤله الإنسان والمادة والجسد وأخيراً الجنس.
стр. 3669
ولا يهم إذا كان مصدر رؤية فرويد الحلولية يهودية أم لا، فقد تداخلت القبَّالاه اليهودية والقبَّالاه المسيحية بحيث لم يعد هناك فرق واضح بينهما. وقد تحول الاثنان باعتبارهما وحدة وجود روحية إلى وحدة وجود مادية، أي علمانية شاملة. ويظهر هذا في حلولية بومه وشبتاي تسفي وسويدنبرج الروحية، التي لا تختلف كثيراً عن حلولية إسبينوزا أو لايبنتز أو هيجل، الروحية المادية، التي هي في واقع الأمر وحدة وجود مادية ذات ديباجات روحية. فلا يوجد تناقض جوهري بين الحلوليتين، ويستطيع المثقف أن يكون حلولياً يهودياً مغرقاً في يهوديته أو حلولياً مسيحياً مغرقاً في مسيحيته. ولا يتناقض هذا مع كونه واحدياً مادياً (أي علمانياً شاملاً) مغرقاً في واحديته وماديته التي تُفصح عن نفسها من خلال ديباجات روحية.
وفي مدخل «التحديث كتفكيك» بيَّنا النزعة التفكيكية في المشروع التحديثي في الإطار الحلولي الواحدي المادي، وفي المداخل الخاصة باليهودية وما بعد الحداثة تناولنا تقاليد الهرمنيوطيقا المهرطقة بين المثقفين من أعضاء الجماعات اليهودية، وكيف أن المثقف اليهودي يمكن أن يكون تفكيكياً بسبب علمانيته ويهوديته، فلا يوجد تناقض بين الواحد والآخر. والحلول هو الحلول والتفكيك هو التفكيك سواء كانت الديباجات علمانية مادية أم قبَّالية «روحية» .
كل هذا يعني أن حلولية فرويد وماديته تنبع من الأرضية الحلولية الغنوصية الصلبة التي تنطلق منها كل الأيديولوجيات العلمانية، والديباجات اليهودية إن هي إلا ديباجات، فالبنية الحلولية الواحدية واحدة.
стр. 3670
ولعل أكبر دليل على أن الحلولية الواحدية هي المنظومة الأساسية ذات المقدرة التفسيرية الأشمل وأن المنظومة الفرويدية إن هي إلا تعبير عن هذه الحلولية المادية (العلمانية الشاملة) ، أن هذه المنظومة انتشرت في كل أرجاء العالم بين اليهود وغير اليهود، وأصبحت عالمية غير مقصورة على وطن أو جماعة دينية أو إثنية بعينها. والمنظومة الفرويدية لا تختلف في هذا عن فكر تشارلز داروين أو مدرسة هلمهولتز، وهي مدارس أسسها مسيحيون، يُقال إن بعضهم كان معادياً لليهودية.
ولعل حالة يونج الذي عارض فرويد وأصبح من أهم أعدائه تُلقي كثيراً من الضوء على هذه القضية. فيونج المسيحي كان يعرف القبَّالاه اليهودية اللوريانية وكان معجباً بشكل خاص بفكرة أن الإنسان يساعد الإله في عملية رأب الصدع الذي نشأ أثناء عملية الخلق (تَهشُّم الأوعية) . وهذه العملية هي التي يُطلَق عليها في التراث القبَّالي اصطلاح «الإصلاح الكوني (تيقون) » . وكان يونج معجباً أيضاً بالمنظومة الغنوصية وتأثر بها ونشر بعض أهم النصوص الغنوصية واكتشف أن الأفكار الغنوصية هي في واقع الأمر الأفكار التي كد معظم حياته للوصول إليها. وتحمل منظومته كثيراً من ملامح المنظومات الغنوصية. وفكرة الرموز الأولية عنده تمثل السيولة الكونية حيث الإنسان واحد في كل زمان (الإنسان القديم) وكذلك تظهر الثنائية الجنسية في أفكاره عن الأنيما والأنيموس أو القرين الذكري للمرأة والقرينة الأنثوية للذكر. فرغم معارضته لفرويد ورغم العداء بينهما فإن الإطار المعرفي العام واحد، وهو الحلولية الكمونية الواحدية ذات الديباجات الروحية.
стр. 3671
فرويد إذن مفكر حلولي واحدي مادي يستخدم ديباجات يهودية لا تؤثر بشكل جوهري في بنية منظومته أو مكوناتها. ومع هذا لابد من تأكيد أن فرويد، شأنه شأن ماركس، مفكر عظيم لا يمكن أن يذعن لهذه الواحدية أو الاختزالية ولذا نجد كثيراً من الإبهام في موقفه من الحلولية الواحدية. وقد أشرنا إلى صورة «الحصان الجامح» الذي يركبه الإنسان باعتبارها تعبيراً مأساوياً ملهاوياً عن هذا الإبهام، وعن التركيبية الكامنة خلف الاختزالية الجنسية، كما أشرنا إلى كتابه الحضارة ومنغصاتها وتأرجحه الشديد بين تأكيد ضرورة الكبت والإعلاء من أجل خَلْق الحضارة ثم إعلانه فشل المحاولة.
وهذا الإبهام نفسه نجده في موقفه من العداء لليهود واليهودية. وقد حكى أبو فرويد له عن حادثة وقعت له، إذ أن شخصاً غير يهودي أسقط قبعته في بالوعة الشارع المجاورة للرصيف وصرخ فيه «أيها اليهودي ابتعد عن الرصيف» . وهنا سأل فرويد الابن أباه عن طريقة استجابته لهذا الموقف فقال الأب: «نزلت إلى الشارع والتقطت قبعتي من البالوعة» . ويبدو أن فرويد شعر بالاحتقار نحو أبيه، ولكنه ولا شك كان احتقاراً مشوباً بالحزن وبقدر من التعاطف.
стр. 3672
وفي محاولته تفسير ظاهرة العداء لليهود يسوق فرويد عدة أسباب تجعل من اليهود الضحية، وهذا هو الموقف الصهيوني التقليدي. ولكن فرويد في الوقت نفسه يجعل الضحية هي السبب فيما يلحق بها من أذى (وهذا هو الموقف التقليدي للمعادين لليهود) ، فالعداء لليهود ـ حسب تصوره ـ غيرة لاشعورية يثيرها اليهود في غيرهم من الشعوب بادعائهم أنهم أول أبناء الإله وآثرهم عنده، أي أنهم شعب الله المختار. وقد فصل اليهود أنفسهم عن بقية العالمين بسبب إحساسهم بالتميز. وأخيراً يرى فرويد أن اليهود يمثلون ضمير الإنسان. ولكن موقف فرويد من الضمير مبهم للغاية. فاليهود هم الذين أعطوا المسيحية الوصايا العشرة بكل ما تحوي من حدود وقيود. والحدود والقيود أساس الحضارة، ولكنها أيضاً آلية الكبت والقمع. فمن ثم فاليهودي هو رمز الضمير الذي يأتي بالحضارة للناس، ومن ثم فهو أيضاً رمز هذا الكبت والإحساس بالذنب والعصاب الذي يصيب الإنسان في المجتمعات المتحضرة.
стр. 3673
ونلاحظ أن فرويد ربط في هذا السياق بين اليهود والضمير (والكبت والحضارة) . ولكن الأمر لم يكن كذلك دائماً، بل إن العكس هو الأغلب، فاليهود يرتبطون في الوجدان الغربي باللبيدو (اليهودي التائه ـ اليهودي كشيطان ـ اليهودي كقوة مكبوتة ـ قاتل المسيح ـ اليهودي كمتآمر أزلي ضد الشرائع المسيحية) . وقد أسلفنا الإشارة إلى أن كلمة «إيد Id» التي اختارها فرويد للإشارة إلى الهو هي في واقع الأمر اختصار لكلمة «ييد» الألمانية والتي تعني «يهودي» وتومئ لكلمة «يسود» بمعنى الأساس الجنسي، أي اللبيدو. وقد أثار أحد الباحثين قضية أن كلمة Id ليست من اختيار فرويد، فقد استخدم التعبير الألماني داس. إس Das-es. ولكن هذا لا يغيِّر من الأمر شيئاً لأن الكلمة الألمانية نفسها ليست بعيدة عن كلمتي «ييد» و «يسود» . ويبدو أن مثل هذا الاتجاه نحو التوحيد بين اليهود واللبيدو أمر شائع في الخطاب الحضاري الغربي، فأوتو رانك يتحدث عن اليهود باعتبارهم القوة المظلمة المحصنة ضد الحضارة والتي حافظت على علاقتها المباشرة والنشيطة مع الطبيعة. ونجد أدورنو وهوركهايمر يتحدثان أيضاً عن تلك العلاقة التلقائية المباشرة بين اليهود وحالة الطبيعة. في هذه المعادلة الجديدة سنجد أن اليهود هم اللبيدو وأن الحضارة (الغربية أو غير اليهودية) هي الضمير والأنا الأعلى والمقدرة على الكبت والتعالي والتجاوز.
стр. 3674
ويبدو أن فرويد أدرك أن الإفصاح عن اللبيدو دون حدود أو سدود أو قيود يعني تَقبُّل الرؤية الحلولية المادية والوثنية القَبلية، وأن رفضها وتأكيد التجاوز هو قبول للرؤية التوحيدية. فالإنسان يصبح سوياً (يصبح إنساناً) حين ينجح في التحكم في الحصان الجامح وفي إعلاء مشاعره وتجاوزها ونقلها من الأم ومن الجنس نفسه إلى الجنس الآخر، داخل حدود اجتماعية (أي أنه يتجاوز المرحلة الرَحمية في مصطلحنا) . ومع هذا كان فرويد يرى أن عملية القمع هذه محكوم عليها بالفشل بالنسبة للأغلبية الساحقة، رغم أنها عملية جوهرية لتأسيس الحضارة.
ثمة إبهام مأساوي هنا بين إعجابه بالتوحيد والتجاوز والحضارة (ولنسمها «النزعة الربانية» ) ، يواكبه إحساس عميق بفشل المحاولة وحتمية السقوط في الحلولية والنزعة الرَحمية. وقد عبَّر هذا الإبهام عن نفسه بشكل مثير واضح في آخر كتب فرويد موسى والتوحيد. فموسى هو الذي أتى بالشريعة والحدود وهو الذي علَّم اليهود عقيدة التوحيد (والإعلاء والتجاوز) فتحولوا من برابرة أجلاف (شعب اللبيدو) إلى شعب موحِّد، مختار من الإله. ولكن هل يخضع اللبيدو للكبت وقيود الحضارة والضمير (هل ينتصر التوحيد على الحلول؟) إجابة فرويد ـ كما أسلفنا ـ إجابة سلبية، ولكنه لم يكن بوسعه أن يقبلها بسبب عدميتها وسذاجتها. ولذا يحل فرويد هذه الإشكالية بأن يجعل عقيدة التوحيد عقيدة مصرية، ويجعل موسى نفسه مصرياً، ويجعل أصله اليهودي أصلاً مُتخيَّلاً.
стр. 3675
ويستند فرويد في أطروحته هذه إلى أسانيد واهية للغاية (يبدو أن فرويد لم يكن يفرق بين الإبداع الأدبي والنظرية العلمية. ولذا كان العنوان الأصلي لكتاب موسى والتوحيد هو الرجل موسى: رواية تاريخية The Man Moses: A Historical Novel) . ويرى فرويد أن «موسى» كلمة هيروغليفية تعني «الابن المحبوب» ونجدها في كلمة «رع موسى» (رمسيس) و «تحوت موسى» (تحتمس) . واستنتج من ذلك أن الأمير المصري قد أزال الصدر الوثني من اسمه واستبقى العَجُز الذي لا يدل على اسم إله في ذاته. وقد قارن فرويد أيضاً بين اسمي الإله المستخدمين في التوراة «يهوه» و «أدوناي» ، واسترعى انتباهه أن يهوه دموي ومقاتل وعنصري (إله الحلولية) ، وهو ما يجعله إلهاً قَبلياً وثنياً، بينما أدوناي رقيق وكوني وإنساني (منزَّه عن الطبيعة والتاريخ وعالم المادة) ، وهي صفات تجعل الرسالة عالمية وكونية. ولذا رجَّح فرويد أن أدوناي من أصل مصري وأن اسم «أدون» هو تحريف لكلمة «آتون» .
حاول موسى المصري (الضمير ـ الحضارة ـ الكبت ـ التجاوز ـ التوحيد) أن يُدخل المدنية على العبرانيين الأجلاف (اللبيدو ـ الحلولية ـ الوثنية) ولكنه فشل في ذلك، بل انتهى به الأمر إلى أن قتله العبرانيون. وهكذا انتصرت الوثنية والبربرية والحلولية على التوحيد. ولكن كما هو الحال دائماً بعد جريمة قتل الأب (أو المعلم الذي يقوم مقامه) شعر العبرانيون بالخطيئة والإثم (والرغبة في التجاوز) فجمعوا بين إلاههم الوثني يهوه وأدوناي/آتون التوحيدي، إله موسى، ونسبوا إليه الأصل اليهودي، وكان فرويد يقول «كان موسى مصرياً، شاء قوم أن يجعلوا منه يهودياً» (وهذا ما نعبِّر نحن عنه بعبارة «اليهودية كتركيب جيولوجي تراكمي» ) .
وهذه ليست نهاية سعيدة أو حزينة وإنما هي نهاية مأساوية/ ملهاوية، منفتحة، نهاية لم يُحسَم فيها شيء، فنحن أمام «موسى المصري» نبي اليهود، صاحب رسالة التوحيد في وسط حلولي!
ماجنوس هيرشفلد (١٨٦٨-١٩٣٥ (
стр. 3676
Magnus Hirschfeld
عالم ألماني تخصَّص في العلوم الطبية والعلوم الخاصة بالجنس والعلاقات الجنسية، درس في مدينتي برسلاو وستراسبورج ثم درس الطب في جامعة ميونخ. وفي الفترة بين عامي ١٨٩٤ و١٨٩٦، عمل كممارس عام في مدينة ماجدبرج الألمانية حيث كان قد انتقل للعيش في إحدى ضواحي برلين. وتخصَّص مثل أبيه، الذي كان أيضاً طبيباً مرموقاً، في مشاكل الصحة العامة. وأقام مؤسسة للتأمين الصحي على العمال. إلا أن محاكمة الشاعر أوسكار وايلد، الذي كان متهماً بالشذوذ الجنسي، ثم انتحار أحد مرضى هيرشفلد عشية زواجه، أثار عنده اهتماماً شديداً بالبحث والدراسة في العلوم المتصلة بالجنس بصفة عامة، وبالشذوذ بصفة خاصة. وأصبح هذا المجال بالفعل اهتمامه الأول والرئيسي طوال حياته. وفي أول أعماله سافو وسقراط، الذي أصدره عام ١٨٩٦، أكد هيرشفلد أن الرغبة الجنسية عند الشواذ، مثلها مثل الرغبة عند الأسوياء، وهي نتاج تفاعلات وعوامل بيولوجية داخل جسم الإنسان. وقد قوبل عمل هيرشفلد باستحسان، وهو ما شجعه على تأسيس اللجنة العلمية الإنسانية. وقد أثار هيرشفلد كثيراً من الاهتمام عندما بادر بتقديم التماس للبرلمان الألماني يطالب فيه بإلغاء الجزء الخاص بجرائم الشذوذ الجنسي من القانون الجنائي الألماني. وقد وقع على هذا الالتماس عدد من الشخصيات البارزة في تلك الفترة من أمثال مارتن بوبر وهيرمان هس وماكس برود وألبرت أينشتاين وتوماس مان وغيرهم. ونشر في الفترة بين عامي ١٩٠٨ و١٩٢٣ مجلة ثم كتاباً سنوياً نشر فيه مجموعة كبيرة ومتنوعة من الدراسات المتصلة بالشذوذ الجنسي في مجالات التاريخ والأدب والفن والموسيقى وعلم النفس وغير ذلك. وفي عام ١٩١٨، افتتح هيرشفلد مشروعه الطموح، ألا وهو معهد العلوم الجنسية، الذي شمل عيادة وجامعة حرة تُقدِّم محاضرات وفصولاً دراسية ومركزاً للأبحاث يضم ٢٠.٠٠٠ مجلد. وقد ضم المعهد قسماً للاستشارات الزوجية كان الأول من نوعه
стр. 3677
في ألمانيا، وتم تقليده على نطاق واسع في مناطق أخرى.
وقد دُعي هيرشفلد لإلقاء محاضرة في الجامعة العبرية في القدس عام ١٩٣٣. ومع مجيء النازية إلى الحكم في ألمانيا، تم إغلاق معهد العلوم الجنسية، كما تم إحراق كتب هيرشفلد وأعماله، وانتقل هيرشفلد إلى فرنسا حيث تُوفي عام ١٩٣٥.
ألفريد أدلر (١٨٧٠-١٩٣٧ (Alfred Adler
عالم نفسي نمساوي ومؤسس علم النفس الفردي. وُلد في فيينا، وتخرَّج في جامعتها عام ١٨٩٥. وبعد زواجه، اعتنق أدلر البروتستانتية باعتبارها أكثر الأديان ليبرالية. تأثر أدلر بالفكر الاشتراكي بتوجهه المجتمعي، وقد دعاه فرويد عام ١٩٠٢ للانضمام إلى دائرته وإلى مجموعة النقاش التي تعقد جلسات أسبوعية في فيينا. وفي عام ١٩١٠، انتُخب أدلر رئيساً لجمعية فيينا للتحليل النفسي والتي انبثقت من مجموعة النقاش. إلا أن الخلافات النظرية بينه وبين فرويد تزايدت إذ وجد أن إدعاء فرويد بأن تجارب الإنسان الجنسية تشكل الأساس النفسي لتطوره إدعاء مبالغ فيه. وقد اتفق مع فرويد حول أهمية الأحلام ولكنه رفض ربط فرويد الآلي بين الأحلام والجنس، فالرمز الواحد قد يكون له مدلول غير جنسي بالنسبة للآخر. وانتهى به الأمر إلى أن يرفض رؤية فرويد للنفس البشرية على اعتبار أن تحويله الجنس إلى مقولة تفسيرية أساسية بل ووحيدة هو شطط ما بعده شطط. ولذا، فقد استقال من جمعية فيينا للتحليل النفسي عام ١٩١١. وأسس جمعية وجريدة خاصة به، وافتتح عام ١٩٢٠ عيادات للأطفال. ومنذ عام ١٩٢٦، أخذ في زيارة الولايات المتحدة بشكل دوري، ثم استقر في نيويورك حيث أصبح عام ١٩٣٢ أستاذاً لعلم النفس الطبي في كلية لونج أيلاند الطبية. وتُوفي أدلر عام ١٩٣٧ أثناء جولة علمية في إسكتلندا.
стр. 3678
وتستند نظرية أدلر حول الشخصية وأسلوبه في العلاج النفسي إلى مفاهيم وحدة تكامل الإنسان والإرادة والقدرة على تقرير المصير والتوجيه والتكييف المستقبلي للإنسان، وهي مفاهيم كانت تتناقض مع الرؤية الآلية للإنسان والعناصرية (أي التي تردُّ الإنسان لعدة عناصر بسيطة مادية) والتي كانت سائدة في عصره. فقد اعتبر أدلر أن الكائن الحي الذي ينمو من خلية واحدة يظل وحدة بيولوجية ونفسية واحدة، فالإنسان وحدة متكاملة تتسم بالانسجام، وكل العمليات الجزئية، مثل الدوافع والإدراك الحسي والذاكرة والأحلام، خاضعة جميعها للمجموع. وقد أطلق أدلر على هذه العملية المتكاملة «نمط حياة الفرد» . لكن مفهوم تكامل الإنسان يستلزم وجود قوة دافعة مهيمنة واعتبر أدلر أنها السعي نحو الكمال.
وحيث إن الفرد كائن فريد، فإن الهدف الذي يضعه لنفسه وأسلوبه في الوصول إليه فريد أيضاً. ورغم أن هذا الهدف قد يتخذ أشكالاً غريبة، فإنه دائماً يتضمن عنصر الحفاظ على احترام الذات.
стр. 3679
وقد يكون من المفيد التوقف هنا عند ما يُسمَّى الجوانب النيتشويه في علم النفس الأدلري، إ ذ يذهب أدلر إلى أن ثمة خوفاً داخل كل فرد من الدونية، فكل فرد يتأثر حتماً في حياته المبكرة بضعفه في مواجهة القوى المحيطة به. كما أن لكل فرد بعض نقاط الضعف أو الدونية البدنية أو العقلية. وحين يكتشف المرء ذلك، فإن اتجاه بحثه عن القوة يتحدد عموماً بمحاولة تعويض تلك الدونية العضوية. والحياة الإنسانية تُكرَّس في الحقيقة للنضال من أجل التفوق كتعويض لذلك الإحساس بعدم الكفاءة، أي أن إرادة القوة هي القوة الدافعة الإنسانية الأساسية. وقد يتم التغلب على الإحساس بالدونية الأصلية من خلال التدريب وبذل الجهد المستمرين بحيث تتحول الدونية إلى تفوق. وقد يحدث العكس، إذ يضع الشخص لنفسه هدفاً خيالياً لا يتطلب أي إنجاز حقيقي في العالم الخارجي، بل قد يلجأ الفرد لحماية نفسه إلى اعتبار أنه إنسان تافه لا قيمة له، مستبدلاً دونية بأخرى أكثر إيلاماً. ويجب أن يهدف العلاج أولاً وقبل كل شيء إلى اكتشاف أسلوب حياة المريض والاتجاه العام للتعويض لديه.
إلا أن أدلر يرى أننا لا يمكننا أن نعتبر الإنسان منفصلاً عن محيطه الاجتماعي، فمشاكل الحياة الأساسية (الوظيفية والاجتماعية والجنسية جميعها) هي، في الواقع، مشاكل اجتماعية. وحل هذه المشاكل أو التكيف الاجتماعي للفرد يحتاج إلى ما أسماه أدلر «الاهتمام الاجتماعي مكتمل النمو» . إن هدف الفرد، إذن، يجب أن يتضمن فائدة أو نفعاً اجتماعياً يتفق مع قيم ومثل المجتمع. واعتبر أدلر أن الشخصيات المَرَضية هي في الواقع شخصيات فاشلة في الحياة نتيجة أن الاهتمام الاجتماعي غير مكتمل النمو وأيضاً نتيجة إحساس قوي بالدونية.
стр. 3680
ورأى أدلر أن دور المعالج النفسي تنمية الإحساس باحترام الذات لدى المريض من خلال التشجيع وتوضيح أخطائه في نمط الحياة من خلال تحليل وتفسير الذكريات البعيدة والأحلام من خلال العمل على تقوية الاهتمام الاجتماعي. وتتسم أساليب العلاج بالمرونة حيث إن هدفها الوحيد إعادة تنظيم إدراك المريض وتوجيه سلوكه نحو النضج والنفع الاجتماعي.
وقد قدَّمت مدرسة أدلر في علم النفس بديلاً شاملاً لآراء فرويد. وتُعتبَر التطورات اللاحقة في نظرية الشخصية والعلاج النفسي مرتبطة إلى حدٍّ كبير بآراء ونظريات أدلر حيث إن الرؤية الإنسانية للإنسان، الذي يُعتبَر أدلر من روادها، والتوجه الاجتماعي الذي تبناه، اكتسبا قبولاً واسعاً في دوائر علم النفس. وتوجد جمعيات في أوربا، وخصوصاً في الولايات المتحدة، تتبنى نظريات أدلر في علم النفس مثل الجمعية الأمريكية لعلم النفس الأدلري والتي تصدر مجلة علم النفس الفردي. كما يوجد في إسرائيل معهد أدلري تأسس في تل أبيب تحت رعاية الحكومة يقوم بتدريب علماء النفس والمستشارين والمدرسين العاملين في المدارس الإسرائيلية. ورغم أن أدلر من أصل يهودي، إلا أنه لا توجد أية أنماط أو عناصر ظاهرة أو كامنة يمكن تفسيرها على أساس انتمائه أو أصوله اليهودية. هذا على عكس فرويد الذي تضرب رؤيته ومصطلحه بجذورهما في التراث القبَّالي، وعلى عكس يونج (المسيحي) الذي تأثر هو الآخر بهذا التراث نفسه.
ماكس فرتايمر (١٨٨٠-١٩٤٣ (
Max Wertheimer
следующие страницы →