Полный текст (8 511 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.
стр. 3676
Magnus Hirschfeld
عالم ألماني تخصَّص في العلوم الطبية والعلوم الخاصة بالجنس والعلاقات الجنسية، درس في مدينتي برسلاو وستراسبورج ثم درس الطب في جامعة ميونخ. وفي الفترة بين عامي ١٨٩٤ و١٨٩٦، عمل كممارس عام في مدينة ماجدبرج الألمانية حيث كان قد انتقل للعيش في إحدى ضواحي برلين. وتخصَّص مثل أبيه، الذي كان أيضاً طبيباً مرموقاً، في مشاكل الصحة العامة. وأقام مؤسسة للتأمين الصحي على العمال. إلا أن محاكمة الشاعر أوسكار وايلد، الذي كان متهماً بالشذوذ الجنسي، ثم انتحار أحد مرضى هيرشفلد عشية زواجه، أثار عنده اهتماماً شديداً بالبحث والدراسة في العلوم المتصلة بالجنس بصفة عامة، وبالشذوذ بصفة خاصة. وأصبح هذا المجال بالفعل اهتمامه الأول والرئيسي طوال حياته. وفي أول أعماله سافو وسقراط، الذي أصدره عام ١٨٩٦، أكد هيرشفلد أن الرغبة الجنسية عند الشواذ، مثلها مثل الرغبة عند الأسوياء، وهي نتاج تفاعلات وعوامل بيولوجية داخل جسم الإنسان. وقد قوبل عمل هيرشفلد باستحسان، وهو ما شجعه على تأسيس اللجنة العلمية الإنسانية. وقد أثار هيرشفلد كثيراً من الاهتمام عندما بادر بتقديم التماس للبرلمان الألماني يطالب فيه بإلغاء الجزء الخاص بجرائم الشذوذ الجنسي من القانون الجنائي الألماني. وقد وقع على هذا الالتماس عدد من الشخصيات البارزة في تلك الفترة من أمثال مارتن بوبر وهيرمان هس وماكس برود وألبرت أينشتاين وتوماس مان وغيرهم. ونشر في الفترة بين عامي ١٩٠٨ و١٩٢٣ مجلة ثم كتاباً سنوياً نشر فيه مجموعة كبيرة ومتنوعة من الدراسات المتصلة بالشذوذ الجنسي في مجالات التاريخ والأدب والفن والموسيقى وعلم النفس وغير ذلك. وفي عام ١٩١٨، افتتح هيرشفلد مشروعه الطموح، ألا وهو معهد العلوم الجنسية، الذي شمل عيادة وجامعة حرة تُقدِّم محاضرات وفصولاً دراسية ومركزاً للأبحاث يضم ٢٠.٠٠٠ مجلد. وقد ضم المعهد قسماً للاستشارات الزوجية كان الأول من نوعه
стр. 3677
في ألمانيا، وتم تقليده على نطاق واسع في مناطق أخرى.
وقد دُعي هيرشفلد لإلقاء محاضرة في الجامعة العبرية في القدس عام ١٩٣٣. ومع مجيء النازية إلى الحكم في ألمانيا، تم إغلاق معهد العلوم الجنسية، كما تم إحراق كتب هيرشفلد وأعماله، وانتقل هيرشفلد إلى فرنسا حيث تُوفي عام ١٩٣٥.
ألفريد أدلر (١٨٧٠-١٩٣٧ (Alfred Adler
عالم نفسي نمساوي ومؤسس علم النفس الفردي. وُلد في فيينا، وتخرَّج في جامعتها عام ١٨٩٥. وبعد زواجه، اعتنق أدلر البروتستانتية باعتبارها أكثر الأديان ليبرالية. تأثر أدلر بالفكر الاشتراكي بتوجهه المجتمعي، وقد دعاه فرويد عام ١٩٠٢ للانضمام إلى دائرته وإلى مجموعة النقاش التي تعقد جلسات أسبوعية في فيينا. وفي عام ١٩١٠، انتُخب أدلر رئيساً لجمعية فيينا للتحليل النفسي والتي انبثقت من مجموعة النقاش. إلا أن الخلافات النظرية بينه وبين فرويد تزايدت إذ وجد أن إدعاء فرويد بأن تجارب الإنسان الجنسية تشكل الأساس النفسي لتطوره إدعاء مبالغ فيه. وقد اتفق مع فرويد حول أهمية الأحلام ولكنه رفض ربط فرويد الآلي بين الأحلام والجنس، فالرمز الواحد قد يكون له مدلول غير جنسي بالنسبة للآخر. وانتهى به الأمر إلى أن يرفض رؤية فرويد للنفس البشرية على اعتبار أن تحويله الجنس إلى مقولة تفسيرية أساسية بل ووحيدة هو شطط ما بعده شطط. ولذا، فقد استقال من جمعية فيينا للتحليل النفسي عام ١٩١١. وأسس جمعية وجريدة خاصة به، وافتتح عام ١٩٢٠ عيادات للأطفال. ومنذ عام ١٩٢٦، أخذ في زيارة الولايات المتحدة بشكل دوري، ثم استقر في نيويورك حيث أصبح عام ١٩٣٢ أستاذاً لعلم النفس الطبي في كلية لونج أيلاند الطبية. وتُوفي أدلر عام ١٩٣٧ أثناء جولة علمية في إسكتلندا.
стр. 3678
وتستند نظرية أدلر حول الشخصية وأسلوبه في العلاج النفسي إلى مفاهيم وحدة تكامل الإنسان والإرادة والقدرة على تقرير المصير والتوجيه والتكييف المستقبلي للإنسان، وهي مفاهيم كانت تتناقض مع الرؤية الآلية للإنسان والعناصرية (أي التي تردُّ الإنسان لعدة عناصر بسيطة مادية) والتي كانت سائدة في عصره. فقد اعتبر أدلر أن الكائن الحي الذي ينمو من خلية واحدة يظل وحدة بيولوجية ونفسية واحدة، فالإنسان وحدة متكاملة تتسم بالانسجام، وكل العمليات الجزئية، مثل الدوافع والإدراك الحسي والذاكرة والأحلام، خاضعة جميعها للمجموع. وقد أطلق أدلر على هذه العملية المتكاملة «نمط حياة الفرد» . لكن مفهوم تكامل الإنسان يستلزم وجود قوة دافعة مهيمنة واعتبر أدلر أنها السعي نحو الكمال.
وحيث إن الفرد كائن فريد، فإن الهدف الذي يضعه لنفسه وأسلوبه في الوصول إليه فريد أيضاً. ورغم أن هذا الهدف قد يتخذ أشكالاً غريبة، فإنه دائماً يتضمن عنصر الحفاظ على احترام الذات.
стр. 3679
وقد يكون من المفيد التوقف هنا عند ما يُسمَّى الجوانب النيتشويه في علم النفس الأدلري، إ ذ يذهب أدلر إلى أن ثمة خوفاً داخل كل فرد من الدونية، فكل فرد يتأثر حتماً في حياته المبكرة بضعفه في مواجهة القوى المحيطة به. كما أن لكل فرد بعض نقاط الضعف أو الدونية البدنية أو العقلية. وحين يكتشف المرء ذلك، فإن اتجاه بحثه عن القوة يتحدد عموماً بمحاولة تعويض تلك الدونية العضوية. والحياة الإنسانية تُكرَّس في الحقيقة للنضال من أجل التفوق كتعويض لذلك الإحساس بعدم الكفاءة، أي أن إرادة القوة هي القوة الدافعة الإنسانية الأساسية. وقد يتم التغلب على الإحساس بالدونية الأصلية من خلال التدريب وبذل الجهد المستمرين بحيث تتحول الدونية إلى تفوق. وقد يحدث العكس، إذ يضع الشخص لنفسه هدفاً خيالياً لا يتطلب أي إنجاز حقيقي في العالم الخارجي، بل قد يلجأ الفرد لحماية نفسه إلى اعتبار أنه إنسان تافه لا قيمة له، مستبدلاً دونية بأخرى أكثر إيلاماً. ويجب أن يهدف العلاج أولاً وقبل كل شيء إلى اكتشاف أسلوب حياة المريض والاتجاه العام للتعويض لديه.
إلا أن أدلر يرى أننا لا يمكننا أن نعتبر الإنسان منفصلاً عن محيطه الاجتماعي، فمشاكل الحياة الأساسية (الوظيفية والاجتماعية والجنسية جميعها) هي، في الواقع، مشاكل اجتماعية. وحل هذه المشاكل أو التكيف الاجتماعي للفرد يحتاج إلى ما أسماه أدلر «الاهتمام الاجتماعي مكتمل النمو» . إن هدف الفرد، إذن، يجب أن يتضمن فائدة أو نفعاً اجتماعياً يتفق مع قيم ومثل المجتمع. واعتبر أدلر أن الشخصيات المَرَضية هي في الواقع شخصيات فاشلة في الحياة نتيجة أن الاهتمام الاجتماعي غير مكتمل النمو وأيضاً نتيجة إحساس قوي بالدونية.
стр. 3680
ورأى أدلر أن دور المعالج النفسي تنمية الإحساس باحترام الذات لدى المريض من خلال التشجيع وتوضيح أخطائه في نمط الحياة من خلال تحليل وتفسير الذكريات البعيدة والأحلام من خلال العمل على تقوية الاهتمام الاجتماعي. وتتسم أساليب العلاج بالمرونة حيث إن هدفها الوحيد إعادة تنظيم إدراك المريض وتوجيه سلوكه نحو النضج والنفع الاجتماعي.
وقد قدَّمت مدرسة أدلر في علم النفس بديلاً شاملاً لآراء فرويد. وتُعتبَر التطورات اللاحقة في نظرية الشخصية والعلاج النفسي مرتبطة إلى حدٍّ كبير بآراء ونظريات أدلر حيث إن الرؤية الإنسانية للإنسان، الذي يُعتبَر أدلر من روادها، والتوجه الاجتماعي الذي تبناه، اكتسبا قبولاً واسعاً في دوائر علم النفس. وتوجد جمعيات في أوربا، وخصوصاً في الولايات المتحدة، تتبنى نظريات أدلر في علم النفس مثل الجمعية الأمريكية لعلم النفس الأدلري والتي تصدر مجلة علم النفس الفردي. كما يوجد في إسرائيل معهد أدلري تأسس في تل أبيب تحت رعاية الحكومة يقوم بتدريب علماء النفس والمستشارين والمدرسين العاملين في المدارس الإسرائيلية. ورغم أن أدلر من أصل يهودي، إلا أنه لا توجد أية أنماط أو عناصر ظاهرة أو كامنة يمكن تفسيرها على أساس انتمائه أو أصوله اليهودية. هذا على عكس فرويد الذي تضرب رؤيته ومصطلحه بجذورهما في التراث القبَّالي، وعلى عكس يونج (المسيحي) الذي تأثر هو الآخر بهذا التراث نفسه.
ماكس فرتايمر (١٨٨٠-١٩٤٣ (
Max Wertheimer
стр. 3681
مؤسس علم نفس الجشطالت (أو المدرسة الشكلية في علم النفس) . وُلد في براغ (تشيكوسلوفاكيا) ، ودرس الفلسفة وعلم النفس وحصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة ورزبورج. وفي عام ١٩١٠، اشتغل بالتدريس في جامعة فرانكفورت حيث بدأ أيضاً في إجراء أبحاثه العلمية التي تمخضت عنها نظرية الجشطالت والتي كان لها تأثير ثوري في مجال سيكولوجية الإدراك. وبيَّن فرتايمر من خلال أبحاثه أن «الحركة بالنسبة إلى الشخص الذي يدركها ليست قابلة للتجزئة إلى إحساسات بدائية، فهي تؤلف كلاًّ أو شكلاً» (كلياً متكاملاً) . ومن هنا كلمة «جشطالت» أو «أشكال» (كلية متكاملة) . ولا يمكن اعتبار الإدراك أجزاء منفصلة عن بعضها البعض، فهي تتفاعل فيما بينها، والتغيير في أي جزء يؤدي إلى تغير تام في إدراك المجمل فالكل أكبر من مجموع أجزائه. وقد شكلت نظرية الجشطالت تحدياً عميقاً لعلم النفس الترابطي الذي كان سائداً آنذاك، خصوصاً إزاء المفهوم الذري للإدراك، وأوحت بقدر كبير من البحوث التجريبية في مجالات الإدارك الحسي والتعليم والذكاء وأنماط التفكير وغير ذلك من السلوك الإنساني. كما عمل فرتايمر على استخدام نظرية الجشطالت لمعالجة القضايا المتصلة بالمنطق وعلم الجمال والفنون وعلم الأخلاق.
وبعد الحرب العالمية الأولى، التحق فرتايمر بجامعة برلين وأسس وقام بتحرير مجلة البحث النفساني التي قامت بنشر كثير من أبحاث مدرسة الجشطالت. ومع صعود النازية إلى الحكم، كان فرتايمر من أوائل العلماء اليهود الذين هاجروا إلى الولايات المتحدة حيث انتقل إليها عام ١٩٣٤ وانضم إلى المدرسة الجديدية للبحوث الاجتماعية في مدينة نيويورك، وظل بها حتى وفاته عام ١٩٤٣.
فريتز فيتلز (١٨٨٠-١٩٥٠)
Fritz Wittels
стр. 3682
عالم نفساني أمريكي يهودي من أصل نمساوي، نادى بإتاحة الحرية الكاملة للتعبير الجنسي إلى درجة متطرفة أزعجت فرويد نفسه. وقد وصف كارل يونج آراءه بأنها محاولة قاسية وفظة ترمي إلى تدمير «أنساقنا الأخلاقية الحالية» . ولكن فيتلز كان يرى أن إشباع الجنس سيزيد من إنجازات الإنسان وسيدفعه إلى الأمام، كما كان يرى أن التحليل النفسي سيغيِّر وجه الأرض ويسرع بالبعث الأخلاقي للإنسان ويأتي بالعصر الذهبي حيث لا مجال للأمراض النفسية. والواقع أن فيتلز في تجاوزه لفرويد قد نزع ما تبقى من سحر يحيط بالجنس (أي زاد معدلات العلمنة) وأنزله من عليائه ليصبح جهداً طبيعياً مادياً عضلياً، ومن ثم يمكن القول إنه كان أكثر «علمية» ومادية من فرويد.
стр. 3683
ويُلاحَظ هنا تداخل عدة موضوعات يهودية حلولية يدفع بها فيتلز إلى نهايتها المنطقية. فإذا كانت الخطيئة الكبرى هي كبت الرغبات الجنسية وفرض الحدود، فإن الخير الأعظم هو الإفصاح الكامل عنها وإسقاط الحدود والوصول إلى الخلاص بالجسد. فالإنسان، بحلول الخالق فيه، يصبح مطلقاً كامل القداسة يتجاوز الخير والشر. وفي إطار حلولي كامل، يحل الإله في كل من الخير والشر ويؤدي كلٌّ منهما إلى الآخر. لكن دوافع الإنسان، بما في ذلك دوافعه الدينية، هي خير وقداسة، فالخطيئة الكبرى هي فرض الحدود (والأوامر والنواهي) على هذه الدوافع. أما الخير الأعظم، فهو إسقاط الحدود والإفصاح الكامل عنها، بما في ذلك الرغبات الجنسية، فيتم الخلاص بالجسد (كما يقول الشبتانيون والحسيديون والقبَّاليون) . وقد قيل إن القبَّالاه جنَّست الإله وألَّهت الجنس، أي أنها جعلت من الجنس مطلقاً. ومن ثم، فإن الإفصاح الجنسي هو خير السبل للتعبير عن المطلق واستحضار العصر المشيحاني (أو العصر الذهبي أو الفردوس الأرضي أو نهاية التاريخ) حين يتم إصلاح الخلل الكوني (تيقون) وهو عصر امتلاء كامل لا ثغرات فيه ولا مجال للأمراض النفسية، الجميع فيه أصحاء مثل الآلهة.
стр. 3684
هذه الرؤية القبَّالية الحلولية تظهر في كتاب فيتلز اليهودي الذي يتحول عن دينه وإن كان ذلك يتم بشكل آخر. إذ يذهب المؤلف إلى أن تحوُّل اليهودي عن دينه يدل على الإفلاس الخلقي، فاليهود هم هدف الاضطهاد والتمييز العنصري، ولذا فإنهم حينما يدافعون عن مصالحهم إنما يدافعون عن مصلحة البشر كلهم وعن العدالة، ومن هنا فإن دفاع اليهود عن أنفسهم إنما هو إصلاح العالم بأسره (تيقون) ، ولذا يتعيَّن على اليهود أن يقبلوا الدفاع عن العدالة هدفاً لحياتهم. وهكذا، يُوضَع اليهود في مركز الكون ويتحولون إلى عنصر أساسي في عملية الخلاص الكوني، تماماً كما تفعل القبَّالاه. ويمكننا هنا أن نجد تماثلاً بنيوياً مدهشاً لا يمكن فهمه إلا في إطار الحلولية القبَّالية، فالإله يحل في اليهود والجنس والبشر، وتحرير اليهود موضع الحلول الإلهي وكذلك التعبير عن الرغبات الجنسية (التي هي الأخرى موضع الحلول الإلهي) سيحرر الإله وسيجمع شتاته المتبعثر (من خلال عملية التيقون) فتعود له وحدته وحيويته وفعاليته فتسود العدالة بين البشر ويأتي العصر الذهبي والمشيحاني. ويمكننا هنا أن نرى النمط الكامن الذي بدأ يتضح في كثير من حركات التحرر في الغرب حيث يدافعون عن حقوق السود والنساء والشواذ جنسياً كما يدافعون عن البيئة والحيوانات. ونقطة الانطلاق هنا ليست إنسانية (بمعنى أن الإنسان هو مركز الكون والمسئول عن تعميره والحفاظ عليه) وإنماحلولية (فكل الكائنات متساوية لأنها تتمتع بالدرجة نفسها من القداسة) ، ولذا لا يمكن فرض حدود من أي نوع عليها. ومن أهم مؤلفات فيتلز سيرة حياة فرويد (١٩٢٤) .
ميلاني كلاين (١٨٨٢-١٩٦٠ (Melani Klein
стр. 3685
محللة نفسية بريطانية يهودية تخصصت في مجال نمو وتطور الطفل. وُلدت في فيينا، ودرست الفن والتاريخ في جامعة فيينا. وبعد زواجها واستقرارها في بودابست، تعرفت على أعمال سيجموند فرويد واهتمت بالتحليل النفسي، وقدَّمت أول دراسة لها حول نمو وتطور الطفل أمام جمعية التحليل النفسي في بودابست. وانتقلت بعد ذلك إلى برلين ثم إلى لندن عام ١٩٢٦ حيث طورت من خلال عملها مع الأطفال نظرياتها وأساليبها في التحليل النفسي للطفل.
وقد وجدت كلاين من خلال أبحاثها أن لعب الطفل ليس نشاطاً لا هدف له ولكنه ثمرة من ثمار الخيال الواسع للطفل وتعبير عن مشاعر القلق والذنب لديه. ويمكن دراسة هذا اللعب وتفسيره باستخدام أساليب التحليل النفسي وبأسلوب مشابه لأسلوب فرويد في تفسير الأحلام.
ووجدت كلاين أن كثيراً من التطورات التي قال فرويد إنها تحدث للطفل في المرحلة الأوديبية (٣ - ٥ سنوات) تحدث في الواقع في السنة الأولى من حياة الطفل. كما توصلت كلاين إلى بعض النتائج المثيرة للجدل ومنها أن خيال المولود أو الطفل الصغير يدور حول ثدي الأم وأعضائها التناسلية ورغبته في تدمير ثديها. ولم تقتصر كلاين في تحليلاتها على الدوافع الغريزية والصراعات الداخلية لدى الطفل بل اهتمت أيضاً بالروابط العاطفية بين الطفل والعالم الخارجي، خصوصاً مع أمه، حيث وجدت أن علاقة الأم والطفل علاقة تجمع بين الحب والكراهية في آن واحد. فالعلاقة تتسم في بدايتها بالبارانويا والفصام حيث يحتفظ المولود في النصف الأول من عامه الأول بصورتين مختلفتين منفصلتين لأمه: الأولى الأم الطيبة التي تساعده وتلبي رغباته، والثانية الأم السيئة التي تهدده وتسبب له الإحباط. أما في النصف الثاني من العام الأول، فإن العلاقة تتسم بالكآبة حيث يكتشف الطفل أن الأم هي أم واحدة، ويصبح فقدان الأم من الاحتمالات الممكن حدوثها، ولأول مرة يبدأ شعوره بالقلق والذنب والحزن.
стр. 3686
وقد قدَّمت كلاين أفكارها ونظرياتها في عدد من الأعمال من أهمها التحليل النفسي للأطفال (١٩٣٢) ، ودراسة بعنوان «الحب والذنب والتعويض» (١٩٣٧) ، ونشرت هذه الدراسة في كتاب بعنوان الحب والكراهية والتعويض (١٩٣٧ (.
أوتو رانك (١٨٨٤-١٩٣٩ (
Otto Rank
عالم نفس نمساوي يهودي وُلد في فيينا لعائلة يهودية متوسطة الحال، اسمه الأصلي أوتو روزنفلد. انضم عام ١٩٠٥ إلى دائرة فرويد للتحليل النفسي وأصبحت علاقته بفرويد وثيقة للغاية، وكان أحد المرشحين لخلافته. وحصل رانك على الدكتوراه من جامعة فيينا عام ١٩١٢ واختاره فرويد لتحرير مجلتي إيماجو والمجلة الدولية للتحليل النفسي التي كانت تُعَدُّ أهم مجلات التحليل النفسي في ألمانيا آنذاك. وفي عام ١٩٢٤، أصدر رانك عمله المهم صدمة الميلاد والذي آذن بانشقاقه ثم أدَّى إلى انفصاله عن فرويد وعن التحليل النفسي الأرثوذكسي عام ١٩٢٦. وفي هذا العمل، يؤكد رانك أن الاضطرابات النفسية والعاطفية تعود جذورها إلى تجربة ميلاد الإنسان نفسه، وأن كل إنسان يسعى شعورياً إلى العودة إلى حالة النعيم الأول التي تمتع بها حين كان في رحم أمه، ومن هنا تحتل الأم والطفولة موقعاً محورياً في نظريته.
وقد اختلف رانك مع فرويد وعلماء النفس الأكاديميين في عصره حول رؤيته للإنسان حيث رفض النظرة الآلية للسلوك الإنساني وتبنَّى نظرة تستند إلى إرادة الإنسان الحرة سواء في التعبير عن المعاني أو المبادرة بالفعل، وأعطى الوعي أهمية وفاعلية في النفس البشرية أكثر مما فعل فرويد الذي ركز على أهمية اللاشعور. وفي المجال التطبيقي، طوَّر رانك ما عُرف باسم «العلاج بالإرادة» والذي ركَّز على أهمية الإبداع سواء في العلاج أو في التعامل مع الواقع. واعتبر رانك أن العصاب تعبير عن عمل فني فاشل، وأن التحليل ميلاد ثان للمريض من خلال إعادة تأكيد ذاته والتعبير عنها.
стр. 3687
وقد رفض رانك يهوديته واعتنق المسيحية الكاثوليكية عام ١٩٠٨ واتخذ اسم «رانك» عام ١٩٠٩ بسبب عدم ارتياحه لاسم «روزنفلد» ذي النبرة اليهودية. ولكنه عاد مرة أخرى إلى اليهودية عند زواجه عام ١٩١٨. ولم يكن رفض رانك ليهوديته يعني عدم اكتراثه بها، ففي عام ١٩٠٥ أصدر مقالاً بعنوان «Das Wesen des Yudentums» (طبيعة [الهوية] اليهودية) ادعى فيه أن اليهود وحدهم يمتلكون «العلاج الراديكالي» للعصاب. فهم باعتبارهم غرباء، ظلوا دائماً محصَّنين ضد أخلاقيات المجتمعات المتحضرة ذات التأثير المُحبط وظلوا محافظين على علاقاتهم المباشرة والنشيطة مع الطبيعة. أما الآن، فإن اليهود يواجهون كبتاً لنشاطهم الجنسي يأتي من الخارج في شكل معاداة اليهود ومن الداخل في شكل الاندماج، وأصبحوا مصابين بالعصاب والاضطراب النفسي مثل سائر البشرية. ورغم ذلك، فإن صلتهم الوثيقة بالطبيعة واتجاههم نحو التجديد يجعلهم يحملون الأمل الأخير للبشرية ويؤهلهم ليكونوا بالفعل «أطباء» البشرية. واليهودي في نسق رانك ليس سوى المتوحش النبيل الذي ظهر في عصر الاستنارة، وهو الإنسان في حالة الطبيعة الذي يعيش على مقربة من الطبيعة ويتفاعل معها فلا تفسده المدنية أو حدودها. وهذا المتوحش النبيل يمكن أن يكون الهنود الحمر (سكان أمريكا الأصليين) أو الغجر أو البدو، وهو «اليهود» في حالة أوتو رانك. لكن تصوُّر رانك لليهود هو تصور أسطوري تماماً لا علاقة له بأي واقع، فالجماعات اليهودية جماعات غير متجانسة، ومن ثم لا يمكن الحديث عن اليهود بشكل مطلق. كما أن أعضاء الجماعات اليهودية في أوربا كانوا يشكلون جماعات وظيفية تعيش في عزلة نسبية، ولكن عزلتها عن الأغلبية لم تكن تعني اقترابها من حالة الطبيعة، إذ كانوا يعيشون في الجيتوات داخل المدن، ويعملون أساساً بالتجارة والربا، وهي نشاطات لا علاقة لها بالطبيعة أو الزراعة. ولا يمكن النظر إلى تصنيف رانك لليهود كشعب طبيعي
стр. 3688
إلا باعتباره ترجمة علمانية جديدة لمفهوم الشعب المختار، على أن تحل الطبيعة محل الإله في الإطار الحلولي، كما أنه ولا شك قد تأثر بأسطورة اليهودي التائه، هذا الإنسان الموجود في المجتمعات دون أن يكون منها. واليهود في نسق رانك يشبهون الإيد (الهُوَ) أو اللبيدو في نسق فرويد، فهم الطاقة (الجنسية) التي لم يروضها التاريخ. وثمة نظرية تذهب إلى أن كلمة «إيد Id» عند فرويد مشتقة من كلمة «ييد Yid» التي تعني «يهودي» .
تيودور رايك (١٨٨٨-١٩٧٠ (
Theodor Reik
محلل نفسي أمريكي يهودي من أصل نمساوي. وُلد في فيينا وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة فيينا. تعرَّف إلى فرويد عام ١٩١٠ وتدرب بتشجيع منه ليكون محللاً نفسياً. وظل لمدة ثلاثين عاماً من أكثر أتباع فرويد وفاءً له. وبعد الحرب العالمية الأولى، مارس رايك التحليل النفسي في معهد التحليل النفسي في فيينا ثم في برلين عام ١٩٢٩. وبعد صعود النازي إلى الحكم، انتقل إلى هولندا ثم إلى الولايات المتحدة عام ١٩٣٨ حيث ساهم في نشر مفاهيم التحليل النفسي بها وأسس جمعية علم النفس الوطنية للتحليل النفسي.
كتب رايك أكثر من خمسين عملاً قدَّم فيها أفكاره ونظرياته التي كان بعضها مخالفاً للتحليل النفسي الكلاسيكي. وقد رفض أن تكون عملية التحليل النفسي عملية عقلانية منظمة، فهي في رأيه عملية يجري خلالها تفاعل بين لا شعور المريض ولا شعور المحلل النفسي، وقد تنتج عنها مفاجأت لكل من الطرفين تكون ذات دلالات مهمة. واستعرض رايك هذه الأفكار في كتابيه المفاجأة والتحليل النفسي (١٩٣٥) ، والاستماع بالأذن الثالثة (١٩٤٨) . كما اهتم رايك بدراسة المازوكية (التلذذ بإيلام الذات) . وفي كتابه المازوكية عند الإنسان المعاصر (١٩٤١) ، يذهب رايك إلى أن المازوكية هي أساساً البحث عن اللذة، بل هي أيضاً (كما كان الحال مع الشهداء المسيحيين) البحث عن النصر النهائي.
стр. 3689
وفي كتابه علم نفس العلاقات الجنسية (١٩٤٥) ، يرفض رايك نظرية الليبيدو عند فرويد وبعض المفاهيم الجنسية المصاحبة لها. كما اهتم بدراسة الجريمة والدوافع الكامنة وراءها. وفي كتابه القاتل المجهول (١٩٣٦) يرى رايك أن الإحساس اللا شعوري بالذنب هو الواقع الكامن وراء الجريمة، وأيضاً الدافع وراء حاجة المجرم إلى أن ينضبط وينال العقاب.
وتخلى رايك عن العقيدة اليهودية في فترة مبكرة من حياته، ولكنه اهتم بدراسة الأديان بشكل عام والعقيدة اليهودية بشكل خاص من منظور علم النفس. ففي العشرينيات كتب دراستين حول كلٍّ من: دعاء كل النذور، والبوق (شوفار) ، كما كتب دراسة من أربعة أجزاء حول تفسير العهد القديم تناول فيه الأنبياء (إبراهيم وإسحق) ، وخلق حواء، وجذور الشعور بالذنب لدى الإنسان الحديث. أما في كتابه الطقوس الوثنية في اليهودية (١٩٤٦) فإنه يُرجع كثيراً من الطقوس والشعائر التي تُمارَس في اليهودية اليوم إلى أصول وثنية وإلى طقوس عصور ما قبل التاريخ. كما اهتم رايك بدراسة العوامل النفسية الكامنة وراء روح الفكاهة بين أعضاء الجماعات اليهودية حيث ذهب في كتابه روح الفكاهة اليهودية (١٩٦٢) إلى أن هناك تأرجحاً ما بين الرغبة المازوكية في إذلال الذات والشعور المرضي بالعظمة كامناً في الفكاهات والنكات التي يطلقها اليهود.
ويلهلم رايخ (١٨٩٧-١٩٥٧ (
Wilhelm Reich
стр. 3690
محلل نفسي نمساوي يهودي وُلد في جاليشيا وتخرَّج في كلية الطب من جامعة فيينا ثم انضم إلى جمعية فيينا للتحليل النفسي ثم إلى دائرة سيجموند فرويد. وساهم رايخ في تطوير نظرية التحليل النفسي، ولكنه انفصل عن النهج الفرويدي التقليدي واتجه إلى تأكيد ضرورة التركيز على الشخصية وعلى كيفية تبلورها وتكونها. وقد كان التحليل النفسي حتى ذلك الحين يركز على تفسير اللاشعور، ولذا فقد طالب بضرورة تحليل الشخصية، أي دراسة السمات الثابتة الكامنة وراء الصراع العصابي بدلاً من التركيز فقط على الأعراض. ورأى رايخ أن مرض العصاب يحدث نتيجة عدم تفريغ الطاقة الجنسية، كما أكد أن الكبت الجنسي هو السبب الرئيسي وراء الاضطرابات الجنسية الفسيولوجية وأن الصحة العقلية والنفسية تكمن في القدرة على الوصول إلى مرحلة الإشباع الجنسي، واعتبر أن الإعلاء محاولة ضارة لاستبطان أعراف المجتمع والتكيف معها وليس كما يؤكد فرويد علامة على الصحة العقلية والنفسية.
وفي عام ١٩٣٠، انتقل رايخ إلى برلين وأسس منظمة سكسبول، وهي منظمة كانت تدعو إلى الشيوعية الجنسية والتحرر الجنسي، ووصل أقصى حجم للعضوية فيها إلى ٤٠ ألف عضو. وأكد رايخ أن عقدة أوديب الفرويدية يمكن تفاديها تماماً من خلال تفكيك البناء الاجتماعي البرجوازي، وأن الثورة الشيوعية يجب أن تصاحبها ثورة جنسية حتى لا تتحول الدولة الجديدة إلى دولة بيروقراطية جامدة.
ولم تجد آراء رايخ قبولاً عند علماء النفس ولا عند الشيوعيين، وهو ما دفعه إلى الانفصال عنهما خلال الثلاثينيات. وفي عام ١٩٣٩، استقر رايخ في الولايات المتحدة. وتضمنت أعماله خلال هذه الفترة تحليلاً للمسيح باعتباره تجسيداً للحب الجنسي. وقد أعرب رايخ عن أنه رغم رفضه جميع الأديان إلا أنه يجد نفسه أقرب إلى المسيحية منه إلى اليهودية.
стр. 3691
وقد ادعى رايخ اكتشافه لمادة الأرجون orgone في الجو. والأرجون ـ حسب زعمه ـ إشعاعات كونية يمكنها أن تشفي السرطان وأنها ذات بُعد جنسي (كما يدل على ذلك اسمها المشتق من كلمة «أورجازم orgasm» الإنجليزية والتي تعني «هزة الجماع» أو «الرعشة التي تصاحب لحظة القذف» ) . وقد قام ببيع علب الأرجون التي قال أنها تجتذب هذه المادة من الفضاء، مما عَرَضَه للمساءلة من قبل السلطات الأمريكية المختصة بالشئون الصحية والتي نجحت في إدانته بتهمة النصب، وحُكم عليه بالسجن لمدة عامين. وتُوفي رايخ في السجن بعد عدة أشهر من بدء تنفيذ الحكم.
стр. 3692
وفكر رايخ كامن في النسق الفرويدي، وكل ما فعله أنه دفع التفسير الواحدي الجنسي إلى نتيجته المنطقية، فإذا كان الدافع الجنسي في الإنسان هو المحرِّك الأول والقيمة الحاكمة والركيزة النهائية، فإن الإفصاح عنه يصبح الخير المطلق، كما أن أي إعلاء يكون بمنزلة فرض حدود عليه، ومن ثم فهو شر خالص. ولا ندري هل يستلهم رايخ القبَّالاه مباشرة في مجال إعطاء الجنس مثل هذه المحورية، أو أنه تأثر بها من خلال فرويد وغيره، أو أن هذه المحورية تعبير عن الرغبة الحلولية (الغنوصية) في العودة إلى مرحلة السيولة الكونية التي لا تحدها حدود، وهي رغبة كامنة في كثير من الرؤى العلمانية الشاملة للكون! إن هذه الرغبة في التخلص من الحدود تأخذ شكل الحل السحري، أي الصيغة أو الوسيلة التي تأتي بالتحكم الكامل والسعادة الدائمة، وهذا ما يظهر في علب الأرجون التي تأتي بالسعادة الدائمة وحالة القذف الدائمة أو عند الطلب. كما أن العلبة السحرية تضمن التحكم الكامل والمرجعية الذاتية فعن طريق استخدامها يمكن استبعاد لا أعضاء الجنس الآخر وحسب وإنما أعضاء الجنس المثلي، فهي حالة استمناء فاوستيه بروميثية (وقد تنبأنا في رسالتنا للدكتوراه عام ١٩٦٩ بأن الحضارة الغربية بتأكيدها مركزية مبدأ اللذة وتحقيق الذات ستمر بمرحلة من الشذوذ الجنسي تليها مرحلة استمنائية، باعتبار أن الاستمناء هو المرجعية الذاتية الكاملة التي تستبعد التاريخ والجغرافيا والآخر والمجتمع) .
إريك فروم (١٩٠٠-١٩٨٠ (Erik Fromm
عالم نفس وفيلسوف أمريكي يهودي وناقد اجتماعي. وُلد في مدينة فرانكفورت في ألمانيا لعائلة يهودية أرثوذكسية، ودرس في المدارس الألمانية العلمانية وحصل على درجة الدكتوراه في علم الاجتماع وعلم النفس من جامعة هايدلبرح، كما تلقى تعليماً دينياً يهودياً حيث درس العهد القديم والتلمود على أيدي كبار الحاخامات.
стр. 3693
دَرَّس فروم في معهد التحليل النفسي في برلين وساهم في تأسيس معهد التحليل النفسي في فرانكفورت، ثم انضم عام ١٩٣٠ إلى معهد البحوث الاجتماعية، واتجه فروم خلال هذه الفترة إلى الاهتمام بالعوامل والظروف الاجتماعية والاقتصادية المؤثرة في نمو الشخصية. وانتقد التحليل النفسي التقليدي لإغفاله الجانب الاجتماعي في حياة الإنسان واعتماده اعتماداً كبيراً على التكوين الغريزي للبشر. وعمل على بناء ما يمكن أن يُطلَق عليه «تحليل نفسي مادي» عن طريق الجمع والتأليف بين مفاهيم فرويد ونظرية ماركس.
ومع وصول النازية إلى الحكم في ألمانيا، هاجر فروم إلى الولايات المتحدة عام ١٩٣٤ واشتغل بالتدريس في عدد من الجامعات والمعاهد الأمريكية وأصدر عدداً من الأعمال المهمة من بينها الهروب من الحرية (١٩٤١) ، والإنسان لنفسه (١٩٤٧) ، والتحليل النفسي في الدين (١٩٥٠) ، واللغة النفسية (١٩٥٢) ، والمجتمع الصحي نفسياً (١٩٥٥) ، وفن الحب (١٩٥٦) ، وستكونون كالآلهة (١٩٦٧) ، وهو تفسير للرؤية التوراتية للإله من منظور التحليل النفسي.
стр. 3694
ويتناول فروم في أعماله معنى الحرية عند الإنسان المعاصر وإحساسه بالوحدة والعزلة لانفصاله عن الطبيعة وعن بقية البشر. ويرى أن القلق والاغتراب هما الثمن الذي دفعه الإنسان مقابل حريته. والاضطراب النفسي أو العصاب عند فروم يكون نتيجة هروب الإنسان من الحرية وإلقاء نفسه في علاقات خضوع وامتثال للغير: السلطة أو الحاكم المستبد. ويعزو فروم هذه الاضطرابات النفسية إلى عوامل ثقافية واجتماعية وإلى مساوئ النظام الرأسمالي والنظام الشمولي اللذين يحولان الإنسان إلى آلة وإلى بشاعة المجتمع الاستهلاكي الاكتنازي المعاصر. أما «الحرية الإيجابية» ، فإنها تتحقق في رأي فروم من خلال العمل والمحبة ومن خلال قدرة الإنسان على تحقيق إمكاناته الداخلية واكتسابه شعوراً بذاته باعتبارها ذات قيمة وفعالية، ومن هنا فقد دعا إلى بناء مجتمع يستند إلى احترام الوجود الإنساني.
стр. 3695
ويرى فروم أن كل إنسان عنده احتياج عميق للدين، فالدين هو الإجابة المستفيضة عن أسئلة الوجود الإنساني. والوجود الإنساني ـ حسب رأي فروم ـ يستند إلى كل من التفكير العقلي والإيمان الديني، ولذا فلابد من التأليف بينهما ليظهر مجتمع يحقق فيه الإنسان إنسانيته الكاملة. وفروم يُفرِّق بين اتجاهين دينيين: الاتجاه الشمولي حيث يفقد الإنسان إرادته تماماً، والاتجاه الإنساني حيث يؤكد الإنسان ذاته ويمارس إحساسه بالمسئولية، ويرى فروم أن كتب الأنبياء الذين تتَّسم عقائدهم بالإيمان بالإنسانية وبتأكيد الحرية الإنسانية خير مثل على هذا الاتجاه. ويختلف فروم عن فرويد، ففرويد يرى أن الدين تعبير عن كبت وعصاب، أما فروم فيرى أن ثمة فارقاً شاسعاً بين هذا وذاك، فالإنسان المتدين يشارك الآخرين في مشاعره وأحاسيسه بينما الإنسان العصابي يعيش في عزلته، ويرى فروم أن ثمة جوهراً قيمياً أخلاقياً يوجد في الأديان كافة بحث عنه فروم في المسيحية والبوذية واليهودية. وقد تخلى فروم عن اليهودية الأرثوذكسية، ولكنه مع هذا لم يتخل عن عقيدته اليهودية ذاتها وإنما أعاد تفسيرها، فهو يرى أنها ديانة غير لاهوتية تؤكد أهمية التجربة الإنسانية.
ويرى فروم أن العهد القديم كتاب ثوري لأنه يتمحور حول فكرة تحرير الإنسان، وأن الاغتراب (الذي هو جوهر تعاسة الإنسان في المجتمع الحديث) مرادف تماماً لمفهوم الوثنية وعبادة الأصنام في العهد القديم، وأن كتب الأنبياء هي التي تعبِّّر عن الرؤية الإنسانية المعادية للوثنية والرافضة لعبادة الأصنام. ومن الواضح أن فروم أجتزأ الطبقة التوحيدية الإنسانية في اليهودية وأسَّس عليها رؤيته لليهودية والدين، ومن هنا يأتي رفضه للحتمية وللتفسيرات المادية الأحادية وللجنس كمحرك وحيد للسلوك الإنساني.
وقد انتقل فروم في سنواته الأخيرة إلى سويسرا عام ١٩٦٩ حيث استمر في العمل الفكري إلى أن تُوفي عام ١٩٨٠.
إريك إريكسون (١٩٠٢-١٩٩٤)
стр. 3696
Erik Erikson
محلل نفسي أمريكي يهودي وُلد في فرانكفورت. تدرب على منهج فرويد في التحليل النفسي وقام بوضع نظرية في نمو وتطور الشخصية تستند في كثير من جوانبها إلى نظرية فرويد، ولكنها تتجاوزها في الوقت نفسه حيث يرى إريكسون أن الشخصية تظل تنمو وتتطور طوال حياة الإنسان، كما يعرف بأهمية البيئة وتأثير الثقافة والتاريخ والمجتمع على تطور الشخصية.
وفي إطار هذه النظرية، بلور إريكسون مفهوم أزمة الهوية، وهو مفهوم يبدو أنه تبلور لدى إريكسون نتيجة عدد من الأزمات الشخصية التي مرَّ بها خلال المراحل الأولى من حياته. وأولى هذه الأزمات تتعلق باسمه حيث ظل لعدد من السنوات يعتقد أن اسمه الحقيقي هو هومبرجر وهو اسم زوج والدته الذي كان يعتقد أيضاً أنه والده. أما أزمته الثانية، فواجهته في مدرسته في ألمانيا، إذ كان يعتبر نفسه ألمانياً ولكنه وجد زملاءه الألمان يرفضون ذلك باعتبار أنه يهودي، كما رفضه زملاؤه اليهود بسبب شعره الأشقر ومظهره الآري. أما أزمته الثالثة، فواجهته بعد تخرُّجه من المدرسة حيث ظل لعدة سنوات هائماً على وجهه في أنحاء أوربا باحثاً عن ذاته وهويته، وعندما بلغ الخامسة والعشرين استقر به المقام في فيينا حيث قام بالتدريس في مدرسة تأسست لتعليم كل أبناء مرضى وأصدقاء فرويد. وفي هذه الفترة، تلقى إريكسون تدريباً في التحليل النفسي على يد ابنة فرويد (آنا فرويد) ، وحقق نجاحاً في حياته الشخصية والعملية، ووجد هويته وذاته سواء على المستوى الشخصي أو المهني.
стр. 3697
ورغم أن إريكسون لم يكمل تعليمه العالي إلا أنه قام بعد انتقاله إلى الولايات المتحدة عام ١٩٣٣ بالتدريس في جامعات هارفارد وييل وكاليفورنيا. وقد استقال من جامعة كاليفورنيا في بركلي عام ١٩٥٠ كأستاذ لعلم النفس، محتجاً على قسم الوفاء الذي كان عليه أن يدلي به، إذ وجد هذا القسم غامضاً مخيفاً ويشبه الصيغة السحرية التي تهدف إلى طرد الشر! (وتُعَدُّ هذه أزمة هوية أخرى عنده) . وانضم عام ١٩٥١ إلى هيئة مركز أوستن ريجز في ستوكبريدج بولاية ماساشوستس. وفي عام ١٩٦٠، عُيِّن أستاذاً للتطور الإنساني وعلم النفس في جامعة هارفارد.
وتتمحور نظرية إريكسون في تطور الشخصية حول البحث عن «الأنا» أو الهوية الذاتية، ويُقسِّم إريكسون حياة الإنسان إلى ثماني مراحل من النمو والتطور النفسي الاجتماعي لكل مرحلة أزمة خاصة بها تنشأ من جراء احتكاك الفرد بالبيئة المحيطة به، ومن جراء الضغوط والمتطلبات التي تفرضها البيئة على الفرد. ونتيجة هذا الاحتكاك وهذه الأزمة يحدث تحوُّل في الشخصية حيث يواجه الفرد خيارين: التكيف أو عدم التكيف. ونجاح الإنسان في التعامل مع كل مرحلة، وكذلك حل كل أزمة بشكل مقبول، يعطيه القدرة والقوة على التعامل مع المرحلة اللاحقة.
والمراحل الأربع الأولى في تقسيم إريكسون تشبه مراحل فرويد (الفمية ـ الإستية ـ القضيبية ـ الكمون) ولكن إريكسون يعطي أهمية أكثر للعوامل النفسية الاجتماعية على العوامل البيولوجية. ويضيف إريكسون أربع مراحل أخرى (المراهقة ـ الصبا ـ الشباب ـ النضوج) . وتتحدد هوية الإنسان في مرحلة المراهقة (١٢ ـ ١٨ عاماً) وتتحدد على أساسها طبيعة المراحل الثلاث الأخيرة. ومن إسهامات إريكسون تأكيده أهمية مرحلة المراهقة هذه.
стр. 3698
وقد طوَّر إريكسون مفهومه لدورة الحياة الثمانية إذ اقترح جدولاً للفضائل يقابل المراحل الثمانية للحياة (الأمل ـ الإرادة ـ الهدف ـ المقدرة ـ الإخلاص ـ الحب ـ الرعاية ـ الحكمة) . وهذه الفضائل كامنة في الإنسان ككائن عضوي وتساعدها البنية الاجتماعية الصالحة على النمو وتجهضها البنية الفاسدة، أي أن الدورة النفسية تقابلها دورة أخلاقية. ولذا، فإن إريكسون يرى أن النمو النفسي وتكوين الشخصية الأخلاقية وجهان لعملة واحدة. ويُعتبر إريكسون، بسبب نظرياته هذه، من أهم المفكرين في علم النفس التطوري (مع جان بياجيه) .
وكان لنظرية إريكسون أهمية في مجال التحليل النفسي، وكذلك في مجال التعليم والعمل الاجتماعي. وقد قدَّم نظرياته في عدد من الأعمال من بينها الطفولة والمجتمع (١٩٥٠) الذي تضمن نتائج أبحاثه حول بعض قبائل الهنود الحمر. وتناول في هذا الكتاب أيضاً تطوُّر الهوية والشخصية، كما تناول مسألة معاداة اليهود ودور اليهود في ظل بيئة ثقافية متغيِّرة. وفي كتابيه الشاب لوثر (١٩٥٨) ، وحقيقة غاندي بيَّن كيف عاش الرجلان أزمة في حياتهما ونجحا في تجاوزها والخروج منها بإحساس أعمق بالقوة. وهو يرى أن هذا قد حدث لأن كليهما كان على استعداد لأن يخاطر بهويته المهنية وقبلا تعريف هويتهما بطريقة تتضمن الاعتراف بمواطن الضعف فيها.
стр. 3699
وإذا ما بحثنا عن البُعد اليهودي في فكر إريكسون، فإننا سنجابه صعوبة بالغة، فقد رفض تبسيطات فرويد المادية الحلولية ورفض اعتبار الجنس ركيزة نهائية ورفض التفسير المجرد للسلوك الإنساني، وكان يحاول دائماً الوصول إلى نموذج تفسيري مركب للطبيعة البشرية فجمع بين المكوّن النفسي (الحتمي) والمسئولية الفردية الخلقية. وأقرب المفكرين له هو المفكر جان بياجيه (المسيحي) . وقد يُقال إن سلسلة أزمات الهوية التي مر بها تعبير عن وضعه كيهودي، وهو قول يُبسِّط الأمور تماماً، فأزمة الهوية هي أزمة يمر بها كل فرد في العصر الحديث بسبب نسبيته ومعدل تغيُّره السريع ويواجهها المفكرون من اليهود وغير اليهود والأفراد العاديون من اليهود وغير اليهود. ولهذا السبب، نجد أن كثيراً من الموسوعات التي تناولت حياة إريكسون لا تذكر على الإطلاق مسألة أصوله أو انتمائه اليهودي.
برونو بيتلهايم (١٩٠٣-١٩٩٠ (Bruno Bettelheim
стр. 3700
عالم نفس أمريكي يهودي. وُلد عام ١٩٠٣ في فيينا حيث نشأ وتعلَّم وحصل على درجة الدكتوراه. قُبض عليه عام ١٩٣٨ وأُرسل إلى معسكرات الاعتقال، ثم أُفرج عنه بعد عام فهاجر إلى الولايات المتحدة. تدور معظم دراساته عن الأطفال، وله دراسة داخل معسكرات الاعتقال بيَّن فيها أن الأطفال يصابون بالشيزوفرنيا حينما يرون أن حياتهم تسيطر عليها قوة عشوائية لا معقولة لا يمكنهم التحكم فيها بأي شكل. ولبيتلهايم دراسة عن أطفال الكيبوتس؛ أطفال الحلم (١٩٦٧) ، وله أيضاً فوائد السحر ـ معنى وأهمية الحكاية الخرافية (١٩٧٦) . كما أن له دراسة في كتب المطالعة بعنوان تعلُّم القراءة: انبهار الطفل بالمعنى (١٩٨٢) ، حيث يعقد مقارنة بين كتب المطالعة الحديثة التي تحد آفاق الخيال والقصص التقليدية والحكايات الخرافية التي تعبِّر عن المخاوف العميقة عند الأطفال أو تعبِّر عن أحلامهم وآمالهم. ولعل يهوديته تنحصر في تناوله بعض الموضوعات اليهودية وفي بعض الحالات التي يدرسها، أما منهج التناول فتحدده عناصر مركبة كثيرة لا تختلف عن تلك العناصر التي تحدد منهج أي عالم نفس آخر.
стр. 3701
الباب الخامس عشر: التربية والتعليم عند الجماعات اليهودية حتى العصر الحديث
تربية يهودية وتربويون يهود
Jewish Education and Educators
«تربية يهودية» مُصطلَح يفترض وجود شعب يهودي ذي تاريخ مشترك ومصير مشترك، ومن ثم يصبح له نوع خاص ومتميِّز من التربية. إلا أن هذا الافتراض لا تدعمه الحقائق التاريخية، ومن ثم فمقدرته التفسيرية والتصنيفية منخفضة للغاية. فمن المعروف أن أعضاء الجماعات اليهودية لم يكونوا شعباً واحداً باستثاء فترة قصيرة من تاريخهم، أي منذ استقرارهم في كنعان (فلسطين) في حوالي القرن الثاني عشر قبل الميلاد وحتى تهجيرهم إلى بابل في حوالي القرن السادس قبل الميلاد. وخلال هذه الفترة، كوَّن العبرانيون شعباً أو قوماً له سمات إثنية محدَّدة وديانة مرتبطة بالمكان (فلسطين) ويجمعه إطار ثقافي واحد ويتحدث لغة مشتركة. ورغم أن العبرانيين احتفظوا ببعض السمات الإثنية بعد العودة إلى فلسطين، إلا أننا نجد أن انتشارهم في البلدان المختلفة بدأ أيضاً خلال هذه الفترة، وظهرت تجمعات يهودية كبيرة في كل من بابل والإسكندرية لها ظروفها الثقافية المحددة وحركياتها المختلفة عن حركيات العبرانيين في فلسطين، ومن ثم لها مؤسساتها التربوية التي تلبي احتياجاتها باعتبارها أقلية لها أوضاعها الثقافية والحضارية المتعينة. ولهذا، فيمكننا أن نتحدث عن «التربية العبرانية» أو عن «التربية عند العبرانيين» . وقد قسمنا هذه المرحلة إلى فترتين: قبل التهجير إلى بابل، وبعد العودة من بابل، ذلك أنه رغم وجود وحدة ثقافية تسم التشكيل الحضاري العبراني إلا أن ثمة تحولاً جوهرياً حدث للعبرانيين عند تهجيرهم إلى بابل، وهو تحول انعكس على مؤسساتهم التربوية المدرسية وغير المدرسية. فقد أوجد العبرانيون اليهود منذ عودتهم من بابل، وتحت تأثير تجربة التهجير والمعيشة في إطار الحضارة البابلية، وحتى سقوط الهيكل عام ٧٠م، المؤسسات التربوية الثلاث اللازمة لتطوير ونقل ونشر الديانة اليهودية، وهي: تنظيم الكتبة والحلقات التلمودية، والمعبد اليهودي، ثم أخيراً المدرسة الأولية التي ظهرت تحت
стр. 3702
التأثير الهيليني وكرد فعل له. وخلال هذه الفترة، حاول سيمون بن شيتا (٧٥ ق. م) نشر التعليم بين الشباب، ثم جاء يوشع بن جمالا (٦٥ ق. م) بقرار جعل التعليم إجبارياً وعممه مجاناً.
ومع سقوط الهيكل عام ٧٠م على يد تيتوس، أصبح من المستحيل التحدث عن «الشعب العبراني» أو عن «الثقافة العبرانية» ، ومن ثم أصبح من المستحيل الحديث عن «التربية العبرانية» . ونظراً لتنوع أحوال وتجارب واحتياجات الجماعات اليهودية، لا يمكن الحديث عن «تربية يهودية» باعتبارها كياناً فكرياً واحداً أو عن «مدرسة يهودية» باعتبارها نمطاً مؤسسياً متكرراً، وإنما يمكن الحديث عن «تربية وتعليم أعضاء الجماعات اليهودية في العصر الهيليني» أو «تربية وتعليم أعضاء الجماعات اليهودية في العصور الوسطى في الغرب» ... وهكذا، أي بنسبة الجماعة اليهودية إلى مكان وزمان محدَّدين. وبذلك نكون قد نحتنا مُصطلَحات وصُغنا مقولات تحليلية لها مقدرة تفسيرية وتصنيفية عالية.
ولتوضيح هذه النقطة يمكن أن نشير على سبيل المثال إلى يهود الإسكندرية في العصر الهيليني الذين تأغرقوا بشكل سريع وانضم أطفالهم وشبابهم إلى المدارس الهيلينية، بل وأقاموا صلواتهم وتعلموا مبادئ دينهم باللغة اليونانية من خلال الترجمة السبعينية. أما أعضاء الجماعات اليهودية في بابل، فتبعت تربيتهم نمطاً مختلفاً نتيجة تكوُّن التشكيلات الإمبراطورية المختلفة في هذه المنطقة، فأرسل أعضاء الجماعات اليهودية أطفالهم إلى مؤسسات تعليمية خاصة بهم، كما قدمت الحلقات التلمودية في بابل فيما بعد إسهامات في تطوير التراث الديني اليهودي المتمثل في التلمود البابلي.
стр. 3703
وبمجيء العصور الوسطى في الغرب والتشكيل الإسلامي في الشرق، أصبحت الحضارات التي يعيش اليهود بين ظهرانيها أساساً حضارات دينية توحيدية حيث ساد الإسلام الشرق العربي والمناطق المجاورة والأندلس وسادت المسيحية أوربا. وقد مثل الدين وعلومه المختلفة محوراً أساسياً للدراسة في المؤسسات التعليمية لشعوب هذه البلدان. ولم يختلف الوضع بالنسبة إلى الجماعات اليهودية التي عاشت في هذه المناطق، فكوَّنت العقيدة اليهودية وكتبها المقدَّسة المادة الأساسية التعليمية للجماعات اليهودية. ومع هذا، نجد أن مناهج التعليم وأساليب التدريس اختلفت من جماعة يهودية إلى جماعة يهودية أخرى طبقاً للأوضاع الثقافية والحضارية للشعوب التي عاشت بينها وطبقاً لوضع الجماعة نفسها. ففي أوربا حيث تدنت الأوضاع الثقافية للبلدان الأوربية، ودعمت نظم الإدارة الذاتية عزلة الجماعات اليهودية الثقافية، تدنى مستواهم الثقافي وتخلف مستواهم التعليمي، واقتصرت مؤسساتهم التعليمية على تدريس الكتب الدينية، بل على تأكيد التوافه من أمور دينهم واستخدام أسلوب من الجدل العقيم في التدريس، كما تخلفوا عن تحصيل العلوم والمعارف التي بدأت تأخذ طريقها إلى الحضارة الأوربية منذ عصر النهضة. أما في بلدان العالم الإسلامي، فقد ازدهرت ثقافة الجماعات اليهودية تحت تأثير الحضارة الإسلامية وشارك أعضاؤها في النهضة الثقافية والعلمية. ولكونهم أهل ذمة، سُمح لهم بكثير من الحريات وأُحْسنَت معاملتهم اجتماعياً وثقافياً، ومن ثم فإن عزلتهم لم تكن على نحو ما كانت عليه عزلة الجماعات اليهودية في بلدان أوربا. وبطبيعة الحال، أثرت هذه الأوضاع في ثقافة الجماعات اليهودية ومؤسساتهم التعليمية. ورغم أن الدراسات الدينية احتلت مركزاً مرموقاً فيها، إلا أن المنهج التعليمي لم يقتصر عليها بل اتسع ليشمل كثيراً من المعارف والعلوم، فاحتوى على اللغة العربية والقواعد والشعر والمنطق والبلاغة
стр. 3704
والرياضيات والفلك والعلوم الطبيعية والميتافيزيقا. كما ظهر بين الجماعات اليهودية في العالم الإسلامي أدب مكتوب عن التربية والتعليم أخذ شكل فصول من كتب أو وصايا أو تعليقات. وكان من أهم المفكرين الذين كتبوا عن التربية يوسف بن عكنين (شمال أفريقيا) ، ويهودا بن عباس في الأندلس. ولم تختلف مناهج الدراسة كثيراً بين الجماعات اليهودية في كل من إيطاليا وجنوب فرنسا.
وإذا كان التعليم الديني قد شكَّل محوراً رئيسياً وعنصراً مشتركاً بين مؤسسات التعليم للجماعات اليهودية خلال العصور الوسطى في الغرب وفي العصر الإسلامي الأول والثاني في العالم الإسلامي، فإن هذا العنصر يختفي تدريجياً ويزداد التنوع وعدم التجانس في تربية وتعليم أعضاء الجماعات اليهودية منذ أواخر القرن الثامن عشر حيث بدأت المجتمعات الأوربية تدخل مرحلة تصاعدت فيها تدريجياً وتيرة التصنيع والتحديث، الأمر الذي أدَّى إلى ظهور الدولة القومية العلمانية المركزية التي طالبت أعضاء الجماعات اليهودية بأن يندمجوا في المجتمعات التي يعيشون فيها وأن يدينوا لها وحدها بالولاء. وأدرك حكام أوربا المستنيرون أن تحديث وعلمنة تربية وتعليم أعضاء الجماعات اليهودية هو أنجح الوسائل لتحقيق هذا الهدف. ففتحت أمام أعضاء الجماعات اليهودية أبواب التعليم الحكومي العلماني، كما سُمح لهم بتأسيس مدارس علمانية خاصة بهم، الأمر الذي دفع المثقفين اليهود من دعاة حركة التنوير (هسكلاه) إلى تحديث التعليم اليهودي التقليدي، فقاموا بتأسيس عدد من المدارس اليهودية التي جمعت مناهجها بين المواد العلمانية والمواد الدينية، كما شجعوا أعضاء الجماعات اليهودية على إرسال أولادهم إلى المدارس الحكومية، وكان أهم دعاة هذا الاتجاه موسى مندلسون ونفتالي هرتز فيسلي وغيرهما. ومنذ ذلك الوقت، تزايد إقبال أعضاء الجماعات اليهودية على التعليم الحكومي العلماني، وكذلك إقبالهم على المدارس الخاصة بهم، كما تم
стр. 3705
تهميش التعليم الديني والاقتصار على المدارس التكميلية التي كان يحضرها التلاميذ بعد حضورهم المدارس الحكومية. وحتى المدارس التلمودية العليا (يشيفا) نفسها (التي تُخرِّج الحاخامات والمتخصصين في مجال الدين) ، هبت عليها هي الأخرى رياح التطوير والتحديث. ومع هذا، يُلاحَظ أنه، داخل التشكيل الحضاري الأوربي، اتخذت عملية تحديث تربية وتعليم أعضاء الجماعات اليهودية أشكالاً مختلفة. ففي أوربا الغربية، تمت عملية التحديث دون مقاومة. أما في شرق أوربا وفي روسيا القيصرية، فإن عملية تحديث التعليم حققت نجاحاً في بدايتها، إلا أن تعثُّر عملية التحديث (في المجتمع ككل) في نهايات القرن التاسع عشر أدَّى إلى تزايد اغتراب أعضاء الجماعات اليهودية وتزايد انخراطهم في الحركات الثورية والعمالية اليهودية والصهيونية التي أشرفت على إقامة سلسلة من المؤسسات التعليمية الخاصة بها والتي اتسمت بتوجهها العلماني الإثني ـ اليديشي أو الصهيوني. غير أن قيام الثورة البلشفية وبناء الدولة السوفيتية أنهى هذا الوضع في روسيا. أما في بولندا وسائر بلدان أوربا الشرقية، فقد تزايدت هجرة أعضاء الجماعات اليهودية إلى الأمريكتين.
وإذا نظرنا إلى الجماعات اليهودية في العالم الإسلامي، وجدنا أن تطوُّر مؤسساتهم التعليمية اتبع نمطاً مغايراً عن مثيلاتها في مجتمعات أوربا حيث تمت عملية تحديثها في مرحلة متأخرة (وبعد وصول القوات الغربية الإمبريالية) ، ونجم عن ذلك تحويل أعضاء الجماعات اليهودية إلى جماعات وظيفية وإلى مادة استيطانية تابعة للغرب. وقد اتبع تحديث المؤسسات التعليمية اليهودية في الهند النمط نفسه الذي اتبعه في العالم الإسلامي. أما الجماعات اليهودية في إثيوبيا فقد اتبعت نمطاً مخالفاً للأنماط السالفة الذكر.
стр. 3706
وفي المجتمعات الاستيطانية، تأثرت تربية وتعليم الجماعات اليهودية بطبيعة المجتمع الاستيطاني نفسه. ففي الولايات المتحدة، التي اتسمت باقتصادها الحر المفتوح وتربيتها العلمانية ونظامها التعليمي الحكومي المجاني، تمت عملية تحديث تربية وتعليم أعضاء الجماعات اليهودية بسهولة كما تم إكسابهم الهوية الأمريكية. أما في بلاد أمريكا اللاتينية فقد اتبع تطوير تربية وتعليم الجماعات اليهودية شكلاً مخالفاً. إذ اتجهت كل جماعة يهودية إلى إقامة مؤسساتها التعليمية الخاصة بها، فكثُر عدد مدارس اليوم الكامل اليهودية التي يتلقى فيها الأطفال تعليماً يهودياً بعيداً عن تأثير المدارس العامة ذات التعليم الكاثوليكي. واتسمت هذه المدارس بتوجهها الإثني الصهيوني. ولم يختلف نمط تربية وتعليم الجماعات اليهودية في كندا وجنوب أفريقيا كثيراً عن نمط أمريكا اللاتينية.
стр. 3707
ومن الملاحظ أن الجماعات اليهودية المختلفة لم تُقدِّم فلاسفة أو مفكرين تربويين لهم ثقلهم الفكري العالمي في مجال التربية، وذلك رغم إنجازات بعض أعضاء الجماعات اليهودية في المجالات الأخرى. فمعظم المفكرين اليهود الذين كتبوا عن التربية اتبعوا النظريات والاتجاهات الفكرية التربوية أو عالجوا المشكلات التربوية التي تمس الأوضاع التربوية القائمة في المجتمعات التي ينتمون إليها، ومن الصعب وصف إنجازاتهم الفكرية بأنها ذات مضمون يهودي. فجيكوب بريير تربوي فرنسي، وهو أول من اهتم بتعليم الصم البكم، وجوزيف فيرتيمر تربوي نمساوي اتبع الاهتمام الفكري السائد في أوربا آنذاك بطفل ما قبل المدرسة وأسس دور حضانة في النمسا، بينما نجد يانوس كورساك البولندي أبدى اهتماماً بالأطفال الأيتام وأنشأ لهم ملجأً وكتب عن كيفية فهم الطفل ومعاملته. وفي الولايات المتحدة، أبدى أبراهام فلكسنر اهتماماً بتعليم الطب وقدَّم تقييماً لكليات الطب في الأمريكتين وكندا ثم في أوربا. ويُعَدُّ كل من لورانس كرين وإسحق بركسون من أتباع التربية التقدمية. أما إسرائيل شيفلر، فهو رائد من رواد مدرسة التحليل الفلسفي في التربية.
التربية والتعليم عند العبرانيين قبل التهجير إلى بابل
Education of the Hebrews Before the Transfer to Babylonia
كانت التربية الدينية والتربية القومية عند العبرانيين تشبهان تمام الشبه مثيلتيهما في المجتمعات القديمة التي كانت تسودها عقائد ذات طابع حلولي وثني واضح حيث يتحد فيه الإله القومي بأرضه وشعبه. وتَصدُر العقيدة اليهودية عن عدد من المفاهيم المحورية ربطت بين الإله والشعب، مثل: مفهوم الإله القومي، ومفهوم الشعب المختار، ومفهوم العهد بين الإله والشعب. ويمكن تقسيم هذه المرحلة من تاريخ التربية عند العبرانيين إلى فترتين أساسيتين:
стр. 3708
أ) فترة ما قبل التهجير إلى بابل، وهي أيضاً الفترة التي استقر فيها العبرانيون في كنعان وأسسوا مملكتهم العبرانية (١١٥٠ ـ ٥٨٦ ق. م) .
ب) فترة ما بعد التهجير (من ٥٨٦ ـ حتى القرن الثاني قبل الميلاد) .
وسنتناول في هذا المدخل الفترة الأولى وحسب، على أن نتناول الفترة الثانية (بعد التهجير) في مدخل خاص.
اتَّسمت فترة ما قبل التهجير بتغيرات اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية صاحبت انتقال العبرانيين من حياة البداوة والترحال إلى حياة الاستقرار. فعلى الصعيد الاقتصادي، تحول العبرانيون من قبائل تعيش على الرعي أساساً إلى شعب مستقر يعمل بالزراعة وبعض الحرف، ويعيش داخل مدن محصَّنة، ونمت التجارة وزاد ثراء بعض أعضاء المجتمع، الأمر الذي أدَّى إلى ظهور طبقة جديدة من الأغنياء وظهور هوة سحيقة بينهم وبين الفقراء. أما على الصعيد السياسي، فقد تحول العبرانيون من النظام القبلي إلى النظام الملكي إذ أسَّسوا الدولة العبرانية المتحدة التي يحكمها ملك يساعده عدد من الموظفين مثل: كاتب الملك والحاجب وعامل الخراج وقائد الجيش، كما كان الكهنة يُعتبَرون موظفين تابعين لبلاط الملك. أما على الصعيد الديني، فقد قام الكهنة واللاويون بالحفاظ على شريعة يهوه خلال الفترة المذكورة، كما ظهر الأنبياء في عصر الملوك.
وجاءت حركة الأنبياء لتكبح وتوقف عملية الاندماج التدريجي في العبادات الكنعانية، ولتهيب بالمؤمنين أن يعودوا إلى التقاليد الدينية القديمة لتكفل بذلك استمرار دين يهوه وتثبت دعائمه. وخلال هذه الفترة، كانت التربية عند العبرانيين شبيهة بالتربية السائدة في المجتمعات البسيطة. وليست هناك أدلة على أن العبرانيين عرفوا المدارس كمؤسسات تربوية مستقلة، إذ كانت التربية عند معظم الناس مرادفة للحياة نفسها. ومع هذا، وُجد نوع من التعليم النظامي لدى بعض فئات المجتمع التي احتاجت إعداداً خاصاً.
стр. 3709
وشهدت هذه الفترة ظهور مؤسستين مهمتين لعبتا دوراً مهماً في نقل التراث الثقافي وتشكيل العبرانيين دينياً وقومياً، وكان لهما دور تربوي محدَّد، وهما: الأسرة والمؤسسة الدينية.
١ ـ الأسرة:
كانت الأسرة، ضمن القبيلة، المؤسسة الاجتماعية الأساسية المسئولة عن نقل تراث الجماعة وخبراتها إلى النشء. ويبدو أن الروابط الأسرية بين القبائل العبرانية كانت من القوة بحيث احتوت يهوه نفسه، الذي كان العبرانيون ينظرون إليه باعتباره أبو الشعب، حيث كانوا يعتبرون أنفسهم أولاده فيدينون له بالولاء والطاعة.
وكان يُنظَر إلى الأب العبراني باعتباره الملك المطلق في رئاسة العائلة. فالتوراة كانت تعطيه حق بيع زوجته وأولاده بيع العبيد، كما أن سفر التثنية يعطي الوالدين حق معاقبة الابن بالرجم أمام مجلس من الكبار إذا فشل العقاب في إصلاحه.
وتمت عملية نقل التراث الثقافي عن طريق مشاركة الصغار في مناشط الحياة اليومية والطقوس الدينية. ومن الصعب، خلال هذه الفترة، التفرقة بين التربية الدينية وبين التدريب على مناشط الحياة الأخرى. فلم يوجد وجه واحد من أوجه الحياة ولا نشاط من أنشطتها إلا وكانت الشعائر الدينية جزءاً منه. فالرقص والغناء مثلاً كانا جزءاً من الشعائر الدينية وطريقة للاحتفال. كذلك كانت مناشط الحياة المختلفة مثل اجتماع الأسرة أو القبيلة، وجز صوف الخرفان، وجمع المحاصيل، ومولد الطفل، والذهاب إلى الحرب، وتغيُّر الفصول، مناسبات دينية. ومن خلال ملاحظة الطفل لهذه المناسبات، والمساعدة والمشاركة فيها، والاستماع إلى الشرح الذي يصاحبها، تلقَّى الطفل تدريبه على كثير من شعائر الدين.
стр. 3710
وحدَّدت ظروف البيئة الاجتماعية والاقتصادية نوعية التربية التي يتلقاها الصغار. ففي بيئة رعوية، تعلم الصغار كيف يصبحون رعاة. وبعد أن استقر العبرانيون في كنعان وتحولوا إلى حياة الاستقرار والزراعة، أصبح من الضروري تعليم الصغار كيف يصبحون مزارعين، ومن ثم تم تدريبهم على الزراعة وتربية المواشي والصيد والتعدين والبناء والنجارة وصنع الأدوات الخشبية والمعدنية والغزل والنسيج وعمل الخيام وصناعة الفخار. كما تم تدريب البنات في شئون المنزل على أيدي أمهاتهن.
وحتى قيام المملكة العبرانية المتحدة وتأسيس جيش منظم في عهد الملك داود، كان على الأسرة أن تُعلِّم الصغار كيفية استخدام الأدوات الحربية المعروفة آنذاك. فالحرب بين العبرانين والجماعات الأخرى، أثناء تجوالهم واستقرارهم في فلسطين، جعلت تدريب النشء على القتال ضرورة حيوية. وقد تخصَّصت بعض القبائل في استخدام أدوات حربية معيَّنة، فقبيلة بنيامين مثلاً عُرفت بمهارتها في استخدام السيف والمقلاع، بينما عُرفت قبيلة يهودا باستخدام الرمح. ومن المحتمل أن الملك داود استعان بقدرات هذه القبائل في تكوين جيشه النظامي. كما يبدو أن الألعاب الرياضية والجري والرماية كوَّنت جزءاً مهماً من تربية الصغار. كذلك قامت بعض الأسر بتدريب صغارها على الرقص والغناء واللعب على الناي بوصفها جزءاً من الاحتفالات الدينية.
стр. 3711
وقُدِّر للأسرة العبرانية أن تلعب دوراً رئيسياً في نقل مبادئ الدين والتقاليد القومية. فالتوراة تجعل تعليم الشريعة أمراً واجباً دينياً على الأب، وفي المقابل يُؤمَر الأطفال بإجلال واحترام آبائهم. كما لعبت الاحتفالات الدينية داخل الأسرة دوراً مهماً في تلقين النشء التراث الديني. كذلك استُخدم سرد التاريخ كوسيلة لتلقين الجيل الجديد تاريخ العبرانيين والاستقرار في كنعان. فالتقاليد والأساطير والأغاني والأقاصيص نُقلت شفهياً من جيل إلى جيل قبل أن تُدوَّن. وقام كبار القبيلة (أو الأب) بهذه المهمة، ومن المحتمل أيضاً أن من قام بهذه المهمة منشدون متجولون. وربما قام الطفل أيضاً بزيارة مقامات يهوه التي كانت منتشرة في كنعان خلال هذه الفترة، والتي كان يقوم على خدمتها الكهنة، ومارس هناك الكثير من الطقوس والشعائر الدينية. وبعد بناء الهيكل، قام الطفل العبراني بزيارة الهيكل.
أما القيم والفضائل التي حاول العبرانيون إكسابها لأطفالهم، فقد حددتها ظروفهم في الحياة وكذلك إطارهم العقائدي. ومن أهم هذه الفضائل الشجاعة والإخلاص لكلٍّ من يهوه والعشيرة والشعب، والطاعة الكاملة لمن هم في السلطة ولقوانين القبيلة والأسرة والشعب، والتعامل بالحسنى مع الأقرباء وبلا شفقة أو رحمة مع الأعداء.
٢ ـ المؤسسة الدينية:
стр. 3712
قامت المؤسسة الدينية، بكهنتها وأنبيائها، بنشر عبادة يهوه وتوراته، حيث قاموا بتلقين العبرانيين مبادئ دينهم وإكسابهم الهوية القومية. ويُعتبَر الكهنة واللاويون المربين الأوائل للشعب العبراني. ومن خلال إنجاز المهام الموكلة إليهم بصفتهم وكلاء وممثلين ليهوه ومحافظين على مقاماته التي انتشرت في فلسطين، قام هؤلاء بنشر ديانة يهوه وبتوجيه حياة العبرانيين الدينية والأخلاقية. ومن هنا، أوجدوا محتوى لهذه الديانة، كما أوجدوا الأشكال التي تم من خلالها التعبير عن عقائد ومبادئ الدين. وقام الكهنة بتنظيم وتوجيه الاحتفالات العامة التي لم تكن أكثر من دروس في تاريخ العبرانيين. كذلك علموا الأفراد والجماعات مبادئ وعقائد هذا الدين، ونقلوا الشريعة والطقوس والشعائر والأساطير المرتبطة بالدين شفاهة في بادئ الأمر، ثم قاموا بتدوينها وحفظ أجزاء كبيرة منها بشكل يَسهُل فهمه وتذكُّره بالنسبة لعامة الناس.
كما قام الكهنة بقراءة التوراة أو الوصايا العشر على القبائل العبرانية (ويبدو أن هذه كانت عادة متبعة في المعاهدات التي كانت تُعقَد بين الدول المنتصرة والدول التابعة، حيث كان أحد بنود المعاهدة ينص على عرضها في مكان عام أو وضعها في معبد وقراءتها مرة كل سبع سنوات على الملك التابع وشعبه حتى يعوا نصوصها تماماً) . كما ساهم توزيع اللاويين على القبائل العبرانية في نشر التوراة بين العبرانيين. ولعل أهم دور لعبه الكهنة، في تربية الشعب العبراني ونشر التوراة، كان من خلال علاقتهم بالقانون. فالقانون المدني والممارسات الاجتماعية كانت مجرد استنتاجات من القانون الإلهي، ولذا قام الكهنة بتقديم النصيحة للناس بشأن الممارسات الاجتماعية، وإصدار الأحكام الشرعية في الحالات التي تُعرَض عليهم.
стр. 3713
وبازدياد القوانين الشرعية، زادت تطبيقات التوراة وزاد تأثيرها على حياة الناس. وبمرور الوقت، ارتبطت فاعلية الكهنة بالهيكل وطقوسه، وظهر الأنبياء كمربين للشعب العبراني وكناشرين لعبادة يهوه وشريعته في وقت كادت تُستوعَب فيه ديانة العبرانيين، ضمن الديانة الكنعانية. فكان الأنبياء واعظين متجولين، وأينما سنحت لهم الفرصة لنشر دعوتهم اغتنموها، سواء في السوق أم في بلاط الملوك والأمراء. ولكن، في أغلب الأحيان، كان فناء الهيكل المكان الأثير لديهم، فكانوا يؤكدون في إصرار على الوحدانية الخالصة والإخلاص للعهد المعقود مع يهوه، ويرفضون كل نوع من التساهل مع العبادات الأجنبية، كما كانوا يدعون إلى صلاح الأخلاق ونقاء القلب واستقامة السلوك. وهم في دعوتهم هذه، لم يكونوا يغفلون عن التنبؤ بالعقاب الذي سيحيق بالعبرانيين إن لم يقتدوا بما يقولونه لهم.
٣ ـ التعليم النظامي:
ورغم أن كلمة «مدرسة» لم يرد لها ذكر في العهد القديم، إلا أن الدلائل تشير إلى أن الكتابة كانت معروفة عند العبرانيين منذ عصر القضاة، وأن العبرانيين استخدموا الحروف الفينيقية التي كانت مُستخدَمة في كنعان في ذلك الوقت. وخلال عصر الملوك، كان ثمة مسجلون رسميون وكتبة للجيش وللملوك والأفراد. كما توجد إشارات إلى ما يُسمَّى «عائلات الكتبة» ، وهو ما يدل على أن مهنة الكتابة كانت وراثية. كذلك، استخدم الأنبياء الأوائل الكتابة، فقد قام عاموس وميخا بتدوين نبوءاتهما، كما أن بعض فئات وأعضاء المجتمع احتاجت إعداداً وتدريباً خاصين. ومن ثم، يمكن القول بأن نوعاً من التعليم النظامي وُجد خلال هذه الفترة وإن ظل مقصوراً على بعض الفئات التي تحتاجها للقيام بمهامها. ومن أهم هذه الفئات:
أ) الكهنة:
стр. 3714
كانت جماعة الكهنة أولى الجماعات التي أعطت تعليماً وتدريباً منظماً لأعضائها. ورغم عدم وجود أية سجلات تفيد ذلك، إلا أنه يمكننا أن نقول، دون أن نحيد كثيراً عن جادة الصواب، أنه لابد أن الكهنة حصلوا على تعليم وتدريب خاصين، وأن عملية التدريب هذه تمت في نطاق الهيكل كما كان الحال في بلاد الشرق الأوسط. وعلى أية حال، فقد ظل هذا النوع من التعليم مقصوراً على أسر معينة، حيث كانت وظيفة الكاهن وراثية ومقصورة على عائلات معينة.
ب) الأنبياء:
عاش بعض الأنبياء مع أتباعهم داخل جماعات، حيث قاموا بإلقاء دروسهم على أتباعهم واستخدموا إنتاجهم المدون والشفوي لتعليم أتباعهم. ومن ثم، يمكن القول بأن جماعات الأنبياء تلقوا نوعاً من التعليم النظامي شَمل القراءة والكتابة والخطابة والشعر.
جـ) الكتبة:
كوَّن الكتبة جماعة خاصة، وكانت ممارسة مهنتهم مقصورة على بعض العائلات كما كان الحال في الشرق الأدنى القديم. ويبدو أن عائلة شافان كانت على قمة هرم البيروقراطية المرتبطة بالقصر. كما وُجد كتبة آخرون عملوا كإداريين للحكومة المركزية ولمجالس المدن، وكموظفين في الهيكل. وقامت هذه المؤسسات بتعليمهم وتدريبهم على مهام وظائفهم، حيث دُرِّب الكهنة على كتابة الرسائل والصيغ الإدارية وعلى كتابة العقود (مثل عقود الزواج والطلاق) . ويبدو أن كتبة القصر كان عليهم أن يُلموا بالسياسة وببعض العلوم واللغة الآرامية (لغة المعاملات الدولية آنذاك) ، كما يبدو أن هذه الفترة شهدت نمو أدب مرتبط بأخلاقيات الكتبة.
دراسة التوراة (تلمود تورا (
Talmud Tora
стр. 3715
«دراسة التوراة» عبارة تقابلها في العبرية عبارة «تلمود تورا» ، وتُستخدَم للإشارة إلى مفهوم تربوي أساسي يستند إليه الفكر التربوي بين أعضاء الجماعات اليهودية حتى القرن الثامن عشر الميلادي. ويستمد موضوع دراسة التوراة أهميته من عدة أشياء أساسية في العقيدة اليهودية منها أهمية التوراة ذاتها باعتبارها الكتاب المقدَّس الذي يحوي كلام الإله، ومنها أن إرسالها لليهود هو علامة على اختيارهم. ولكن، لعل أهم الأسباب هو مفهوم الشريعة الشفوية الذي يجعل تفسير الحاخامات للتوراة (كلمة الإله) ، ودراستهم لها، أكثر أهمية من النص المقدَّس ذاته. ولكل هذا، كان الفعل الأسمى لدى أعضاء الجماعات اليهودية هو التفرغ لدراسة التوراة.
ويمكن القول بأن المؤسسات التربوية بين أعضاء الجماعات اليهودية هي بالدرجة الأولى أشكال من التعبير عن هذا المفهوم وتحوراته، وأنها مع هذا خضعت لتغيرات الزمان والمكان. فالحلقات التلمودية، والمدارس التلمودية العليا، والمدارس الأولية الخاصة والخيرية، كانت كلها تدور حول دراسة التوراة.
ولعل ما عمَّق هذا الاتجاه، هو تحوُّل اليهود إلى جماعة وظيفية تود الحفاظ على هويتها وانعزاليتها، والتمركز حول التوراة (كتاب اليهود المقدَّس) هو أسرع السبل لإنجاز هذا. ولكن، مع تبنِّي المسيحية التوراة كتاباً مقدَّساً، أكدت اليهودية الحاخامية (التلمودية) أهمية التلمود على حساب التوراة، ومن ثم أصبحت عبارة «دراسة التوراة» تعني في واقع الأمر «دراسة التلمود» .
ويجب التنبيه إلى أن دراسة التوراة لم تكن دائماً نشاطاً مدرسياً أو حتى شبه مدرسي، وإنما كانت في كثير من الأحيان واجباً دينياً يأخذ شكلاً تربوياً ـ تماماً مثل حلقات الدرس في المساجد حيث يجلس المسلمون بعد الصلاة يتفقهون في أمور دينهم ويسألون شيخهم فيما يواجهونه من مشاكل.
следующие страницы →