Полный текст (8 511 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.
стр. 3816
وأُسِّست أول مدرسة تلمودية عليا (يشيفا) عام ١٨٨٦. وتم دمجها عام ١٩١٥ بمدرسة عليا أخرى لتصبح كلية لاهوت واحدة ثم أصبحت فيما بعد جزءاً من جامعة يشيفا. كما شهدت هذه الفترة بداية تأسيس مدارس اليوم الكامل لتقديم تعليم علماني وديني، ووصل عددها إبَّان الحرب العالمية الأولى إلى أربع مدارس. وظهرت كذلك المدارس اليديشية العلمانية عام ١٩١١، إلا أنها تطورت خلال العشرينيات. وقد ضمَّت المدارس اليديشية شبكة من المدارس الابتدائية والثانوية ومعاهد لتدريب المعلمين ومعسكرات تعليمية. وفي عام ١٩٠٨، نجد أن ١٠٠ ألف طالب يهودي كانوا يحضرون مدارس يهودية تكميلية، منهم ٣٧.١% في مدارس الحيدر، و٢٦.٥% في مدارس الأحد، ٢٦.٢% في التلمود تورا، و٩.٦٥% في المدارس الملحقة بالمعبد، وحوالي ٠.٦% فقط في مدارس اليوم الكامل.
وفي عام ١٩١٠، تأسس في نيويورك مكتب التعليم اليهودي Bureau of Jewish Education للإشراف والتنسيق بين المؤسسات التعليمية اليهودية بصرف النظر عن انتماءاتها المذهبية أو الأيديولوجية. واهتم المكتب بتوحيد المناهج الدراسية بين المدارس المختلفة وخَلْق كوادر من المعلمين الأكفاء. كما أُسِّست أول مدرسة ثانوية يهودية عام ١٩١٣. ووصل عدد هذه المدارس عام ١٩٤٠ إلى ٣٠ مدرسة. وتأسست في تلك الفترة أيضاً المعسكرات الصيفية التعليمية، ومعاهد تدريب المعلمين التي كان أولها كلية جراتز في فيلادلفيا عام ١٨٩٧.
كما تأسَّست عام ١٩٣٩ الجمعية الأمريكية للتعليم اليهودي American Association for Jewish Education (AAJE) من أجل دعم الجهود وتنسيقها في مجال تعليم اليهود، وأُقيمت ٣٢ مدرسة ومكتباً للتعليم اليهودي للإشراف على شبكة المدارس اليهودية المحلية في أنحاء البلاد.
٣ ـ بعد الحرب العالمية الثانية:
стр. 3817
شهد نمط تعليم اليهود تحوُّلاً آخر مع تزايد أمركة المهاجرين اليهود وتزايد اندماجهم في المجتمع الأمريكي خلال الثلاثينيات، وكذلك مع تحسُّن أوضاعهم الاقتصادية وتزايد انخراطهم في الحياة الثقافية العامة. فمن ناحية، بدأت اللغة اليديشية تفقد أهميتها، وانعكس ذلك في انخفاض نسبة الطلاب المسجلين في المدارس اليديشية من إجمالي حجم طلاب المدارس اليهودية (من ٥% عام ١٩٤٦ و٣% عام ١٩٥٠ إلى أقل من ٢% عام ١٩٥٨) . واختفت هذه المدارس تماماً في الوقت الحاضر، بل إن اجتماعات معهد الييفو المتخصص في دراسة اليديشية أصبحت تدار الآن بالإنجليزية. ومن ناحية أخرى، تزايد الحراك الاجتماعي لأعضاء الجماعة وبدأت عملية خروجهم من الأحياء التي كانوا قد تمركزوا فيها عند وصولهم، فأخذوا ينتشرون بين الضواحي والأحياء الأرقى. لذا، نجد أن المدارس الدينية من نمط الحيدر والتلمود تورا بدأت تشهد تدهوراً حاداً. وفي المقابل، تزايد التحاق الأطفال اليهود بالمدارس التكميلية المسائية الخاضعة لإشراف المعابد التي أسسها أعضاء الجماعة في الأحياء التي استقروا فيها. وقد كان ٨٨% من الأطفال المسجلين في المدارس اليهودية عام ١٩٥٨ يحضرون مدارس تكميلية تحت رعاية المعبد، وهي إما مدارس مسائية يذهب إليها الطفل اليهودي مرتين أو خمس مرات في الأسبوع بعد الانتهاء من دراسته، أو مدارس الأحد التي يذهب إليها الطفل مرة واحدة في الأسبوع (ومن ثم سميت مدارس اليوم الواحد) .
стр. 3818
وكان قد تبلوَّر أيضاً، خلال فترة الثلاثينيات، الاتجاه إلى تحديد أطر الحياة الدينية وتنظيماتها وفقاً للانتماء المذهبي سواء كان هذا الانتماء أرثوذكسياً أو محافظاً أو إصلاحياً. وبالتالي، أصبح لكل مذهب مدارسه ومؤسساته التعليمية الخاصة. وأدَّى كل ذلك إلى تفتُّت المجهودات في مجال التعليم اليهودي بعد أن كانت خاضعة لإشراف جهة مركزية محايدة. وأصبح هناك عدد كبير من المدارس الصغيرة المعزولة عن بعضها تعمل على تعميق الانتماء إلى المذهب والمعبد على حساب الانتماء إلى الجماعة اليهودية الأكبر. وهذا في حد ذاته يعكس من ناحية فيدرالية الولايات المتحدة ولا مركزيتها من ناحية أخرى.
ومع أن حجم التسجيل في المدارس اليهودية زاد خلال الأربعينيات والخمسينيات من ٢٠٠ ألف تلميذ عام ١٩٣٦/ ١٩٣٧ إلى ٢٦٦ ألفاً عام ١٩٥٠ ثم إلى ٥٥٣ ألفاً عام ١٩٥٩ (ويرد في الإحصاءات أن ٨٠% من الأطفال اليهود تلقوا في الفترة ١٩٥٠ ـ ١٩٦٠ شكلاً من أشكال التعليم اليهودي خلال المرحلة الابتدائية) ، إلا أن هذه الزيادة صاحبها انخفاض حادّ في ساعات الدراسة. فمدارس الأحد (مدارس اليوم الواحد) ، على سبيل المثال، لا تقدِّم سوى ٦٤ ساعة دراسة سنوياً. وساعات الدراسة المحدودة هذه لا تسمح باستيعاب القدر الكافي من المواد الدينية أو الثقافية أو اللغة العبرية. كما أشارت بعض الدراسات إلى أن مدرسي المدارس التكميلية الملحقة بالمعبد غير مؤهلين بالقدر الكافي للتدريس وخصوصاً في مجال الدراسات اليهودية. كما أن الجزء الأكبر من التلاميذ يتركزون في السنوات الثلاث أو الأربع الأولى من الدراسة، أي أن الطفل اليهودي لا يتلقى في المتوسط أكثر من ٣ ـ ٤ سنوات من التعليم اليهودي المنتظم.
стр. 3819
أما مدارس اليوم الكامل، فظلت تمثل الإطار الأمثل لتأهيل الطالب اليهودي في مجال الديانة والثقافة اليهودية. ورغم زيادة أعداد هذه المدارس من ١٧ مدرسة عام ١٩٣٥ إلى ٢٥٨ عام ١٩٦٢، وزيادة نسبة التسجيل فيها من ٤% عام ١٩٥٨ إلى ١٣.٤% من إجمالي طلاب المدارس اليهودية عام ١٩٦٧، إلا أنها ظلت تشكل الأقلية بين المدارس اليهودية الأخرى، كما أن مقرراتها كانت مُختلَطة (دينية علمانية) . ومما يذكر أن غالبية هذه المدارس كانت تحت رعاية الحركة الأرثوذكسية، وبعضها كانت تحت رعاية الحركة المحافظة والاتجاهات اليديشية - العمالية. وخلال السبعينيات، زاد حجم التسجيل في مدارس اليوم الكامل، حيث ارتفع من ٧٥ ألف طالب عام ١٩٧٢ إلى ٩٠.٦٧٥عام ١٩٧٨/١٩٧٩. ووصلت نسبة المسجلين في مدارس اليوم الكامل عام ١٩٨٤ إلى ٢٨% من إجمالي الأطفال اليهود الحاصلون على نوع من أنواع التعليم اليهودي في الفئة العمرية ٣ ـ ١٧ سنة.
وفي الفترة بين عامي ١٩٥٨ و١٩٨٣، زاد الالتحاق بمدارس اليوم الكامل بنسبة ١٤٥%، في حين انخفض التسجيل في المدارس التكميلية خلال الفترة نفسها بنسبة ٤٨%. ومن أسباب هذه الزيادة نمو حجم الأسر الأرثوذكسية في الولايات المتحدة والتي تضم عدداً أكبر من الأطفال وتحرص على توفير تعليم يهودي لأولادها من خلال مدارس اليوم الكامل. ولكن ثمة سبباً آخر أكثر أهمية وهو أن أعضاء الطبقات اليهودية الوسطى التي تعيش في المدن الكبرى وجدوا أنفسهم محاطين بأعضاء الأقليات (السود والأسبان) ، الأمر الذي أدَّى إلى تدهور مستوى المدارس الحكومية وزيادة الشغب والجريمة فيها. وبالقياس إلى ذلك فإن مدارس اليوم الكامل اليهودية تقدم مستوى تعليمياً أرقى نظير تكلفة معقولة، سواء في مجال الدراسات اليهودية أو في مجال الدراسات غير اليهودية.
стр. 3820
إلا أن حجم الزيادة في التسجيل في مدارس اليوم الكامل لم يعوض النقص الذي حدث في حجم التسجيل في المدارس التكميلية، وبالتالي انخفض حجم التسجيل الإجمالي في المدارس اليهودية من أكثر من نصف مليون عام ١٩٥٩ إلى ٣٧٢.٤١٧ فى الثمانينيات، وذلك من إجمالي تعداد أعضاء الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة البالغ ٥.٨٣٥.٠٠٠ شخص. وتُقدَّر نسبة التسجيل في المدارس اليهودية بنحو ٣٩ - ٤٣% من مجموع الأطفال بين ٣ و١٧ سنة. و٣٦% منهم مُسجَّلون في المدارس التابعة للحركة الإصلاحية، و٢٠% مُسجَّلون في المدارس التابعة للحركة المحافظة، و٨% مُسجَّلون في مدارس مختلطة.
وأبرز مؤسسات التعليم العالي اليهودية جامعة يشيفا في نيويورك. كما تضم ٣٥٠ جامعة في أنحاء الولايات المتحدة أقساماً للدرسات العبرية واليهودية. وقد تأسَّست عام ١٩٨١ منظمة خدمة التعليم اليهودي لأمريكا الشمالية Jewish Education Service of North America لتحل محل الجمعية الأمريكية للتعليم اليهودي. وهي أساساً جهة استشارية تساهم في التخطيط بعيد المدى للتعليم الخاص باليهود وفي دعم الموارد المخصصة له.
كما تُوجَد في الولايات المتحدة مؤسسات ثقافية اجتماعية وشبابية يهودية تقوم بدور تربوي وتثقيفي مثل المراكز الخاصة باليهود والحركات الشبابية، وخصوصاً الصهيونية منها. وتقوم هذه المؤسسات بمحاولة تنمية وعي الفرد بانتمائه اليهودي من خلال النشاطات الثقافية والاجتماعية ودورات تعليم العبرية والمعسكرات الصيفية. كما تقيم الحركات الإصلاحية والمحافظة والأرثوذكسية معسكرات صيفية تعليمية خاصة بها، بعضها في إسرائيل، تركز فيها على تعليم اللغة العبرية وعلى ما يُسمَّى «الثقافة اليهودية» .
التربية والتعليم عند الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية
Education of the Jewish Communities in Latin America
стр. 3821
كانت بلاد أمريكا اللاتينية مثلها مثل أيٍّ من مناطق الجذب الأخرى لأعضاء الجماعات اليهودية، ولكن هذه البلاد احتفظت بكاثوليكيتها التي شكلت بُعداً أساسياً في الهوية القومية لشعوبها، وبالتالي وجد أعضاء الجماعات اليهودية أنفسهم في تربة تستبعدهم وتعزلهم. وبينما عمل المجتمع الأمريكي على تذويب الفوارق بين الجماعات اليهودية التي استقرت فيه من خلال أمركتهم وتحويلهم إلى كتلة متجانسة، عملت مجتمعات أمريكا اللاتينية على تعميق هذه الفوارق وعلى تفتيت الجماعات اليهودية. فقد اتجهت كل جماعة يهودية إلى العودة إلى تراثها الثقافي والإثني اليهودي الخاص وتمسكت به. وقد عمَّق ذلك غياب مؤسسات قومية للدمج في أمريكا اللاتينية مثل المدارس الحكومية المجانية، وحتى عندما تأسَّست هذه المؤسسات فإنها كانت ذات توجُّه كاثوليكي واضح. وبالتالي، فقد اتجهت كل جماعة يهودية إلى إقامة مؤسساتها التعليمية الخاصة بها، بل زادت عليها مدارس اليوم الكامل اليهودية التي يتلقى فيها الأطفال اليهود تعليماً يهودياً عاماً بعيداً عن تأثير كاثوليكية المدارس العامة. وقد اتسمت المدارس بتوجهها الإثني القومي أو الصهيوني، بما يعكس طبيعة الهوية اليهودية لدى أعضاء الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية التي اتخذت شكلاً إثنياً أكثر منه دينياً. وفي الأرجنتين، ظلت المدارس التكميلية هي النوع السائد من المدارس اليهودية حتى عام ١٩٤٨. وقد ساعد على ذلك نظام المدارس الأرجنتينية الذي انقسم إلى فترتين كل منها أربع ساعات، وهو ما أتاح للأطفال اليهود فرصة الدراسة في المدارس التكميلية صباحاً أو مساءً لمدة ساعتين أو ثلاث يومياً. وقد تأسست أول مدرسة يوم كامل عام ١٩٤٨ في بيونس أيرس، إلا أن زيادة البرامج الدراسية ذات التوجه الكاثوليكي الواضح في المدارس الحكومية دفع الجماعة اليهودية إلى التوسع في مدارس اليوم الكامل التي وصل عددها في أواخر السبعينيات إلى ٣٨
стр. 3822
مدرسة من إجمالي ٤٤ مدرسة يهودية في بيونس أيرس. كما أن ٨٤% من إجمالي الأطفال اليهود المسجلين في المدارس اليهودية يدرسون في هذا النوع من المدارس منذ بدايات الثمانينيات.
وتضم البرازيل ٢٠ مدرسة من مدارس اليوم الكامل من إجمالي ٣٣ مدرسة يهودية تشمل مراحل الحضانة والابتدائية والثانوية. ووصلت نسبة الطلاب المُسجَّلين في هذا النوع من المدارس في بدايات الثمانينيات إلى ٩٨% من إجمالي الطلاب المُسجَّلين في المدارس اليهودية.
كما نجد أن نسب التسجيل في المدارس اليهودية تنخفض كلما تحركنا نحو المراحل التعليمية الأعلى، إذ تتركز غالبية التلاميذ في المراحل الابتدائية. ففي الأرجنتين مثلاً، نجد أن متوسط سنوات الدراسة في المدارس اليهودية تراوحت بين عامين وثلاثة أعوام يلتحق التلاميذ بعدها بالنظام التعليمي العام. وفي عام ١٩٦٠ قُدِّرت نسبة الأطفال اليهود الذين أكملوا دراستهم حتى الصف السادس الابتدائي بحوالي ٤.٢% ممن بدأوا دراستهم أصلاً في الصف الأول الابتدائي. وانخفضت هذه النسبة إلى ٣.٥% مع بداية الثمانينيات.
ويبيِّن ذلك أن مدارس الجماعات اليهودية في هذه البلاد كانت بمنزلة أداة انتقال ساعدت المهاجرين الجدد، بميراثهم اللغوي والثقافي، على استيعاب الصدمة الحضارية وعلى التكيف داخل المجتمع الجديد. ولذا، فإن أهمية هذه المدارس تتضاءل مع تناقص عدد المهاجرين ومع تزايد معدلات الاندماج في المجتمع.
стр. 3823
كما نجد أنه كلما زاد نفوذ الكنيسة الكاثوليكية في بلاد أمريكا اللاتينية، وزادت سيطرتها على المدارس، ازدهرت المدارس اليهودية وتعمقت الهوية اليهودية (اللاتينية) ، كما هو الوضع في بيرو حيث تصل نسبة التسجيل في المدارس اليهودية٩٥% من الأطفال اليهود. أما في البلاد التي تتمتع بمعدلات علمنة عالية مثل شيلي والأرجنتين والبرازيل والتي تضم غالبية يهود أمريكا اللاتينية، فالأمر مختلف تماماً حيث نجد أن نسبة التسجيل في المدارس اليهودية في الأرجنتين مثلاً تصل إلى ١٦% فقط، وفي شيلي إلى ٢٥%، وتصل إلى ٦% في مدينتي ساوباولو وريو دي جانيرو بالبرازيل، ويدل هذا على تزايد علمنة أعضاء الجماعات اليهودية في هذه البلاد وعلى تزايد اندماجهم في المجتمع.
ولعل الوضع اللغوي بين أعضاء الجماعات اليهودية يبين معدلات الاندماج بين أعضاء الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية بشكل جليّ، فقد اختفت اللغة اليديشية وحلت محلها اللغة الإسبانية أو البرتغالية، كما تزايد عدم الاكتراث باللغة العبرية رغم وجود مدرسين إسرائيليين في المدارس اليهودية. ففي المكسيك مثلاً، نجد أنه بينما كان ٨٤% من الأطفال المسجلين في المدارس اليهودية عام ١٩٥٥ يتلقون تعليمهم باليديشية، انخفضت هذه النسبة إلى ١٠% عام ١٩٧٠. وفي شيلي، نجد أن ٧٥% من الأطفال اليهود في مدينة فالبارايسو تحت سن ١٨ سنة ليست لديهم أية معرفة باليديشية، وترتفع هذه النسبة إلى ٩٠% بالنسبة للأطفال الذين وُلد آباؤهم في أمريكا اللاتينية. وفي ساو باولو بالبرازيل، نجد أن ٨٥% من اليهود يعتبرون أن البرتغالية لغتهم الأولى في حين اعتبر ١٥% فقط أن اليديشية لغتهم الأولى.
стр. 3824
واتسمت المقررات في مدارس الجماعات اليهودية بتوجهها الإثني القومي أو الصهيوني، ولهذا تشكل دولة إسرائيل عنصراً مهماً في المقررات الدراسية باعتبارها مصدراً مهماً لهذه الإثنية. وفي الأرجنتين، نجد أن كثيراً من خريجي المعاهد اليهودية لتدريب المعلمين يقضون فترات تصل إلى عام في إسرائيل. وفي البرازيل، نجد أن نسبة كبيرة من المدرسين من الإسرائيليين، وذلك نظراً لما تعاني منه المدارس اليهودية من نقص في عدد المدرسين. كما تضم المدرسة اليهودية الرئيسية في ليما (بيرو) برنامجاً لإرسال طلابها لقضاء عدة أشهر للدراسة في إحدى كليات إسرائيل. وفي فنزويلا، نجد أن جامعة القدس هي الجهة التي تدعم النظام التعليمي اليهودي.
وفيما يتعلق بالتعليم العالي اليهودي، تأسس عام ١٩٧٣ في بيونس أيرس (الأرجنتين) أول معهد حاخامي أرثوذكسي للدراسات العليا في أمريكا اللاتينية. كما تم خلال السبعينيات فتح مركز جديد للدراسات اليهودية تحت رعاية المنظمة الصهيونية وجامعة تل أبيب. وقد تخرج لأول مرة في الأرجنتين مدرسو المرحلة الثانوية في إطار مشروع تم بالتعاون بين ممثلي الجماعات اليهودية في الأرجنتين وجامعة تل أبيب والمنظمة الصهيونية العالمية. كما تضم الجامعات الوطنية في أمريكا اللاتينية، مثل جامعة ساو باولو في البرازيل والجامعة المكسيكية، برامج للدراسات اليهودية.
стр. 3825
وهناك خارج إطار النظام المدرسي نشاطات تلعب دوراً تربوياً وتثقيفياً، مثل: المعسكرات الصيفية، والبرامج التعليمية للكبار، والمراكز الاجتماعية، ونشاطات المنظمات الصهيونية. كما توجد برامج إذاعية وتليفزيونية يهودية أسبوعية في البرازيل. وهناك برنامج إذاعي يهودي يومي في أورجواي. ومع تزايد معدلات العلمنة، بدأت تحلّ مؤسسات حديثة محل المؤسسات اليهودية التقليدية، النادي الرياضي الذي يجذب أعداداً كبيرة من أعضاء الجماعات اليهودية من مختلف الانتماءات الإثنية، كما يقدم برامج تعليم للكبار ومحاضرات ومعسكرات. ومثل هذه النوادي شائعة في أمريكا اللاتينية، وتتم جميع النشاطات داخلها باللغتين الإسبانية أو البرتغالية بعيداً عن الدين والسياسة.
التربية والتعليم عند الجماعات اليهودية في كندا
Education of the Jewish Communities in Canada
стр. 3826
تأثرت المؤسسات التعليمية الخاصة بالجماعات اليهودية في كندا بالنظام التعليمي المحلي الذي ينقسم إلى شبكتين من المدارس؛ إحداهما بروتستانتية (أنجلو ساكسونية) والأخرى كاثوليكية (فرنسية) . ويضم هذا النظام، إلى جانب ذلك، شبكة من المدارس الحكومية العلمانية. وكان أعضاء الجماعة اليهودية قد اتجهوا في بادئ الأمر إلى إرسال أولادهم إلى المدارس البروتستانتية حيث الإنجليزية لغة التدريس. أما التعليم الديني، فكان يتم في المدارس الدينية المسائية التكميلية. ومما يُذكَر أن غالبية أعضاء الجماعة اليهودية يعتبرون أنفسهم جزءاً من المجتمع الأنجلو ساكسوني. ومع تزايد قلق الآباء بشأن تأثير النظام المدرسي المسيحي على أولادهم، أُقيمت شبكة من مدارس اليوم الكامل اليهودية (الابتدائية والثانوية) حيث يتلقى الأطفال اليهود تعليماً علمانياً وتعليماً دينياً وقومياً يهودياً بعيداً عن تأثير المدارس ذات التوجه المسيحي. ولغة التدريس في هذه المدارس هي الإنجليزية. وتغطي المقررات اللغة العبرية والأدب العبري، كما تضم بعض المواد الدينية الخاصة بالعبادات والصلوات والتقاليد اليهودية. وتلقي إسرائيل والتطورات التي تحدث فيها اهتماماً متزايداً في هذه المدارس. وتضم مدارس اليوم الكامل مدارس عبرية ومدارس دينية عليا ومدارس يديشية ومدارس علمانية عامة تُخصِّص ما بين ١٢ و٢٥ ساعة أسبوعياً لدراسة المواد اليهودية. وجدير بالذكر أن كثيراً من القيادات الشبابية في المنظمات اليهودية هم من خريجي مدارس اليوم الكامل.
وفي بداية السبعينيات، كان نحو ٣٠% من الأطفال اليهود (٥ ـ ١٣ سنة) ، داخل التجمعات اليهودية التي تضم ٢٥عائلة يهودية أو أكثر يدرسون في مدارس اليوم الكامل بالمقارنة بنحو ٢% في عام ١٩٣٣. وقد تأسست مدارس يهودية تُدرِّس باللغة الفرنسية، وذلك بعد تدفُّق حوالي ٢٠.٠٠٠ يهودي من شمال أفريقيا خلال الستينيات والسبعينيات.
стр. 3827
وبالإضافة إلى مدارس اليوم الكامل، هناك المدارس التكميلية العبرية المسائية التي تقدم حوالي ٤ ـ ٦ ساعات من الدراسة اليهودية خلال الأسبوع، ولكن ٨٥% من هذه المدارس ملحقة بالمعابد. وهناك مدارس الأحد، وهي في أغلبها تحت رعاية الحركة الإصلاحية إلا أن أعدادها تتجه نحو التضاؤل. كما أن هناك مدارس حضانة ومدارس إعدادية ملحقة بالمعابد، ومعاهد لتدريب المعلمين، وكليات حاخامية.
وفي الخمسينيات، كان نحو ٦٠% من جملة الأطفال اليهود، ممن هم في سن الدراسة في كندا، يتلقون نوعاً من التعليم اليهودي. ووصلت هذه النسبة إلى ٩٠% في المناطق الغربية من كندا، وذلك نظراً لأن هذه المناطق تضم جماعات إثنية مختلفة تعمل على الحفاظ على لغتها وهويتها الثقافية رغم السيادة النسبية للثقافة الأنجلو ساكسونية فيها.
وفي بداية السبعينيات، كان ٤٨ ـ ٦٠% من الأطفال اليهود في المدن الكبيرة في الفئة العمرية بين ٥ و١٤ سنة يتلقون نوعاً من أنواع التعليم اليهودي، ووصلت هذه النسبة إلى ٩٠% في المدن الصغيرة. إلا أن نسبة من يكملون دراستهم في المدارس اليهودية حتى المرحلة الثانوية تراوحت بين ١٠ و١٤% فقط.
ويعاني نظام التعليم التابع للجماعة اليهودية في كندا نقص المدرسين المؤهلين تأهيلاً جيداً وغياب اهتمام طلبة الجامعات بالدراسات اليهودية، وذلك إلى جانب نقص الموارد المالية اللازمة لتمويل شبكة مدارس اليوم الكامل.
وتُوجَد جهات تلعب دوراً تثقيفياً تربوياً خارج إطار المدارس، مثل المنظمات الصهيونية التي تنشط في مجال نشر اللغة العبرية وفي مجال دعم التعاون مع إسرائيل، وذلك من خلال المحاضرات وبرامج تبادل المدرسين ومعسكرات الشباب والنوادي العبرية.
التربية والتعليم عند الجماعات اليهودية في جنوب أفريقيا
Education of the Jewish Communities in South Africa
стр. 3828
تَدفَّق المهاجرون من يهود اليديشية على جنوب أفريقيا في الثمانينيات القرن التاسع عشر قادمين من أوربا الشرقية، وخصوصاً من ليتوانيا. وكانوا يتَّسمون بالتمسك بعقيدتهم اليهودية وإثنيتهم اليديشية.
ونظراً لأن عدد اليهود ذوي الأصل الأوربي الغربي لم يكن كبيراً في جنوب أفريقيا، فإن الاتجاهات والأفكار الاندماجية لم تحقق انتشاراً كبيراً بين يهود اليديشية. كما أن المجتمع الذي وفد إليه هؤلاء المهاجرون هو نفسه مجتمع لا يشجع على الاندماج فيه وإنما يشجع على الفصل بين الأديان والألوان والأجناس. ولذا، نجد أن مناهج المدارس الحكومية ذات توجُّه ديني مسيحي وعنصري أبيض. وقد تبنَّى أعضاء الجماعات اليهودية هذه الصيغة، فأُسِّس مجلس للتعليم اليهودي في كل من جوهانسبرج وكيب تاون بهدف تطوير نظام خاص للتعليم اليهودي المستقل. وتم تأسيس أول مدرسة يوم كامل يهودية عام ١٩٤٨.
ويقدِّم أعضاء الجماعة اليهودية في جنوب أفريقيا دعماً سخياً لشبكة مدارس اليوم الكامل التي زاد عددها من ١٧ مدرسة في عام ١٩٦٨ تضم ٥.٦٣٢ طالباً، إلى ٩٢ مدرسة تضم ١٣.٣٩٨ طالباً أو ٨٥% من إجمالي الطلاب في المدارس اليهودية في بداية الثمانينيات. كما كان ٥٣% من الأولاد اليهود في الفئة العمرية ٣ ـ ١٧ سنة مسجلين في مدارس اليوم الكامل في بدايات الثمانينيات. وبلغت نسبة الأطفال اليهود من الفئة العمرية ٣ ـ ١٧ سنة المسجلين في جميع المدارس اليهودية ٤٦%
وإلى جانب مدارس اليوم الكامل، هناك مدارس توفر دروساً صباحية أو مسائية للأطفال، ومدارس عبرية مسائية أرثوذكسية، ومدارس مسائية عبرية إصلاحية. كما تُوجَد في جوهانسبرج مدرسة دينية عليا أرثوذكسية وأخرى يديشية.
стр. 3829
وهناك علاقة وثيقة بين جنوب أفريقيا وإسرائيل في المجال التعليمي، فمعهد تدريب مدرسي العبرية الذي تأسَّس عام ١٩٤٤ يرسل خريجيه لقضاء فترة عام من الدراسة الإضافية في إسرائيل. كما أن هناك برنامجاً لإرسال طلاب مدارس اليوم الكامل الثانوية إلى إسرائيل لتَعلُّم العبرية. كذلك يُلاحَظ أن المدرسين الإسرائيليين يعوضون نقص المدرسين الذي تعاني منه مدارس الجماعة اليهودية. وتقدِّم إسرائيل منحاً دراسية سخية لطلاب جنوب أفريقيا على أمل تشجيعهم على الاستيطان فيها.
ويُلاحَظ تناقُص أعداد الطلبة من أعضاء الجماعة اليهودية في مدارس اليوم الكامل لعدة أسباب، منها تزايُد معدلات الاندماج، إذ يصنَّف اليهود باعتبارهم بيضاً. ومما يجدر ذكره هنا أن الطلبة عادةً ما يتركون مدارس الجماعة اليهودية ليلتحقوا بالمدارس الإنجليزية (لا الهولندية) ، فالتوجُّه الثقافي العام ليهود جنوب أفريقيا أنجلو ساكسوني، ولا توجد سوى قلة صغيرة تتحدث الهولندية. وقد أدَّى تزايد هجرة يهود جنوب أفريقيا إلى الولايات المتحدة وإنجلترا وإسرائيل إلى تناقص أعداد الطلبة.
يانوس كورساك (١٨٧٨-١٩٤١ (
Janus Korzak
تربوي ومؤلف وأخصائي اجتماعي بولندي. وُلد لأسرة يهودية بولندية ثرية مندمجة من سكان وارسو. تلقى تعليمه ليعمل في الطب إلا أن اهتمامه بالفقراء جعله يترك مهنة الطب ويتطوع في معسكر صيفي للأطفال المحرومين.
стр. 3830
أبدى كورساك اهتماماً بالأطفال وبالذات الفقراء منهم، فقدَّم في أول كتبه، أطفال الشوارع (١٩٠١) ، وصفاً للمعاناة المخيفة التي يعاني منها الأطفال الأيتام الذين لا مأوى لهم في المدن حيث يعيشون بذكائهم ويسرقون ليطعموا أنفسهم، وهم رغم هذا مازالوا قادرين على التفرقة بين الصواب والخطأ. أما كتابه الآخر طفل الصالون (١٩٠٦) ، فيُعطي صورة مخالفة لطفل الطبقة الوسطى المدلل الذي تعتمد حياته على النقود. وقد أثارت كتاباته كثيراً من النقد وبالذات من جانب العناصر الرجعية.
في عام ١٩١١، ترأس كورساك ملجأ للأطفال الأيتام اليهود في وارسو واستمر في هذه الوظيفة إلى آخر أيام حياته، باستثناء فترة الحرب العالمية الأولى حيث خدم كضابط طبيب في الجيش البولندي. اتبع كورساك طريقة حديثة في إدارة المعهد حيث منح الأطفال فرصة إصدار جريدة خاصة بهم أُطلق عليها مجلة الصغار، وظهرت هذه المجلة كملحق أسبوعي لإحدى الجرائد الصهيونية. وقد أدَّى نجاح كورساك في إدارة الملجأ إلى استعانة السلطات البولندية به لتأسيس ملجأ مشابه للأطفال غير اليهود في وارسو.
عمل كورساك أيضاً كموظف مسئول عن ملاحظة الأفراد الموضوعين تحت الاختبار من جانب القضاء، وكمحاضر في الجامعة البولندية الحرة وفي معهد تدريب المعلمين اليهود. كما عمل كمذيع في الإذاعة لموضوعات لها علاقة بالأطفال والكبار.
ونتيجةً لخدمته في مجال التربية ومعاملة الأطفال، قام كورساك بنشر بعض الأعمال التي توضح كيفية التعامل مع الطفل، مثل: كيف تحب الطفل (١٩٢٠ ـ ١٩٢١) ، وحق الطفل في الاحترام (١٩٢٩) . كما ألَّف بعض قصص الأطفال.
стр. 3831
ولا يوجد بُعْد يهودي واضح أو كامن في كتابات كورساك، فهو تربوي بولندي حديث يتعامل مع المشكلات التربوية في بلده، وإذا كان هناك مضمون يهودي في بعض كتبه وقصصه، فإن المنظور العام فيها يظل منظوراً بولندياً لا يختلف كورساك فيه عن المثقفين البولنديين الذين تناول بعضهم الموضوع اليهودي باعتبار أن اليهود كانوا يشكلون أقلية كبيرة في بولندا. وقد قام كورساك بزيارة فلسطين مرتين: مرة عام ١٩٣٤، وأخرى عام ١٩٣٦. وأمضى بعض الوقت في كيبوتس عين هارود وأبدى إعجابه بالفلسفة الاجتماعية والتربوية التي قامت عليها حركة الكيبوتس، وهو في هذا لا يختلف كثيراً عن المثقفين الغربيين الذين ينزعون التجربة الصهيونية عن سياقها الاجتماعي والتاريخي الاستيطاني الإحلالي ثم يجعلونها موضع إعجابهم العميق. وقد أُرسل كورساك إلى أفران الغاز عام ١٩٤٢، شأنه في هذا شأن الألوف من مثقفي بولندا ونخبتها والملايين من سكانها، حيث قرر النظام النازي القضاء عليهم لتخفيف الكثافة السكانية في المجال الحيوي لألمانيا، وتحويل الشعب البولندي إلى مادة بشرية طيعة يمكن تسخيرها في خدمة الدولة القومية المركزية في ألمانيا.
أبراهام فلكسنر (١٨٦٦-١٩٥٩ (
Abraham Flexner
стр. 3832
عالم وتربوي أمريكي يهودي وُلد في مدينة لوي فيل بولاية كنتاكي عام ١٨٦٦، والتحق بجامعة جونز هوبكنز حيث درس الأدب الإغريقي والروماني وتخرَّج فيها عام ١٨٨٦، وقام بتدريس اللغة اللاتينية واليونانية من عام ١٨٨٦ إلى عام ١٨٩٠ في مدرسة لوي فيل الثانوية. وفي عام ١٨٩١، أسس فلكسنر مدرسة ثانوية خاصة تُعد الطالب للدراسة الجامعية أطلق عليها مدرسة «الأستاذ فلكسنر» . واتبعت هذه المدرسة الطريقة الفردية في التعليم التي حققت نجاحاً مالياً وتربوياً. إلا أنه، بعد التدريس فيها مدة خمسة عشر عاماً، تركها والتحق بجامعة هارفارد لمدة عام (١٩٠٥ - ١٩٠٦) ، ثم التحق بعد ذلك بجامعة برلين (١٩٠٦ - ١٩٠٧) حيث درس علم النفس والفلسفة والتربية. وأثناء دراسته في برلين، وقع فلكسنر تحت تأثير الفيلسوف والمربي ومؤرخ التعليم العالي الألماني فردريك بولسن.
وفي عام ١٩٠٨، صدر لفلكسنر كتاب الكلية الأمريكية وهو عرض موجز ونقدي للتعليم العالي في الولايات المتحدة. ولم يؤد هذا الكتاب إلى أية إصلاحات مباشرة للتعليم العالي إلا أنه أثار اهتمام هنري س. بريشت، رئيس مؤسسة كارنجي لتحسين التعليم، الذي كلفه بإجراء دراسة على كليات الطب في الولايات المتحدة. وقام فلكسنر بإجراء مسح لجميع كليات الطب في الولايات المتحدة وكندا والبالغ عددها ١٥٤ كلية، منها سبعة في كندا قام بمسحها من حيث شروط الالتحاق ومؤهلات أعضاء التدريس (والميزانية المخصَّصة لهم) ونوعية المعامل الموجودة فيها ومدى كفايتها وعلاقة هذه الكليات بالمستشفيات. وظهرت نتيجة هذه الدراسة في تقرير عام ١٩١٠ بعنوان تعليم الطب في الولايات المتحدة وكندا. وأدَّت هذه الدراسة إلى إصلاحات جوهرية في تعليم الطب بالولايات المتحدة. وأعقب فلكسنر هذه الدراسة بدراسة تحليلية نقدية عن تعليم الطب في أوربا نُشرت بعنوان تعليم الطب في أوربا (١٩١٢) . كما صدر لفلكسنر دراسة أخرى مهمة عن البغاء في أوربا (١٩١٤) .
стр. 3833
وكعضو وسكرتير للهيئة العامة للتعليم بين عامي ١٩١٢ و١٩٢٨، قام فلكسنر بدراسات عن التعليم في الولايات المتحدة بالاشتراك مع ف. ب. باكمان، فصدر لهما كتاب عن التعليم العام في ولاية مريلاند (١٩١٦) ، ومدارس جاري (١٩١٨) . أما كتاب الكلية الحديثة (١٩٢٧) ، فحوى كثيراً من أفكار واقتراحات إصلاح التعليم الثانوي والعالي. وفي كتاب الجامعات: الأمريكية والإنجليزية والألمانية (١٩٣٠) ، يُوجِّه فلكسنر نقداً شديداً للاتجاه الوظيفي في مؤسسات التعليم العالي في أمريكا. أما آخر منجزاته التربوية فكان تأسيس وتنظيم المعهد العالي للدراسات العليا في برينستون. ومن مؤلفاته الأخرى: هل يُقدِّر الأمريكيون التعليم حق قدره (١٩٢٧) ، وسيرة حياة هنري بريشت (١٩٤٣) ، ودانيل كويت جيلمان: مؤسس الجامعة ذات الطابع الأمريكي (١٩٤٦) ، والاعتمادات المالية والمؤسسات (١٩٥٢) ، وكتاب سيرة ذاتية بعنوان أتذكر وقد أُعيد نشره بعد وفاته بعنوان أبراهام فلكسنر: سيرة حياة (١٩٦٢ (.
ولا يمكن القول بأن فلكسنر صاحب نظرية تربوية أصيلة، كما أن انتماءه اليهودي لا يتبدَّى لا في سيرة حياته ولا في كتاباته النظرية ولا ممارساته العملية.
إسحق بركسون (١٨٩١-١٩٧٥)
Isaac Berkson
стр. 3834
تربوي أمريكي يهودي وُلد في مدينة نيويورك، وبدأ عمله في مجال التعليم كمدير للمعهد اليهودي المركزي في نيويورك عام ١٩١٧. وفيما بين عامي ١٩١٨ و١٩٢٧، أشرف على مدارس وبرامج الخدمة العامة التابعة لمكتب التعليم اليهودي لمدينة نيويورك. وفي عام ١٩٢٧، قام بتدريس مادة التربية في المعهد الديني اليهودي الذي أُدمج فيما بعد مع كلية الاتحاد العبري. وفي العام نفسه، تلقى دعوة للقيام بعمل مسح شامل للمدارس اليهودية في فلسطين. وبعد أن أنهى المسح، مكث هناك حتى عام ١٩٣٥ كمراقب لنظام التعليم اليهودي، ثم عاد إلى الولايات المتحدة. وفي عام ١٩٣٨، قام بتدريس مادة فلسفة التربية في كلية مدينة نيويورك وعُيِّن أستاذاً بها عام ١٩٥٥.
стр. 3835
يُعَدُّ بركسون من أتباع التربية التقدمية التي نادى بها كلٌّ من جون ديوي وكيلباتريك، إلا أن تقبُّله الفلسفة البرجماتية كان جزئياً. ويُعتبَر كتابه نظريات في الأمركة: دراسة نقدية مع الإشارة إلى الجماعة اليهودية بالذات (١٩٢٠) تعليقاً مهماً على نظرية التعددية الثقافية الأمريكية. وفي كتاب المثال والجماعة (١٩٥٨) ، يطرح بركسون نظرية الجماعة كوسيلة لمعالجة المشاكل الخاصة بالتعليم اليهودي. وتذهب نظريته هذه إلى القول بأن الجماعات اليهودية المختلفة في العالم تُكوِّن جماعة يسرائيل التي تملك ميراثاً من القيم الثقافية والاجتماعية والروحية الخاصة، ومن ثم فإن الفرد اليهودي إذا أراد أن تنمو وتزدهر شخصيته فعليه أن يجمع بين ولائه لميراث جماعة يسرائيل (بما في ذلك دولة إسرائيل) وبين مشاركته في المثل العالمية التي تُعتبَر ميراثاً للبشرية. ويُعَدُّ هذا تعبيراً عن وجهة النظر التي تُسمَّى مركزية الدياسبورا، وهو إيمان أعضاء الجماعات اليهودية بأن ثمة شيئاً ما مشتركاً بينهم، وأن الدولة الصهيونية لها أهمية خاصة ولكن أهميتها لا تضعها في المركز إذ تظل الجماعات اليهودية بكل تنوعها هي المركز، ومن ثم يجب الحفاظ على الهويات اليهودية المختلفة.
ولبركسون مجموعة أخرى من الأعمال تشمل مقدمة لفلسفة تربوية (١٩٤٠) ، والتربية تواجه المستقبل (١٩٤٣) ، والأخلاق والسياسة والتربية (١٩٦٨) .
إسرائيل شيفلر (١٩٢٣-)
Israel Scheffler
فيلسوف وتربوي أمريكي يهودي. وُلد في مدينة نيويورك عام ١٩٢٣، وبدأ حياته المهنية في جامعة هارفارد عام ١٩٥٢ ثم عُيِّن أستاذاً للتربية عام ١٩٦١.
стр. 3836
يُعتبَر شيفلر أحد رواد مدرسة التحليل الفلسفي في التربية، والتي تؤكد أهمية توضيح اللغة والأفكار الأساسية والصيغ المنطقية المستخدمة في التربية أكثر مما تحاول توليف رؤية تربوية كلية من المعتقدات المتاحة. ويُعتبَر كتابه لغة التربية (١٩٦٠) من الكتب الرائدة في هذا المجال، ففيه يحلل الأفكار التربوية من منظور مدى وضوحها والبراهين من منظور مدى صدقها. ومن أعماله الأخرى: الفلسفة والتربية (١٩٥٨) ، وتشريح البحث (١٩٦٣) ، وأحوال المعرفة (١٩٦٧) ، والعلم والذاتية (١٩٦٧) .
ولا يتناول شيفلر في كتاباته موضوعات يهودية، كما لا يُعَدُّ من قادة الفكر التربوي في الولايات المتحدة.
لورنس كرمين (١٩٢٥-)
Lawrence Kremin
تربوي أمريكي يهودي ومَرجع في التربية التقدمية. وُلد في نيويورك، وبدأ حياته المهنية كمدرس في كلية المعلمين بجامعة كولومبيا عام ١٩٤٩. واستمر في التدريس بها إلى أن عُيِّن أستاذاً عام ١٩٥٧. وفي عام ١٩٥٨، ترأس قسم الفلسفة والعلوم الاجتماعية فيها، وفي عام ١٩٦٧، ترأس الجمعية القومية لمدرسي كليات التربية ثم اختير نائباً لرئيس الأكاديمية القومية للتربية. نال جائزة بانكروفت للتاريخ الأمريكي عن كتابه تحوُّل المدرسة: التقدمية في التربية الأمريكية ١٨٧٦ ـ ١٩٥٧، وهي دراسة تمت فيها متابعة حركة التربية التقدمية في الولايات المتحدة.
ولكرمين مؤلفات أخرى مهمة منها: المدرسة الأمريكية العامة: رؤية تاريخية (١٩٥١) ، والجمهورية والمدرسة: هوراس مان وتربية الرجال الأحرار (١٩٥٧) ، وعبقرية التربية الأمريكية (١٩٦٥) .
ولا يُعَدُّ كرمين من كبار التربويين الأمريكيين أو من أهمهم، وليست له إسهامات أصيلة في حقل التربية، كما لا تتناول كتاباته التربوية موضوعات يهودية.
جامعة يشيفا
Yeshiva University
стр. 3837
جامعة أمريكية يهودية في نيويورك، تأسست باندماج معهدين علميين دينيين يهوديين عام ١٩١٥ وانضمام كلية يشيفاه إليهما عام ١٩٢٨. وسُمِّيت باسمها الحالي عام ١٩٤٥. ويزيد عدد الطلاب فيها على ستة آلاف، وتمنح الجامعة درجات في الدراسات الجامعية والعليا. وهي تضم كلية لاهوتية ومعهداً لإعداد المدرسين، وكلية للدراسات العليا، وكلية للدراسات اليهودية العليا، وكلية تربية، وكلية خدمة اجتماعية، ومعاهد للرياضيات، ومعهداً لإعداد المنشدين، وكلية طب ملحق بها مركز نفسي ومركز للخدمات التربوية ومكتبة ضخمة. وتنشر الجامعة عدة دوريات يهودية متخصِّصة، وهي أهم مؤسسة تعليمية لليهودية الأرثوذكسية في الولايات المتحدة.
جامعة برانديز
Brandeis University
стр. 3838
مؤسسة تعليمية أمريكية يهودية أسسها أعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة، وسُمِّيت باسم الزعيم الصهيوني القاضي برانديز. وتقع الجامعة في ولاية ماساشوستس، ولا يختلف تركيبها وبنيتها وأقسامها ومواد الدراسة فيها عن أية جامعة أمريكية أخرى. ويتفاوت مستوى الدراسة فيها من قسم إلى آخر، كما هو الحال مع معظم الجامعات الأمريكية. وهي جامعة مُعتَرف بها، ويوجد بها قسم للدراسات اليهودية. ويستطيع طلبة الليسانس بها أن يقضوا سنة من دراستهم في إسرائيل. ويتبع الجامعة معهد دراسات الشرق الأوسط في إسرائيل. ولا تختلف جامعة برانديز في هذا عن الجامعات الأمريكية الأخرى التي لها علاقة بإسرائيل. وتوجد في جامعة برانديز كنيسة بروتستانتية وأخرى كاثوليكية، ومعبد يهودي، وهي في هذا لا تختلف أيضاً عن عشرات الجامعات الأمريكية الأخرى. ولعل العنصر اليهودي الوحيد في هذه الجامعة أنها سُمِّيت باسم أحد مشاهير اليهود في الولايات المتحدة، وأن عدد الطلبة اليهود فيها كبير، وأن تمويلها يهودي أساساً. وبالتالي، فهي «مصدر فخر» لليهود الجدد في الولايات المتحدة إذ يعتبرونها مكاناً يمكنهم «استضافة أعضاء الديانات الأخرى فيه» (وهذه هي المصطلحات المستخدمة في أدبيات الجامعة وفي الكتيبات الصادرة عنها) . وتختلف جامعة برانديز تمام الاختلاف عن جامعة يشيفاه، إذ أن هذه الأخيرة جامعة دينية يهودية ذات هوية أرثوذكسية.
جامعة اليهودية
University of Judaism
مؤسسة تربوية يهودية في لوس أنجلوس (كاليفورنيا) ، أُسِّست عام ١٩٤٧ كمدرسة معلمين وكمدرسة يستطيع فيها الكبار أن يستمروا في حقل الدراسات اليهودية، ثم أصبحت هذه المدرسة جامعة مستقلة لها مجلس أمناء خاص بها، وهي تقوم بجمع التبرعات، وتضم الآن أربع كليات تمنح درجات جامعية:
стр. 3839
١ ـ لي كوليج Lee College. وهي كلية عادية تُعد طلابها لإحدى المهن، وتتضمن مناهجها دراسات في الحضارة الغربية وما يُسمَّى «التراث اليهودي» .
٢ ـ مدرسة ديفيد لَيبر للدراسات العليا David Lieber School of Graduate Studies، وتمنح شهادة في إدارة الأعمال، وتُعطي بعض المقررات ذات الطبيعة اليهودية مثل «كيفية إدارة التنظيمات اليهودية» . كما تمنح الكلية أيضاً درجة الماجستير في التربية والدراسات اليهودية والأدب الحاخامي.
٣ ـ مدرسة فنجرهات للتربية Fingerhat School of Education. وتُعد يهوداً تربويين محترفين للاشتراك في برامج الدراسات اليهودية ولتنظيم المقررات والبحوث اليهودية.
٤ ـ مركز كليجان للوسائل التعليمية Clejan Educational Resources Center. وتوجد فيه شبكة كومبيوتر ووسائل سمعية وبصرية. وتقع الجامعة في جبال سانت مونيكا في لوس أنجلوس في الولايات المتحدة.
كلال (المركز القومي اليهودي للتعليم والقيادة)
Clal (The National Jewish Center for Learnig and Leadership)
стр. 3840
«كلال» ، أي «المركز القومي اليهودي للتعليم والقيادة» ، هو مركز أمريكي يهودي أسَّسه عام ١٩٧٤ كلٌّ من الحاخام إرفنج جرينبرج، وإيلي فايزل، والحاخام ستيفن شو ومقره نيويورك. واسم المركز «كلال» مأخوذ من عبارة «كلال إسرائيل» التي تعني «الجماعة اليهودية التي لا تتجزأ» . والهدف الأساسي للمركز تنمية الحوار اليهودي، ومحاولة التقريب بين التيارات والحركات العقائدية المتباينة داخل الجماعة اليهودية، سواء أكانت أرثوذكسية أو محافظة أو إصلاحية أو تجديدية، وكذلك التغلب على الاختلافات السياسية والأيديولوجية والاجتماعية التي تعمل على تفتيت أعضاء الجماعة اليهودية. ويقدم كلال عدداً من البرامج الموجَّهة للقيادات اليهودية أو العناصر التي تمتلك إمكانيات قيادية سواء من رجال الدين أو الأكاديميين أو أعضاء الجماعة المتميِّزين. وتهتم هذه البرامج بما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» و «الثقافة اليهودية» ، وبتنمية وعي حقيقي بهما، كما تهتم بالديانة اليهودية، وبتعزيز عوامل الوحدة داخل الجماعة اليهودية وتعميق مشاعر الانتماء إليها.
وتشمل برامج كلال:
ـ برنامج شامور Shamor لتعليم القيادات اليهودية. ويتم البرنامج بالتنسيق مع الاتحادات والوكالات اليهودية. وتُقام في إطار هذا البرنامج حلقات دراسية ولقاءات أسبوعية في أكثر من خمسين تجمعاً يهودياً في الولايات المتحدة وكندا.
ـ برنامج شيفرا Chevra. وهو مخصَّص لرجال الدين من الفرق اليهودية الأربع وللأكاديميين من اليهود، وتتم فيه مناقشة ودراسة القضايا المختلفة التي تشكل عوامل انقسام وفرقة بين أعضاء الجماعة.
ـ زاكور Zachor، أو مركز أبحاث الإبادة. وهو مخصَّص لإحياء ذكرى الإبادة النازية، وقد اشترك هذا المركز في تأسيس مجلس الولايات المتحدة التذكاري للإبادة النازية.
стр. 3841
ويصدر مركز كلال في مدينة نيويورك بعض الدراسات المتصلة بالأعمال الخيرية والإثنية. وفي عام ١٩٨٣، اندمج هذا المركز مع معهد التجربة اليهودية.
معهد الشئون اليهودية
Institute of Jewish Affairs
معهد الدراسات اليهودية مركز بحوث متخصص في الشئون اليهودية أسسه المؤتمر اليهودي العالمي في نيويورك عام ١٩٤١، وانتقل إلى لندن عام ١٩٦٦. وقد لعب المعهد دوراً مهماً في إعداد الأوراق والوثائق اللازمة لتعويض ضحايا النازية من اليهود، ولمحاكمة مجرمي الحرب من النازيين. ويرصد المعهد كل الاتجاهات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تؤثر في الجماعات اليهودية في العالم وفي إسرائيل. وتوجد به وحدة لدراسة ظاهرة معاداة اليهود واتجاهاتها، وهي تقوم بجمع المعلومات من خلال الجماعات اليهودية في العالم. وتضم مكتبة المعهد ١٧.٥٠٠ مجلد ومجموعة من أهم الدوريات، ويضم الأرشيف وثائق وقصاصات صحف تغطي الأعوام الثلاثين الماضية. وينظم المعهد مؤتمرات علمية وحلقات دراسية ومحاضرات، ويقوم كذلك بنشر كتب تضم وقائع هذه المؤتمرات والمحاضرات. كما ينشر المركز سلسلة من التقارير التي تتناول الموضوعات التي تهم يهود العالم.
وينشر المعهد عدة مجلات من بينها:
١ ـ باترنز أوف برجيدس (أنماط التحيز (Patterns of Prejudice.
٢ ـ سوفييت جويش أفيرز (شئون اليهود السوفييت (Soviet Jewish Affairs.
٣ ـ كريستيان جويش رليشنز (العلاقات اليهودية المسيحية (Christian Jewish Relations.
الأكاديمية الأمريكية للبحوث اليهودية
American Academy for Jewish Research
стр. 3842
الأكاديمية الأمريكية للبحوث اليهودية منظمة من العلماء والحاخامات والمهتمين من غير المتخصصين في الشئون والدراسات اليهودية. تأسَّست عام ١٩٢٠ في ولاية مريلاند بالولايات المتحدة الأمريكية. وتقوم الأكاديمية بعقد لقاءات عامة بصفة دورية لقراءة ومناقشة الأوراق العلمية، والمشاركة في المشاريع العلمية المشتركة، ولإصدار الأعمال العلمية، ولإقامة علاقات تعاون وعمل مع مجموعات أخرى ذات اهتمامات وأهداف مماثلة. وتعقد الأكاديمية اجتماعاً سنوياً آخر يقدم فيه الأعضاء نتائج أعمالهم وأبحاثهم، والتي تصدر فيما بعد في المجلة السنوية للأكاديمية بروسيدنجز Proceedings التي تأسَّست عام ١٩٣٠، وتقوم الأكاديمية كذلك بتمويل إصدار بعض الطبعات ذات الرؤية النقدية للنصوص الدينية اليهودية المهمة. كما تقدم منحاً عديدة للعلماء الشبان الواعدين في حقل الدراسات اليهودية.
أهم مراكز ومعاهد البحوث والمكتبات المعنية بشئون أعضاء الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة وإنجلترا وفرنسا
Leading Research Centers, Research Institutes and Libraries of the Jewish Communities in the U.S.A., England and France
١ ـ الولايات المتحدة الأمريكية:
ـ الجمعية اليهودية الأمريكية: وتأسَّست عام ١٨٩٢ في نيويورك بهدف جمع (والحفاظ على) السجلات الخاصة بالجماعة اليهودية في الولايات المتحدة ومقرها منذ عام ١٩٦٨ جامعة برانديز في ولاية ماساشوستس.
ـ الأكاديمية الأمريكية للبحوث اليهودية: وتأسَّست عام ١٩٢٠ في ولاية ميريلاند، وهي منظمة من المفكرين والحاخامات والمهتمين بالشئون اليهودية.
стр. 3843
ـ معهد ليو بايك: منظمة مجلس يهود ألمانيا. وتأسَّست عام ١٩٥٥ في القدس بغرض جمع مواد (والإشراف على) الأبحاث الخاصة بتاريخ الجماعة اليهودية في ألمانيا وغيرها من الدولة الناطقة بالألمانية. وهي تهتم بالفترة التي تبدأ بالانعتاق وتنتهي بإبادة الجماعات اليهودية في وسط أوربا، ولها أفرع في القدس ولندن ونيويورك.
ـ معهد ييفو للبحوث اليهودية. المنظمة الرئيسية في العالم التي تُجري أبحاثاً باللغة اليديشية: وتأسَّست عام ١٩٢٥ وظل مقرها الرئيسي في فلنا حتى عام ١٩٣٥، وانتقل فيما بعد إلى مدينة نيويورك (مقرها الرئيسي الآن) . وقد اهتمت هذه المنظمة بشكل خاص بيهود اليديشية وبجمع ودراسة تراثهم. ومع هجرتهم إلى الدول الاستيطانية، اتسع اهتمامها بدراسة مشاكل التكيف الثقافي لهم في مجتمعاتهم الجديدة. ومع تضاؤل عدد المتحدثين باليديشية في الولايات المتحدة، أصبح استخدام الإنجليزية أكثر انتشاراً في أعمال المعهد.
وهناك العديد من المكتبات اليهودية في المعاهد والكليات اليهودية، بالإضافة إلى وجود أعداد كبيرة من المجلدات اليهودية في المكتبات العامة والجامعات الأمريكية، ومن أهمها:
ـ مكتبة معهد ييفو للبحوث اليهودية، وتضم ٣٠٠ ألف مجلد في الموضوعات اليهودية وأكثر من مليوني مستند أرشيفي، ومقرها نيويورك.
ـ مكتبة كلية اللاهوت اليهودية في أمريكا، وتضم ٢٢٠ ألف مجلد و٦ آلاف مخطوط، ومقرها نيويورك.
ـ مكتبة المعهد الديني لكلية الاتحاد العبري في سنسيناتي، ويضم ٢٠ ألف مجلد، كما يضم قسم الموسيقى التابع له في نيويورك ٥٠ ألف مجلد.
ـ مكتبة نيويورك العامة، وتضم ١٢٥ ألف مجلد من الكتب في الموضوعات اليهودية والعبرية.
стр. 3844
ـ كما توجد أربع مكتبات يهودية مهمة في لوس أنجلوس، بالإضافة إلى مجموعة المراجع المعنية بالشئون اليهودية في جامعة كاليفورنيا (فرع لوس أنجلوس) ، والتي تضم ٢٠٠ ألف مجلد. وهناك أيضاً مجموعة من الكتب والمجلدات اليهودية في جامعة هارفارد.
٢ - إنجلترا:
ـ معهد الدراسات اليهودية. وهو من أهم المعاهد المتخصِّصة في الشئون اليهودية على مستوى العالم، ومقره لندن. وهو مرتبط بالمؤتمر اليهودي العالمي، وينشر عدداً من الكتب والدوريات، وينظم محاضرات وحلقات دراسية ومؤتمرات.
ـ الجمعية اليهودية التاريخية) تأسست عام ١٨٩٣ (.
ـ جمعية الدراسات اليهودية.
وتوجد العديد من المكتبات المتخصِّصة في الشئون اليهودية، من أهمها:
ـ مكتبة موكاتا في يونفيرستي كوليج في لندن.
ـ مكتبة فينر، وهي متخصصة في النازية والإبادة ومقرها لندن، وكانت قد تأسَّست عام ١٩٣٤ في أمستردام.
ـ مكتبة كلية اليهود ومقرها لندن.
ـ مكتبة معهد الدراسات اليهودية في لندن. وهي متخصصة في الشئون اليهودية المعاصرة.
ـ القسم العبري للمكتبة البريطانية. ويضم إحدى أهم مجموعات الكتب العبرية في العالم.
ـ مكتبة باركس في جامعة ساوث هامبتون. وهي متخصصة في موضوع واحد فقط هو معاداة اليهود.
ـ كما ينظم مجلس الكتاب اليهودي سنوياً «أسبوع الكتاب اليهودي» .
٣ ـ فرنسا:
ـ مركز التوثيق اليهودي المعاصر. وهو متخصِّص في البحوث الخاصة بفترة الإبادة في فرنسا، كما يضم مكتبة وأرشيفاً، ومقره باريس.
ـ مركز الدراسات والبحوث حول مسألة المعاداة المعاصرة لليهود، واختصاره سيراك CERAC. وهو مرتبط بمركز الدراسات اليهودية في لندن ومتخصص في دراسة أنماط معاداة اليهود في الوقت الحاضر.
ـ مركز المعلومات والتوثيق بشأن إسرائيل والشرق الأوسط، وهو متخصص في توفير المعلومات عن إسرائيل والشرق الأوسط.
ومن أهم المكتبات في باريس:
стр. 3845
ـ مكتبة الأليانس إسرائيليت يونيفرسل. وهي أهم مكتبة متخصصة في الشئون اليهودية في أوربا.
ـ مكتبة ميديم اليديشية.
ـ مكتبة المعهد الديني اليهودي في فرنسا.
كما يضم المجلس الكنسي المركزي، والمجلس الكنسي لباريس والأليانس إسرائيليت يونيفرسل، مجموعات أرشيفية. وينظم قسم تعليم الشباب اليهودي ديس (DESS) أسبوعاً للكتاب اليهودي كل عام. والله أعلم.
стр. 3846
المجلد الرابع: الجماعات اليهودية.. تواريخ
الجزء الأول: تواريخ الجماعات اليهودية في العالم القديم
الباب الأول: إشكالية التاريخ اليهودي
تاريخ يهودي أم تواريخ جماعات يهودية؟
Jewish History or Histories of the Jewish Communities
«التاريخ اليهودي» مصطلح يتواتر في الكتابات الصهيونية والغربية، وفي الكتابات العربية المتأثرة بها. وهو مصطلح يفترض وجود تاريخ يهودي مستقل عن تواريخ الشعوب والأمم كافة، كما يفترض أن هذا التاريخ له مراحله التاريخية وفتراته المستقلة ومعدل تطوُّره الخاص، بل وقوانينه الخاصة. وهو تاريخ يضم اليهود وحدهم، يتفاعلون داخله مع عدة عناصر مقصورة عليهم، من أهمها دينهم وبعض الأشكال الاجتماعية الفريدة. ومفهوم التاريخ اليهودي مفهوم محوري تتفرع منه وتستند إليه مفاهيم الاستقلال اليهودي الأخرى ومعظم النماذج التي تُستخدَم لرصد وتفسير سلوك وواقع أعضاء الجماعات اليهودية.
стр. 3847
يضرب المصطلح بجذوره في التشكيل الحضاري الغربي، سواء في جانبه الديني أو في جانبه الاقتصادي. لقد جاء في العهد القديم أن الخالق «اختار الشعب» . والاختيار يعني درجة من درجات الحلولية الكمونية الواحدية (إذ لماذا يختار الإله شعباً دون الشعوب الأخرى؟) . وقد تزايد الحلول والكمون الإلهي في الأمة إلى أن وصل الحلول إلى مرحلة وحدة الوجود فتوحَّد الإله والشعب وتاريخه وأرضه وأصبح هناك جوهر واحد للأمة والإله، لا يوجد الواحد منهما دون الآخر، ويتم على هذا النحو زوال ثنائية الخالق والمخلوق والإله والشعب (والمطلق والنسبي، والأزلي والزمني والمقدَّس والتاريخي) . ويصير تاريخ هذا الشعب محط عناية الاله، بل يصبح تجسيداً لفكرة مقدَّسة ومطلقة، فيتداخل المطلق والنسبي والمقدَّس والمدنَّس، وتصبح أية حادثة تقع لليهود ذات دلالة دينية عميقة. ومن هنا، فإن كتاب اليهود المقدَّس (العهد القديم) هو أيضاً سجل تاريخهم، حيث يتم تقديم العبرانيين وهم يخرجون من مصر تهديهم ذراع الإله القوية وتنقذهم من الغرق، ثم يُلحق بهم العذاب في الصحراء ولكنه يسدد خطاهم في غزوهم لأرض كنعان. ويعقد الإله معهم المواثيق، ويقبل منهم أفعالهم كافة الأخلاقية منها وغير الأخلاقية. ولهذا، أصبح تاريخ اليهودية هو نفسه تاريخ اليهود.
стр. 3848
وكما ورثت المسيحية العهد القديم وجعلت منه أحد كتبها المقدَّسة، كذلك ورثت الحضارة الغربية هذه الرؤية. ولذا، فإن الإنسان الغربي يعتبر اليهود ورثة العبرانيين القدامى؛ ويراهم في عزلتهم لا يزالون مستمرين في مسيرتهم في الصحراء، نحو كنعان عبر التاريخ الإنساني بأسره وفي كل أرجاء العالم. وقد تبدَّى ذلك في المفهوم الكاثوليكي للشعب الشاهد الذي يقف على حافة التاريخ، شاهداً على عظمة الكنيسة. كما يتبدَّى في المفاهيم الاسترجاعية البروتستانتية التي تجعل من عودة اليهود إلى صهيون في نهاية التاريخ شرطاً لعملية الخلاص وشرطاً لتأسيس الفردوس الأرضي. وقد تمت علمنة هذا المفهوم في العصر الحديث، فتحول اليهود من شعب يهودي مقدَّس له تاريخ يهودي مقدَّس إلى الشعب اليهودي المستقل صاحب التاريخ اليهودي الفريد. وهذه كلها مفاهيم تفترض عزلة اليهود، كما تفترض أن لهم وجوداً وتاريخاً مستقلين.
ومما دعم إحساس الإنسان الغربي بوجود تاريخ يهودي مستقل، اضطلاع اليهود بدور الجماعة الوظيفية (المالية أوالاستيطانية) في المجتمعات الغربية. ومثل هذه الجماعات يتم عزلها عن بقية المجتمع حتى تبدو وكأنها خاضعة لآليات وحركيات تاريخية مستقلة، مع أنها في واقع الأمر جزء لا يتجزأ من المجتمع، وخاضعة للآليات والحركيات التاريخية نفسها التي يخضع لها هذا المجتمع، تصعد بصعوده وتهبط بهبوطه رغم استقلالها النسبي. وقد ظل دور الجماعة الوظيفية حكراً تقريباً على الجماعات اليهودية في العالم الغربي، وذلك على عكس الحضارات الشرقية حيث اضطلعت جماعات إثنية ودينية مختلفة، من بينها اليهود، بدور الجماعة الوظيفية.
стр. 3849
وغني عن الذكر أن مفهوم التاريخ اليهودي مفهوم محوري في الفكر الغربي وفي إدراك الإنسان الغربي لليهود. لكن المقدرة التفسيرية لهذا المفهوم ضعيفة إلى أقصى حد، فهو مفهوم اختزالي بسيط إلى أقصى حد. والإيمان بنموذج التاريخ اليهودي المستقل له نتائجه السلبية لا من الناحية المعرفية وحسب، وإنما من الناحية الإنسانية والأخلاقية كذلك.
أما من الناحية المعرفية، فإننا نجد أن رصد واقع الجماعات اليهودية، وتفسيره من خلال نموذج التاريخ اليهودي يُبسِّط هذا الواقع ويختزله ويجعله تافهاً، كما أنه يُضخِّم جوانب ثانوية منه ويتجاهل عناصر أساسية فيه. إن استقلالية أي بناء تاريخي تعني استقلالىة أبنيته الاقتصادية والاجتماعية، وكذلك استقلالية الأبنية الحضارية والرمزية المرتبطة به، كما تعني تجانسها النسبي في كل مرحلة من مراحله. وكذلك فإن استقلالية أي بناء تاريخي تعني أن هذا البناء يضم جماعة من الناس لا وجود لها خارجه ولا يمكن فهم سلوكها إلا في إطار تفاعلها معه. ولكن من الثابت تاريخياً أن الجماعات اليهودية المنتشرة في العالم كانت تتَّسم بعدم التجانس وعدم الترابط وبأن أعضاءها كانوا يوجدون في مجتمعات مختلفة تسودها أنماط إنتاجية وأبنية حضارية اختلفت باختلاف الزمان والمكان. فيهود اليمن، في القرن التاسع عشر، كانوا يعيشون في مجتمع صحراوي قَبَلي عربي. أما يهود الولايات المتحدة في الفترة نفسها، فكانوا يعيشون في مجتمع حضري رأسمالى غربي. فإذا بحث المرء في العنصر المشترك بين يهود الىمن ويهود الولايات المتحدة، لوجد أنه هو الدين اليهودي وحسب، وهو عنصر واحد ضمن عناصر عديدة تحدد سلوك اليهودي. بل إن الأنساق الدينية اليهودية ذاتها، بسبب تركيب اليهودية الجيولوجي التراكمي وبسبب غياب سلطة مركزية دينية، تختلف اختلافاً حاداً وجوهرياً من حضارة إلى أخرى، ومن هنا نشأت قضية الهوية اليهودية. ولكل هذا، نجد أن سلوك اليهودي اليمني تحكمه
стр. 3850
عناصر البناء التاريخي العربي الذي يعيش فيه، تماماً كما تحكم سلوك يهود الولايات المتحدة مكونات البناء التاريخي الغربي والأمريكي. غير أن نموذج التاريخ اليهودي، بما يفترضه من وحدة وتجانس، يجعل المؤرخ يهمل كل عناصر عدم الوحدة وعدم التجانس التي تُشكِّل الجانب الأكبر في مكوِّنات واقع أعضاء الجماعات اليهودية، وهي عناصر نتصور أنها أهم من عناصر الوحدة والتجانس، ولها قيمة تفسيرية ورصدية أعلى.
ومن المعروف أن أعضاء الجماعات اليهودية لم يكونوا من صناع القرار في عصور التاريخ المختلفة، وخصوصاً في الغرب. فقد كانوا يقتربون أحياناً من أعضاء النخبة الحاكمة ومؤسسات صنع القرار باعتبارهم جماعة وظيفية، وكانوا يبتعدون عنها أحياناً أخرى. ولكن القرار ظل دائماً في يد هذه النخبة. ومما له دلالته أن أول تاريخ لأعضاء الجماعات اليهودية في العصر الحديث، والذي كتبه أسحق ماركس يوسط (١٧٩٣ ـ ١٨٦٠) ، بدأ بالعبارة التالية: «هل يمكن أن يُكتب تاريخ مستقل للعبيد؟» . والواقع أن الردّ بالنفي إن أراد المؤرخ أن ينظر إلى تاريخ العبيد خارج الإطار السياسي والاجتماعي والحضاري للمجتمعات التي يوجدون فيها، ذلك أن تاريخ العبيد ليس تاريخاً مستقلاً بل هو جزء من تاريخ المجتمع ككل. وما يهمنا هنا هو تأكيد أن الأحداث الكبرى التي تقع للجماعات اليهودية تكمن جذورها وأسبابها في مجتمع الأغلبية. ويمكن القول بأن نموذج التاريخ اليهودي المستقل يُوجِّه رؤية المؤرخ توجيهاً خاطئاً، إذ يذهب هذا النموذج إلى أن الأحداث التاريخية الكبرى التي قررت مصير الجماعات اليهودية (كظهور الدولة الآشورية أو ظهور الإمبريالية الغربية) تقع خارج نطاق هذا التاريخ اليهودي. وتصبح هذه الأحداث، رغم مركزيتها وقدرتها التفسيرية، أحداثاًً هامشية ذات أهمية ثانوية.
стр. 3851
إذا افترضنا جدلاً وجود تاريخ يهودي مستقل، فما أحداث هذا التاريخ؟ وهل تأتي الثورة الصناعية، مثلاً، ضمن أحداث هذا التاريخ، أم أنها حدث ينتمي إلى التاريخ الغربي؟ والواقع أننا نجد أن الثورة الصناعية حدث ضخم في التاريخ الغربي ترك أعمق الأثر في يهود العالم الغربي وأحدث انقلاباً في طرق حياتهم ورؤيتهم للكون في القرن التاسع عشر، أي بعد وقوعه بفترة وجيزة. لكننا نجد أيضاً أن هذا الانقلاب لم يحدث لهم باعتبارهم يهوداً وإنما باعتبارهم أقلية تُوجَد داخل التشكيل الحضاري الغربي. ومن هنا، فإننا نجد أن هذا الانقلاب في طرق الحياة والرؤية للعالم قد حدث أيضاً لأعضاء الأغلبية ولأعضاء الآليات الأخرى الموجودة داخل المجتمعات الغربية. وفي الوقت نفسه، لم يتأثر يهود العالم العربي بالثورة الصناعية بالدرجة نفسها وفي الوقت نفسه، ذلك لأن التشكيل الحضاري العربي كان بمنأى عن هذه الثورة الصناعية في بداية الأمر. لكن هذا التشكيل بدأ بعد حوالي قرن من الزمان يتأثر بالثورة الصناعية، وبالتالي فقد بدأ أثرها يمتد إلى معظم المجتمعات العربية بأغلبيتها وآلياتها. أما يهود إثيوبيا، مثلاً، فلم يتأثروا إلا بشكل سطحي، ذلك لأن التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية التي كانوا يعيشون في إطارها ظلت بمنأى عن تلك التحولات الكبرى التي ترتبت على أحداث الثورة الصناعية، بل بقيت هذه التشكيلة ذات طابع قَبَلي حتى وقتنا الحاضر. وبعبارة أخرى فإن الآثار المترتبة للثورة الصناعية في أعضاء الجماعات اليهودية هي مسألة تتعلق بأثر الثورة الصناعية في كل جماعة يهودية على حدة، وترتبط أشد الارتباط بآثار هذه الثورة في المجتمعات التي تعيش في كنفها هذه الجماعات اليهودية.
стр. 3852
وعلى هذا، فإن الإطار المرجعي للدراسة لا يمكن أن يكون التاريخ اليهودي. ولو أن الباحث جعل هذا التاريخ اليهودي مرجعاته لعجز حتماً عن تفسير كثير من عناصر التفاوت وعدم التجانس في هذا التاريخ، ولاضطر إلى ليّ عنق الحقائق ليفسر سبب تأثر يهود لندن بالثورة الصناعية فور حدوثها وعدم تأثر بعض يهود إثيوبيا بها حتى الآن! أو اضطر إلى تفسير أحداث هذا التاريخ اليهودي الوهمي من خلال عناصر ثانوية أو وهمية، مثل رغبات اليهود وتطلعاتهم وتماسكهم ومدى اضطهاد الآخرين لهم أو عطفهم عليهم. وإذا تأملنا الدراسات التي تفترض استقلالية التاريخ اليهودي فإننا سنجد عبارات مثل: «وكان بورش الأميني متسامحاً مع اليهود فأعادهم إلى بلادهم» أو «وتمت عدة هجمات ومذابح ضد اليهود عام ١٨٨٢ في روسيا القيصرية» أو «وبدأ اليهود يفكرون في تقليد الشعوب الأخرى لتصبح لهم حركتهم القومية ووطنهم القومي في فلسطين» ، وكل هذه العبارات تفترض أن الأحداث التي تقع لليهود تُفسَّر بالعودة إلى تاريخهم المستقل الافتراضي، وإلى رغباتهم وأحلامهم التي يبررها هذا التاريخ الافتراضي. ويتم تجاهل البناء الإداري للإمبراطورية الفارسية التي اعتمدت على الشعوب الموالية لها، أو أزمة الرأسمالية أو النظام القيصري في عام ١٨٨٢، أو ظهور الإمبريالية الغربية التي كانت تحل مشاكل أوربا عن طريق تصدير هذه المشاكل إلى الشرق، وبالتالي حاولت حل مسألتها اليهودية عن طريق إرسال إلى هود إلى الشرق. لكن عزل التجارب التاريخية للجماعات اليهودية عن سياقها التاريخي الإنساني العام يحوِّلها، في الحقيقة، إلى أجزاء من واقع يهودي عام واحد يمكن فرض أي معنى عليه. ولذا، فإن وقائع اضطهاد اليهود (كاضطهاد يهود فلسطين على يد الفرنجة أو اضطهاد يهود روسيا في أواخر القرن التاسع عشر بسبب التحديث المتعثر) بدلاً من أن تُدرَس من حيث هي وقائع يمكن تفسير كلٍّ منها في سياقها التاريخي المختلف، تصبح
стр. 3853
تعبيراً عن غربة شعب نُفيَ من بلده، ويصبح الاستيطان في فلسطين وطرد الفلسطينيين من بلادهم ليس جزءاً من التشكيل الاستعماري الغربي وإنما النهاية السعيدة لتجوال شعب بلا أرض ـ شعب افتراضي تجوَّل بسبب اضطهاد الجنس البشري له في كل زمان ومكان ـ وتصبح الدولة الصهيونية الحل الحتمي والوحيد لهذه المأساة.
وإذا ما تركنا الجانب المعرفي، سواء من ناحية الرصد أو من ناحية التفسير، وانتقلنا إلى الجانب الأخلاقي والإنساني، فإننا سنكتشف أن نموذج التاريخ اليهودي المستقل يفترض وجود جوهر يهودي كامن يشكل ما يشبه النمط الفكري الجاهز لكل الأشكال التاريخية التي عاش في إطارها أعضاء الجماعات. حيث يتجاوز هذا الجوهر كل التحولات ويصبغها بصبغته ويتحدى جميع القوانين التاريخية المعروفة ويتخذ اسم «الماضي اليهودي» أو «الاستمرار اليهودي» أو «روح اليهودية» أو «الشعب اليهودي الأزلي» أو «المستقبل اليهودي» ، وهذه جميعاً مطلقات علمانية تحل محل الإله الذي يوجه التاريخ اليهودي حسب الرؤىة الدينية الحلولية. ومن هنا، فإننا نذهب إلى القول بأن مفهوم التاريخ اليهودي (في إطاره العلماني العلمي) تعبير عن حلولي بدون إله حيث يصبح مسار هذا التاريخ هو التحقق التدريجي لهذا الجوهر الكامن وللروح اليهودية الدينية القومية. ويتم تفسير كل شيء على هذا الأساس، وتصبح مهمة المؤرخ هي البحث عن الجوهر اليهودي والروح اليهودية وكل ما يعبِّر عنهما، متجاهلاً كل التفاصيل الأخرى. كل هذا يجعل التاريخ اليهودي أمراً لا علاقة له بالواقع الإنساني الدنيوي: تاريخ يشبه البناء المصمت المنغلق على نفسه ويعبِّر عن نمط أو أنماط محددة متكررة لا تتعدى حدود تَجلّي الجوهر اليهودي المطلق. وهذا النمط يأخذ الشكل التالي: منفى ثم عودة؛ المنفى هو الحدث الذي يقع لليهود، والعودة هي الفعل الذي يأتون به، وهذا التاريخ يبدأ عادةً بالعبودية في مصر ثم يتم التغلغل في كنعاة والاستيلاء
стр. 3854
عليها وتأسيس المملكة العبرانية. ثم يتكرر النمط بالتهجير الآشوري والبابلي، تليه العودة من بابل حسب مرسوم بورش (الذي يؤسس الهيكل) ، ثم تأسيس الدولة الحشمونية. ثم يتكرر النمط مرة ثالثة بهدم الهيكل على يد تيتو وشتات اليهود وعجزهم بسبب عدم المشاركة في السلطة وغياب السيادة. وتصل حالة المنفى إلى قمتها في الإبادة النازية (الحدث الأكبر) ، ثم تبدأ العودة من خلال تأسيس الحركة الصهيونية ثم تأسيس الدولة الصهيونية (الفعل الأكبر) . ويلي ذلك تجميع المنفيين من كل البلاد، وهذا النمط يفترض دائماً نهاية (مشيحانية) للتاريخ تتوقف عندها الدورات ويختفي الجدل ويظهر الفردوس الأرضي.
ومثل هذا التصور للتاريخ، بأنماطه الهندسية المتكررة الرتيبة ونهايته القاطعة، لا يتنافى فقط مع الروح العلمية، وإنما يتنافى مع الروح الإنسانية كذلك. فهو يُسقط عن اليهودي صفة الإنسانية بإنكار تفاعله مع البيئة التي حوله، يتأثر بها ويؤثر فيها، شأنه في هذا شأن كل أعضاء الجماعات الآنية والدينية الأخرى. فالقوات الآشورية والبابلية لم تكتسح الدولتين العبرانيتين وحسب، بل اكتسحت معظم الطويلات الآرامية وغيرها. كما أن أزمة النظام القيصري لم تتسبب في مذابح لليهود وحسب، بل كانت لها آثار سلبية عميقة في قطاعات كثيرة من البورجوازية الروسية وفي جماهير الشعوب الإسلامية وغيرها. فنموذج التاريخ اليهودي يُسقط إنسانية اليهودي، ويخلع عليه هالة أسطورية لا تاريخية إذ تضعه خارج التاريخ الإنساني الفعلي.
стр. 3855
لكل ما تقدَّم، استبعدنا تماماً مصطلحات مثل: «التاريخ اليهودي» و «الماضي اليهودي» و «القَدَر اليهودي» و «المصير اليهودي» ، وكذلك سائر المصطلحات التي تفترض وحدة التاريخ اليهودي بشكل مباشر مثل «الاستمرار اليهودي» . كما استبعدنا كل المصطلحات التي تفترض هذه الوحدة بشكل غير مباشر مثل «العبقرية اليهودية» و «الجوهر اليهودي» . واستبدلنا بكل هذا مصطلحات تفترض التنوع وعدم التجانس مثل «الجماعات اليهودية» ، وهو مصطلح يفترض أن الجماعات اليهودية خاضعة للآليات التاريخية التي يخضع لها أعضاء المجتمعات التي يعيش في كنفها إلى هود. وقد فصلنا تماماً بين التاريخ المقدَّس الذي ورد في العهد القديم والأحداث التاريخية التي وقعت للعبرانيين وللجماعات اليهودية من بعدهم، وفصلنا بين تاريخ اليهودية وتواريخ الجماعات اليهودية، ومن ثم فإننا لا نستخدم مصطلحات مثل «مرحلة الهيكل الأول» أو «هدم الهيكل» أو «الكومنولث الأول» أو «العصر التلمود» إلا في سياق الحديث عن التطورات الدينية، إذ أن كل هذه العبارات تشير إلى أحداث ذات دلالة دينية بالنسبة إلى الجماعات اليهودية ولكنها لا تصلح لتفسير المسار العام للتاريخ الدنيوي والإنساني في كليته. ونحن، بهذا، نؤكد انتماء أعضاء الجماعات اليهودية إلى بنىً تاريخية متعددة حيث يتسنى للدارس فهم سلوك أعضاء الجماعات اليهودية فهما مركباً، أي باعتبارهم أشخاصاً حقيقيين وبشراً يتفاعلون مع العناصر التاريخية المتشابكة المختلفة التي تحدِّد سلوكهم.
ومن الحقائق التي تستوجب الذكر أن عدد المؤرخين من اليهود كان دائماً صغيراً محدوداً. وحينما تفاعل أعضاء الجماعة اليهودية مع الحضارة العربية الإسلامية، فإنهم تعلموا الكثير منها ولكنهم لم يتعلموا كتابة التاريخ. ولهذا، ظل إسهام المبدعين منهم مقصوراً على الأدب والفلسفة والعلوم الطبيعية.
следующие страницы →