Полный текст (8 511 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.
стр. 3851
إذا افترضنا جدلاً وجود تاريخ يهودي مستقل، فما أحداث هذا التاريخ؟ وهل تأتي الثورة الصناعية، مثلاً، ضمن أحداث هذا التاريخ، أم أنها حدث ينتمي إلى التاريخ الغربي؟ والواقع أننا نجد أن الثورة الصناعية حدث ضخم في التاريخ الغربي ترك أعمق الأثر في يهود العالم الغربي وأحدث انقلاباً في طرق حياتهم ورؤيتهم للكون في القرن التاسع عشر، أي بعد وقوعه بفترة وجيزة. لكننا نجد أيضاً أن هذا الانقلاب لم يحدث لهم باعتبارهم يهوداً وإنما باعتبارهم أقلية تُوجَد داخل التشكيل الحضاري الغربي. ومن هنا، فإننا نجد أن هذا الانقلاب في طرق الحياة والرؤية للعالم قد حدث أيضاً لأعضاء الأغلبية ولأعضاء الآليات الأخرى الموجودة داخل المجتمعات الغربية. وفي الوقت نفسه، لم يتأثر يهود العالم العربي بالثورة الصناعية بالدرجة نفسها وفي الوقت نفسه، ذلك لأن التشكيل الحضاري العربي كان بمنأى عن هذه الثورة الصناعية في بداية الأمر. لكن هذا التشكيل بدأ بعد حوالي قرن من الزمان يتأثر بالثورة الصناعية، وبالتالي فقد بدأ أثرها يمتد إلى معظم المجتمعات العربية بأغلبيتها وآلياتها. أما يهود إثيوبيا، مثلاً، فلم يتأثروا إلا بشكل سطحي، ذلك لأن التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية التي كانوا يعيشون في إطارها ظلت بمنأى عن تلك التحولات الكبرى التي ترتبت على أحداث الثورة الصناعية، بل بقيت هذه التشكيلة ذات طابع قَبَلي حتى وقتنا الحاضر. وبعبارة أخرى فإن الآثار المترتبة للثورة الصناعية في أعضاء الجماعات اليهودية هي مسألة تتعلق بأثر الثورة الصناعية في كل جماعة يهودية على حدة، وترتبط أشد الارتباط بآثار هذه الثورة في المجتمعات التي تعيش في كنفها هذه الجماعات اليهودية.
стр. 3852
وعلى هذا، فإن الإطار المرجعي للدراسة لا يمكن أن يكون التاريخ اليهودي. ولو أن الباحث جعل هذا التاريخ اليهودي مرجعاته لعجز حتماً عن تفسير كثير من عناصر التفاوت وعدم التجانس في هذا التاريخ، ولاضطر إلى ليّ عنق الحقائق ليفسر سبب تأثر يهود لندن بالثورة الصناعية فور حدوثها وعدم تأثر بعض يهود إثيوبيا بها حتى الآن! أو اضطر إلى تفسير أحداث هذا التاريخ اليهودي الوهمي من خلال عناصر ثانوية أو وهمية، مثل رغبات اليهود وتطلعاتهم وتماسكهم ومدى اضطهاد الآخرين لهم أو عطفهم عليهم. وإذا تأملنا الدراسات التي تفترض استقلالية التاريخ اليهودي فإننا سنجد عبارات مثل: «وكان بورش الأميني متسامحاً مع اليهود فأعادهم إلى بلادهم» أو «وتمت عدة هجمات ومذابح ضد اليهود عام ١٨٨٢ في روسيا القيصرية» أو «وبدأ اليهود يفكرون في تقليد الشعوب الأخرى لتصبح لهم حركتهم القومية ووطنهم القومي في فلسطين» ، وكل هذه العبارات تفترض أن الأحداث التي تقع لليهود تُفسَّر بالعودة إلى تاريخهم المستقل الافتراضي، وإلى رغباتهم وأحلامهم التي يبررها هذا التاريخ الافتراضي. ويتم تجاهل البناء الإداري للإمبراطورية الفارسية التي اعتمدت على الشعوب الموالية لها، أو أزمة الرأسمالية أو النظام القيصري في عام ١٨٨٢، أو ظهور الإمبريالية الغربية التي كانت تحل مشاكل أوربا عن طريق تصدير هذه المشاكل إلى الشرق، وبالتالي حاولت حل مسألتها اليهودية عن طريق إرسال إلى هود إلى الشرق. لكن عزل التجارب التاريخية للجماعات اليهودية عن سياقها التاريخي الإنساني العام يحوِّلها، في الحقيقة، إلى أجزاء من واقع يهودي عام واحد يمكن فرض أي معنى عليه. ولذا، فإن وقائع اضطهاد اليهود (كاضطهاد يهود فلسطين على يد الفرنجة أو اضطهاد يهود روسيا في أواخر القرن التاسع عشر بسبب التحديث المتعثر) بدلاً من أن تُدرَس من حيث هي وقائع يمكن تفسير كلٍّ منها في سياقها التاريخي المختلف، تصبح
стр. 3853
تعبيراً عن غربة شعب نُفيَ من بلده، ويصبح الاستيطان في فلسطين وطرد الفلسطينيين من بلادهم ليس جزءاً من التشكيل الاستعماري الغربي وإنما النهاية السعيدة لتجوال شعب بلا أرض ـ شعب افتراضي تجوَّل بسبب اضطهاد الجنس البشري له في كل زمان ومكان ـ وتصبح الدولة الصهيونية الحل الحتمي والوحيد لهذه المأساة.
وإذا ما تركنا الجانب المعرفي، سواء من ناحية الرصد أو من ناحية التفسير، وانتقلنا إلى الجانب الأخلاقي والإنساني، فإننا سنكتشف أن نموذج التاريخ اليهودي المستقل يفترض وجود جوهر يهودي كامن يشكل ما يشبه النمط الفكري الجاهز لكل الأشكال التاريخية التي عاش في إطارها أعضاء الجماعات. حيث يتجاوز هذا الجوهر كل التحولات ويصبغها بصبغته ويتحدى جميع القوانين التاريخية المعروفة ويتخذ اسم «الماضي اليهودي» أو «الاستمرار اليهودي» أو «روح اليهودية» أو «الشعب اليهودي الأزلي» أو «المستقبل اليهودي» ، وهذه جميعاً مطلقات علمانية تحل محل الإله الذي يوجه التاريخ اليهودي حسب الرؤىة الدينية الحلولية. ومن هنا، فإننا نذهب إلى القول بأن مفهوم التاريخ اليهودي (في إطاره العلماني العلمي) تعبير عن حلولي بدون إله حيث يصبح مسار هذا التاريخ هو التحقق التدريجي لهذا الجوهر الكامن وللروح اليهودية الدينية القومية. ويتم تفسير كل شيء على هذا الأساس، وتصبح مهمة المؤرخ هي البحث عن الجوهر اليهودي والروح اليهودية وكل ما يعبِّر عنهما، متجاهلاً كل التفاصيل الأخرى. كل هذا يجعل التاريخ اليهودي أمراً لا علاقة له بالواقع الإنساني الدنيوي: تاريخ يشبه البناء المصمت المنغلق على نفسه ويعبِّر عن نمط أو أنماط محددة متكررة لا تتعدى حدود تَجلّي الجوهر اليهودي المطلق. وهذا النمط يأخذ الشكل التالي: منفى ثم عودة؛ المنفى هو الحدث الذي يقع لليهود، والعودة هي الفعل الذي يأتون به، وهذا التاريخ يبدأ عادةً بالعبودية في مصر ثم يتم التغلغل في كنعاة والاستيلاء
стр. 3854
عليها وتأسيس المملكة العبرانية. ثم يتكرر النمط بالتهجير الآشوري والبابلي، تليه العودة من بابل حسب مرسوم بورش (الذي يؤسس الهيكل) ، ثم تأسيس الدولة الحشمونية. ثم يتكرر النمط مرة ثالثة بهدم الهيكل على يد تيتو وشتات اليهود وعجزهم بسبب عدم المشاركة في السلطة وغياب السيادة. وتصل حالة المنفى إلى قمتها في الإبادة النازية (الحدث الأكبر) ، ثم تبدأ العودة من خلال تأسيس الحركة الصهيونية ثم تأسيس الدولة الصهيونية (الفعل الأكبر) . ويلي ذلك تجميع المنفيين من كل البلاد، وهذا النمط يفترض دائماً نهاية (مشيحانية) للتاريخ تتوقف عندها الدورات ويختفي الجدل ويظهر الفردوس الأرضي.
ومثل هذا التصور للتاريخ، بأنماطه الهندسية المتكررة الرتيبة ونهايته القاطعة، لا يتنافى فقط مع الروح العلمية، وإنما يتنافى مع الروح الإنسانية كذلك. فهو يُسقط عن اليهودي صفة الإنسانية بإنكار تفاعله مع البيئة التي حوله، يتأثر بها ويؤثر فيها، شأنه في هذا شأن كل أعضاء الجماعات الآنية والدينية الأخرى. فالقوات الآشورية والبابلية لم تكتسح الدولتين العبرانيتين وحسب، بل اكتسحت معظم الطويلات الآرامية وغيرها. كما أن أزمة النظام القيصري لم تتسبب في مذابح لليهود وحسب، بل كانت لها آثار سلبية عميقة في قطاعات كثيرة من البورجوازية الروسية وفي جماهير الشعوب الإسلامية وغيرها. فنموذج التاريخ اليهودي يُسقط إنسانية اليهودي، ويخلع عليه هالة أسطورية لا تاريخية إذ تضعه خارج التاريخ الإنساني الفعلي.
стр. 3855
لكل ما تقدَّم، استبعدنا تماماً مصطلحات مثل: «التاريخ اليهودي» و «الماضي اليهودي» و «القَدَر اليهودي» و «المصير اليهودي» ، وكذلك سائر المصطلحات التي تفترض وحدة التاريخ اليهودي بشكل مباشر مثل «الاستمرار اليهودي» . كما استبعدنا كل المصطلحات التي تفترض هذه الوحدة بشكل غير مباشر مثل «العبقرية اليهودية» و «الجوهر اليهودي» . واستبدلنا بكل هذا مصطلحات تفترض التنوع وعدم التجانس مثل «الجماعات اليهودية» ، وهو مصطلح يفترض أن الجماعات اليهودية خاضعة للآليات التاريخية التي يخضع لها أعضاء المجتمعات التي يعيش في كنفها إلى هود. وقد فصلنا تماماً بين التاريخ المقدَّس الذي ورد في العهد القديم والأحداث التاريخية التي وقعت للعبرانيين وللجماعات اليهودية من بعدهم، وفصلنا بين تاريخ اليهودية وتواريخ الجماعات اليهودية، ومن ثم فإننا لا نستخدم مصطلحات مثل «مرحلة الهيكل الأول» أو «هدم الهيكل» أو «الكومنولث الأول» أو «العصر التلمود» إلا في سياق الحديث عن التطورات الدينية، إذ أن كل هذه العبارات تشير إلى أحداث ذات دلالة دينية بالنسبة إلى الجماعات اليهودية ولكنها لا تصلح لتفسير المسار العام للتاريخ الدنيوي والإنساني في كليته. ونحن، بهذا، نؤكد انتماء أعضاء الجماعات اليهودية إلى بنىً تاريخية متعددة حيث يتسنى للدارس فهم سلوك أعضاء الجماعات اليهودية فهما مركباً، أي باعتبارهم أشخاصاً حقيقيين وبشراً يتفاعلون مع العناصر التاريخية المتشابكة المختلفة التي تحدِّد سلوكهم.
ومن الحقائق التي تستوجب الذكر أن عدد المؤرخين من اليهود كان دائماً صغيراً محدوداً. وحينما تفاعل أعضاء الجماعة اليهودية مع الحضارة العربية الإسلامية، فإنهم تعلموا الكثير منها ولكنهم لم يتعلموا كتابة التاريخ. ولهذا، ظل إسهام المبدعين منهم مقصوراً على الأدب والفلسفة والعلوم الطبيعية.
стр. 3856
ونحن نرى أن نموذج التاريخ اليهودي هو النموذج الأساسي الكامن في موقف الحضارة الغربية تجاه «اليهود» أي الجماعات اليهودية. فالنزعة الصهيونية في الحضارة الغربية، والتي تمنح اليهود مركزية وقداسة، نابعة من افتراض وجود تاريخ يهودي مستقل يختلط في الأذهان بالتاريخ المقدَّس. كما أن معاداة اليهود، هي الأخرى، تعبير عن أن اليهودي شخص له سماته الفريدة والمحددة وطبيعته الخاصة النابعة من انتمائه لتاريخ يهودي مستقل. ونقطة الانطلاق بالنسبة إلى كلٍّ من الصهيونية والنازية (في موقفهما من اليهود) هي افتراض وجود شعب يهودي له شخصية مستقلة وتاريخ مستقل. وفي تصوُّر كلٍّ من بغفور وهتلر، فإن المسألة اليهودية ناجمة عن وجود هذا الكيان اليهودي العضوي المستقل داخل الحضارة الغربية، يدمرها وتدمره. ولذا، لابد من التخلص منه إما عن طريق إرساله إلى فلسطين أو عن طريق إلقائه في أفران الغاز، فاليهودي يجب أن يخرج من الحضارة الغربية.
التاريخ المقدَّس أو التوراتي (الإنجيلي (
Sacred or Biblical History
стр. 3857
«التاريخ المقدَّس أوالتوراتي (الإنجيلي) » هو القصص التاريخي الذي يرد في العهد القديم. وتاريخ العبرانيين، كما ورد في العهد القديم، يختلف عن التاريخ الفعلي ويتناقض معه أحياناً. ويصلح هذا التاريخ أحياناً مصدراً للمعلومات والفرضيات، ولكنه أحياناً أخرى لا يمكن دراسته إلا باعتباره جزءاً من الرؤية الدينية اليهودية وحسب. وهذا التاريخ المقدَّس هو جزء من العقيدة اليهودية كما أنه تعبير عن الطبقة الحلولية الواحدية داخل التركيب الجيولوجي اليهودي. وفي تصوُّرنا، فإن هذا التاريخ يختلف تماماً عن ممارسات أعضاء الجماعة اليهودية بتجاربهم التاريخية. فالنسق الديني اليهودي، بما يجسده من قيم مطلقة ومثاليات، يختلف عن الممارسات الدينية والدنيوية للعبرانيين واليهود، وهو ما يسجله العهد القديم. وفي هذا، لا يختلف أعضاء الجماعات اليهودية عن كل الجماعات والشعوب الإنسانية الأخرى. فتاريخ الهند والأقوام الهندية ليس تاريخ الهندوكية، وتاريخ الصين ليس تاريخ الكونفوشيوسية، وتاريخ أوربا في العصور الوسطى لا يمكن تفسيره بأكمله وبكل تركيبيته بالعودة إلى النسق الديني المسيحي السائد في ذلك الوقت، رغم فعالية هذا النسق في صياغة وعي الناس ووجدانهم وتوجيه بعض جوانب سلوكهم.
إن تاريخ المسيحية، ديناً وفلسفة وفكراً، لا يتطابق وتاريخ المسيحيين بحيث يكونان شيئاً واحداً (وذلك برغم ارتباط أحدهما بالآخر) . وربما يتجلى اختلاف تاريخ المسيحية عن تاريخ المسيحيين في حملات الفرنجة حيث قام الغرب الأوربي بالهجوم على الشرق باسم المسيحية فنهب القسطنطينية عاصمة المسيحية الأرثوذكسية ثم قام بالهجوم على فلسطين دون أن يُفرِّق (في معظم الأحيان) بين مسلم ومسيحي ويهودي.
стр. 3858
وكذلك تاريخ اليهودية، سواء أكانت اليهودية عقيدة أم كانت فكراً أم شيعاً وانقسامات، يختلف عن التجارب التاريخية التي خاضتها الجماعات اليهودية، برغم الارتباط الوثيق بينهما في بعض الأحيان. فتاريخ مملكة الخزر، وتَحوُّل الجماعات اليهودية إلى جماعات وظيفية وسيطة في أوربا في العصور الوسطى، وتحالف الصهيونية مع الاستعمار ثم مع النازية، هذه كلها ليست جزءاً من تاريخ اليهودية وإنما تنتمي إلى تواريخ الجماعات اليهودية. ويظل تاريخ اليهودية هو تاريخ العقيدة الدينية. ونحن حين نقر هذا التمييز بين التاريخين، فإننا نتبنى بذلك نموذجاً أكثر تفسيرية إذ يظل التاريخ نتاج تفاعل عدة عناصر من بينها الدين.
стр. 3859
والتاريخ التوراتي المقدَّس الذي ورد في العهد القديم هو تاريخ ذو مغزى أخلاقي تُستخلص منه العبَر. بل إن العبرة قد تكون، في كثير من الأحيان، أهم من الحدث نفسه. وهو تاريخ يتبع نسقاً دينياً محدداً؛ يختار من الحدث ما يخدم الهدف، ويلجأ إلى الصور المجازية والرموز والمبالغة ليوصل الحكمة إلى المتلقي. وبالتالى، كثيراً ما تتناقض وقائع هذا التاريخ ووقائع التاريخ الدنيوي وإن كانت تتفق معها أحياناً. ولكن كثيراً من القصص التي وردت في العهد القديم، والتي تدَّعي لنفسها صفة التاريخية، لا يمكن إثباتها بالعودة إلى التاريخ الدنيوي. كما أن بعض المدونات الآشورية والبابلية والمصرية تعطينا أحياناً صورة مختلفة تماماً. فوقائع هجرة العبرانيين من مصر، كما وردت في سفر الخروج، تختلف في كثير من النواحي عن الشذرات المتناثرة التي وصلتنا عن هذا الخروج، إن لم تكن متناقضة معها. كما يأتي ذكر سليمان في التاريخ التوراتي المقدَّس كملك عظيم مهيب، وأن المملكة المتحدة قد ازدهرت تحت حكمه حقاً. ولكننا نعرف أيضًا أن هذا الازدهار كان مؤقتاً وناتجاً عن الفراغ السياسي المؤقت في الشرق الأدنى القديم، كما نعرف أن مملكته لم تكن تختلف كثيراً عن الدويلات الأخرى التي ازدهرت في تلك المنطقة بسبب غياب الإمبراطوريات العظمى التي اكتسحتها فيما بعد، وتقاسمتها فيما بينها بعد ظهورها. وهذه كلها جوانب يُسقطها التاريخ المقدَّس ولا يُعنى بها. كما نعلم أن سليمان، حتى في أوج عظمته، لم يصل إلى تلك الأبعاد الأسطورية التي تتحدث عنها الرواية التوراتية.
стр. 3860
وثمة مدارس عديدة تتباين آراؤها في قصص العهد القديم، إذ يرى البعض أن التاريخ الذي يرد في العهد القديم هو تاريخ رمزي. فإبراهيم، حسب هذا التصور، ليس شخصية تاريخية وإنما يمثل مرحلة تاريخية وحسب، وبالتالى فهو رمز أكثر أهمية ودلالة وعمقاً من الواقعة التاريخية. وهناك من يذهبون إلى النقيض ويحاولون دراسة التاريخ من خلال المعلومات الواردة في العهد القديم. وثمة من يسلكون طريقاً وسطاً بين المدرستين. حيث يسترشد الباحث بالتاريخ المقدَّس في معرفة التاريخ الفعلى دون أن يكون ذلك ملزماً له. وهنا، لابد أن نشير إلى أننا أضفنا أحياناً عبارة «حسب الرواية التوراتية» ، أو عبارات مماثلة، وذلك حين استندنا إلى الوقائع التي وردت في العهد القديم، وحين استخدمنا هذه الوقائع كمادة تاريخية.
والفكر الغربي واليهودي والصهيوني يتجه دائماً نحو محاولة اكتشاف الأنماط المتكررة في التاريخ المقدَّس كما تتبدَّى في تاريخ الجماعات اليهودية في العالم وعبر التاريخ، بحيث تصبح حادثة مثل الإبادة النازية تكراراً للعبودية في مصر وتكراراً للتهجير البابلي، كما أن إعلان دولة إسرائيل يشبه الخروج من مصر، والاستيطان في فلسطين يشبه التغلغل في كنعان، وهكذا. وهجرة اليهود السوفييت هي خروج اليهود من الاتحاد السوفيتي بعد عبوديتهم في روسيا القيصرية والسوفيتية. بل إنهم يرون هذا التاريخ باعتباره تاريخاً له بداية ونهاية (وكأنه مسرحية إلهية لها حبكة واضحة) وبالتالي يشكل إعلان دولة إسرائيل نهاية التاريخ.
الرؤى اليهودية للتاريخ
Jewish Views of History
стр. 3861
في معظم الكتابات اليهودية أو الصهيونية التي تعالج القضايا المتصلة بالجماعات اليهودية في العالم، يُلاحظ الدارس أنه لا توجد أية تفرقة بين تواريخ الجماعات اليهودية من جهة وتاريخ اليهودية من جهة أخرى، أو بين التاريخ المقدَّس والتاريخ الفعلى. فيتداخل التاريخ المقدَّس مع تاريخ العبرانيين، ويتداخل الاثنان مع تواريخ الجماعات اليهودية، لتصبح المحصلة النهائية ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» . وربما يعود هذا التداخل إلى التيار الحلول الواحد في العقيدة اليهودية. ففي تصورهم الحلولي الواحدي، يري اليهود أن تاريخهم مقدَّس ويعبِّر عن الإرادة الربانية، فإله إسرائيل يتدخل دائماً في مسار التاريخ لصالح شعب إسرائيل. ولم تأت الأمة اليهودية إلى الوجود إلا من خلال تَدخُّل إلهي مباشر، أي أن الإله قد حل في الشعب وتاريخه.
стр. 3862
لكن فكرة حلول الروح الإلهية في اليهود حولتهم إلى أمة من القديسين والكهنة والأنبياء. ومن الملاحَظ أن زوال ثنائية الخالق والمخلوق التي تؤدي إلى التداخل الكامل بين المطلق والنسبي، أو بين الإله والشعب، أو بين الثابت والمتغيِّر، أو بين التاريخ المقدَّس والتاريخ الإنساني سمة بنيوية أساسية في اليهودية. فكتاب اليهود المقدَّس كتاب تاريخ الشعب، كما أن أعيادهم تحتفل بمناسبات كونية ثابتة مثل عودة الربيع وخلق العالم، وبمناسبات تاريخية متغيرة مثل الخروج من مصر. وتتركز الصلوات الدينية المختلفة حول المناسبات القومية التاريخية، كما تأخذ العلاقة مع الإله شكل حوار بين طرفين أحدهما مقدَّس مطلق، والآخر دنيوي نسبي، ومع هذا فالطرفان متساويان. والديانة اليهودية تتسم بوجود شريعتين: واحدة مكتوبة مُرسَلة من الإله، والأخرى شفوية يكتشفها حاخامات الشعب عبر تاريخهم. ومع هذا، فللشريعة الشفوية من الشرعية والصلاحية ما للشريعة المكتوبة، بل إنها تفوقها في الاتساع والشمول والدقة. وظاهرة تعدد الأنبياء في اليهودية تعبير عن حلول الإله في التاريخ، وهو حلول لا يتوقف عند نقطة ما بل يستمر من بداية التاريخ حتى نهايته. وقد كانت هذه الرؤية الحلولية الواحدية كامنة في العصر القديم ثم ازدادت عمقاً في التلمود ـ كتاب اليهودية الحاخامية الأساسي ـ ثم تبلورت وأخذت شكلاً حاداً ومتطرفاً في القبَّالاه التي سيطرت على الفكر الديني اليهودي وعلى المؤسسات الدينية اليهودية ابتداءً من القرن السادس عشر، وورثها المفكرون العلمانيون اليهود ابتداءً من إسبينوزا.
стр. 3863
ويرى بعض فلاسفة التاريخ في الغرب أن اليهود أول من اكتشف فكرة التطور والتقدم التي هي عماد الوعي التاريخي الغربي الحديث، على عكس الإغريق القدامى، وغيرهم من الشعوب القديمة، الذين كانوا يرون أن للتاريخ شكلاً فلسفياً هندسياً. كما رأى هؤلاء الفلاسفة أيضاً أن حلول الإله في التاريخ قد حوَّله إلى خطّ مستقيم يتحرك نحو هدف أعلى وغاية نهائية بدلاً من أن يكون مجرد شكل هندسي دائري يتحرك حول نفسه دون غاية.
ومما لا شك فيه أن العبرانيين القدامى (حسبما ورد في الكتب المقدَّسة عند اليهود) كان لديهم إحساس قوي بما تصوروا أنه مغزى التاريخ الديني ومعناه المقدَّس. ولكن هذا الإحساس نفسه هو أحد أسباب ضعف حسهم التاريخي وضموره بل اختفائه. فالاهتمام اليهودي القديم بالتاريخ، هو اهتمام في صميمه معاد للتاريخ لأنه يَصدُر عن رؤية دينية حلولية واحدية تتجاهل أن الظواهر التاريخية لها منطقها الخاص والمستقل عن رغبات الإنسان وأحلامه وأنها ليست تجلياً لإرادة إله يحابي شعباً، وهي رؤية تذهب إلى أن التاريخ بأجمعه إن هو إلا كشف الغطاء عن الغرض الإلهي الذي لا يدور حول البشر كافة وإنما يدور حول الشعب المختار بالدرجة الأولى (باعتباره موضع الحلول الإلهي) . وهذه الرؤية تُسطّح التاريخ وتفرغه من تركيبيته وإنسانيته وعالميته، وهي السمات الأساسية التي تعطي التاريخ معناه الإنساني المتعارف عليه بين الناس. ويظهر هذا التسطيح الذي يختزل كل الوقائع ويردُّها جميعاً إلى مستوى واحد في تَصوُّر الرؤية اليهودية الحلولية الواحدية (والصهيونية فيما بعد) للظواهر التاريخية باعتبارها ظواهر مقدَّسة تقررت حركتها حسب خطة إلهية مسبقة وُضعت قبل بدء التاريخ. بل إن التدخل المستمر والعلني للإله هو تأكيد للقول بأن التاريخ يتم دفعه وتحريكه من الخارج، وأن الإرادة البشرية لا مجال لها فيه، وأن التاريخ اليهودي (المقدَّس والإنساني) بدأ من مطلق لا يقبل النقاش أو
стр. 3864
التقييم (العهد مع إبراهيم) يقطعه المطلق من آونة إلى أخرى (العهد مع إسحق ثم مع يعقوب) ، وينتهي بمطلق أخير (ظهور الماشيَّح المنتظر أو وصول العصر المشيحاني الذي يشكل نهاية التاريخ) . والتدخل المستمر للإله في التاريخ، حسب التصور اليهودي الحلولي، هو ما يكسبه معنى ويضفي على فوضاه اللامتناهية شكلاً.
وترد الوقائع التاريخية في أسفار موسي الخمسة بمقدار ما تكشف الغرض الإلهي الذي يهدف إلى إعلاء جماعة ىسرائيل. وإذا كانت أسفار الأنبياء المختلفة تتحدث عن الإرادة وعن المستقبل القريب حين يتوب أعضاء جماعة يسرائيل ويعودون إلى الإله، فإن هذا الحديث قد اختفى تماماً في أسفار الرؤى (أبوكاليبس) التي تتحدث عن المستقبل البعيد وعن الخلاص العجائبي.
وقد تبلورت كل هذه الأفكار الحلولية الواحدية النظرة التي تجعل الشعب اليهودي الغاية النهائية وربما الوحيدة للتاريخ في عقيدة الماشيَّح. فمسار التاريخ ذو هدف واحد واضح محدد: يأتي الماشيَّح في آخر الأيام ويعود باليهود إلى أرض الميعاد ليؤسس حكومته العالمية في صهيون. وفكرة الماشيَّح قد تنطوي على فكرة التقدم نحو هدف أعلى، أي أنها تختلف عن الرؤية الهندسية الإغريقية، ولكنها مع هذا أسطورة لا تاريخية إلى أقصى حد، لأنها تفترض ثبات النقطة التي يتحرك نحوها التاريخ، كما تفترض الحتمية المطلقة لهذه الحركة، وعدم جدوى الفعل الإنساني لأن نقطة النهاية الفردوسية ستأتي عن طريق التدخل المباشر والفجائي للإله في التاريخ. وهو تَدخُل يُلغي التاريخ تماماً باعتباره المجال الذي تركه الإله للإنسان ليتفاعل معه فيه وليختبره، ينتصر أو ينكسر، يهتدي أو يضل.
стр. 3865
ويبدو أن هذه الرؤىة الدينية القومية الحلولية للتاريخ هي التي شجعت النزعات المشيحانية التي اتسمت بها تواريخ أعضاء الجماعات اليهودية منذ القرن الأول الميلادي، والتي تصاعدت حدتها ابتداءً من القرن السابع عشر في الغرب. وقد أدَّى انتشار الجماعات اليهودية وتَحوُّلهم الى جماعات وظيفية منعزلة عن المجتمع إلى زيادة حدة النزعة المعادية للتاريخ بينهم. ويرجع هذا إلى الأسباب التالية:
١ ـ يميل الإنسان الذي يعيش في عزلة الى تجريد نفسه إذ يرى ذاته مستقلة عن حركيات التاريخ العام، وخصوصاً أن أعضاء الجماعات الوظيفية يظنون أنهم يتمتعون بقداسة خاصة.
٢ ـ أعضاء الجماعات الوظيفية يتمتعون بحركية غير عادية، الأمر الذي يجعل من العسير عليهم رؤية تَراكُم الأحداث داخل إطار محدد.
٣ ـ يتعامل التاجر والمرابي مع مجردات ليست لها أية حدود (السلع ـ النقود ـ سعر الفائدة) ، كما أن اليهود الذين اضطلعوا في العصور الوسطى بدور التجارة الدولية في المجتمعات الزراعية كانوا عناصر حركية متعددة الجنسيات عابرة للقارات غير قادرة على استيعاب فكرة الحدود التي هي جوهر الوجدان التاريخي.
٤ ـ بالإضافة الى كل هذا، كانت التجارة البدائية والربا مهنتين ليست لهما علاقة فعلية بالعملية الإنتاجية ذاتها، فقد كانتا تنتميان إلى نوع من الاقتصاد المجرد داخل بناء من الاقتصاد الطبيعي المبني على تَبادُل الخدمات وعلى الاكتفاء الذاتي.
٥ ـ يُركِّز أعضاء الجماعة الوظيفية على الوطن الأصلي، الحقيقي أو الوهمي، وهو بالنسبة إلى اليهود فلسطين، وهو تركيز يفقدهم الإحساس بالزمان والمكان.
стр. 3866
لكل هذا، ضمر الإحساس بالزمان وحل محله إحساس متطرف بالمكان وحسب، وتجسَّد هذا في فكرة الأرض التي هيمنت على الوجدان اليهودي الحلولي. كل هذا، جعل أعضاء الجماعات اليهودية طوائف مرشَّحة لأن تفقد حسها التاريخي، وأن تنغمس في التأملات الفردوسية والدراسات التلمودية والحسابات القبَّالية الخاصة بآخر الأيام. وقد كان الجيتو التعبير الحضاري والنفسي عن هذه العقلية التي تتصور أنها تقف خارج التاريخ. ولذلك، كان مثقف الجيتو، أو طالب المدرسة التلمودية، ينفق كل أيامه في دراسة الأساطير اليهودية والدين اليهودي وما يتصور أنه تاريخ اليهود المقدَّس، دون أي اهتمام بالدراسات التاريخية الحقة، سواء كانت التواريخ الحقيقية للجماعات اليهودية في العالم، أم تاريخ الحضارة التي يعيش بين ظهرانيها. ولقد توقفت دراسة العهد القديم هي الأخرى كتاريخ مقدَّس، وحلَّت محلها الدراسات التلمودية الفقهية التي لا يدخل فيها عنصر الزمن بتاتاً، ثم حلت محل الدراسات التلمودية التفسيرات القبَّالىة ذات الطابع الغنوصي المتطرف التي تُسقط التاريخ تماماً وتأخذ شكل بنَى هندسية لا علاقة لها بأي واقع تاريخي أو إنساني متعين، والتي تهدف إلى تعويض اليهود عما يلاقونه من عذاب حقيقي أو وهمي.
لكل هذا، حينما بدأ علم التاريخ بمعناه الحديث في الغرب، ابتداءً من القرن السابع عشر، كان إسهام أعضاء الجماعات اليهودية فيه منعدماً. ولم تبدأ إسهاماتهم في الدراسات التاريخية إلا في مرحلة متأخرة من القرن التاسع عشر بعد أن تآكل الجيتو تماماً، وبعد أن بدأت تظهر شرائح من أعضاء الجماعات اليهودية ممن تلقوا ثقافة علمانية غربية مختلفة تماماً عن الثقافة اليهودية التقليدية.
стр. 3867
وقد قامت محاولتان داخل اليهودية لمكافحة النزعة المشيحانية المعادية للتاريخ. أولاهما محاولة اليهودية الحاخامية النظر إلى الرموز والعقائد اليهودية القديمة المختلفة، مثل العودة وصهيون والماشيَّح، باعتبارها أموراً ستتحقق بأمر الإله. ومن ثم، فإن فعاليتها تكمن خارج حدود التاريخ، وهو ما يحول التاريخ ذاته إلى رقعة يمارس فيها الإنسان حريته ويجعل اليهود بشراً ككل البشر الذين يعيشون في العالم التاريخي النسبي (رغم كل تطلعاتهم الدينية والروحية) . وقد نجحت المؤسسة الحاخامية بالفعل في كبح النزعات المشيحانية المتفجرة، الناجمة عن الرؤية الحلولية وتَوقُّع المعجزة الربانية ونهاية التاريخ في كل زمان ومكان. فقد تصدت لشبتاي تسفي، ولكل المشحاء الدجالين. أما المحاولة الثانية، فهي المحاولة التي تمت بعد إعتاق اليهود، والتي أخذت شكل فصل الدين عن القومية في اليهودية الإصلاحية، فهي محاولة جوهرها اعتراف بالوجود التاريخي النسبي لليهود مستقلاً عن مطلقاته الدينية. وقد أخذت هذه المحاولة أيضاً شكل الدراسات التاريخية اليهودية التي تحاول أن تصل إلى التاريخ الدنيوي الإنساني فيما يُسمَّى «علْم اليهودية» .
ولكن اليهودية المحافظة قامت بتوظيف الاتجاه التاريخي لحساب الأهداف الصهيونية، فالتراث التقليدي الديني بكل حلوليته تمت علمنته بحيث تحوَّل إلى ميراث تاريخي إنساني دنيوي. ولكنه، مع هذا، لا يفقد شيئاً من قدسيته (فهي حلولية بدون إله) . وأصبح الشعب اليهودي مقدَّساً، لا بسبب إلهه وإنما بسبب تاريخه المقدَّس. والواقع أن الصهيونية امتداد لهذه الرؤية الحلولية للتاريخ التي تحوله من تاريخ مركب يحوي داخله عناصر إيجابية وسلبية، ومن كل متشابك يتجاوز الذات إلى أسطورة بسيطة يمكن توظيفها.
الرؤية الصهيونية للتاريخ
Zionist View of History
стр. 3868
تنبع رؤية الصهاينة للتاريخ من عنصرين أساسيين، أحدهما عقائدي والآخر تاريخي، أولهما الحلولية اليهودية بكل ما تحوي من مزج بين العناصر المطلقة والنسبية، وبكل ما تخلعه على الشعب اليهودي من مطلقية. وثانيهما التجربة التاريخية ليهود شرقي أوربا كجماعة وظيفية. فقد ساهمت هذه التجربة في إعطاء ما يشبه الأساس الواقعي أو التاريخي للرؤية الصهيونية للتاريخ اليهودي، أي باعتباره كياناً مستقلاً. هذا كله أوهم المفكرين الصهاينة بأن لليهود تاريخهم اليهودي المستقل عن التاريخ العام الذي يحيط بهم، وأنساهم أن استقلالية اليهود نفسها إحدى سمات المجتمع الإقطاعي في كلٍّ من روسيا وبولندا، وأن الجيتو اليهودي المستقل هو في نهاية الأمر نتاج للبناء التاريخي الأساسي الروسي أو البولندي، إذ أن الذي يحكم ظهور وسقوط الجيتو أو الأشكال الإدارية اليهودية المستقلة الأخرى ليس الإرادة اليهودية المستقلة وإنما حركة التاريخ الروسي أو البولندي ومجموعة من العناصر المركبة يشكل أعضاء الجماعة اليهودية جزءاً منها وحسب.
стр. 3869
ويمكن أن نقول إن الرؤية الصهيونية للتاريخ لا تختلف في بنيتها عن الرؤية الحلولية الواحدية اليهودية له، ولكن هناك فارقاً واحداً هو أن الرؤية الصهيونية هي الرؤية الحلولية نفسها بعد أن تمت علمنتها، أي أنها حلولية بدون إله (أو وحدة وجود مادية) . فتاريخ اليهود، حسب تصور مارتن بوبر، هو تاريخ يتدخل (أي يحل) فيه الرب بشكل مستمر، ولذا أصبحت جماعة إسرائيل أمة ومجتمعاً دينياً في آن واحد، ولا تزال جماعة إسرائيل شعباً ومجتمعاً دينيًا (قومياً ومقدَّساً) حتى وقتنا هذا. ويفرق بوبر بين التاريخ، أي التجربة التي تعيشها الأمم، والوحي، وهي التجارب الخصوصية التي يعيشها الأعضاء الذين يُطلَق علىهم مصطلح «أنبياء» . وحينما يتحول الوحي إلى أفكار تفهمها الجماهير وتؤمن بها، فإنه يصبح عقائد. هذا هو الوضع بالنسبة لسائر الأمم. أما بالنسبة لجماعة إسرائيل، فالأمر جدُّ مختلف، إذ أن ثمة تطابقاً كاملاً بين الوحي والعقيدة والتاريخ. فجماعة إسرائيل تتلقى تجربتها الدينية الحاسمة على مستوى الشعب كله، لا على مستوى الأنبياء وحسب (وهو ما يعني في واقع الأمر أن أعضاء جماعة إسرائيل كلهم أنبياء) . ومن ثم، فإن مجتمع إسرائيل ككل يعيش التاريخ والوحي باعتبارهما ظاهرة واحدة: التاريخ باعتباره وحياً، والوحي باعتباره تاريخاً.
стр. 3870
وهكذا يتحول اليهود، تماماً كما هو الحال مع الرؤى الدينية الحلولية الكمونية الواحدية القديمة، إلى شعب من الكهنة والأنبياء، ويتحول تاريخهم إلى وحي مستمر. ولذا، فاليهود، حسب التصور الحلولي الواحدي عند بوبر، أمة تحمل وحياً إلهياً عبر تاريخها المقدَّس «الذي لم يكن سوى صراع لا ينتهي من أجل وضع مُثُل الأنبياء موضع التطبيق» كما يقول نحمان سيركين الزعيم الصهيوني العمالى. ومعنى هذا أن كلاًّ من الفيلسوف المتصوِّف والمفكر الاشتراكي يدوران في نطاق الحلولية الكمونية اليهودية ويتفقان على خصوصية وقدسية واستقلالية ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» . كما يتفقان على تَداخُل التاريخ المقدَّس والتاريخ الإنساني. وعلى أية حال، فإن من الواضح أن هناك تداخلاً في البنى التاريخية وعدم إلمام بحركة التاريخ ينعكسان بجلاء في الطريقة التي يقرأ بها الصهاينة الواقع التاريخي. فهم حينما نظروا إلى فلسطين، في أواخر القرن الماضي، لم يروها أرضاً فيها شعب، أي واقعاً إنسانياً تاريخياً، وإنما رأوا مفهوماً دينياً يُدعى «إرتس إسرائيل» . ولذلك، وبدلاً من التعامل مع الواقع الحي، نجدهم يلفقون شعارات مثل: «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض» ، وهي شعارات جامدة تقترب، في اتساقها الهندسي مع نفسها، من الحسابات القبَّالية.
ويتبدَّى الرفض الصهيوني للتاريخ، بشكل واضح، في المصطلح الصهيوني. فالصهاينة حينما يستخدمون كلمة «تاريخ» ، فإنهم لا يشيرون في العادة إلى التاريخ الحي المتعيِّن، وإنما إلى العهد القديم، أو إلى تراثهم الديني (المكتوب منه أو الشفوي) ، أو إلى التاريخ المقدَّس. ولذا، تصبح الحدود التاريخية هي الحدود المقدَّسة المنصوص عليها في العهد القديم «من نهر مصر إلى الفرات» ، وهي حدود لم يشغلها العبرانيون في أية لحظة من تاريخهم، ولا حتى أيام داود أو سليمان.
стр. 3871
والحقوق التاريخية هي أيضاً الحقوق المقدَّسة التي وردت في العهد القديم، والتي تؤكد أنهم شعب مقدَّس مختار، له حقوق تستمد شرعيتها من العهد الإلهي الذي قطعه الإله على نفسه لإبراهيم، وهو عهد يعبِّر عن الحلول الإلهي فيهم.
ويتبدَّى الرفض الصهيوني لتعيُّن التاريخ وتركيبيته على هيئة رؤية اختزالية تبسيطية للواقع. فمن المعروف أنه، قبل حرب السادس من أكتوبر (العاشر من رمضان) ، كان لدى الإسرائيليين من المؤشرات الملموسة ما يؤكد أن المصريين سيعبرون القناة إلى سيناء. ولكن الدلالات الملموسة ظلت معلومات جامدة مبعثرة لم ينتظمها إطار، ولم تكتسب اتجاهاً محدداً لأن نموذج الصهاينة التفسيري الاختزالي معاد للتاريخ مُنكر لإمكانات الآخر. والصهاينة لا يمكنهم إلا التحرك داخل إطار هذا النموذج لأنهم لو فعلوا غير ذلك لطرحوا على أنفسهم إمكانية استيقاظ العرب واحتمال اختفاء الكيان الصهيوني الشاذ المشتول. وقد تكرر هذا الوضع مع الانتفاضة، إذ كان لدى المخابرات الإسرائيلية من المعلومات ما يؤكد أن ثمة تحركاً فلسطينياً ورفضاً شعبياً للاحتلال. ومع هذا، فقد أنكرت أجهزة المخابرات وجود الانتفاضة، حتى بعد اندلاعها بعدة أسابيع، وإنكارهم هذا هو إنكار لتركيبية التاريخ والإنسان ولاحتوائهما على إمكانات غير مرئية تمنح الإنسان مركزيته في هذا الكون.
ولكن الصهاينة يتصورون أن بإمكانهم اجتياز الهوَّة، التي تفصل بين رؤيتهم للتاريخ من جهة وبين الواقع التاريخي من جهة أخرى، عن طريق العنف. فالعنف هو عادةً الوسيلة الوحيدة لفرض الاتساق الهندسي على تعيُّن الواقع وتركيبيته، ولكن العنف الصهيوني حتى الآن لم يحقق إلا جزءاً صغيراً من المخطط الصهيوني اللاتاريخي.
стр. 3872
غير أن نموذج الصهاينة الاختزالي ليس مقصوراً على تعاملهم مع التاريخ العربي أو تاريخ الأغيار وإنما يمتد إلى رؤيتهم لتواريخ الجماعات اليهودية وإلى ما يسمونه «التراث اليهودي» ككل. فقد كتبوا تواريخ الجماعات اليهودية بطريقة مأساوية فجَّة تختزل تلك التواريخ وتقسمها إلى قسمين اثنين لا ثالث لهما: فترات مظلمة عديدة وغير حقيقية فقدت فيها الذات اليهودية وعيها بنفسها وخرجت من الدائرة (الحلولية) اليهودية أو أخذت موقفاً سلبياً فلم تدافع عن ذاتها فوقعت ضحية سهلة للأغيار؛ وفترات أخرى مضيئة وحقيقية تمركزت فيها الذات اليهودية على نفسها ودافع اليهود فيها عن أنفسهم بضراوة وشراسة. وحسب هذا الفهم، تكون الأعوام القليلة التي قامت فيها دولة يهودية في فلسطين أكثر الفترات خصوبة فيما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» ، ويكون التمرد الحشموني، حين دافع اليهود عن الوجود اليهودي في فلسطين، هو إحدى القمم القليلة بل النادرة في هذا التاريخ، وتكون الحركة الصهيونية التعبير الحقيقي والأخير عن هذا التمركز اليهودي الذي يجسد روح التاريخ اليهودي ويشكل نهايته السعيدة.
стр. 3873
ولكن مشكلة التقسيم البسيط هي أن الصهيونية تكتسب شرعيتها من افتراض وجود هذا التاريخ اليهودي ومن تعبيرها عنه. ولكن التاريخ اليهودي هو أساساً نتاج انتشار اليهود في كثير من بلاد العالم، أي نتاج وجود الجماعات اليهودية في الدياسبورا أو المنفى، أي وجودهم في أنحاء العالم خارج فلسطين. ومن يتقبل نموذج التاريخ اليهودي يتقبل أيضا وجود اليهود في المنفى كحقيقة أساسية، لأن حالة المنفى جزء لا يتجزأ من البناء التاريخي اليهودي الذي يفترض الصهاينة وجوده. وتعبِّر الكتابات الصهيونية عن هذا التناقض العميق، فهي تارة تمجد هذا التاريخ اليهودي تمجيداً لا حد له، وتارة أخرى تدمغه باعتباره مجرد انحراف عن مسار التاريخ اليهودي الحقيقي. ولكن الصهاينة، سواء في تمجيدهم الدياسبورا أو هجومهم عليها، يفترضون، في كل الأحوال، وجود تاريخ يهودي منفصل عن تاريخ الشعوب والحضارات الأخرى التي عاش اليهود بين ظهرانيها.
والحديث عن التاريخ اليهودي، مثل الحديث عن «الأدب اليهودي» و «الشخصية اليهودية» وغير ذلك، يفترض أن العنصر الأساسي الذي يحرك اليهودي ويشكل شخصيته هو أساساً إيمانه بالدين اليهودي أو انتماؤه إلى التراث اليهودي. وفي هذا تقليل من شأن اليهود، وتضييق لإنسانيتهم ومساهمتهم في الحضارة البشرية. فاليهودي، مثله مثل أي إنسان آخر، ظاهرة مركبة، تحركه عناصر متشابكة، بعضها ملموس ومحدَّد وبعضها غير ملموس وغير محدَّد، وليس مجرد عنصر واحد كما يتصور الصهاينة. وبالإضافة الى ذلك، فإن تَبَنِّي نموذج التاريخ اليهودي المستقل هو في نهاية الأمر إيمان بأن اليهود موجودون خارج التاريخ، أي أن تَبَنِّي نموذج التاريخ اليهودي هو في جوهره عودة إلى الرؤية اليهودية القديمة الحلولية الواحدية التي فشلت في رؤية الفارق بين المقدَّس والنسبي، وبين الإلهي والتاريخي، فألغت كل الثنائيات وسدت كل المسافات.
стр. 3874
وكما بيَّنا من قبل، لعب تراث الصهاينة الحلولي دوراً كبيراً في تشجيعهم على استخدام مثل هذه المصطلحات الأحادية النظرة، وعلى الخلط بين المستويات والبنى المختلفة، وعلى إيمانهم بالوجود التاريخي اليهودي المنفصل. كما أن تجربة الصهاينة الضيقة ذاتها، والمستمدة أساساً من وجود يهود شرق أوربا كجماعة وظيفية، قد ساهمت هي الأخرى في إعطاء ما يشبه الأساس الواقعي أو التاريخي للتهويمات الصهيونية.
انتفاضة شميلنكي
Chmielnicki Uprising
«انتفاضة شميلنكي» انتفاضة شعبية في أوكرانيا ضد الاستعمار الاستيطاني البولندي وقوات الاحتلال التي كانت تحميه وكل المؤسسات التي تتبعه (الكنيسة الكاثوليكية والوكلاء اليهود) . والانتفاضة من أهم الحوادث التاريخية التي أثرِّت في الجماعات اليهودية في شرق أوربا، ولا تقل في أهميتها عن وعد بلفور أو الإبادة النازية لليهود. وانتفاضة شميلنكي، شأنها شأن وعد بلفور أو الإبادة النازية، لا يمكن فهمها إلا بالعودة إلى تاريخ العلاقة بين بولندا وأوكرانيا، وهو أمر لا علاقة له بما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» .
وقائد الانتفاضة هو بوجدان شميلنكي (١٥٩٣ ـ ١٦٥٧) «أتمان» (أي قائد) القوزاق أو زعيمهم (الذي أصبح فيما بعد، قائداً لأوكرانيا بعد حصولها على الاستقلال، وداعية لتوحيدها مع روسيا) . درس في مدارس اليسوعيين، وتعلم فنون الحرب أثناء غارات القوزاق على الدولة العثمانية، وعمل في الحرس الملكي الخاص بملك بولندا، ثم اشترك في الحرب ضد العثمانيين وأُسر عام ١٦٢٠ وعاش عدة سنوات في تركيا. وكان شميلنكي نفسه ثرياً، فاستقر في ضيعته (في شيجيرين) تحت حماية أحد النبلاء البولنديين (شلاختا) . وحينما اختلف معه، هوجمت ضيعته بمساعدة الأرنداتور (الوكيل) اليهودي فقُتل ابنه وأُلقى القبض على زوجته.
стр. 3875
وتعود أسباب الانتفاضة إلى عدة أسباب من بينها تَزايُد الاستغلال الإقطاعي الواقع على الفلاحين الذين كانوا في واقع الأمر أقناناً تقترب حالتهم من العبودية الكاملة، وخصوصاً أن النبلاء البولنديين لم تكن تربطهم علاقة إقطاعية حقيقية بهذه الأرض، فالإقطاع البولندي في أوكرانيا كان إقطاعاً استيطانياً (وقد ضُمَّت أوكرانيا إلى بولندا في منتصف القرن السادس عشر) ، وانصرف جل هم النبلاء البولنديين إلى تعميرها حتى تدر عائداً عليهم ويستولوا على ريعها. وكان اليهودي يقرض النبيل البولندي بضمان ضيعته وريعها، ثم يتولى هو عملية إدارتها فيما يعرف باسم «نظام الأرندا» ، الأمر الذي جعل كثيراً من اليهود يتحولون إلى ممثلين للنبلاء الإقطاعيين الغائبين في وارسو، فيقومون بتحصيل الضرائب الباهظة من الفلاحين ومنها ضريبة يدفعها الفلاحون الأرثوذكس لفتح باب الكنيسة لأداء الصلاة أو غيرها من العبادات. كما كانوا يقومون ببيع السلع التي كان يحتكرها النبلاء، مثل الملح والخمور، بأسعار مرتفعة جداً. وقد كان اليهود منتشرين بين الفلاحين القوزاق والأوكرانيين في مدن صغيرة (شتتلات) ، لا يحملون السلاح بل تقف إلى جوارهم فرق بولندية مسلحة لحمايتهم.
стр. 3876
ومن الأسباب الأخرى التي أدَّت إلى توتر الأوضاع وترديها فترة جفاف دامت عشرة أعوام، ازداد فيها الفلاحون فقراً وسخطاً. كما أن محاولات الكنيسة الكاثوليكية الدائبة، لفرض نفوذها على شرق أوربا، زادت سخط الجماهير الأرثوذكسية. وقد بدأت تظهر عناصر تشد من أزر العناصر الشعبية الرافضة في أوكرانيا من بينها ظهور القوة الروسية الأرثوذكسية في هذه الآونة، والحرب المستمرة بين ملك بولندا والنبلاء والتي أضعفت الطرفين، كما كانت جيوش السويد تُهدِّد بولندا من الشمال. وتذكر الموسوعة اليهودية العالمية أن غرور اليهود وصلفهم كان عنصراً مساعداً على زيادة السخط والتوتر، وإن كان من الأفضل الحديث عن طبيعة وضع اليهود كجماعة وظيفية وسيطة بين مطرقة النبلاء وسندان الأقنان، ذلك أن صلف أداة الاستغلال وحده ليس كافياً لإضرام نيران ثورة شعبية مستمرة.
ومما زاد من حدة الصراع وأوضح معالمه، ذلك التعارض الاجتماعي والديني والعرْقي الكامل بين وضع الجماهير القوزاقية والأوكرانية من جهة، ووضع النبلاء البولنديين ووكلائهم من جهة أخرى. فهذه الجماهير كانت أساساً جماهير فلاحية تتحدث الأوكرانية وتنتمي إلى الكنيسة الأرثوذكسية. والمستغل الحقيقي كان النبيل الإقطاعي البولندي الذي يتحدث البولندية ويتبع الكنيسة الرومانية الكاثوليكية، ولم يكن الوكيل اليهودي سوى أداته في الاستغلال وسوط عذابه. ولكنه مع هذا كان المستغل المباشر المنعزل تماماً عن الجماهير، فهو يتحدث اليديشية ويدين باليهودية. وكانت العناصر التي جرفتها الانتفاضة، هي القوة العسكرية البولندية والقساوسة الكاثوليك والوكلاء اليهود من ناحية، ومن ناحية أخرى الأقنان القوزاق والأوكرانيون والتتر وكل العناصر الأخرى التي انضمت لهم.
стр. 3877
وقد نجحت انتفاضة شميلنكي بسرعة خاطفة فوافقت بولندا عام ١٦٤٩ على أن تتمتع عدة مقاطعات من أوكرانيا بالحكم الذاتي. ومع هذا فقد استمر الصراع العسكري بين بولندا والدولة الجديدة واستعان شميلنكي بالروس، فتقدمت القوات الروسية والقوزاقية، وتم ضم أوكرانيا وسمولنسك إلى روسيا عام ١٦٦٧
وقد كانت انتفاضة شميلنكي في جوهرها شكلاً من أشكال الثورة الشعبية لا تختلف عن مثيلاتها من ثورات الفلاحين ضد الإقطاعيين ووكلائهم. وهي عادةً ثورات تأخذ في البداية شكل غضب شعبي عارم ورغبة شديدة في الانتقام، هو في جوهره رد فعل لا عقل له لعملية القمع القاسية اللاعقلانية التي كانت تُمارَس ضد الفلاحين. وعادةً ما ينضم الفلاحون إلى جيوش الثورة الشعبية التي لا تلتزم بقوانين الحرب المختلفة (الخاصة بالأسرى وغيرها) لجهلهم بها، بل إن الثورة الشعبية بأسرها في مراحلها الأولية تفتقر إلى البرنامج السياسي والرؤية. ولم تكن انتفاضة شميلنكي استثناءً من هذه القاعدة إذ اندلعت الثورة وعبَّر الفلاحون عن غضبهم بذبح كل من وجدوه في طريقهم ممثلاً لمؤسسة القمع: نبلاء بولنديين وقساوسة كاثوليك ووكلاء يهود. ولعل عملية الانتقام كانت أكثر سهولة ويسراً في حالة انتفاضة شميلنكي لأن العنصر المستغل (البولندي الكاثوليكي واليهودي اليديشي) .كان عنصراً استيطانياً غريباً من السهل التعرف عليه يعيش في الشتتلات. ومما يجدر ذكره أن انتفاضة شميلنكي لم تكن انتفاضة عنصرية موجهة ضد اليهود باعتبارهم يهوداً وإنما باعتبارهم ممثلين للإقطاع البولندي الاستيطاني. أي أنهم لم تكن لهم أية أهمية في حد ذاتهم، فقد كانوا مجرد أداة في يد أحد أطراف الصراع. ولذا فحينما كانت القوات البولندية تنتصر على المنتفضين كان هذا يعني عادةً عودة أعضاء الجماعات اليهودية إلى الشتتلات وكان يُنَص على هذا في الاتفاقيات المبرمة. وحينما كانت كفة المنتفضين ترجح كان أحد مطالبهم أن تُخلَى المدن
стр. 3878
الأوكرانية من القوات البولندية والوكلاء اليهود. وحينما كتب شميلنكي رسالة إلى كرومويل، على أمل عقد تحالف بين القوتين الأرثوذكسية والبروتستانتية، فإنه لم يذكر اليهود بخير أو شر.
وحسبما جاء في المصادر اليهودية المعاصرة، فقد أُبيد نحو ثلث يهود أوكرانيا. ولكن المؤرخين يميلون الآن إلى القول بأن هذه الأرقام مُبالَغ فيها، كما يميلون إلى أن أعداداً كبيرة من اليهود فرَّت ثم عادت بعد أن هدأت الأحوال قليلاً. وربما يفسر هذا استمرار تزايد أعداد اليهود بعد الانتفاضة. ولكن أعضاء الجماعة اليهودية (أكبر جماعة يهودية في أوربا) الذين عادوا كانوا يشكلون جماعة مذعورة لا تحس بالطمأنينة الزائفة التي كانت تشعر بها قبل اندلاع الثورة، إذ تم تقويض روحها المعنوية، وفقدت الثقة في نفسها وفي وضعها، الأمر الذي جعل منها تربة خصبة للحركات الشبتانية والمشيحانية (ابتداءً من شبتاي تسفي وانتهاءً بالحسيدية) وجعلهما مادة خاماً مهيأة لأن تُنقَل إلى أي مكان حتى يمكنها الاستمرار في الاضطلاع بدورها كجماعة وسيطة (وهو الحل الذي طرحته الصهيونية ثم نفذته) .
وإذا نظرنا إلى انتفاضة شميلنكي من منظور التاريخ الإنساني العام فلابد أن تُصنَّف باعتبارها ثورة شعبية ضد شكل من أشكال الظلم لم تشهد له الإنسانية مثيلاً، فقائدها بطل شعبي نجح في تحرير شعبه، ولا شك في أن هذه الانتفاضة ارتكبت الكثير من أفعال القسوة التي لا يمكن إلا أن يدمغها الإنسان من الناحية الأخلاقية، مع علمنا تمام العلم بأن هذا هو جزء من نمط الثورات الشعبية السائد، إلا أن عدالة الانتفاضة وأخلاقيتها وبطولة قائدها هي أمور لا يتطرق إليها الشك. وهكذا يحتفل بها شعب أوكرانيا، ولهذا السبب يقيم التماثيل الضخمة لقائدها ومحرر البلاد.
стр. 3879
ولكن الدراسات الصهيونية تنظر إلى هذه الحادثة في إطار التاريخ اليهودي الذي يضع اليهود في مقابل الأغيار، فنجد أن صورة اليهود في مثل هذه الدراسات، صورة اختزالية كوميدية، إذ تُصوِّر اليهود باعتبارهم أقلية صغيرة يعيش أعضاؤها آمنين في مدنهم الصغيرة يتحدثون اليديشية، لا علاقة لهم بعالم الأغيار، وفجأة يهب هذا العالم ويذبح آلاف اليهود (وتبدو الواقعة بأسرها وكأنها شيء فجائي ليس له سبب واضح لأننا لا ندرك دور اليهود الوظيفي أو علاقتهم بالأغيار البولنديين) . ومن ثم فإن انتفاضة شميلنكي تصبح «مذبحة شميلنكي» ويُقارَن شميلنكي بهتلر. وحينما تُصوِّت إحدى دول شرق أوربا ضد إسرائيل في هيئة الأمم فهذا جزء من «ميراث شميلنكي» . وتَناول كتب ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» لانتفاضة شميلنكي يبيِّن انعدام القيمة التفسيرية لهذا النموذج.
الماضي والمستقبل اليهوديان
Jewish Past and Future
стр. 3880
«الماضي اليهودي» تعبير يفترض أن لأعضاء الجماعات اليهودية ماضياً واحداً مستقلاً، أي تاريخاً واحداً مستقلاً، فإن لم يكن لهم حاضر موحَّد فهذا نتيجة لحادثة هدم الهيكل وشتاتهم. والمشروع الصهيوني محاولة لأن يكون لليهود مستقبل موحَّد. ولكن الدراسة المتأنية تبين أن أعضاء الجماعات اليهودية ليس لهم ماض واحد. فماضيهم في بولندا، أي تجربتهم التاريخية وموروثهم الحضاري والديني في بولندا، يختلف عن ماضي يهود الفلاشاه، وتجربة هذين الفريقين تختلف عن تجربة الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة. وليس لأعضاء الجماعات اليهودية حاضر واحد، فلكل جماعة يهودية مشكلاتها ونصيبها المختلف من الأفراح والأتراح. وتدل المؤشرات كافة على أن هذه الجماعات لن يكون لها مستقبل واحد. فيهود الولايات المتحدة (أكبر تجمُّع يهودي في العالم) يعتبرون أمريكا وطنهم القومي. وبرغم تعاطف أعداد كبيرة منهم مع إسرائيل والصهيونية، فإنهم لا ينوون الهجرة إليها، شأنهم في هذا شأن يهود أستراليا ونيوزلندا. أما يهود أمريكا اللاتينية وجنوب أفريقيا، على سبيل المثال، فهم يواجهون مشاكل في بلادهم قد تضطرهم إلى الهجرة ولكنهم لا يهاجرون إلى إسرائيل. بينما لا يمانع يهود الفلاشاه في الهجرة إلى إسرائيل إذ يراودهم حلم الحراك الاجتماعي. ويدل كل هذا على أن لكل جماعة يهودية مستقبلاً مستقلاً.
ومع هذا، تصر الكتابات الصهيونية على تأكيد وجود ماض ومستقبل ومصير يهودي واحد منفصل عن ماضي ومستقبل ومصير المجتمعات التي يعيش فيها أعضاء الجماعات اليهودية. ولدعم هذا الرأي، تؤكد الكتابات الصهيوينة أهمية النظر إلى الهجمات التي تحدث ضد اليهود، كالإبادة النازية ليهود أوربا، باعتبارها جزءاً من ماض مشترك ونمط متكرر لا يمكن الخروج منه إلا بالحركة المشتركة في المستقبل.
المصير اليهودي (الوحدة والتشابك (
Jewish Destiny (Unity and Entanglement)
стр. 3881
«المصير (أو القَدَر) اليهودي» عبارة تعني أن أعضاء الشعب اليهودي لهم مصير واحد، فريد ومشترك، وأنهم خاضعون لمسار واحد، ولهم تطلعات مشتركة، ويلقون نهاية واحدة. وفكرة المصير اليهودي مرتبطة بفكرة الشعب المختار، فهذا الشعب قد اختاره الإله وحلّ فيه ليكون محط عنايته واهتمامه (وأحياناً اضطهاده) ، وهو بالتالى شعب ذو مصير خاص، مقرَّر مسبقاً، يبدأ تاريخه بالخروج من مصر وينتهي بعودة الماشيَّح. وبين البداية والنهاية، يلاقي اليهود مصيرهم الموعود من اضطهاد وطرد وتهجير وهجرة، فهم أداة خلاص العالم. وقد عمقت القبَّالاه اللوريانية هذا المفهوم، وربطت بين مصير الإله ومصير الشعب.
وقد تمت علمنة هذا المفهوم الديني ليكون مصير اليهود التاريخي المشترك مفهوماً دنيوياً، وهو مصير مستقل عن تواريخ الشعوب الأخرى، ولذا يُفسَّر ما يحدث لليهود بمعزل عن الظروف الحضارية والاجتماعية التي أدَّت إلى هذا الحدث، والتي لا تقع بالضرورة داخل حدود التاريخ اليهودي. فحادثة مثل الخروج من مصر، يُنظَر إلىها خارج حركيات التطور في الشرق الأدنى القديم. ولا يُنظَر إليها في علاقتها باكتشاف الحديد الذي أدَّى إلى تدهور الدولة المصرية، وكذلك طرد الهكسوس من مصر وتركهم موالىهم من العبرانيين وراءهم، ثم ظهور شعوب البحر. ويصبح تهجير اليهود إلى بابل وكأنه عقاب من الإله لليهود على ما اقترفوه من آثام وجزء من مصيرهم. وتسقط من الصورة حركيات ظهور الإمبراطوريتين الآشورية والبابلية وصراعهما مع الدولة المصرية، كما تسقط من الصورة الأقوام الأخرى التي تم سبيها بحيث تظهر حادثة السبي وكأنها حدث فريد مقصور على اليهود لا يمكن فهمه إلا في إطار المصير اليهودي الفريد.
стр. 3882
ومن أهم الوقائع التي تفسَّر بهذه الطريقة، واقعة الإبادة النازية ليهود أوربا، إذ تصر الأدبيات اليهودية على عدم ذكر الملايين الأخرى التي أبيدت تحت نفس الظروف. كما أن هذه الأدبيات لا تتحدث أبداً عن سبب العداوة الشرسة من قبل النازيين لليهود وكأن ذلك أمر غير مرتبط بأزمة المجتمع الصناعي الغربي في الثلاثينيات والرؤية المعرفية الإمبريالية.
وتحاول هذه الأدبيات، انطلاقاً من النموذج نفسه، أن تؤكد بعض السمات الأساسية التي تتسم بها بعض الجماعات اليهودية باعتبارها جزءاً من المصير اليهودي وتعبيراً عنه. فاليهودي مكتوب علىه الانعزال وعدم الاندماج، شاء أم أبى، وهو دائماً يعزل نفسه عن الآخرين بسبب تركيبية شخصيته اليهودية، وهي مقولة وجدت طريقها إلى الأدبيات العربية التي تتناول الشأن اليهودي. ولكن الدارس المدقق يعرف أنها مقولة لا أساس لها من الصحة، فلو لم يندمج اليهود ولم ينصهروا في مجتمعاتهم لبلغ عددهم الآن مئات الملايين، فقد كان عددهم مع بداية العصر المسيحي (في بعض التقديرات) يزيد على سبعة ملايين. كما أن تنوع اليهود الإثني والعرْقي والحضاري لا يمكن فهمه إلا في إطار اندماجهم. فالفلاشاه يختلفون عن يهود الهند الذين يختلفون بدورهم عن يهود الولايات المتحدة. ومع هذا، تصر الأدبيات الصهيونية على أن مصير اليهودي وقدره هو العزلة وعدم الاندماج، وبالتالى تصبح الدولة الصهيونية نتيجة حتمية ومفهومة وأمراً طبيعياً، فهي الإطار الذي يمكن لهذا المنعزل الأزلي أن يعبِّر عن شخصيته اليهودية من خلاله.
стр. 3883
ويظهر قصور المقدرة التفسيرية لنموذج المصير اليهودي إذا ما درسنا السلوك الفعلي لأعضاء الجماعات اليهودية خارج إطار هذه المقولات الأسطورية. فيهود الولايات المتحدة قد ربطوا مصيرهم كليةً بمصير بلدهم، برغم كل ادعاءاتهم الصهيونية. كما أن اليهود الأمريكيين الذين اشتركوا في الحرب العالمية الثانية بلغ عددهم خمسمائة وخمسين ألفاً، جرح منهم أربعة وعشرون ألفاً، وحصل ستة وثلاثون ألفاً على نياشين، وقتل منهم عشرة آلاف وخمسمائة من أجل وطنهم، وهو عدد يفوق عدد جملة اليهود الذين ماتوا دفاعاً عن الوطن القومي اليهودي. كذلك، فإن يهود الولايات المتحدة لا يهاجرون الى هذا الوطن القومي، علماً بأن عدد من يزور منهم هذا الوطن للسياحة لا يزيد على ١٠% وابتداءً من العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، أخذ المصير اليهودي (أو مصير الأغلبية العظمى من يهود العالم) يرتبط بالمصيرالأمريكى، إذ أن ملايين المهاجرين اتجهوا إلى الولايات المتحدة وتجاهلوا أرض الميعاد تماماً عدا أعداداً قليلة للغاية. ولا يزال هذا البلد الذهبي (جولدن مدينا) الغريم الأكبر للدولة الصهيونية حيث يهاجر مواطنوها بأعداد متزايدة إلى أرض الميعاد الأمريكية التي تحقق للجميع قسطاً أكبر من الأمن. وكذلك يفعل يهود أمريكا اللاتينية وجنوب أفريقيا. كما أن المهاجرين من روسيا وأوكرانيا يتجهون أساساً، هم أيضاً، إلى الولايات المتحدة متى سنحت لهم الفرصة. فإذا أضفنا إلى هذا الاتفاق الإستراتيجي بين الدولة الصهيونية والولايات المتحدة، والاعتماد شبه الكامل لهذه الدولة على الدعم الأمريكي بحيث أصبح مصيرها في يد راعيها الأكبر، فإننا نستطيع أن نقول بكثير من الإطمئنان إن المصير اليهودي، إن كان ثمة مصير مستقل، هو نفسه المصير الأمريكي. فالمصير اليهودي خاضع تماماً للإرادة الأمريكية. وهو، على كلٍّ، أمر متوقَّع بعد أن قامت المنظمة الصهيونية العالمية بتوقيع عقد صامت مع الحضارة
стр. 3884
الغربية يتحول بمقتضاه أعضاء الجماعات اليهودية إلى جماعة وظيفية استيطانية في فلسطين، أو إلى جماعات توطينية خارجها، تدافع عن المصالح الغربية نظير أن تضمن هذه الحضارة أمن وبقاء الدولة الصهيونية.
وقد أصبحت مقولة «المصير اليهودي» مقولة أساسية في الخطاب السياسي الإسرائيلي وتتبدَّى في عبارة مثل «إين بريرا» ، أي «لا خيار» ، وهي العبارة التي يصف بها المستوطنون الصهاينة حالة الحرب الدائمة التي يعيشونها. وقد تعمق هذا المفهوم في أدبيات جوش إيمونيم، إذ يصبح المصير اليهودي جوهر حياة المستوطنين، فهو تعبير عن عبء الميثاق بين الإله والشعب، وهو عبء لا يحمله كل الشعب اليهودي، وإنما يحمله المستوطنون وحدهم، فيذهبون إلى الضفة الغربية، ويضربون خيامهم بجوار البركان. وهو أمر مكتوب عليهم، فقد جاء في العهد القديم: «هو ذا شعب وحده وبين الشعوب لا يسكن» . ولذا، فالحرب الدائمة مع العرب جزء من المصير المحتوم.
ولقد حوَّلت المحكمة العليا فكرة المصير اليهودي إلى معيار ارتضته أساساً لتعريف الهوية اليهودية. ومن هنا، رُفض طلب الأخ دانيال أن يُعترَف به يهودياً، رغم أنه وُلد لأم يهودية، وذلك لأنه تبنَّى ديناً آخر ولم يربط مصيره بمصير الشعب اليهودي. ومع هذا، صرح شامير بأن الدولة الصهيونية لا يمكنها أن تدافع عن كل يهود العالم، إذ أنها مشغولة بالدفاع عن نفسها، أي أنه رفض اشتباك مصير الشعب اليهودي بالدولة اليهودية.
стр. 3885
ويُلاحَظ أن الجماعات الوظيفية عادةً ما يكون لديها إحساس متضخم بخصوصية مصيرها. فالساموراي، في شعر الهايكو، يتحدثون دائماً عن مصيرهم الموعود، كما تتحدث العاهرات عن نصيبهن المكتوب على الجبين. وهذه جميعاً محاولات إنسانية لعقلنة وضع غير عقلاني وغير إنساني لا تمكن عقلنته إلا بهذه الطريقة. ولعل اضطلاع أعضاء الجماعات اليهودية بدور الجماعات الوظيفية في الحضارة الغربية، واضطلاع الدولة الصهيونية بدور الدولة الوظيفية، السبب الكامن وراء تضخُّم الحديث الصهيوني عن المصير اليهودي الفريد والمشترك.
стр. 3886
ونحن نفرِّق بين وحدة المصير اليهودي وبين تشابك المصائر، إذ أن أحوال إحدى الجماعات اليهودية تؤثر أحياناً على جماعة يهودية أخرى، وذلك رغم وجودهما في مسارين تاريخيين مختلفين، وبرغم انتمائهما إلى حركيات تاريخية مختلفة. وعلى سبيل المثال، فإن حركيات التحديث المتعثر في شرق أوربا قذفت بملايين اليهود الفائضين إلى غربها، فاشتبك مصيرهم بمصير يهود هذه البلاد دون أن يتَّحد المصيران بالضرورة، وبذل يهود غرب أوربا أقصى جهدهم للتخلص من الوافدين الجدد. وظهرت، في هذا الإطار، الصهيونية الخارجية التوطينية التي يُطلَق عليها مصطلح «صهيونية الدياسبورا» ، وهي صهيونية لا تطلب من المؤمن بها الاستيطان، وإنما تطلب منه المساهمة في توطين الفائض البشري اليهودي الذي يهدِّد مكانته بالخطر. وقد أثر المشروع الاستيطاني الصهيوني، وهو مشروع إشكنازي غربي بالدرجة الأولى، في الجماعات اليهودية في العالم العربي، إذ أن مصيرهم اشتبك مع مصير المستوطنين الإشكناز، الأمر الذي اضطرهم إلى الخروج من بلادهم العربية وإلى استيطان أعداد منهم فلسطين. ومع هذا، ظل الوضع الاقتصادي المتدني والهوية الحضارية المستقلة داخل المُستوطَن الصهيوني، وهو ما يعني أن مصيرهم ليس متوحداً بعد مع مصير الإشكناز وإن كان الوضع قد بدأ في التغير في الآونة الأخيرة (وقد يصبحون جزءاً من المُستوطَن الصهيوني لهم نفس مصيره) . ومع هذا، فثمة عناصر تتفاعل داخل المُستوطَن الصهيوني وتوسِّع الهوة بين الإشكناز ويهود العالم الإسلامي، وتفرض على كلٍّ مصيراً مختلفاً.
القدر اليهودي
Jewish Fate
عبارة مرادفة لعبارة» المصير اليهودي «
الاستمرار اليهودي
Jewish Continuity
стр. 3887
«الاستمرار اليهودي» نموذج تفسيري يفترض أن الجماعات اليهودية تكوِّن في العصر الحديث كلاًّ متجانساً عل مستوى العالم، وأن ثمة استمرارية تاريخية وثقافية (بل أحياناً عرْقية) تسم ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» ، ويُعَدُّ هذا النموذج عنصراً محورياً في الفكر الصهيوني. وانطلاقاً منه، يذهب الصهاينة إلى أن اليهود المحدَثين هم ورثة العبرانيين القدامى، وأن حكومة إسرائيل الحالية في فلسطين المحتلة ما هي إلا الكومنولث اليهودي الثالث. ويرى بعض الصهاينة أن الصهيونية هي تعبير عن هذه الاستمرارية فأصولها تمتد بعيداً إلى أيام الأنبياء الأوائل وأن الدعوة الى العودة شيء متصل منذ بداية التاريخ اليهودي إلى الآن من الأنبياء إلى هرتزل.
وفكرة الاستمرار هذه فكرة حلولية ذات أصول إنجيلية، إذ أن الوجدان الغربي ينظر إلى أعضاء الجماعات اليهودية من خلال الكتب المقدَّسة، فيرى العبرانيين القدامى يدخلون كنعان، ثم يرى حكم القضاة فالملوك، فالسبي البابلي، فعودة عزرا ونحميا، وبعد ذلك ثورة الحشمونيين، ثم هدم الهيكل على يد تيتوس، وهو ما أدَّى إلى نفي اليهود. وهذا ما يعني أنهم في حالة انتظار، قابعون داخل تاريخهم المقدَّس الذي حلّ فيه الإله. وتُستأنَف الحلقة بعودة اليهود مرة أخرى إلى فلسطين. وبالتالى، فإن الاستيطان الصهيوني تعبير عن نمط متكرر ومستمر ومتوقع. كما أن دخول المستوطنين الصهاينة إلى فلسطين، وقيامهم بذبح الفلسطينيين، ليس إلا استمراراً وتكراراً لدخول العبرانيين إلى أرض كنعان وإبادتهم لأهلها.
стр. 3888
ويُعبِّر نموذج الاستمرار هذا عن نفسه فيما يمكن تسميته القياس التاريخي الزائف الذي يفترض أن الظواهر المحيطة بيهود اليوم تشبه في كثير من الوجوه الظواهر التي واجهها اليهود في ماضيهم السحيق. فنجد، مثلاً، أن حاييم وايزمان يطالب العرب في خطابه أمام المؤتمر الصهيوني العشرين (١٩٣٧) بالتفاوض مع اليهود مذكراً إياهم بأنه، في الفترات العظيمة من التاريخ العربي، تعاون الشعبان معاً في بغداد وقرطبة على حفظ كنوز الثقافة العربية. فالعرب في نظره ما زالوا كما كانوا، واليهود أيضاً لم يتغيروا، أما الظروف التاريخية المتغيرة فهي أمر ثانوي يحسن التغاضي عنه كلية. ومن أطرف الأمثلة على هذا الإيمان باستمرار إسرائيل، وعلى القياس التاريخي الزائف، ما صرح به أستاذ للتاريخ بالجامعة العبرية من أن جنود إسرائيل رأوا البحر الأحمر لأول مرة في يونيه عام ١٩٦٧ بعد غياب دام بضعة آلاف من السنين، أي بعد عبورهم إياه مع موسى حينما كان يطاردهم فرعون مصر! وقد كان من الشائع في الولايات المتحدة، بعد حرب ١٩٦٧ مباشرة، أن يحاول بعض الحاخامات تفسير أسفار العهد القديم، مبينين أن معارك يونيه ليست إلا تكراراً لمعارك حدثت من قبل. ويحاول بن جوريون تبرير عسكرة المجتمع الإسرائيلي باللجوء إلى أسطورة الاستمرار، فيقول: «إن جنود موسى ويوشع وداود لم يكفُّوا عن القتال ... وكذلك جنود صهيون [أي دولة إسرائيل] لن يتوقفوا عن القتال» . ويقوم بعض المعلقين العسكريين الإسرائيليين بعقد المقارنات بين فرسان داود وسليمان ودبابات الجيش الإسرائيلي، كما يقيمون الندوات لبحث أوجه الشبه والخلاف بين أساليبب جدعون وتكتيكات ديان. بل إن الصراع العربي الإسرائيلي بأسره ينظر إليه على أنه استمرار لصراع العبرانيين مع الفراعنة والآشوريين والبابليين والفينيقيين. ويتبدَّى نموذج الاستمرار اليهودي في فكرة النقاء العرقي والحضاري لليهود، لأن فكرة الاندماج والاختلاط بالآخرين
стр. 3889
تنسف فكرة الاستمرار من جذورها.
وتذهب الرؤية الصهيونية في تفسير هذا الاستمرار اليهودي إلى أن الوجود اليهودي عبر التاريخ اتبع نمطاً واحداً، وعبَّر عن جوهر يهودي واحد، فهو أقرب إلى التكرار منه إلى الاستمرار ويأخذ شكلاً هندسيٍّا متسقاً يشبه إلى حدٍّ كبير الأساطير البدائية التي تصل إلى درجة عالية من الاتساق العضوي مع نفسها. وعلى أية حال، فإن هذا الاتساق يجعل الصهيونية نظاماً مغلقاً مكتفيًّا بذاته لا علاقة له بالواقع المتعيِّن الحي، وهي في هذا تشبه كثيراً من الأساطير الشمولية مثل الأسطورة النازية. ويجد الصهاينة نفس القدر من الاستمرارية في ظاهرة معاداة اليهود، إذ يرون أنها دائمة ما دام اليهود في المنفى.
وكما هو الحال مع «البقاء اليهودي» وغيره من المفاهيم الصهيونية، نجد أن مفهوم الاستمرار اليهودي يعطي اليهودي حقوقاً مطلقة مستمرة لا تنقطع، ويسقط الحقوق القائمة للآخرين. فباسم هذا الاستمرار يدَّعي الصهاينة لأنفسهم شرعية احتلال فلسطين وطرد أهلها. فالدولة اليهودية، حسب رؤيتهم، هي وريثة الدويلات اليهودية التي قامت منذ آلاف السنين.
الاستمرار اليهودي: منظور إسلامي
Jewish Continuity: An Islamic Perspective
من المفاهيم الصهيونية المحورية مفهوم الاستمرار اليهودي، ويُقصَد به أن ثمة استمرارية في الصفات الأساسية (الثقافية والدينية بل والعرْقية أحياناً) التي تسم أعضاء الجماعات اليهودية وتفصلهم عن غيرهم من الشعوب والجماعات. وانطلاقاً من هذه الاستمرارية يرى المؤمنون بها أن كلمة «يهودي» تشير إلى يهود العالم في الحاضر والماضي والمستقبل، وأن كلمة «يهودية» تشير إلى نظامهم العقدي، وكأن سمات اليهود الثقافية لم يطرأ عليها أي تَغيُّر جوهري، وكذلك موروثهم الديني.
ونحن نرى أن مثل هذا التصور يتنافى تماماً مع الواقع التاريخي ومع الرؤية الإسلامية، ويمكن أن نسجل الملاحظات الآتية:
стр. 3890
١ ـ لا يملك الدارس المتأني إلا أن يُلاحظ وجود تَنوُّع هائل بين أعضاء الجماعات اليهودية على المستوى العرْقي، فهناك يهود بيض ويهود سود ويهود صفر، وتختلف أحجام الرأس باختلاف انتماء اليهودي، كما يظهر الاختلاف والتباين على المستوى الثقافي/الإثني (انظر الباب المعنون «إشكالية العزلة والخصوصية اليهودية» ) .
٢ ـ يُلاحَظ أن اليهودية ليست عقيدة متكاملة محددة المعالم بشكل معقول فهي أساساً تركيب جيولوجي تراكمي يحوي داخله طبقات عقيدية مختلفة ومتناقضة، بعضها يقترب من الشرك الصريح وبعضها يصل إلى التوحيد الكامل، وهذه الطبقات جميعاً جزء من اليهودية. وإن آمن اليهودي بطبقة دون أخرى، فهو مع هذا يظل يهودياً من منظور الشرع اليهودي. وفي عهد الهيكل الثاني، كان الصدوقيون الذين لا يؤمنون باليوم الآخر يجلسون في السنهدرين جنباً إلى جنب مع الفريسيين الذين يؤمنون بالبعث واليوم الآخر. وإلى جانب هؤلاء توجد بعض كتب الأنبياء في العهد القديم التي تقترب من التوحيد الخالص، بل تصل إليه أحياناً. وقد جاء في القرآن الكريم «قالت اليهود عزير ابن الله» (التوبة: ٣٠) وبالفعل، هناك من اليهود من يستخدم مفهوم ابن الله باعتباره مفهوماً محورياً (انظر: «ابن الله» ) ، ولكن هناك من يُهمِّش هذا المفهوم بل يرفضه تماماً، ويصر على قدر عال من التوحيد. وهناك العشرات من اليهود في العصور الوسطى في الغرب ممن تقدموا إلى النار التي أُضرمت لإرغامهم على الرجوع عن التوحيد ولاقوا حتفهم وهم يرددون أن الإله واحد.
следующие страницы →