Полный текст (8 511 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.
стр. 4061
وكان كثير من قبائل البدو السامية تستأذن فرعون مصر في الالتجاء إلى مصر، حيث كان فيها مجتمع زراعي مستقر يعتمد على الري وعلى فيضان النيل فراراً من جفاف أو مجاعة، ثم تخرج بعد ذلك. ولم يكن العبرانيون استثناءً من ذلك بأي شكل من الأشكال. ففلسطين مجتمع زراعي كان يعتمد على المطر. وثمة وثائق مصرية تتحدث عن بدو من أدوم وجنوب فلسطين تركوا منازلهم في زمن القحط ليبقوا على حياتهم وحياة قطعانهم. ومثل هذه المجاعات هي التي اضطرت إبراهيم وإسحق إلى التوجه جنوباً إلى مصر. وقد أرسل يعقوب أولاده لهذا السبب، ثم استقرت الأسرة كلها هناك. وقد بدأت الهجرة السلمية لبعض الساميين تحت قيادة أمير بدوي يُقال له أبشاي أو أبشاه في القرن الثامن عشر قبل الميلاد. وثمة لوحة مقبرة خنوم ـ حوتب (أحد أشراف الأسرة الثانية عشرة) في بني حسن تصور الآسيويين يدخلون مصر لكي يحصلوا على الطعام. وهذه هجرات تشبه، في بعض الوجوه، هجرات إبراهيم وإسحق ويعقوب. وهي تبين أن قصة يوسف، فيما يتعلق بهذه الهجرات، مبنية على خلفية تاريخية عامة، كما أن كره المصريين للرعاة له هو الآخر أساس تاريخي (تكوين ٤٦/٣٤) .
وقد تحوَّلت الهجرة إلى تسلل والتسلل إلى غزو، حتى استولى خليط آسيوي سامي من الرعاة العموريين والكنعانيين والحوريين على السلطة في مصر خلال فترة الانحلال الثاني بدءاً من الأسرة الثالثة عشرة حتى الأسرة السادسة عشرة (١٧٨٦ ـ ١٥٧٠ ق. م) فيما يُعرَف باسم حكم الهكسوس. ورغم أن الهكسوس قد تبنوا الحضارة المصرية، فإن المصريين لم يتقبلوا الهكسوس قط، وقامت حركة تحرير بقيادة ملوك طيبة كُلّلت بالنجاح.
стр. 4062
وقبل التعرُّض لموضوع دخول العبرانيين مصر وخروجهم منها، يجب التنبيه إلى أن لغتنا ستكون غير يقينية لأن الوثائق التاريخية المتاحة ليست قاطعة، وتترك مجالاً واسعاً للاختلاف. ويذهب كثير من المؤرخين إلى أن حكم الهكسوس متزامن مع فترة الآباء، وأن هذه الفترة هي التي دخل إبَّانها العبرانيون مصر. فوجود الهكسوس، على ما يبدو،هو الذي سهل عملية دخول العبرانيين، وثمة رأي يذهب إلى أنه يوجد قرابة عرْقية بين الهكسوس والقبائل العبرانية.
وقد ازدهر العبرانيون بعض الوقت، وقد بلغ يوسف مكانته المرموقة في زمن ملوك الهكسوس، ولكن مع ظهور المملكة الحديثة (١٥٧٠ ـ ١٠٨٥ ق. م) ، بدأ وضع جديد في مصر بالنسبة إلى العبرانيين، إذ ظهر الملك الذي لا يعرف يوسف (خروج ١/٨) حسب الرواية التوراتية. وطرد المصريون الهكسوس إذ قام أحمس الأول (١٥٧٠ـ ١٥٤٦ ق. م) أمير طيبة، وأول ملوك الأسرة الثامنة عشرة فيما بعد، بمطاردتهم حتى جنوب فلسطين. ويبدو أن المصريين، بعد غزوة الهكسوس، لم يعودوا يثقون في الحواجز الطبيعية والصحراوية كمانع ضد الغزوات الأجنبية، فبدأت من هنا التطلعات الإمبراطورية لتأمين الحدود، وبسط ملوك الأسرة الثامنة عشرة هيمنتهم إلى الشرق والشمال حتى اصطدموا بالإمبراطورية الحورية (الميتانية) ، وكانت فلسطين أرض المعركة بينهم. وقد وصل تحتمس الأول (١٥٢٦ ـ ١٥١٢ ق. م) حتى نهر الفرات. ولكن واضع أساس الإمبراطورية الحقيقي هو تحتمس الثالث (١٥٠٤ ـ ١٤٥٠ ق. م) أعظم ملوك الأسرة الثامنة عشرة الذي حطَّم تحالفاً من الأمراء الكنعانيين والسوريين تحت قيادة ملك قادش في مجدو عام ١٤٧٩ ق. م. وقد التقى تحتمس بالحيثيين، ولكنه إما هزمهم، أو عقد معهم معاهدة دفعوا له بمقتضاها الجزية، وقد خضعت له سوريا فترة قصيرة. وقد استمر تحتمس الثالث، مدة عشرين عاماً تقريباً، في إرسال جيشه إلى غرب آسيا لتعزيز انتصاراته، واستمر خلفاؤه في ذلك.
стр. 4063
وقد واصل ابنه أمنحوتب الثاني (١٤٥٠ - ١٤٢٥ ق. م) ، عمليات غزو فلسطين وسوريا. وهناك نصب تذكاري في منفيس يذكر أن هذا الفرعون «أسر ثلاثة آلاف وستمائة عبيرو» أثناء غزوة قام بها إلى فلسطين. ولذا، فقد قرنه بعض المؤرخين (من بينهم مانيتو) بفرعون الخروج مع أن كلمة «عبيرو» أكثر اتساعاً وأكثر شمولاً من كلمة «عبراني» . ثم عقد أمنحوتب الثالث (١٤١٧ ـ ١٣٧٩ ق. م) معاهدة مع مملكة ميتاني الحورية، وتزوج من أميرة ميتانية. وكانت المناطق الآسيوية يحكمها أمراء تابعون لمصر، تربوا في البلاط المصري وكانوا يحكمون لصالح فرعون مصر وباسمه.
стр. 4064
وفي القرن الرابع عشر قبل الميلاد، بدأت عوامل الضعف تظهر في مصر، وقامت الثورة التوحيدية على يد إخناتون (أمنحوتب الرابع) (١٣٧٩ ـ ١٣٦٢ ق. م) ، ويبدو أنها كانت ذات أبعاد اجتماعية أيضاً فالإمبراطورية بنيت على يد الجنود والموظفين ولكن أرستقراطية النبلاء والكهنة ظلت مغلقة دونهم، الأمر الذي تَطلَّب تغييراً يسمح بالحراك الاجتماعي. وتحوي ألواح تل العمارنة المكتوبة بالأكادية تقريراً رُفع لفرعون مصر عن أمراء بابل وآشور والحيثيين وسوريا وفلسطين الذين تم إخضاعهم كما تحوي طلباً بالعون للتصدي للخابيرو، تلك القبائل البدوية التي بدأت تُغير على حدود فلسطين. وكانت سياسة مصر في تلك الآونة هي أن تُبقي طرق التجارة لبلاد الرافدين مفتوحة وأن تُبقي حكام الشام تحت هيمنتها. وبعد موت توت عنخ آمون (١٣٦١ـ ١٣٥٥ ق. م) ، خليفة إخناتون، هزم الحيثيون المصريين واندلع ما يشبه الحرب الأهلية في مصر، فاستقلت فلسطين لبعض الوقت وربما نجح الخابيرو في الاستقرار فيها. ولكن الرعامسة من ملوك الأسرة التاسعة عشرة (١٣٢٠ ـ ١٢٠٠ ق. م) أعادوا السيطرة المصرية، عن طريق الاحتلال المباشر هذه المرة، فكانت توجد حاميات مصرية في غزة ويافا ومجدو وبيت شان وفي مدن أخرى. ودخل رمسيس الثاني حرباً مع الحيثيين في معركة قادش الشهيرة عام ١٢٨٨ ق. م والتي لم يحرز أي من الطرفين فيها نصراً حاسماً، فتم تقسيم الشام إلى قسمين بحيث يئول القسم الشمالي للحيثيين والجنوبي (وفيه فلسطين) للمصريين. وتظهر في هذه المرحلة إشارة إلى فلسطين باسم «كنعان» ، ويظن كثيرون أن رمسيس الثاني هو الفرعون الذي سخَّر العبرانيين ليبنوا له المدينة المسماة باسم «رعمسيس» (خروج ١/١١) ، وقد ورد في السجلات التي تركها أنه استخدم عبيداً من العبيرو في مشاريع البناء التي قام بها. لكن ثمة نظرية أخرى تذهب إلى أن رمسيس الثاني هو في الواقع فرعون الخروج.
стр. 4065
وقام الفرعون منفتاح أو مرنبتاح (١٢٣٦ ـ ١٢٢٣ ق. م) ، خليفة رمسيس الثاني، بإخماد ثورة في كنعان في أواخر القرن الثالث عشر قبل الميلاد. واحتفالاً بهذه المناسبة، تظهر أول إشارة في التاريخ إلى كلمة «يسرائيل» : «يسرائيل شعب صغير. لقد دمرته وانمحت ذريته فلا وجود له» . ويُقال إن كلمة «يسرائيل» هنا تشير إلى إحدى المدن أو القبائل الكنعانية وليست لها أية علاقة بالعبرانيين.
وشهد عهد مرنبتاح أول موجة من موجات شعوب البحر (الفلستيين) ، وقد نجح في صدهم. كما نجح رمسيس الثالث (١١٩٨ ـ ١١٦٧ ق. م) في وقف هجماتهم تماماً، وكان آخر فراعنة هذه الأسرة الذين حكموا فلسطين.
стр. 4066
أما فترة عصر الأسرات المتأخرة (١٠٨٥ ـ ٣٣٢ ق. م) ، بعد نهاية المملكة الحديثة، فتشمل حكم الأسر: من الحادية والعشرين (١٠٨٥ ـ ٩٤٥ ق. م) وحتى الأسرة الثلاثين (٣٨٠ ـ ٣٤٣ ق. م) والتي تُسمَّى في التاريخ المصري القديم بالحكم الأجنبي، أي حكم الليبيين والنوبيين والآشوريين والفرس وغيرهم. وقد شهدت هذه الفترة انحسار النفوذ المصري، وهي نفسها الفترة التي تم فيها اتحاد القبائل العبرانية فيما يُسمَّى بالمملكة العبرانية المتحدة ثم انقسامها وأخيراً سقوطها على يد الآشوريين والبابليين. وتتراوح العلاقات بين مصر وفلسطين في تلك الآونة بين الشد والجذب، فقد قدَّم أحد فراعنة الأسرة الحادية والعشرين ابنته زوجةً لسليمان. وتزوج ملك مصر الليبي (شيشنق الأول) ، من الأسرة الثانية والعشرين الليبية (٩٤٥ ـ ٧٤٥ ق. م) ، ابنة سليمان، الأمر الذي أدَّى إلى إقامة علاقات وطيدة بين مصر والمملكة العبرانية المتحدة. ولكن شيشنق قام، مع هذا، بحماية يربعام الأول المتمرد الهارب من حكم سليمان. ولكنه، بعد موت سليمان، هاجم المملكة الجنوبية ونهب الهيكل أثناء حكم رحبعام ابن سليمان (هناك نقش على الجزء الخارجي من الحائط الجنوبي لهيكل آمون في الكرنك يصور هذه الحملة التي قام بها شيشنق ويذكر المدن التي غزاها) ، ثم هاجم المملكة الشمالية ذاتها. وقد استمر تَدخُّل مصر في شئون الدويلتين العبرانيتين، إذ أرسل فراعنة مصر ألف جندي مصري لإيقاف شلمانصر الثالث حينما هاجم التحالف الآرامي العبراني في معركة قرقر ٨٥٣ ق. م، التي انتصر فيها الآشوريون وإن لم تكن نتيجتها حاسمة تماماً.
стр. 4067
وفي نهاية القرن الثامن قبل الميلاد، حل الفراعنة النوبيون (الكوشيون) محل الفراعنة الليبيين، كما ظهرت القوة الآشورية في شخص تيجلات بلاسر الثالث. وأثناء ثورة المملكة الشمالية الأخيرة ضد آشور (٧٢٤ - ٧٢١ ق. م) ، كتب ملكها هوشع إلى فرعون مصر طالباً النجدة، ولكنه لم يفده في ذلك كثيراً إذ تم صد الحملة المصرية وسقطت المملكة الشمالية. ومع هذا، يبدو أن مصر ظلت قوة يُعتدُّ بها، فلقد طلب حزقيا، ملك المملكة الجنوبية، هو الآخر، العون من مصر.
وقد قام الآشوريون بضم مصر لفترة وجيزة (٦٧١ -٦٦٣ ق. م) ، وطردوا النوبيين، ووضعوا مكانهم ملوكاً مصريين تابعين. وقد نجح بسماتيك الأول (٦٦٤ ـ ٦١٠ ق. م) من الأسرة السادسة والعشرين (٦٦٣ ـ ٥٢٥ ق. م) في الاستقلال بمصر، وفي تكوين جيش من المرتزقة اليونانيين والعبرانيين والفينيقيين. وكان ملوك الدولة الجنوبية يبادلون الجنود العبرانيين بالأحصنة المصرية. كما أن فراعنة مصر بدأوا في تبني سياسة تشجيع الأجانب (ومن بينهم العبرانيون) على القدوم إلى مصر للاشتغال بالتجارة والقتال.
стр. 4068
وبعد سقوط نينوي (عاصمة الآشوريين) عام ٦١٢ ق. م على يد البابليين، حاول نخاو الثاني ابن بسماتيك الأول أن يساعد الآشوريين ضد التقدم البابلي في عام ٦٠٨ ق. م، فتصدى له يوشيا، ملك المملكة الجنوبية، ولكنه سقط هو نفسه في المعركة. وقام نخاو بضم فلسطين إلى مصر، كما خلع يهوآحاز خليفة يوشيا وأقام بدلاً منه يهوياقيم على عرش المملكة الجنوبية وفرض عليه الجزية. ولكن نبوختنصر هزمه عام ٦٠٥ ق. م في معركة قرقامش، ثم سقطت في يده القدس. وحينما قامت حركة تمرد عبراني بتحريض من مصر وأدَّت إلى مقتل جداليا، الحاكم الذي عينه البابليون، فرّ المتمردون إلى مصر ومعهم النبي إرميا. وتم تأسيس مستعمرة إلفنتاين في عهد بسماتيك الثاني (٥٩٤ ـ ٥٨٨ ق. م) لحماية حدود مصر الجنوبية. وحين وقعت مصر تحت الهيمنة الفارسية عام ٥٢٥ ق. م، أظهر أعضاء الحامية ولاءهم للغزاة، إذ كان الفرس يعدون العبرانيين عنصراً موالياً لهم. وقد تأثر التراث الديني اليهودي القديم بالتراث الديني المصري في عدة نواح مثل عادة الختان، وفي فكرة التوحيد نفسها.
стр. 4069
وحينما وقعت مصر تحت الهيمنة اليونانية عام ٣٣٣ ق. م، هاجرت أعداد كبيرة من اليهود إلى مصر، وكانت الإسكندرية أكبر مركز لهم حيث بلغ عددهم فيها مليوناً. وفي تلك الفترة، ظهرت الترجمة السبعينية في مصر البطلمية. وقد لجأ الكاهن الأعظم أونياس الثالث إلى مصر وأسس ابنه أونياس الرابع هيكلاً في أون (هليوبوليس) بتشجيع من البطالمة الذين كانوا يحاولون دائماً، شأنهم في هذا شأن فراعنة مصر، ضم فلسطين أو ضمان ولائها لهم. وقد قامت صراعات عميقة بين الجماهير الهيلينية والجماهير اليهودية وهو ما تسبب في تدخُّل الرومان. وقامت تمردات يهودية في مصر بعد هدم الهيكل في عام ٧١م، كما قام تمرد آخر فيما بعد (١١٥ ـ ١١٧م) . وقد لعب الطابع الهيليني الذي اصطبغ به يهود الإسكندرية دوراً كبيراً في تهيئتهم لتَقبُّل المسيحية، فانخرطت أعداد كبيرة منهم في الدين الجديد، حتى أصبحت الجماعة اليهودية صغيرة العدد ضئيلة الشأن عند الفتح العربي. وقد اصطبغت هذه الجماعة بطابع عربي وأصبحت لغة اليهود وثقافتهم عربية. ومن كبار المفكرين الدينيين في مصر من أعضاء الجماعات اليهودية سعيد بن يوسف الفيومي. وقد انخرط عدد من يهود مصر في فرقة القرّائين، ثم أخذت أحوال الجماعة اليهودية تتغيَّر حتى القرن العشرين بحسب تغير الظروف.
الهكسوس
Hyksos
«الهكسوس» جماعة من الآسيويين يُرجَّح أنها كانت سامية الأصل (خليط من العموريين والكنعانيين وبينها عناصر من الحوريين أيضاً) . كان المصريون يُطلقون عليهم لفظة «عامو» أي «الآسيويين» . كما كانوا يُعرَفون باسم «حكاو خوو Hekau Khowe» أي «حكام الأراضي الأجنبية» . أما كلمة «هكسوس» فهي كلمة مصرية فسرها الكاتب اليوناني مانيتو بأنها تعني «الملوك الرعاة» .
стр. 4070
حكم الهكسوس مصر بعد سقوط المملكة الوسطى (١٦٧٥ ـ ١٥٧٠ ق. م) إذ استفادوا من ضعف الحكومة المركزية ومن استخدامهم العربات الحربية التي لم تكن معروفة في مصر آنذاك، وكذلك استفادوا من استخدام السهم الآسيوي القوي الذي يُعَدُّ أكثر تركيباً من السهم الذي كان يستخدمه المصريون. ولم يتم غزوهم لمصر دفعة واحدة (كما كان يُظَن حتى عهد قريب) وإنما تم على شكل موجات أخذت شكلاً سلمياً في بادئ الأمر حيث كان الرعاة البدو يدخلون مصر للسقيا والتجارة، ثم أخذت العملية شكل تَسلُّل وأخيراً شكل الغزو، وهي عملية استغرقت في مجموعها عدة قرون.
استقر الهكسوس في مصر، وبنوا عاصمتهم جت وعرت وهي أواريس (أفاريس) التي سماها اليونانيون تانيس (صا الحجر فيما بعد، أو تل اليهودية) بالقرب من الزقازيق شرقي الدلتا. ثم استولى الهكسوس على معظم مقاطعات الدلتا، ودخلوا العاصمة ممفيس (منف) عام ١٦٧٤ ق. م. وقد اتحدت مصر وسوريا وفلسطين تحت حكمهم، وتوطدت بينهما العلاقات الحضارية والتجارية، واستمرت تلك العلاقات بينهما بعد خروج الهكسوس وقيام المملكة الحديثة.
أدخل الهكسوس إلى مصر عناصر مادية جديدة مثل إشاعة استخدام الخيول، والبرونز، وطريقة جديدة في التسليح، وبعض الآلات الموسيقية، وبعض الاختراعات والخبرات الحربية التي ساهمت فيما بعد في إنجاز فتوحات المملكة الحديثة. وقد تَعاقَب على عرش مصر عدد من ملوك الهكسوس، وإن ظل أمراء طيبة يتمتعون بشيء من الحكم الذاتي. وقد تمكَّن أحمس (١٥٧٠ ـ ١٥٤٦ ق. م) ، مؤسس الأسرة الثامنة، من طردهم. وفيما بعد، أخضع الفراعنة فلسطين وسوريا.
стр. 4071
ويبدو أن وجود الهكسوس في مصر هو الذي سهل عملية دخول العبرانيين إليها، وربما كانت ثمة صلة عرْقية وإثنية بينهم وبين الهكسوس. ومن الجدير بالملاحظة أن أحد رؤساء الهكسوس كان يُسمَّى «يعقوب إيل» أو «يعقوب بعل» . والعنصر «يعقوب» الذي يعني «يحمي» هو نفسه أحد الآباء العبرانيين، كما أن أحد ملوك الهكسوس كان يُسمَّى «شيشا» وهو يشبه اسم «شيشاي» أحد ملوك قرية أربع (الخليل أو حبرون) . وكان استيطان العبرانيين في الدلتا في جاسان (جوش) وهي نفسها المنطقة التي كانت فيها أواريس عاصمة الهكسوس. وقد ذكر يوسيفوس نقلاً عن المؤرخ المصري الهيليني مانيتو أن عدداً كبيراً من الهكسوس ذهبوا من أواريس إلى كنعان وبنوا القدس، وربط مانيتو بين استيطان الهكسوس مصر ودخول يوسف إليها، وذكر أن طردهم أو هجرتهم منها هو خروج العبرانيين.
شيشنق (شاشانق - شيشاق ٩٥٠ ـ٩٢٩ ق. م (
Shishak (Sheshonk)
مؤسس الأسرة الثانية والعشرين (الليبية) في عام ٩٥٠ ق. م. كان حاكماً قوياً قديراً جدد حيوية مصر ونفوذها في غرب آسيا (فلسطين ولبنان) ، وقد ورد ذكره في التوراة (ملوك أول ١٤/٢٥ ـ ٢٨) . كان يهدف إلى إعادة النفوذ المصري على فلسطين، فاحتفظ بعلاقات طيبة مع سليمان. ولكن هذه الصلة لم تمنعه من منح الحماية ليربعام، (من قبيلة إفرايم) الذي ثار على سليمان لأنه كان يرى نفسه أحق بالمملكة منه. وبعد موت سليمان، نجح يربعام، بسبب تأييد مصر له، في أن يتولى قيادة عشر قبائل عبرانية ويستقل بها فيما يُسمَّى «المملكة الشمالية» . وبعد خمسة أعوام من موت سليمان، هاجم شيشنق ملك المملكة الجنوبية رحبعام بن سليمان ونهب كنوز الهيكل. ويبدو أنه هاجم المملكة الشمالية أيضاً. وتبيِّن نقوش معبد الكرنك أن شيشنق هاجم كل فلسطين وتذكر مائة وستاً وخمسين مدينة أخضعها في فلسطين.
إلفنتاين (جزيرة الفيلة (
Elephantine
стр. 4072
«إلفنتاين» كلمة يونانية، وهي ترجمة لاسم جزيرة باللغة المصرية القديمة تعني «جزيرة الفيلة» ، وهي بالآرامية «يب» ، أي «جزيرة العاج» . ويُطلَق اسم «إلفنتاين» على جزيرة في وسط النيل (بعد الشلال الأول) في أسوان، وكانت الجزيرة مركزاً لعبادة الإله خنوب، ثم استُخدمت كحصن على النيل لحماية مداخل مصر الجنوبية. وزادت أهميتها بعد أن تخلصت مصر من ضغط الآشوريين على يد بسماتيك الأول (٦٦٤ ـ ٦٠٩ ق. م) . وقد كانت هناك حامية مُكوَّنة أساساً من الجنود الآراميين المرتزقة وتضم في صفوفها بعض العبرانيين ممن كانوا يعملون في الجيش المصري، أو لعلهم من العبرانيين الذين كانوا يتحدثون الآرامية. ولا يُعرَف أصل هذه الحامية على وجه الدقة. لكن من المعروف أن العبرانيين كانوا يحضرون إلى مصر كمرتزقة، في الأسرة السادسة والعشرين (٦٦٣ ـ ٥٥ ق. م) . وقد كان ملوك المملكة الجنوبية يبادلون رعاياهم بالأحصنة العسكرية المصرية (تثنية ١٧/١٦) . كما أن بعض سكان هذه المملكة، التي كان يساندها المصريون، فرُّوا إلى مصر. ولذا، فيمكن القول بأن تاريخ الحامية يعود إلى النصف الثاني من القرن السابع قبل الميلاد.
وقد استخدم بسماتيك الثاني (٥٩٤ ـ ٥٨٨ ق. م) ، في حملته ضد النوبيين، المرتزقة الآسيويين الذين ربما يكونون قد رابطوا بعد ذلك في جزيرة إلفنتاين. ولذا، فحين هاجم الفرس مصر واستولوا عليها عام ٥٢٥ ق. م، تَعاوَن جنود إلفنتاين من المرتزقة مع الفرس الذين كانوا يعتبرون الآراميين العبرانيين صنائع لهم. وقد ظل العبرانيون على ولائهم للفرس أثناء التمرد المصري ضد الحكم الفارسي (خلال حكم أرتحشتا الأول) .
стр. 4073
وكانت الحامية مُقسَّمة إلى فرَق يرأس كلٍّ منها ضابط فارسي. أما الجنود، فكانوا عبرانيين، ويشار إليهم أحياناً بأنهم «آراميون» . وقد كان يعيش مع أعضاء الحامية عبرانيون مدنيون يقومون بأداء الخدمات، كما كان يُوجَد مصريون. وكانت العلاقات بين الحامية والمصريين غير ودية. وقد ثار المصريون على أعضاء الحامية ودمروا مقابرهم في خلال حكم دارا الثاني، مع أن هناك حالات تزاوج بين العبرانيين والمصريين. وقد شيَّد العبرانيون معبداً ضخماً خاصاً بهم، حطمه كهنة خنوب في ٤١١ ـ ٤١٠ ق. م مع تَحرُّر مصر من حكم الفرس عام ٤٠٥ ق. م، ويبدو أن أفراد الحامية تم القضاء علىهم واختفى ذكرهم.
стр. 4074
وجدير بالذكر أنه قد وُجدت وثائق من البردي وغير ذلك من وثائق مكتوبة بالآرامية في جزيرة الفيلة، وخصوصاً بين القرنين السادس والرابع قبل الميلاد، وتحوي إشارات إلى أشخاص وُصفوا بأنهم عبرانيون أحياناً وآراميون أحياناً أخرى. ولم تشتمل هذه الوثائق على أي ذكر لأسفار التوراة أو العهد القديم، أو حتى على اقتباسات قانونية أو شرعية منها. ويبدو أن عقيدة هؤلاء العبرانيين كانت جزءاً من عبادة يسرائيل بكل ما يشوبها من عناصر وثنية. فقد جاء في الوثائق البردية التي عُثر عليها في الجزيرة أن العبرانيين كانوا يعبدون يهوه، كما أنهم كانوا يعبدون إلى جانبه إيشوم وبيت إيل (وهو إله وثني من السامرة) ، وعنات ياهو (وهي ربة حرب قديمة) ، وعنات بيت إيل، وحيريم بيت إيل. ولذا، فقد كان المعبد اليهودي في إلفنتاين ذا خمسة مداخل، كل مدخل تحت رعاية أحد الآلهة. وربما يعود هذا إلى أن هجرة العبرانيين قد تمت قبل الإصلاح التثنوي. ولم تكن علاقة المرتزقة بالقدس قوية، ولذا، فقد ظلت عبادتهم على ما هي عليه، بل تَعمَّق الجانب الوثني فيها، ولعل هذا يُفسِّر عدم وجود أية آثار لأسفار موسى الخمسة. وقد كان أعضاء الحامية يحتفلون بعيد الفصح ولا يحتفلون بأي عيد آخر، بل هناك خطاب من دارا الثاني مؤرخ في عام ٤١٩ ق. م يحتوي على تفاصيل الاحتفال بعيد الفصح لأن أعضاء الحامية كانوا قد نسوا كيفية إقامته. والواقع أن اهتمام الفرس بإقامة الشعائر الدينية اليهودية جزء من اهتمامهم بالجماعة الوظيفية القتالية الاستيطانية وبهويتها العبرانية التي تضمن انعزالها عن البيئة المحيطة بها. ولعل حامية إلفنتاين هي إحدى بدايات الدياسبورا أو الشتات أو الانتشار العبراني (اليهودي) التي أعقبت التهجير الآشوري (٧٢٤ ق. م) وسبقت التهجير البابلي (٥٨٦ ق. م) . وقد كانت إلفنتاين تقع على حدود مصر الجنوبية، وكانت ميناء للمحاجر الفرعونية، ومن ثم يكون توطين العبرانيين فيها كجماعة
стр. 4075
وظيفية (قتالية) هو التعبير عن تلك الظاهرة التي نسميها «الحدودية» ، والتي هي تعبير عن اضطلاع اليهود بدور الجماعة الوظيفية.
الحيثيون
Hittites
«الحيثيون» شعب هندى أوربي قديم برز في آسيا الصغرى مع بداية الألف الثاني قبل المبلاد، وتُعَدُّ هجرتهم أقدم الهجرات الهندية الأوربية المعروفة. والحيثيون إحدى القوى التي هيمنت على الشرق الأدنى القديم. وأغلب الظن أنهم نشأوا في المنطقة الواقعة وراء البحر الأسود، واتخذوا من حاتوشاش (بوغاز كوي على بعد مائة وثمانين كيلو متراً من أنقرة) عاصمة لإمبراطوريتهم في مقاطعة حاتي التي جاءت منها تسميتهم «الحيتيين» ولكن لفظة «حيثيين» بالثاء هي التي شاعت، ولذا فنحن نستخدمها في هذه الموسوعة.
стр. 4076
يُقسَّم تاريخ الحيثيين إلى ثلاث مراحل، أولاها المملكة القديمة حين خرجوا بقيادة حاتوسيليس الأول عام ١٦٥٠ ق. م من الأناضول واستولوا على شمال سوريا وحلب، وقام خليفته مورشيليش الأول بإكمال المهمة وتغلبوا على أسرة حمورابي العمورية في بابل وأسقطوها عام ١٦٠٠ ق. م. وفي سنة ١٤٧٩ ق. م، هزم تحتمس الثالث (فرعون مصر) الحيثيين في مجدو (وهذه مسألة خلافية إذ يرى البعض أنه تحالف معهم) ثم توغل حتى حلب وعبر الفرات. وكانت جبال طوروس الحد الجنوبي للبلاد الحيثية. وقد تدهورت الإمبراطورية الحيثية بسبب المنازعات الداخلية وتَزايُد قوة الحوريين. لكن الحيثيين استعادوا شيئاً من طاقتهم، فأسسوا المملكة الجديدة أو الإمبراطورية الحيثية الثانية نحو (١٤٥٠ ـ ١٤٠٠ ق. م) ، وأصبحت إمبراطوريتهم مركز القوة والثقافة في غرب آسيا. وبسط الحيثيون نفوذهم على معظم آسيا الصغرى ودول شمال سوريا ووسطها ولبنان. وأصبحت المنطقة حلبة صراع (على سوريا) بين الحيثيين والمصريين، ووقعت معركة قادش الشهيرة عام ١٢٨٨ ق. م حيث عقد رمسيس الثاني بعدها معاهدة معهم لتثبيت الحدود بين ممتلكاتهم وممتلكات المصريين، وتزوج أميرة حيثية. ويُعتقد أن تخوُّف الطرفين من القوة الآشورية الجديدة كان وراء المصالحة لمواجهة الخطر الجديد.
وبعد أن دامت الإمبراطورية الحيثية نحو قرنين ونصف قرن، أخذ الوهن يسري في أنحائها منذ سنة ١٢٠٠ ق. م نتيجةً لغزو أحد شعوب البحر، فاستقلت الإمارات الخاضعة لها الواحدة تلو الأخرى. وبذلك تأتي المرحلة الثالثة من تاريخ الحيثيين، وهي مرحلة عصر الممالك الحيثية الجديدة. رغم سقوط الإمبراطورية، قامت ممالك حيثية، وأصبح مصطلح «حيثي» يشير إلى تلك الدويلات التي كانت قرقميش أهمها، والتي ضمت حلب وحماة وحافظت على شيء من الاستقلال عن الآشوريين قبل أن يحولها سرجون الثاني عام ٧١٧ ق. م إلى مقاطعة آشورية.
стр. 4077
ويرجع النجاح العسكري للحيثيين إلى استخدام الحصان والمركبة سلاحاً أساسياً، كما أنهم استخدموا القوس والفأس والرمح والسيف أسلحة هجوم. وتنتمي اللغة الحيثية إلى فرع اللغات الأناضولية من مجموعة اللغات الهندية الأوربية. ولقد أخذت اللغة الآرامية تحل محلها تدريجياً خلال الفترة من القرن الحادي عشر حتى القرن الثامن قبل الميلاد حيث اختفت الحيثية. أما ديانتهم فيُعرَف عنها القليل، وقد كانت ضرباً بارزاً من ضروب عبادة الأرواح. وأشهر آلهتهم هو يتشوب إله العاصفة، وهو الإله الوطني. وكان يُمثَّل عادةً على شكل رجل يقف على ظهر ثور ويمسك بالصاعقة. وقد تأثر الحيثيون بالحوريين تأثراً عميقاً من الناحيتين المادية والروحية.
ولقد ورد ذكر الحيثيين في التوراة التي قرنتهم بالكنعانيين، فهم أحد الأقوام الكنعانية السبعة الذين كان على العبرانيين هزيمتهم ليحتلوا أرض كنعان (فلسطين) ، فكنعان هو أبوحت (تكوين ١٠/١٥) . وتشير التوراة إلى أن الحيثيين كانوا موجودين في حبرون (الخليل) في فلسطين في زمن إبراهيم الذي اشترى حقله ومغارته من «بني حث» (تكوين ٢٣/٣) . كما ذكرت أن عيسو اتخذ لنفسه زوجتين من الحيثيين، وأن العبرانيين تزاوجوا معهم. وقد كان لدى داود محاربون حيثيون. وتزوج داود بتشبع امرأة أوريا الحيثي، كما كان بين نسائه حيثيات.
стр. 4078
وفي مجال تفسير وجود الحيثيين في فلسطين في فترات تاريخية مبكرة، يرى بعض المؤرخين أن هؤلاء الحيثيين كانوا بقايا حملة حيثية جُرِّدت في القرن الرابع عشر قبل الميلاد. كما يرى البعض الآخر أنهم ربما كانوا من سكان الأناضول الأصليين (الحاتيين) قبل وصول القبائل الهندية الأوربية، ثم انتشروا في فلسطين وغيرها من بلاد الشرق الأدنى القديم قبل عام ٢٠٠٠ ق. م. كما يُقال إن مدوني العهد القديم إنما كانوا يستخدمون المصطلح كما هو مُستخدَم في المدونات الآشورية والبابلية التي كانت تشير إلى أرض حاتي باعتبارها الأرض الممتدة من الفرات حتى لبنان، ثم اتسع مدلول المصطلح ليشير إلى سكان سوريا وفلسطين. وها هو شلمانصر الثالث يشير إلى أخاب «كملك حيثي» . أما أسرحدون فيطلق مصطلح «حتي» على ملوك يهودا وأدوم ومؤاب وعمون وعلى بعض الحكام الفلستيين. واستمر استخدام المصطلح بهذا المعنى بين البابليين. أما الحيثيون المعاصرون لداود وسليمان، فهم من المرحلة الحيثية المتأخرة، مرحلة الدويلات المدن.
الباب الرابع: الشعوب السامية: الآشوريون والبابليون
الساميون (الشعوب السامية)
(Semites (Semitic Peoples
النسبة في كلمة «ساميون» إلى سام الابن الأكبر لنوح. والمصطلح يُطلَق على مجموعة من الشعوب عاشت في رقعة كبيرة من الأرض (تضم شبه الجزيرة العربية والشام وبلاد الرافدين) وتحدثت بمجموعة من اللغات المتقاربة هي اللغات السامية. وتشمل التسمية شعوباً مثل الآشوريين والبابليين والآراميين والكنعانيين والفينيقيين والعموريين والمؤابيين والأدوميين والعمونيين والعبرانيين، كما تشمل جزءاً كبيراً من سكان إثيوبيا فيما بعد. وفي الوقت الحاضر، يمثلهم العرب (من الناحية الأساسية) .
وينتمي العبرانيون، أي اليهود القدامى، إلى الشعوب السامية وليس إلى مجموع اليهود بوجه عام، ذلك أن أعداداً كبيرة من الأفراد والقبائل غير السامية مثل الخزر قد تهوَّدت.
стр. 4079
ويكاد يُجمع الباحثون على أن شبه جزيرة العرب هو الموطن الأصلي للساميين، فمنها خرجت هجرات متتالية إلى بلاد الرافدين حتى جبال إيران وإلى أرمينيا ومنطقة الهلال الخصيب. وكانت هجراتهم الجماعية على فترات متباعدة أولاها هجرة الأكاديين الذين عُرفوا بالبابليين نحو عام ٣٥٠٠ ق. م، ثم هجرة الآراميين بين عامي ١٥٠٠ و١٢٠٠ ق. م، وآخرها هجرة العرب مع الفتوحات الإسلامية في القرن السابع الميلادي.
وتشير بعض الدراسات الحديثة إلى أن المنطقة الشمالية من الصحراء السورية هي الوطن الأصلي للساميين. كما يُحتَمل أن يكون بعض الشعوب السامية، كالأكاديين، سكنوا في بلاد الرافدين منذ عصور ما قبل التاريخ، وكذلك سكان ماري وتل خوبير ومملكة إيبلا.
وثمة روابط عديدة بين الساميين، أهمها الرابطة اللغوية. ولكن هذه الرابطة ليست الرابطة الوحيدة، إذ ثمة تشابه في الملامح الإثنية. كما كان يوجد تشابه في الأنظمة الاجتماعية والأنساق الدينية بين الجماعات السامية البدوية البسيطة. فالأسرة هي الوحدة الأساسية، والسلطة العليا سلطة الأب، والميراث للذكور، وتعدد الزوجات مسموح به. وتتكون القبيلة من مجموعة أسر تُوحِّد بينها صلات القربى والمصالح المشتركة، كما أن حقوق الملكية بدائية جداً وتعمل على أن تسود فكرة الجماعة. ولا تُوجَد حكومة بالمعنى الصحيح للكلمة، ولكن هناك زعيم يختاره مجلس من شيوخ القبيلة لصفات شخصية فيه إلى جانب أنه مقدَّم بين أنداده. والسلطة المحدودة التي يسبغها عليه المجلس مؤقتة وقد تُنزَع منه. وهو يتولى القضاء، على أن يحتكم إليه المتنازعون طواعيةً واختياراً.
стр. 4080
واقتصاد القبيلة بدوي يعتمد على الرعي أو على الزراعة الطبيعية أو التجارة البدائية. وتتسم الفنون بالبساطة نفسها. أما عن المؤسسات الدينية، فكان الساميون البدو يؤمنون بآلهة محلية كثيرة تسكن الأشجار والنباتات والصخور والمياه. كما أن نفوذ الإله كان مقصوراً على قبيلة ولا يمتد إلى خارج حدودها، وقد كان هذا الإله يقوم منها مقام الزعيم الأعلى والقاضي الأكبر، وكانت تربطه قرابة الدم بأفراد قبيلته. ولم يكن لهذه الآلهة مقام ثابت وإنما كانت تُعبَد في أماكن مختلفة. والإله إيل أهم الآلهة السامية، ولعله كان في الأصل إله السماء، والإله بعل قد يكون في الأصل إله المطر المخصب، وعشتارت (وهي عشتاروت التي ورد ذكرها في العهد القديم) ربما كانت في الأصل نجمة الصباح (كوكب الزهرة) ولكنها اعتُبرت فيما بعد الأرض الأم. وقد انتشرت أيضاً عبادة الشمس والقمر.
وتنم أشكال الطقوس المستعملة بين الساميين عن الأصول البدوية للخطاب الديني للرموز الدينية. فعيد الفصح العبري (الذي صار بقيام المسيح من القبر عيد القيامة أهم عيد مسيحي) يميِّزه ذبح الحَمَل كقربان وأكل خبز بلا خميرة، وهما طقسان يرجعان إلى ظروف الحياة في البادية حيث فرض التنقل الدائم أكل الخبز بلا خميرة، كما أن الحمل يرمز إلى ما كان يفعله الرعاة من تقديم باكورة ما تلد قطعانهم كقرابين للآلهة.
стр. 4081
وغنيٌّ عن القول أن هذه صورة مثالية مجردة لبعض المؤسسات الاجتماعية والدينية للساميين وهم لا يزالون في الفترة الأولى من تجوالهم. ومع حفاظهم على السمات الأساسية كالتضحية بالقرابين، فإن هذه المؤسسات تطورت في المراحل اللاحقة فظهرت مؤسسة الملكية والتفاوت الاجتماعي والأرستقراطية المركبة. وظهرت نظم اقتصادية تجاوزت الأصول البدائية، فطوَّر الساميون التجارة وكانوا دائماً حلقة الوصل بين الممالك الكبرى القديمة في المنطقة. كما برعوا في الملاحة، فكانوا أول من ارتاد البحر وطوَّر العديد من الصناعات. وظهرت بينهم آداب وفنون ذات طابع إنساني شامل. بل تطورت العقائد الدينية وشعائرها، فظهر الكهنوت والنبوَّة ووصل مفهوم التوحيد إلى مستويات عالية من الرقي وصلت ذروتها في النسق الإسلامي.
ويتسم الساميون، حتى وهم بعد في أدنى مراحل البداوة، بمقدرتهم الفائقة على الامتزاج بالعناصر البشرية المحلية في الأماكن التي غزوها واستوطنوها واستوعبوا حضارتها دون أن يتخلوا عن سمات حضارتهم الأولى. وتاريخ العبرانيين يتراوح بين عدد من الثنائيات المتناقضة من القيم: البساطة والتركيب، والمساواة والتفاوت، والجماعية والفردية. وقد تجلى هذا في الحضارة العبرانية في الموقف المتناقض من مؤسسة الملكية العبرانية وفي الصراع بين الأنبياء والكهنة، وبين التوحيد والحلولية.
ويُعَدُّ العرب أكثر الجماعات السامية قرباً مما يمكن تسميته «الخطاب الحضاري السامي الأصلي» . كما أن اللغة العربية أقرب اللغات الحية إلى السامية الأصلية. ومع هذا، ينصرف مصطلح «معاداة السامية» إلى اليهود دون سواهم.
بلاد الرافدين) العراق (
Mesopotamia (Iraq)
стр. 4082
«بلاد الرافدين» (باليونانية «ميزوبوتاميا» بمعنى «بلاد ما بين النهرين» ) . وتُسمَّى أيضاً «وادي الرافدين» . عبارة تُستخدَم للإشارة إلى البلاد التي تقع بين الشام في الغرب وبلاد فارس في الشرق، ويخترقها نهرا دجلة والفرات اللذان ينبعان من تركيا ويصبان معاً في الخليج العربي (وقد كانا منفصلين منذ ستة آلاف عام) . وكان النهران يفيضان فيعمران شواطئهما. ومع بداية الألف الخامس قبل الميلاد، بدأ الإنسان يستوطن السهول الخصبة، وبدأ في رعي الأغنام ثم الزراعة. ويتسم وادي الرافدين بعدم وجود حدود طبيعية يسهل الدفاع عنها.
وتنقسم بلاد وادي الرافدين إلى قسمين يتميَّز أحدهما عن الآخر: القسم الشمالي، ويتكون من وديان عديدة ومرتفعات جبلية، وقد استوطنه الآشوريون. أما القسم الجنوبي فهو عبارة عن مستنقعات غير صالحة للعيش، وقد تراكم فيها مع مرور السنين ما يأتي به النهران من تربة، فصلحت الأرض وتم استيطان سهل الجنوب (سهل سومر) . وأهم سكان وادي الرافدين هم السومريون ثم الأقوام السامية (العربية) المختلفة مثل الأكاديين والعموريين والآشوريين والبابليين. وبعد الفتح الإسلامي، أصبح العنصر الغالب هو العرب، وأصبحت المنطقة تُسمَّى «العراق» ، ولكن اسم «العراق» ذاته يعود إلى الأزمنة القديمة، فهو من أصل بابلي.
بلاد ما بين النهرين
Mesopotamia
عبارة «بلاد ما بين النهرين» ترجمة عربية للكلمة الإغريقية «ميزوبوتاميا» . ونستخدم في هذه الموسوعة مصطلح «بلاد الرافدين» للتعبير عن المعنى نفسه.
الهلال الخصيب
Fertile Crescent
«الهلال الخصيب» هي المنطقة الممتدة شمالي جزيرة العرب على شكل هلال يؤلف العراق (وادي الرافدين) نصف قوسه الشرقي، وتؤلف فلسطين والأردن وسوريا ولبنان نصف قوسه الغربي. وتمتد قاعدة قوس الهلال على الحدود الشمالية لجزيرة العرب. ويُعتبَر الساميون أقدم من استوطن الهلال الخصيب.
стр. 4083
ويعني المصطلح أن البلاد العربية الواقعة في نطاق المنطقة التي يدل عليها تكتسب نوعاً من الوحدة والارتباط فيما بينها، كما يتضمن المصطلح أن هذه البلاد الواقعة في نطاق المنطقة التي يدل عليها تتميز وتنفصل جغرافياً وسياسياً عن مصر وعن السعودية وما يجاورها. ونستخدم في هذه الموسوعة مصطلح «بلاد الرافدين» .
ميزوبوتاميا
Mesopotamia
«ميزوبوتاميا» كلمة إغريقية تعني «بلاد الرافدين» ، وتعني حرفياً «بلاد ما بين النهرين» . وكانت الكلمة تشير في بداية الأمر إلى دويلة آرام نهراييم الآرامية الواقعة في منطقة حران، ثم أُطلق هذا الاسم اليوناني على المنطقة الواقعة بين دجلة والفرات. وأخيراً، اتسع مدلوله ليشمل العراق بأسره. ونستخدم في هذه الموسوعة مصطلح «بلاد الرافدين» للتعبير عن هذا المعنى نفسه.
الأكاديون
Akadians
«الأكاديون» قوم ساميون ظهرت دولتهم في الفترة (٢٣٦٠ ـ ٢١٨٠ ق. م) في منطقة أكاد ببلاد الرافدين، في المنطقة الشمالية من الوادي بين دجلة والفرات التي كانت تضم بابل ومدناً أخرى مهمة. من أشهر ملوكهم سرجون الأول (٢٢٧٩ - ٢٢٣٤ ق. م) الذي هزم جميع المدن السومرية في الجنوب وبنى مدينة أكاد. واتسعت الدولة في عهده حتى شملت بلاد سومر وبلاد العيلاميين وسوريا. وكذلك فعل خلفاؤه وأشهرهم نارام سن (٢٢٥٤ ـ ٢٢١٨ ق. م) .
بدأ انحلال أكاد بعد أكثر من قرن، عندما قامت قبائل الكوتي الجبلية من الشرق بغزوها. ثم سيطر عليها السومريون الجدد وكوَّنوا سلالة عُرفت باسم سلالة أور الثالثة (٢١١٢ـ ٢٠٠٤ ق. م) . وقد سقطت الإمبراطورية الأكادية في أيدي العيلاميين خلال الألف الثالثة قبل الميلاد. ولكنهم لم يبقوا في البلاد مدة طويلة بل طُردوا على أيدي السلالات العمورية التي منها سلالة بابل الأولى التي اشتهرت بملكها السادس حمورابي (١٧٩٢ ـ ١٧٥٠ ق. م) .
стр. 4084
ولغة الأكاديين هي الأكادية، وهي أقدم اللغات السامية المعروفة في بلاد الرافدين، وأقرب اللغات إليها هي البابلية القديمة والآشورية القديمة. وهي تشبه أيضاً الآرامية في كثير من الوجوه. وقد ازدهرت الأكادية في الألف الرابع قبل الميلاد، وأصبحت لغة الدبلوماسية والمراسلات الدولية والتجارة في الشرق الأدنى، إلى أن حلت الآرامية محلها ابتداءً من القرن السادس قبل الميلاد.
آشور
Assyria
«آشور» اسم الإله الأكبر عند الآشوريين، وهو أيضاً اسم أوَّل وأهم عاصمة لهم تقع أطلالها على الجانب الأيمن من نهر دجلة. وتستخدم الكلمة للإشارة إلى الإمبراطورية الآشورية كلها وهي أيضاً الاسم الأول لعدة ملوك آشوريين.
الآشوريون
Assyrians
النسبة في كلمة «الآشوريون» إلى آشور. وهم قوم يرجع أصلهم إلى القبائل السامية التي استقرت خلال الألف الثالثة قبل الميلاد شمالي وادي الرافدين. نجحت في إقامة إمبراطورية حكمت أجزاء من غرب آسيا واتخذت مدينة آشور الواقعة في أعالي نهر دجلة عاصمة لها، وفيما بعد اتخذت كالح (التي تُعرَف في الوقت الحالي باسم «نمرود» ) عاصمة لها، ثم جُعلت العاصمة فيما بعد في نينوي. ويمكن تقسيم تاريخ الآشوريين إلى المراحل الثلاث التالية:
١ ـ المرحلة القديمة (٢٠٠٠ ـ ١٥٠٠ ق. م) : وقد خضع الآشوريون إبانها لسلطان بابل ثم لسلطان دولة ميتاني التي أسسها الحوريون.
٢ ـ المرحلة الوسيطة (١٥٠٠ ـ ٩١١ ق. م) : وقد ازدادت إبّانها قوة الآشوريين، فسيطروا على طرق التجارة في غرب آسيا.
стр. 4085
٣ ـ المرحلة الآشورية الجديدة (٩١١ ـ ٦٠٩ ق. م) : وقد شهدت آشور في نهايات الفترة الوسيطة هجمات الأخلامو (الآراميين) التي استمرت زهاء ثلاثة قرون. وظهرت في هذه المرحلة أيضاً الدويلات الآرامية والعبرانية المختلفة. والواقع أن المرحلة الثالثة، أي المرحلة الآشورية الجديدة، هي وحدها التي تهمنا، فهي التي تؤثر في مصير العبرانيين. ويمكن تقسيم هذه المرحلة بدورها إلى ثلاث فترات:
أ) الفترة الأولى (٩١١ ـ ٨٢٤ ق. م) : وقد شهدت ظهور القوة الآشورية مرة أخرى. فأوقف شلمانصر الثالث (٨٥٣ ـ ٨٢٤ ق. م) هجمات الآراميين، ثم هاجم تحالفاً عبرياً آرامياً بين آخاب العبراني وبن هدد ملك دمشق في معركة قرقر عام ٨٥٣ ق. م. ولم تكن المعركة حاسمة، ولكنها مع هذا أدت إلى ظهور حزب آشوري قوي داخل المملكة الشمالية. وبعد سقوط آخاب عام ٨٥٢ ق. م، دفعت المملكة الجنوبية الجزية لآشور. وتظهر أول صورة لملك عبراني في التاريخ على مسلة شلمانصر الثالث، فنراه يقوم بتقديم فروض الطاعة والولاء للملك الآشوري. ولم يكن الآشوريون يهدفون إبان هذه المرحلة إلى احتلال المناطق التي يفتحونها، وإنما كانوا يهدفون إلى تحييد التهديد الخارجي وإبطال أثره والاستيلاء على المغانم والأسرى لاستخدامهم في المشاريع الإنشائية الكبرى.
ب) الفترة الثانية (٨٢٥ ـ ٧٤٤ ق. م) : شهدت الإمبراطورية الآشورية بعد موت شلمانصر الثالث تراجعاً بسبب ازدياد قوة جيرانها في الشمال وبسبب النزاعات الداخلية. وقد انتهزت المملكتان الجنوبية والشمالية هذه الفرصة وزادتا من مساحة الرقعة التابعة لهما، وبعثتا الحلف المعادي للآشوريين الذي ضم كلاًّ من يربعام الثاني وعزيا.
стр. 4086
جـ) الفترة الثالثة (٧٤٣ ـ ٦٠٩ ق. م) : عاد النفوذ الآشوري حينما قام آشور ناصر بال الثاني (٨٨٤ ـ ٧٥٩ ق. م) بثورة في التكتيك العسكري للجيش الآشوري، وبدأت الحقبة الآشورية الجديدة بأبطالها تيجلات بلاسر الثالث (٧٤٥ ـ ٧٢٧ ق. م) وشلمانصر الخامس (٧٢٦ ـ ٧٢٢ ق. م) وسرجون الثاني (٧٢٢ ـ ٧٠٥ ق. م) وسناخريب (٧٠٥ ـ ٦٨١ ق. م) وأسرحدون (٦٨٠ ـ ٦٦٩ ق. م) وآشور بانيبال (٦٦٨ ـ ٦٣٠ ق. م) .
تمكن هؤلاء الملوك من تدعيم قوتهم في الداخل، وأسسوا جيوشاً نظامية قوية نجحت في ضم الشرق الأدنى القديم بأكمله بما في ذلك بابل التي احتفظت دائماً بشيء من الاستقلال. ولم يكن الهدف في هذه الفترة جمع المغانم وإنما الهيمنة الدائمة وتأسيس إمبراطورية مكوَّنة من أقاليم ودول تابعة تساندها عمليات تهجير للشعوب المهزومة وتديرها بيروقراطية مركبة تضم عناصر غير آشورية أغلبها آرامية سادت لغتها بالتدريج. وقد شهدت هذه الفترة زيادة ملحوظة في عظمة وأبهة المدن الآشورية. وقد سيطر تيجلات بلاسر الثالث سيطرة كاملة على البابليين وتلَّقب بملك بابل، وأعاد الهيمنة على فلسطين، فوقع تحت نفوذه عمون وأدوم ومؤاب ويهودا. وأخذ مناحيم ملك المملكة الشمالية في دفع الجزية مرة أخرى.
стр. 4087
ولكن كان ثمة ضعف أساسي في الإمبراطورية الآشورية إذ كانت تعتمد على الجزية من الشعوب المغلوبة وعلى العناصر البشرية المهجَّرة من المناطق المهزومة، ولهذا فقد كانت الشعوب المقهورة دائمة الثورة. وقد ظهر في المملكة الشمالية، بإيعاز من مصر، حزب معاد لآشور سيطر على الحكم في نهاية الأمر، وكان فاقح ممثل هذا الحزب، فحاول أن يُرغم آحاز ملك المملكة الجنوبية على دخول الحلف. ولكن آحاز فضل أن تظل مملكته دولة تابعة، وطلب العون من آشور ضد هذا التحالف العبراني الآرامي الذي انضم له الفلستيون والأدوميون. فهب تيجلات بلاسر لمساعدته. وسقطت أمامه دمشق في عام ٧٣٢ ق. م، ثم خلع فاقح عن العرش وأحل محله هوشع عام ٧٢٦ ق. م.
ونتيجةً لذلك، فقدت المملكة الشمالية ممتلكاتها في شرق الأردن والجليل، وأصبحت فلستيا وصور ومؤاب وأدوم أقاليم آشورية. وحينما حاول هوشع عام ٧٢٦ ق. م أن يتخلص من هيمنة الآشوريين، حاصر شلمانصر الخامس السامرة، ثم استولى عليها خلفه سرجون الثاني. فاختفت المملكة الشمالية إلى الأبد بالاستيلاء عليها وتم ترحيل زعمائها ورؤوس قبائلها إلى آشور وميديا (شرقي العراق) وإحلال آراميين (من سوريا) وبابليين محلهم بحسب المدونات الآشورية. وهذا ما يُسمَّى «السبي الآشوري» أو «التهجير الآشوري» الذي اختفت على أثره القبائل العشر «المفقودة» .
استمرت يهودا في دفع الجزية. وفي نهاية الأمر، اندلعت ثورة فيها بتأييد من مصر. وقد كان ردّ سناخريب حاسماً، فأخمد الثورة، ولكنه سمح ليهودا أن تستمر كدولة تابعة. وحينما عاود اليهود الكرَّة، حاصر سناخريب القدس ولكنها لم تسقط إذ اضطر إلى فك الحصار بسبب الوباء على أن يدفع اليهود الجزية.
стр. 4088
وقد أرهقت مثل هذه الثورات الإمبراطورية الآشورية، وولَّدت التوترات داخل النخبة الحاكمة، وانتهى الأمر باغتيال سناخريب عام ٦٨١ ق. م. ونشبت بين آشور بانيبال وأخيه حاكم بابل حرب انتصر فيها الأول. وقام مناشي ملك المملكة الجنوبية بثورة ضد آشور بانبيال عام ٦٥٢ ق. م فنفاه هذا إلى آشور.
ثم اندلعت الثورات، بشكل أكثر وضوحاً، في أطراف الإمبراطورية الآشورية، فأكدت المملكة الجنوبية استقلالها تحت حكم هوشع، واستقلت بابل تحت حكم الأسرة الكلدانية البابلية الجديدة. ثم اندلع الصراع بين أعضاء النخبة في آشور على ما تبقَّى من قوة، فهاجمهم البابليون (تحالف الكلدانيين والحوريين) وسقطت في أيديهم العواصم الآشورية في الفترة (٦١٤ ـ ٦١٢ ق. م) . أما الجيش الآشوري، وكان دائماً يشكل دولة داخل الدولة، فقد صمد بعض الوقت في حران بمساندة المصريين. ولكن، في الفترة (٦١٠ ـ ٦٠٩ ق. م) ، نجح الكلدانيون (بمساعدة هوشع الذي خرَّ صريعاً في المعركة) في تأخير زحف القوات المصرية، وبذلك اختفت الدولة الآشورية وظهرت الدولة البابلية الجديدة.
ولا يمكن وصف الحضارة الآشورية بمعزل عن الحضارة البابلية، فعلى حدّ قول المؤرخين: إذا كان الآشوريون هم رومان الشرق الأدنى القديم، فالبابليون هم إغريقيوه. وقد نجح الآشوريون في حقل الإدارة بسبب تقديرهم العميق للقانون والنظام. وعلى قمة الدولة، كان يوجد الملك، ولكنه لم يكن مؤلهاً، ثم يأتي بعده الكهنة وطبقة المحاربين. وقد قُسِّمت الدولة إلى مقاطعات على رأس كل منها حاكم مهمته جمع الضرائب وتنفيذ القانون. وكانت المصادر الأساسية هي الزراعة وتربية الحيوانات وصيدها وصيد الأسماك (وقد كان الصيد هواية النبلاء الأولى) ، كما طوروا التجارة الداخلية والخارجية.
стр. 4089
ولكن الحروب والغنائم والجزية المفروضة على الشعوب المغلوبة كانت من المصادر التي تعتمد عليها الدولة أيضاً. والآشوريون من أوائل الشعوب التي حولت الحرب إلى فن، فلقد طوروا وأبدعوا في الأسلحة الجديدة، أسلحة الحصار (التكتيك العسكري) ، والهجوم بجيوش جرارة كبيرة العدد تكتسح ما أمامها بشدة وضراوة رهيبة. ولهذا، فقد كانوا يشنون حروباً شاملة يسبون بعدها الشعوب التي يهزمونها، ويقومون بتهجيرها وتوطينها في أماكن بعيدة عن أوطانهم ثم يوطِّنون مكانهم أقواماً أخرى. وهذه عمليات عسكرية تشبه من بعض الوجوه عمليات نزع السلاح في الوقت الحالي وفرض السلام العسكري. وقد اضطر الآشوريون إلى اللجوء إلى هذه الإجراءات لعدم وجود قاعدة بشرية ضخمة تسمح بوجود جيش احتلال دائم قوي.
وقد طوَّر الآشوريون فن إنشاء المدن التي كانت تأخذ شكلاً مربعاً وتحتوي على حدائق حيوانات ونباتات وقنوات مياه تجلب المياه من الجبال. وكان الفن الآشوري تطويراً للفنون البابلية والحيثية، فطوروا استخدام الأحجار في أساس المباني وأعمدتها، كما طوروا القوس البابلي. وفي نقوشهم البارزة الطويلة، ظهرت أكثر رسومهم أصالة حيث صوروا مناظر الصيد المختلفة، وخصوصاً منظر آلام الأسد الذبيح. وهم أصحاب أول نوتة موسيقية. وقد طوَّر الآشوريون كذلك معارف البابليين في الكيمياء والطب. وكانت أعمالهم الأدبية تتضمن الملاحم والأساطير كما تضمنت نصوصاً دينية. وكانت الكتابة التاريخية عندهم متطورة للغاية إذ كان عندهم إحساس عميق بالتاريخ كما كانت لديهم الرغبة في الحفاظ على الماضي، الأمر الذي جعلهم يؤسسون أول مكتبات تضم مدوناتهم التاريخية. ويُقال إن مكتبة آشور بانيبال ضمَّت اثنين وعشرين ألف لوح طيني وأسطوانات تحتوى على أناشيد وأساطير وأعمال علمية ورياضية.
стр. 4090
كانت الإمبراطورية الآشورية تضم عدة شعوب. كما أن تهجير الشعوب المغلوبة أدَّى إلى تزاوج الآشوريين وبنات الشعوب الأخرى، الأمر الذي أدَّى إلى انعدام التجانس العرْقي والثقافي وظهور رؤية أممية.
واللغة الآشورية من اللغات السامية. وتُعَدُّ لهجتها الشمالية أصلاً للغة الأكادية. أما لهجتها الجنوبية فهي اللغة البابلية. وقد تبنَّى الآشوريون الخط المسماري، ثم استخدموا اللغة الآرامية في عهد متأخر.
وإلههم القومي هو آشور خالق الآلهة والبشر جميعاً. وهو إله حرب كانوا يمثلونه في شكل رامي سهام داخل دائرة تمثل قرص شمس لها أجنحة. وكانت عشتار (عشتروت) ، الإلهة العظيمة للحرب والخصب، تُعبَد في كلٍّ من نينوي وآشور. وكانت الآلهة الأخرى تمثل قوى الطبيعة، فيمثل أنو قوة السماء، ويمثل بل الأرض، وأيا يمثل المياه، وسين يمثل القمر، وشماش يمثل الشمس، ورمان يمثل العاصفة. وقد كانت هذه كلها آلهة بابلية ماعدا آشور الذي كان نظيراً لمردوخ البابلي. وقد رفع الآشوريون إلههم إلى منزلة عالية متسامية بين الآلهة حتى وصلوا به إلى نوع من التشوابية (التغليبية) ، وهو مفهوم أثَّر في التصور اليهودي للخالق.
تيجلات بلاسر الثالث (٧٥٤-٧٢٧ ق. م (
Tiglath Pileser III
مؤسس الإمبراطورية الآشورية الجديدة. هاجم بابل في أول سني حكمه واستولى عليها، وبعد ذلك سمَّى نفسه ملك سومر وأكاد. وقد فرض الجزية على عدة ملوك في الشرق من بينهم رزين ملك دمشق، ومناحم ملك المملكة الشمالية وحيرام ملك صور. وقد حاول كلٌّ من فاقح (ملك المملكة الشمالية) ورزين أن يتخلصا من الهيمنة الآشورية. وحينما رفض آحاز ملك المملكة الجنوبية الانضمام إليهما قاما بالهجوم عليه، وهو ما جعله يطلب العون من تيجلات بلاسر الثالث الذي شن هجوماً عليهما وأسقط فاقح وأحل محله هوشع.
قام تيجلات بلاسر الثالث بالهجوم على بابل في آخر حكمه بسبب ثورتها عليه، وتوج نفسه ملكاً عليها.
стр. 4091
سرجون الثاني (٧٢١-٧٠٥ ق. م (
Sargon II
«سرجون الثاني» هو شاروكين ملك آشور. استولى على العرش بعد موت شلمانصر، وذلك أثناء حصاره السامرة، فأتم الحملة بنجاح وهجَّر سكانها. وقد هزم عام ٧٢٠ ق. م تحالفاً عسكرياً من بقايا المملكة الشمالية. وبعد اغتياله، خلفه سناخريب على العرش.
سناخريب (٧٠٥-٦٨٨ ق. م (
Sennacherib
ملك آشور، ابن سرجون الثاني. قضى أيام ملكه محاولاً تثبيت دعائم الإمبراطورية، كما قام بنشاط معماري فأعاد بناء نينوي وابتنى قصراً فيها. قام بست حملات عسكرية ضد الكلدانيين والآراميين والعيلاميين والمصريين. حاصر بابل لمدة تسعة أشهر، ثم دمرها بعد أن سقطت في يده عام ٦٨٩ ق. م. ثم أخمد ثورة قامت ضده في فلسطين بتأييد من مصر وأسقط ستاً وأربعين مدينة لم تكن القدس من بينها وسبى عدداً كبيراً من الأسرى. وحينما قام بحملته الأخيرة، انتشر الطاعون في جيشه، وهو ما اضطره إلى الانسحاب، فاكتفى بأخذ الجزية.
ويُعَدُّ سناخريب من أكثر الأباطرة الآشوريين شهرة بسبب القصص التي وردت عنه في العهد القديم.
بابل
Babylon; Babylonia
كلمة «بابل» من العبارة الأكادية: «باب إيلي» أي «بوابة الإله» . وتُطلَق كلمة «بابل» على عاصمة إمبراطورية بابل القديمة. وتقع أنقاضها على مقربة من مدينة الحلة في وسط العراق، على بعد خمسة وخمسين كيلو متراً من بغداد، وعلى نهر الفرات حيث تقترب من نهر دجلة. وقد كان لموقعها أثر كبير في تَحكُّمها في التجارة. وقد بلغت بابل ذروة مجدها في عهد حمورابي، ثم دُمرت في عهد سناخريب، لكن أُعيد بناؤها في الدولة البابلية الجديدة. واشتهرت بابل بمبانيها وقصورها وحدائقها المعلقة التي تُعَدُّ إحدى عجائب العالم القديم.
стр. 4092
تُعرَف بابل في العهد القديم باسم «أرض شنعار» أو «كيديم» ، وقد كان اسم «بابل» يشير إلى المنطقة المعروفة بهذا الاسم وإلى العاصمة. وتُعَدُّ بابل رمزاً للوثنية بالنسبة إلى أنبياء اليهود، ولكن مضمون الكلمة تغيَّر فيما بعد بحيث أصبحت تعادل لدى اليهود كلمة «منفى» في معناها. وقد ارتبط اسم بابل كذلك بكلمة «زقورة بابل» ، ومعناها «برج» .
وتستخدم بعض الكتابات الصهيونية، وأحياناً اليهودية، مصطلح «بابل» للإشارة إلى العراق وإلى بلاد الرافدين حتى بعد أن ظهر اسم العراق مصطلحاً يشير إلى هذه المنطقة، وحتى بعد أن ظهر العراق بوصفه جزءاً من الكيان العربي والإسلامي بعد الفتح العربي. وهذا استخدام يُذكِّر بالإشارة إلى فلسطين باعتبارها إرتس يسرائيل.
البابليون
Babylonians
النسبة في كلمة «بابليّ» إلى بابل التي ظهرت الحياة المستقرة فيها خلال الألف السادسة قبل الميلاد. وقد أسس السومريون (وهم شعب غير سامي) حضارة لها أبعادها في بابل، ثم استقرت فيها القبائل السامية وأولها الأكاديون الذين غزوها عام ٣٨٠٠ ق. م تحت قيادة سرجون الأول وتبنوا كتابتها وحضارتها. ثم استولى العموريون (وهم أيضاً قبائل سامية) على الحكم، وشيدوا لأنفسهم إمبراطورية على ضفاف نهري الفرات ودجلة في الجزء الجنوبي من سومر (العراق) . وقد حكمت أول أسرة عمورية بابل في الفترة (١٨٣٠ ـ ١٥٣٠ ق. م) ، وكانت بابل آنذاك عبارة عن دويلات صغيرة في ماري وبابل وغيرها من المدن. ثم ظهر أعظم ملوكهم حمورابي في القرن الثامن عشر قبل الميلاد حيث اشتهر بمجموعة القوانين المعروفة باسمه (شريعة حمورابي) وهو الذي وحَّد هذه الدويلات وقام بأعمال معمارية مهمة.
стр. 4093
وتعرضت البلاد للضعف بعد وفاة حمورابي، فاستولى عليها الحيثيون عام ١٥٩٥ ق. م لفترة قصيرة، ثم استولى الكاشيون عليها حوالي عام ١٥٧٠ ق. م وظلوا بها لعدة قرون فيما يعرف باسم الأسرة الكاشية (١٥٣٠ ـ ١١٥٠ ق. م) أو الأسرة البابلية الثالثة. وقد تبنَّى حكام هذه الأسرة أسماء بابلية. وازدهرت إبان حكمهم الحضارة البابلية. وفي الفترة ١٣٠٠ ـ ١٠٠٠ ق. م، ظهر الأخلامو والسوتو (وهي قبائل آرامية أضعفت الدولة) فهيمن عليها الآشوريون ثم الكاشيون مرة أخرى. وبعد ذلك بدأت فترة الهيمنة الآشورية المستمرة في الفترة ٩٠٠ ـ ٦٢٦ ق. م، إلى أن أسس بنو بولاسار (في عام ٦٢٥ ق. م) دولة مستقلة يشار إليها باسم «الدولة البابلية الجديدة أو الكلدانية» (نسبة إلى كلدة) نتيجة تحالف الكلدانيين والحوريين (مملكة ميتاني) . وبلغت الإمبراطورية أوج مجدها في عهد نبوختنصر (٦٠٥ ـ ٥٦٢ ق. م) الذي أعاد بناء بابل، وأنشأ أسوارها الشهيرة وحدائقها المعلقة، ثم هزم المملكة الجنوبية وقام بتهجير قيادتها إلى بابل.
تدهورت بابل مع نمو دولة الفرس. وبعد موت نبوختنصر، حاول نابونيدس (٥٥٥ ـ ٥٣٩ ق. م) أن يستولى على عرش الإمبراطورية، فقضى معظم حكمه في واحة في شمالي الجزيرة العربية. لكن الإمبراطورية سقطت دون مقاومة تُذكَر في يد قورش الأعظم (٥٥٠ ـ ٥٣٠ ق. م) مؤسس الإمبراطورية الفارسية.
стр. 4094
كان المجتمع في بابل يتسم بشكل من أشكال الديموقراطية البدائية التي اختفت مع عصر حمورابي حين ظهرت طبقات الأحرار والموالي (وهي طبقة ظهرت واختفت بسرعة) وكذلك العبيد. وفي الألف الأولى قبل الميلاد، كان عبيد المعبد يشكلون طبقة متميزة. وقد اعتمدت ثروة بابل على المزارع التي وضعت لها نظم ري دقيقة. كما ازدهرت الصناعة التي كانت تشمل صناعة النسيج والصباغة والتطريز بجانب صناعة المعادن والفخار. وكانت بابل تنقصها المعادن والأحجار والأخشاب، ولذا فقد كانت تستوردها. وكانت تجارة بابل واسعة النطاق مع الهند والبحرين وعمان والصومال واليمن عن طريق البحر. وفي البداية، كانت المعابد تتحكم في الاقتصاد. ولكن، مع عصر حمورابي، سيطر أصحاب رؤوس الأموال على التجارة. وقد استخدم البابليون النقود على نطاق واسع، الأمر الذي سهل التجارة المحلية والدولية. وقد ترك هذا النشاط التجاري أعمق الأثر في العبرانيين بعد تهجيرهم إلى بابل.
وكانت الغنائم والجزية من الموارد الأساسية للدولة. وقد طور البابليون استخدام العجلات في الحرب، وهو ما ساعد على أن تصبح إمبراطوريتهم مترامية الأطراف. وحققوا إنجازات ذات شأن في الفلك والرياضيات، ومنهم اقتبس اليونانيون العلوم وطوروها. كما كانت إنجازاتهم المعمارية والفنية ذات أثر عميق في الحضارات المعاصرة لهم والتي أتت بعدهم، وقد تأثر العبرانيون بهذه المعارف بشكل عميق بعد تهجيرهم إلى بابل.
стр. 4095
وتتَّسم ديانة البابليين وأهل بلاد الرافدين باحتوائها على قدر كبير من الإيمان بالجن والسحر، كما لم تتضمن في البداية مفهوماً للخطيئة أو الإحساس بالذنب أو بالحياة بعد الموت. ولم يكن النظام الكوني في مفهوم البابليين نظاماً أخلاقياً. وكان لدى الإنسان البابلي إحساس بتَقلُّب العالم، ومن هنا كان إحساسه بالعجز أمام قوى الطبيعة والآلهة التي حاول دائماً أن يكتشف إرادتها عن طريق التنجيم وفحص أمعاء الحيوانات التي يضحي بها الإنسان. وكان أعظم آلهتهم هو مردوخ. ولكن الديانة تطورت، وظهر مفهوم التقوى والحساب والعقاب، كما ظهر مفهوم للعالم الآخر أو عالم الموتى الذي يستقرون فيه بعد الموت دون حساب أو عقاب. بل ظهرت أشكال من التوحيد، فكان يُشار إلى سائر الآلهة باعتبارها تجليات للإله مردوخ الأعظم.
ولغة البابليين هي البابلية، وهي اللهجة الجنوبية من لهجات اللغة الأكادية. كما أن كتابتهم المسمارية التي أخذوها عن السومريين قد أثرت في الآشوريين. وقد كان لهم أدب ثري، وخصوصاً في مجال الملاحم التي تُعَدُّ جلجامش من أهمها.
ويجب عدم فصل حضارة البابليين عن حضارة الآشوريين. فهما، رغم أنهما تشكيلان سياسيان متصارعان، ينتميان إلى تشكيل حضاري (سامي) واحد هو التشكيل الذي ساد المنطقة في نهاية الأمر.
الكلدانيون
Chaldeans
«الكلدانيون» هم الآراميون الذين كانوا يقيمون في كلدة التي كانت تقع في أقصى جنوب دلتا وادي دجلة والفرات. وكان المصطلح يتسع أحياناً ليشمل بابل بأسرها، ليضم كل بلاد الرافدين بين صحراء العرب ودلتا الفرات. ويُستخدَم الاسم للإشارة إلى الشعب الذي أخذ في الهيمنة على المنطقة ابتداءً من القرن الحادي عشر قبل الميلاد إلى أن قام في القرن السابع قبل الميلاد بمساعدة الحوريين (مملكة ميتاني) بإسقاط حكم الآشوريين وتأسيس الإمبراطورية البابلية الحديثة أو الكلدانية التي انصهر فيها البابليون والآراميون والكلدانيون.
стр. 4096
ومن أهم ملوك هذه الإمبراطورية نبوبولاسار (٦٢٥ ق. م) ، ونبوختنصر (٦٠٥ ـ ٥٦٢ ق. م) الذي أسس إمبراطورية ضخمة تمتد من آشور حتى الحدود المصرية وقضى على المملكة الجنوبية وهجَّر سكانها إلى بابل. وقد سقطت الأسرة الكلدانية على يد قورش الثاني الفارسي في عام ٥٩٩ ق. م.
أخذ الكلدانيون بالحضارة البابلية القديمة وأضافوا إليها كثيراً. وظهر بينهم حكماء متبحرون في مختلف جوانب المعارف؛ كالمهن التعليمية والعلوم الرياضية والكهنوتية. وتوصلوا إلى معرفة حساب الخسوف والكسوف، كما برعوا في فن التنجيم حتى أصبحت كلمة «كلداني» مرادفة لكلمة «منجِّم» . ومارسوا كذلك فن التطريز وفن المعمار. وقد أصبحت بابل في عهد نبوختنصر أعظم مدينة معمورة على وجه الأرض.
نبوختنصر (٦٠٥-٥٦٢ ق. م)
Nebuchadnezzar
مؤسس الإمبراطورية الكلدانية (البابلية الجديدة) وأعظم ملوك الكلدانيين. أسقط الإمبراطورية الآشورية بمساعدة الحوريين (مملكة ميتاني) ، وهزم القوات المصرية في معركة قرقميش عام ٦٠٥ ق. م. وقاد نبوختنصر حملتين ضد المملكة الجنوبية: الأولى في عام ٥٩٧ ق. م لإخماد التمرد فيها، فأحل صدقيا محل يهوياكين، ونفى ثمانية آلاف يهودي من الأرستقراطيين. وبعد بضع سنين، عندما أعاد العبرانيون الكرَّة بإيعاز من مصر، قاد نبوختنصر حملة أخرى عام ٥٨٦ ق. م. ورغم أن المصريين أرسلوا المساعدات للعبرانيين، فقد أسقط القدس ودمَّر الهيكل وأسر عدداً من اليهود ساقهم إلى بابل، وعيَّن جداليا حاكماً لفلسطين.
وكان نبوختنصر من كبار البناة، فهو الذي زيَّن بابل بالحدائق المعلقة. ولعل تهجير اليهود كان يهدف إلى تعمير العاصمة.
стр. 4097
الباب الخامس: الشعوب والأقوام السامية الأخرى
العموريون
Amorites
وتُكتَب أحياناً «الأموريون» . و «العموريون» كلمة بابلية معناها «الغربيون» ، وتُستخدَم للإشارة إلى أقدم شعب سامي معروف أقام في بلاد الشام وفلسطين في منتصف الألف الثالثة قبل الميلاد، وكوَّن مملكة نحو عام ٢٥٠٠ ق. م ضمت بلاد الرافدين وسوريا وفلسطين.
وقد اتسع استخدام الكلمة بحيث كانت تشير أحياناً إلى سكان أرض كنعان قبل تَسلُّل القبائل العبرانية وليس العموريين فحسب. ويحمل الاسم أحياناً (في المنقوشات القديمة) دلالة إثنية إذ يشير إلى القبائل السامية الغربية، لكنه كان يحمل في أحيان أخرى دلالة جغرافية تتعلق بكل من سوريا وفلسطين في آن واحد. وفي عام ١٨٠٠ ق. م تقريباً، كان يسيطر على المنطقة الواقعة بين البحر المتوسط ومرتفعات عيلام أمراء عموريون تسببت هجرتهم في أن اكتسبت المنطقة كلها صبغتها السامية (العربية) التي احتفظت بها حتى الآن (باستثناء جيوب الحوريين) .
وكانت تُوجَد سلالات عمورية عديدة تقطن مناطق مختلفة من أهمها السلالة التي حكمت بابل، كما كانت ماري عاصمة للعموريين في أوائل الألف الثانية قبل الميلاد، وكانت حلب إحدى عواصمهم الأخرى. وكانت المملكة العمورية نقطة اتصال مهمة بين مصر من ناحية وبلاد الرافدين وبلاد الحيثيين من ناحية أخرى. ومع ظهور تحتمس الثالث عام ١٤٤٧ ق. م (الأسرة الثامنة عشرة) ، فرضت مصر سلطانها على العموريين.
стр. 4098
وحين دخلت القبائل العبرانية فلسطين، وجدت العموريين وبقية القبائل السامية مستوطنةً إياها إذ كانوا يقيمون على شاطئ نهر الأردن في القرن الثالث عشر قبل الميلاد ويسيطرون على المواقع الإستراتيجية ورؤوس التلال الواقعة في سوريا الجنوبية والممتدة إلى فلسطين. ولقد قاوم العموريون التسلل العبراني إلى المنطقة، وقام صراع شديد بينهم وبين العبرانيين. ومع ذلك، فقد هزمهم العبرانيون واحتلوا أرضهم. وغزا يشوع العموريين الذين كانوا يقطنون الأرض الجبلية قرب فلسطين، ولكنهم بقوا بعد التسلل العبراني. وقد وقعت مملكتهم تحت سيطرة داود.
كان العموريون، في بداية الأمر، شعباً بدوياً يعتمد على الحمير كوسيلة أساسية للانتقال، كما كانوا يمارسون الصيد ويتصفون بخشونة الطبع. لكنهم ما لبثوا أن أخذوا بأساليب الحضارة، وخصوصاً السورية الأكادية ومن ذلك المؤسسات السياسية والفكرية، وذلك مع أن حضارتهم لم تكن متجانسة بسبب انتشارهم في مناطق متباعدة. وقد ازدهرت حياتهم بسبب اشتغالهم بالزراعة والتجارة.
ولم تختلف اللغة العمورية في فلسطين عن اللغة الكنعانية إلا من حيث إنها لهجة، فهي لهجة كنعانية قديمة تقابل اللهجة الكنعانية الغربية السائدة. وقد استُوعبت هذه اللغة تماماً في اللغتين الكنعانية والأكادية.
ولم تختلف ديانة العموريين، من حيث شكلها البدائي، عن عبادة قوى ومظاهر الطبيعة عند الساميين. وأكبر آلهتهم عمور (إله الحرب) وشريكته وهي عاشرة التي تشبه نموذج عشتار. كما عبدوا آلهة أخرى مثل هدد المعروف باسم رمانو (مانع الصواعق) وهو إله مطر وعواصف. وقد صار بعد ذلك البعل الأعظم. وكان هناك دجن إله الغذاء الذي عُبد في غزة على وجه الخصوص.
وحينما يشير العهد القديم إلى العموريين بلفظة «إيموري» فهو يعني سكان فلسطين كافة، والقبائل التي حاربها العبرانيون على وجه الخصوص. أما في الكتابات التلمودية، فإن المصطلح يشير إلى كل عبدة الأصنام.
الأدوميون
стр. 4099
Edomites
كلمة «أدوميون» تشير إلى إحدى الجماعات السامية التي كانت تقيم في أرض كنعان بمنطقة جبل سعير التي كان يُطلَق عليها أيضاً «أدوم» ، وكانت عاصمة ملكهم سيلع (البتراء فيما بعد) . وهم حسب الرواية التوراتية من نسل عيسو الذي كان يُدعَى أيضاً «أدوم» ، أي «الأحمر» . وقد قاموا بطرد الحوريين من المنطقة التي استوطنوها، وعاشوا على الصيد. وكانوا ينقسمون في البداية إلى قبائل يحكمها شيخ القبيلة ثم اتحدوا وكونوا مملكة. وقد احتكروا تجارة شمالي البحر الأحمر في فترات قوتهم.
ويُعَدُّ الأدوميون الأعداء التقليديين للقبائل العبرانية، فقد عارضوا (هم والمؤابيون) مرور العبرانيين عبر بلادهم عند قدومهم من مصر. وقد جرت بينهم وبين القبائل العبرانية حروب تبادل كل جانب فيها السيطرة على الآخر، وكان من نتائجها أن ضم شاؤول وداود أجزاء من أراضيهم. وقد تحرَّر الأدوميون من السيطرة العبرانية في أواخر حكم سليمان. ثم خضعوا للمملكة الجنوبية، ولكنهم أعلنوا العصيان عام ٨٤٨ ق. م. واستقلوا بعد حروب طويلة، غير أنهم صاروا فيما بعد تابعين لآشور ثم بابل. وقد ورث الأدوميون القسم الشرقي من المملكة الجنوبية بعد أن قضى الكلدانيون عليها، لكن الأنباط زاحموهم فترة من الزمن.
ورغم العداوة بين العبرانيين والأدوميين، فإنهم في شريعة موسى يُعتبَرون إخوة لهم (تثنية ٢٣/٧، ٨) . واستمر الصراع بينهم وبين اليهود إلى أن هزمهم جون هيركانوس الحشموني وفرض عليهم اليهودية والتختن بحد السيف. وكان هيرود (ملك اليهود) أدومياً، الأمر الذي قلص شرعيته إذ لم يكن بمقدوره أن يصبح كاهناً أعظم. وأثناء حصار تيتوس للقدس، انضم الأدوميون إلى العناصر العبرانية المتطرفة وقتلوا كل من تصوروا أنه مؤيد للسلام في روما. وقد اختفى الأدوميون بعد ذلك من تاريخ العبرانيين.
стр. 4100
ولم تكن إنجازات الأدوميين الحضارية كبيرة. وكانوا يتحدثون بلهجة شديدة الشبه بالعبرية، ولكننا لا نعرف شيئاً عن ديانتهم إلا أسماء بعض الآلهة، مثل قوس وهدد، كما أن أحد آلهتهم كان يُدعَى «إلواه» . وتعني كلمة «أدومي» كما جاء في التلمود «الحكومة الطاغية» ، وخصوصاً روما. أما في العصور الوسطى، فقد كانت الكلمة تُستخدَم للإشارة إلى أوربا المسيحية.
العمونيون
Ammonites
«العمونيون» شعب سامي قديم تجمعه، حسب الرؤية التوراتية، صلة قرابة بالعبرانيين. وبعد فترة غير قصيرة من الحياة شبه البدوية، أنشأ العمونيون مملكة شمالي مؤاب التي استمرت من عام ١٥٠٠ ق. م حتى القرن الثاني الميلادي. وقد سموا عاصمتهم «رباة عمون» (ربة بني عمون في التوراة) . ونشب بينهم وبين العبرانيين صراع استمر طويلاً تبادلا أثناءه الهزائم والانتصارات، كلٌّ على الآخر، حتى سقطت عاصمتهم في يد داود. ويُعزَى إلى امرأة عمونية في بلاط سليمان أمر غوايته وعبادته الرب العموني ملكوم (مولك) .
حصل العمونيون على استقلالهم عند انقسام المملكة العبرانية المتحدة (٢٩٨ ق. م) ، وتحالفوا مع الكلدانيين والآراميين، وهاجموا المملكة الجنوبية، كما حاولوا منع العبرانيين من بناء أسوار الهيكل بعد عودتهم من بابل.
وقد ساعد العمونيون القوات السلوقية أثناء التمرد الحشموني، وألحق بهم يهودا الحشموني الهزيمة عام ١٦٣ ق. م. ورغم حالة الحرب الدائمة بين العمونيين والعبرانيين، فإن نسبة التزاوج بين الفريقين كانت عالية، وهو ما أدَّى بعزرا ونحميا إلى التنديد بذلك. وقد أصبح العمونيون، مثلهم مثل معظم شعوب المنطقة في القرن التاسع قبل الميلاد، تابعين لآشور فبابل ثم الفرس فاليونانيين وأخيراً الرومان، إلى أن ذابوا واختفوا.
следующие страницы →