Полный текст (8 511 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.
стр. 4026
١ ـ الرؤوس أو رؤساء المجلس. باللاتينية: سنيوريس seniores. ومفردها «سنيور» ، وهي تساوي كلمة «بارناس» في العبرية، وجمعها «برناسيم» أو «روش» وجمعها «روشيم» . وكان يشكلها في البداية شيوخ الجماعة، ولكن الوظيفة أصبحت، فيما بعد، بالتناوب. وكان الرئيس يتمتع بنفوذ واسع لأنه كان بوسعه التأثير في المحاكم وفي حجم الضرائب وفي كل موظفي القهال. وهو الذي كان يقرر ميزانية القهال في فترة خدمته، ويقرر القروض، ويوقع على كل الوثائق الرسمية باسم الجماعة. وإذا كانت الجماعة توجد في مدينة، ويتعين تحديد عدد التجار اليهود المسموح لهم بالاتجار، فإن القهال كان يقدم قائمة باسم التجار الذين يحق لهم السكنى في المدينة والقيام بأعمالهم. وكثيراً ما كانت الصلاحيات تتحول إلى ديكتاتورية غير مقنعة. وكانت هناك حالات يرفض فيها السنيور أن يترك وظيفته حينما تنتهي مدة خدمته ويستمر يشغلها عدة سنوات بتشجيع من كبار الموظفين البولنديين المسئولين عن اليهود مثل الحاكم الملكي (فويفود) .
٢ ـ الرجال الخيِّرون. باللاتينية: بوني فيري boni viri. وبالعبرية «طوفيم» (الطيبون) . وكان عددهم في العادة سبعة يشكلون مجلس إدارة القهال، كما أنهم كانوا مسئولين عن دفاتر القهال وخزانته.
٣ ـ المستشارون أو أعضاء القهال. وكانوا يكوِّنون لجاناً، من أهمها: لجنة الإحسان، ولجنة المراقبين على الديون والحساب، ولجنة شيوخ السوق الخاصة بفحص الموازين، ولجنة نظافة شوارع الجيتو والشتتل وحراسته، ولجنة الذبح الشرعي، ولجنة النزاعات بين أصحاب العمل والموظفين، ولجنة المدرسة، ولجنة المعبد، ولجنة افتداء الأسرى (بعد انتفاضة شميلنكي) ، ولجنة الصدقات لفلسطين لتمويل إقامة اليهود الذين يستوطنون فلسطين للتعبد، ولجنة رؤساء نقابات الحرفيين اليهود.
٤ ـ كان القهال يضم أيضاً بعض شاغلي الوظائف الأساسية مثل القضاة والمراقبين الذين كانوا يقررون مقدار الضرائب الواجب على كل فرد دفعه.
стр. 4027
وكانت تتبع القهال مجموعة من الموظفين يتقاضون أجراً من أهمهم الحاخام. ورغم أن القانون البولندي منحه سلطات ضخمة، فقد كان المسئول (نظرياً) عن تنفيذ قرارات القهال وضمان سلامة الانتخابات، كما كان يترأس القضاة في اجتماعاتهم ويمنح الألقاب المختلفة مثل «حابير» و «مورينو» ، وهو أيضاً الذي يقرر متى ينبغي طرد شخص من حظيرة الدين، فإنه كان من الناحية الفعلية خاضعاً تماماً لرئيس القهال ومجلس إدارته. وكان يُوجَد، إلى جانب الحاخام، رئيس المدرسة التلمودية العليا (يشيفا) ، وواعظ الجماعة (درشان) والقاضي (ديان) ، وكثيراً ما كان يضطلع شخص واحد بكل هذه الوظائف.
وهناك أيضاً كاتب المدينة الذي كان يدير شئون القهال اليومية ويعمل بالتعاون مع كاتب اليهود وهو مسيحي بولندي كان يقوم بترجمة رسائل القهال للمدينة. وكان الكاتب هو أيضاً الوسيط (شتدلان) بين الجماعة والمدينة، وقد تطورت وظيفته فيما بعد وأصبحت من أهم الوظائف. وكان صغار موظفي القهال يسمون «سكولاي منيستر scholae minister» باللاتينية و «شكولنك szkolink» بالبولندية و «شماس» بالعبرية. وهؤلاء كانوا يضمون الممرضات وحرس البوابة وجامعي الضرائب وخادم (شماس) المعبد.
стр. 4028
وكانت مصاريف القهال تتكون أساساً من المرتبات التي يدفعها لموظفيه. كما كان عليه أن يقدم الهدايا لكبار موظفي الحكومة البولندية حتى يمكن تسيير أمور الجماعة. فكانت الجماعة اليهودية في كراكوف على سبيل المثال تدفع هدية سنوية للحاكم الملكي، ولقاضي اليهود المسيحي المعيَّن من قبَل المدينة للحكم في المنازعات بين اليهود والمسيحيين، ولكاتب اليهود، ولرئيس شرطة المدينة. وكان علىهم أيضاً أن يطعموا الحيوانات في حديقة الملك. كما كان على بعض القهالات أن تدفع مبالغ من المال من قبيل المساعدة للكنيسة والطلبة وأن تزودهما أحياناً بالمؤن. وكان على القهال كذلك دفع ضريبة مقابل عدم قيام اليهود بالخدمة العسكرية أو تزويد الجنود بالمأوى. وكان على القهال أن يؤدي الضريبة المفروضة على الجماعة من قبَل الحكومة. ولذا، كان عليه أن يفرض ضرائب مباشرة على كل شخص (ضريبة الملكية وضريبة الرأس وضريبة القهال) . ومع تَدهور الوضع الاقتصادي للقهال، أخذت هذه الضرائب في التزايد حتى أصبحت تُفرَض على ضروريات الحياة (ويُطلَق عليها «ضرائب السلة» ) ، وكان يُمنَح امتياز جمعها من خلال مزاد عام الأمر الذي كان يعني تَزايُد الضرائب دائماً.
وقد بدأ تداعي القهال، كمؤسسة إدارة ذاتية، في أوائل القرن الثامن عشر بعد انتفاضة شميلنكي ضد الإقطاع الاستيطاني في أوكرانيا وهي الانتفاضة التي اكتسحت الجماعة اليهودية ومؤسساتها فيما اكتسحت من مؤسسات. وظهرت التوترات الاجتماعية داخله بسبب الأزمة الاقتصادية والسياسية الشاملة في بولندا، إذ أن أعضاء الأقلية المسيطرة على القهال كانوا، كما هو متوقع، يؤثرون مصالحهم على مصالح الجماهير، ويحاولون أن يهربوا من استغلال الحاكم عن طريق تحميل معظم العبء على من هم دونهم في السلم الطبقي والاجتماعي. وقد أصبح القهال، بعد قليل، وسيلة قهر فقراء الجماعة اليهودية بدلاً من كونه مؤسسة تنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم.
стр. 4029
وسادت المصالح الشخصية وسيطرت الشخصيات الطموحة الجشعة ذات النفوذ. وكثيراً ما كانت تباع وظيفة الحاخام ووظيفة القاضي. لذا، كان من المتوقع أن يتقبل القاضي الرشاوي. وأُهملت الإدارة تماماً، الأمر الذي أثر في موارد القهال المالية. وحتى منتصف القرن السابع عشر، كان بوسع مجالس القهال المختلفة أن تفي بالتزاماتها المالية، ولكن وضعها تدهور بتدهور بولندا مالياً، إذ كان على القهال أن يدفع الرشاوي العديدة ويقدم الهدايا لكبار الموظفين لضمان أمنه. وزادت ديون الجماعات اليهودية زيادة رهيبة في القرن الثامن عشر حتى أن بعض الجماعات فشلت في سد أصل الدين واكتفت بدفع الفوائد عليه وحسب. ومن هنا، ضعفت سلطة القهال وبالتالي سلطة مجلس البلاد الأربعة. وفي عام ١٧٦٤، قرر البرلمان البولندي أن ضريبة الرؤوس المفروضة على اليهود لن تُجمَع من خلال مجلس البلاد الأربعة وإنما من خلال مجالس القهال الفردية، وهو ما كان يعني أن الإطار التنظيمي للقهالات قد انفرط تماماً وأن مجلس البلاد الأربعة أُلغي تماماً. ومع صدور مرسوم عام ١٨٢٢، تم حل القهال تماماً وحلت محله مجالس التجمعات الدينية (الأبرشيات) لإدارة الأمور الدينية والخيرية. وكان كل مجلس مكوناً من الحاخام ومساعده أو ممثل عنه وثلاثة مديرين منتخبين. واستمر هذا الإطار حتى عام ١٩١٦ وتولت الدولة كل مهام القهال الأخرى.
وفي عام ١٩١٩، أُسست مجالس القهال مرة أخرى، ولكن أُعيد تعريفها كجماعة مستقلة يكون الانتماء إليها اختيارياً ويترأسها مجلس مركزي. ولم يكن للقهال أية سلطة من السلطات القديمة، وإنما كان تنظيماً ينسق بين كل الجماعات اليهودية في بولندا، شأنه شأن التنظيمات المماثلة في الدولة القومية الحديثة.
стр. 4030
وقد سقط القهال، مثلما سقط الجيتو ومنطقة الاستيطان اليهودي والشتتل، وذلك بسبب التحولات الاجتماعية والسياسية العميقة التي كانت تخوضها مجتمعات شرق أوربا، وبسبب ظهور حركيات اقتصادية جديدة تنحو نحو توحيد السوق القومية والاستغناء عن الجماعات الوظيفية الوسيطة. وكان سقوط القهال مرتبطاً أيضاً بالحركيات الخاصة بالمجتمع البولندي وأزمته السياسية والاقتصادية العامة، والتي تفاقمت ابتداءً من مستهل القرن السابع عشر، الأمر الذي أدَّى إلى تصفية كل الجيوب الإثنية والدينية التي كانت تتمتع بحق الإدارة الذاتية التي خلَّفها النظام الإقطاعي. ولكن المؤرخين الصهاينة يشيرون إلى القهال، والمؤسسات الإقطاعية الأخرى، باعتبار أن ذلك أكبر دليل على الاستقلال القومي لليهود عبْر تاريخهم، وهو استقلال عبَّر عن نفسه في أشكال مختلفة مثل السنهدرين والجيتو. ولكن تنظيم القهال لا يختلف كثيراً عن العديد من التنظيمات الحرفية والطبقية في العصور الوسطى، ذلك لأن المجتمع الزراعي يتسم بالجمود والهرمية الحادة في تنظيمه الاجتماعي والحضاري.
وقد أسس النازيون، بعد غزوهم بولندا، نظاماً يشبه في كثير من الوجوه مؤسسة القهال مثل جيتو وارسو (أو غيره من الجيتوات) التي كانت تتمتع بقسط وفير من الإدارة الذاتية والاستقلال الاقتصادي والثقافي. ولا شك في أن المفكرين الصهاينة، وقد جاء عدد كبير منهم من بولندا وروسيا، كانوا متأثرين بتجربتهم في الشتتل والقهال وهم يرسمون ملامح المجتمع الصهيوني.
مجلس البلاد الأربعة
Council of Four Lands
стр. 4031
«مجلس البلاد الأربعة» ، ويُسمَّى بالعبرية «فاعد أربعا أراتسوت» ، هو الإطار الإداري ليهود بولندا الذي كان يضم كل مجالس القهال المحلية، وهو في الواقع أعلى أشكال الإدارة الذاتية التي تمتع بها اليهود في أوربا. وقد تم تأسيسه نحو عام ١٥٨٠. والبلاد الأربعة هي أقاليم بولندا الأربعة: بولندا الكبرى (بوزنان) ، وبولندا الصغرى (كراكوف) ، وأوكرانيا (فولينيا) ، وروسيا الحمراء (جاليشيا) .
ومن المعروف أن تركيب الجماعات اليهودية في الغرب يشبه المجتمع الغربي الذي لم يعرف السلطة المركزية أو الدولة القومية منذ عصوره الوسطى. ولذا، كانت كل جماعة يهودية متمركزة حول المعبد داخل الجيتو الخاص بها. ولكن، مع نهاية القرن السادس عشر، حدثت بعض التطورات الاقتصادية، إذ أن النظام المالي الغربي كان قد بدأ يتوسع ويصل بأطرافه إلى العالم بأسره. ولم يكن هناك نظام مالي عالمي، كما أن بولندا كانت من أهم الدول المصدرة للأغذية إلى أوربا في ذلك الوقت، فنشأت شبكة مالية عالمية من النخب المالية اليهودية المختلفة كان يهود الأرندا واحدة من أهم حلقاتها. كما أن الفترة نفسها شهدت تَراجُع سلطة الملك في بولندا وقد توقَّف عن التدخل في عملية تعيين حاخام ليهود بولندا عام ١٥٥١. ثم توقَّف الملك عام ١٥٦٩ عن تعيين رؤساء الجماعات اليهودية في لفوف، وأعطى اليهود حق انتخاب المجالس التي تحكمهم. ثم صدر مرسوم يمنع حكام المدن البولندية من إصدار أحكام أو فرض عقوبات على أعضاء الجماعات اليهودية. وتزايدت إلى جانب هذا أعداد أعضاء الجماعات اليهودية في بولندا. وقد أدَّت كل هذه العوامل إلى تأسيس المجلس عام ١٥٨١. وكان المجلس (فاعد) ينعقد بشكل غير رسمي وغير ثابت في بداية الأمر. ولكن اجتماعاته اتخذت صيغة ثابتة مع نهاية القرن السادس عشر.
стр. 4032
وانضمت إليه فيما بعد قهالات ليتوانيا التي استقلت بعد ذلك (عام ١٦٢٣) وانتظمها مجلس مستقل. ولم تكن العلاقة حميمة بين المجلسين دائماً، إذ ظهر بينهما الكثير من التوترات. فعلى سبيل المثال، كان مجلس بولندا يرى أن مجلس ليتوانيا لا يساهم بالقدر الكافي في الأعباء المالية. كما اختلف المجلسان حول المدن الصغيرة الموجودة على الحدود، وحول أحقية كل منهما في تمثيلها، وكذلك بشأن الحقوق التجارية لكل منهما. وأخيراً اختلفا حول قضية أساسية هي قضية الأرندا، فقد قرر مجلس البلاد الأربعة أن يمنع اليهود من شراء حق جمع ضرائب الجمرك واستغلال مناجم الملح، ذلك لأن النبلاء البولنديين أنفسهم كانوا يطمعون في تحصيل هذا الريع وإن حاول التجار اليهود منافستهم فإنهم قد يلحقون الأذى بالجماعة ككل. ولكن هذه التوصية لم تنفذ على الإطلاق. كما أن منطقة بولندا الكبرى، الممثلة في مجلس البلاد الأربعة، كان لها رأي مخالف. أما مجلس ليتوانيا، فقد أصر على ضرورة أن يظل جمع ضرائب الجمارك في أيد يهودية (ويبدو أن أعضاء المجلس قد تقاضوا مبلغاً من النقود من بعض المقاولين الذين كانوا يقومون بالحصول على امتياز جمع ضرائب الجمارك) .
стр. 4033
والتنظيم الإداري للمجلس هرمي، توجد في قاعدته مختلف مجالس القهال في كل تجمُّع يهودي. وكانت كل مجموعة من القهالات تتبع مجالس المدن التي تتبع بدورها مجالس الأقاليم. وقد أصبحت هذه الأقاليم ثمانية ثم أصبحت اثنى عشر إقليماً فيما بعد، ومع هذا احتفظ المجلس باسمه. ولم يكن المجلس يضم مندوبي الأقاليم وحسب، وإنما كان يضم كذلك مندوبي بعض المدن المستقلة. وكان عدد المندوبين عشرين مندوباً في القرن السابع عشر وأربعين في القرن الثامن عشر. وكانت مجالس الأقاليم (مفرده بالعبرية: فاعد هاجليل) تشبه مجالس البرلمان (سييم) الإقليمية التي تُسمَّى «سييميك» ، وهي في علاقتها بمجلس البلاد الأربعة تشبه علاقة هذا الأخير بمجلس السييم أو البرلمان. وكان مجلس البلاد الأربعة يضم جهازين أو مجلسين: مجلس رؤوس المدن (بالعبرية: راشي هامدينوت) ، وهو مجلس شيوخ المناطق، ومجلس قضاة البلاد (بالعبرية: دياني هاأرتسوت) ويضم حاخامات الجماعات الأساسية. وكان المجلسان يجتمعان أحياناً معاً.
وكان بناء المجلس يتكون من:
١ ـ رئيس المجلس.
٢ ـ أمين الصندوق والسكرتير الأول.
٣ ـ الوسيط (شتدلان)
٤ ـ كاتب المجلس.
٥ ـ مقدِّري الضرائب.
وكان المجلس يجتمع مرتين كل عام في الأسواق السنوية أو في البلد الذي كان يقيم فيه وزير المالية البولندي. وكان اختيار أعضاء المجلس يتم بالانتخاب بالمعنى الفضفاض للكلمة، فلم تكن تشترك أغلبية يهود بولندا الساحقة في هذه الانتخابات. ويُقال إنه، في الفترة الأخيرة من تاريخ المجلس، لم يكن يزيد عدد المشتركين في الانتخابات على نسبة ضئيلة تصل إلى حوالي ١.١% (بل بلغت ٠.٧% في ليتوانيا) .
стр. 4034
وكانت وظيفة المجلس الأساسية الإشراف على التجارة اليهودية، وتحديد نسبة الفوائد للمرابين اليهود، وتحديد السياسات المالية والاقتصادية لأعضاء الجماعة. وكان من أهم أنشطته في هذا المضمار محاولة تقليل حجم التنافس بين يهود الأرندا في محاولة الحصول على امتياز استئجار الضياع. فكان المجلس يؤيد حق أي يهودي استأجر ضيعة لمدة ثلاث سنوات في أن يجدد عقد استئجاره دون منافسة، بل كان المجلس يؤيد حق الأبناء في أن يرثوا العقد. وكان المجلس يقوم بجمع الضرائب من المناطق كافة باعتبار أن الجماعة اليهودية تشكل وحدة مالية مستقلة داخل الدولة البولندية، كما كان يسوي النزاعات بين اليهود. أما النزاعات بين اليهود وغير اليهود، فكانت تنظر فيها السلطات البولندية. وكان المجلس في منزلة محكمة استئناف وهيئة تشريعية وإدارية. كما كان المجلس يشرف على التعليم اليهودي والأمور الدينية، وكذلك على تعيين الحاخامات والقضاة وجباة الضرائب والمدرسين والذابحين الشرعيين.
стр. 4035
وخلال القرن الثامن عشر بدأ هذا النظام في الضعف بتآكل النظام السياسي والاجتماعي في بولندا، وانهياره التام في نهاية الأمر. وبظهور طبقات جديدة من يهود بولندا، لم تَعُد هذه الطبقات تأخذ بالإطار القديم. وبازدياد الجماهير اليهودية فقراً، أصبح من الصعب جمع الضرائب منها. كما أن الأمراء البولنديين الإقطاعيين كانوا دائمي التدخل في شئون المجلس للدفاع عن محاسيبهم من اليهود. وقد تحوَّل مجلس القهالات إلى مؤسسة لابتزاز اليهود عن طريق اليهود أنفسهم، فكان أثرياء اليهود المتحكمون في هذه المؤسسة أداة طيعة في يد الحاكم البولندي، كما أن الجماعات اليهودية الكبيرة المهيمنة على المجلس كانت تحاول فرض نصيب أكبر من الضرائب على الجماعات الصغيرة. ولذا، فقد رفضت مجموعة من الجماعات في ليتوانيا عام ١٧٢١ دفع الضرائب التي فرضها المجلس بل اشتكت إلى الحكومة. وفي عام ١٧٦٤، قررت الحكومة البولندية جمع الضرائب مباشرةً من كل جماعة يهودية حسب حجمها، وبالتالي سقط مجلس البلاد الأربعة وما تسميه الكيانات الصهيونية «الحكم الذاتي» ، والذي يمكن أن نسميه إطار الإدارة الذاتية للجماعة اليهودية في بولندا الإقطاعية. وقد استمرت مجالس القهال في نشاطها لبعض الوقت بدون إطار تنظيمي واحد إلى أن ُحلَّت هي الأخرى عام ١٨٢٢.
سافاناه اليهود في سورينام
Joden Savanne in Surinam
«سورينام» جمهورية مستقلة، كانت تدعى في الماضي «جيانا الهولندية» حيث كانت تابعة لهولندا. وهي تقع، في أمريكا الجنوبية، بين جيانا البريطانية والبرازيل وجيانا الفرنسية، ويحدها من الشمال المحيط الأطلنطي.
стр. 4036
وقد وصل إليها الأوربيون في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، كما وصل إليها بعض أعضاء الجماعات اليهودية من البرازيل وهولندا عام ١٦٣٩. ثم وصلت جماعة أخرى من اليهود من إنجلترا عام ١٦٥٢ تحت رعاية أحد اللوردات الإنجليز، ووصلت مجموعة ثالثة تحت قيادة جوزيف نونيز دي فونسيكا. ويشكل الاستيطان اليهودي في سورينام أول هجرة يهودية إلى العالم الجديد. وكان معظم هؤلاء من اليهود المارانو (السفارد) . وقد أسسوا مزارع السكر التي تعتمد أساساً على العبيد السود المخطوفين من أفريقيا في سياق ما كان يُسمَّى «المثلث اللعين» إذ كانت السفن الأوربية تحمل البضائع، كالأسلحة والبارود والمشروبات الروحية الرخيصة والحلي، من أوربا إلى الساحل الأفريقي فتفرغها، ثم تحمل العبيد الذين كانوا يُنقلون إلى مزارع السكر في الولايات المتحدة وجزر الكاريبي ويباعون هناك، وكانت السفن الفارغة تحمل المنتوجات الاستوائية كالسكر والنيلة والصمغ والقهوة إلى أوربا، وهكذا. وكان يوجد مثلث آخر لم يكتسب الأهمية إلا في منتصف القرن الثامن عشر. فكان تجار نيو إنجلند يرسلون شراب الروم الكحولي إلى أفريقيا ويبادلونه بالعبيد ويبحرون إلى جزر الهند الغربية حيث كانوا يبيعون العبيد ويشترون عسل قصب السكر اللازم لصناعة الروم ثم يتجهون لبلادهم. وقد كانت مزارع السكر ذات أهمية كبرى بالنسبة لاقتصاد المستعمرة واقتصاد إنجلترا. ولذا، تم تشجيع اليهود على الاستيطان وكُفلت لهم حرية العبادة عام ١٦٦٥، ثم مُنح كل المستوطنين اليهود في سورينام الجنسية الإنجليزية. ولكن الهولنديين قاموا بضم سورينام، عام ١٦٦٧، بمقتضى معاهدة بريدا، مقابل تنازلهم عن حقوقهم في نيو أمستردام (نيويورك) لإنجلترا. ومع هذا، استمر المستوطنون اليهود في حياتهم، وفي امتلاك المزارع والعبيد. وحينما حاول بعضهم مغادرة سورينام، عام ١٦٧٤، أرغمهم الهولنديون على البقاء بسبب نفعهم وأهميتهم الاقتصادية.
стр. 4037
وكان من أهم مراكز اليهود في سورينام مستوطنة يودين سافانا، ومعناها «سافاناه اليهود» ، التي تأسَّست عام ١٦٧٠ والتي كانت تقع على بعد عشرة أميال من باراماريبو أكبر مدن سورينام في بريزدنتس أيلاند (جزيرة بريزيدنت أو الرئيس) في وسط الغابات.
وكانت الجماعة الاستيطانية اليهودية في هذه الجزيرة شبه مستقلة. وقد استخدموا العبيد السود في شق الطرق وإزالة الغابات والأعشاب وفي العمل في المزارع، كما أسسوا مدينة محاطة بالطرق الجديدة. وقد بلغ عدد سكانها أقل من عشرة آلاف نسمة عام ١٧١٩، تسعة آلاف من العبيد المجلوبين من أفريقيا، و٥٢٠ يهودياً (نصفهم من أصل ألماني إشكنازي والنصف الآخر من أصل برتغالي المبذول لإحباط ثورات العبيد ابتداءً من ١٦٩٢، وانتشار مرض الملاريا، أديا في نهاية الأمر إلى انتصار السود عليهم عام ١٧٧٤. ثم شب حريق فيما تبقَّى، فلم يبق من آثار اليهود سوى شواهد قبور عليها كتابات بالعبرية.
ومستوطنة يودين سافاناه مرحلة انتقالية بين الجماعة الوظيفية الاستيطانية (التي تتمتع بحق الإدارة الذاتية) والدولة الوظيفية الاستيطانية (التي تتمتع بالاستقلال السياسي) . ومع هذا ثمة نقاط تشابه عديدة بين تجربة سافاناه اليهود والمستوطنين الصهاينة، من بينها أن كلاًّ من المستوطنين الصهاينة وسافاناه اليهود استوطنوا خارج أوربا تحت رعاية أكثر من دولة أوربية واحدة: إنجلترا ثم هولندا في حالة سورينام، وإنجلترا ثم الولايات المتحدة في حالة فلسطين. كما أن كلتا الجماعتين الاستيطانيتين كانت منقسمة وبحدة إلى سفارد وإشكناز يتصارعون فيما بينهم، وكذلك كانت كلتا الجماعتين مرفوضة من قبَل أعضاء المجتمع المُستهدَف استغلاله: العبيد السود المُستجلَبين والسكان المحليين في سورينام، والفلسطينيين العرب في فلسطين. وقد انتصر السود على سافاناه اليهود، أما في فلسطين فإن المعركة مازالت دائرة بين الفلسطينيين وجنود الاحتلال الإسرائيلي.
стр. 4038
بيروبيجان
Birobidjan
«بيروبيجان» مقاطعة سوفيتية ذات حكم ذاتي خُصِّصت لليهود، وتقع في شرق سيبريا خلف نهر «مامو» الذي يفصل بين الاتحاد السوفيتي ومنشوريا، وتبلغ مساحتها ٣٧ ألف كيلو م. تر مربع، وقد اشتُق اسمها من فرعي النهر «بيرو» (والتي تُنطَق أيضاً «بيرا» ) و «بيجان» . وهي تحوي منطقة سهلية صالحة للزراعة، ومنطقة جبلية تضم غابات كثيفة غير مستغلَة تتوافر فيها أنواع ثمينة من الأخشاب. كما توجد فيها حيوانات ذات فراء. وتضم المنطقة ثروات معدنية أبرزها الفحم والزئبق والنحاس والحديد والذهب والمرمر والأحجار شبه الكريمة. وفي المنطقة كميات وافرة من مياه الري، وفيها نحو مائتي نهر كبير وصغير بالإضافة إلى البحيرات.
وأكبر مدن المنطقة هي العاصمة. وقد كانت المنطقة تُسمَّى «كوخوتكايا» (وربما تعني «المكان الهادئ» ) وهي تُدعَى الآن «بيروبيجان» . وقد كانت عام ١٩٢٨ محطة قطار صغيرة على سكة حديد سيبريا، وأصبحت عام ١٩٣١ قرية، ثم صارت مدينة.
стр. 4039
وأقرب المدن الكبيرة (في الشرق الأقصى السوفيتي) إلى بيروبيجان هي خابازروفسك التي تبعد عنها ١٧٣ كيلومتراً، وهي عاصمة الإقليم الذي تتبعه بيروبيجان، أما المسافة بين موسكو وبيروبيجان فهي ٨٣٦١ كيلومتراً. وقد وقع اختيار الحكومة السوفيتية على بيروبيجان عام ١٩٢٨ لتشجيع التوطن اليهودي في الإقليم بهدف زيادة تَكيُّف اليهود مع النظام السوفيتي الجديد. وكذلك كان من بين أهداف السوفييت من المشروع اعتبارات إستراتيجية تتمثل في زيادة الكثافة السكانية في المنطقة المجاورة للحدود مع الصين واليابان، وتعمير كل أرجاء روسيا وخصوصاً الأطراف. لكن توطين السكان في هذه المنطقة كان إحدى الإشكاليات الأساسية التي تواجهها الحكومة المركزية الروسية سواء أثناء حكم القياصرة أو في حكم البلاشفة. كما كانت هناك اعتبارات سياسية تتمثل في إحباط دعايات العناصر اليهودية المعادية للسوفييت، وكسب تأييد اليهود في العالم، وخصوصاً في الولايات المتحدة في ظل اتجاه سوفيتي عام لتحسين العلاقات مع الغرب في تلك الفترة.
ونظراً لكل هذه الاعتبارات، قررت القيادة السوفيتية أن تمنح اليهود إقليماً خاصاً بهم حيث يكون بمقدورهم أن يطوروا ثقافتهم وتقاليدهم الخاصة في إطار قومي ومحتوى اشتراكي، فيصبح مركزاً للثقافة اليهودية (اليديشية) ومجالاً لتحقيق هوية اليهود باعتبارهم أقلية قومية شرق أوربية، أو قومية يديشية، الأمر الذي يتفق مع صيغة البوند ودبنوف أكثر من اتفاقه مع أطروحات لينين. وقد تم تشكيل جهازين للإسراع في تنفيذ المشروع، وصدر مرسوم مارس ١٩٢٨ متضمناً تخصيص جميع الأراضي في منطقة بيروبيجان للمستوطنات اليهودية مع منح المنطقة صفة «دائرة قومية يهودية» رغم أنها لم تكن تضم أي يهود آنذاك. كما نص المرسوم صراحة على أن المنطقة ستتحوَّل إلى مقاطعة يهودية ذات حكم ذاتي إذا ما سار التَوطُّن اليهودي بنجاح فيها.
стр. 4040
وفي القانون السوفيتي، تُعتبَر المقاطعة ذات الحكم الذاتي وحدة إدارية تتمتع بشيء من الكيان الذاتي، والمفروض أنها تمثل كياناً مستقلاًّ لمنطقة معينة تحوي سكاناً من قومية واحدة لا يكفي عددهم لتأليف جمهورية مستقلة.
وقد شنت الحركة الصهيونية هجوماً مركزاً على المشروع منذ البداية. فأعلنت أن المكان غير مناسب، وأنه لا يحمل أية دلالة تاريخية يهودية، وأنه قد يصلح لمستوطنين ذوي تقاليد زراعية حيث إن اليهود لم يمارسوا الزراعة إلا حديثاً. ومن هنا، طالبت الحركة الصهيونية بالقرم أو أوكرانيا. ولكنها عادت وأكدت أن فلسطين هي المكان الوحيد المناسب لحل مشاكل اليهود السوفييت، وأن مشروع بيروبيجان محاولة سوفيتية لنسف أو إضعاف الفكرة الصهيونية والدينية لدى اليهود. هذا مع العلم بأن مساحة بيروبيجان تفوق مساحة فلسطين التي تبلغ ٢٦.٠٧٢ كيلو متراً مربعاً. وقد وصلت أول دفعة من اليهود السوفيت إلى بيروبيجان عام ١٩٢٨. وكان عددهم ٩٥٠ شخصاً عاد منهم ٦٠٠ شخص. وقد بلغ عدد اليهود الذين هاجروا إلى المنطقة خلال خمس سنوات نحو عشرين ألف شخص، عاد منهم نحو اثنى عشر ألفاً، وبقي في المنطقة نحو ثمانية آلاف شخص فقط. ولم تكن هذه الأرقام تشير إلى درجة مشجعة من النجاح، بل كانت تشير إلى احتمال فشل المشروع.
стр. 4041
وفي ٧ مايو (آيار) عام ١٩٣٤، أي بعد احتلال اليابان لمنشوريا عام ١٩٣١ ـ ١٩٣٢، أعلنت السلطات السوفيتية منح منطقة بيروبيجان صفة «مقاطعة يهودية ذات حكم ذاتي» مع أن شروط منح هذه الصفة، وأبرزها وجود أغلبية من سكان قومية معيَّنة، بحسب الدستور السوفيتي، لم تكن متوافرة. وربما كان اتخاذ هذا القرار إحدى الوسائل التي لجأت إليها الحكومة السوفيتية لتشجيع اليهود على الهجرة إلى تلك المنطقة حيث وُضعت خطة جديدة لتوطين اليهود فيها تقوم على أساس اختيار الكفاءات بدل الهجرة الطوعية العشوائية. وكان مقدراً خلال السنوات ١٩٣٤ ـ ١٩٣٧ أن يبلغ عدد اليهود في بيروبيجان نحو ٦٠ ألف نسمة. ومع ذلك، ومع حلول عام ١٩٣٧، فإن عدد اليهود لم يتجاوز عشرين ألف نسمة كانوا يشكلون ٢٤% من سكانها.
стр. 4042
وقد تعرَّض تنفيذ مشروع التوطين لحالة من الجمود في السنوات التي سبقت الحرب العالمية الثانية، وذلك بسبب حملة التطهير التي قادها ستالين وشملت العديد من القيادات ومن بينها القيادات اليهودية في الحزب والدولة. ثم إن ظروف الحرب (بعد ذلك) فرضت جموداً على تنفيذ المشروع، فلم يَعُد للبروز والنشاط إلا في نهاية الحرب العالمية الثانية وبالذات في النصف الثاني من عام ١٩٤٦. وقد أظهر اليهود في تلك الفترة حماساً أشد للتَوطُّن في بيروبيجان، وتطوَّع للذهاب إليها فنانون وموسيقيون وأطباء. وتشير بعض التقديرات إلى أن عدد اليهود، في منتصف سنة ١٩٤٨، بلغ نحو خمسة وثلاثين ألفاً جاء بعضهم ضمن الهجرة المنظمة، وجاء البعض الآخر هرباً من الجيوش النازية الزاحفة نحو موسكو، وجاء البعض الثالث ليفتش عن مكان جديد يبدأ فيه حياته. وقد تمت تنمية الطابع اليهودي اليديشي للمقاطعة في هذه المرحلة. فأُنشئت مزارع جماعية يهودية ومجالس فرعية، واستُخدمت اليديشية كلغة رسمية، وأُسِّس مسرح يديشي ومكتبة عامة سُمِّيت باسم الكاتب اليديشي شالوم عليخيم، كما أُقيمت مؤسسة طباعة عصرية وصُنعت آلات كاتبة بالحروف التي تُكتَب بها اللغة اليديشية.
стр. 4043
ولكن القيادات السوفيتية، بعد هذه الفترة القصيرة من الهجرة، غيَّرت موقفها، وبدأ الفتور يسيطر على الحديث الرسمي عن بيروبيجان، وبرزت اتهامات بعلاقات تجسُّس مع الخارج. وفي عام ١٩٤٨، توقف نشر الأخبار عن بيروبيجان. وإذا كانت حركة التطهير الأولى استهدفت بعض الأفراد، فإن الحملة الجديدة استهدفت المشروع ذاته (ويبدو أن ستالين اتهم زعماء الجماعة في بيروبيجان بالتآمر لفصل الإقليم عن الاتحاد السوفيتي وتسليمه لليابان) . وكانت النتيجة أن الهجرة اليهودية إلى الإقليم أخذت في التقلص تدريجياً إلى أن وصل عدد اليهود فيه سنة ١٩٦٨ إلى نحو خمسة وعشرين ألف نسمة. وقد بلغ عدد السكان اليهود في عام ١٩٨٩ نحو ٨.٨٨٧ مقابل ٢١٥ ألف روسي وكوري وصيني وغيرهم، أي ٤% من عدد السكان، يقطن معظمهم في العاصمة التي يبلغ عدد سكانها ثلاثة وثمانين ألفاً. وعدد المتحدثين باليديشية آخذ في التناقص، ووصلت نسبة الزواج المختلط بين اليهود ٨٠%، وهي بذلك قد تكون أعلى نسبة في العالم. وغالبية اليهود في بيروبيجان ملحدون، كما أن الحاخام الذي يشرف على إقامة الشعائر يؤمن بالمسيح ويستخدم الإنجيل في الصلوات. ومع هذا، لا تزال هناك محاولة لأن تحتفظ بيروبيجان بطابعها اليهودي اليديشي إذ تَصدُر الطوابع باليديشية والروسية ولا تزال أسماء الشوارع تُكتَب باللغتين. وقد تم الاحتفال بعيدها الخمسيني عام ١٩٨٤. وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي وظهور الكومنولث الروسي، بدأت الحكومة الروسية في تحويل بيروبيجان إلى منطقة اقتصادية حرة. ويفكر بعض أثرياء إسرائيل في الذهاب إلى بيروبيجان للاستثمار فيها. ويبدو أن زراعة المخدرات قد انتشرت فيها مؤخراً.
стр. 4044
وتجربة بيروبيجان، برغم أية نتائج انتهت إليها، تثير عدداً من الملاحظات حول الحركة الصهيونية في مجملها، أولاها أن الرفض الصهيوني لبيروبيجان انطلق من تبسيط مخل للحلول الممكنة للمسألة اليهودية يستهدف تبرير حتمية الهجرة إلى فلسطين، وهو ما يثبت أن الصهيونية لم تستهدف حل المشاكل الملحة عند اليهود بقدر ما استهدفت تحقيق أساطير بعضهم. ومن ناحية أخرى، فإن مشروع بيروبيجان كان امتداداً لأفكار البوند، أي التعبير عن الخصائص الذاتية اليهودية في إطار الدولة الاشتراكية. ومع هذا، فقد رفضته الحركة الصهيونية عامة والصهيونية الاشتراكية بصفة خاصة.
ومن جانب ثالث، فإن الحركة الصهيونية قد عارضت المشروع رغم أن السوفييت كانوا يهدفون منه إلى تحويل اليهود من طبقة بورجوازية منعزلة غير منتجة إلى طبقة عاملة مندمجة في المجتمع ومنتجة، وهو ما تحدَّث عنه الصهاينة الاشتراكيون دائماً. وأخيراً، فإن مشروع بيروبيجان قد أثار من جديد الخلاف القديم بين يهود العالم حول ما عُرف بقضية الصهيونية الإقليمية. ولهذا، فقد أيَّدت المشروع بعض الجمعيات اليهودية في الولايات المتحدة وغرب أوربا وأمريكا اللاتينية، وكان من بينها لجنة التوزيع الأمريكية اليهودية المشتركة (جوينت) ، والمؤسسة الأمريكية اليهودية المشتركة للزراعة (أجروجوينت) ، والجمعية الأمريكية للتوطين اليهودي في الاتحاد السوفيتي (وقد عُرفت باسم «إيكور» أي فلاح بالعبرية) . في حين عارضته كل اتجاهات الحركة الصهيونية باعتباره تجسيداً لفكرة قومية الدياسبورا (القومية اليديشية) ولكن في ظل نظام اقتصادي مختلف.
روابط المهاجرين (لاندزمانشفتين)
Landsmannschaften
стр. 4045
«روابط المهاجرين» هي جماعات أو روابط تضم مهاجرين من بلدة واحدة أو مقاطعة واحدة في الوطن الأصلي. وقد تأسَّست مثل هذه الروابط في إنجلترا وجنوب أفريقيا وأساساً في الولايات المتحدة (خصوصاً في النصف الثاني من القرن التاسع عشر) بين يهود اليديشية. وكان لكثير من هذه الروابط معبدها اليهودي المقصور عليها. وكانت لغة هذه الروابط، في معظم الأحيان، اليديشية. وهذه الروابط مؤسسات وسيطة تهدف إلى تزويد المهاجرين بشيء من الطمأنينة وتُسهِّل عليهم عملية الانخراط في المجتمع الجديد وتضع تحت تصرفهم خبرة من سبقهم من مهاجرين. ولهذا، ومع اندماج المهاجرين في بلادهم الجديدة، تختفي هذه الروابط أو تتحول إلى مؤسسات تضطلع بوظائف اجتماعية جديدة برغم احتفاظها بالاسم.
حلقة العمال
Workmen's Circle (Arbeiter Ring)
«حلقة العمال» عبارة مترجمة عن العبارة اليديشية «أربيتر رنج» . وحلقات العمال منظمات اجتماعية أسسها العمال المهاجرون من شرق أوربا (من يهود اليديشية) عام ١٩٠٠. وبلغ عدد فروعها ٦٦٠ فرعاً تضم سبعين ألف عضو. وقد ساهمت هذه الحلقات في تكوين اتحادات العمال في صناعة الإبر والنسيج التي تَركَّز فيها أعضاء الجماعة اليهودية. ومثل هذه المنظمات هي، في واقع الأمر، منظمات وسيطة تساهم في دمج أعضاء الجماعات المهاجرة بإنشاء مؤسسات تحافظ على هويتهم شكلاً واسماً ولكنها تقدِّم لهم في الحقيقة قيم المجتمع الجديد. وبهذه الطريقة، تتم تهدئة مخاوفهم من فقدان الهوية في مواجهة المجتمع الجديد. ومن هنا، فإننا نجد أن وظيفتها واللغة المستخدمة فيها تتغيَّر بتزايد معدلات الاندماج إلى أن يحدث الاندماج تماماً، فتنحل أو تكتسب مضموناً جديداً. وعلى سبيل المثال، كانت هناك حلقات للعمال تتبعها مؤسسات تعليمية، مثل المدارس والمعسكرات الصيفية، استخدمت اليديشية في الماضي ولكنها تستخدم الإنجليزية في الوقت الحاضر. ولا تزال حلقات العمال تمارس نشاطها.
стр. 4046
جماعات الأصدقاء (حفوراه (
Havurah Fellowship
«جماعات الأصدقاء» جماعات صغيرة من يهود الولايات المتحدة تعود بداياتها إلى أواخر الستينيات (ويُقال إن أول جماعة تأسست في سومرفيل في ولاية ماساشوستس عام ١٩٦٨) وانتشرت في السبعينيات حتى أصبحت جزءاً من حياة يهود الولايات المتحدة. وهي تعبير عن رغبة بعض قطاعات من يهود الولايات المتحدة (وخصوصاً من أعضاء الطبقة الوسطى) في أن تحتفظ بشيء من الخصوصية والهوية وفي أن تتحرك داخل جماعة صغيرة مألوفة لديها، وكل هذا احتجاج على تزايد معدلات الترشيد والعلمنة في المجتمع الأمريكي حيث تميل الحياة إلى العمومية والتنميط وتَضخُّم حجم المؤسسات وتمركزها (بما في ذلك المؤسسات الدينية اليهودية ذاتها) وهو ما يجعلها غير قادرة على التعامل مع الأفراد وعاجزة عن الوفاء بحاجاتهم الروحية، وهذه ظاهرة ليست مقصورة على أعضاء الجماعة اليهودية بأية حال وإنما هي ظاهرة عامة في المجتمع الأمريكي وتعود حركياتها إلى هذا المجتمع. ولذا، تكون محاولة الربط بين جماعات الأصدقاء (الحافوراه) وجماعات الأسينيين في مغارات قمران في القرن الأول قبل الميلاد (كما تفعل الموسوعة اليهودية) نوعاً من محاولة ربط ظاهرة حديثة بالظاهرة القديمة وإطلاق الاسم القديم على الظاهرة الحديثة، وهذا لا يساعد على تفسيرالظاهرة ولا على تصنيفها.
وتنقسم جماعات الأصدقاء إلى ثلاثة أقسام:
١ ـ جماعات ذات توجه ديني واضح.
٢ ـ جماعات تشبه الكومونات حيث يعيش الأعضاء معاً حياة جماعية ويعملون ويحتفلون بالأعياد بعضهم مع بعض.
٣ ـ جماعات تُوجَد داخل المعابد اليهودية.
ويذهب عالم التلمود الأمريكي جيكوب نيوزنر إلى أن جماعات الأصدقاء تقوم بخمسة أنشطة جماعية: الصلاة، والاحتفال بشعائر السبت، والتعاون في إظهار الرحمة نحو الآخرين (الصدقات وزيارة المرضى) ، والدراسة، والاحتفاظ بسجل لنشاط الجماعة.
стр. 4047
وتُوجَد لجنة قومية لجماعات الأصدقاء في الولايات المتحدة. كما توجد جماعات في كلٍّ من إنجلترا وأستراليا وإسرائيل. وتنشر اللجنة مجلة ونشرة دورية، كما أصدرت كتاباً عن كيفية إنشاء جماعة أصدقاء. وجماعات الأصدقاء قد تستخدم ديباجات دينية، ولكنها لا تعبِّر عن بعث ديني لأنها جماعات تنطلق من اغتراب الإنسان الأمريكي اليهودي وتحاول أن تساعده في التغلب على هذا الاغتراب لا من خلال الدين وإنما من خلال أصدقائه وجماعته. والواقع أن ما طرحوه من حل لا يختلف كثيراً عن الحل الذي طرحه الهيبيز وجماعات الأصدقاء والأخوة الأخرى.
القهال الحديث في أمريكا اللاتينية
Modern Kahal in Latin America
تُسيِّر الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية أمورها من خلال مؤسسات يُقال لها القهال، وهي ليست مؤسسات إدارة ذاتية، كما هو الحال في المجتمعات التقليدية، وإنما هي رابطة تجمع أعضاء الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية. وقد كوَّن الإشكناز من روسيا وبولندا قهالاً مشتركاً استبعد السفارد، وأصبح قهال الإشكناز المؤسسة الأساسية بين يهود المكسيك. ويُلاحَظ أن القهال في المجتمعات التقليدية كان في معظم الأحوال أساس تماسك الجماعات اليهودية، ولكنه هنا أصبح تعبيراً عن الصراع الدائر داخلها وعن الانقسامات التي تفتتها. واللجنة المركزية التي تضم كل هذه الجماعات تتكون من ثلاثين عضواً؛ منهم ستة عشر عضواً يتحدثون اليديشية (وهم الأغلبية) ، وخمسة أعضاء يتحدثون اللادينو، وثلاثة يهود ألمان، ومجريان، واثنان من سفارد دمشق، واثنان من سفارد حلب.
стр. 4048
وقهال الأرجنتين ليس أحسن حالاً، فقد اختفى بعض الوقت ثم عاد إلى الظهور بعد أن اشترى مجلس إدارته قطعة أرض لدفن اليهود، وهذا هو النشاط الأساسي للقهال. كما أنه يُقدِّم الآن برنامجاً تليفزيونياً ويقوم بأنشطة شبابية. ومصدر التمويل الأساسي اشتراكات الأعضاء ورسوم الدفن التي يجأر اليهود بالشكوى منها (والواقع أن سيطرة القهال على المدافن تشبه سيطرة الكنيسة الكاثوليكية على الخلاص، فلا خلاص خارج الكنيسة ولا دفن خارج القهال) . وتسيطر الحاخامية الأرثوذكسية على القهال، ولذا فهي تأخذ موقفاً متشدداً من أمور مثل الزواج والطعام، والدفن بطبيعة الحال، الأمر الذي يعني استبعاد أعداد كبيرة من اليهود الذين تمت علمنتهم. وهي تحاول أيضاً أن تفرض تدريس اليديشية على المدارس اليهودية. ولم ينخرط السفارد في القهال، ولذا فلهم جمعية دفن خاصة بهم، ويسيطر كبار المموِّلين الذين يدفعون التبرعات على القهال وقراراته. ويتبع القهال عدد من الموظفين والحاخامات الذين لا يتمتعون بأية مكانة اجتماعية.
ولا يشارك القهال في السياسة القومية، وليس له موقف سياسي محدَّد. لكن هذا يزيد حدة التوترات داخله، فالطاقة السياسية التي لا تُفرَّغ في الخارج من خلال القنوات العامة تتسرب إلى داخل القهال وتُصعِّد حدة الصراعات. وتدار الانتخابات داخله على أساس برامج الأحزاب الإسرائيلية وهذا يجعلها غير ذات موضوع من منظور لاتيني، ولذا يزداد ابتعاد الشباب اليهودي عنها. فالقهال لا يتعامل مع الموضوعات الحية التي تهمهم كمواطنين في بلادهم. ومع هذا، تولَّى القهال عملية تطهير الشارع اليهودي من العناصر اليسارية المختلفة.
стр. 4049
ومؤسسة القهال لا يمكنها ممارسة أي ضغط على الحكومات في أمريكا اللاتينية برغم تركز اليهود في المدن وبالذات في بيونس أيرس وريو دي جانيرو. وهذا يرجع إلى أن الجماعات اليهودية صغيرة للغاية بالنسبة لعدد السكان سواء في الجمهوريات المختلفة أم في العواصم. كما أنها جماعات منقسمة، وهو ما يزيدها تفتتاً. ولا يظهر صوت يهودي فعال. وعلى كلٍّ، لا تتمتع الانتخابات في أمريكا اللاتينية بالأهمية نفسها التي تتمتع بها في الولايات المتحدة. كما أن الانقلابات المتكررة تجعل الانتخابات مسألة محدودة الأهمية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن جماعات الضغط الأساسية، مثل الجيش والكنيسة، لا يشارك فيها اليهود. ولذا، يحاول القهال التأثير في الحكومات من خلال المنظمات اليهودية الأمريكية ومن خلال الوكالات الأمريكية الرسمية، وهو تَدخُّل قد يأتي بنتيجة إيجابية مباشرة ولكنه يأتي بأثر عكسي على المدى الطويل إذ يُقوِّي الإدراك المحلي بأن يهود أمريكا اللاتينية يربطهم رباط خاص بالولايات المتحدة، الأمر الذي يزيد هامشية أعضاء الجماعات اليهودية ومن انصراف الشباب اليهودي عنها.
النادي اليهودي في أمريكا اللاتينية
Jweish Club in Latin America
стр. 4050
مع تزايد معدلات العلمنة في مجتمعات أمريكا اللاتينية، بدأت تظهر مؤسسة جديدة أخذت تحل محل جمعيات الدفن والقهال أو المعبد، وهي النادي الرياضي (الاجتماعي) . والنادي الرياضي مؤسسة معروفة في معظم أنحاء أمريكا اللاتينية تؤسسها الجماعات المهاجرة، فهناك النادي الإيطالي والنادي السويسري والنادي اللبناني. ومن هنا، ظهر النادي اليهودي (وأحياناً العبري) . ومثل هذه النوادي أُلحقت بها مكتبة ومطعم ودار حضانة ومكاتب الرعاية اليهودية، وهي مؤسسات بالغة الضخامة. فالنادي اليهودي في ساو باولو يضم ثماني قاعات رياضية وثلاثة عشر ملعب تنس وستة حمامات سباحة وستة مطاعم (يقدم واحد منها فقط الطعام اليهودي الشرعي) ومحل مصفف شعر سيدات وغرفة للعب الكوتشينة ومعرضاً للفنون وقاعة للديسكو ونادي كومبيوتر، وينظم النادي بالإضافة إلى كل هذا حلقة دراسات يهودية.
وقد نجحت هذه النوادي في جذب أعداد كبيرة أكثر من أي مؤسسة يهودية أخرى، فهي مؤسسة لاتينية أكثر من كونها يهودية، ويوصف أعضاء الجماعة اليهودية في ساو باولو بأنهم أعضاء في النادي العبري أو اليهودي. ولذا، فهي أول مؤسسة يهودية تتجاوز الانقسامات القديمة، وظهورها دليل على الاختفاء التدريجي لميراث المهاجرين، وكذلك ظهور هوية لاتينية بين من تبقَّى من يهود أمريكا اللاتينية. ولغة الحديث في هذه النوادي هي الإسبانية والبرتغالية باعتبار أن اللادينو واليديشية والعربية اختفت كلغات حديث. ويبلغ عدد المشتركين في النادي اليهودي في ساو باولو حوالي ٣٠ ألفاً، أي حوالي ثلث أعضاء الجماعة اليهودية. ويُلاحَظ كذلك ارتفاع التزاوج المُختلَط بين السفارد والإشكناز. ولا تشتغل هذه النوادي بالسياسة ولا بالدين، ولا تحاول أن تغذي الإثنيات اليهودية المختلفة، فهي في واقع الأمر تعبير عن المراحل الأخيرة من ضعف الهوية اليهودية.
стр. 4051
الباب الثالث: مصر والإمبراطورية الحيثية
العلاقات الدولية في الشرق الأدنى القديم والمسألة العبرانية
International Relations in the Ancient Near East and the Hebrew Question
لا يمكن فهم تاريخ العبرانيين (أو العبرانيين اليهود) الذي تمركز بشكل أو بآخر في فلسطين إلا بفهم العلاقات الدولية في الشرق الأدنى القديم، ذلك أن أحداث تاريخ العبرانيين لم تكن سوى صدى أو رد فعل لحركيات هذه العلاقات الدولية.
وثمة مشكلة أساسية كانت تواجه العبرانيين، ومن بعدهم اليهود في فلسطين، منذ بداية ظهورهم حتى تحوُّلهم إلى جماعات منتشرة في أرجاء الأرض غير مرتبطة بفلسطين إلا بالرباط الديني. وتتمثل هذه المشكلة في قلة عددهم وصغر حجمهم كتشكيل سياسي، وضآلة إسهامهم الحضاري بالقياس إلى التشكيلات الحضارية الضخمة. وقد أدَّت العناصر السابقة مجتمعة إلى عجز العبرانيين عن أن يكون لهم جيوش ضخمة مسلحة تسليحاً جيداً ويمكنها أن تدافع عن كيانهم السياسي، وفي أن تضم أراضي أخرى. ولم يمكنهم بطبيعة الحال استرقاق الشعوب الأخرى أو فتح أراضيها، إذ أن هذا يتطلب قوة عسكرية ضخمة كما يتطلب مستوى إنتاجياً متقدماً نسبياً لاستيعاب الرقيق ولتشغيلهم. بل إننا نجد أن هذا التخلف النسبي جعل الدولة العبرانية غير قادرة على استيعاب كل المصادر البشرية المحلية فتحوَّلت إلى مُصدِّر لها، ومن ثم نجد أن كثيراً من العبرانيين القدامى كانوا يعملون عبيداً وجنوداً مرتزقة للشعوب والإمبراطوريات التي قامت في المنطقة.
ومما ساعد على تفاقم المشكلة أن الرقعة الجغرافية التي تمركز فيها تاريخ العبرانيين هي فلسطين، وهي نقطة إستراتيجية ذات أهمية قصوى كانت تُعَدُّ معبراً بين التشكيلات الحضارية المختلفة في الشرق الأدنى القديم، الأمر الذي جعلها وجعل سكانها عرضة للهجرات والغزوات.
стр. 4052
ولقد كان الشرق الأدنى القديم يتكون من تشكيلين حضاريين أساسيين: التشكيل الحضاري المصري، وتشكيل الرافدين. وكان ينضم إليهما أحياناً تشكيل خارجي غير محلي مثل الحيثيين. وعند تَراجُع هذه القوى العظمى، كانت تظهر قوى محلية مثل الآراميين والأنباط. وقد استمر هذا الوضع قائماً إلى أن غزا الفرس المنطقة وأصبحوا القوة العظمى فيها. وجاء بعدهم اليونانيون ثم الرومان. وحينما فتح المسلمون المنطقة، كان اليهود قد انتشروا في بقاع الأرض، ولم تكن فلسطين مركزاً لهم إلا من الناحية الدينية والمجازية.
ويمكن أن ننظر إلى تاريخ العلاقات الدولية في الشرق الأدنى القديم في هذا الإطار. فحتى بداية الألف الثانية قبل الميلاد، كان المصريون قانعين إلى حدٍّ كبير بحكم الأراضي الواقعة شمالي أول شلالات النيل، في حين كان حكام دول بلاد الرافدين يحكمون الشعوب الموجودة في منطقة دجلة والفرات. هذا لا يعني أن كلتا القوتين لم تمارس أي سلطان خارج حدودها، فحكام بلاد الرافدين هيمنوا على العيلاميين (٣٠٠٠ ـ ١٧٠٠ ق. م) . كما أن مصر في الدولة القديمة، من الأسرة الثالثة إلى الخامسة (٢٨٩٥ ـ ٢٥١٠ ق. م) ، وفي أيام الدولة الوسطى، أثناء حكم الأسرة الثانية عشرة (٢٠٤٠ ـ ١٧٨٦ ق. م) ، غزت النوبة وضمتها، كما كانت تقوم بالتعدين في شبه جزيرة سيناء، وكانت ذات نفوذ واضح في فينيقيا وشمالي سوريا وفلسطين.
وبعد عام ١٥٠٠ ق. م، أخذ نفوذ القوتين العظميين ينحسر، الأمر الذي أدَّى إلى ظهور شعوب وأقوام عديدة لكلٍّ دولته ومناطق نفوذه ومراكز السلطة والحضارة الخاصة به، فأخذت تتنافس مع حضارات الأنهار. وهذه الشعوب والأقوام هي: الحوريون والكاشيون والشعوب السامية المختلفة والحيثيون.
стр. 4053
وبعد ذلك التاريخ، تصبح الإمبراطوريات العظمى الشكل الأساسي للحكم في الشرق الأوسط. وقد ظهرت هذه الإمبراطوريات بسبب التطورات التقنية المهمة في أدوات الحرب والتخطيط العسكري، وبسبب تزايد السكان وتراكم الخبرات في عمليات الإدارة. وقد ظهر في ذلك الوقت نوع من أنواع العالمية الثقافية يتجلى في اختراع حروف الكتابة وانتشار لغات دولية مثل: الآرامية والأكادية. وظهرت العالمية أيضاً في المعتقدات الدينية سواء في عبادة آتون في مصر أو عبادة آشور في بلاد الرافدين أو يهوه عند العبرانيين، وكذلك عبادة زرادشت التوحيدية في فارس. وقد استمرت أولى مراحل الإمبراطوريات الدولية من ١٥٠٠ إلى ١٢٠٠ ق. م وهي الفترة التي نشب الصراع فيها بين المصريين والحيثيين على فلسطين والشام.
أما المرحلة الثانية، فهي مرحلة ظهور الأمم الصغيرة بسبب تَحطُّم قوة الحيثيين وضعف آشور المؤقت وتقوقع مصر، وهو ما أتاح الفرصة لبعض الشعوب الصغيرة للتحرك وإنشاء دويلات. فظهر الفلستيون على ساحل كنعان، وتسلل العبرانيون وأسسوا دولتهم في المنطقة الداخلية، وأسس الفينيقيون دويلاتهم في لبنان، واستقر الآراميون في سوريا.
أما المرحلة الثالثة، فتبدأ نحو عام ١١٠٠ ق. م، وتشهد ظهور القوة الآشورية، وخصوصاً في الفترة الآشورية الجديدة أو الثالثة، وعودة الدولة المصرية لتضطلع بدور إمبراطوري مرة أخرى، ثم أخيراً ظهور الدولة الفارسية التي استمرت حتى وصول الإسكندر الذي بسط نفوذه على معظم الشرق الأدنى القديم وتبعه السلوقيون فالبطالمة ثم الرومان.
стр. 4054
ووجد العبرانيون أنفسهم وسط هذه التشكيلات السياسية والحضارية العظمى والإمبراطوريات الضخمة، وحاولوا أن يتكيفوا مع هذا الوضع إما عن طريق خلق إمبراطورية صغيرة (كما هو الحال مع داود وسليمان) تملأ الفراغ المؤقت الذي خلقه انكماش الإمبراطوريات العظمى في مرحلة مؤقتة، أو عن طريق التحالف مع بعض الدويلات الصغيرة (مثل الدويلات الآرامية في الشام) لمنع تَدخُّل القوى العظمى، أو عن طريق الاعتماد على إحدى القوى العظمى كما هو الحال مع المملكتين العبرانيتين الجنوبية والشمالية.
وقد ظهرت مملكة داود (١٠٠٤ ـ ٩٦٥ ق. م) في مرحلة ضَعُفت فيها مصر بسبب النزاعات الخارجية، وكان الحيثيون مشغولين بصد شعوب البحر، ولم تكن بابل قد صارت بعد قوة عظمى، وكانت آشور على عتبات عظمتها الإمبراطورية، فاستفاد داود من هذا الفراغ المؤقت. واستمر هذا الوضع حتى نهاية حكم سليمان. ومن القرن الثامن قبل الميلاد حتى القرن السادس قبل الميلاد، لعبت آشور ثم بابل دوراً حاسماً في الشمال، ولعبت مصر دوراً مماثلاً في الجنوب. كما لعب الآراميون، كقوة عظمى محلية صغيرة، دوراً كبيراً في تحديد السياسات والتحالفات. وقد تحدَّد مصير المملكتين من خلال صراع كل هذه القوى العظمى، وهو الصراع الذي انعكس في صراع بين عدة أحزاب في المملكتين الشمالية والجنوبية، فكان ثمة حزب مصري وآخر آشوري وثالث يطالب بالتحالف مع الدويلات الآرامية. وبعد عدة محاولات، سقطت المملكة الشمالية (٧٢١ ق. م) وبعدها المملكة الجنوبية (٥٦٧ ق. م) ، وتبع ذلك تهجير إلى آشور وانصهار في سكانها ثم تهجير إلى بابل أعقبته عودة بعد أن أصدر قورش الأخميني إمبراطور الفرس مرسوماً يسمح لهم بها (٥٣٨ ق. م) .
стр. 4055
وسيطرت الإمبراطورية الفارسية على الشرق الأدنى القديم، وعادت جماعات من العبرانيين اليهود إلى فلسطين تحت الحكم الفارسي الذي أعقبه الحكم اليوناني (٣٣٣ ق. م) . وقد تمتَّع اليهود بشيء من الاستقرار تحت حكم الدولة العظمى التي وفرت عليهم عناء الاختيار وأعفتهم من مسئولية القرار السياسي، بل تحولت طبقة كبار الكهنة والأثرياء إلى جماعة وظيفية.
وانتهت هذه الفترة بانقسام إمبراطورية الإسكندر إلى عدة إمبراطوريات صغيرة أهمها البطلمية في مصر والسلوقية في سوريا اللتان تنازعتا فيما بينهما فلسطين. وكان هناك حزب بطلمي وآخر سلوقي بين اليهود. هذا إلى جانب الانقسام الأعمق بين النخبة اليهودية ذات الطابع الهيليني والجماهير اليهودية ذات الطابع السامي، وهو الانقسام الذي انعكس في التمرد الحشموني والتمردات اليهودية الأخرى ضد الرومان. وقد استفاد المتمردون الحشمونيون من الصراع بين البطالمة والسلوقيين، كما استفادوا من ظهور قوة عظمى محلية أخرى هي الأنباط فتحالفوا معهم في بداية الأمر.
стр. 4056
ورغم أن التمرد الحشموني قد حقق شيئاً من النجاح، وخصوصاً عام ١٦١ ق. م، ضد الدولة السلوقية التي كانت قد بدأت تشعر بهجوم القوة الرومانية الصاعدة، فإن الحشمونيين كانوا يعرفون قوانين اللعبة كما كانوا يعرفون أنهم قوة صغيرة لا يمكنها أن تحقق الاستقلال لنفسها، ولذا أرسل يهودا المكابي مبعوثاً للدولة الرومانية ليعقد حلفاً مع القوة الجديدة. وقد قبل الرومان، إذ كانوا يعقدون تحالفات مع أعداء جيرانهم إلى أن يتم لهم التخلص منهم ثم يفرضون بعد ذلك هيمنتهم على الجميع. ولم يكن المجتمع اليهودي في فلسطين استثناءً من هذه القاعدة، فلقد كانت المعاهدة بين روما والدولة الحشمونية، شأنها شأن المعاهدات مع الدويلات المماثلة، تشبه معاهدات التحالف وعدم الاعتداء بين الولايات المتحدة وجرينادا أو حتى التحالف بين الولايات المتحدة وإسرائيل. وقد استمر التحالف قائماً بين الرومان والحشمونيين، وخصوصاً أن مجلس الشيوخ الروماني كان مهتماً بالحد من طموحات السلوقيين التوسعية. وقد قوى الحشمونيون علاقتهم مع الفرثيين (حكام الفرس) ، ومع البطالمة في مصر، حتى أصبحت يهودا قوة عسكرية لا بأس بها في القرن الأول قبل الميلاد.
ولكن القوة الرومانية الصاعدة كانت آخذة في الاقتراب، كما أن الخلافات الداخلية كانت تعتمل داخل الدولة الحشمونية. ولذا، فقد سقطت الدولة بسهولة في يد الرومان (٦٥ ق. م) وتحولت إلى الدولة الهيرودية التابعة.
وقد تعاظمت قوة الحزب الشعبي بين اليهود أثناء حكم الأسرة الهيرودية، وكان أعضاء هذا الحزب لا يعرفون موازين القوى العظمى. ولذا، فقد تمردوا ضد الهيمنة الرومانية، فكانت النتيجة سلسلة الهزائم والانكسارات في ماسادا وغيرها، وهي الهزائم التي انتهت بهدم الهيكل ثم القدس نفسها وبتحريم اليهودية في فلسطين.
стр. 4057
ولم يكن لمشكلة العبرانيين في التاريخ القديم حل، فكان لابد أن تنتهي بهذه الطريقة، أي بخروجهم من فلسطين. ففلسطين ممر بريّ يربط آسيا بأفريقيا ومصر ببلاد الرافدين، الأمر الذي جعلها عبر التاريخ ميدان قتال دائم. وكان لابد أن تصبح فلسطين جزءاً من تشكيل حضاري كبير يعطيها هوية محددة حتى يصبح العنصر السكاني فيها جزءاً من كل يشعر بالأمن والانتماء، وحتى تصبح جزءاً من تشكيل أكبر لا مجرد مَعبر من تشكيل إلى آخر، وهذا ما حققه في نهاية الأمر الفتح الإسلامي.
والمشروع الصهيوني يرمي إلى نقيض ذلك تماماً إذ يستهدف أن يحتفظ لفلسطين بطبيعة الممر (القاعدة) ولسكانها بطبيعة العنصر الغريب (الاستيطاني) وهو ما أسميناه «الحدودية» . كما يريد أن تحتفظ الدولة الصهيونية ببقائها واستمرارها، عن طريق التحالف مع القوة الإمبراطورية العظمى، نظير أن تضطلع هي بدور الدولة الوظيفية والخفير الذي يسهر على حراسة مصالح القوة الراعية.
стр. 4058
ورغم انتهاء مشكلة العبرانيين باختفائهم كعنصر بشري مستقل، فإن وضعهم داخل التشكيلات الحضارية الكبرى أدَّى إلى انتشارهم في أنحاء العالم فيما يُسمَّى «الدياسبورا اليهودية» .وقد تحولت معظم هذه الجماعات إلى جماعة وظيفية تجارية ومالية. ولذا، فإن المسألة أو الإشكالية العبرانية أدَّت إلى ظهور المسألة اليهودية إذ أن المسألة اليهودية هي مسألة الجماعات اليهودية (في شرق أوربا على وجه الخصوص) كجماعات وظيفية لم يَعُد لها دور تلعبه أو وظيفة تضطلع بها. وهذه القضية هي التي أدَّت بدورها إلى المسألة الإسرائيلية، أي مشكلة المستوطنين الصهاينة الذين أرسلهم الاستعمار الغربي ليحل المسألة اليهودية التي تفاقمت عنده، وليحولهم إلى جماعة قتالية تدافع عن مصالحه. ومن ثم، يمكننا أن نقول إنه قد لا توجد علاقة سببية بين المسألة العبرانية والمسألتين اليهودية والإسرائيلية رغم أن هناك علاقة ترابط، إذ أن المسألة العبرانية هي التي خلقت قابلية لدى اليهود لأن يتحولوا إلى جماعات وظيفية تجارية ثم إلى جماعة وظيفية استيطانية قتالية كما حدث في فلسطين في نهاية الأمر.
المسألة العبرانية
The Hebrew Question
انظر: «العلاقات الدولية في الشرق الأدنى القديم والمسألة العبرانية» .
مصر
Egypt
«مصر» تقابلها في اللغة العبرية كلمة «مصرايم» وهو اسم سامي لا يظهر إلا في اللغات السامية: «موصور» بالآشورية و «ميصير» بالبابلية و «مصر» بالعربية. وصيغة المثنى في العبرية قد تكون إشارة إلى الوجهين القبلي والبحري، أو مصر العليا ومصر السفلى. أما كلمة «إيجبت» في اللغات الأوربية، فهي مشتقة على الأرجح من اسم «منفيس» في اللغة المصرية القديمة وهي «حي - كو - بتاح» ومعناها «بيت روح بتاح» . وصار هذا في اليونانية «إيجيبتوس» .
стр. 4059
والواقع أن تاريخي فلسطين ومصر مرتبطان منذ بداية التاريخ الإنساني، إذ كثيراً ما قامت مصر بضم فلسطين أو فرض سيطرتها عليها، كما كان فراعنة مصر يلعبون دوراً كبيراً في تحديد سياسة الدويلتين العبرانيتين (المملكة الشمالية والمملكة الجنوبية) من خلال الأحزاب الممالئة لهم فيهما. أثناء حكم الأسرتين الأولى والثانية، كانت توجد علاقات تجارية مع رتنو (Retjnu أو Rtnw) التي تعني «البلاد الأجنبية» ، وهي الطريقة التي كان يشير بها الفراعنة إلى منطقة فلسطين وبلاد الشام في المملكتين القديمة والوسيطة. بل قام بعض العلماء بتحليل الأشكال التي وردت على درع مينا (نارمر) احتفالاً بتوحيد القطرين عام ٣١٠٠ ق. م، وتوصلوا إلى أن التغلغل المصري قد وصل إلى شرق الأردن عبر صحراء النقب. كما وُجد فخار فلسطيني متأثر بالأسلوب المصري بكميات كبيرة في هذه الفترة. وقد أرسلت مصر في عهد المملكة القديمة في الفترة ٢٧٠٠ ـ ٢٢٠٠ ق. م (من الأسرة الثالثة إلى الخامسة) حملات استكشافية إلى سيناء لاستثمارها وضمها. وهناك، في نهاية المملكة القديمة، في فترة حكم بيبي الأول ٢٣٤٣ ـ ٢٢٩٤ ق. م (من الأسرة السادسة) نقش عن حملة برّية وعسكرية ناجحة ضد أرض «أنف الظبى» التي يرى بعض العلماء أنها سهل جبل الكرمل في فلسطين. وقد انحسر النفوذ المصري في الفترة من نهاية الأسرة السادسة حتى الأسرة العاشرة. وبعد انهيار المملكة القديمة في عام ٢٢٠٠ ق. م وحتى ٢١٣٠ ق. م، دخلت مصر فترة من الفوضى دامت قرنين (فترة الانحلال الأول) حكمت أثناءها الأسرات السابعة والثامنة والتاسعة والعاشرة، واختفت خلالها أيضاً السلطة المركزية واختل النظام الاجتماعي وتغلغلت العناصر الآسيوية في شرق الدلتا.
стр. 4060
وقد تم توحيد مصر العليا ومصر السفلى مرة أخرى إبّان حكم الأسرة الحادية عشرة (٢١٣٠ ـ ٢٠٠٠ ق. م) ، وهو ما مهَّد لقيام المملكة الوسيطة (٢٠٤٠ ـ ١٧٨٦ ق. م) . ومع اعتلاء أمنمحات الأول العرش (الأسرة الثانية عشرة) ، بدأت مرحلة الازدهار في المملكة الوسيطة، وهي متزامنة مع بداية فترة الآباء في فلسطين (٢١٠٠ ـ ١٢٠٠ ق. م) . واستمرت العلاقات بين مصر والشام، ومنها فلسطين، كما يتضح في قصة سنوحي عن رحلاته في خلال حكم سنوسرت الأول (١٩٧٠ ـ ١٩٢٦ ق. م) . ويبدو أن مصر أخضعت أجزاء من الشام وفيها فلسطين لهيمنتها أثناء حكم أمنمحات الثاني (١٩٢٦ ـ ١٨٩٧ ق. م) وسنوسرت الثالث «سيزوستريس» (١٨٧٨ - ١٨٤٩ ق. م) ، إذ وُجدت آثار لحكام وكهنة مصريين في مجدو وأوجاريت. ويؤكد هذه النظرية أن حكام بعلبك كانوا يحملون ألقاباً مصرية يمنحها فرعون مصر، الأمر الذي يعني شكلاً من أشكال السيادة المصرية. ويظهر شقيق أمير رتنو (فلسطين) ، في اللوحات المصرية لهذه الفترة، وهو يساعد المصريين في إدارة واستغلال مناجم الفيروز في سيناء. كما أن هناك إشارات مباشرة إلى حملة قام بها الفراعنة ضد سيكمان (شكيم) .
стр. 4061
وكان كثير من قبائل البدو السامية تستأذن فرعون مصر في الالتجاء إلى مصر، حيث كان فيها مجتمع زراعي مستقر يعتمد على الري وعلى فيضان النيل فراراً من جفاف أو مجاعة، ثم تخرج بعد ذلك. ولم يكن العبرانيون استثناءً من ذلك بأي شكل من الأشكال. ففلسطين مجتمع زراعي كان يعتمد على المطر. وثمة وثائق مصرية تتحدث عن بدو من أدوم وجنوب فلسطين تركوا منازلهم في زمن القحط ليبقوا على حياتهم وحياة قطعانهم. ومثل هذه المجاعات هي التي اضطرت إبراهيم وإسحق إلى التوجه جنوباً إلى مصر. وقد أرسل يعقوب أولاده لهذا السبب، ثم استقرت الأسرة كلها هناك. وقد بدأت الهجرة السلمية لبعض الساميين تحت قيادة أمير بدوي يُقال له أبشاي أو أبشاه في القرن الثامن عشر قبل الميلاد. وثمة لوحة مقبرة خنوم ـ حوتب (أحد أشراف الأسرة الثانية عشرة) في بني حسن تصور الآسيويين يدخلون مصر لكي يحصلوا على الطعام. وهذه هجرات تشبه، في بعض الوجوه، هجرات إبراهيم وإسحق ويعقوب. وهي تبين أن قصة يوسف، فيما يتعلق بهذه الهجرات، مبنية على خلفية تاريخية عامة، كما أن كره المصريين للرعاة له هو الآخر أساس تاريخي (تكوين ٤٦/٣٤) .
وقد تحوَّلت الهجرة إلى تسلل والتسلل إلى غزو، حتى استولى خليط آسيوي سامي من الرعاة العموريين والكنعانيين والحوريين على السلطة في مصر خلال فترة الانحلال الثاني بدءاً من الأسرة الثالثة عشرة حتى الأسرة السادسة عشرة (١٧٨٦ ـ ١٥٧٠ ق. م) فيما يُعرَف باسم حكم الهكسوس. ورغم أن الهكسوس قد تبنوا الحضارة المصرية، فإن المصريين لم يتقبلوا الهكسوس قط، وقامت حركة تحرير بقيادة ملوك طيبة كُلّلت بالنجاح.
стр. 4062
وقبل التعرُّض لموضوع دخول العبرانيين مصر وخروجهم منها، يجب التنبيه إلى أن لغتنا ستكون غير يقينية لأن الوثائق التاريخية المتاحة ليست قاطعة، وتترك مجالاً واسعاً للاختلاف. ويذهب كثير من المؤرخين إلى أن حكم الهكسوس متزامن مع فترة الآباء، وأن هذه الفترة هي التي دخل إبَّانها العبرانيون مصر. فوجود الهكسوس، على ما يبدو،هو الذي سهل عملية دخول العبرانيين، وثمة رأي يذهب إلى أنه يوجد قرابة عرْقية بين الهكسوس والقبائل العبرانية.
وقد ازدهر العبرانيون بعض الوقت، وقد بلغ يوسف مكانته المرموقة في زمن ملوك الهكسوس، ولكن مع ظهور المملكة الحديثة (١٥٧٠ ـ ١٠٨٥ ق. م) ، بدأ وضع جديد في مصر بالنسبة إلى العبرانيين، إذ ظهر الملك الذي لا يعرف يوسف (خروج ١/٨) حسب الرواية التوراتية. وطرد المصريون الهكسوس إذ قام أحمس الأول (١٥٧٠ـ ١٥٤٦ ق. م) أمير طيبة، وأول ملوك الأسرة الثامنة عشرة فيما بعد، بمطاردتهم حتى جنوب فلسطين. ويبدو أن المصريين، بعد غزوة الهكسوس، لم يعودوا يثقون في الحواجز الطبيعية والصحراوية كمانع ضد الغزوات الأجنبية، فبدأت من هنا التطلعات الإمبراطورية لتأمين الحدود، وبسط ملوك الأسرة الثامنة عشرة هيمنتهم إلى الشرق والشمال حتى اصطدموا بالإمبراطورية الحورية (الميتانية) ، وكانت فلسطين أرض المعركة بينهم. وقد وصل تحتمس الأول (١٥٢٦ ـ ١٥١٢ ق. م) حتى نهر الفرات. ولكن واضع أساس الإمبراطورية الحقيقي هو تحتمس الثالث (١٥٠٤ ـ ١٤٥٠ ق. م) أعظم ملوك الأسرة الثامنة عشرة الذي حطَّم تحالفاً من الأمراء الكنعانيين والسوريين تحت قيادة ملك قادش في مجدو عام ١٤٧٩ ق. م. وقد التقى تحتمس بالحيثيين، ولكنه إما هزمهم، أو عقد معهم معاهدة دفعوا له بمقتضاها الجزية، وقد خضعت له سوريا فترة قصيرة. وقد استمر تحتمس الثالث، مدة عشرين عاماً تقريباً، في إرسال جيشه إلى غرب آسيا لتعزيز انتصاراته، واستمر خلفاؤه في ذلك.
стр. 4063
وقد واصل ابنه أمنحوتب الثاني (١٤٥٠ - ١٤٢٥ ق. م) ، عمليات غزو فلسطين وسوريا. وهناك نصب تذكاري في منفيس يذكر أن هذا الفرعون «أسر ثلاثة آلاف وستمائة عبيرو» أثناء غزوة قام بها إلى فلسطين. ولذا، فقد قرنه بعض المؤرخين (من بينهم مانيتو) بفرعون الخروج مع أن كلمة «عبيرو» أكثر اتساعاً وأكثر شمولاً من كلمة «عبراني» . ثم عقد أمنحوتب الثالث (١٤١٧ ـ ١٣٧٩ ق. م) معاهدة مع مملكة ميتاني الحورية، وتزوج من أميرة ميتانية. وكانت المناطق الآسيوية يحكمها أمراء تابعون لمصر، تربوا في البلاط المصري وكانوا يحكمون لصالح فرعون مصر وباسمه.
стр. 4064
وفي القرن الرابع عشر قبل الميلاد، بدأت عوامل الضعف تظهر في مصر، وقامت الثورة التوحيدية على يد إخناتون (أمنحوتب الرابع) (١٣٧٩ ـ ١٣٦٢ ق. م) ، ويبدو أنها كانت ذات أبعاد اجتماعية أيضاً فالإمبراطورية بنيت على يد الجنود والموظفين ولكن أرستقراطية النبلاء والكهنة ظلت مغلقة دونهم، الأمر الذي تَطلَّب تغييراً يسمح بالحراك الاجتماعي. وتحوي ألواح تل العمارنة المكتوبة بالأكادية تقريراً رُفع لفرعون مصر عن أمراء بابل وآشور والحيثيين وسوريا وفلسطين الذين تم إخضاعهم كما تحوي طلباً بالعون للتصدي للخابيرو، تلك القبائل البدوية التي بدأت تُغير على حدود فلسطين. وكانت سياسة مصر في تلك الآونة هي أن تُبقي طرق التجارة لبلاد الرافدين مفتوحة وأن تُبقي حكام الشام تحت هيمنتها. وبعد موت توت عنخ آمون (١٣٦١ـ ١٣٥٥ ق. م) ، خليفة إخناتون، هزم الحيثيون المصريين واندلع ما يشبه الحرب الأهلية في مصر، فاستقلت فلسطين لبعض الوقت وربما نجح الخابيرو في الاستقرار فيها. ولكن الرعامسة من ملوك الأسرة التاسعة عشرة (١٣٢٠ ـ ١٢٠٠ ق. م) أعادوا السيطرة المصرية، عن طريق الاحتلال المباشر هذه المرة، فكانت توجد حاميات مصرية في غزة ويافا ومجدو وبيت شان وفي مدن أخرى. ودخل رمسيس الثاني حرباً مع الحيثيين في معركة قادش الشهيرة عام ١٢٨٨ ق. م والتي لم يحرز أي من الطرفين فيها نصراً حاسماً، فتم تقسيم الشام إلى قسمين بحيث يئول القسم الشمالي للحيثيين والجنوبي (وفيه فلسطين) للمصريين. وتظهر في هذه المرحلة إشارة إلى فلسطين باسم «كنعان» ، ويظن كثيرون أن رمسيس الثاني هو الفرعون الذي سخَّر العبرانيين ليبنوا له المدينة المسماة باسم «رعمسيس» (خروج ١/١١) ، وقد ورد في السجلات التي تركها أنه استخدم عبيداً من العبيرو في مشاريع البناء التي قام بها. لكن ثمة نظرية أخرى تذهب إلى أن رمسيس الثاني هو في الواقع فرعون الخروج.
стр. 4065
وقام الفرعون منفتاح أو مرنبتاح (١٢٣٦ ـ ١٢٢٣ ق. م) ، خليفة رمسيس الثاني، بإخماد ثورة في كنعان في أواخر القرن الثالث عشر قبل الميلاد. واحتفالاً بهذه المناسبة، تظهر أول إشارة في التاريخ إلى كلمة «يسرائيل» : «يسرائيل شعب صغير. لقد دمرته وانمحت ذريته فلا وجود له» . ويُقال إن كلمة «يسرائيل» هنا تشير إلى إحدى المدن أو القبائل الكنعانية وليست لها أية علاقة بالعبرانيين.
وشهد عهد مرنبتاح أول موجة من موجات شعوب البحر (الفلستيين) ، وقد نجح في صدهم. كما نجح رمسيس الثالث (١١٩٨ ـ ١١٦٧ ق. م) في وقف هجماتهم تماماً، وكان آخر فراعنة هذه الأسرة الذين حكموا فلسطين.
следующие страницы →