Полный текст (8 511 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
تذكر مقدمة هذه الموسوعة أن محررها هو سيسل روث المؤرخ اليهودي المعروف "بورعه وتقواه وتدينه العميق". وأنه استقر في إسرائيل بعد أن تقاعد من عمله الجامعي في وطنه الأصلي إنجلترا. وأنه قام بالتدريس في إسرائيل في جامعة بارإيلان الدينية حيث اتُهم، رغم ورعه وتقواه، بالانحراف عن الشريعة اليهودية، وأُصيب بنوبة قلبية فاستقال. وفي مجال تقديم روث للقارئ في الموسوعة اليهودية (جودايكا) ، تذكر مقدمتها أن هذا العالم سافر ليلة الخامس من يونيه من نيويورك إلى القدس ليكون مع شعبه في إسرائيل، وأنه حينما وصل إلى القدس جلس في المخبأ طيلة هذه الليلة. ثم تقول المقدمة إن روث نظر من شرفته ورأى المعارك التي أعادت القدس لليهود بعد ألفي عام.. وبعد أن سكتت المدافع ورأى الحجاج بالألوف يحجون لحائط المبكى، أصر على أن يُلقي صلاة خاصة في هذه المناسبة، ثم ألقى خطاباً على العاملين معه في الموسوعة. وقد تكون هذه كلها أحداثاً شخصية لا علاقة لها بالعمل الموسوعي الضخم الذي يُعَدُّ الآن أكبر مصدر مُعتَمد للمعلومات في العالم عن اليهودية واليهود والصهيونية. وقد يُقال إن ولاءات روث الدينية وحتى السياسية لا علاقة لها بالعمل الذي قام به، ولكن كاتب مقدمة الموسوعة اليهودية لا يترك لنا أية فرصة للتخمين أو المناورة من أجله، فهو يؤكد بما لا يقبل الشك أن رؤية روث لحرب ١٩٦٧ جعلته يضيف بُعداً آخر للأحداث العظيمة التي كانت تتكشف أمامه. وقد كتب روث نفسه في مذكراته قائلاً: "إن الأحداث الأخيرة في الشرق الأوسط ـ والتي تُوجت بالنصر الإسرائيلي المدهش ـ قد جعلت كل المراجع السابقة غير متطابقة مع الواقع ولهذا السبب أصبح نشر الموسوعة اليهودية أمراً ملحاً أكثر من ذي قبل"، أي أن انتصارات إسرائيل العسكرية قد عدلت رؤيته التاريخية (ولروث كتاب عنوانه تاريخ اليهود منذ ميلاد يسرائيل حتى حرب الأيام الستة) .
стр. 37
وقد يُقال إن هذا التحيز أمر يختص بسيسل روث وحده دون بقية الكُتَّاب المشتركين في الموسوعة. ولكن، مرة أخرى، حينما يفتح القارئ أول صفحة في أول مجلد من الموسوعة يفاجأ بالجملة التالية: "لقد حشد روث جيشاً جراراً من المحررين والمؤلفين من بين أحسن العلماء اليهود في العالم"، كما نكتشف أن الموسوعة اليهودية (جودايكا) تُوصَف بأنها أعظم "عمل أدبي يهودي" في هذا القرن! ولكن بأي معنى من المعاني يمكن أن تُوصَف موسوعة بأنها "عمل يهودي"؟ ولم كان من الضروري أن يكتبها «يهود» وليس أي علماء متخصصين؟ هل اليهودية منهج في البحث ورؤية للتاريخ أم عقيدة دينية وانتماء أخلاقي؟ وحتى إذ افترضنا أنها منهج في البحث وعقيدة دينية تشكل رؤية صاحبها، ألم يكن من الضروري أن يُبيِّن لنا الكاتب كيف توصَّل المحرر للإطار النظري لموسوعته من خلال عقيدته؟ وهل يَفضُل هذا المنهج المناهج الأخرى؟ ولكن بدلاً من ذلك، تظهر العبارة التالية في المقدمة: "هذه المفاهيم ـ حب يسرائيل، ومركزية القدس، وفهم رسالة الشعب اليهودي ـ هي مفاهيم كلها أساسية بالنسبة لروث وتتضح كلها في صفحات الموسوعة"، أي أننا أمام عمل دعائي يستخدم لغة البحث العلمي وأساليبه ومناهجه نشره ناشر إسرائيلي في القدس المحتلة. ولذا، لابد أن نكون واعين تمام الوعي بأثر هذا الحب وهذه المركزية على ما يكتبون وعلى ما يقدمون للقارئ.
стр. 38
ومن الأمور المثيرة للدهشة حقاً، أنه بعد مرور ما يقرب من خمسين عاماً من الصراع العربي الإسرائيلي الرسمي، وما يزيد على مائة عام من الصراع التاريخي، لم يَصدُر حتى الآن معجم عربي واحد يُعرِّف مصطلحات هذا الصراع ويُفسِّر مفاهيمه، وبالذات المصطلحات والمفاهيم الخاصة بالعدو، سواء من ناحية وضعه التاريخي أو من ناحية رؤيته لنفسه. (ظهرت الموسوعة الفلسطينية من ٤ أجزاء، ثم ظهرت ستة أجزاء أخرى ولكنها «موسوعة فلسطينية» ، أي أن الجانب الصهيوني هامشي، أما فيما يختص بالعقيدة وبالجماعات اليهودية فلا توجد سوى إشارات هنا وهناك) . وقد نجم عن هذا الوضع أن كل باحث عربي لا يزال يتعيَّن عليه أن يبدأ دائماً من نقطة الصفر، ولا يزال يتعيَّن عليه أن يُعرِّف كل المصطلحات التي يستخدمها. ولذا، فإن الدراسات العربية للصراع تمتلئ بتعريفات مبدئية عن «اليشوف» ، و «التلمود» ، فماذا تعني عبارة مثل «الشعب المختار» مثلاً؟ وقد أدَّى هذا إلى تكرار الجهد وإضاعته، وانخفاض مستوى البحث، لأن الباحث، شاء أم أبى، يجد نفسه مضطراً إلى افتراض أن قارئه لا يزال عند نقطة الصفر.
ولكن الأخطر من هذا أن غياب «معجم عربي» اضطر الباحث العربي إلى أن يعود باستمرار إلى المصادر الصهيونية التي قد تعطيه كمية هائلة من المعلومات هي، في نهاية الأمر، متحيِّزة ومُوجَّهة وموظَّفة في خدمة هدف معيَّن. ولذا، يظل الباحث العربي دائماً تحت رحمة المصادر الصهيونية ومقولاتها التحليلية التي لا تكشف له من الظاهرة إلا تلك الجوانب التي يهمها كشفها، حاجبةً عنه كل الجوانب الأخرى.
стр. 39
وحتى عندما تكشف المراجع الصهيونية عن كل جوانب الظاهرة أو الواقعة، فهي تفعل ذلك بعد تفتيتها إلى عناصر متفرقة متناثرة، وهو ما يُحوِّل الظاهرة إلى كم غير متحدد، ليس له مضمون معيَّن، يَصعُب الكشف عن مدلوله الحقيقي. وقد نجم عن كل هذا أن كماً هائلاً من المفاهيم والمصطلحات الصهيونية تسرب إلى عقولنا ولغتنا دون أن ندري.
موسوعة تفكيكية (نقدية)
حينما بدأت أولى دراساتي المنشورة بالعربية عن الصهيونية (نهاية التاريخ: مقدمة لدراسة بنية الفكر الصهيوني [القاهرة ١٩٧٢] ) ، وجدت أن معظم المؤلفين العرب يُضطرون إلى التوقف عند كل صفحة لتعريف بعض المصطلحات والشخصيات التي يشيرون إليها ( «الكيبوتس» ـ «بن جوريون» ـ «الماباي» ) . ولهذا، قررت أن أستمر في كتابة دراستي دون توقُّف لتعريف كل مصطلح، ذلك التوقف الذي يؤدي حتماً إلى تشتُّت القارئ، على أن أُلحق بالدراسة مسرداً أُوضِّح فيه ما غَمُض من مصطلحات وأُعرِّف فيه بالأعلام. وتحوَّل مشروع المسرد تدريجياً إلى مشروع كتيب معجمي مستقل ترد فيه معاني المصطلحات وتُعرَّف فيه الشخصيات بطريقة معجمية. ثم تحوَّل مشروع الكتيب إلى معجم صغير، والمعجم الصغير إلى معجم كبير، والمعجم الكبير إلى مشروع موسوعة صغيرة (من جزء واحد) تهدف إلى توفير المعلومات (العربية والغربية) المتاحة حتى لا يُضيِّع الباحث العربي وقته في البحث عن المعلومات وحتى يتفرغ للعملية البحثية الحقيقية، أي عملية التفسير والتقييم. ولكنني حين بدأت في تنفيذ مشروع الموسوعة اكتشفت بعد قليل من البحث والتعمق أن مرجعية حقل الدراسات المعني باليهود واليهودية ومصطلحاته مُشبَّعة بالمفاهيم الأولية (القَبْلية) لليهودية والصهيونية، وأن عدداً هائلاً من المفردات (مثل «الشعب» و «الأرض» ) يكتسب دلالات خاصة تُخرجها عن معناها المعجمي المألوف، وأننا نترجم، ليس فقط حين نترجم، ولكننا نترجم حتى حين نؤلف وذلك بسبب غياب الرؤية النقدية. كما
стр. 40
اكتشفت أن المعلومات، مهما بلغت من كثافة وذكاء وحذق، هي عملية لا نهاية لها، ولا جدوى من ورائها، فهي تشبه الرمال المتحركة، وهي لا تأتي بالمعرفة ولا بالحكمة لأنها محكومة بمقولات قَبْلية محدَّدة تتم مراكمة المعلومات في إطارها.
حينما أدركت ذلك تحولت الموسوعة من مجرد موسوعة معلوماتية صغيرة عادية تُعرِّف بالمصطلحات والأعلام إلى موسوعة كبيرة تحاول تفكيك المصطلحات والمفاهيم القائمة وتوضيح المفاهيم الكامنة وراءها بدلاً من تلخيصها والعرض لها. ولذا، فقد صدرت الموسوعة عام ١٩٧٥ بعنوان فرعي رؤية نقدية حتى أنبه القارئ إلى أنه يتعامل مع موسوعة من نوع جديد، وهى تعد أول موسوعة متكاملة عن اليهود واليهودية والصهيونية، كتبها مؤرخ غير يهودي.
موسوعة تأسيسية
стр. 41
وفي عام ١٩٧٥، قررت تحديث موسوعة المصطلحات اليهودية والصهيونية: رؤية نقدية (القاهرة ١٩٧٥) وتعميق الجانب التفكيكي النقدي، بعد أن أصبحتُ أكثر وعياً به. ولذا قررت أن أكتب ما سميته حينذاك «موسوعة مضادة» (بالإنجليزية: آنتي أنسيكلوبيديا anti-encyclopedia) ، فدعوت حشداً كبيراً من الباحثين الشبان والمتخصصين وطلبت من كل واحد منهم أن يكتب مدخلاً في حقل تخصصه، على أمل أن أنتهي من تحديث الموسوعة في غضون عام أو عامين. واستغرقت العملية التفكيكية ما يقرب من عشر سنوات أي حتى عام ١٩٨٥ حين اكتشفت أنني انتقلت من مرحلة إلى مرحلة أخرى دون أن أشعر، إذ وجدت أنني في واقع الأمر، شأني شأن الباحثين الذين تعاونوا معي، أقوم بعملية تمديد أفقي للمعلومات في الإطار التفكيكي العام. ولا شك في أن التفكيك له فائدة، بل هو أمر حتمي وضروري، فهو يكشف المفاهيم الكامنة ويزيل الغشاوات، ولكنه يترك كثيراً من جوانب الظاهرة دون تفسير. فالتفكيك عملية هدم جذرية تطهيرية ولكنه ليس عملية تفسيرية. والتفسير غير التفكيك، فهو عملية إبداعية تركيبية تتطلب نحت نماذج مختلفة والربط بينها والغوص في كل الأبعاد السياسية والاقتصادية والدينية والمعرفية للظاهرة، وإعادة ترتيب الوقائع وتصنيفها في ضوء النماذج الجديدة، واكتشاف حقائق جديدة مُهمَّشة ومنحها المركزية التفسيرية التي تستحقها، وتوليد مصطلحات جديدة وإعادة تعريف بعض المصطلحات القائمة.
стр. 42
وقد حدث شيء مهم جداً في حياتي الفكرية عام ١٩٨٥ وهو أن همومي الفكرية الأساسية (الصهيونية كاستعمار استيطاني وكأيديولوجية لأعضاء الجماعات اليهودية ـ الهيجلية والحلولية ونهاية التاريخ ـ الاستهلاكية ومصير الإنسان ـ التحيزات المعرفية والحاجة لمشروع حضاري مستقل ـ الحاجة إلى استخدام النماذج كأدوات تحليلية) ، التي كانت مترابطة بشكل ما، تلاحمت تماماً وأدركت العلاقات فيما بينها، الأمر الذي كان يعني ضرورة البدء من جديد. ومما ساعد على تعميق هذا الاتجاه، اكتشافي معلومات مهمة، أي إدراكي أهميتها التفسيرية (فهي معلومات معروفة ولكنها مُهمَّشة تماماً) ، فقد وجدت أن الغالبية الساحقة من يهود العالم الغربي في نهاية القرن الثامن عشر كانوا يوجدون في بولندا، وأننا حينما نتحدث عن يهود العالم الغربي (أي معظم يهود العالم) فإنما نتحدث في واقع الأمر عن يهود بولندا الذين اقتسمتهم روسيا والنمسا وألمانيا باقتسام بولندا نفسها، ومن صفوفهم خرجت الألوف والملايين التي هاجرت إلى إنجلترا وأستراليا وكندا والولايات المتحدة وجنوب أفريقيا ثم فلسطين. ولذا، لابد للمتخصص في اليهود واليهودية والصهيونية أن يُلم إلماماً كبيراً بتاريخ بولندا وتشكيلها الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الفريد. وهنا اكتشفت جهلي التام. هل سمع أحد منا بجمهورية يحكمها ملك منتخب؟ وما علاقة بولندا بلتوانيا وما علاقتهما بأوكرانيا؟ هل سمع أحد منا بطبقة الشلاختا (طبقة النبلاء البولنديين) أو بنظام الأرندا (نظام استئجار الأراضي من النبلاء) ؟ وما دور اليهود في الإقطاع الاستيطاني البولندي في أوكرانيا؟ إن هذه العناصر والمفردات هي التي تكوِّن تاريخ بولندا ومن ثم تاريخ الجماعة اليهودية فيها، ولا يمكن فهم المسألة اليهودية إلا بعد الإحاطة بهذه العناصر وغيرها إحاطة كاملة.
стр. 43
هذا بالنسبة لليهود. أما بالنسبة لليهودية، فقد اكتشفت الدور المتزايد الذي لعبته القبَّالاه اللوريانية (أي الصوفية اليهودية على طريقة إسحق لوريا) في تقويض دعائم التلمود حتى حلّت كتب القبَّالاه محله. وبناءً على هذا، فقد أحضرت عدداً كبيراً من الدراسات في تاريخ بولندا والقبَّالاه وفي غير ذلك لأملأ الفراغات في تكويني الثقافي.
عند هذه اللحظة، أدركت أنني تركت مرحلة التفكيك بصورة تلقائية وانتقلت إلى مرحلة التركيب، وأنني لم أعد أفكك وحسب وإنما بدأت أطرح أسئلة وإشكاليات ومصطلحات ونماذج ومقولات تحليلية جديدة كان من شأنها تركيب تصوُّر جديد لتاريخ اليهودية ولأعضاء الجماعات اليهودية. وعلى هذا، فإن الموسوعة لم تعد موسوعة معلوماتية تحاول توفير المعلومات للقارئ، ولا حتى موسوعة تفكيكية تحاول أن تهدم النماذج القائمة، وإنما هي موسوعة تأسيسية. ولو كانت هذه الموسوعة موسوعة معلوماتية، لأصبح هذا العمل ضعف حجمه الحالي ولتم إنجازه في بضع سنوات، ولو كانت موسوعة تفكيكية وحسب لنُشرت عام ١٩٨٣ مع انتهاء السادة الباحثين الذين قدَّموا إسهاماتهم في موعدها، ولكنها موسوعة تأسيسية كما أسلفت.
دراسة حالة
«دراسة حالة» هي ترجمة لعبارة «كيس ستدي case study» الإنجليزية التي تعني دراسة الظواهر الإنسانية من خلال التحليل المتعمق لحالة فردية (قد يكون شخصاً أوجماعة أو حقبة تاريخية) . ويفترض هذا المنهج أن الباحث يرى أن الحالة الفردية موضع الدراسة هي حالة ممثلة لحالات أخرى كثيرة (حالة نماذجية في مصطلحنا) ، أي أنها جميعاً تنتمي لنفس النموذج. وهدف الدراسة هو الوصول لهذا النموذج متمثلاً بشكل متبلور في الحالة عن طريق التحليل المتعمق. وبعد الوصول إلى هذا النموذج يمكن تطبيقه على حالات أخرى تندرج تحته.
стр. 44
وهذه الموسوعة قامت بتطوير نماذج ثلاثة أساسية: الحلولية الكمونية الواحدية ـ العلمانية الشاملة ـ الجماعات الوظيفية، ثم حاولت تحديد معالم هذه النماذج، ثم قامت باختبارها عن طريق تطبيقها على حالة محددة هي الجماعات اليهودية في العالم منذ ظهورها على مسرح التاريخ حتى الوقت الحاضر.
ثلاثة نماذج أساسية: الحلولية - العلمانية الشاملة - الجماعة الوظيفية
يمكن القول بأن الأداة التحليلية الأساسية في هذه الموسوعة هي النموذج المعرفي التحليلي المركب الذي يبتعد عن الاختزالية والتفسيرات أحادية البُعد. فقد قمنا بصياغة نموذج مركب فضفاض يحاول أن يتناول الظواهر اليهودية والصهيونية في أبعادها السياسية والاقتصادية والحضارية والمعرفية، بل يشير إلى بعض العناصر التي قد يعجز هو ذاته عن تفسيرها. والنموذج التحليلي المركب الذي طورناه يتسم (في تصورنا) بأنه لا يتأرجح بحدة بين العمومية الشاملة والخصوصية المتطرفة (المتأيقنة) فهو نموذج على مستوى معقول من العمومية والخصوصية يرمي إلى وضع اليهود واليهودية والصهيونية، باعتبارهم حالة محددة، في سياق إنساني عالمي مقارن يضم كل البشر ويدرك إنسانيتنا المشتركة، حتى ندرك أن الحالة المحددة ليست شيئاً مطلقاً وإنما تنتمي إلى نمط إنساني عام ومجرد، ومع هذا يحاول النموذج التحليلي في الوقت نفسه ألا يهمل الملامح الفريدة والمنحنى الخاص للظواهر اليهودية والصهيونية. ولذا لم نقذف باليهود واليهودية والصهيونية في صحراء العمومية المُسطَّحة التي وضعهم فيها أصحاب النماذج التحليلية الموضوعية الملساء (ومن بينهم صهاينة يريدون تطبيع اليهود) الذين يرون اليهود باعتبارهم وحدات مادية، اقتصادية أو سياسية عامة، ليست لها ملامح متميِّزة ولا تتمتع بأية خصوصية. كما أننا لم نتركهم في جيتو الخصوصية اليهودية، المفاهيمي والمصطلحي، جيتو التفرُّد المطلق، والقداسة والدناسة، والطهارة والنجاسة، والاختيار والنبذ.
стр. 45
ذلك الجيتو الذي وضعهم فيه أصحاب النماذج التحليلية من الصهاينة وأعداء اليهود الذين يرون اليهود باعتبارهم ظاهرة مستقلة، مكتفية بذاتها، تحوي داخلها كل أو معظم ما يكفي لتفسيرها. وانطلاقاً من هذا التصور تم تأسيس مخصصاً "علمياً" يُسمَّى «الدراسات اليهودية» .
بدلاً من كل هذا، حاولنا أن ندخل الظواهر اليهودية والصهيونية المجال الرحب للعلوم الإنسانية وعلم الاجتماع وعلم الأنثروبولوجيا والتاريخ الإنساني، حيث يمكن من خلال نماذج مركبة رؤية علاقة الكل (العام) بالجزء (الخاص) دون أن يفقد أيٌّ منهما استقلاله وحدوده.
ولإنجاز كل هذا، قمنا بتفكيك مقولات مثل «اليهودي العالمي» و «اليهودي المطلق» و «اليهودي الخالص» و «المؤامرة اليهودية» و «التاريخ اليهودي» ( ... إلخ) لنبيِّن المفاهيم الكامنة فيها، فهي تفترض أن اليهود لا يتغيرون بتغير الزمان أو المكان، وحتى إن تغيَّروا فإن مثل هذا التغيُّر يحدث داخل إطار يهودي مقصور على اليهود داخل حركيات وآليات التاريخ اليهودي. وبيَّنا عجز مثل هذه المقولات عن تفسير الواقع بأن أشرنا إلى عدد كبير من العناصر التاريخية والاجتماعية والنفسية والثقافية والدينية التي لم تتعرض لها هذه المقولات لأنها تقع خارج نطاق مقدرتها التفسيرية. وبيَّنا أن هذه المقولات تتسم بالعمومية المفرطة (اليهود في كل زمان ومكان) والخصوصية المفرطة (اليهود وحدهم دون غيرهم) . وأوضحنا كذلك أن من المستحيل أن نفهم سلوك اليهود، وآلامهم وأشواقهم وخيرهم وشرهم، من الداخل، أي بالعودة إلى كتبهم المقدَّسة (التوراة والتلمود) أو شبه المقدَّسة (القبَّالاه) أو غير المقدَّسة (البروتوكولات كما يزعم المعادون لليهودية) أو بالعودة إلى تصريحات الصهاينة وغيرهم.
стр. 46
ولذا، فإننا في سياق محاولة نحت نموذج تحليلي جديد مركب، لم نذهب إلى التوراة والتلمود والبروتوكولات وحارات الجيتو ولا إلى بقعة جغرافية معيَّنة أو لحظة تاريخية بعينها. وحاولنا ألا نستنيم لأية أطروحات أو مسلمات عامة (الصراع العربي الإسرائيلي إن هو إلا صراع طبقي أو اقتصادي ـ العنصر الاقتصادي هو الذي يحرك كلاً من العرب واليهود ـ اليهود إن هم إلا بورجوازيون صغار ـ إسرائيل إن هي إلا قاعدة للاستعمار الغربي) ، فدرسنا كل جماعة يهودية في سياقها السياسي والاقتصادي والتاريخي والحضاري والديني والإنساني المتعيِّن حتى نفهم العناصر التي تنفرد بها عن غيرها والعناصر التي توجد في كل الجماعات.
وقد وجدنا أن من الأجدى من الناحية التفسيرية، ألا نشير إلى اليهود في كل زمان ومكان باعتبارهم «اليهود» وحسب، وبشكل مجرد وكلي ومغلق، بل رأينا أن نشير إليهم باعتبارهم «أعضاء الجماعات اليهودية» في هذا المكان أو ذاك الزمان، وذلك حتى ينفتح الجيتو وحتى نستخدم مصطلحاً قادراً على التعامل مع كل الجوانب المتعددة والثرية للظواهر اليهودية. ونفس الشيء بالنسبة لمسألة «التاريخ اليهودي» الذي يصبح «تواريخ الجماعات اليهودية» و «الهوية اليهودية» التي تصبح «الهويات اليهودية» و «الجريمة اليهودية» التي تصبح «الجريمة بين أعضاء الجماعات اليهودية» . فهذه الجماعات اليهودية يمكن أن نجدها في الصين في القرن الرابع عشر أو في بولندا في القرن التاسع عشر أو في جنوب أفريقيا في القرن العشرين. وبينما تميل الدراسات الصهيونية (والمعادية لليهود) والمتأثرة بها إلى أن تؤكد عناصر التشابه بين هؤلاء، وجدنا أن من الأجدى أن نرصد كلاًّ من عناصر التشابه والتجانس والاختلاف وعدم التجانس ثم نرتب العناصر حسب مقدرتها التفسيرية. ولقد وجدنا أن عناصر التشابه والتجانس، رغم أهميتها أحياناً، أقل أهمية من عناصر الاختلاف وعدم التجانس (ومن هنا صيغة الجمع) .
стр. 47
ثم طورنا عدة نماذج لكل مستواه التعميمي وسياقاته ومستويات فعاليته، ولكنها مع هذا ينتظمها نموذج تحليلي مركب أكبر تلتقي من خلاله كل أو معظم النقط الأساسية:
١ ـ أول هذه النماذج هو نموذج الجماعات الوظيفية الذي طورناه لدراسة وضع الجماعات اليهودية في العالم الغربي ووضع الأقليات المماثلة في الحضارات الأخرى (الصينيون في جنوب شرق آسيا والهنود في أفريقيا ... إلخ) . أي أن دراسة الحالة هنا أخذت شكل دراسة أعضاء الجماعات اليهودية في إطار عِلم اجتماع الأقليات والجماعات التجارية الهامشية والجماعات الإثنية. وما يحدث لليهودي يحدث لكل أعضاء الأقليات (والجماعات الوظيفية) الأخرى، أي أن اليهودي يظهر باعتباره الإنسان عضو الأقلية الدينية أو الإثنية أو الوظيفية.
٢ ـ اكتشفنا الحقيقة البديهية (والتي غابت عن الكثيرين) : أن الظاهرة اليهودية ابتداءً من عصر النهضة في الغرب تحوَّلت تدريجياً إلى ظاهرة غربية بالدرجة الأولى، أي أن السياق الأساسي للجماعات اليهودية في العالم أصبح هو الحضارة الغربية الحديثة. وفي داخل هذا الإطار، اكتشفنا أن تجربة يهود بولندا هي أهم التجارب التاريخية للجماعات اليهودية سواء من ناحية الكم (الغالبية الساحقة من يهود العالم الغربي، مع نهاية القرن التاسع عشر، إما من بولندا أو من أصل بولندي) أو من ناحية الكيف والتطورات التاريخية اللاحقة. فالصهيونية هي حركة نشأت أساساً في صفوف يهود اليديشية، والتجربة الاستيطانية الصهيونية اللاحقة أكدت أهمية تجربة يهود الأرندا في أوكرانيا كممثلين لطبقة الشلاختا (النبلاء البولنديين) في إطار الإقطاع الاستيطاني في أوكرانيا وثورة شميلنكي ضد هذا الإقطاع.
стр. 48
لكن تاريخ الحضارة الغربية الحديثة منذ عصر النهضة، سواء في شرق أوربا أم خارجها، هو تاريخ التحديث والتغريب والعلمنة الجزئية والشاملة والمشاكل المرتبطة بظهور الدولة العلمانية القومية المركزية. وهذا التاريخ ليس تاريخ العلمنة وحسب وإنما هو أيضاً تاريخ الإمبريالية، فتاريخ التشكيل الحضاري الغربي الحديث هو أيضاً تاريخ التشكيل الإمبريالي الغربي الحديث. وقد ارتبطت الجماعات اليهودية في الغرب، منذ البداية، بالتشكيل الاستعماري الاستيطاني الغربي، وتحدَّد مسار هجرة أعضاء الجماعات اليهودية بحركة الاستيطان الغربي. كما أن رؤية الإنسان الغربي للعالم ولذاته وللجماعات اليهودية أصبحت رؤية علمانية إمبريالية. ومن هنا، كان لابد من توسيع نطاق النموذج ليشمل هذه الرؤية. وكان هذا يعني ضرورة تطوير نموذج آخر هو نموذج الرؤية العلمانية الإمبريالية الشاملة، وهو نموذج أكثر اتساعاً من نموذج الجماعات الوظيفية وأكثر عمومية إذ لا يضع اليهود في سياق الأقليات وحسب وإنما في سياق التشكيل الحضاري الإمبريالي الغربي، وهو التشكيل الذي هيمن على العالم بأسره وضمنه أعضاء الجماعات اليهودية. وقد طبقنا هذا النموذج على اليهود باعتبارهم حالة محددة: أقلية إثنية دينية تعيش في عصر العلمانية الشاملة. وهنا يظهر اليهودي باعتباره الإنسان الغربي الحديث، وما يحدث له (من اندماج ودمج وتدجين وتوظيف وتنميط وعلمنة وإبادة) هو ما يحدث للملايين من البشر في العصر الحديث. وهو إنسان يعيش في عصر أزمة الحداثة (ما بعد الحداثة) .
стр. 49
٣ ـ استخدمنا في دراستنا لتطور اليهودية نموذج الحلولية الكمونية الواحدية مقابل نموذج التوحيد والتجاوز (الذي يفترض وجود ثنائية فضفاضة) ، وبيَّنا أن الصراع بين النموذجين يشكل التوتر الأساسي في اليهودية (وفي كل الأديان) . فهو تعبير عن تناقض إنساني أساسي يسم إنسانيتنا المشتركة، يأخذ شكل النزعة الجنينية (وهي الرغبة في فقدان الهوية والالتحام بالكل والتخلي عن الوعي وعن المسئولية الخلقية) في مقابل النزعة الإنسانية والربانية (وهي أن يؤكد الإنسان هويته الإنسانية المستقلة عن الطبيعة ويتحمل المسئولية الخلقية عن هذا الوضع) .
ومن خلال نموذج الحلولية الكمونية هذا أرّخنا للعقيدة اليهودية ولتصاعد معدلات الحلولية الكمونية فيها إلى أن سيطرت القبَّالاه عليها تماماً. وهنا يظهر اليهودي باعتباره الإنسان ممثل الإنسانية المشتركة في واقعها المأساوي والملهاوي، وفي مقدرتها الهائلة على تجاوز عالم المادة وعلى الغوص فيه، وعلى الصعود إلى أعلى درجات النبل، وعلى الهبوط إلى أدنى درجات الخساسة.
النماذج الثلاثة الأساسية: استقلالها الواضح ووحدتها الكامنة
стр. 50
كل نموذج من النماذج الثلاثة الفرعية (الحلولية الكمونية ـ العلمانية الشاملة ـ الجماعة الوظيفية) له استقلاله عن النموذجين الأخرين، وكل سياق له آلياته وحركياته وسماته، ويتفاوت البُعد الزماني في النماذج الثلاثة، فهو أكثر وضوحاً في نموذج الجماعة الوظيفية، ويكاد يتلاشى في نموذج الحلولية، ولكن النماذج كلها مع هذا تتلاقى وتتقاطع. فسنجد أن أعضاء الجماعات الوظيفية من حملة الرؤية الحلولية الكمونية الواحدية (الروحية/المادية) . ولكن ثمة تقابلاً اختيارياً بين الحلولية والعلمانية الشاملة، كما أن عضو الجماعة الوظيفية إنسان وظيفي متحوسل ذو بُعد واحد، لذا سنجد أن أعضاء الجماعات الوظيفية هم عادةً من حملة الفكر العلماني الشامل (الحلولي الكموني الواحدي المادي) الذي يُترجم نفسه عادةً إلى رؤية إمبريالية.
стр. 51
والنقطة المشتركة بين كل هذه النماذج أنها واحدية تنكر التجاوز وتُلغي الثنائيات الفضفاضة والحيز الإنساني، فالحلولية الكمونية هي رؤية للواقع ترى أن الإله قد حل في العالم حتى أصبح الإله غير متجاوز للعالم متوحداً معه، ومن ثم أصبح الإله والطبيعة والإنسان شيئاً واحداً، أي أن ثنائيات: الخالق والمخلوق، والإنسان والطبيعة، والكل والجزء، والعام والخاص تم إلغاؤها لتظهر الواحدية الكونية المادية. والعلمانية (الشاملة) ترى أن العالم يحوي داخله ما يكفي لتفسيره وأنه لا حاجة لتجاوز هذا العالم الذي تسوده قوانين واحدة تسري على الطبيعة والإنسان، وهو ما يقضي على ثنائية الإنسان والطبيعة لتظهر الواحدية المادية (والإمبريالية بطبيعة الحال تنظر للعالم باعتباره مادة محضة يمكن للأقوى حوسلتها لصالحه، أي أنها هي الأخرى تدور في إطار شكل من أشكال الواحدية المادية التي نطلق عليها «الواحدية الذاتية الإمبريالية» ) . ويُعرَّف أعضاء الجماعات الوظيفية في ضوء وظيفتهم وحسب لا في ضوء إنسانيتهم المتعينة، ومن ثم فإن أبعادهم الإنسانية الأخرى يتم إنكارها لتظهر الواحدية الوظيفية. فثمة محور مشترك وسمة أساسية، وهي الواحدية الكاملة، والتي تتبدَّى على مستويات مختلفة. فالحلولية الكمونية تتبدَّى بالدرجة الأولى على المستوى الديني والمعرفي (الكلي والنهائي) ، بينما تتبدَّى الجماعات الوظيفية أساساً على المستوى الاقتصادي والوظيفي، أما العلمانية والإمبريالية الشاملة فإنها تتبدَّى بشكل مكثف على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
стр. 52
ولقد قلنا "بالدرجة الأولى" و"أساساً" و"بشكل مكثف" عن عمد، لأن كل نموذج يتبدَّى في واقع الأمر على كل المستويات، وكل ما في الأمر أنه قد يتبدَّى بشكل أكثر كثافة على مستوى معيَّن دون المستويات الأخرى. ولهذا، فقد احتفظنا بتعدد المستويات واستقلالها ومقدرتها التفسيرية ولكن مع تأكيد وحدتها على مستوى أعمق وهو المستوى المعرفي (الكلي والنهائي) .
وكل النماذج الفرعية ـ كما أسلفنا ـ تنضوي تحت نموذج أكبر ووحدة أساسية كامنة فيها، إلا أننا أكدنا أن هذا النموذج الأكبر لا يتبدَّى بنفس الطريقة في كل زمان ومكان وفي جميع الحالات، فالنموذج مثل الإمكانية التي قد تتحقق، وقد لا تتحقق، وإن تحققت فإن ما يتحقق هو أجزاء وجوانب منها وحسب، ومن هنا فإن النموذج العام لا يُغني عن دراسة كل حالة على حدة. ولذا فإننا رغم حديثنا عن نموذج الجماعات الوظيفية اليهودية داخل الحضارة الغربية، أكدنا أن هذا النموذج لا يتطور بنفس الطريقة ولا يَطَّرد بنفس الأسلوب وعلى نفس المستوى من مرحلة زمانية لأخرى. ونحن ننبه دائماً إلى أن النموذج الذي طرحناه نموذج عام جداً، يصلح إطاراً تصورياً ذا قيمة تحليلية وتفسيرية كلية وحسب، ويظل التطور التاريخي نفسه مختلفاً ومليئاً بالتعرجات والنتوءات والمنحنيات الخاصة التي يتطلب رصدها وفهمها وتفسيرها جهداً إبداعياً خاصاً وإدراكاً للطبيعة الاحتمالية للنموذج التحليلي التفسيري.
стр. 53
ويمكن أن نُعرِّف دراستنا بأنها دراسة لحالة محدَّدة هي اليهود واليهودية في الحضارة الغربية أساساً والصهيونية وإسرائيل، وهي دراسة تاريخية اجتماعية مقارنة تركز على العلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية بين أعضاء الجماعات اليهودية (بما في ذلك المستوطن الصهيوني) من جهة، وأعضاء المجتمعات المختلفة من جهة أخرى، كما تركز على الأبعاد المعرفية لهذه العلاقات. لكن هذه الدراسة، رغم أنها دراسة حالة، إلا أنها دراسة لنماذج تحليلية مركبة ذات مقدرة تطبيقية تتجاوز الحالة موضع الدراسة، فهذه النماذج تتوجه لقضايا عامة مثل: علاقة الأقلية (خاصةً أعضاء الجماعات الوظيفية) بالأغلبية، وعلاقة الأقليات بالدولة القومية المركزية، وطبيعة الحضارة الغربية الحديثة، وعلاقة الإنسان بالطبيعة، وعلاقة الحلولية بالتوحيد، وعلاقة الفكر بالمادة، وعلاقة الذات بالموضوع والصراع بين الواجدية (المادية) والثنائية الفضفاضة (استبعدنا أربعة مجلدات كانت تشكل الإطار النظري، وقمنا بتلخيصها في هذا المجلد، وسوف تَصدُر هذه المجلدات كموسوعة مستقلة بعنوان موسوعة العلمانية الشاملة بعد صدور هذه الموسوعة) .
стр. 54
والجماعات اليهودية تشكل جماعات وظيفية مثل كل الجماعات الوظيفية الأخرى، لكن وجودها داخل الحضارة الغربية أعطاها تفرُّداً معيَّناً. وهي تتفاعل مع المجتمعات العلمانية ومع التشكيل الإمبريالي تفاعل الجماعات البشرية الأخرى، ولكنها نظراً لوضعها الخاص فإن تفاعلها مع العلمانية يأخذ شكلاً أكثر حدة. وهي جماعات تتنازعها النزعات الجنينية والربانية شأنها شأن كل البشر في كل زمان ومكان، لكن اليهودي هو الإنسان في حالة ضيق متبلورة. وبسبب حالة الضيق هذه، تظهر كثير من أبعاد الظاهرة الإنسانية بشكل نماذجي متبلور من خلاله. وخصوصية الجماعات اليهودية، أو خصوصياتها التي تتنوع في كل زمان ومكان، هي خصوصيات لا تختلف عن خصوصيات الجماعات الأخرى، وإن كان هناك شيء فريد بالفعل فربما يكون متمثلاً في نوعية العناصر الإنسانية العامة التي تدخل في تشكيل الموضوع اليهودي وطريقة ترابطها. وهي عناصر تدخل في تشكيل كثير من الظواهر الإنسانية الأخرى وتترابط بطرق فريدة مختلفة!
هيكل الموسوعة
стр. 55
«هيكل الشيء» هو دعامته الأساسية الملموسة، فهيكل المنزل هو دعامته الخرسانية والهيكل العظمي هو دعامة الجسد. وتُطلق كلمة «هيكل» على الشكل الخارجي الذي يمكن معاينته. ويمكن القول بأن مصطلح «هيكل» يتداخل مع مصطلح «بنية» ، فكلاهما يعبِّر عن طريقة أو منطق ترتيب الأشياء. ولكن بينما يتسم الهيكل بالوضوح فإن البنية تتسم بالكمون. وهيكل هذه الموسوعة هو تعبير عن نموذجها التفسيري. وقد قلنا عن هذه الموسوعة إنها «موسوعة تأسيسية» بمعنى أنها ليست موسوعة معلوماتية ولا موسوعة نقدية تفكيكية، فهي تطمح إلى أن تطرح نموذجاً تفسيرياً وتصنيفياً جديداً. ولهذا السبب، نجد أن الجزء النظري طويل نسبياً فلم يكن هناك مفر من إعادة تعريف كل المصطلحات. ولنفس السبب نجد أن تبويب الموسوعة تم على أساس موضوعات. فقد رتبناها ترتيباً مختلفاً عن ترتيب الموسوعات العادية، لأن الترتيب الألفبائي يعني أن القارئ عارف بالمصطلحات والشخصيات، أو أنه يقابل مصطلحاً جديداً أو شخصية جديدة ويريد المزيد من المعلومات عنها. أما الترتيب حسب موضوعات، فإنه يعني أن القارئ لابد أن يتدرج مع الموسوعة من الإشكاليات إلى محاولة الإجابة إلى العرض التاريخي وهكذا (على أننا زودنا الموسوعة بفهرس ألفبائي حتى يُيسِّر عملية الوصول إلى المداخل المختلفة، وحتى يستطيع القارئ أن يصل إلى أي مصطلح أو شخصية يقابلها) .
ويعكس هيكل الموسوعة محاولة الوصول إلى قدر من التعميم دون إلغاء لخصوصية الأجزاء واستقلالها، فنحن نؤمن بأن القصص الصغرى (كما يقول دعاة ما بعد الحداثة) مهمة وممتعة ومباشرة ولها شرعيتها المحدودة، ولذا لابد أن تُروَى هذه القصص. لكن هناك داخل كل قصة صغرى إشارات للقصة العظمى التي تربط القصص الصغرى وتعطيها مغزاها، وبدون هذه الإشارات، تصبح القصص الصغرى لا معنى لها؛ محض تسلية ولغو حديث.
стр. 56
ويتضح الالتزام بكل من التعميم والتخصيص من خلال تقسيم الموسوعة إلى ثمانية مجلدات. أما المجلد الأول فهو يضم الإطار النظري العام (الذي يتجاوز الظاهرة اليهودية) ، فهو بمنزلة المستوى الأكثر تجريداً وكلية، نشرح فيه النموذج الأكبر وما يتفرع عنه من نماذج صغرى، بل نشرح فيه فكرة النموذج ذاتها كأداة تحليلية كما نشرح المصطلحات التي نستخدمها. وتناولنا في المجلدين الثاني والثالث الإشكاليات العامة المتعلقة بدراسة الشأن اليهودي. وفي المجلد الرابع خفضنا مستوانا التعميمي، فتناولنا تواريخ الجماعات اليهودية كلاًّ على حدة في مختلف بلدان العالم والتشكيلات الحضارية. ولذا، كان التقسيم هنا جغرافياً، فهناك باب عن فرنسا وآخر عن إنجلترا وعدة أبواب عن كلٍّ من روسيا وبولندا والولايات المتحدة. وحاولنا أن نبيِّن التجليات المتعيِّنة للإشكاليات النظرية العامة في كل بلد على حدة، كما حاولنا أن نبيِّن بعض الجوانب التي لا تندرج بالضرورة تحت إطار النموذج المطروح. كما بيَّنا التطور التاريخي داخل كل بلد في جانبيه العام والخاص. ففي بولندا، مثلاً، أفردنا عدة مداخل لتاريخ بولندا ومداخل مستقلة لطبقة الشلاختا والإقطاع الاستيطاني وجماعات الهايدماك، وهكذا. وتناول المجلد الخامس اليهودية، والسادس الصهيونية، والسابع إسرائيل. أما المجلد الثامن فيضم آليات الموسوعة وملحق خاص بالمفاهيم والمصطلحات الأساسية وثبت تاريخي والفهارس الألفبائية.
стр. 57
وقُسِّم كل مجلد في الموسوعة إلى أجزاء أقل عمومية من عنوان المجلد. فالمجلد الثاني يُسمَّى «إشكاليات» حيث يتناول كل باب إشكالية بعينها (طبيعة اليهود في كل زمان ومكان ـ إشكالية الجوهر اليهودي ـ يهود أم جماعات يهودية؟ ـ يهود أم جماعات وظيفية يهودية؟ ـ إشكالية العداء الأزلي لليهود) . وقُسِّم كل جزء إلى أبواب مختلفة، وكل باب يضم مداخل مختلفة تبدأ عادةً بما يمكن تسميته «المدخل المظلة» (المدخل العام بالنسبة لهذا الباب) وهو المدخل الذي تُطرَح فيه إشكالية الباب ككل، وفيه تتم محاولة الإجابة عنها من خلال النموذج التفسيري الجديد. ويعقب ذلك المدخل الرئيسي مداخل تفصيلية تمثل التطبيق والتوضيح لما جاء في المدخل الرئيسي، وهي أيضاً بمنزلة الوصف التفصيلي المُكثَّف الذي يوضح النموذج بشكل متعيِّن ويُبيِّن تجلياته المختلفة وتحوراته. كما أنه يقوم بتعديل النموذج ويتجاوزه دون إلغائه. فنحن ننكر، على سبيل المثال، أن البُعد اليهودي في إسهامات المبدعين من أعضاء الجماعات اليهودية له قيمة تفسيرية عالية، ولكننا مع هذا أدرجنا مداخل عن ظواهر وشخصيات لا يمكن تفسيرها إلا في ضوء البُعد اليهودي، فكأننا ننبه القارئ بذلك إلى فعالية نموذجنا التفسيري وعدم شموليته في الوقت نفسه.
стр. 58
والعلاقة بين مداخل الموسوعة ليست عضوية أو صلبة، فهي تَجَل لنفس النموذج، ولذا لابد أن تكون ثمة علاقة تَماثُل قوية بينها. ولكن التماثل ليس ترادفاً، ولذا فإن هناك فراغات بين المداخل هي تعبير عن قدر من عدم التجانس والانقطاع وعدم الترابط الذي لا يؤدي بالضرورة إلى نفي فكرة الحقيقة. وعلى القارئ أن يتخيل وجود عبارة "والله أعلم" مع نهاية كل مدخل (وتظهر بالفعل في نهاية المدخل الأخير من كل مجلد) تعبيراً عن هذا البحث عن الحقيقة الذي يعرف من يخوضه مسبقاً أن الوصول إلى الحقيقة المطلقة والكاملة مستحيل، ففوق كل ذي علم عليم. وقد يحاول القارئ أن يقوم بعملية الربط، وقد يكتشف أن الظاهرة موضع الدراسة تتَّسم بالاستمرار والانقطاع، وأن الأجزاء لا تلتحم عضوياً مع الكل، وأن القصة الكبرى لا تبتلع القصص الصغرى. وقد رُتبت المداخل حسب منطق محدد، وكان الترتيب في معظم الأحيان هرمياً، بحيث نبدأ بالأكثر عمومية وأهمية ونتدرج منه لنصل إلى الخاص وربما الهامشي. والمداخل التفصيلية المختلفة (الشخصيات ـ الجمعيات) ليست شاملة وإنما مُمثِّلة وحسب لما نتصور أنه حالات مختلفة لنفس النموذج، حالات لها دلالة من ناحية المنهج أو من ناحية الممارسة التاريخية المتعيِّنة.
стр. 59
وقد حاولت الموسوعة أن تجمع بين التعاقب الذي يكشف البُعد التاريخي للظاهرة (المتغيِّر عبر الزمان) والتزامن الذي يكشف البُعد البنيوي (المستقر نسبياً عبر الزمان) . ففي المجلدات الثلاثة الخاصة بالجماعات اليهودية (من المجلد الثاني إلى المجلد الرابع) ، تناول المجلدان الثاني والثالث موضوعاتهما من منظور التزامن (إشكاليات عامة ـ إشكاليات التحديث والثقافات) وكان البُعد التاريخي ثانوياً بالنسبة للبُعد الإشكالي والبنيوي. أما في المجلد الرابع، فالعكس هو الصحيح إذ تناولنا تواريخ الجماعات اليهودية وأصبح البُعد البنيوي ثانوياً. وطبقنا المبدأ نفسه داخل المجلدات الخاصة باليهودية والصهيونية وإسرائيل. وبنية المداخل نفسها تتضمن التعاقب والتزامن، فمعظم المداخل الرئيسية تبدأ بمحاولة تفكيكية حيث يرفض كل مدخل التعريف القائم إن كانت مقدرته التفسيرية ضعيفة، ثم يطرح مصطلحاً جديداً من خلال عملية تركيب جديدة تركز على السمات البنيوية الأساسية التي تجاهلها أو هَمَّشها النموذج القديم، ثم يتم عرض لتاريخ الظاهرة. وفي آخر المدخل، نطرح بعض الإشكاليات. ومع هذا، يتنوع شكل المداخل فلم يتم تنميطها تماماً حتى يمكن أن تتناول هذه المداخل المنحنيات الخاصة للظواهر المختلفة. ورغم أن هذا التناول للظواهر موضع الدراسة تناول نماذجي، إلا أننا حاولنا قدر استطاعتنا أن نزود القارئ بالمعلومات التي نبرهن بها على المقدرة التفسيرية لنموذجنا وبما نراه ضرورياً حتى ولو كان الأمر لا يخدم إطارنا التفسيري. ويُلاحَظ أن كل مدخل هو وحدة مستقلة، قائمة بذاتها، ولكنها تنتمي إلى كل. وبسبب هذا، فإن هناك بعض التكرار إذ أن استقلالية المدخل كانت تتطلب ذكر بعض العناصر التي وردت في مداخل أخرى.
المصطلح
стр. 60
كلمة «مصطلح» ، وهي على زنة «مُفتَعَل» ، من الفعل «اصْطَلَح» ، أو قولهم «اصطلح القوم» أي «زال ما بينهم من خلاف» و «اصطلحوا على الأمر» أي «تعارفوا عليه واتفقوا» و «تصالحوا» بمعنى «اصطلحوا» . و «مصطلح» هو «الاصطلاح» . و «الاصطلاح» اسم منقول من مصدر الفعل «اصطلح» ومعناه اتفاق طائفة ما على شيء مخصوص، ولذا سُمِّي علم الاصطلاح «علم التواطؤ» . ولكل علم اصطلاحاته. و «الاصطلاح» في العلم هو اتفاق جماعة من الناس المتخصصين في مجال واحد على مدلول كلمة أو رقم أو إشارة أو مفهوم، وذلك يتم عادةً نتيجة تراكم معرفي وحضاري وممارسات فكرية لمدة من الزمن، ويتبع ذلك محاولة تقنين هذه المعرفة.
وتحديد المفاهيم والمصطلحات مسألة ضرورية لضبط وتنظيم العملية الفكرية وتأطير ممارسات الفكر الاجتماعي في سياق منهجي بعيداً عن الفوضى والشتات الذهني، من أجل صياغة منطق مشترك بين تفاعلات الأفراد.
ومشكلة المصطلح لها شقان:
أ) محاولة توليد مصطلحات جديدة نتيجة تعريف المفاهيم ووصف الظواهر الأساسية ثم تسميتها.
ب) ترجمة المصطلح، فالترجمة شكل من أشكال التفسير، ومترجم المصطلح يجد نفسه، شاء أم أبى، متوجهاً للقضايا الفلسفية والمعرفية الكامنة وراء المصطلح.
والقضيتان رغم انفصالهما متداخلتان وتثيران الإشكاليات نفسها.
стр. 61
ولكن، إذا كان المصطلح أو الاصطلاح تصالحاً، فما العمل إن كان من يسك المصطلح لم يتصالح معنا؟ أو كان يسك المصطلح لتغييبنا نتيجة لخصومته معنا ولأن وجودنا يعني غيابه؟ أو يسك مصطلحاً يخبئ مفاهيم وقيماً تتنافى مع مفاهيمنا وقيمنا، ويتبنى نموذجاً تحليلياً معرفياً متحيزاً ضدنا؟ وهذه هي الإشكالية التي تواجهنا بخصوص المصطلحات المستخدمة في وصف الظواهر اليهودية والصهيونية. فقد تم سكها في العالم الغربي بعناية بالغة، وهي مصطلحات تنبع من تجارب تاريخية ونماذج تحليلية ورؤى معرفية ووجهات نظر غربية وصهيونية، متمركزة حول الذات الغربية واليهودية، وتحتوي على تحيزات إنجيلية وإمبريالية وعرْقية لا نشارك فيها بل نرفضها، وهي تحيزات جعلت الدارسين الغربيين والصهاينة يضخِّمون كثيراً من جوانب بعض الظواهر ويهملون الجوانب الأخرى، وجعلتهم يفترضون وجود وحدة حيث لا وحدة، ولا يدركون في الوقت نفسه العلاقة بين ظواهر نرى نحن أنها وثيقة الصلة. وهي مصطلحات تعبر عن خلل واضح (من وجهة نظرنا) في المستوى التعميمي والتخصيصي، فيتحدثون بصيغة العام عن ظواهر خاصة وفريدة، وبصيغة الخاص عن ظواهر عامة، ويُهمِّشون ما هو مركزي وأساسي ويضفون صفة المركزية على ما هو هامشي من وجهة نظرنا. ويمكن أن ندرج بعض سمات المصطلحات الغربية/الصهيونية فيما يلي: ـ
١ ـ تنبع المصطلحات الغربية من المركزية الغربية، فالإنسان الغربي يتحدث، على سبيل المثال، عن «عصر الاكتشافات» وهي عبارة تعني أن العالم كله كان في حالة غياب ينتظر الإنسان الأبيض لاكتشافه. والصهاينة يشيرون أيضاً إلى أنفسهم على أنهم «رواد» ، والرائد هو الشخص الذي يرتاد مناطق مجهولة فيستكتشفها بنفسه ويفتحها لينشر الحضارة والاستنارة فيها بين شعوبها البدائية.
стр. 62
وحروب العالم الغربي تُسمَّى «الحروب العالمية» ونظامه الاستعماري يُسمَّى «النظام العالمي الجديد» . ويتبع الصهاينة نفس النمط، فقد كان هرتزل يحاول تأسيس دولة يضمنها «القانون الدولي العام» وكان يعني في واقع الأمر «القانون الغربي» أو بمعنى أصح «القوى الإمبريالية الغربية» . والمنظمة الصهيونية تُوجَد أساساً في العالم الغربي حيث تتركز الغالبية الساحقة ليهود العالم إذ لا يوجد يهود في الصين أو الهند أو اليابان أو في معظم بلاد آسيا (باستثناء بضعة أفراد في الصين وبضع عشرات في اليابان وبضع مئات في الهند) . ولا يوجد يهود في أفريقيا إلا في جنوب أفريقيا (في الجيب الاستيطاني الغربي) وبضعة آلاف في المغرب. ورغم هذه الحقيقة، إلا أن المنظمة الصهيونية تشير إلى نفسها باعتبارها «المنظمة الصهيونية العالمية» لا «المنظمة الصهيونية الغربية» . وحينما صدر وعد بلفور، وردت فيه إشارة إلى «الجماعات غير اليهودية» ، أي سكان فلسطين من العرب البالغ عددهم آنذاك ما يزيد عن ٩٥% من عدد السكان، أي أن الغالبية الساحقة من سكان فلسطين تم تهميشها لصالح المستوطنين الصهاينة. ولا يمكن فهم عملية التهميش هذه إلا في إطار أن الصهاينة هنا هم ممثلو الحضارة الغربية التي تظن أنها تحتل مركز الكون والتاريخ، ولذا فإن حقوقهم في فلسطين حقوق مركزية مطلقة. أما حقوق غيرهم من البشر ممن أقاموا في هذه الأرض وزرعوها وحصدوا ثمارها وبنوا منازلهم فيها عبر آلاف السنين، فهي هامشية، وهم مجرد جماعات غير يهودية.
стр. 63
ومن أهم المصطلحات التي أحرزت شيوعاً في لغات العالم مصطلح «معاداة السامية» ، وهو مصطلح يعكس التحيزات العرْقية والمركزية الغربية التي ترجمت نفسها إلى نظام تصنيفي (آري/سامي) ، والسامي بالنسبة للغرب هو اليهودي، وهو ما لا يمكن أن يقبله أي دارس للتشكيل الحضاري السامي. ومع هذا، شاع المصطلح وسبب الخلل. وقد أصبح المجال الدلالي لمصطلح «معاداة السامية» يشير إلى أي شيء ابتداءً من محاولة إبادة اليهود، وانتهاءً بالوقوف ضد إسرائيل بسبب سياساتها القمعية ضد العرب، مروراً بإنكار الإبادة.
٢ ـ يَصدُر الغرب عن رؤية إنجيلية لأعضاء الجماعات اليهودية. وحتى بعد أن تمت علمنة رؤية العالم الغربي لليهود، ظلت بنية كثير من المصطلحات ذات طابع إنجيلي، فاليهود هم «شعب مقدَّس» أو «شعب شاهد» أو «شعب مدنَّس» أو «شعب ملعون» . وبغض النظر عن الصفات التي تلتصق باليهود، فإن صفة الاستقلال والوحدة هي الصفة الأساسية، فسواء كان اليهود شعباً مقدَّساً أم مدنَّساً فهم شعب واحد. وقد ترجم هذا المفهوم نفسه إلى فكرة «الشعب اليهودي» ، تماماً كما أصبح «التاريخ المقدَّس» الذي ورد في التوراة هو «التاريخ اليهودي» . وتُشكِّل مفاهيم الوحدة والاستقلال هذه الإطار النظري لكل من الصهيونية ومعاداة اليهود.
ومشكلة هذه المصطلحات أنها تفترض وجود وحدة تاريخية بل عضوية بين يهود الصين في القرن الرابع عشر ويهود الولايات المتحدة في القرن العشرين. وهي تؤكد وجود استمرارية حيث هناك انقطاع. والعكس أيضاً صحيح، فهي تفترض وجود انقطاع كامل بين اليهود والأغيار حيث يوجد في واقع الأمر استمرار. ونجم عن ذلك فشل في رصد كثير من العناصر التي تفاعل معها أعضاء الجماعات اليهودية وتأثروا بها وأثروا فيها.
стр. 64
٣ ـ انطلق الصهاينة من المركزية الغربية هذه وعمَّقوها بإضافة المركزية الصهيونية، وجوهر هذه المركزية هو أن اليهود كيان مستقل لا يمكن دراسته إلا من الداخل في إطار مرجعية يهودية خالصة، أو شبه خالصة، وهو ما أدَّى إلى ظهور ما أسميه «جيتوية المصطلح» . فكثير من الدراسات التي كُتبت عن الموضوع اليهودي والصهيوني تستخدم مصطلحات من التراث الديني اليهودي (بعضها بالعبرية أو الآرامية) أو من تراث إحدى الجماعات اليهودية (عادةً يهود اليديشية) أو من الأدبيات الصهيونية لوصف الظواهر اليهودية والصهيونية، وكأن هذه الظواهر من الاستقلالية والتفرد بحيث لا يمكن أن تصفها مفردات في أية لغة أخرى.
وتتضح جيتوية المصطلح الصهيوني الكاملة في أوجه عدة أهمها ظهور مصطلحات مثل «التاريخ اليهودي» و «العبقرية اليهودية» و «الجوهر اليهودي» وهي مصطلحات تفترض وجود تاريخ يهودي مستقل له حركياته المستقلة عن تاريخ البشر، ومن ثم لا يُفسَّر سلوك أعضاء الجماعات اليهودية في ضوء تاريخ المجتمع الذي يعيشون فيه وإنما في إطار حركيات تاريخ مقصور عليهم (ومما يجدر ذكره أن المعادين لليهود يتبنون جيتوية المصطلح هذه فيتحدثون عن «الجريمة اليهودية» وعن «المؤامرة اليهودية» ) .
وتتضح هذه الجيتوية بشكل متطرف في رفض المراجع الصهيونية ترجمة الكلمات العبرية وفي الإصرار على إبرازها بمنطوقها العبري. وعدم ترجمة المصطلح نابع من الإيمان "بتَفرُّد" التراث اليهودي و"تميُّز" الذات اليهودية وقدسيتها.. إلخ. ولذا تتحدث هذه المراجع عن «الليكود» و «المعراخ» و «أحدوت هاعفوداه» و «المتسفاه» . أما حرب أكتوبر فهي حرب «يوم كيبور» .
стр. 65
والمراجع العربية مع الأسف تتبع المصادر الصهيونية في معظم الأحيان، فنترجم عبارة Conservative Party إلى العربية فنقول «حزب المحافظين» (ولا نقول «كونسيرافتيف بارتي» مثلاً) بينما يظل «الليكود» أو «أحدوت هاعفوداه» على شكلهما العبري الغريب والشاذ، وأقول غريباً وشاذاً، لا لأن اللغة العبرية غريبة وشاذة، فهي لغة مثل أية لغة في العالم، لها قواعدها وقوانينها، ولكن الغرابة والشذوذ يكمنان في السياق العربي نفسه. فإذا كانت عبقرية اللغة العربية تتجه نحو الترجمة، إذن فلنترجم ولا نستثني من القاعدة إلا ما يُستثنى عادةً، مثل بعض الكلمات التي يتصور المترجمون عجز اللغة عن ترجمتها، مثل «الجمهورية الفيدرالية» ، أو الاختصارات مثل «اليونسكو» وصاروخ «سام» ، فهذه الاختصارات أصبحت مثل أسماء الأعلام (وإن كان يجرى أحياناً ترجمة الاختصارات فحلف «الناتو» أصبح حلف شمال الأطلنطي) . ولكننا لا نُطبِّق هذه القواعد على المصطلح الصهيوني، ونتركه عبرياً دون تغيير أو تعديل وكأنه قدس الأقداس الذي يجب ألا يطأه إلا كبير الكهنة وحده، أو كأنه الشيم هامفوراش الذي ينطق به كوهين جادول مرة واحدة كل عام. وبقاء المصطلح على شكله العبري يجعلنا مُستوعَبين نفسياً فيه وفي حالة انهزام كامل أمامه، فالتركيبة الصوتية التي تخلط بين الهاء والعين (هاعفوداه) ، والتركيبة الصوتية الأخرى «تسي» (الكيبوتس) لا تتواتران في اللغة العربية وبالتالي فهي تسبب جهداً لدى القارئ ولدى السامع العربيين على حدٍ سواء، هذا على عكس التركيبات الصوتية المألوفة للأذن العربية. كما أن معنى «أحدوت» أو معنى «هاعفوداه» يظل شيئاً غريباً على العقل، يضرب الإنسان أخماساً في أسداس ليصل إليه، ولا يملك المرء أمام هذا إلا أن يكرر الأصوات التي يسمعها دون أن يحيط بها إحاطة كاملة.
стр. 66
كما تظهر جيتوية المصطلح أيضاً في ترجمة أسماء الأعلام (وللأسماء دلالة خاصة في الدين اليهودي) ، فالمصطلح الصهيوني نابع من الإيمان بأن اليهودية هي انتماء قومي، ولذا يجب عبرنة كل الأسماء، فيصبح «موسى هس» هو «موشيه» بغض النظر عن انتمائه القومي الحقيقي ويصبح «سعيد» هو «سعديا» ، ويصبح «إسحق» هو «يتسحاق» كما لو كان الأمر المنطقي هو أن تُنْطَق هذه الأسماء بالعبرية، مع أن بعض حملة هذه الأسماء لا يعرفوا العبرية ولم يُنادَوا بهذه الأسماء مرة واحدة طيلة حياتهم.
ويظهر الانغلاق الجيتوي التام في اصطلاحات مثل «الهولوكوست» و «العالياه» وهي اصطلاحات وجدت طريقها أيضاً إلى اللغة العربية. والعالياه اصطلاح ديني يعني العلو والصعود إلى أرض الميعاد ولا علاقة له بأية ظاهرة اجتماعية، ومع هذا يستخدم الصهاينة الكلمة للإشارة للهجرة الاستيطانية، أي أن الظاهرة التي لها سبب ونتيجة أصبحت شيئاً فريداً، وظاهرة ذاتية لا تخضع للتقنين والمناقشة. و «الهولوكوست» هو تقديم قربان للرب في الهيكل يُحرَق كله ولا يبقى منه شيء للكهنة، ومع هذا يستخدم الصهاينة هذه الكلمة للإشارة إلى الإبادة النازية لليهود. والغرض من استخدام كل هذه المصطلحات الدينية العبرية هو إزالة الحدود والفوارق بين الظواهر المختلفة، بحيث تصبح «عالياه» هي «الهجرة الصهيونية الاستيطانية» ، وتصبح الهجرة الصهيونية هي العلو والصعود إلى أرض الميعاد، أما الهجرة منها فهي «يريداه» هبوط ونكوص وردة. ولعل مما له دلالته أن العبرية توجد فيها كلمة محايدة تصف الهجرة وحسب، ولكن الصهاينة استبعدوها، وهو ما يؤكد المضمون الأيديولوجي لهذا المصطلح.
стр. 67
ويُقسَّم علماء اليهود إلى «جاؤونيم» و «صابورائيم» و «تنائيم» وهكذا، وتشير لهم كثير من المراجع بهذه الكلمات. وهذا يعني أن القارئ الذي لا يعرف العبرية يقف مدهوشاً أمام هذه الأسماء والظواهر وكأنه أمام شيء عجائبي غير إنساني (فالشيء الفريد الذي يتأيقن يضع نفسه خارج حدود ما هو إنساني) . وقد اختار الصهاينة عدة مصطلحات دينية مختلفة ليطلقوها على كيانهم الاستيطاني فسموه «كنيست يسرائيل» ثم «يشوف» ثم سُمِّي أخيراً «إسرائيل» وكلها مصطلحات تحمل دلالات دينية لا علاقة لها بأية ظواهر سياسية أو اجتماعية. ولكن الغرض من استخدام المصطلح الديني للإشارة لظاهرة سياسية هو الخلط بين الحدود، ونقع نحن في المأزق ونجد أنفسنا نناقش ما إذا كانت حدود إرتس يسرائيل كما وردت في العهد القديم مطابقة لحدود إسرائيل كما فرضت نفسها على الوطن الفلسطيني، وننسى أن ما حدد هذه الحدود هو العنف الذاتي الصهيوني والدعم الغربي من الخارج.
وتصل الجيتوية إلى قمتها في رفض المراجع الصهيونية وبعض المراجع الغربية استخدام كلمة «فلسطين» للإشارة إلى هذه الرقعة الغالية من الأرض العربية، حتى قبل عام ١٩٤٨. ولذا نجد مرجعاً صهيونياً "علمياً" يتحدث عن المسرح العربي في فلسطين في الثلاثينيات فيشير إلى المسرح العربي في "إرتس يسرائيل"، ولا يملك الإنسان إزاء هذا إلا أن يضحك في مرارة من سخف وتفاهة الجيتوية وتحيزاتها.
стр. 68
٤ ـ وهناك بُعد آخر في المصطلح الصهيوني يقف على طرف النقيض من «الجيتوية» وهو ما نسميه «التطبيع» . وهو محاولة إسباغ صفة العمومية والطبيعية على الظواهر الصهيونية رغم ما تتسم به، في بعض جوانبها من تفرد، بسبب طبيعتها الاستيطانية الإحلالية. فالحركة الصهيونية في إحدى ديباجاتها تحاول تقديم الحركة الصهيونية، ومن بعدها الكيان الصهيوني، باعتبارهما ظواهر سياسية عادية وكأن الكيان السياسي الإسرائيلي لا يختلف في أساسياته عن أي كيان سياسي آخر، فيتم الحديث عن "نظام الحزبين في الديموقراطية الإسرائيلية"، وعن الصهيونية باعتبارها "القومية اليهودية" بل "حركة التحرر الوطني للشعب اليهودي"، وكأن الأقليات اليهودية في العالم إن هي إلا شعب صغير مثل شعوب العالم الثالث وأن الصهيونية ليست شكلاً من أشكال الاستعمار الاستيطاني الإحلالي وإنما حركة تطرد المغتصبين وتستعيد لهم أرض الأجداد المُستعمَرة. وقد سُمِّيت بعض جوانب التجربة الاستيطانية الصهيونية بـ "الحركة التعاونية" و"الصهيونية الاشتراكية" ولهذا نجحت الصهيونية في تطبيع ذاتها على مستوى المصطلح واكتسبت مضموناً عاماً وعادياً وطبيعياً غير مضمونها الحقيقي.
стр. 69
ورغم رفضنا لتفرُّد الظواهر اليهودية والصهيونية ورفض جيتوية المصطلح وإيماننا بأن الظاهرة التي يشير إليها دال ما تخضع في كثير من جوانبها للقوانين العامة التي تحكم هذه الظاهرة، إلا أن كل ظاهرة تظل لها خصوصيتها (المنحنى الخاص للظاهرة) وما يميزها عن غيرها من الظواهر، وعملية التطبيع تتجاهل هذا كله. فكلمة «ديموقراطية» حينما تُطبَّق على إسرائيل فهي تُطبَّق على كيان سياسي يستند إلى عملية سرقة تاريخية لا تزال آثارها واضحة، ولذا يجب على هذا الكيان "الديموقراطي" قمع أصحاب الأرض بشكل مستمر حتى يضمن بقاءه، كما أن هذا الكيان يستند إلى عملية تمويل ودعم مستمرة من الغرب تضمن أمنه وانتماءه للغرب وعمالته له، وهو ما يعني أن هذه الديموقراطية في واقع الأمر ليست لها إرادة أو سيادة مستقلة.
ومصطلح مثل «التفسير» في العقائد الدينية (التوحيدية) يعني بذل جهد من جانب المؤمن لتفسير الكتاب المقدس الذي يؤمن به، ومع هذا يظل التفسير تفسيراً (إنسانياً) ويظل الكتاب المقدَّس هو كلام الإله. أما كلمة «تفسير» في اليهودية فهي تدور في إطار «الشريعة الشفوية» التي تضعها اليهودية الحاخامية في منزلة تفوق منزلة الكتاب المقدَّس. ونفس الشيء ينطبق على مفردات مثل «الإله» و «النبي» فهي تكتسب مضموناً جديداً يختلف عن مضمونها في العقائد الأخرى. ولعل ما حدث للدال «يهودي» مَثَل مثير على ما نقول، فمن المفروض أن يكون أبسط الدوال ولكنه أصبح من أكثر المدلولات خلافية، حتى نصل إلى المصطلح المختلط تماماً، الدال الذي لا مدلول له «اليهودي الملحد» (و «اليهودية الإلحادية» ) وهو مصطلح ليس له نظير في أيٍّ من العقائد التي نعرفها. وعملية التطبيع المصطلحية تُسقط كل هذا وتُسطِّحه.
стр. 70
وفي محاولة منا لتجاوز هذه الصعوبات وللوصول إلى مصطلحات أكثر تركيباً وتفسيرية وشمولاً ودقة نحتنا مصطلحات تَنبُع من نموذج تحليلي جديد مركب لا يتبنى المرجعية الغربية أو الصهيونية ويستند إلى إدراك عربي إسلامي للظواهر وإلى مرجعية عربية إسلامية. وكان ديدننا في ذلك هو محاولة تشجيع العقل العربي على أن يتجاوز التلقي وينطلق إلى الإبداع من خلال تجربته الحضارية المتعيِّنة ومعجمه الحضاري الخاص كما فعل الفلاحون الفلسطينيون في نهاية القرن الماضي حينما قابلوا المستوطنين الصهاينة فلم يسموهم «الرواد» أو «الحالوتسيم» كما نفعل نحن الموضوعيين المتجردين من الذات وإنما سموهم «المسكوب» أي "أولئك الذين جاءوا من موسكو"، أي "الغرباء الغربيين" الذين جاءوا لاغتصاب الأرض، شأنهم في هذا شأن كل النفايات البشرية التي كانت تسبق جيوش الاحتلال الغربي وتمشي في ذيلها. فالفلاحون هنا نظروا بعيونهم العربية وشعروا بما شعروا به ثم سموا الأشياء بأسمائها خارج نطاق الديباجات والاعتذاريات والادعاءات عن الذات وعن الآخر. كما أننا نتصور أن المصطلحات التي تستند إلى تجربتنا التاريخية الحية ستتضمن جوانب من الواقع آثر الغربيون والصهاينة تجاهلها، عن وعي أو غير وعي، ولذا ستكون مصطلحاتنا أكثر تفسيرية. وكون مصطلحاتنا تعبِّر عن ذاتيتنا العربية الإسلامية لا يعني بالضرورة أنها محصورة في هذه الذاتية لا تتجاوزها. ومن هنا إصرارنا على مقدرة هذه المصطلحات التفسيرية، رغم أنها تنطلق من ذاتيتنا. وقد عبَّر كل هذا عن نفسه من خلال المصطلحات التي استُخدمت في هذه الموسوعة في أشكال عديدة:
стр. 71
١ ـ يَصدُر النموذج المركب الذي نستخدمه عن الإيمان باستقلال الإنسان عن الطبيعة، وهو ما يعني ضرورة فصل مصطلحات العلوم الإنسانية عن العلوم الطبيعية والتزام الحذر تجاه المصطلحات التي تُستعار من عالم الطبيعة، وخصوصاً الصور المجازية العضوية التي تفترض مركزية الطبيعة/المادة. ويظهر هذا في استخدامنا لمصطلح «الإنسان الطبيعي» في مقابل مصطلح «الإنسان الرباني» (أو «الإنسان الإنسان» ) . وحينما استخدمنا مصطلح «عضوي» ، كما في «القومية العضوية» أو «الشعب العضوي» ، بيَّنا دلالة ذلك، كما بيَّنا دلالة الصور المجازية العضوية على وجه العموم. وقد استخدمنا مصطلحي «أكثر تفسيرية وأقل تفسيرية» بدلاً من «موضوعي وذاتي لنفس السبب وهو ما نوضحه بإسهاب في المدخل المخصص للموضوع.
٢ ـ يَصدُر النموذج المركَّب عن الإيمان بوجود ثنائية أساسية في الكون (الإنسان والطبيعة) تتبدَّى في حالة اللغة من خلال ثنائية الدال والمدلول، أي ثنائية المصطلح والمفهوم الكامن وراءه والاستقلال النسبي للواحد عن الآخر. وهذا يجعل من الممكن مراجعة المصطلحات عن طريق تفكيكها والوصول إلى مرجعيتها الكامنة (كمونية أم متجاوزة ـ واحدية أم ثنائية؟) . وقد قمنا بمناقشة معظم المصطلحات المتداولة في حقل الدراسات اليهودية والصهيونية وبيَّنا عدم كفاية الكثير منها وتحيزها ثم طرحنا مصطلحاتنا الجديدة.
стр. 72
ومن المصطلحات المستخدَمة في هذه الموسوعة كلمة «ديباجة» ، وهي كلمة يمكنها في تصوُّرنا التعبير عن المسافة التي تفصل الدال عن المدلول. فالديباجة " تُضاف " إلى النص فيمكن أن توضحه، ويمكن أن تُخفي معانيه، ويمكن أن تبرره عن حق أو عن باطل. وقد استخدمنا هذا المصطلح لنشير إلى الصهيونيات كافة، فنقول «الصهيونية ذات الديباجة المسيحية» بمعنى أنها صهيونية تدَّعي أن لها أسساً مسيحية وهي في واقع الأمر ليست كذلك، كما نقول «الصهيونية ذات الديباجة الديموقراطية» فهي صهيونية تدَّعي الديموقراطية، ولكنها تظل صهيونية تلتزم بالصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة.
٣ ـ تفرز النماذج الاختزالية تفسيرات شاملة نهائية مغلقة، ومن ثم فالمصطلحات النابعة من هذه النماذج تتسم بالانغلاق والطموح إلى الشمول الكامل واليقين التام. أما النماذج التحليلية المركبة فهي تؤدي إلى ظهور مصطلحات منفتحة ذات مقدرة تفسيرية معقولة ولا تتسم بالتماسك العضوي الصلب، ولذا فهي قادرة على رصد الأجزاء في علاقتها بالكل، دون أن يذوب الجزء في الكل، وترصد العام والخاص دون أن تتجاهل أياً منهما. وهي مصطلحات منفتحة قابلة للتعديل ولا تطمح للوصول إلي مستوى من الدقة واليقينية يقترب من المستوى الذي يتوهم البعض أن بإمكانه الوصول إليه في العلوم الطبيعية. والبناء المصطلحي ككل لا يتسم بالدقة والالتزام بالمعايير المجردة الثابتة وإنما بالتركيب. والتركيب لا يعني عدم الدقة وإنما يعني محاولة زيادة المقدرة التفسيرية عن طريق محاولة الإحاطة بأكبر عدد ممكن من المكونات المادية الواضحة للظاهرة مع إدراك وجود جوانب مجهولة لا يعرف عنها الإنسان الكثير وبعضها لا يمكن رده لقوانين المادة، ومع هذا يمكن الإشارة إليها والتعبير عنها بطرق مختلفة.
стр. 73
وفي إطار النموذج المركب يتم تحديد المستوى التعميمي والتخصيصي للمصطلح ليتناسب مع الظاهرة بدلاً من محاولة الوصول إلى أعلى مستويات التعميم دائماً، فمثل هذه محاولة تنتهي بنا دائماً في عالم الجبر والهندسة والرياضة والأشياء، وهو عالم يقتل الإنسان ولا يعرف الضحك أو البكاء. ولعل مصطلح «جماعات يهودية» المركب مقابل مصطلح «اليهود» البسيط (الذي يتأرجح بشدة بين العمومية والتفرُّد) هو مَثَل على هذا، فهو مصطلح يحاول أن يشير، في ذات الوقت، إلى قدر من الوحدة وإلى قدر أكبر من عدم التجانس ويتعامل مع الخاص ( «جماعات» ) والعام ( «يهودية» ) ، ولذا فهو مصطلح دقيق لا بسبب بساطته وإنما بسبب تركيبيته. ونفس الشيء ينطبق على مصطلح «تواريخ أعضاء الجماعات اليهودية» . ونحن نتحدث كذلك عن «المسألة اليهودية» بشكل عام، ثم نخصص فنقول «المسألة اليهودية في شرق أوربا» ثم نزيد في التخصيص فنقول «المسألة اليهودية في روسيا» ، وبذلك نربط بين العام ( «المسألة اليهودية» ) والخاص ( «في شرق أوربا» ) والخاص الذي يقترب من التفرُّد ( «في روسيا» ) ، نربط بينها دون أن نُغلِّب مستوى على الآخر، فالمستوى التحليلي هو الذي يحدد المصطلح المناسب لدرجة التعميم أو التخصيص.
стр. 74
ونحن نشير على سبيل المثال إلى «حركة الاستنارة الغربية» و «حركة التنوير اليهودية» لنميز بين الأصل والفرع والكل والجزء والفاعل والمفعول به، فحركة الاستنارة حركة غربية قامت بتنوير أعضاء الجماعات اليهودية، ولذا فحركة الاستنارة حين تنتقل إلى صفوفهم تُصبح «حركة تنوير» . والنمط نفسه يُوجَد في مصطلح «آداب مكتوبة بالعبرية» بدلاً من مصطلح «أدب عبري» . ففي أواخر القرن التاسع عشر كان يُوجَد أدباء يكتبون بالعبرية، ولكن العبرية نفسها كانت لغة فجة جامدة، ليس لها تراث أدبي ثري، ولذا كانت المرجعية الأدبية والعاطفية والحياتية للأدباء هي التراث الأدبي للبلاد التي يعيشون فيها، ومن ثم فأدبهم هو «أدب مكتوب بالعبرية» ، ومن ثم فهناك «آداب مكتوبة بالعبرية» . أما الأدب العبري نفسه فنحن نرى أن المصطلح يمكن استخدامه ابتداءً من الستينيات بعد أن استقرت التقاليد الأدبية العبرية في إسرائيل وأصبحت من الثراء بما يكفي لإلهام الأدباء الإسرائيليين وغيرهم ممن يكتبون بالعبرية.
ويُلاحَظ أن مدلولات المصطلحات قد تتغير من مرحلة تاريخية لأخرى ومن منطقة جغرافية لأخرى، ومع هذا يظل هناك دالٌّ واحد. وهذا ما لاحظناه في مصطلح «الماسونية» إذ اكتشفنا وجود ماسونيات عديدة يُشار لها كلها باعتبارها «الماسونية» . ولذا قسمناها إلى «ماسونية ربوبية» و «ماسونية إلحادية» و «ماسونية العالم الثالث» ... إلخ.
٤ ـ وفي محاولة زيادة تركيب الهيكل المصطلحي قمنا بإدخال مصطلحات جديدة تعبِّر عن مفاهيم تحليلية جديدة مثل «حوسلة» (كلمة منحوتة من صياغتنا بمعنى «يُحوِّل إلى وسيلة» ) ـ «العربي الغائب» و «اليهودي الخالص» (مفاهيم تحليلية كامنة في الخطاب الصهيوني ولم يفصح عنها لأنها تفضحه وتسبب له الحرج) ـ «الجماعة الوظيفية» (مفهوم تحليلي جديد) ـ «الإقطاع الاستيطاني» (مفهوم تحليلي جديد يستند إلى مفاهيم قديمة) .
стр. 75
وقد حاولنا تفتيت بعض المصطلحات الصهيونية التي تشير إلى أكثر من ظاهرة، فاصطلاح «إسرائيل» فتتناه إلى «إسرائيل» (الدولة الصهيونية) ، و «يسرائيل» (العبرانيون بالمعنى الديني) ، و «يسرائيل (إفرايم) » (مملكة يسرائيل العبرانية) ، وحاولنا توضيح الحدود بين مصطلحات متداخلة مثل «عبراني» و «يهودي» و «إسرائيلي» و «يسرائيلي» و «صهيوني» ، واصطلاح «الصهيونيتان» هو محاولة لتفتيت مصطلح يشير إلى ظاهرتي «الصهيونية الاستيطانية» و «الصهيونية التوطينية» كما لو كانتا ظاهرة واحدة، ومن خلال التفتيت بيَّنا حدود وتاريخ تطور كل منهما (والشيء نفسه ينطبق على مفهوم «العلمانيتان» ) . ونحن نشير إلى «المسيح المخلِّص اليهودي» باعتباره «الماشيَّح» حتى نحتفظ بمسافة بين التراث الديني اليهودي والتراث الديني المسيحي.
٥ ـ طورنا طريقة جديدة في التعريف نطلق عليها «التعريف من خلال دراسة الحقل الدلالي لمجموعة من المصطلحات المتداخلة المتشابكة» وتوصلنا إلى تعريف للنموذج والعلمانية والحلولية الكمونية من خلال هذه الطريقة. وهي طريقة تتسم بالتركيب، نقوم فيها باستعراض كل التعريفات المتاحة بدلاً من الإتيان بتعريف جديد ثم نحاول اكتشاف الرقعة المشتركة (النموذج الكامن) فيما بينها ونجردها، ويصبح هذا هو التعريف الجديد. كما أن تَعدُّد المصطلحات وتَنوُّعها يفرض علينا ألا نكتفي بدراسة التعريفات المعجمية الهزيلة بل نخرج من نطاق الكلمات والتعريفات لنتواصل مع الظواهر الاجتماعية والتاريخية نفسها ومن ثم يتسع نطاق عملية التعريف. وإذا كان التعريف هو النموذج النظري، فتوسيع نطاق عملية التعريف يعني دراسة الطريقة التي تمت من خلالها ترجمة هذا النموذج في الواقع، والمشاكل الناجمة عن هذا التطبيق، وهو الأمر الذي تتجاهله طريقة التعريف السائدة.
следующие страницы →