Полный текст (8 511 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
١ ـ يَصدُر النموذج المركب الذي نستخدمه عن الإيمان باستقلال الإنسان عن الطبيعة، وهو ما يعني ضرورة فصل مصطلحات العلوم الإنسانية عن العلوم الطبيعية والتزام الحذر تجاه المصطلحات التي تُستعار من عالم الطبيعة، وخصوصاً الصور المجازية العضوية التي تفترض مركزية الطبيعة/المادة. ويظهر هذا في استخدامنا لمصطلح «الإنسان الطبيعي» في مقابل مصطلح «الإنسان الرباني» (أو «الإنسان الإنسان» ) . وحينما استخدمنا مصطلح «عضوي» ، كما في «القومية العضوية» أو «الشعب العضوي» ، بيَّنا دلالة ذلك، كما بيَّنا دلالة الصور المجازية العضوية على وجه العموم. وقد استخدمنا مصطلحي «أكثر تفسيرية وأقل تفسيرية» بدلاً من «موضوعي وذاتي لنفس السبب وهو ما نوضحه بإسهاب في المدخل المخصص للموضوع.
٢ ـ يَصدُر النموذج المركَّب عن الإيمان بوجود ثنائية أساسية في الكون (الإنسان والطبيعة) تتبدَّى في حالة اللغة من خلال ثنائية الدال والمدلول، أي ثنائية المصطلح والمفهوم الكامن وراءه والاستقلال النسبي للواحد عن الآخر. وهذا يجعل من الممكن مراجعة المصطلحات عن طريق تفكيكها والوصول إلى مرجعيتها الكامنة (كمونية أم متجاوزة ـ واحدية أم ثنائية؟) . وقد قمنا بمناقشة معظم المصطلحات المتداولة في حقل الدراسات اليهودية والصهيونية وبيَّنا عدم كفاية الكثير منها وتحيزها ثم طرحنا مصطلحاتنا الجديدة.
стр. 72
ومن المصطلحات المستخدَمة في هذه الموسوعة كلمة «ديباجة» ، وهي كلمة يمكنها في تصوُّرنا التعبير عن المسافة التي تفصل الدال عن المدلول. فالديباجة " تُضاف " إلى النص فيمكن أن توضحه، ويمكن أن تُخفي معانيه، ويمكن أن تبرره عن حق أو عن باطل. وقد استخدمنا هذا المصطلح لنشير إلى الصهيونيات كافة، فنقول «الصهيونية ذات الديباجة المسيحية» بمعنى أنها صهيونية تدَّعي أن لها أسساً مسيحية وهي في واقع الأمر ليست كذلك، كما نقول «الصهيونية ذات الديباجة الديموقراطية» فهي صهيونية تدَّعي الديموقراطية، ولكنها تظل صهيونية تلتزم بالصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة.
٣ ـ تفرز النماذج الاختزالية تفسيرات شاملة نهائية مغلقة، ومن ثم فالمصطلحات النابعة من هذه النماذج تتسم بالانغلاق والطموح إلى الشمول الكامل واليقين التام. أما النماذج التحليلية المركبة فهي تؤدي إلى ظهور مصطلحات منفتحة ذات مقدرة تفسيرية معقولة ولا تتسم بالتماسك العضوي الصلب، ولذا فهي قادرة على رصد الأجزاء في علاقتها بالكل، دون أن يذوب الجزء في الكل، وترصد العام والخاص دون أن تتجاهل أياً منهما. وهي مصطلحات منفتحة قابلة للتعديل ولا تطمح للوصول إلي مستوى من الدقة واليقينية يقترب من المستوى الذي يتوهم البعض أن بإمكانه الوصول إليه في العلوم الطبيعية. والبناء المصطلحي ككل لا يتسم بالدقة والالتزام بالمعايير المجردة الثابتة وإنما بالتركيب. والتركيب لا يعني عدم الدقة وإنما يعني محاولة زيادة المقدرة التفسيرية عن طريق محاولة الإحاطة بأكبر عدد ممكن من المكونات المادية الواضحة للظاهرة مع إدراك وجود جوانب مجهولة لا يعرف عنها الإنسان الكثير وبعضها لا يمكن رده لقوانين المادة، ومع هذا يمكن الإشارة إليها والتعبير عنها بطرق مختلفة.
стр. 73
وفي إطار النموذج المركب يتم تحديد المستوى التعميمي والتخصيصي للمصطلح ليتناسب مع الظاهرة بدلاً من محاولة الوصول إلى أعلى مستويات التعميم دائماً، فمثل هذه محاولة تنتهي بنا دائماً في عالم الجبر والهندسة والرياضة والأشياء، وهو عالم يقتل الإنسان ولا يعرف الضحك أو البكاء. ولعل مصطلح «جماعات يهودية» المركب مقابل مصطلح «اليهود» البسيط (الذي يتأرجح بشدة بين العمومية والتفرُّد) هو مَثَل على هذا، فهو مصطلح يحاول أن يشير، في ذات الوقت، إلى قدر من الوحدة وإلى قدر أكبر من عدم التجانس ويتعامل مع الخاص ( «جماعات» ) والعام ( «يهودية» ) ، ولذا فهو مصطلح دقيق لا بسبب بساطته وإنما بسبب تركيبيته. ونفس الشيء ينطبق على مصطلح «تواريخ أعضاء الجماعات اليهودية» . ونحن نتحدث كذلك عن «المسألة اليهودية» بشكل عام، ثم نخصص فنقول «المسألة اليهودية في شرق أوربا» ثم نزيد في التخصيص فنقول «المسألة اليهودية في روسيا» ، وبذلك نربط بين العام ( «المسألة اليهودية» ) والخاص ( «في شرق أوربا» ) والخاص الذي يقترب من التفرُّد ( «في روسيا» ) ، نربط بينها دون أن نُغلِّب مستوى على الآخر، فالمستوى التحليلي هو الذي يحدد المصطلح المناسب لدرجة التعميم أو التخصيص.
стр. 74
ونحن نشير على سبيل المثال إلى «حركة الاستنارة الغربية» و «حركة التنوير اليهودية» لنميز بين الأصل والفرع والكل والجزء والفاعل والمفعول به، فحركة الاستنارة حركة غربية قامت بتنوير أعضاء الجماعات اليهودية، ولذا فحركة الاستنارة حين تنتقل إلى صفوفهم تُصبح «حركة تنوير» . والنمط نفسه يُوجَد في مصطلح «آداب مكتوبة بالعبرية» بدلاً من مصطلح «أدب عبري» . ففي أواخر القرن التاسع عشر كان يُوجَد أدباء يكتبون بالعبرية، ولكن العبرية نفسها كانت لغة فجة جامدة، ليس لها تراث أدبي ثري، ولذا كانت المرجعية الأدبية والعاطفية والحياتية للأدباء هي التراث الأدبي للبلاد التي يعيشون فيها، ومن ثم فأدبهم هو «أدب مكتوب بالعبرية» ، ومن ثم فهناك «آداب مكتوبة بالعبرية» . أما الأدب العبري نفسه فنحن نرى أن المصطلح يمكن استخدامه ابتداءً من الستينيات بعد أن استقرت التقاليد الأدبية العبرية في إسرائيل وأصبحت من الثراء بما يكفي لإلهام الأدباء الإسرائيليين وغيرهم ممن يكتبون بالعبرية.
ويُلاحَظ أن مدلولات المصطلحات قد تتغير من مرحلة تاريخية لأخرى ومن منطقة جغرافية لأخرى، ومع هذا يظل هناك دالٌّ واحد. وهذا ما لاحظناه في مصطلح «الماسونية» إذ اكتشفنا وجود ماسونيات عديدة يُشار لها كلها باعتبارها «الماسونية» . ولذا قسمناها إلى «ماسونية ربوبية» و «ماسونية إلحادية» و «ماسونية العالم الثالث» ... إلخ.
٤ ـ وفي محاولة زيادة تركيب الهيكل المصطلحي قمنا بإدخال مصطلحات جديدة تعبِّر عن مفاهيم تحليلية جديدة مثل «حوسلة» (كلمة منحوتة من صياغتنا بمعنى «يُحوِّل إلى وسيلة» ) ـ «العربي الغائب» و «اليهودي الخالص» (مفاهيم تحليلية كامنة في الخطاب الصهيوني ولم يفصح عنها لأنها تفضحه وتسبب له الحرج) ـ «الجماعة الوظيفية» (مفهوم تحليلي جديد) ـ «الإقطاع الاستيطاني» (مفهوم تحليلي جديد يستند إلى مفاهيم قديمة) .
стр. 75
وقد حاولنا تفتيت بعض المصطلحات الصهيونية التي تشير إلى أكثر من ظاهرة، فاصطلاح «إسرائيل» فتتناه إلى «إسرائيل» (الدولة الصهيونية) ، و «يسرائيل» (العبرانيون بالمعنى الديني) ، و «يسرائيل (إفرايم) » (مملكة يسرائيل العبرانية) ، وحاولنا توضيح الحدود بين مصطلحات متداخلة مثل «عبراني» و «يهودي» و «إسرائيلي» و «يسرائيلي» و «صهيوني» ، واصطلاح «الصهيونيتان» هو محاولة لتفتيت مصطلح يشير إلى ظاهرتي «الصهيونية الاستيطانية» و «الصهيونية التوطينية» كما لو كانتا ظاهرة واحدة، ومن خلال التفتيت بيَّنا حدود وتاريخ تطور كل منهما (والشيء نفسه ينطبق على مفهوم «العلمانيتان» ) . ونحن نشير إلى «المسيح المخلِّص اليهودي» باعتباره «الماشيَّح» حتى نحتفظ بمسافة بين التراث الديني اليهودي والتراث الديني المسيحي.
٥ ـ طورنا طريقة جديدة في التعريف نطلق عليها «التعريف من خلال دراسة الحقل الدلالي لمجموعة من المصطلحات المتداخلة المتشابكة» وتوصلنا إلى تعريف للنموذج والعلمانية والحلولية الكمونية من خلال هذه الطريقة. وهي طريقة تتسم بالتركيب، نقوم فيها باستعراض كل التعريفات المتاحة بدلاً من الإتيان بتعريف جديد ثم نحاول اكتشاف الرقعة المشتركة (النموذج الكامن) فيما بينها ونجردها، ويصبح هذا هو التعريف الجديد. كما أن تَعدُّد المصطلحات وتَنوُّعها يفرض علينا ألا نكتفي بدراسة التعريفات المعجمية الهزيلة بل نخرج من نطاق الكلمات والتعريفات لنتواصل مع الظواهر الاجتماعية والتاريخية نفسها ومن ثم يتسع نطاق عملية التعريف. وإذا كان التعريف هو النموذج النظري، فتوسيع نطاق عملية التعريف يعني دراسة الطريقة التي تمت من خلالها ترجمة هذا النموذج في الواقع، والمشاكل الناجمة عن هذا التطبيق، وهو الأمر الذي تتجاهله طريقة التعريف السائدة.
стр. 76
وفي تعريفنا للصهيوني قمنا برفض كل التعريفات القائمة، ومن خلال عملية تفكيك وتحليل وصلنا إلى ما نتصور أنه الثوابت البنيوية أو المسلمات الأساسية الكامنة، ثم قمنا بعملية إعادة تركيب تهدف إلى التركيز على هذه الثوابت والمسلمات ووصلنا إلى ما سميناه «الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة» .
٦ ـ نجد أن النماذج الاختزالية المغلقة تدفع بنا عن غير وعي إلى الثنائيات المتعارضة، إذ تنقسم كل الأشياء إلى سالب وموجب، قابل ورافض، ناجح وساقط، صقور وحمائم ... إلخ (كما تقول إحدى قوانين الديالكتيك) . ولعل الثنائيات المتعارضة في المصطلحات قد تسللت لنا من نماذج العلوم الطبيعية والرياضية، فنحن نميل للتحدث عن الطبيعة باعتبارها إما سالب أو موجب، وهو أمر مريح جداً، حتى إن كان غير دقيق، ولكن حينما يُنقَل هذا إلى عالم الإنسان، فإن النتيجة تكون سلبية إلى أقصى حد. ولعل هذا أحد العيوب الأساسية للخطاب السياسي العربي ولطريقته في التصنيف، وأعني سقوطه في الثنائيات المتعارضة التي استوردها من العلوم الطبيعية من خلال المراجع الأجنبية. ولكن الواقع الإنساني (بما يتضمن من ثغرات وتركيب واستمرار وانقطاع) أكثر تركيبية ورحابة وأقرب إلى قوس قزح، تتداخل فيه الألوان برغم استقلالها، لا توجد له بداية حادة ولا نهاية حادة ولا حتى وسط مطلق (رغم إمكان افتراض وجود هذه الأشياء من الناحية التحليلية) . ومع هذا، توجد نقطة تَركُّز للظاهرة يمكن أن يجتهد الإنسان في اكتشافها، ولذا فإن النموذج التركيبي يشجع على رصد الواقع من خلال متصل مستمر من المقولات المتداخلة ليست بالضرورة سالبة أو موجبة وإنما بين بين. والمقولات الوسطية عادةً ما تكون أكثر تركيباً ودلالة من المقولات المتطرفة. كما أن هذه المقولات الوسطية تُعبِّر عن نفسها من خلال مصطلحات جديدة استبعدها الصهاينة (والمعادون لليهود) تماماً، فهم يدورون في إطار ثنائيات صلبة متعارضة ساذجة. وتتضح
стр. 77
المقولة الوسط المُستبعَدة في مجموعة من المصطلحات الجديدة. فبين ثنائية «الرفض اليهودي للصهيونية» و «الإذعان اليهودي لها» يوجد «التملص اليهودي» منها، وبين «العداء لليهود» و «التحيز لهم» يوجد «التحامل عليهم» و «عدم الاكتراث بهم» ، وبين ثنائية «نجاح التحديث» و «فشله» يوجد «تعثر التحديث» .
٧ ـ في إطار النموذج المركب يمكن استخدام المجاز كوسيلة تعبيرية تحليلية مشروعة، فالمجاز هو اعتراف ضمني بتركيبية العالم واستحالة رده إلى عالم الطبيعة/المادة الأحادي. والمجاز ليس مجرد زخرفة وإنما هو أداة لغوية مركبة طورها الإنسان لتساعده على إدراك حالات إنسانية بعينها لا تستطيع اللغة النثرية العادية أن تحيط بها. واستخدام المجاز ليس أمراً جديداً أو غير مألوف، فنحن حين نتحدث عن «الإنسان الاقتصادي» أو «رجل أوربا المريض» نستخدم صوراً مجازية تتسم بقدر من التركيب من وجهة نظر صاحبها كما تتسم بمقدرتها التفسيرية للواقع. وقد استخدمنا المجاز أيضاً في صياغة المصطلحات، فبجوار «رجل أوربا المريض» وضعنا «رجل أوربا النهم» ، كما أن اصطلاح «التركيب الجيولوجي التراكمي» هو صورة مجازية تقف بين ثنائية العضوي والآلي، واصطلاح «العربي الغائب» هو اصطلاح يستند إلى قدر من المجاز.
стр. 78
٨ ـ حاولنا بقدر الإمكان الإتيان بمصطلحات تتسم بقدر من الحياد وتتجاوز التحيزات الغربية والصهيونية. فبدلاً من كلمة «يهود» أو «الشعب اليهودي» استخدمنا مصطلح «جماعات يهودية» ، وأسقطنا مصطلحات متحيزة مثل «العبقرية اليهودية» و «المؤامرة اليهودية» و «عداء الأغيار الأزلي لليهود» وهي مصطلحات تمتلئ بها كتب الصهاينة وأعداء اليهود، فكنا نتحدث عن «العباقرة من أعضاء الجماعات اليهودية» أو «المجرمين من أعضاء الجماعات اليهودية» . وبالطبع واجهنا قضية محاولة نقل وجهة نظر العدو للقارئ. وفي هذه الحالة كان علينا أن نورد المصطلح كما هو، ترجمة مباشرة ودقيقة من العبرية أو الإنجليزية أو الألمانية فـ «الفولك Volk» هو «الشعب العضوي» ، و «الجويش بيبول Jewish People» هو «الشعب اليهودي» . وقد عرَّفنا هذه المصطلحات لنبيِّن للقارئ مضمونها الأيديولوجي الصهيوني. وكلما وردت في إحدى نصوصنا فإننا ننسبها للعدو ولمرجعيته ونخلق مسافة بيننا وبينها.
٩ ـ تبنينا نفس المنطق في ترجمة المصطلحات:
أ) فكلمة «إكزايل exile» الإنجليزية و «جالوت» العبرية لم نترجمها "حرفياً " إلى «منفى» أو «شتات» إذ أن هذا يعني تبني المرجعية والتحيزات الصهيونية. وكلمة «أنتي سيمتيزم anti-semitism» لم نترجمها إلى «معاداة السامية» وكلمة «هولوكوست» لم ننقلها بمنطوقها العبري. بل أشرنا للظاهرة الأولى بعبارة «انتشار الجماعات اليهودية في العالم» ، وللظاهرة الثانية بعبارة «معاداة اليهود» ، والثالثة بعبارة «الإبادة النازية لليهود» . وما فعلناه هو ما فعله الفلاحون الفلسطينيون في نهاية القرن الماضي إذ نظرنا للظاهرة ودرسناها ودرسنا المفاهيم الكامنة وراءها ثم سميناها بمصطلحات تقع خارج نطاق التحيزات الغربية والصهيونية. ولم تَرد كلمات مثل «منفى» و «جالوت» إلا في محاولة نقل وجهة نظر الآخر للقارئ العربي.
стр. 79
ب) وفي بعض الأحيان كنا نترجم المصطلح إلى العربية ثم نضع المصطلح البولندي أو الألماني أو العبري بين قوسين لأن المصطلحات تُعبِّر عن ظواهر تتسم بقدرٍ عالٍ من الخصوصية: «التعجيل بالنهاية (دحيكات هاكتيس) » ـ «شال الصلاة (طاليت) » ـ «الشعب العضوي (فولك) » ـ «طبقة النبلاء البولنديين (شلاختا) » .
جـ) ومع هذا هناك كلمات لم نتمكن من تطبيق هذا المنطق عليها:
* فالاختصارات على سبيل المثال (الهستدروت ـ ويزو) تم نقلها كما هي.
* بعض الاصطلاحات الأعجمية التي شاعت مثل «الكيبوتس» و «المشناه» و «الجيتو» .
* حاولنا قدر استطاعتنا استبعاد صيغة الجمع العبرية «الكيبوتسيم» ، وبدلاً من ذلك نقول «الكيبوتسات» .
د) فيما يتصل بأسماء الأعلام:
* اليهود الذي نشأوا خارج فلسطين ترجمنا أسماءهم من لغاتهم الأصلية مباشرةً «فموسى هس» هو «موسى هس» وليس «موشيه هس» و «إسحق لامدان» ليس «يتسحاق لامدان» وإنما «إسحق» وحسب.
* اليهود المولودون في فلسطين عبرنَّا أسماءهم لأن هذه هي لغتهم «فموسى ديان» هو «موشيه ديان» و «إسحق رابين» هو «يتسحاق رابين» ، ورغم أن اسم «موسى» عادةً ما يُعرَّب ( «موزيس» الإنجليزية تصبح «موسى» ) إلا أننا عبرنَّا أسماء الأعلام الإسرائيلية حتى نكون متسقين مع أنفسنا ولأن أسماءهم العبرية قد شاعت.
هـ) أدخلنا أداة التعريف العربية على المصطلحات التي لم يمكن ترجمتها مثل «الهاجاناه» ، ولكن حينما يرد المصطلح الأعجمي بين قوسين بعد الترجمة فهو يرد دون أداة التعريف.
стр. 80
و) حاولنا قدر الإمكان استخدام كلمات عربية وتفعيل إمكانيات المعجم العربي (استخدام المثنى ـ النحت ... إلخ) . وحينما كانت ترد كلمة أعجمية كُتبت بالحروف اللاتينية أوردنا قبلها نطقها بالحروف العربية حتى يستطيع القارئ العربي أن يتعامل مع الكلمة بشيء من الألفة ولا تُولَد في نفسه الرهبة. ومع أنه لا توجد قواعد محددة لطريقة كتابة نطق الكلمات الأعجمية بالعربية، فقد أخذنا بهذه الطريقة من باب الدعوة إلى أن يُفتح باب الاجتهاد في هذه الناحية.
ز) لكن مذهبنا في تناول الكلمات الأجنبية لم يكن يعني بالضرورة الانغلاق، فحينما وجدنا مثلاً صعوبة في توليد كلمة لتقابل كلمة «إثنيك ethnic» الإنجليزية عرَّبنا الكلمة واستخدمنا كلمة «إثني» جنباً إلى جنب.
ح) لكن كل هذا لا يعني بطبيعة الحال أننا رفضنا كل الاصطلاحات والتعريفات القائمة، فقد أخذنا بكثير منها ولكن بعد أن وضحنا بُعدها المعرفي والنهائي.
حدود الموسوعة
الحديث عن إنجازات الموسوعة أمر سنتركه للمفكرين والنقاد والقراء. ومع هذا، قد يكون من المفيد أن نشير إلى ما تحاول الموسوعة إنجازه وما لم تحاوله، حتى يستطيع القارئ تحديد مستوى توقعاته منها وحتى تمكن محاكمتها من هذا المنظور وداخل الحدود التي وضعتها لنفسها.
١ ـ الموسوعة ليست موسوعة معلوماتية، ومن ثم فهي لا تهدف إلى حشد أكبر قدر ممكن من المعلومات. ورغم أنها تقدِّم قدراً كبيراً من المعلومات يفوق أحياناً ما يُقدَّم في الموسوعات المعلوماتية، إلا أن كم المعلومات ليس همها الأساسي، كما أنها لا تزعم أنها ستقدِّم للقارئ " آخر ما تم التوصل إليه " في حقل الدراسات التي تُعنَى باليهودية والصهيونية والجماعات اليهودية مع أن مؤلفها قد استفاد بكل ما أتيح له من دراسات، ومن ذلك أحدثها.
стр. 81
كما أنها لا تحاول أن تقدِّم عرضاً تاريخياً للظواهر التي تناولتها، رغم تأكيدها البُعد التاريخي، ورغم رفضها أن تُنزَع الظواهر من سياقها التاريخي. وهي لا تزعم لنفسها الشمول. فعلى سبيل المثال لم تضم الموسوعة كل الأعلام اليهود، وإنما حاولت تقديم أهمهم مع التركيز على الجوانب النماذجية من حياتهم. كما أن بعض الشخصيات الهامشية (من منظور النماذج السائدة) تم التركيز عليها بسبب أهميتها النماذجية. وحينما تعاملنا مع النظام السياسي الإسرائيلي، لم نقم بتغطيته تغطية شاملة بكل عناصرة، بل ركزنا وحسب على بعض الموضوعات الأساسية.
٢ ـ الموسوعة، قبل كل شيء، دعوة إلى إعادة التفكير في طرق التفكير حتى نُحسِّن من أدائنا التنظيري والتفسيري الذي يجعلنا ندرك الواقع بشكل أكثر تركيباً دون الاستنامة للمقولات الاختزالية العامة الجاهزة. وتطرح الموسوعة فكرة النماذج التحليلية باعتبارها طريقة أكثر كفاءة من الطرق الأخرى في عملية رصد الواقع ودراسته وفي تنظيم المعلومات وتصنيفها وفي كيفية استخلاص النتائج والتعميمات منها، أي أن الموسوعة لا ترفض المعلومات ولا تبدأ من العدم (فهذا مستحيل) وإنما ترى ضرورة البحث عن المعلومات والتعامل معها شريطة عدم الاستسلام لها وتَوهُّم أن المعلومات هي المعرفة. ولو لم تكن المعلومات أساسية لاكتفى المؤلف منطقياً بالمجلد الأول الذي يوضح فيه نماذجه التحليلية.
٣ ـ حين تناولت الموسوعة الدولة الصهيونية تعاملت مع الأنماط المتكرة والثوابت الإستراتيجية وحسب وركزت على البُعد الصهيوني للظواهر الإسرائيلية وعلى تلك الظواهر الإسرائيلية التي استقرت نوعاً ما وأصبحت ذات طابع بنيوي مثل «عنصرية المجتمع الإسرائيلي» باعتباره مجتمعاً استيطانياً إحلالياً، ووظيفية الدولة الصهيونية.
стр. 82
٤ ـ لا تكتفي الموسوعة بتقديم شرح منهج محدَّد (دراسة الواقع من خلال نماذج تفسيرية) وإنما تحاول أن تُقدِّم دراسة حالة: اليهود واليهودية والصهيونية وبعض جوانب التجمُّع الصهيوني. في هذا الإطار حاولت الموسوعة أن تقدم تاريخاً عاماً للعقيدة اليهودية والحركة الصهيونية ودراسة متكاملة على مستوى عالمي (زماني ومكاني) يضم الصين والهند وغرب أوربا وشرقها، قبل عصر النهضة وبعدها؛ وهي دراسة تبرز التنوع وعدم التجانس بين الجماعات اليهودية.
٥ ـ تحاول الموسوعة أن تقدم الظواهر اليهودية من خلال مجموعة من النماذج والسياقات (التاريخية ـ الاجتماعية ـ الاقتصادية ـ الدينية) المختلفة التي تساهم في تعريف المفاهيم والمصطلحات السائدة تعريفاً أكثر تفسيرية وتبرز جوانبها الإشكالية وتبتعد بذلك عن الواحدية السببية التي تُفسِّر كل الظواهر في إطار سبب واحد (مادي عادةً) . واعتراضنا على المادية ليس بسبب ماديتها، فهناك من الظواهر ما لا يمكن تفسيره إلا من خلال نماذج مادية، وإنما بسبب زعمها الشمولية التفسيرية التي تؤدي إلى الاختزالية والواحدية. فعلى سبيل المثال، حينما تتعرض الموسوعة لظاهرة مثل يهود الاتحاد السوفيتي فإنها تفعل ذلك من خلال عدة مداخل عن تاريخ اليهود وتَوزُّعهم الوظيفي وأعدادهم وأسباب هجرتهم وانتماءاتهم السياسية والفكرية والدينية في كلٍّ من روسيا القيصرية وروسيا السوفيتية والمشاكل المادية والمعنوية التي قابلوها. كما توجد عدة مداخل أخرى عن أنواع يهود الاتحاد السوفيتي (القراءون ـ الكرمشاك ـ الجورجيون ـ يهود اليديشية ـ يهود الجبال ـ يهود بخارى.. إلخ) . وتضم الموسوعة أيضاً مداخل عن موقف ماركس وإنجلز والبلاشفة من المسألة اليهودية، وعلاقة اليهود بالفكر الاشتراكي، وتطور الرأسمالية الغربية، وتطور العلمانية.
стр. 83
٦ ـ تقوم الموسوعة باستخدام النماذج التحليلية. والنماذج هي ثمرة عملية تجريد بحيث يمكن النظر للظاهرة في علاقتها بظواهر أخرى مماثلة. وهذه قضية في غاية الأهمية في حالة دراسة اليهود، إذ يمكن من خلال النماذج التحليلية الخروج بالظواهر اليهودية من جيتو التفرُّد (الصهيوني المعادي لليهود واليهودية) بحيث يتم ربطها بظواهر مماثلة. فاشتغال اليهود بالتجارة في الحضارة الغربية يتم ربطه باشتغال الصينيين بالتجارة في جنوب شرق آسيا، وظاهرة اليهود المتخفين (المارانو) في شبه جزيرة أيبريا يتم ربطها بظاهرة المسلمين المتخفين (الموريسكيين) . ونحن بذلك لا نَسقُط في أية عنصرية تفسيرية أو فعلية، كما أننا نبيِّن بذلك أن اليهود بشر وأن مفهوم الإنسانية المشتركة مفهوم له مقدرة تفسيرية.
٧ ـ طوَّرت الموسوعة مفهوم الجماعات الوظيفية باعتبارها مفهوماً تحليلياً مركباً، كما بيَّنت أهمية الدور الوظيفي للجماعات اليهودية وإدراك الجماعات اليهودية باعتبارها وظيفة تُؤدَّى ودوراً يُلعَب داخل مجتمع الأغلبية. ومن خلال هذا المفهوم، أمكن لنا أن ندرك الاستمرارية بين المفهوم الغربي لليهود باعتبارهم جماعات وظيفية وبين الرؤية الغربية للدولة الصهيونية باعتبارها دولة وظيفية (قاعدة للاستعمار الغربي وحليفاً إستراتيجياً له) . وأبرز لنا هذا المفهوم التحليلي الأهمية التاريخية لتجربة أعضاء الجماعات اليهودية في بولندا في إطار الإقطاع الاستيطاني.
٨ ـ طوَّرت الموسوعة نموذج الرؤية العلمانية الإمبريالية الشاملة كنموذج تفسيري شامل، وبيَّنت العلاقة بين العلمنة الشاملة والإمبريالية وأثر كل هذا على الجماعات الوظيفية في الغرب والعالم.
стр. 84
٩ ـ طوَّرت الموسوعة نموذج الحلولية الكمونية الواحديةكنموذج تفسيري. وفي ضوء هذا، أعدنا كتابة تاريخ اليهودية وتاريخ أعضاء الجماعات اليهودية وبيَّنا الأهمية المحورية لظهور القبَّالاه (باعتبارها نسقاً غنوصياً حلولياً كمونياً متطرفاً) .
١٠ ـ أبرزت الموسوعة التمييز البديهي بين اليهود واليهودية، أي التمييز بين المثالي والمعياري من جهة، والفعلي والمتحقق من جهة أخرى؛ بين أحلام البشر وأشواقهم من جهة، وأدائهم وواقعهم من جهة أخرى.
١١ ـ تميِّز الموسوعة بين التاريخ المقدَّس الذي ورد في العهد القديم والتاريخ الزمني الذي يعيش في إطاره أعضاء الجماعات اليهودية. وانطلاقاً من هذا، بيَّنا أنه لا يوجد تاريخ يهودي عام وعالمي مستقل عن تواريخ البشر. ومن ثم، حاولت الموسوعة أن تُعيد كتابة تواريخ أعضاء الجماعات اليهودية بطريقة أكثر تركيبية وتفسيرية، ومن ثم أكثر إنسانية عما كُتب من تواريخ اختزالية. وحاولنا أن نُبيِّن أنه لا يوجد تاريخ ليهود مصر بمعزل عن تاريخ مصر، ولا تاريخ ليهود بابل بمعزل عن تاريخ بابل، ولا تاريخ ليهود الولايات المتحدة بمعزل عن تاريخ بلدهم.
١٢ ـ تُبيِّن الموسوعة أنه لا يوجد تاريخ للصهيونية مستقل عن تاريخ الحضارة الغربية الحديثة، ولا تاريخ للصهيونية غير اليهودية منفصل عن تاريخ الصهيونية بين اليهود، ولا تاريخ للصهيونية منفصل عن تاريخ العداء لليهود، ولا تاريخ للفكر اليهودي الغربي بمعزل عن تاريخ الفكر الغربي. ورغم إدراكنا للوحدة النهائية، إلا أننا طوَّرنا مفهوماً للوحدة الفضفاضة لا يَجُبُّ استقلالية كل ظاهرة عن الأخرى.
стр. 85
١٣ ـ حاولت الموسوعة ضبط المستوى التعميمي والتخصيصي، فقامت بتأكيد البُعد الإنساني العام في الظواهر اليهودية، ذلك البُعد الذي تحرص الدراسات الصهيونية والمعادية لليهودية على إخفائه، وحاولت أن تبتعد عن الأيقنة وتأكيد الخصوصية والتفرُّد (الذي تحرص الدراسات الصهيونية والمعادية لليهودية على إبرازه) . ولكنها، في الوقت نفسه، لم تسقط في التعميم الذي يُفقد الظاهرة ملامحها وقسماتها ومنحناها الخاص. وقد بيَّنا أن هذا الخطاب التحليلي السائد في تلك الدراسات التي تُعنَى باليهود واليهودية والصهيونية يتأرجح بين التعميم الشديد والتخصيص الشديد. فالإبادة النازية لليهود إن هي إلا تعبير عن نمط متكرر عام هو العداء الأزلي لليهود من قبَل الأغيار. ويمكن أيضاً المغالاة في التخصيص، فيُقال إن الإبادة النازية لليهود إن هي إلا جريمة ألمانية خالصة ضد اليهود وحدهم. وذهبنا في هذا إلى أن الإبادة النازية لحظة نماذجية فريدة ولكنها تعبير عن نمط عام هو استخدام الإبادة (بصورة عامة) من قبَل التشكيل الإمبريالي الغربي كآلية إمبريالية لإعادة صياغة العالم ونقل الفائض السكاني الغربي خارج القارة الأوربية وإحلاله محل العناصر البشرية التي تتم إبادتها. ولذا فإن إبادة اليهود على يد النازيين تشبه إبادة سكان أمريكا الأصليين على يد المستوطنين البيض ولا تختلف كثيراً عن المشروع الصهيوني الذي كان يهدف إلى نقل الفائض السكاني اليهودي خارج القارة الأوربية وتوطينه في فلسطين ليحل محل الفلسطينيين الذين يتم طردهم وإبادتهم أحياناً. ومع هذا، فالإبادة النازية لها خصوصيتها إذ أنها عملية الإبادة الوحيدة التي تمت داخل أوربا وليس خارجها، على عكس عمليات الإبادة الأخرى. كما أنها تمت بمنهجية صارمة لم تتسم بها عمليات الإبادة الأخرى.
стр. 86
١٤ ـ من خلال نموذج الحلولية، تحاول الموسوعة أن تطرح أساساً جديداً لعلم مقارنة الأديان يبتعد عن الرصد البراني للشعائر والعقائد ويحاول أن يصل للنماذج الكامنة التي تبين الاختلاف حين يُظَن الاتفاق، والاتفاق حين يُظَن الاختلاف. ففي ضوء نموذج الحلولية الكمونية أمكن إعادة تحديد علاقة اليهودية بالمسيحية، كما أمكن إعادة تعريف العلاقة بين المسيحية واليهودية والإسلام بحيث يتضح التقارب بين المسيحية والإسلام (والتباعد بين الإسلام واليهودية) على عكس ما هو مُتصوَر في كثير من الدراسات. وتحاول الموسوعة تفسير ظاهرة الإصلاح الديني (وما صاحبها من حركات صوفية متطرفة) باعتبارها تعبيراً عن تزايد معدلات الحلولية الكمونية ومن ثم تصاعد معدلات العلمنة. وبهذه الطريقة، أمكن الربط بين البروتستانتية والإنسانية الهيومانية رغم تعارضهما الظاهر.
١٥ ـ ارتبط بهذا تطوير مصطلحات جديدة تعبِّر عن مفاهيم جديدة. فبدلاً من «الصهيونية العالمية» نتحدث عن «الصهيونيتين (التوطينية والاستيطانية) » و «العلمانيتين (الجزئية والشاملة) » . ويُلاحَظ أن المصطلحات المُستخدَمة في حقل الدراسات التي تُعنَى باليهود واليهودية والصهيونية تُجسِّد التحيزات الصهيونية والغربية، ولذا فقد تم إحلال مصطلحات أكثر حياداً محلها؛ فتم مثلاً استبعاد مصطلح مثل «الشعب اليهودي» الذي يفترض أن اليهود يشكلون وحدة عرقية ودينية وحضارية متكاملة (الأمر الذي يتنافى مع الواقع) ليحلّ محله مصطلح «الجماعات اليهودية» ، وبدلاً من كلمة «الشتات» استُخدمت العبارة المحايدة «أنحاء العالم» ، وبدلاً من «التاريخ اليهودي» تشير الموسوعة إلى «تواريخ الجماعات اليهودية» . والمصطلحات البديلة ليست أكثر حياداً وحسب وإنما أكثر دقة وتفسيرية.
стр. 87
١٦ ـ حاولت الموسوعة أن توضح أن المؤشرات لا تشير بالضرورة إلى ما هو مُتَعارَف عليه في الأوساط العلمية. فهجرة يهودي إلى إسرائيل ليست بالضرورة تعبيراً عن انتمائه الصهيوني، وبناء معبد يهودي لا يعني بالضرورة تزايد معدلات التمسك بالعقيدة اليهودية.
١٧ ـ والعناصر السابقة، رغم أنها مرتبطة أساساً بحقل الدراسات الخاصة باليهود واليهودية، إلا أن تعميمها على حقول معرفية أخرى أمر ممكن، فقضية النماذج الاختزالية في مقابل النماذج المركبة يواجهها كل الدارسين في حقل الدراسات الإنسانية.
١٨ـ من خلال نموذج الحلولية، حاولت الموسوعة أن تُلقي أضواء جديدة على تاريخ العلمنة والعلمانية الشاملة وعلى تَطوُّر الحضارة الغربية الحديثة (من التحديث والحداثة إلى ما بعد الحداثة) ودور الترشيد (في الإطار المادي) . وطرحت الموسوعة فكرة التراكم الإمبريالي بدلاً من التراكم الرأسمالي.
١٩ـ تحاول الموسوعة أن تبيِّن علاقة مفهوم الحلولية بمقولة التجاوز والإنسانية المشتركة (باعتبار الإنسان مقولة متجاوزة للطبيعة/المادة رغم أنها تتبدى من خلالها، وباعتبار ثنائية الإنسان والطبيعة صدى لثنائية الخالق والمخلوق وتعبير عن نموذج التوحيد) . كما تحاول أن تبيِّن الدلالات المعرفية والإمكانات البحثية لهذه العلاقة.
٢٠ـ تحاول الموسوعة أن تشرح مفهوم المسافة (الحيز الإنساني) التي تفصل الخالق عن المخلوق (والدال عن المدلول، والكل عن الجزء، والمطلق عن النسبي، والنموذجي عن الواقع) . وأن تطرح حلاًّ لمشكلة القيمة في العلوم الاجتماعية؛ فالقيمة الأخلاقية معيارية ومثالية يحتكم إليها الفاعل الإنساني ولكنها لا تتجسد بالضرورة في الواقع، ومن ثم فهي لا تخضع للبحث الإمبريقي رغم تبدِّيها في سلوك الناس وطموحاتهم وأشواقهم.
стр. 88
٢١ ـ حاولت الموسوعة أن تطرح طرقاً جديدة للتعريف وإعادة التعريف: «التعريف من خلال دراسة الحقل الدلالي لمجموعة من المصطلحات المتداخلة المتشابكة» و «التعريف من خلال التفكيك وإعادة التركيب في ضوء الثوابت البنيوية والمسلمات الكامنة» .
٢٢ ـ بل تحاول الموسوعة توسيع نطاق علم الاجتماع من خلال ربطه بمستويات جديدة من الوعي والنشاط الإنساني، بحيث لا يُستبعَد المجهول ويبقى المعلوم، ولا يُستبعَد المعرفي (الكلي والنهائي) ويبقى السياسي والاقتصادي والملموس، ولا يُستبعَد الإنساني المركب ويبقى المادي الواحدي.
٢٣ ـ تحاول الموسوعة أن تستعيد الفاعل الإنساني وتركيبيته، وأحد العناصر الأساسية هنا هو الإنسانية المشتركة (كبديل لمفهوم الطبيعة البشرية الجامد والإنسانية الواحدة) . وتقترح الموسوعة إمكانية توليد معيارية من هذه الإنسانية المشتركة وتذهب إلى أن رفض العلوم الإنسانية الغربية لمفهوم الإنسانية المشتركة والثوابت الإنسانية العالمية أدَّى بها إلى السقوط في النسبية والسيولة والعمومية وأخيراً العدمية.
٢٤ ـ تطرح هذه الموسوعة نفسها كمحاولة أولية لإعادة تأسيس أحد حقول الدراسة (دراسة اليهود واليهودية والصهيونية) انطلاقاً من رؤية عربية إسلامية. ونحن نذهب إلى أنه يمكن محاكاتها أو الاستفادة منها في محاولة تأسيس علوم إنسانية عربية بشكل منهجي. والموسوعة، كشكل من أشكال التأليف، تحاول تغطية المصطلحات والمفاهيم والأعلام في تخصص ما. وتحاول الموسوعة (في جانبها التفكيكي) أن تقوم بتفكيك المفاهيم السائدة، وهي في أغلب الأحيان مفاهيم غربية، ثم تحاول بعد ذلك (في جانبها التأسيسي) تأسيس نماذج تحليلية تتفرع عنها مفاهيم ومصطلحات نابعة من التجربة العربية والإسلامية، ومن زاوية رؤيتنا.
стр. 89
٢٥ ـ يمكن القول بأن الموسوعة ككل هي موسوعة كتبها مؤلف يشعر أن الحداثة الغربية (التي تدور في إطار العقلانية واللاعقلانية المادية والعلمانية الشاملة) قد أدخلت الجنس البشري بأسره في طريق مسدود. وتطرح الموسوعة أسئلة معرفية (كلية ونهائية) : ماذا يحدث للإنسان في عالم بدون إله؟ وماذا يحدث للإنسان في عالم نسبي لا توجد فيه ثوابت ولا مطلقات ولا قيم عالمية؟ وماذا يحدث للإنسان في عالم توجد فيه حقائق بلا حقيقة ولا حق؟ وما هو مصير الإنسان في عالم انفصل فيه العلم عن القيمة وعن الغائية الإنسانية؟. واليهودي الذي تم تهجيره إلى إسرائيل تحت مظلة الإمبريالية الغربية وتم تحويله إلى شخصية داروينية شرسة حتى يتسنى توظيفه في خدمتها، والذي تتم إبادته في ألمانيا النازية بطريقة منهجية، وتم دمجه في الحضارة الاستهلاكية حتى لم يبق من ماضيه وهويته سوى القشور وتم قمعه وترشيده من الداخل والخارج: أليس هذا اليهودي مثلاً صارخاً لما يحدث للإنسان في عصر الحداثة والعقلانية واللاعقلانية المادية؟ ومن هنا، فإن الموسوعة تطالب بالبحث عن حداثة جديدة لا تنتهي إلى موت الإنسان والطبيعة بعد أن أعلنت بصلف وخيلاء موت الإله.
٢٦ـ ومع أن الموسوعة حاولت إنجاز الكثير، إلا أن ما تقدمه هو أساساً برنامج بحثي وطرح لأسئلة وإثارة لإشكاليات، أي أنها ورقة عمل بشأن الموضوعات التي تناولتها أكثر من كونها إجابات محدَّدة. وقد حاولنا أن نُحدِّد بعض معالم الإجابات وأن نوضح المنهج الذي استخدمناه في الوصول إلى هذه الإجابات. ومع هذا، تظل الموسوعة في نهاية الأمر جدول عمل، أي اجتهاداً أولياً.
стр. 90
وبقية مداخل هذا المجلد هو محاولة توضيح الإطار النظري الذي تنطلق منه الموسوعة فيتناول الجزء الأول الأساس الفلسفي، فنتناول المفردات الأساسية التي نستخدمها انطلاقاً من نموذجنا التحليلي، وما نسميه «إشكالية الإنساني والطبيعي والموضوعي والذاتي» . أما الجزء الثاني فيتناول النموذج كأداة تحليلية. وتتناول بقية الأجزاء (الثاني والثالث والرابع) النماذج الأساسية الثلاثة المستخدمة في الموسوعة: الحلولية ـ العلمانية الشاملة ـ الجماعات الوظيفية. وبقية مجلدات الموسوعة هي محاولة لتطبيق هذا الإطار النظري على حالة محددة هي حالة اليهود واليهودية والصهيونية وإسرائيل.
الباب الثانى: مفردات
المرجعية النهائية، المتجاوزة والكامنة
كلمة «مرجع» من «رجع» بمعنى «عاد» . يُقال «رجع فلان من سفره» أي «عاد منه» ، و «المرجع» هو «محل الرجوع» وهو «الأصل» . وفي التنزيل العزيز "إلى الله مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون" (المائدة ١٠٥) . ومن هنا كلمة «مرجعية» التي تعني الفكرة الجوهرية التي تشكل أساس كل الأفكار في نموذج معين والركيزة النهائية الثابتة له التي لا يمكن أن تقوم رؤية العالم دونها (فهي ميتافيزيقا النموذج) . والمبدأ الواحد الذي تُردّ إليه كل الأشياء وتُنسَب إليه ولا يُردّ هو أو يُنسَب إليها. ومن هنا، يمكن القول بأن المرجعية هي المطلق المكتفي بذاته الذي يتجاوز كل الأفراد والأشياء والظواهر وهو الذي يمنح العالم تماسكه ونظامه ومعناه ويحدد حلاله وحرامه. وعادةً ما نتحدث عن المرجعية النهائية باعتبار أنها أعلى مستويات التجريد، تتجاوز كل شيء ولا يتجاوزها شيء. ويمكننا الحديث عن مرجعيتين: مرجعية نهائية متجاوزة ومرجعية نهائية كامنة.
١ ـ المرجعية النهائية المتجاوزة:
стр. 91
المرجعية النهائية يمكن أن تكون نقطة خارج عالم الطبيعة متجاوزة لها وهي ما نسميها «المرجعية المتجاوزة» (للطبيعة والتاريخ والإنسان) . هذه النقطة المرجعية المتجاوزة، في النظم التوحيدية، هي الإله الواحد المنزَّه عن الطبيعية والتاريخ، الذي يحركهما ولا يحل فيهما ولا يمكن أن يُردَّ إليهما. ووجوده هو ضمان أن المسافة التي تفصل الإنسان عن الطبيعة لن تُختَزل ولن تُلغى. فالإنسان قد خلقه الله ونفخ فيه من روحه وكرَّمه واستأمنه على العالم واستخلفه فيه، أي أن الإنسان أصبح في مركز الكون بعد أن حمل عبء الأمانة والاستخلاف. كل هذا يعني أن الإنسان يحوي داخله بشكل مطلق الرغبة في التجاوز ورفض الذوبان في الطبيعة، ولذا فهو يظل مقولة مستقلة داخل النظام الطبيعي. كما أنه يعني أن إنسانية الإنسان وجوهره الإنساني مرتبط تمام الارتباط بالعنصر الرباني فيه. ومع هذا فبإمكان النظم الإنسانية الهيومانية (التي لا تعترف بالضرورة بوجود الإله) أن تجعل الإنسان مركز الكون المستقل القادر على تجاوزه ومن ثم تصبح له أسبقية على الطبيعة/المادة.
٢ ـ المرجعية النهائية الكامنة:
стр. 92
يمكن أن تكون المرجعية النهائية كامنة في العالم (الطبيعة أو الإنسان) ، ومن هنا تسميتنا لها بالمرجعية الكامنة. وفي إطار المرجعية الكامنة، يُنْظر للعالم باعتبار أنه يحوي داخله ما يكفي لتفسيره دون حاجة إلى اللجوء إلى أي شيء خارج النظام الطبيعي. ولذا، لابد أن تسيطر الواحدية (المادية) ، وإن ظهرت ثنائيات فهي مؤقتة يتم محوها في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير، ففي إطار المرجعية الكامنة لا يوجد سوى جوهر واحد في الكون، مادة واحدة يتكون منها كل شيء، وضمن ذلك المركز الكامن نفسه (ومن هنا إشارتنا أحياناً إلى «المرجعية النهائية الكامنة» باعتبارها «المرجعية الكامنة المادية» أو «المرجعية الواحدية المادية» ) . ونحن نذهب إلى أن كل النظم المادية تدور في إطار المرجعية الكامنة، ومن هنا إشارتنا إلى المادية باعتبارها وحدة الوجود المادية.
وفي إطار المرجعية المادية الكامنة، فإن الإنسان كائن طبيعي وليس مقولة مستقلة داخل النظام الطبيعي، وإنما هو مُستوعَب تماماً فيه، ويسقط تماماً في قبضة الصيرورة، فتسقط المرجعية الإنسانية وتصبح الطبيعة/المادة هي المرجعية الوحيدة النهائية.
ويذهب دعاة المرجعية المادية الكامنة إلى أن رغبة الإنسان في التجاوز رغبة غير طبيعية، ومن ثم غير إنسانية (باعتبار أن الطبيعي والإنساني مترادفان) ، وإلى أن الأجدر بالإنسان أن يذوب في الكل الطبيعي بحيث يظهر الإنسان الطبيعي. وبهذا المعنى، فإن المرجعية الكمونية المادية تشكل هجوماً على الإنسان ككيان حر مستقل عن الطبيعة/المادة وعلى مركزيته في الكون.
стр. 93
وقد وُصفت الوثنية بأنها محاولة إنزال الآلهة من السماء إلى الأرض (وإدخالها في نطاق المرجعية المادية الكامنة) بحيث تخضع لقوانين الأرض الطبيعية/المادية، ومن ثم يخضع الإنسان هو الآخر لهذه القوانين، إذ كيف يمكنه تجاوزها إذا كانت الآلهة نفسها خاضعة لها؛ مستوعَبة تماماً في الواحدية المادية الكونية؟ (والنزعة الوثنية لا تختلف في هذا عن النزعات العلمانية المادية الطبيعية التي ترجع كل شيء إلى الطبيعة/المادة وتنكر أي إمكانية للتجاوز الإنساني) . أما الديانات التوحيدية، فهي نوع من محاولة الصعود بالإنسان إلى الإله في السماء (وإدخاله في نطاق المرجعية المتجاوزة) . فالإنسان، بما فيه من رغبة في التجاوز، له قانون خاص ووجود مستقل عن المادة وعن الطبيعة. ومن ثم تُطرح أمام الإنسان إمكانية أن يعبِّر عما بداخله من طاقات غير مادية (ربانية إن شئت) ، وأن يتجاوز قوانين الطبيعة والمادة ويحقق القانون الإلهي (أو الجوهر الإنساني) المختلف عن القانون المادي الطبيعي.
الرد (رد إلى)
«ردَّ الشيء» أي «حوَّله من صفة إلى صفة» ، و «ردَّ الشيء إلى الشيء» «أرجعه إليه» . والرد في اصطلاح الفلاسفة إرجاع الشيء إلى ما نتصور أنه عناصر أساسية وتخليته من العناصر الغريبة عنه. كأن نقول "رد المذهب إلى نقاطه الأساسية". وفي إطار المرجعية المادية الكامنة يتم رد كل الظواهر إلى المركز الكامن في الكون وهو الطبيعة/المادة وهو ما يؤدي إلى هيمنة الواحدية المادية، على عكس المرجعية المتجاوزة إذ لا يمكن رد الإنسان في كليته إلى شيء كامن في الكون، فهو يحوي داخله النزعة الربانية. وأية عملية تفسيرية تحليلية تتضمن عملية رد، إذ تُردَّ التفاصيل الكثيرة الظاهرة إلى الوحدة الكامنة غير الظاهرة.
المسافة والحدود والحيز الإنسانى
стр. 94
«المسافة» هي «البُعْد» وهي أيضاً «المساحة» ، وقد تُستخدَم في الزمان فيُقال «مسافة يوم أو شهر» . والمسافة مرتبطة تمام الارتباط بفكرة الحدود. والحد في اللغة يعني «المنع والفصل بين الشيئين» ، و «منتهى كل شيء» هو «حده» (المعنى الأنطولوجي) . والحد هو أيضاً تأديب المذنب كقولنا: «طُبِّقَ عليه الحد» ، و «حدود الله تعالى» هي الأشياء التي بيَّن حرامها وحلالها (المعنى الأخلاقي) . و «الحد» هو «التعريف الكامل» أو «تحليل تام لمفهوم اللفظ المراد تعريفه» ، و «حد الشيء» هو «الوصف المحيط بمعناه المميَّز له عن غيره» (المعنى الدلالي) . وأخيراً «حدّ الشيء» هو مصدر تميُّزه وهويته (المعنى النفسي) . فكأن الحدود مرتبطة كل الارتباط بوجود الشيء وبمضمونه الأخلاقي وبإمكانية معرفته ودلالته وهويته.
ونحن نذهب في هذه الموسوعة إلى أن المنظومات المعرفية التي تدور في إطار المرجعية المتجاوزة (مثل العقائد التوحيدية) نظم تحتفظ بالحدود الفاصلة بين الخالق العلي المتجاوز ومخلوقاته، فهو مركز النموذج المفارق والمتجاوز له. ولذا، تظل المسافة والحدود قائمة بين الخالق والمخلوق لا يمكن اختزالها مهما كانت درجة اقتراب المؤمن من الإله. ومن هنا، لا يمكن في الإطار التوحيدي أن "يصل" المتصوف إلى الالتصاق بالإله أو الاتحاد به، فثمة مسافة جوهرية ثابتة. ولذا، فإن رسول الله نفسه ﷺ لم "يصل"، بل ظل قاب قوسين أو أدنى في أقصى حالات الاقتراب. وهذا ما سماه أحد الفقهاء «البينية» ، أي وجود حيز "بين" الخالق والمخلوق.
ووجود الحدود بين الخالق والمخلوق يعني أن المخلوق له حدوده لا يتجاوزها، ولكنها تعني أيضاً أنه له حيزه الإنساني المستقل، ولذا يظل الإنسان صاحب هوية محددة وجوهر مستقل، ومن ثم فهو كائن حر مسئول.
стр. 95
والمسافة بين الخالق والمخلوق يمكن أن تصبح ثغرة أو هوة إن ابتعد المخلوق عن خالقه وانعزل عنه ونسي خصائصه الإنسانية (المرتبطة بأصله الرباني) التي تميزه عن بقية الكائنات. ولكن إن حاول الإنسان التفاعل مع الإله وتذكَّر أصوله وأبعاده الربانية التي تميزه عن الكائنات الطبيعية، فإن المسافة تتحول إلى مجال للتفاعل ويصبح الإنسان نفسه كائناً مُستخلَفاً في الأرض يشغل المركز، وذلك بسبب القبس الإلهي داخله وبسبب تفاعله مع الخالق.
أما في المنظومات التي تدور في إطار المرجعية الكامنة (مثل النظم الحلولية) ، يحاول المخلوق، أي الإنسان، أن يضيِّق المسافة بينه وبين الخالق تدريجياً إلى أن يصل إلى الإله ويلتصق به ثم يتوحد معه، وبذا يصل إلى مرحلة وحدة الوجود حين يصبح المركز كامناً في الإنسان وفي كل المخلوقات وفي العالم المادي، إذ تُلغى المسافة بين الخالق ومخلوقاته ويختفي الحيز الإنساني ويصبح الخالق ومخلوقاته واحداً، ويُردُّ الكون بأسره إلى مبدأ واحد فتُلغى المسافات وتُسد الثغرات، ويصبح الكون كياناً عضوياً صلباً (أو ذرياً مفتتاً) تسوده الواحدية المادية. وهنا يصبح الإنسان جزءاً لا يتجزأ من الطبيعة/المادة ليس له ما يميِّزه عن بقية الكائنات، وتضيع الحدود بين الخير والشر وبين الدال والمدلول.
المركز
стр. 96
كلمة «المركز» من فعل «ركز» ، ويقال " ركز السهم في الأرض " بمعنى «غرزه» و «ركز الله المعادن في الأرض أو الجبال» بمعنى «أوجدها في باطنها» . و «المركز» هو «المقر الثابت الذي تتشعب منه الفروع» ، و «مركز الدائرة» هو نقطة داخل الدائرة، تتساوى الشعاعات الخارجة منها إلى المحيط. ونحن نستخدم كلمة «مركز» في هذه الموسوعة بمعنى: مطلق مكتف بذاته، لا يُنسَب لغيره، واجب الوجود، لا يمكن أن تقوم رؤية للعالم بدونه. وفي إطار المرجعية المتجاوزة، فإن مركز الكون متجاوز للكون منزَّه عنه، أما في إطار المرجعية المادية الكامنة فمركز الكون كامن فيه. والمركز عادةً موضع الكمون والحلول أو النقطة التي تتحقق فيها أعلى درجاته، ومن ثم فإن العنصر (المادي) الذي يشغل المركز في المنظومات الكمونية تكون له أسبقية على بقية العناصر.
المبدأ الواحد
стр. 97
«المبدأ الواحد» عبارة تتواتر في هذه الموسوعة وتشير في المنظومات الحلولية الكمونية الواحدية (الروحية والمادية) إلى مصدر وحدة الكون وتماسكه وهو القوة الدافعة التي تضبط وجوده، قوة سارية في الأجسام، كامنة فيها، وتتخلل ثناياها وتضبط وجودها، قوة لا تتجزأ ولا يتجاوزها شيء ولا يعلو عليها أحد. وهي النظام الضروري الكلي للأشياء؛ نظام ليس فوق الطبيعة وحسب، ولكنه فوق الإنسان أيضاً، لا يمنحه أو أي كائن آخر أية أهمية خاصة. هذه القوة قد يجسدها الموجود ويصل إلى كماله الطبيعي من خلالها، ولكنها هي أيضاً قوة غير متعينة لا تكترث بالتمايز الفردي. وهذه القوة يسميها دعاة وحدة الوجود الروحية «الإله» ، بينما يطلق عليها دعاة وحدة الوجود المادية «قوانين الحركة» ، أو أية عبارات أخرى. وحيث إن المبدأ الواحد كامن في الظواهر الطبيعية فنحن نشير إليه أحياناً باعتباره «المبدأ المادي الواحد» . والمبدأ الواحد هو عادةً مركز النسق، وهو يأخذ أشكالاً مختلفة أهمها «الطبيعة/المادة» ، وتنويعات أخرى عليها نسميها «المطلقات العلمانية» .
المعنى والهدف والغاية
стр. 98
«المعنى» هو «ما يُقصَد بشيء» ، و «معنى الكلام» فحواه ومضمونه وما يدل عليه القول أو اللفظ أو الرمز أو الإشارة. ومن هنا تُستخدَم عبارة «معنى الوجود» أو «معنى الحياة» ، أي أن الوجود له هدف وغاية (باليونانية: تيلوس) ، و «الغائية» هي الإيمان بأن العالم له معنى وغاية (وعكسها هو «العدمية» ) ، وهذا ما تفترضه الديانات التوحيدية ("ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك" آل عمران ١٩١) فإن كان للوجود معنى، فحياة كل إنسان لها معنى، ولا يمكن تصوُّر معنى لعالم تسود فيه الصدفة، وتتم عملية خلقه بالصدفة المحضة، أو تكون حركته حركة مادية آلية مثل حركات الذرة. فإذا كانت حركة الإنسان هي نفسها حركة المادة، وكانت حركة المادة حتمية وتتم خارج وعي الإنسان وخارج أية غائية إنسانية، فإن كل ما يحدث سيحدث، ولا يمكن أن تنطبق عليه معايير خارجة عنه، أي أن كل الأمور تصبح نسبية بل حتمية وتتم تسوية الإنسان بالأشياء. والعلم الطبيعي الذي يتعامل مع الأشياء أو مع الإنسان بمنطق الأشياء ينتج معرفة منفصلة عن القيم الأخلاقية، بل إن تَقدُّم العلم مرتبط تمام الارتباط بانفصاله عن القيمة والغائية (إلى أن تنفصل النزعة التجريبية عن النزعة العقلانية تماماً) . ومن هنا التمييز بين «المعنوي» و «المادي» ، فالمعنوي مرتبط بالهدف والغاية وهما يتجاوزان المادة، أما المادي فلا هدف له ولا غاية. ونلاحِظ أنه في الحضارات المادية (سواء الوثنية القديمة أو العلمانية الحديثة) التي تعلي شأن المادة وترى أسبقيتها على الإنسان، أي ترى أسبقية المادي على المعنوي، يظهر ما يُسمَّى «أزمة المعنى» التي يعبَّر عنها بتعبيرات مثل «الاغتراب» أو «اللامعيارية (الأنومي) » و «التشيؤ» و «التسلع» وغيرها. ويعبِّر الأدب الحداثي عن أزمة المعنى التي يواجهها الإنسان الغربي.
стр. 99
ويُلاحَظ أن النسبية الحديثة تأخذ شكلاً جديداً تماماً، فهي لا تنكر إمكانية الوصول إلى المعنى، وإنما تطرح إمكانية الوصول إلى معان كثيرة كلها متساوية في الشرعية. وهي تنكر من ثم فكرة الحقيقة الكلية، فالكل بطبيعته، مادياً كان أم روحياً متجاوز للأجزاء، ومن ثم يشير إلى ما وراء الأجزاء وما وراء المادة. فوجود الكل المتجاوز للأجزاء يعني أن الأجزاء خاضعة للكل، وهي خاضعة له حسب فكرة ما ومعنى ما، لوجوس ثابت متجاوز، مطلق، وفي نهاية الأمر ميتافيزيقا، أي الإله، وهنا لا يمكن الاستمرار في إنكار القصد والغاية والمعنى وهرمية الواقع. وفكر ما بعد الحداثة هو تعبير عن هذا الاتجاه الذي يشكل في واقع الأمر إذعاناً كاملاً لأزمة المعنى وعملية تطبيع اللامعيارية التي يواجهها الإنسان الحديث.
التجاوز والتعالى (مقابل الحلول والكمون)
«التجاوز والتعالي» تُترجَم بالإنجليزية بكلمة «الترانسندانس transcendence» ، وهي من اللاتينية: «ترانس كنديري transcendere» من مقطعي «ترانس» بمعنى «وراء» ، و «كنديري» بمعنى «يتسلق» ، أي «يذهب وراء» . وكلمة «تجاوز» عادةً ما توضع مقابل «كمون» ، و «حلول» (وقد ترجمت الكلمة الإنجليزية إلى الكلمات العربية التالية: «صوري» - «مفارق» - «متسام» - «ترانسندنتالي» - وأحياناً «جواني» ) . والتعالي هو أن يعلو الشيء ويرقى حتى يصير فوق غيره؛ ولذا فهو شيء مفارق ليس فوقه شيء، وهو يجاوز كل حدٍّ معلوم أو مقام معروف. والشيء المتعالي لهذا السبب يتحدى التجربة المادية والتفسير العلمي المادي. وعكس التعالي والتجاوز الحلول والكمون. بالإنجليزية «مانثيزم pantheism» ، و «إمننانس immanence» (انظر الباب المعنون «الحلولية ووحدة الوجود الكمونية» ) .
стр. 100
وفلسفة التعالي تذهب إلى القول بأن وراء الظواهر الحسية المتغيرة جواهر ثابتة أو حقائق مطلقة قائمة بذاتها مجردة من شروط الزمان والمكان، وأن هناك علاقات ثابتة محيطة بالحوادث ومستقلة، أي أن النظام الطبيعي، بكل ما يتسم به من تغيُّر وتعدُّد ونسبية وسيولة وراءه نظام يتسم بالوحدة والثبات والمطلقية، وثمة مركز ثابت للظواهر العارضة متجاوز لها (وهذا ما نسميه «المرجعية المتجاوزة» ) . ولذا، توصف أية فلسفة تذهب إلى القول بأن في العالم ترتيباً تصاعدياً تخضع فيه الحوادث للتصورات والتصورات للمبادئ بأنها فلسفة متعالية (على عكس فلسفات الحلول والكمون الواحدية التي تأخذ شكل مسطح أفقي تحوي مركزها داخلها أو تكون بغير مركز، ولا يكون فيها أعلى أو أسفل وتتسم بالواحدية) .
وفي الأنساق التوحيدية، التعالي الحق هو ارتقاء يستمر إلى غير نهاية إلى أن يصل إلى اللانهاية. والتعالي النهائي، بهذا المعنى، لا يمكن أن يُرد إلى ما هو دونه لأنه لو رُد إلى ما هو دونه لفقد تجاوزه وتعاليه وتَنزُّهه، أي أن فلسفة التعالي الحقة تصل دائماً إلي أن وجود الإله يسبق كل الموجودات الأخرى، ومن ثم فهو سببها النهائي ولكنه منزه عنها وله وجود مستقل، وهو مركزها وهو الغاية التي تسعى نحوها. فالله تعالى هو المتعالي والعالي والعلي وهو «الكبير المتعال» البائن عن خلقه، أي أنه مركز الكون والمدلول النهائي المتجاوز للطبيعة والتاريخ المنزه عنهما. ورغم وجود مسافة تفصل بين الكائن المتجاوز العلي وعالم المادة، فإن له تجلياته في العالم المادي، فالمتجاوز والمتعالي هو اللامحدود اللامتناهي الذي يعبِّر عن وجوده داخل المحدود والمتناهي دون أن يُرد إليهما. وهذه التجليات تشكل انقطاعاً في النظام الطبيعي ولكنها تزوِّده كذلك بقَدْر من التماسك وباتجاه متصاعد لا يمكن فهمهما أو تفسيرهما في إطار مادي محض.
стр. 101
والعلمنة هي إنكار إمكانية التجاوز، فالعالم الطبيعي/المادي مكتف بذاته، يحوي داخله كل ما يلزم لفهمه (مرجعية كامنة) . والإنسان جزء من هذا العالم، فهو إنسان طبيعي/مادي لا يمكنه تجاوز الطبيعة/المادة ولا تجاوز ذاته (الطبيعية) أو التحكم ضد التجاوز. فالإنسان القادر على التجاوز لا يمكن التحكم فيه تماماً، ولا يمكن تسويته بالكائنات الطبيعية إذ يظل داخله ما يتحدى القوانين الطبيعية المادية، ومن ثم فهو غير خاضع لقوانين المادة ولا يمكن حوسلته.
ويُلاحَظ أن تاريخ الفلسفة الغربية الحديثة هو تاريخ تصاعُد معدلات الحلول (الكمون) والإنكار المتصاعد لأي تجاوز، ومن ثم فهو تصاعد للواحدية المادية وتصفية لثنائية المتجاوز/الكامن إلى أن نصل إلى الفكر التفكيكي وفكر ما بعد الحداثة الذي ينكر أي تجاوز وأية مركزية لأي شيء بل ينكر فكرة الكل نفسها باعتبار أن الكل متجاوز للأجزاء.
المطلق والنسبى
стр. 102
«المُطلَق» في المعجم الفلسفي (هو عكس النسبي) ويعني «التام» أو «الكامل» المتعرى عن كل قيد أو حصر أو استثناء أو شرط، والخالص من كل تعيُّن أو تحديد، الموجود في ذاته وبذاته، واجب الوجود المتجاوز للزمان والمكان حتى إن تجلى فيهما. والمطلق عادةً يتسم بالثبات والعالمية، فهو لا يرتبط بأرض معيَّنة ولا بشعب معيَّن ولا بظروف أو ملابسات معيَّنة. والمُطلَق مرادف للقَبْليّ، والحقائق المطلقة هي الحقائق القَبْلية التي لا يستمدها العقل من الإحساس والتجربة بل يستمدها من المبدأ الأول وهو أساسها النهائي. ويمكن وصف الإله الواحد المتجاوز بأنه «المُطلَق» ، ويشار إليه أحياناً بأنه «المدلول المتجاوز» ، أي أنه المدلول الذي لا يمكن أن يُنسَب لغيره فهو يتجاوز كل شيء. وقد عرَّف هيجل المُطلَق بأنه «الروح» (بالألمانية: جايست Geist) ويُقال «روح العصر» (أي جوهر العصر ومطلقه) و «روح الأمة» (جوهرها ومطلقها) . وتَحقُّق المطلق في التاريخ هو اتحاد الأضداد والانسجام بينها، والحقيقة المطلقة هي النقطة التي تتلاقى عندها كل الأضداد وفروع المعرفة جميعاً من علم ودين، وهي النقطة التي يتداخل فيها المقدَّس والزمني (فهي وحدة وجود كاملة) .
وفي مجال المعرفة، تعبِّر المطلقية (مصدر صناعي من «المطلق» ) عن اللا نسبية وهي القول بإمكان التوصل إلى الحقيقة واليقين المعرفي بسبب وجود حقائق مطلقة وراء مظاهر الطبيعة الزمنية المتغيِّرة المتجاوزة لها. والمطلقية في الأخلاق هي الذهاب إلى أن معايير القيم - أخلاقيةً كانت أم جماليةً - مطلقةٌ موضوعيةٌ خالدةٌ متجاوزةٌ للزمان والمكان، ومن ثم يمكن إصدار أحكام أخلاقية. أما في السياسة، فهي تعني سيادة الحاكم أو الدولة بغير قيد ولا شرط. والدولة المطلقة هي الدولة التي لا تُنسب أحكامها إلى غيرها فمصلحتها مطلقة وإرادتها مطلقة وسيادتها مطلقة.
стр. 103
أما «النسبي» ، فهو ينُسَب إلى غيره ويتوقف وجوده عليه ولا يتعيَّن إلا مقروناً به، وهو عكس المطلق، وهو مقيد وناقص ومحدود مرتبط بالزمان والمكان يتلون بهما ويتغيَّر بتغيرهما، ولذا فالنسبي ليس بعالمي.
ونحن نذهب في هذه الموسوعة إلى أنه داخل المنظومات التي تدور في إطار المرجعية المتجاوزة (مثل الرؤية التوحيدية) لا ينقسم العالم بشكل حاد إلى مطلق ونسبي، فالمطلق النهائي الوحيد (المطلق المطلق) هو الإله المتجاوز وهو مركز النموذج والنسق والدنيا الذي يوجد خارجها، أما ما عداه فيتداخل فيه المطلق والنسبي، فالإنسان يعيش في الطبيعة النسبية ولكنه يحوي داخله النزعة الربانية التي لا يمكن ردها إلى العالم المادي النسبي، ولذا فهو يشعر بوجود القيم المطلقة ويهتدي بهديها (إن أراد) . والكائنات نسبية فهي تُنسَب لغيرها، ومع هذا لها قيمة مطلقة، ولذا لا يمكن قتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق لأنها مطلقة، ومن قَتَل نفساً بغير حق فكأنما قتل الناس جميعاً. وأقل المخلوقات في الكون هي من صنع الله، ولذا فلها قيمتها المطلقة. وتداخل النسبي مع المطلق لا يلغي المسافة بينهما، ولذا فهما لا يمتزجان ولا يذوب الواحد في الآخر.
ويمكننا الحديث عن النسبية الإسلامية باعتبارها نسبية تنصرف إلى خطاب الخالق، فنحن نؤمن بأن ثمة مطلقات نهائية لا يمكن الجدال بشأنها، نؤمن بها بكل ما تحوي من عقل وغيب؛ منها ننطلق وإليها نعود، أما ما عدا ذلك فخاضع للاجتهاد والحوار.
أما في المنظومات التي تدور في إطار المرجعية الكامنة، كالنظم الحلولية الواحدية والمادية، فإن مركز العالم كامن فيه. ولذا، قد يتجسد المطلق في أحد عناصر الدنيا (يتجسد فيه ولا يتبدى من خلاله) فيصبح هذا العنصر المادي أو الملموس هو المطلق والمقدَّس وأما ما عداه فمدنَّس.
стр. 104
وأي نموذج مهما بلغ من مادية ونسبية يحتوي على ركيزة أساسية تدَّعي لنفسها المطلقية والقَبْلية، ولذا فإن النماذج المعرفية العلمانية التي تدور في إطار المرجعية المادية الكامنة تحتوي على مطلق علماني يفترض فيه أنه الركيزة الأساسية والمرجعية النهائية لكل الأشياء، يمنحها الوحدة والتماسك. وأهم مطلق علماني هو الطبيعة/المادة والتنويعات المختلفة عليه مثل الدولة وحتمية التاريخ ... إلخ. وكلمة «مُطلَق» هنا تكاد تكون مرادفة لكلمة «ركيزة أساسية» وكلمة «مركز» أو «المبدأ الواحد» أو «اللوجوس» ، فحينما نقول: "لقد حلَّ المُطلَق في المادة"، فنحن نعني "لقد حل المركز في المادة" وأصبح كامناً فيها غير متجاوز لها.
المركب والبسيط
«المركب» هو الذي يشتمل على عناصر كثيرة متشابكة، ويقابله «البسيط» ، وهو الذي يشتمل على عناصر قليلة، وإن كانت كثيرة فهي غير متشابكة. وفي إطار المرجعية الكامنة في الطبيعة والإنسان، يظهر الإنسان الطبيعي/المادي (الذي يُردّ إلى الطبيعة/المادة) وهو كائن يتسم بالبساطة (العضوية أو الآلية) البالغة. أما في إطار المرجعية المتجاوزة، يظهر الإنسان الرباني حاوياً داخله القبس الإلهي (الذي يأتيه من خارج النسق الطبيعي ولا يمكن أن يُردَّ إليه) ، ولذا فهو يحوي الأسرار واللامحدود والمجهول والغيب، جنباً إلى جنب مع العناصر الطبيعية الأخرى، ويتشابك داخله المحدود مع اللامحدود، والمعلوم مع المجهول، والجسد مع الروح، والبراني مع الجواني، والعقل مع القلب، وعالم الشهادة مع عالم الغيب. ولذا، لا يمكن أن يُرد مثل هذا الإنسان إلى عالم الطبيعة/المادة ولا يمكن أن يُختَزل إلى صيغ مادية بسيطة، فهو قادر على تجاوزه، إذ ثمة مسافة تفصل بينه وبينها.
المجرد والعينى (أو المتعين (
стр. 105
التجريد، في اللغة، هو «التعرية من الثياب» وهو «التشذيب» ، و «جرَّد الشيء» يعني «قشَّره وأزال ما عليه» ، و «جرَّد الكتاب» يعني «عراه من الضبط والزيادات» ، و «جرَّده من ثوبه» يعني «عرَّاه» ، و «جرَّد الجرادُ الأرضَ» يعني «أكل ما عليها من النبات، وأتى عليه فلم يبق منه شيء» ، ويقال أيضاً «جرَّد القحطُ الأرضَ» أي «أذهب نباتها» .
التجريد، إذن، عزل صفة أو علاقة عزلاً ذهنياً، وقَصْر الاعتبار عليها، مثلما يُجرَّد امتداد الجسم من كتلته، مع أن هاتين الصفتين لا تنفكان عن الجسم في الوجود الخارجي، فهو عملية تفكيك لظاهرة ما ثم إعادة تركيب لها بهدف عزل الصفة موضع الاهتمام.
والهدف من التجريد توفير إمكانية النظر إلى ما يتصوَّر المرء أنه أهم سمات ظاهرة ما وحدودها في صورتها النقية البحتة (جوهرها) بدون مراعاة مختلف التأثيرات الثانوية والجانبية والعرضية. وهي عملية تحديد وفصل، أي تعيين حدود تتم من خلالها استبعاد جزئيات وتفاصيل وصولاً إلى الظاهرة التي يحاول العقل فهمها، فالتجريد من ثم إستراتيجية تحليلية أساسية. والتجريد مسألة أساسية في عملية صياغة النماذج وفي عملية استخدامها واكتشافها، فالتفكيك والتركيب هما في جوهرهما عمليتان تجريديتان.
стр. 106
ويرتبط التجريد بفكرة الكل، إذ لا يمكن الوصول إلى الكل المتجاوز للأجزاء، والثبات الكامن وراء الصيرورة، والجوهر الكامن وراء الظواهر المتنوعة إلا من خلال عملية تجريدية. ولذا نجد أن فلسفة ما بعد الحداثة المعادية تعادي التجريد لأنها ترى أن فكرة الكل ملوثة بالميتافيزيقا (باعتبارها شكلاً من أشكال الثبات) ولأنها تريد أن تدفع بكل شيء إلى قبضة الصيرورة حتى يختفي الكل والجوهر، بما في ذلك الكل والجوهر الإنساني، وتؤدي إلى موت الإنسان بعد موت الإله، بل وتزيل ظلال الإله تماماً من الكون، وتأخذ الفلسفة البنيوية موقفاً مغايراً تماماً، فهي تزيد من معدلات التجريد إلى أن تصل إلى مستويات تجريدية عالية جداً، تصل إلى عالم الذرات والأرقام مما يؤدي إلى اختفاء الكل والجوهر الإنساني، فتؤدي هي الأخرى إلى موت الإنسان.
و «العيني» هو «الشخصي» ، وهو ما يُدرَك بالحواس، ولذلك نُسب إلى العين، وهو أهم ما يميِّز أيَّ شيء نوعي أو فردي. ويُستخدم المصطلح ليشير إلى حادثة مفردة أو موضوع خاص، فيمكن أن نتحدث عن تفاحة حمراء، وهذا شيء عيني، أما الفاكهة فهي شيء مجرد، أي أن المعيَّن أو المتعين أو العيني يقابل المجرد أو المحسوس:
أ) يشير المجرد إلى كيفية من كيفيات الموجود، وإلى صفة من صفاته، أما العيني فيشير إلى الموجود بالفعل.
ب) يشير المجرد إلى الوجود الذهني، أما العيني فيشير إلى الوجود الخارجي الحسي المتجسم.
جـ) يشير المجرد إلى ما هو عام ومتكرر في الظاهرة، أما العيني فيشير إلى صفاتها النوعية والفردية والفريدة.
د) لكل ما تقدَّم، يتسم المجرد بالبساطة والوضوح ويتسم العيني بالتركيب والإبهام.
стр. 107
ومع هذا، يمكن القول بأن المجرد لا يمكن فصله عن العيني تماماً، فلا توجد فكرة مجردة كل التجريد، ولا شيء متعيِّن كل التعيُّن. فهذه حالات افتراضية نماذجية، إذ أن وجدان الإنسان وعقله يوجدان في المنطقة التي يلتقي فيها المجرد بالمتعين. ولذا إن تحدَّث الإنسان عن تفاحة حمراء بعينها فهو لا يستطيع أن يستبعد فكرة الفاكهة المجردة، وإن تحدَّث عن الفاكهة على وجه العموم فإنها تستدعي الثمرات المتعيِّنة المختلفة. ومع هذا، تتطلب عملية الإدراك ونحت النماذج وتشغيلها عملية تجريد (تفكيك وتركيب) .
السببية الصلبة واللاسببية السائلة
«السببية» نسبة إلى «السبب» ، والسبب هو كل ما كان ذا تأثير وما يترتب عليه مسبب، وهو ما يتوقف عليه وجود شيء، وما يحتاج إليه الشيء في ماهيته أو وجوده، والسبب هو المبدأ الذي يفسر الشيء تفسيراً نظرياً. فالمقدمات الصادقة سبب صدق النتيجة، وبعض الظواهر الطبيعية سبب ظواهر أخرى.
والسبب عند علماء الأخلاق ما يفضي إليه العقل ويبرره، وهو مرادف للحق، نقول: "فلان يبغضني بغير سبب"، أي "بغير وجه حق". والسبب تام وغير تام، فالتام هو الذي يُوجَد المسبب بوجوده، وغير التام هو الذي يتوقف وجود المسبب عليه، ولكن المسبب لا يوجد بوجود السبب وحده، والسبب هو المبدأ الذي يفسر الشيء تفسيراً نظرياً. و «السببي» هو المنسوب إلى «السبب» ، و «السببية» هي العلاقة بين السبب والمسبب.
стр. 108
والإشكاليات التي تثار حول العقل هي نفسها التي تثار حول السببية، فهل السببية شيء كامن في الأشياء نفسها، بمعنى أن السبب (شيء ما كامن في الظاهرة) هو الذي يؤدي بالفعل إلى النتيجة المادية، أم أن السببية علاقة اقتران مطرد وحسب، بمعنى أنه كلما حدث (أ) حدث (ب) دون أن تكون (أ) هي المؤدية إلى (ب) وبدون أن تكون (ب) ناتجة عن (أ) بالضرورة؟ وإن لم تكن السببية كامنة في الأشياء نفسها - فهل هي، إذن، أمر مفطور في عقولنا من قبل قوة حاكمة للعالم، أم أننا نفرضها على الواقع فرضاً (لأنها تخدم مصالحنا) .
والنظريات المادية التي تحاول أن ترد الكون بأسره إلى مبدأ مادي واحد (أو مقولات مادية) تتأرجح في معظم الأحيان بين افتراض السببية الصلبة وبين إنكار السببية تماماً. أما السببية الصلبة، فهي الإيمان بأن لكل ظاهرة (طبيعية أم إنسانية - بسيطة أم مركبة) سبباً واضحاً ومجرداً وبأن علاقة السبب بالنتيجة علاقة حتمية بمعنى أن (أ) تؤدي دائماً وبنفس الطريقة وحتماً إلى (ب) . كما أنها سببية مطلقة بمعنى أنها تغطي كل المعطيات والظواهر بشكل مطلق في كل تشابكها وتداخلها وتفاعلها. ولحظة نهاية التاريح هي لحظة إدخال كل شيء في شبكة السببية الصلبة المطلقة، وهي أيضاً لحظة الاستنارة الكاملة، حين تتم إنارة كل شيء وضمن ذلك الإنسان فيُستوعَب في شبكة السبب ويدخل القفص الحديدي.
والسببية الصلبة المطلقة تؤدي إلى التفسيرية الصلبة المطلقة، بمعنى أن يحاول الإنسان التوصل إلى الصيغة/ القانون العام الذي يفسر الكليات والجزئيات وعلاقاتها. والسببية الصلبة المطلقة تترجم نفسها إلى صورة مجازية آلية أو صورة مجازية عضوية مصمتة لا تحتوي على أي فراغات أو مسافات، ولا تتحمل أي عدم استمرار، وتلغي أي حيز بما في ذلك الحيز الإنساني. وتسود السببية الصلبة المطلقة في عصر المادية البطولي (عصر التحديث) والثنائية الصلبة والعقلانية المادية.
стр. 109
ولكن النماذج المادية تفشل، بطبيعة الحال، في إدخال العالم (الطبيعة والإنسان) في شبكة السببية الصلبة. كما أنه، مع تصاعد معدلات الحلولية الكمونية الواحدية، يتراجع المركز إلى أن يختفي ويسقط كل شيء في قبضة الصيرورة ويصبح الواقع في حالة سيولة غير مفهومة، والعقل نفسه جزء من الصيرورة غير قادر على تجاوزها، ومن ثم غير قادر على إدراك الواقع كسبب ونتيجة. وهنا، بدلاً من السببية الصلبة المطلقة، تظهر اللاسببية السائلة واللاعقلانية المادية والمادية الجديدة (عصر ما بعد الحداثة) .
وهناك بطبيعة الحال من يحاول الحفاظ على موقف وسط بين السببية الصلبة المطلقة واللاسببية العدمية (مثل كانط على سبيل المثال) ولكنه موقف يستند إلى أرضية واهية، ولذا فعادةً ما تتفتَّت هذه الوسطية وتتحول إلى حتمية واحدية صارمة (كما هو الحال في المنظومات الهيجلية) أو إلى لاسببية سائلة (كما هو الحال في النظم المعادية للهيجلية [نيتشه وغيره] ) .
السببية الفضفاضة
تفترض النظم التوحيدية وجود المركز خارج العالم ولذا فالعالم مترابط ومن ثم بإمكان الإنسان أن يتوصل إلى قدر معقول من المعرفة، ولكن ترابط العالم ليس صلباً ولا مطلقاً ولا عضوياً مصمتاً إذ يتخلله الحيز الإنساني وهو ما يسمح بوجود الأسرار والتركيب والثنائيات والانقطاع، فهو نظام يعترف بوجود قدر من الاستمرار ومن ثم بالسببية ولكنها سببية فضفاضة تؤدي فيها المقدمات إلى النتائج ولكن ليس بشكل حتمي معروف مسبقاً. ولذا لا يستطيع الإنسان أن يصل إلى القانون العام والنهائي الذي يجعله قادراً على معرفة الكون معرفة كاملة ومن ثم يمكنه إدخال كل شيء شبكة السببية الصلبة، وعلى الإنسان أن يقنع بقدر من التحكم في الكون والتوازن معه.
الواحدية الكونية: المادية أو المثالية / الروحية
стр. 110
«الواحدية» مصدر صناعي من كلمة «واحد» ، وتُعبِّر عن واقع تآصل ظواهر مختلفة وعن كونها تُرَدُّ إلى أصل أو جوهر واحد. وقد عرَّف المجمع اللغوي بالقاهرة كلمة «الواحدية» (في الفلسفة) بأنها مذهب يَرُدّ الكون كله إلى مبدأ واحد، كالروح المحض أو كالطبيعة المحضة. أما «أُحادية» ، فهي من كلمة «أُحاد» . وهي، في مثل «جاء الأضياف أُحادَ» ، بمعنى «واحداً بعد واحد» ، أي «جاء الأضياف واحداً واحداً» . فهي إذن تدل على الانفراد. ومن هنا، فقد استُخدم المصدر الصناعي «أُحادية» حديثاً للتعبير عن حالة الانفراد. وهي تعني، في التعبير الفلسفي، رد الظاهرة (وهي بطبيعتها متعددة الجوانب) ، أو أية عملية، إلى أحد أوجهها دون أوجهها الأخرى. فيقال مثلاً «النظرة الأحادية» ، أي النظرة التي تضع في اعتبارها عنصراً واحداً دون عناصر أخرى في الظاهرة كان لابد من وضعها في الاعتبار. والاختلاف كبير بين المفهومين: الواحدية والأحادية. ويمكن القول بأن الواحدية الكونية مفهوم أُنطولوجي (وجودي) ينسب الواحدية إلى الكون، بينما الأحادية مفهوم إبستمولوجي (معرفي) يرى أن الأحادية خاصية تسم بعض طرق التعريف والتحليل والإدراك.
وفي هذه الموسوعة، نستخدم عبارة «واحدية كونية» للإشارة إلى الرؤية الحلولية الكونية القائلة بأن الكون بأسره يمكن أن يُردّ إلى مبدأ واحد هو القوة الدافعة للمادة الكامنة فيها التي تتخلل ثناياها وتضبط وجودها، وهي قوة لا تتجزأ ولا يتجاوزها شيء ولا يعلو عليها أحد، وهي تشكل نظاماً ضرورياً كلياً للأشياء لا يمنح الإنسان أو أي كائن آخر أهمية خاصة أو مركزية. وهذا المبدأ الواحد هو الإله في وحدة الوجود الروحية وهو الطبيعة/المادة في وحدة الوجود المادية (وهذا النمط الأخير هو الأكثر شيوعاً، ولذا فنحن نخصص أحياناً ونشير إليه بأنه «الواحدية الكونية المادية» أو «الواحدية المادية» أو «الواحدية الموضوعية المادية» ) .
следующие страницы →