← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.

стр. 4201

«إسحق» هو ابن إبراهيم، وثاني الآباء. والتسمية من كلمة «صحَق» العبرية بمعنى «ضحك» . وقد جاء في العهد القديم أن إبراهيم وسارة ضحكا حينما أخبرهما ملاك الرب بأنهما سيُرزَقان طفلاً في شيخوختهما. وحسب الموروث الديني اليهودي، ورث إسحق (وليس شقيقه البكر إسماعيل) العهد الإلهي. وكانت محنته الكبرى حينما أمر الإله إبراهيم بأن يضحي به (وليس إسماعيل) . وقد ورد في سفر التكوين العبارة التالية: "خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحق" (٢٢/٢) . ومن الواضح أن كلمة «إسحق» تم إقحامها، لأن إسحق لم يكن في وقت من الأوقات ابناً وحيداً لإبراهيم (على عكس إسماعيل فقد ظل الابن الوحيد إبراهيم لمدة ثلاثة عشرة عاماً إلى أن رُزق بإسحق) . وقد أرسل إبراهيم خادمه إلى حُرَّان ليأتي لإسحق بزوج من أهله وعشيرته حتى لا يتزوج من كنعانية، فتزوج إسحق من رفقة التي ظلت عاقراً لمدة عشرين عاماً ثم ولدت له توأمين هما عيسو ويعقوب. وانتقل إسحق إلى جرار بسبب المجاعة. وقد تَشبَّه بأبيه في إظهار زوجته (حسنة المنظر) باعتبارها أخته، وذلك لكي ينجي نفسه وينال من وراء ذلك رزقاً. وظهر الإله لإسحق في بئر سبع ووعد بأن يباركه. وبنى إسحق مذبحاً للرب هناك. ويظهر إسحق شخصيةً سلبيةً ساذجةً بسيطةً لا يدرك نوايا الآخرين الشريرة. وقد أحب ابنه عيسو في حين أحبت رفقة يعقوب. وفقد إسحق بصره في شيخوخته. وحين أراد أن يبارك ابنهما عيسو وطلب إليه أن يُعدَّ له طعاماً من صيده، استغلت رفقة علَّة زوجها وتآمرت مع يعقوب على أن ينتحل شخصية أخيه ويتقدم إلى أبيه بطعام تُعدُّه هي باعتباره طعام الصيد الذي جاء به أخوه، معتمدة في ذلك على كلال بصر إسحق لشيخوخته. ونال يعقوب بذلك البركة التي كانت من حق أخيه (تكوين ٢٧/١ - ٢٩) . وقد مات إسحق في حبرون (الخليل) ودفنه ابناه في مغارة المكفيلة بجوار زوجته.

стр. 4202

وليس لإسحق أهمية كبيرة في التراث الديني اليهودي على عكس أبيه إبراهيم وابنه يعقوب، فيما عدا ارتباطه بفكرة التضحية. ويرى بعض دارسي العهد القديم أن أهميته كانت أكثر بروزاً في نسخ العهد القديم التي فُقدت. وجاء في الأجاداه أن إسحق وُلد يوم عيد الفصح وأن كثيراً من النساء العاقرات قد حَملن في يوم مولده حيث سطعت الشمس بشكل غير عادي. وهو الأب الوحيد الذي لم يتغيَّر اسمه لأن الإله هو الذي اختار له هذا الاسم. وقد جرى تفسير فقدانه البصر بأن الملائكة التي أمسكت بيد إبراهيم قد بكت وسقطت دموعها على عينيه فكُفّ بصره. ويُقال أيضاً أنه فقد بصره لأنه نظر ذات مرة إلى الشخيناه. وقد فسَّر بعض الحاخامات فقدانه البصر بأنه أطال النظر في ابنه عيسو الشرير. عيسو Essau اسم «عيسو» ليس له اشتقاق في العبرية وهو في الغالب اسم أدومي. وكان عيسو أيضاً يُدعى «أدوم» أي «الأحمر» ، وسُمِّي بذلك لأنه وُلد أحمر كفروة الشَعر، وهو الابن الأكبر لإسحق من رفقة، وتوأم يعقوب. وكان عيسو صياداً ماهراً. وقد عاد ذات يوم من الصيد جائعاً ووجد أخاه يعقوب يطبخ عدساً، فباعه يعقوب صحن العدس ببكورته (أي حق الإرث باعتباره البكر) . ولما شاخ إسحق، أراد أن يبارك عيسو ابنه المفضَّل. ولكن رفقة ساعدت يعقوب على خداع أبيه، حيث استغلا عاهة الرجل العجوز، ونال يعقوب البركة ثم فرَّ خوفاً من عيسو. وعند عودته غفر له عيسو وعرض عليه أن يعيش معه. تزوج عيسو من امرأتين حيثيتين ثم تزوج محلة ابنه إسماعيل. وقد ركز سفر التكوين على هذه الوقائع التي تدل على أن نسله فَقَد نقاءه العرْقي. ويُعَدُّ يعقوب وريثاً للعهد الذي مُنح لإبراهيم وإسحق بدلاً من عيسو. واستوطن عيسو سعير التي سُمِّيت «بلاد أدوم» ويُسمَّى جبل سعير «جبل أدوم» أيضاً. ويُعَدُّ عيسو أبا الأدوميين، وهو شعب كان يخافه العبرانيون ويحتقرونه في آن واحد، وعلاقة العبرانيين بهم تشبه علاقة يعقوب بعيسو.

стр. 4203

ويُشار إلى عيسو في الأجاداه بأنه شقيق يعقوب وعلى اعتبار أنه أدوم وروما التي كانت تُقرَن دائماً بأدوم. وترى الأجاداه أن عيسو، من حيث هو توأم يعقوب، كان شخصاً شريراً يَعبُد الأوثان ويرتكب الزنى والقتل. أما عيسو من حيث هو أدوم، فقد جاءت من صلبه بعض الشخصيات الشريرة مثل هامان. أما عيسو، من حيث هو روما، فإنه يرتكب العديد من الجرائم فيخدع إسحق بأن يعطيه لحم كلاب ليأكله، وهو لا يغفر ليعقوب، كما جاء في الرواية التوراتية، ولا يقبله وإنما يعضُّه. ولكن رقبة يعقوب أصبحت صلبة كالعاج، فتساقطت أسنان عيسو. وبحسب الأجاداه، قُتل عيسو أثناء جنازة يعقوب وهو يقاتل على الميراث. يعقوب Jacob «يعقوب» اسم عبري معناه «يعقب» أو «يمسك العقب» أو «يحل محل» . ويعقوب هو ثالث آباء اليهود، وهو ابن إسحق وجَدّ اليهود الأعلى وتوأم عيسو الأصغر. أمسك بكعب قدمه (بالعبرية: عقب) ، ومن هنا كان اسمه (تكوين ٢٥/٢٦) . وتوجد قصتان أساسيتان في حياة يعقوب أولاهما أنه حينما عاد عيسو من الصيد جائعاً متعباً وجد أخاه يعقوب قد أعد طعاماً فسأله شيئاً مما أُعدّ فانتهز يعقوب الفرصة وباعه طعاماً نظير بكورته (أي أسبقيته في الولادة) ، وبحكم الشريعة كان الأكبر هو الذي يرث الزعامة بعد الأب.

стр. 4204

أما القصة الثانية، فهي قصة البركة التي اغتصبها يعقوب، إذ لما كبر إسحق وضَعُف بصره، اتفق يعقوب مع أمه رفقة على مغافلة الأب لكي يدعو له بدلاً من أخيه عيسو، فتم له ذلك بأن انتحل شخصية أخيه، ونال بركة ليست من حقه، إذ أن إسحق دعا له بأن يكون الأنبياء من ذريته. ولما أحسّ إسحق بالأمر، طلب إلى يعقوب الخروج فخرج فاراً من غضب أخيه إلى بيت أسلافه الآراميين، وقيل إن أمه هي التي طلبت إليه أن يلحق بخاله مخافة أن يقتله أخوه عيسو. وقد حصلت أمه على موافقة إسحق على سفره بحجة أنه قد يتزوج بإحدى بنات الحيثيين (ويُلاحَظ أن يعقوب يظهر دائماً بوصفه راعياً، أما عيسو فهو صياد بدوي مغير) . ورغم أخطائه وخداعه، فقد أراه الإله رؤيا مجيدة إذ رأى ملائكة يصعدون ويهبطون على سلم، ووعده الرب بأن يعطيه الأرض التي كان متغرباً فيها، وحين استيقظ يعقوب سمَّى المكان «بيت إيل» . خرج يعقوب إلى آرام من أرض العراق. وقد جاء على لسانه: «إن كان الإله معي وحفظني في هذا الطريق الذي أنا سائر فيه، وأعطاني خبزاً لآكل وثياباً لألبس، ورجعت بسلام إلى بيت أبي، يكون الرب لي إلهاً» (تكوين ٢٨/٢٠ ـ ٢١) ، وهو قول يعني ضمناً أن الإله، إن لم يقبل الصفقة لن يقبله يعقوب رباً. ووجد يعقوب راحيل عند البئر فأحبها، وخدم أباها لابان سبع سنين مهراً لها حتى إذا ما حان وقت الزواج احتال عليه لابان وزوّجه ليئة، فاضطر إلى خدمته سبع سنين أخرى وتزوج من راحيل، وتزوج أيضاً من خادمتيهما، ثم خدم ست سنين أخرى نظير أجر ولكنه خدع لابان في هذه الفترة حتى فاق ثراؤه ثراء سيده ثم فرَّ إلى كنعان، وقد انتهزت راحيل الفرصة وسرقت الأصنام (الترافيم) من أبيها.

стр. 4205

ارتحل يعقوب نحو كنعان (فلسطين) . وفي الطريق، صارعه شخص حتى طلوع الفجر وانخلعت فخذه. وقبل أن يطلقه باركه وقال له: «لا يُدعى اسمك فيما بعد يعقوب بل يسرائيل، لأنك جاهدت مع الإله والناس وقدرت» . ودعا يعقوب المكان فنيئيل أي «وجه الإله» لأنه قال: «إني نظرت الإله وجهاً لوجه ونجَّيت نفسي» (تكوين ٣٢/٢٢ ـ ٣٢) . والقصة تشبه من بعض الوجوه قصصاً مماثلة في الحضارات الوثنية مثل الحضارة اليونانية. ففي إلياذة هوميروس يجرح ديوميدس الرب آريس بمساعدة أثينا، ولكن يعقوب يهزم ربه دون عون أو مساعدة.

стр. 4206

ثم طلب يعقوب العفو من أخيه عيسو الذي انطلق إلى أراضيه في جبل سعير (أدوم) . أما يعقوب، فإنه بعد أن اتجه إلى أرض كنعان، اشترى أرضاً عند شكيم. وعند هذه النقطة، يروي العهد القديم قصة دينة ابنة يعقوب من زوجته ليئة التي أحبها شكيم بن حمور الحوي وأقام معها الصلة الجنسية، وقد أبدى أبوه رغبة ابنه في الزواج منها أياً كان صداقها معلناً بهذا رغبته في أن يصاهر قومه قوم يعقوب، فوافق بنو يعقوب على ذلك بشرط اختتان الذكور من أبناء المنطقة قائلين: « ... إن صرتم مثلنا بختنكم كل ذكر، نعطكم بناتنا ونأخذ لنا بناتكم، ونسكن معكم ونصير شعباً واحداً، وإن لم تسمعوا لنا أن تختتنوا نأخذ ابنتنا ونمضي» (تكوين ٣٤/١٥ ـ ١٧) . وقبل الحويون (وهم من الأقوام الكنعانية) الشرط ونفذوه بأمانة. وتم الزواج وأفسحوا ليعقوب وأهله المقام بينهم. وفي اليوم الثالث، وكانوا متوجعين بعد الختان، يُذكَر أن ابني يعقوب (شمعون ولاوي) أخوي دينة أخذا سيفيهما وأتيا على المدينة لأن أهلها نجسوا أختهم، وقتلا كل ذكر، وقتلا حمور وابنه شكيم بحد السيف وأخذا دينة من بيت شكيم وخرجا. ثم أتى بنو يعقوب ونهبوا المدينة: «غنمهم وبقرهم وحميرهم وكل ما في المدينة وما في الحقل أخذوه. سبوا ونهبوا كل ثروتهم وكل أطفالهم ونسائهم وكل ما في البيوت» (تكوين ٣٤/٢٥ ـ ٢٩) . وغضب يعقوب مما حدث لا لأنه ينطوي على الغدر وإنما لأنه «نفر قليل فيخشى أن يجتمع عليه الكنعانيون والفرزيون ويضربوه فيبيد هو وبيته» (تكوين ٣٤/٣٠) . ثم ظهر الإله ثانية ليعقوب مؤكداً له تغيير اسمه إلى يسرائيل ومجدداً العهد الذي أقامه مع إبراهيم. ولقد وُلد ليعقوب اثنا عشر ولداً منهم أحد عشر في آرام أصبحوا القبائل العبرانية الاثنتي عشرة، وبذلك يكون يعقوب هو أبا اليهود الحقيقي الذي يتسمَّون باسمه.

стр. 4207

وعندما حلَّت المجاعة أرض كنعان، خرج يعقوب إلى مصر (هو وأولاده حسب إحدى الروايات) حيث كان يوسف قد هاجر من قبل، فعاشوا حياة تتسم بالمعاناة، ربما تكفيراً عن خداع يعقوب لأبيه وسرقته حق الوراثة من أخيه، ولكنه يظل مُعذباً قلقاً بشأن مصير أبنائه حتى وفاته. وتحضره الوفاة في مصر فيستأذن يوسف الفرعون في الخروج إلى كنعان ليدفنه في كنعان في مدينة حبرون (الخليل) ويعود مرة أخرى. وقد عمَّقت الأجاداه الصراع بين عيسو ويعقوب، وحوَّلت عيسو إلى شر محض على عكس الرؤية التوراتية التي تنظر إليه بشيء من التعاطف. ويبدأ الصراع حسبما جاء في الأجاداه منذ كانا في الرحم. فكلما كانت رفقة تمر على معبد يهودي كان يعقوب يحاول أن يخرج، في حين كان عيسو يحاول أن يخرج إن مرت على معبد وثني. وبذا تَحوَّل التناقض بين اليهود والأغيار إلى صراع أزلي. وقد وُلد يعقوب نظيفاً ناعماً أنيقاً مختناً، أما عيسو فقد كان مغطى بالشعر، أحمر الذقن، نابت الأسنان، وهذه صور تبين الفرق بين جمال يسرائيل الروحي وقبح عالم الأغيار. وقد مجَّد الحاخامات يعقوب ووضعوه في مكانة تفوق حتى مكانة إبراهيم وإسحق، فكلاهما أنجب أشراراً (إسماعيل وعيسو) . بل إن الإله قد نجَّى إبراهيم من نار نمرود من أجل يعقوب. وأكثر من ذلك، فإن العالم كله قد خلق من أجل يعقوب. وقد فسرت الهاجاداه خدع يعقوب بطريقة تجعلها مقبولة، فقد وُلد عيسو قبل يعقوب لأنه هدَّد بأن يقتل أمه، ووافق يعقوب على ذلك لينقذ أمه. ثم حاول يعقوب أن يسترد بكورته حتى يمكنه تقديم القرابين وهو أمر مقصور على الابن البكر أي أنه سرق البكورة بسبب ديني. بل جاء في الأجاداه أن إسحق قد تردد في إعطاء عيسو بركته. وحينما أخبر إسحق عيسو أن أخاه قد جاء «بمكر وأخذ بركته» (تكوين ٢٧/٣٥) ، فإنه كان يعني في واقع الأمر أن أخاه قد جاء «بحكمة وأخذ بركته» ! يوسف Joseph

стр. 4208

«يوسف» اسم عبري معناه «يزيد» وربما كان اختصاراً لـ «يوسف إيل» . ويوسف هو ابن يعقوب من راحيل وأحب أولاده إليه. وردت قصته في سفر التكوين (٣٧ - ٥٠) . ويُطلَق اسمه على إحدى القبائل العبرانية. حسده إخوته بسبب رؤيا بشرته بسيادته عليهم، حيث كان يرى إخوته ساجدين له، فتآمروا عليه وألقوه في جُبّ، وحمله بعض أهل َمْدَين إلى مصر وباعوه بيع الرقيق. فاشتراه رئيس شرطة فرعون ووكله على بيته. وقد اتهمته زوجته ظلماً فأُلقي في السجن سنوات. وهناك اكتسب ثقة السجان، فولاه على جميع المسجونين. وذاعت شهرة يوسف مفسراً للأحلام . استوزره فرعون مصر بعد أن أوَّل له حلماً رآه عن سبع سنين شبع وسبع سنين جوع واقترح عليه تخزين الحبوب في سنين الشبع لتحاشي المجاعة، فعينه رئيساً لمخازنه وهو منصب يماثل منصب وزير التموين في العهد الحاضر. تزوج يوسف أسنات ابنة كاهن أون (عين شمس) فوطيفارع (أي: عطية رع إله الشمس) فأنجب منها منَسَّى وإفرايم. ثم حضر أبوه وكل إخوته من فلسطين هرباً من المجاعة فأكرم وفادتهم ووطنهم أرض جاسان أثناء حكم الهكسوس. وبذلك تكونت الجماعة العبرانية التي قادها موسى فيما بعد عبر سيناء إلى أرض كنعان. وتُفسِّر الأجاداه قصة يوسف باعتبارها قصة جماعة يسرائيل، حيث إن رحلته إلى مصر وحظه فيها يشبه خروج العبرانيين من فلسطين وتقلُّب حظوظهم بين الأمم. أما زوجة رئيس الشرطة فهي مثل أنثى الأغيار (شيكسا) التي تحاول أن تجتذب الذكر اليهودي إليها. هجرة العبرانيين من مصر (الخروج) (Emigration of the Hebrews from Egypt (Exodus يُشار إلي هجرة العبرانيين في المصطلح الديني بكلمة «الخروج» . ومن هنا، فإن هجرة العبرانيين من مصر تعني «خروج» العبرانيين من مصر «بعد أن ظهر ملك جديد لا يعرف يوسف» (خروج ١/٨) . ومن العسير تحديد تاريخ محدَّد لعدم وجود وثائق تشير إلى هذا الحدث باستثناء العهد القديم.

стр. 4209

ويختلف العلماء حول تاريخ هجرة العبرانيين من مصر، فهناك رأي يذهب إلى أنه كان في القرن السادس عشر قبل الميلاد، وأن العبرانيين طُردوا من مصر مع الهكسوس، وهذا رأي مانيتو المؤرخ المصري اليوناني الذي عاش حوالي عام ٢٥٠ ق. م. أما الرأي الثاني، فيذهب إلى أن هجرة العبرانيين حدثت في منتصف القرن الخامس عشر قبل الميلاد وأنها كانت في زمن تحتمس الثالث أو في زمن أمنوفيس الثاني، ويتفق هذا مع ماجاء في سفر القضاة، ومع ما ورد في لوحات تل العمارنة عن الخابيرو. ويعتقد العلماء أن هؤلاء هم العبرانيون الذين جاءوا إلى أرض كنعان في هذا التاريخ تقريبًا. أما الرأي الثالث فيرى أن تاريخ الهجرة يقع في الفترة ١٢٧٥ ـ ١٢٥٠ ق. م، وأنها تمت أثناء حكم رمسيس الثاني إذ يذكر سفر الخروج أن العبرانيين بنوا «مدينتي مخازن» وهما: فيثوم ورعمسيس، وأن «رعمسيس» هو اسم الفرعون الذي حدث الخروج في عصره. وهذا دليل واهٍ، ذلك لأن اسم «رعمسيس» استُخدم في عصر سابق لعصر رمسيس الثاني بزمن طويل. ويقول علماء آخرون إن الهجرة قد تمت في عصر مرنبتاح، أي نحو عام ١٢٣٠ ق. م، فقد جاء على نصب تذكاري أنه انتصر على يسرائيل وغيره من الأقوام وأنه قضى على نسله. وقد استدلوا على أن هذه إشارة إلى هجرة العبرانيين من مصر، مع أن هذه الإشارة يُستَدل منها على أن العبرانيين كانوا قد خرجوا من مصر قبل ذلك التاريخ وأنهم قضوا سنى التيه في سيناء، وتسللوا إلى كنعان واستقروا فيها، الأمر الذي يتناقض والروايات الأخرى وبعض الحقائق التاريخية، ولذا يذهب بعض المؤرخين إلى أن اسم «يسرائيل» الذي ظهر على هذا النصب إنما هو اسم لمدينة أو قبيلة كنعانية. كما قام أحد العلماء المصريين (د. أحمد يوسف) بترجمة النص كما يلي: "كان إسرائيل بوراً (أو عقيماً) لا بذرة له". وهي جملة لا تدل بالضرورة على حرب أو قتال.

стр. 4210

والخروج عملية هجرة من مصر إلى أرض كنعان (فلسطين) . وبالتالي يمكن النظر إليه في إطار آليات الهجرة باعتبارها حركة طرد من مصر، وحركة جذب إلى كنعان، شأنه شأن أية حركة هجرة أخرى. ومع هذا، يجب التحفظ بشأن ما سنورده من أسباب وتفسيرات، فهذه مراحل تاريخية كثير من جوانبها ظلت سديمية، لا نعرف الكثير عنها. وفي محاولة تفسير حركة الطرد من مصر يمكننا القول بأنه عند تحرير مصر من الهكسوس طُرد معهم حلفاؤهم العبرانيون. أما من بقوا منهم، فقد اعتُبروا أجانب وتحوَّلوا إلى أرقاء وعبيد سُخِّروا في أعمال البناء والمشاريع الإنشائية التي كان يقوم بها الفراعنة، ومن هنا أصبحت مصر، بالنسبة إليهم أرض العبودية. ويضاف إلى هذا العامل الحضاري أنه تم في القرن الثالث عشر قبل الميلاد اكتشاف الحديد، وهو ما أدَّى إلى بدء تَدهوُّر الوضع الاقتصادي في مصر. فقد كانت مصر غنية بمناجم النحاس، وتسيطر سيطرة شبه كاملة على تجارته مع بلدان غربي آسيا، ولذا، فقد كانت تمارس تأثيراً لا يُستهان به في المنطقة. إلا أن اكتشاف الحديد قلب الأوضاع القائمة حيث حل التعامل بالمعدن الجديد محل التعامل بالنحاس في العالم القديم. ولم تقتصر آثار ذلك على الشعب المصري وحده وإنما شملت الحالة المعيشية لجميع الأجانب القاطنين مصر ومنهم العبرانيون، الأمر الذي دفعهم إلى التفكير في الانتقال إلى موقع آخر أفضل. وعلاوة على هذا، شهدت منطقة البحر الأبيض المتوسط في الحقبة التاريخية ١٤٠٠ ـ ١١٠٠ ق. م حركة هجرة هائلة امتدت من أواسط آسيا متجهة نحو شواطئ البحر الأبيض المتوسط وأوربا، إلى جانب حركة سكان جزر المتوسط نحو السهول الساحلية (ومن بينها السواحل الشرقية) مثل شعوب البحر ومنهم الفلستيون.

стр. 4211

أما حركة الجذب إلى كنعان، فقد كانت تعود إلى جملة أسباب، أولها أن كنعان كانت دوماً عرضة للغزو الخارجي، ولكنها كانت تقع خارج حدود إمبراطوريتين عظميين: بلاد الرافدين، ووادي النيل. وهذا يعني أن الأقوام التي كانت تعيش فيها كانت تتمتع إلى حدٍّ ما بنوع من الاستقلال النسبي. كما أنها كانت قد بلغت مرحلة متقدمة في الصناعة والتجارة والرفاهية الاقتصادية. وكان هذا يشكل عامل جذب قوي بالنسبة إلى العبرانيين، ويحمل في تضاعيفه أمل التغلغل في هذا المجال، وبالتالي السيطرة عليه. وإضافة إلى هذا، كان العبرانيون قد أقاموا في كنعان في زمن مضى، الأمر الذي كان يهيئهم نفسياً للتفكير في الهجرة إليها مرة أخرى، وخصوصاً أنها على مقربة من مصر. وأخيراً كان التشكيل السياسي السائد في كنعان يتكون من دويلات/مدن ضعيفة لم يكن من الصعب على العبرانيين أن يغزوها ويبسطوا سيطرتهم عليها. ويختلف العلماء في تحديد الطريق الذي سلكه العبرانيون في خروجهم من مصر. فيحاول بعضهم تحديده بدراسة نصوص العهد القديم وتحليل تضاريس شبه جزيرة سيناء. بل يثير بعض العلماء قضية أن المكان الذي خرج منه العبرانيون «متسراييم» لم يكن «مصر» ، فقد أشار هيوجو ونكلر إلى أن متسراييم التوراتية ليست مصر وإنما موزري وهي مقاطعة جنوبي البحر الميت تضم مرتفعات سعير ومدينة البتراء وتضم أرض مَدْيَن والأدوميين والنبطيين وأنه حدث خلط بين موزري ومصر. ويرى كمال الصليبي أن متسراييم هي أرض عسير في جنوب المملكة العربية السعودية. وقد رفضت أغلبية العلماء كلا الرأيين. ونحن نستخدم كلمة «الخروج» للإشارة إلى هجرة العبرانيين (جماعة يسرائيل) من مصر، وسيرهم في سيناء، من الناحية الدينية. ونستخدم كلمة «هجرة» للإشارة إلى الواقعة التاريخية ذاتها، أما عبارة «التسلل العبراني في أرض كنعان» ، فنستخدمها للإشارة إلى دخول العبرانيين أرض كنعان. الخروج (مفهوم ديني)

стр. 4212

Exodus (Religious Concept) كلمة «الخروج هي الترجمة العربية للعبارة العبرية «يتسيآت متسراييم» ، ويُقال لها باليونانية «إكزوداس» . وتُستخدَم الكلمة بمنطوقها اليوناني في معظم اللغات الأوربية. والخروج هو خروج جماعة يسرائيل من مصر بعد أن ظهر ملك جديد لا يعرف يوسف (خروج ١/٨) . وهي واقعة تحتل مكانة مركزية في الوجدان الديني اليهودي ثم الصهيوني. وتذهب المصادر الدينية إلى تفسير الخروج بأنه يرجع إلى تَزامُن اضطهاد فرعون مصر لأعضاء جماعة يسرائيل وإلى أنهم سئموا حياة الترف والدعة في مصر التي يُشار إليها بعبارة «قدور لحم مصر» . ومهما يكن السبب، فقد أصبح أعضاء جماعة يسرائيل، حسب الرواية التوراتية، شعباً وأمة مقدَّسة بعد خروجهم من مصر «أرض العبودية» . وتُعتبَر هذه الواقعة، تقليدياً، النقطة التي يبدأ فيها التاريخ المستقل لليهود ويظهر الشعب اليهودي للوجود. فقبل ذلك التاريخ كانت الإشارات دائماً إلى أفراد أو أسر (مثل يعقوب وأولاده) تتنقل من مكان إلى آخر وليست لهم هوية إثنية محدَّدة. ويرمز الخروج في الوجدان اليهودي إلى التدخل الإلهي في التاريخ لصالح الشعب المختار. ويدل على تَحوُّل إله العالم أو الكون أو الطبيعة إلى إله التاريخ اليهودي الذي لا يمكن فَهْم أفعاله بالمنطق الإنساني العادي. وخروج جماعة يسرائيل من مصر علامة على اختيارهم حسب التراث الديني اليهودي، وهو أيضاً علامة على الاستعداد الدائم عند الإله للتدخل في التاريخ ليأخذ بيدهم ولينصرهم على أعدائهم.

стр. 4213

وتركز هذه المناسبة على مصر باعتبارها نموذج أرض العبودية التي يُمتهَن فيها الشعب المقدَّس، تماماً كما أصبحت بابل نموذجاً لأرض السبي والنفي. والتراث اليهودي يُذكِّر اليهود بالخروج في أهم المناسبات، فالوصايا العشر تعرّف الإله بأنه «الذي أخرج اليهود من دار العبودية» ، ويرد ذكر الخروج في صلاة الشماع، وعلى كل يهودي في عيد الفصح أن يستشعر الخروج وكأنه يمارسه بشكل شخصي مباشر. وسيُحتَفل بالخروج حتى في العصر المشيحاني، ذلك لأن العصر المشيحاني، مثل الخروج، يقع خارج نطاق التاريخ: في دائرة المطلق. فهما نقطتان متوازيتان، فالخروج بداية التاريخ وعودة الماشيَّح نهايته. وهذا التاريخ المقدَّس ليس له علاقة كبيرة بالتاريخ الحقيقي، فحادثة الخروج هذه لم تمثل حدثاً يثير الاهتمام الفكري لدى المصريين، ولذا لم يأت لها ذكر في الآثار الفرعونية. كما أن تجربة العبرانيين الفعلية لم تكن سيئة دوماً مع الإمبراطورية المصرية القديمة، وإن لم تكن طيّبة طوال الوقت. ومع هذا، فإن التاريخ المقدَّس أو التوراتي هو الذي صاغ رؤية اليهود لمصر بل وربما رؤية العالم (الغربي) المسيحي لها. ونفس هذه الرؤية، في العلاقة بين عبودية شعب وتحرُّره من إمبراطورية كبرى مثل مصر، تتمثل في رؤية داود وجوليات، فهي عبودية الشاب الصغير الذي لا يحمل سوى المقلاع وتحرُّره من سطوة جوليات المدجَّج بالسلاح.

стр. 4214

وتُستخدَم كلمة «خروج» للإشارة إلى هجرة اليهود من أي بلد، فيُشار مثلاً إلى خروج يهود البلاد العربية منها إلى الدولة الصهيونية وإلى خروج يهود الاتحاد السوفيتي (سابقاً) إلى الولايات المتحدة أو إسرائيل. ولكن، وبعد هجرة ما يزيد على نصف مليون مُستوطن صهيوني من فلسطين المحتلة إلى الولايات المتحدة وغيرها من الدول، أشار أحدهم إلى «خروج صهيون» أو «الخروج من صهيون» . وفي هذا مفارقة عميقة إذ أن الخروج يكون دائماً إلى صهيون وليس منها. ويتناول أحد أسفار موسى الخمسة أحداث واقعة الخروج، وهو «سفر الخروج» . موسى Moses «موسى» هو المقابل العربي لكلمة «موشيه» العبرية، وموسى هو مؤسس الديانة اليهودية. وبخروجه أو هجرته من مصر، يبدأ تاريخ العبرانيين. وقد لاحظ فرويد أن شخصية موسى مزيج من مفاهيم البطولة عند الساميين والمصريين، فشخصية البطل عند الساميين تتميَّز بأنها من أب غير معروف، أو بأن يكون البطل يتيماً، أو تكون ولادته محفوفة بالمخاطر والمشاكل، أو يكون البطل ممن أحبوا العزلة في الصحاري والجبال. أما عند المصريين، فهو من بيئة أرستقراطية، قوي البنية شديد البأس، يعيش في الحضر بين قوم مُتمدينين. وتضم شخصية موسى مزيجاً فريداً من المفهومين.

стр. 4215

شبَّ موسى، حسب الرواية التوراتية، في بيت فرعون بعد أن ألقته أمه رضيعاً في النهر، لأن فرعون كان قد شدَّد الأمر بقتل صبيان العبرانيين. ولكنه عرف هويته الحقيقية. وتدخَّل في شجار وقع بين مصري وعبراني فصرع الأول. لكن أحد العبرانيين وشى به، فاضطر إلى الخروج من مصر إلى أرض مديَن في شبه جزيرة سيناء والجزء الشمالي من الجزيرة العربية. وعمل خادماً لدى يثرون كاهن الإله المديَني «يهوه» الذي علمه الديانة الجديدة وزوجه ابنته صفورة. وأثناء رعيه أغنام يثرون، حدثت له معجزة الشجرة المشتعلة التي لا تهلكها النيران، فلما دنا لينظر نودي من وسطها، وظهر له رب إبراهيم وإسحق ويعقوب الذي أصبح اسمه منذ ذلك الحين يهوه (وموسى ـ حسب الرواية التوراتية - هو النبي الوحيد الذي رأى الإله وجهاً لوجه) . وطلب إليه يهوه أن يعود إلى مصر ليكون قائداً لشعبه ويخرجه من هناك، فأخذ معه أخاه هارون لأنه كان يتلعثم في الكلام. وكما هو معروف، رفض فرعون مصر، وقد يكون رمسيس الثاني (١٢٩٠ ـ ١٢٣٧ ق. م) ، ما طلبه موسى، واستمر في استعباد جماعة يسرائيل، فحلَّت بمصر الأوبئة العشرة حتى اضطر فرعون إلى أن يُطلق سراحهم. لكنه غيَّر رأيه ولحق بهم أثناء عبورهم البحر الأحمر، فغرق هو وجيشه. وعند جبل سيناء ظهر يهوه مرة أخرى لموسى، وجدَّد الميثاق بينه وبين جماعة يسرائيل، وأعطى موسى الوصايا العشر والتوراة. وبدأ موسى في سَن التشريعات، وهو ـ حسب التراث الديني اليهودي ـ المصدر الأساسي للشريعة الشفوية. وبنى أيضاً خيمة الاجتماع.

стр. 4216

وقد تسبَّب اليهود في الكثير من العناء لموسى أثناء عبور الصحراء، إذ عبدوا العجل الذهبي في غيابه، ثم ظلوا في الصحراء مدة أربعين عاماً حتى نجحوا في اجتياز سيناء. واتخذ موسى لنفسه زوجة ثانية رغم معارضة أخته مريم وأخيه هارون. وحينما حاول عبور نهر الأردن، رفضت مملكتا مؤاب وأدوم السماح له بعبور أراضيهما، الأمر الذي اضطره إلى التسلل شرقاً والاتجاه شمالاً. وتذكر التوراة أن الرب غضب من موسى وأخيه هارون لخيانتهما له «إذ لم تقدساني وسط بني إسرائيل» (تثنية ٣٢/٥١) . وكان عقاب موسى النظر إلى أرض كنعان من على جبل نبو لكنه لم يدخلها. ثم مات موسى، وتولى مهمة إدخال جماعة يسرائيل إلى أرض كنعان خادمه يشوع بن نون. ورغم أن له هذه الأهمية، فإننا لا نجد ذكراً له على لسان عاموس أو أشعيا، ولا يأتي له أيضاً ذكر في الأسفار المقدَّسة إلا فيما ندر. وربما يعود هذا إلى فقدان اليهود لأسفار موسى الخمسة لمئات من السنين. والواقع أن هذه الأسفار تنسب إلى موسى كثيراً من الأوامر الخاصة التي تحرِّض على النهب والسلب والحرق (عدد٣١/١٨) . ونظراً لأهمية موسى في الوجدان اليهودي، فإن اليهود والصهاينة يخلعون لقب «موسى الثاني» على كل قائد يهودي. وقد اكتسب هذا اللقب كلٌّ من موسى بن ميمون في الأندلس، وموشيه ديان في فلسطين المحتلة.

стр. 4217

وجاء في الأجاداه أن السماء والأرض خُلقتا من أجل موسى، وأن ابنة فرعون حينما فتحت السلة التي فيها موسى وجدت الشخيناه إلى جواره. وقد رفض موسى أن يرضع من ثدي المصريات لأن الفم الذي سيتحدث مع الشخيناه لا ينبغي أن يلوثه لبن النساء المدنَّسات. وقد ظهر الإله له داخل الشجرة المشتعلة حتى يبين له أن اليهود لا يمكن تحطيمهم ـ تماماً مثل الشجرة التي لم تقض عليها ألسنة اللهب. وقد فُسِّر تردده في قبول الرسالة الإلهية بعدة أسباب، من بينها أنه أراد أن يكون الإله ذاته هو مخلِّص جماعة يسرائيل، كما أنه كان غاضباً من الإله لأنه هجر جماعة يسرائيل لمدة مائتين وعشرة أعوام وسمح بأن يقوم المصريون بذبح كثير من أتقيائهم. وفي القبَّالاه، يُعَدُّ موسى وهارون التجلّيين النورانيين: نيتسح (التحمل والأزلية) وهود (الجلالة والمجد) . هارون Aaron «هارون» هو المقابل العربي للاسم العبري «أهرون» ، وهو شقيق موسى، وهو أيضاً من أحفاد لاوي. اعتُبر منذ شبابه قائداً لجماعته وكاهن بيته وسُمِّي باسم «اللاوي» . ويُعَدُّ هارون شخصية أساسية في أحداث الخروج من مصر، فهو الذي تحدَّث باسم موسى حينما ذهب إلى فرعون (وهذا ما يعطيه صفات النبوَّة) . واشترك مع موسى في قيادة جماعة يسرائيل إلى خارج مصر. ومع هذا، فحينما تأخر موسى وهو على الجبل مع الرب، ضج أعضاء جماعة يسرائيل، وارتدوا عن طاعة إله موسى وطلبوا إلى هارون أن يصنع لهم تماثيل آلهة ليعبدوها، فصنع هارون العجل الذهبي وبنى له مذبحاً. غير أن الإله، مع هذا، غفر له خطأه وأصبح هارون أول رئيس للكهنة. وتُفسِّر الأجاداه تَورُّطه في حادثة العجل الذهبي على أساس حبه لجماعة يسرائيل. فبدلاً من أن يقتل من اشتركوا في هذه العبادة الوثنية، كما فعل موسى، اشترك هو معهم بل صنع العجل بنفسه. وفي رواية أخرى أنه صنع العجل الذهبي خوفاً على حياته من جماعة يسرائيل.

стр. 4218

وثمة رأي يذهب إلى أن ثمة اختلاف بين الهارونيين (ذرية هارون) واللاويين، وأن ذرية هارون تشكِّل نخبة خاصة داخل قبيلة لاوي، ولذا فقد كان منهم كبير الكهنة في حين كان يتبع صغار الكهنة قبيلة لاوي. ويُلاحَظ أن ثمة صراعاً بين اللاويين والهارونيين يظهر في ثورة أبناء قورح على هارون، وفي رفض قبيلة اللاويين ممارسة عبادة العجل الذهبي. ويرى بعض العلماء أن قبيلة هارون كانت عشيرة كهنوتية موجودة في مصر قبل عصر موسى واعتنقت عقيدة موسى قبل اللاويين، وأنها هي التي نشرت الدين الجديد بسبب مكانتها، وأن العشيرة الهارونية اندمجت في قبيلة اللاويين.

стр. 4219

الباب التاسع: التسلل أو الغزو العبراني لكنعان التسلل أو الغزو العبراني لكنعان Hebrew Infitration into, or Conquest of, Canaan يُعَدُّ خروج العبرانيين من مصر حركة هجرة تمكن رؤيتها في إطار حركة طرد من مصر وجذب من كنعان. وتشير بعض المراجع، استناداً إلى الرواية التوراتية، إلى هذه الهجرة باعتبارها حركة «غزو» عسكرية، ونحن نفضل استخدام اصطلاح «تسلل» لوصف هذه العملية التاريخية الطويلة التي لم تتم عن طريق معركة أو عدة معارك عسكرية حاسمة، وإنما عن طريق التسلل والتجسس والتزاوج والاندماج وأحياناً الغزو. وقد كان العبرانيون قبائل بدوية بدائية حينما خرجوا من مصر وعبروا سيناء ووصلوا إلى مشارف أرض كنعان. ولذلك لم يكن في مقدورهم غزو هذه الأرض والاستيلاء عليها، ولم يكن أمامهم سوى التسلل التدريجي فيها، وقد كانت عملية طويلة استمرت ما بين ١٢٥٠ و١٢٠٠ ق. م. وما كان لهذا التسلل أن ينجح لولا تضافر عدة عوامل تاريخية واجتماعية وسياسية، لعل أهمها كان الغياب المؤقت للإمبراطوريات العظمى في تلك المرحلة. فالإمبراطورية الحيثية في الشمال كانت قد انهارت في الربع الأخير من الألف الثاني قبل الميلاد، وكانت عوامل الضعف تزحف على القوة المصرية في الجنوب التي تضاءلت هيمنتها على كنعان، ولم تكن آشور قد أصبحت بعد قوة عظمى ذات أهمية. أما في كنعان ذاتها، فقد كانت المدن الدول الكنعانية قد أحرزت تقدماً حضارياً ملحوظاً. ويُرجَّح أن السبب في أن جماعة يسرائيل أو العبرانيين قد أخذت بلغة وحضارة وحتى بديانة كنعان يعود إلى كونها جماعة بدائية تفتقر إلى أدنى المقومات الحضارية، وذلك كما نستنتج من الروايات التوراتية إذ يخاطب الإله موسى قائلاً: «إني سأسوقك إلى مدن عظيمة لم تبنها، وبيوت مملوءة كل خير لم تملأها، وآبار محفورة لم تحفرها، وكروم وزيتون لم تغرسها ... وأكلت وشبعت ... » (تثنية ٦/١٠ـ ١٢) . ومع ذلك، كانت هذه المدن/الدول تتطاحن فيما بينها، وهو ما أدَّى إلى تَدهور الوضع الأمني في البلاد. ويبدو أن الوضع الإثني في كنعان كان يتَّسم بعدم التجانس، فالعهد القديم

стр. 4220

يذكر دائماً الأقوام السبعة التي تقطن المكان ويزداد العدد أحياناً ليصل إلى عشرة في سفر التكوين (١٥/١٩ـ٢١) «القينيين والقنزيين والقدمونيين والحيثيين والفرزيين والرفائيين والعموريين والكنعانيين والجرجاشيين واليبوسيين» . وهذه نقطة أدركها جواسيس موسى، فقد ذهبوا ورأوا أرضاً «تفيض لبناً وعسلاً وأن مدنها حصينة عظيمة جداً» أي أنها تتمتع بقدر عال من التقدم الحضاري. ولكنهم لاحَظوا أيضاً تنوعها الإثني، إذ قالوا: «العمالقة ساكنون في أرض الجنوب والحثيون واليبوسيون والعموريون ساكنون في الجبل والكنعانيون ساكنون عند البحر وعلى جانب الأردن» (عدد ١٣/٢٨ ـ ٢٩) . ومع هذا، لم يحرز العبرانيون نصراً عسكرياً، فلم يحتلوا سوى بعض المناطق الجبلية عن طريق استخدام التجسس والتخريب وعنصر المفاجأة. أما في السهول، حيث توجد العربات الحربية، فقد ظلت الهيمنة للكنعانيين. ويظهر هذا في رد قبيلة يوسف على يوشع بن نون حين يقولون: «لا يكفينا الجبل، ولجميع الكنعانيين الساكنين في أرض الوادي مركبات حديد» (يشوع ١٧/١٦ ـ ١٨) . والوضع نفسه ينطبق على قبيلة يهودا، فقد ملكت الجبل لكنها لم تطرد سكان الوادي «لأن لهم مركبات حديد» (يشوع ١٧/١٢ـ ١٨) . ومن يقرأ سفر القضاة (١/٢١ ـ ٣٥) ، ويشوع (١٦/١٠) يعرف أن الغزو العبراني كان مجرد استيطان في عدة جيوب غير مترابطة، رغم كل التهويل الخاص بقتل عشرات الملوك. ويؤكد السفر أن الكنعانيين كانوا يقطنون وسط العبرانيين. بل يمكن القول بأن العبرانيين ظلوا مُشرَّدين لاجئين على قمم التلال، ومن تجرَّأ منهم ونزل إلى السهول أصبح خادماً أو عبداً. وظل هذا الوضع فترة طويلة جداً، ففي سفر الملوك الأول إشارة إلى إله العبرانيين باعتباره «إله جبال لذلك قووا علينا. ولكن إذا حاربناهم في السهل فإننا نقوى عليهم» (ملوك أول ٢٠/٢٣) .

стр. 4221

ولا يمكن فَهْم هذا التسلل العبراني باعتباره غزواً بالمعنى العادي، فهو تسلل يعتمد على القوة العسكرية أحياناً وعلى المكر أحياناً أخرى وعلى التزاوج في بعض الأحيان. كما أن العبرانيين المتسللين تزاوجوا مع أقاربهم الذين لم يهاجروا معهم إلى مصر كما تزاوجوا مع الكنعانيين. وقد سيطر العبرانيون في نهاية الأمر على قسم كبير من أراضي فلسطين الشمالية، فاستوطنت قبائل يهودا وبنيامين الأراضي المرتفعة المحيطة بالقدس، واستوطنت القبائل الأخرى السهول الشمالية، وقام اتحاد القبائل المعروف بالمملكة العبرانية المتحدة التي انقسمت فيما بعد إلى الدويلتين العبرانيتين. ولكن سيطرة العبرانيين لم تَدُم طويلاً إذ قامت القوى الإمبراطورية العظمى فاكتسحت دويلات الشام وفلسطين كلها وتعاقبت السيطرة عليها.

стр. 4222

ومن القضايا التي تثار، عمليات الإبادة الافتراضية التي صاحبت التسلل العبراني، فحسب ما جاء في العهد القديم، كان العبرانيون لا يكتفون بفتح المدن وإنما كانوا يقومون بإتلاف وتدمير كل ما تقع عليه أيديهم من إنجازات مادية أوحضارية وبإبادة الرجال والنساء والشباب والشيوخ والثيران والخراف والحمير بحد السيف. ويذكر العهد القديم بفخر واضح الألوف التي تمت إبادتها. ومما لا شك فيه أن الحديث عن الإبادة، مثل الحديث عن الانتصارات العسكرية، أمر مبالغ فيه. ومع ذلك، يظل هناك جزء من الحقيقة. ولعل اتجاه العبرانيين نحو الإبادة هو تعبير عن تَخلُّفهم الحضاري، فالعبرانيون كما أسلفنا كانوا جماعات متحركة هاربة من مصر، دخلت أرضاً فيها مدن مستقرة بلغت مرحلة حضارية وثقافية أعلى وأكثر رقياً. ولم يكن تحقيق الانتصار والاستيلاء على هذه المدن ممكناً إلا عن طريق الإبادة الجسدية والإفناء المادي الشامل بسبب غياب أية مؤسسات إدارية عبرانية تتمتع بقدر من التركيب. كما أنهم، نظراً لتخلفهم الاقتصادي والحضاري، لم تنشأ عندهم الحاجة إلى الأيدي العاملة التي كان الأسرى من أهم مصادرها. ومن هنا، نجد أن العبرانيين كانوا يتخلصون من الأسرى بإبادتهم جسدياً. وقد استمر هذا الوضع حتى بعد إنشاء الدولة العبرانية المتحدة التي كانت تَسدُّ حاجتها من الأرقاء والعبيد المطلوبين لأداء خدمات يومية اعتيادية للأرستقراطيين والموسرين عن طريق استعباد المذنبين والأفراد الذين يعجزون عن تسديد ديونهم فيبيعون أنفسهم أو أبناءهم ليكونوا عبيداً لدى الدائن. يَشُوَّع بن نون Joshua

стр. 4223

«يَشوَّع بن نون» هو المقابل العربي للاسم العبري «يهوشواع» ومعناه «يهوه هو الخلاص» . ويشوع بن نون، كان اسمه في البداية «شواع» وأضاف موسى الجزء الأول فصار «يهوشواع» ، ثم دعاه موسى «يشوع» . وهو يُسمَّى أيضاً «يوشع» . وهو خليفة موسى وخادمه وابن نون من سبط إفرايم. وُلد في مصر، وأرسله موسى مع كالب ليتجسسا. ويُصوِّره العهد القديم باعتباره نبياً وقائداً عسكرياً قاد القبائل العبرانية إلى أرض كنعان واقتحمها حسب الرواية التوراتية بعد معارك ضارية مع العموريين والمؤابيين والفرزيين والكنعانيين والحيثيين والجرجاشيين والحوريين واليبوسيين، فأحرقوا بعض مدنهم وقتلوا رجالهم مستخدمين الوسائل كافة ـ ومن ذلك الخداع والتجسس عن طريق العاهرات (١٢٥٠ ـ ١٢٠٠ ق. م) .

стр. 4224

استمر يشوع بن نون في حكم العبرانيين مدة ثمانية وعشرين عاماً، فقسَّم الأرض التي احتلوها بالقرعة على القبائل العبرانية، واستثنى اللاويين الذين قاموا بالأعمال الكهنوتية. وترك ست مدن على الشاطئين الأيمن والأيسر لنهر الأردن لتكون ملجأ للمشرَّدين من العبرانيين المتهمين بالقتل الخطأ. وكان يُحذِّر جماعة يسرائيل من ترك الرب وعبادة آلهة غريبة. ويروي سفر يشوع أخباره، ومن بينها أنه أصدر أمره إلى الشمس بأن «تقف» حتى ينتقم من أعدائه «فوقفت الشمس في كبد السماء ولم تعجل للغروب نحو يوم كامل» (يشوع ١٠/١٣) . ويشوع هو الذي أمر العبرانيين بأن يطوفوا بأسوار أريحا سبع مرات وأمامهم سبعة كهنة ينفخون في الأبواق، فسقط السور وسقطت المدينة في أيديهم. ويُفسِّر بعض المحدَثين من اليهود هذه الظاهرة بأنه من تأثير شدة ذبذبات أصوات الأبواق. ومهما يكن الأمر، فقد قام يشوع بإحراق أريحا بالنار بأمر يهوه «وكل ما بها» ما عدا راحاب العاهرة (يشوع ٦/٢٢ ـ ٢٤) . ويُلاحَظ أن التصوُّر السائد للخالق في سفر يشوع لا يختلف كثيراً عما جاء على نقش ميشع حيث نجد أن الإله القومي يجد غبطة غير عادية في عمليات القتل والإبادة التي يقوم بها شعبه.

стр. 4225

وتحاول الأجاداه أن تبرر قيامه باغتصاب أرض كنعان من أهلها على أساس أن العهد الإلهي قد وعد بهذه الأرض لنسل يعقوب وأن الكنعانيين كانوا مجرد أوصياء عليها. وقد تزوج يشوع من العاهرة راحاب التي ساعدت جواسيسه وذلك بعد أن تهودت. ومما تجدر الإشارة إليه، أن العَالم هـ. تامارين قد أجرى استفتاء، في عدد من مدارس تل أبيب والمدن والمستعمرات الإسرائيلية، حول الأساليب الهمجية التي انتهجها يشوع، فتوصَّل إلى أن نحو ٦٦ - ٩٥% أيَّدوا ذلك الأسلوب وأن ٣٠% من التلاميذ كانوا يؤيدون بصورة قطعية إبادة السكان العرب تماماً في المناطق المحتلة. ومن الأجوبة التي تلقاها: «لقد تصرَّف يشوع بن نون تصرفاً حسناً بقتله جميع الناس في أريحا، ذلك لأنه كان من الضروري احتلال البلاد كلها، ولم يكن لديه وقت لإضاعته مع الأسرى» . وثمة إشارات عديدة في أدبيات جوش إيمونيم وجماعة كاخ إلى يشوع وإلى أن أسلوبه الإبادي هو الأسلوب الأمثل في التعامل. وقد دعا كاهانا المؤسسة الدينية إلى تبيان أن أسلوبه هذا جزء عضوي من الدين اليهودي والرؤية اليهودية لسكان الأرض من غير اليهود. الأسباط Hebrew Tribes «الأسباط» صيغة جمع مفردها «سبط» ، وهي كلمة عربية تعني «ولد الابن أو الابنة» ، وتستخدم في النصوص الدينية للإشارة إلى القبائل العبرانية. ونحن لا نستخدم هذا المصطلح في هذه الموسوعة إذ نؤثر استخدام المصطلح الأكثر حياداً وهو كلمة «قبيلة» وجمعها «قبائل» ، ونُفرِّق بين السياق الديني والتاريخي فنقول «قبائل يسرائيل» و «القبائل العبرانية» . القبائل العبرانية الإثنتا عشرة Twelve Hebrew Tribes

стр. 4226

كلمة «سبط» بالعبرية معناها «عصا» أو «جماعة يقودها رئيس بعصا» . ويُطلَق تعبير «أسباط» أو «قبائل» على أولاد يعقوب وكذلك على كل من إفرايم ومنَسَّى ابني يوسف. وقد انتظمت مجموعة القبائل العبرانية (في العصر التالي لموسى والمسمَّى «فترة القضاة» في اثنتي عشرة قبيلة أو اثنى عشر سبطاً على ما جرت عادة النظام الاجتماعي للتجمعات الكنعانية في فلسطين في العصور القديمة. وتسمَّت هذه القبائل بأسماء أبناء يعقوب: رؤوبين وشمعون ويهودا وبساكر وزبولون وبنيامين ودان ونفتالي وجاد وأشير وإفرايم ومنَسَّى، وتضاف إليها قبيلة لاوي. وُسمِّيت هذه القبائل معاً «يسرائيل» ، فهي من صلب يعقوب (يسرائيل) . وكانت كل قبيلة مقسَّمة إلى بطون وأُسَر. وقد استوطنت قبيلتان ونصف (رؤوبين وجاد ونصف منَسَّى) الضفة الشرقية لنهر الأردن، واستقرَّت القبائل الأخرى في ضفته الغربية. وكانت أهم القبائل قبيلة يهودا التي استوطنت في الجنوب وسُمِّيت باسمها المملكة الجنوبية بعد تفكُّك اتحاد القبائل في المملكة العبرانية المتحدة. أما أكبر قبيلة في الشمال، فهي قبيلة «إفرايم» ، ولذا سُمِّيت المملكة الشمالية «إفرايم» . وحينما قَسَّم يشوع بن نون الأراضي المُستولَى عليها بين القبائل، أُوكلت أعمال الكهانة إلى قبيلة لاوي التي لم تنل نصيباً من الأرض. ولذا، فإنها لم تَعُد تُحسَب ضمن القبائل. ومع هذا، ظل العدد (١٢) كما هو، لأن قبيلة يوسف قُسِّمت إلى قبيلتين هما منَسَّى وإفرايم. وكانت شيلوه المركز المقدَّس لكل القبائل إذ وُضع فيها تابوت العهد. ولكن هناك نظرية تذهب إلى وجود مراكز مقدَّسة أخرى مثل شكيم وجلجال ودان بحيث كان لكل قبيلة مركزها المقدَّس، وكانت شيلوه المركز المقدَّس للقبائل جميعاً.

стр. 4227

وجدير بالذكر أن العدد (١٢) رقم مفضل في العهد القديم، فهناك وعد من الرب لإبراهيم بأن يُخرج من نسل ابنه إسماعيل اثنتى عشرة قبيلة (تكوين ١٧/٢٠) كما أن عدد أبناء يعقوب كان اثنى عشر أيضاً، وهو نفسه الرقم الذي يتكون منه اتحاد ملوك الحيثيين. وربما كان لذلك علاقة بعدد البروج والشهور في التقاويم الشهيرة. ومع هذا، تختلف الروايات في عدد القبائل على وجه الدقة، فأغنية دبوره (قضاة ٥) تذكر عشر قبائل وحسب ولا تذكر يهودا أو شمعون. ويذكر موسى (تثنية ٣٣) إحدى عشرة قبيلة إذ لا يذكر سيمون. وهناك قبائل ورد ذكرها ولم يُعرَف مصيرها، كما أن بعض المراجع التي حصرت كل الأسماء تذكر أن عدد القبائل يبلغ عشرين.

стр. 4228

ظل التقسيم القبلي هو النظام الاجتماعي القائم في فترة القضاة (١٢٥٠ ـ ١٠٢٠ ق. م) ، والذي استمر إبّان نظام الملكية بعد أن قام داود وسليمان بتوحيد القبائل تحت حكم ملكي شمولي. ولذا، فبعد أن أُقيمت المملكة العبرانية المتحدة، ما لبثت هذه المملكة أن انقسمت إلى مملكتين: الشمالية والجنوبية. وكانت المملكة الجنوبية (يهودا) تضم قبيلتي يهودا وبنيامين، بينما ضمَّت المملكة الشمالية (يسرائيل) القبائل العشر الباقية. ويبدو أن الوحدة بين هذه القبائل كانت ضعيفة للغاية، فالمعارك التي يرد ذكرها في سفر القضاة تدل على أن القبائل لم تشترك جميعاً في معركة واحدة. وهذا أمر طبيعي في أي اتحاد قبلي، وإن كانت المراجع الصهيونية التي تحرص على إبراز مفهوم الوحدة اليهودية تحرص على إخفائه. بل كانت المعارك تنشب أحياناً بين هذه القبائل كما حدث أثناء حكم القضاة حينما نشب صراع بين سكان منطقة جلعاد (قبيلة رؤوبين وجاد ونصف قبيلة منَسَّى) وقبيلة إفرايم. وقد هُزمت قبيلة إفرايم في هذه المعركة وذُبح كثير من أفرادها بعد أسرهم. وقد جاء في العهد القديم (قضاة ٧/٨، ١٢) أنه كلما كان يدَّعي أحد أفراد قبيلة إفرايم أنه من جلعاد كان يُطلَب منه أن ينطق بكلمة «شبُولت» أي «سنبلة» ، فإن فشل في ذلك، بسبب اللهجة التي كانوا يتحدثون بها، كان يُذبَح. وهذا يدل على تلك الرغبة في الاستقلالية والتمييز بين القبائل المختلفة، كما يدل على قوة تأثير البيئة الكنعانية في مختلف القبائل بحيث كانت كل قبيلة تتبع اللهجة السائدة في المنطقة التي استقرت فيها. وقد هاجمت دبوره في أغنيتها (قضاة ٥/٢٤) سكان جلعاد وقبائل رؤوبين ودان، وأشارت إلى أنهم لم يهبّوا لنجدتها. ويذهب بعض العلماء إلى أن مرحلة القضاة لم تشهد ظهور قيادات قومية لكل القبائل إذ كانت لكل مجموعة من القبائل قيادتها المستقلة.

стр. 4229

ويبدو أن المحرِّض الأساسي على الصراعات والحروب كان قبيلة إفرايم التي كانت تخشى على مكان الصدارة الذي كانت تحتله. وهذا ما حدث بالفعل بعد اتحاد القبائل في المملكة العبرانية المتحدة خلال عصر داود وسليمان. فبعد موت سليمان، استقلت عشر قبائل تحت قيادة إفرايم (٩٢٨ ق. م) وكوَّنت المملكة الشمالية التي كان لها استقلالها السياسي وبالتالي الديني، وذلك باعتبار أن الدين والسياسة كانا متداخلين في العالم القديم، كما كان الاستقلال الديني مظهراً من مظاهر الاستقلال السياسي. منسَّى (منسه) Menasseh «منَسَّى» اسم عبري معناه «من ينسى» وهو اسم الابن البكر ليوسف. كما يُطلَق هذا الاسم على إحدى القبائل العبرانية التي كان نصيبها في الأرض موقعاً على ضفتي نهر الأردن. وكانت منَسَّى من القبائل الأولى التي هجَّرها الآشوريون. رؤوبين Reuben «رؤوبين» هو اسم عبري معناه «انظروا الابن» وهو الابن البكر ليعقوب وليئة. ويُطلَق هذا الاسم على إحدى القبائل العبرانية التي كان نصيبها من الأرض في شرق الأردن على البحر الميت. وكانت رؤوبين من أوائل القبائل التي هُجِّرت. شمعون Simeon «شمعون» اسم عبري معناه «سماع» ، وهو اسم ابن ليعقوب من ليئة، ويُطلَق هذا الاسم على إحدى القبائل العبرانية التي لم يَحصُل أفرادها على نصيب من الأرض التي فُتحت، فسكنوا مدناً في أرض يهودا ثم استولوا على بعض المواقع من جبل سعير. يسَّاكر Issachar «يسَّاكر» اسم عبري معناه «يعمل بأجرة» ، أو «يرتزق» هو اسم لأحد أبناء يعقوب من ليئة. وأُطلق هذا الاسم على إحدى القبائل العبرانية التي امتدت الأرض التي أُعطيت لها من جبل الكرمل إلى نهر الأردن. زبولون Zebulun

стр. 4230

«زبولون» اسم عبري معناه «سكن» أو «إقامة» ، وهو اسم ابن ليعقوب من ليئة. ويُطلَق هذا الاسم على إحدى القبائل العبرانية. كانت أرض هذه القبيلة تقع في أقصى الشمال، واشترك أفرادها مع كلٍّ من دبوره وباراق في حربهما ضد الكنعانيين. ولم يلعبوا دوراً مهماً في تاريخ العبرانيين. بنيامين Benjamin «بنيامين» اسم عبري معناه «ابن يدي اليمنى» . وهو اسم ابن ليعقوب من راحيل. وقد أُطلق هذا الاسم على إحدى القبائل العبرانية التي استقرت في جنوب فلسطين، وكان أفرادها مشهورين بشدة بأسهم وقوة بنيتهم. كان منهم أول ملوك العبرانيين. وكانت مدينة القدس وبيت إيل داخل حدودهم. وجاء في سفر القضاة أن القبائل تحالفت ذات مرة ضدَّهم وكادت تفنيهم عن آخرهم، وقد انضمت قبيلة بنيامين إلى يهودا حين انفك اتحاد القبائل داخل المملكة العبرانية المتحدة. دان Dan «دان» اسم عبري معناه «القاضي» . وهو اسم أحد أبناء يعقوب من بلْهة. وهو اسم إحدى القبائل العبرانية التي استقر أفرادها في وسط فلسطين من جهة الغرب. طردهم الفلستيون من هذه الأرض فاستوطنوا بقعة في الشمال بعد أن أبادوا سكانها الأصليين. ومنهم شمشون. نفتالي Naphtali «نفتالي» اسم عبري معناه «مصارعتي» . وهو اسم أحد أبناء يعقوب من بلْهة. ويُطلَق هذا الاسم على قبيلة عبرانية، كان نصيب أفرادها في الأرض وادي الليطاني والأردن وبحيرة طبرية. جاد Gad «جاد» اسم عبري معناه «طالع حسن» . وهو اسم أحد أبناء يعقوب من زلفه. ويُطلَق هذا الاسم على إحدى القبائل العبرانية. وقد كان نصيب قبيلة جاد في شرق الأردن، كما اشتمل على الجزء الجنوبي من جلعاد. آشير Asher

стр. 4231

«آشير» اسم عبري معناه «سعيد» أو «مغتبط» . وهو اسم أحد أبناء يعقوب من زلفة. كما أنه اسم إحدى القبائل العبرانية. امتدت المنطقة التي خُصِّصت لهم على ساحل البحر الأبيض من جنوب الكرمل إلى حدود صيدون (صيدا) . ولم تتمكن قبيلة آشير من طرد الكنعانيين من المدن الساحلية مثل عكا وصور وصيدون. وكانت معظم المنطقة المعيَّنة لهم في يد الفينيقيين حتى عصر داود وسليمان. ولم تشترك قبيلة آشير في حرب دبوره وباراق ضد الكنعانيين. إفرايم Ephraim «إفرايم» كلمة عبرية معناها «الثمار المضاعفة» . وهو اسم أحد أبناء يوسف وأسنات، وهو اسم إحدى القبائل العبرانية. أما المنطقة التي عُيِّنت نصيباً لهم فكانت تقع في القسم الأوسط غربي فلسطين، وكانت شيلوه من أهم مدن إفرايم. ساعد الإفراميون دبوره وباراق في حربهما ضد الكنعانيين، ومنهم صموئيل. ويبدو أن هذه القبيلة كانت تتنازع القيادة مع قبيلة يهودا. ولذا، فقد تزعَّمت حركة الانشقاق بعد موت سليمان. ويُشار إلى المملكة الشمالية باعتبارها مملكة إفرايم. اللاويون Levites

стр. 4232

«لاوي» اسم عبري معناه «مقترن» . وفي الإنجليزية، يَرد هذا الاسم في صورة «ليفي» . ولاوي ثالث أبناء يعقوب من ليئة، ويُطلَق اسمه على إحدى القبائل العبرانية الاثنتي عشرة، نصَّبهم موسى ليخدموا في خيمة الاجتماع مكافأة لهم على رفضهم الاشتراك في عبادة العجل الذهبي واشتراكهم في ذَبْح عبدته. وقد أُوكلت إلى كل عائلة من قبيلة لاوي مهام وواجبات محددة تتصل بنقل وجمع أجزاء خيمة الاجتماع إلى البرّية، وتعليم أفراد الشعب الشريعة. واختصت عائلة هارون ونسله بالخدمة داخل الخباء نفسه، وهو الهيكل فيما بعد. أما اللاويون، فقد كانوا متوسطين بين الشعب والكهنة ولم يجز لهم أن يقدموا ذبائح أو يحرقوا بخوراً أو يشاهدوا الأشياء المقدَّسة إلا مغطاة. ولذلك، حينما يحل وقت قراءة التوراة في الصلوات اليهودية بالمعبد اليهودي، ينادى على من يُتصور أنه من نسل الكهنة أولاً، ثم يُنادَى بعد ذلك على اللاويين.

стр. 4233

وبعد تسلل القبائل العبرانية في أرض كنعان واستيطانهم إياها، قام يشوع بن نون بتوزيع القبائل للانتشار في الأرض. كما قام، حسب الرواية التوراتية، بتقسيمها بينهم دون اللاويين الذين لم ينالوا أي نصيب منها إذ أعطاهم ثماني وأربعين مدينة صغيرة في فلسطين بأسرها، وهي المدن الحرة أو مدن الملجأ التي يلجأ إليها القتلة إلى حين محاكمتهم، فإن كان القتل بالصدفة ظل القاتل في المدينة، أما إذا كان متعمداً فإنه يسلم للقبيلة للقصاص. ويذهب بعض العلماء إلى أن اللاويين لم يرتبطوا بأية أرض على الإطلاق لأن هذا لا يتفق مع مهامهم الكهنوتية. ويذهب فريق آخر إلى أن اللاويين لم يكونوا قبيلة، وإنما كانوا يضمون ممثلين لكل القبائل. وكان نظام الكهنة اللاويين قائماً على النظام الذي اتبعه الكهنة المصريون في تمثيل كاهن لكل معبد من معابد مختلف الآلهة المصرية في مصر القديمة، ومتفقاً أيضاً مع طبيعة النظام الديني قديماً في مصر وبلاد الرافدين على السواء حيث كانت هناك أسرة معيَّنة تختص بتَوارُث مهمة الكهانة وتطويع العلاقة بين الرب والمؤمنين ليتم التعبير عنها من خلال الكهنة وحدهم. وكانت العلاقة بين اللاويين والكهنة غير مستقرة، فسفر التثنية يتحدث عن ضرورة أن ينضم اللاويون إلى صفوف الكهنة. ولكن يبدو أن السلطة الكهنوتية في القدس رفضت انخراطهم في سلكها ووضعتهم في منزلة متدنية في عبادة يسرائيل القربانية لأنهم اندمجوا مع الكنعانيين، وهكذا تم الفصل بين اللاويين والكهنة. ويُلاحَظ أن اللاويين في عهد داود كانوا يُقسَّمون إلى أربعة أقسام: ١ ـ مساعدي الكهنة. ٢ ـ القضاة ومندوبيهم والكتبة. ٣ ـ البوَّابين. ٤ ـ الموسيقيين.

стр. 4234

وبهذا المعنى، يمكن الحديث عن اللاويين باعتبار أنهم قبيلة/طبقة وأنهم في مرحلة من المراحل أصبحوا الطبقة الحاكمة بمعنى الكلمة، وكذلك أداتها التنفيذية وجهازها الإداري، فمنهم الشرطة والقضاة والكتبة. ولذا، فإننا نجد أن يُربعام الأول، لتأكيد استقلاليته وأمنه الداخلي، قام بطرد اللاويين من مملكته. وقد تحسَّن وضع اللاويين بعد العودة من بابل إذ أصبح الكهنة واللاويون يعودون بأصلهم إلى مصدر واحد وإن ظل الكهنة يشغلون أهم الوظائف الكهنوتية. لاوي Levi «لاوي» اسم عبري معناه «مقترن» . وهو اسم أحد أبناء يعقوب من ليئة. وقد أُطلق اسمه على إحدى القبائل العبرانية، ألا وهي عشيرة موسى وهارون التي كانت لها الزعامة الدينية والاجتماعية على سائر القبائل. ويُقال لأفراد هذه القبيلة «اللاويون» ، ومنهم الهارونيون الذين اضطلعوا بدور الكهنة. يهودا (قبيلة) Judah (Tribe) «يهودا» اسم عبري مأخوذ من اسم يهودا رابع أبناء يعقوب وليئة. والاسم يعني «الشكر لله» . وقد كان يهودا هو الذي اقترح على إخوته ألا يذبحوا يوسف وأن يكتفوا ببيعه، كما كان قائد رحلة أسرة يعقوب إلى مصر. تزوج يهودا امرأة كنعانية، وتنتسب إليه أكبر قبائل العبرانيين وأهمها، وهي قبيلة داود التي سيأتي منها الماشيَّح وشعارها الأسد، ومن هنا يُقال «أسد يهودا» . وقد سُمِّي كل العبرانيين «اليهود» نسبة إلى هذه القبيلة بعد شيوع اسمها جغرافياً في المنطقة الجنوبية. وقد ارتبط الاسم بمفهوم بيت يهودا بالمعنى الديني السياسي. وكانت قبيلة يهودا في صراع دائم مع قبيلة إفرايم من أجل الرئاسة والسيطرة على القبائل. والصيغتان «يهودا» و «يهوذا» متداولتان في اللغة العربية، ولكننا في هذه الموسوعة نقتصر على استخدام كلمة «يهودا» للإشارة إلى كلٍّ من الشخصية التوراتية التي تحمل هذا الاسم، والقبيلة أو المنطقة أو الدولة التي كانت تُدعَى كذلك.

стр. 4235

الباب العاشر: عصر القضاة القضاة (١٢٥٠-١٠٢٠ق. م) Judges تستخدم كلمة «قاضي» (بالعبرية: شوفيط) في المؤلفات الدينية اليهودية لتشير إلى معنيين، عام وخاص: المعنى العام هو القاضي الذي يحكم بين الناس، وبهذا المعنى يكون موسى أول القضاة، ثم خلفه في القضاء رؤساء العشائر وشيوخ المدينة. وكان الملك في التاريخ العبراني القديم يُعَدُّ من القضاة أيضاً، يحكم معه مجموعة من القضاة يكوِّنون مجلساً وعليهم استشارة الأنبياء والكهنة. وقد استمر هذا الوضع حتى التهجير البابلي. ولكن كلمة «قاض» لها معنى آخر في تاريخ العبرانيين القدامى، فهي تشير إلى ما يمكن تسميتهم «شيوخ القبائل» . وهؤلاء أشخاص من الكهنة المحاربين جمعوا بين السلطة الدينية والسلطة الدنيوية، وسيطروا على أمور القبائل العبرانية بعد وفاة يشوع بن نون وحتى قيام حكم شاؤول أول ملوك القبائل العبرانية، وهي فترة تمتد حسب سفر القضاة نحو أربعة قرون. ولكننا إن قبلنا بأن واقعة الخروج أو الهجرة من مصر حدثت عام ١٢٧٥ ق. م، وأن شاؤول تُوِّج ملكاً عام ١٠٢٠ ق. م، فإن هذا يعني أن عصر القضاة لم يزد على قرنين ونصف من الزمان. والواقع أن القبائل العبرانية حينما تسللت إلى أرض كنعان حوالي ١٢٥٠ ق. م، لم تكن هناك وحدة قومية متماسكة وإنما كانت هناك مجموعة من القبائل المتناحرة فيما بينها على نحو ما حدث حينما قام صراع بين سكان منطقة جلعاد وقبيلة إفرايم. ولم تكن هناك سلطة مركزية لهذه القبائل إذ كان الحكم فيها يقوم على أساس الحكم الأبوي والأسري كما هو الحال في مجموعات القبائل المشابهة.

стр. 4236

كان شيوخ العشائر يجتمعون في مجلس من الكبراء كلما نشأت الحاجة إلى ذلك. وكان هذا المجلس هو الحكم الفصل في شئون القبيلة، وهو الذي كان يتعاون مع زعماء القبائل الأخرى. فإذا ما فشل القاضي أمام هؤلاء الزعماء، لجأ المتقاضون إلى القاضي الرئيس. ومع هذا، لم يكن طابع المجتمع قبلياً رعوياً محضاً، فقد ظهر حكم القضاة مع بداية استقرار العبرانيين بعد تسللهم إلى أرض كنعان واشتغالهم بالزراعة وتَحوُّلهم عن الرعي. ويذهب بعض المؤرخين إلى أن هذه المرحلة هي التي تبنَّى فيها العبرانيون الأشكال الحضارية الكنعانية المختلفة، فتحوَّلوا من بدو رحَّل يتنقلون بالحمير إلى ممارسين للزراعة، وتعلموا استخدام الأدوات الزراعية وتخزين الحبوب ووضعها في أوعية، وبناء مأوى للحيوانات، وأتقنوا بناء المنازل والقرى والمدن والحصون، وطرق امتلاك وتأجير الأراضي وشراء الممتلكات واقتناء العبيد والجواري، كما أتقنوا أشكال التقاضي. وقد بدأت تظهر بينهم فكرة الملك المقدَّس. ومع هذا، ظل مستواهم الحضاري بسيطاً غير مركب، وظل مستواهم الاقتصادي متدنياً. وهذا يظهر بكل وضوح في التباين الشديد بين الأساسات جيدة الإنشاء، التي بناها الكنعانيون في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، وبين أكوام الحجارة الفجَّة التي حلَّت محلها في القرن الثاني عشر قبل الميلاد (بعد التسلل العبراني) ، وخصوصاً في بيت إيل. ولم يستطع العبرانيون السيطرة على كل أرض كنعان في تلك الفترة، وهذا يعني أن الوجود العبراني ظل وجوداً متقطعاً جغرافياً ومحاطاً بأقوام معادية مثل الكنعانيين والفلستيين استمرت في مقاومة العبرانيين قروناً عديدة. وقد أوقع الفلستيون هزائم شديدة بالقبائل العبرانية واستولوا على تابوت العهد، وخضع العبرانيون لحكمهم لبعض الوقت.

стр. 4237

وكانت دبوره من أولئك القضاة، وكذلك كان جدعون الذي رد هجوم المديَنيين، وشمشون الذي انتقم من الفلستيين، وصموئيل النبي، وشاؤول أول الملوك. ويشير العهد القديم إلى اثنى عشر قاضياً بعضهم يعاصر البعض الآخر. وبعد ذلك التاريخ، لم يَعُد القضاة هم القادة إذ بدأ حكم الملوك مع بقاء أشخاص يقومون بإصدار الأحكام الدينية والدنيوية. ويُوجَد في العهد القديم سفر يُسمَّى «سفر القضاة» يتناول تاريخ العبرانيين من الفترة السابقة على موت يشوع بقليل إلى آخر أيام شمشون. القاضي (ديان) Dayyan «ديان» كلمة عبرية معناها «قاضي» ، و «ديان» هو القاضي في محكمة حاخامية شرعية (انظر: «القضاء والمحاكم» ) . راعوث Ruth «راعوث» كلمة مؤابية ربما كان معناها «جميلة» . وراعوث أو «روث» هو اسم امرأة مؤابية تزوَّجت من عبراني من قبيلة يهودا. لجأ إلى مؤاب هو وأبواه وأخوه، ولكن الرجال الثلاثة تُوفُّوا ولم يبق سوى راعوث والأم نعمى التي أرادت أن تعود إلى بيت لحم حيث قومها، فأصرت راعوث أن تصحبها، ثم تزوجت من عبراني آخر هو بوعز وأنجبت منه عوبيد جد داود. ويُسمَّى سفر من أسفار العهد القديم باسمها وهو أحد الأسفار الخمسة (اللفائف الخمس) التي تُقرَأ في المعبد اليهودي في خمسة أعياد مختلفة، ويُقرَأ سفر روث في عيد الأسابيع. ويبدو أن كاتب هذا السفر كان غير مؤيد لحظر الزواج المُختلَط من الأجنبيات، فحاول أن يبيِّن أن بطل العبرانيين وملكهم تجري في عروقه دماء أجنبية. دبوره (القرن الثاني عشر) Deborah «دبوره» اسم عبري معناه «نحلة» . وهو اسم امرأة تُعتبَر من قضاة العبرانيين وأنبيائهم وقادتهم العسكريين. كانت تقيم تحت نخلة سميت باسمها لتقضي بين العبرانيين. دعت باراق ليحارب يابين (أحد ملوك الكنعانيين) في حاصور، ويثور ضده بعد أن كسر شوكتهم عشرين عاماً (قضاة ٤، ٥) ، فالتقى جيش العبرانيين مع جيش الكنعانيين وانتصر عليه.

стр. 4238

وتُوصَف دبوره بأنها أم يسرائيل، ويُشار إليها كنبية رغم عدم وجود أية نبوءات لها أو أقوال تتعلق بالنبوة. ويُعَدُّ نشيد دبوره الذي يُنسَب لها (القضاة ٥) من أقدم نماذج الشعر العبري القديم، لاحتوائه على عناصر لغوية ومجازية قديمة. وهي تُوجِّه اللوم في أغنيتها هذه لقبائل رؤوبين وجلعاد (أوجاد) ودان وآشير ولقبيلة أخرى تُسمَّى ميروز (لم تُذكَر في مكان آخر) لأنهم آثروا مصلحتهم على مصلحة القبائل الأخرى. ولا تذكر أغنيتها سوى عشر قبائل أو تسع إن اعتبرنا إفرايم ومنَسَّى قبيلة واحدة، فلا يأتي ذكر لقبيلتي شمعون أو لاوي لأنهما ربما كانتا قد تشتتتا في ذلك الوقت، أو لعلهما كانتا تعيشان في عزلة مع قبيلة يهودا في الجنوب، أو لعلهما لم تكونا بعد قد استوطنتا أرض كنعان. جدعون (١١٥٠ق. م) Gideon «جدعون» اسم عبري معناه «خاطب» أو «قطع بشدة» ، وجدعون هو اسم أحد قضاة العبرانيين من قبيلة منَسَّى ويُقال إنه جاء بعد دبوره (١١٥٠ ق. م) عندما هزمت الكنعانيين، الأمر الذي فتح الطريق أمام المَدْيَنيين وغيرهم. دعاه الرب، حسبما جاء في العهد القديم، إلى أن يدافع عن العبرانيين، فقام بتحطيم تمثال بعل الذي كان يعبده أبوه، وجمع رجالات قبائل منَسَّى وآشر وزبولون ونفتالي، فجاءه ثلاثون ألف رجل، حسب الرواية التوراتية، اختار منهم نخبة مقاتلة قوامها ثلاثمائة فقط، وهزم المديَنيين عن طريق الهجمات الليلية ونَصْب الكمائن واستخدم حرب المعارك الخاطفة. حاول العبرانيون تنصيبه ملكاً عليهم ولكنه رفض، وهذا يدل على أن العملية الاجتماعية التي أدَّت في نهاية الأمر إلى تَحوُّل المجتمع العبراني من الرعي إلى نظام مستقر مبني على المدن الدويلات (كما هو شأن البيئة الكنعانية القائمة حينذاك) لم تكن قد اكتملت بعد.

стр. 4239

وبعد انتصاره على المديَنيين، أخذ جدعون أقراط الذهب التي غنمها منهم وصنع منها إيفوداً (صنماً) جعله في مدينته عفرة وعبده أعضاء جماعة يسرائيل كافة (قضاة ٨/٢٧) . وهذه حادثة تشبه حادثة العجل الذهبي، وهذا يدل على أن التوحيد لم يكن قد استقر بعد بين العبرانيين. ويقول أورد وينجيت الضابط البريطاني الصهيوني الذي قام بإرهاب العرب في الثلاثينيات من هذا القرن إنه استخلص كثيراً من حيله العسكرية من جدعون. شمشون Samson «شمشون» اسم عبري وهو تصغير لكلمة «شمس» ، وهو اسم لشخص يُشار إليه أحياناً بأنه آخر القضاة، فقد كان قاضياً من قبيلة دان مدة عشرين سنة، ولكن الكتب الدينية تشير إلى صموئيل أيضاً باعتباره آخر القضاة. وتحمل قصة شمشون منذ البداية، عناصر عجائبية كثيرة، فأمه كانت عاقراً مثل سارة ثم جاء ملاك الرب (كما في قصة إبراهيم أيضاً) ، فعرف أبواه قبل ولادته أنه سيصبح من المنذورين أي شخصاً يُكرس حياته للعبادة وينذرها للرب، فيمتنع عن شرب الخمر أو حلق رأسه أو لمس جلد ميت. وقد اشتهر شمشون بقوته الجسدية الخارقة.

стр. 4240

تدور حياته حول مجموعة من المغامرات مع ثلاث نساء فلستيات من غزة. فعند اكتمال شبابه تزوج من امرأة فلستية. وفي إحدى زياراته لها، قابل أسداً فصرعه ثم أكل نحلاً وجده في جثته فيما بعد، وقارع الفلستيين ببعض الأحاجي إذ سألهم: هل رأيتم نحلاً في فم أسد؟ فلم يستطيعوا الإجابة، ولكن زوجته أفشت لهم سرَّه فهجرها، وقتل ثلاثين فلستياً في عسقلون. وعندما عاد إليها، وجد أنها تزوجت من آخر، فأمسك ثلاثة من بنات آوى وأضرم النار في أذنابها وأطلقها على مزارع الفلستيين فاشتعلت فيها النيران. وقد أخذ الفلستيون في الانتقام من العبرانيين الذين طلبوا من شمشون أن يستسلم لهم ليسلموه إلى أعدائه ففعل (ولكن شمشون فك وثاقه وأمسك بفك حمار وقتل ألفاً منهم) . أما محور ثاني المغامرات في حياة شمشون، فهو قصته مع بغيّ من غزة كان يزورها. وبينما كان هو في منزلها، عرف الفلستيون بوجوده وأرادوا أن يفتكوا به وهو منهك القوى. ولكنه استيقظ مبكراً، وخلع بوابات غزة على كتفيه ووضعها على تل في حبرون (الخليل) . ثم وقع شمشون في غرام دليلة الفلستية التي يبدو أنها كانت بغياً هي الأخرى. وعرفت دليلة أن سرَّ قوة شمشون في شَعره لأنه كان نذير الرب وهو في بطن أمه. فأتى الفلستيون عليه وهو نائم وجزُّوا شعره وأوثقوه بسلاسل من نحاس وسملوا عينيه ثم أخذوه إلى غزة ووضعوه في السجن. وحينما أخرجوه ليسخروا منه في المعبد دفع شمشون العمودين فسقط المعبد عليه وعلى من فيه فماتوا جميعاً.
следующие страницы →