Полный текст (8 511 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.
стр. 4236
كان شيوخ العشائر يجتمعون في مجلس من الكبراء كلما نشأت الحاجة إلى ذلك. وكان هذا المجلس هو الحكم الفصل في شئون القبيلة، وهو الذي كان يتعاون مع زعماء القبائل الأخرى. فإذا ما فشل القاضي أمام هؤلاء الزعماء، لجأ المتقاضون إلى القاضي الرئيس. ومع هذا، لم يكن طابع المجتمع قبلياً رعوياً محضاً، فقد ظهر حكم القضاة مع بداية استقرار العبرانيين بعد تسللهم إلى أرض كنعان واشتغالهم بالزراعة وتَحوُّلهم عن الرعي.
ويذهب بعض المؤرخين إلى أن هذه المرحلة هي التي تبنَّى فيها العبرانيون الأشكال الحضارية الكنعانية المختلفة، فتحوَّلوا من بدو رحَّل يتنقلون بالحمير إلى ممارسين للزراعة، وتعلموا استخدام الأدوات الزراعية وتخزين الحبوب ووضعها في أوعية، وبناء مأوى للحيوانات، وأتقنوا بناء المنازل والقرى والمدن والحصون، وطرق امتلاك وتأجير الأراضي وشراء الممتلكات واقتناء العبيد والجواري، كما أتقنوا أشكال التقاضي. وقد بدأت تظهر بينهم فكرة الملك المقدَّس. ومع هذا، ظل مستواهم الحضاري بسيطاً غير مركب، وظل مستواهم الاقتصادي متدنياً. وهذا يظهر بكل وضوح في التباين الشديد بين الأساسات جيدة الإنشاء، التي بناها الكنعانيون في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، وبين أكوام الحجارة الفجَّة التي حلَّت محلها في القرن الثاني عشر قبل الميلاد (بعد التسلل العبراني) ، وخصوصاً في بيت إيل.
ولم يستطع العبرانيون السيطرة على كل أرض كنعان في تلك الفترة، وهذا يعني أن الوجود العبراني ظل وجوداً متقطعاً جغرافياً ومحاطاً بأقوام معادية مثل الكنعانيين والفلستيين استمرت في مقاومة العبرانيين قروناً عديدة. وقد أوقع الفلستيون هزائم شديدة بالقبائل العبرانية واستولوا على تابوت العهد، وخضع العبرانيون لحكمهم لبعض الوقت.
стр. 4237
وكانت دبوره من أولئك القضاة، وكذلك كان جدعون الذي رد هجوم المديَنيين، وشمشون الذي انتقم من الفلستيين، وصموئيل النبي، وشاؤول أول الملوك. ويشير العهد القديم إلى اثنى عشر قاضياً بعضهم يعاصر البعض الآخر.
وبعد ذلك التاريخ، لم يَعُد القضاة هم القادة إذ بدأ حكم الملوك مع بقاء أشخاص يقومون بإصدار الأحكام الدينية والدنيوية. ويُوجَد في العهد القديم سفر يُسمَّى «سفر القضاة» يتناول تاريخ العبرانيين من الفترة السابقة على موت يشوع بقليل إلى آخر أيام شمشون.
القاضي (ديان)
Dayyan
«ديان» كلمة عبرية معناها «قاضي» ، و «ديان» هو القاضي في محكمة حاخامية شرعية (انظر: «القضاء والمحاكم» ) .
راعوث
Ruth
«راعوث» كلمة مؤابية ربما كان معناها «جميلة» . وراعوث أو «روث» هو اسم امرأة مؤابية تزوَّجت من عبراني من قبيلة يهودا. لجأ إلى مؤاب هو وأبواه وأخوه، ولكن الرجال الثلاثة تُوفُّوا ولم يبق سوى راعوث والأم نعمى التي أرادت أن تعود إلى بيت لحم حيث قومها، فأصرت راعوث أن تصحبها، ثم تزوجت من عبراني آخر هو بوعز وأنجبت منه عوبيد جد داود. ويُسمَّى سفر من أسفار العهد القديم باسمها وهو أحد الأسفار الخمسة (اللفائف الخمس) التي تُقرَأ في المعبد اليهودي في خمسة أعياد مختلفة، ويُقرَأ سفر روث في عيد الأسابيع. ويبدو أن كاتب هذا السفر كان غير مؤيد لحظر الزواج المُختلَط من الأجنبيات، فحاول أن يبيِّن أن بطل العبرانيين وملكهم تجري في عروقه دماء أجنبية.
دبوره (القرن الثاني عشر)
Deborah
«دبوره» اسم عبري معناه «نحلة» . وهو اسم امرأة تُعتبَر من قضاة العبرانيين وأنبيائهم وقادتهم العسكريين. كانت تقيم تحت نخلة سميت باسمها لتقضي بين العبرانيين. دعت باراق ليحارب يابين (أحد ملوك الكنعانيين) في حاصور، ويثور ضده بعد أن كسر شوكتهم عشرين عاماً (قضاة ٤، ٥) ، فالتقى جيش العبرانيين مع جيش الكنعانيين وانتصر عليه.
стр. 4238
وتُوصَف دبوره بأنها أم يسرائيل، ويُشار إليها كنبية رغم عدم وجود أية نبوءات لها أو أقوال تتعلق بالنبوة. ويُعَدُّ نشيد دبوره الذي يُنسَب لها (القضاة ٥) من أقدم نماذج الشعر العبري القديم، لاحتوائه على عناصر لغوية ومجازية قديمة. وهي تُوجِّه اللوم في أغنيتها هذه لقبائل رؤوبين وجلعاد (أوجاد) ودان وآشير ولقبيلة أخرى تُسمَّى ميروز (لم تُذكَر في مكان آخر) لأنهم آثروا مصلحتهم على مصلحة القبائل الأخرى. ولا تذكر أغنيتها سوى عشر قبائل أو تسع إن اعتبرنا إفرايم ومنَسَّى قبيلة واحدة، فلا يأتي ذكر لقبيلتي شمعون أو لاوي لأنهما ربما كانتا قد تشتتتا في ذلك الوقت، أو لعلهما كانتا تعيشان في عزلة مع قبيلة يهودا في الجنوب، أو لعلهما لم تكونا بعد قد استوطنتا أرض كنعان.
جدعون (١١٥٠ق. م)
Gideon
«جدعون» اسم عبري معناه «خاطب» أو «قطع بشدة» ، وجدعون هو اسم أحد قضاة العبرانيين من قبيلة منَسَّى ويُقال إنه جاء بعد دبوره (١١٥٠ ق. م) عندما هزمت الكنعانيين، الأمر الذي فتح الطريق أمام المَدْيَنيين وغيرهم. دعاه الرب، حسبما جاء في العهد القديم، إلى أن يدافع عن العبرانيين، فقام بتحطيم تمثال بعل الذي كان يعبده أبوه، وجمع رجالات قبائل منَسَّى وآشر وزبولون ونفتالي، فجاءه ثلاثون ألف رجل، حسب الرواية التوراتية، اختار منهم نخبة مقاتلة قوامها ثلاثمائة فقط، وهزم المديَنيين عن طريق الهجمات الليلية ونَصْب الكمائن واستخدم حرب المعارك الخاطفة. حاول العبرانيون تنصيبه ملكاً عليهم ولكنه رفض، وهذا يدل على أن العملية الاجتماعية التي أدَّت في نهاية الأمر إلى تَحوُّل المجتمع العبراني من الرعي إلى نظام مستقر مبني على المدن الدويلات (كما هو شأن البيئة الكنعانية القائمة حينذاك) لم تكن قد اكتملت بعد.
стр. 4239
وبعد انتصاره على المديَنيين، أخذ جدعون أقراط الذهب التي غنمها منهم وصنع منها إيفوداً (صنماً) جعله في مدينته عفرة وعبده أعضاء جماعة يسرائيل كافة (قضاة ٨/٢٧) . وهذه حادثة تشبه حادثة العجل الذهبي، وهذا يدل على أن التوحيد لم يكن قد استقر بعد بين العبرانيين. ويقول أورد وينجيت الضابط البريطاني الصهيوني الذي قام بإرهاب العرب في الثلاثينيات من هذا القرن إنه استخلص كثيراً من حيله العسكرية من جدعون.
شمشون
Samson
«شمشون» اسم عبري وهو تصغير لكلمة «شمس» ، وهو اسم لشخص يُشار إليه أحياناً بأنه آخر القضاة، فقد كان قاضياً من قبيلة دان مدة عشرين سنة، ولكن الكتب الدينية تشير إلى صموئيل أيضاً باعتباره آخر القضاة. وتحمل قصة شمشون منذ البداية، عناصر عجائبية كثيرة، فأمه كانت عاقراً مثل سارة ثم جاء ملاك الرب (كما في قصة إبراهيم أيضاً) ، فعرف أبواه قبل ولادته أنه سيصبح من المنذورين أي شخصاً يُكرس حياته للعبادة وينذرها للرب، فيمتنع عن شرب الخمر أو حلق رأسه أو لمس جلد ميت. وقد اشتهر شمشون بقوته الجسدية الخارقة.
стр. 4240
تدور حياته حول مجموعة من المغامرات مع ثلاث نساء فلستيات من غزة. فعند اكتمال شبابه تزوج من امرأة فلستية. وفي إحدى زياراته لها، قابل أسداً فصرعه ثم أكل نحلاً وجده في جثته فيما بعد، وقارع الفلستيين ببعض الأحاجي إذ سألهم: هل رأيتم نحلاً في فم أسد؟ فلم يستطيعوا الإجابة، ولكن زوجته أفشت لهم سرَّه فهجرها، وقتل ثلاثين فلستياً في عسقلون. وعندما عاد إليها، وجد أنها تزوجت من آخر، فأمسك ثلاثة من بنات آوى وأضرم النار في أذنابها وأطلقها على مزارع الفلستيين فاشتعلت فيها النيران. وقد أخذ الفلستيون في الانتقام من العبرانيين الذين طلبوا من شمشون أن يستسلم لهم ليسلموه إلى أعدائه ففعل (ولكن شمشون فك وثاقه وأمسك بفك حمار وقتل ألفاً منهم) . أما محور ثاني المغامرات في حياة شمشون، فهو قصته مع بغيّ من غزة كان يزورها. وبينما كان هو في منزلها، عرف الفلستيون بوجوده وأرادوا أن يفتكوا به وهو منهك القوى. ولكنه استيقظ مبكراً، وخلع بوابات غزة على كتفيه ووضعها على تل في حبرون (الخليل) . ثم وقع شمشون في غرام دليلة الفلستية التي يبدو أنها كانت بغياً هي الأخرى. وعرفت دليلة أن سرَّ قوة شمشون في شَعره لأنه كان نذير الرب وهو في بطن أمه. فأتى الفلستيون عليه وهو نائم وجزُّوا شعره وأوثقوه بسلاسل من نحاس وسملوا عينيه ثم أخذوه إلى غزة ووضعوه في السجن. وحينما أخرجوه ليسخروا منه في المعبد دفع شمشون العمودين فسقط المعبد عليه وعلى من فيه فماتوا جميعاً.
стр. 4241
وتفسير قصة شمشون في الكتابات الصهيونية يختلف عما في الكتب الدينية اليهودية. فالكتابات التقليدية تُفسِّر فعلته الأخيرة لا باعتبارها انتحاراً وإنما باعتبارها عودة للرب والرسالة الأولى وباعتبارها تعبيراً عن الندم. أما الكتابات الصهيونية، فترى في قصة شمشون دلالات وإيماءات تقترب من دلالات وإيماءات أسطورة ماساده بما فيها من تشجيع للتمركز الانتحاري حول الذات وتحذير من الاندماج مع الأغيار الذين تمثلهم النساء الفلستيات في هذه القصة. وفي الوقت المعاصر، تحمل التصريحات الإسرائيلية، بشأن حرب ذرية في الشرق الأوسط، طابعاً شمشونياً شديد الوضوح!
ومع أن شمشون يشار إليه باعتباره آخر القضاة، إلا أنه لم يكن قائداً للشعب كبقية القضاة إذ كان يتميز بفرديته واتباعه لهواه. ويقول بعض العلماء إن قصة شمشون ما هي إلا أسطورة خاصة بالشمس، فشمشون هو الإله شميش وشعره هو أشعة الشمس، أما دليلة فتعني «ليلة» أي «الليل» ذلك الوقت الذي تتوارى فيه الشمس. كما يشير البعض الآخر إلى التشابه بين قصة شمشون وأسطورة هرقل، فكلاهما يصرع أسداً ويحطم أعمدة، وكلاهما تقضي عليه امرأة!
ويمكن اعتبار قصة شمشون جزءاً من الموروث الشعبي الذي يهدف إلى إرضاء النفوس وتعويضها. والواقع أن بطل مثل هذه السير لابد أن يكون خارقاً للطبيعة في أسبابه وأفعاله مثل قتل ألف شخص بفك حمار. كما أن النهاية المزدوجة للقصة ذاتها (الانتحار والقتل) تعبير عن أحلام المسحوقين في أن الانفجار الأخير قد يقضي على الذات ولكنه يقضى على الآخر. ولا يُوجَد في القصة (كما وصلتنا) ما يمكن تسميته بعناصر عبرانية أو يهودية، فهذه العناصر هي في الواقع من التراث الشعبي العالمي.
стр. 4242
الباب الحادى عشر: عبادة يسرائيل
عبادة يسرائيل والعبادة القربانية المركزية
Israelite Cult and the Central Sacrificial Cult
«عبادة يسرائيل» أو «العبادة القربانية المركزية» مصطلح يُستخدَم للإشارة إلى ديانة العبرانيين (جماعة يسرائيل) منذ ظهورهم على مسرح التاريخ حتى التهجير البابلي. وقد اكتسبت هذه الديانة صفات محدَّدة أثناء فترة التجوال في الصحراء، وتعدلت بعد فترة التسلل في كنعان، ونضجت تحت تأثير رؤى الأنبياء، وفي فترة بابل. وبعد العودة من بابل، بدأت تنقيتها من العناصر القديمة. وبدأت عملية التحول على يد عزرا ونحميا، وساهم الفريسيون فيها، ثم قضى عليها هدم الهيكل تماماً حتى تحولت عبادة يسرائيل إلى العقيدة اليهودية أو اليهودية الحاخامية.
وتعود عبادة يسرائيل إلى الديانات السامية القديمة، وهي ديانات حيوية حلولية تؤمن بأن العناصر الطبيعية، مثل الأحجار والمياه والأشجار والجبال، لها حياة مستقلة وتؤثر في حياة الأفراد. وتصل بعض هذه الكائنات إلى درجة خاصة من القداسة بحيث تحل فيها آلهة ينبغي على الإنسان أن يعبدها ويتقرب إليها. وتُعتبَر الطوطمية من المصادر الأخرى لعبادة يسرائيل، وهي الاعتقاد بأن حيواناً ما هو حامي القبيلة وربما سلفها أي جدها الأكبر. وتكتسب الآلهة في عبادة الساميين القدامى صفات إنسانية، فتتناحر فيما بينها وتنقسم إلى ذكور وإناث. ويبدو أن عبادة الأسلاف كانت، هي الأخرى، أحد المكونات الأساسية لعبادة يسرائيل. كما أن ثمة إشارات عديدة للتيرافيم (الأصنام) ، وهي تماثيل لها علاقة بالخصوبة بين الإناث.
стр. 4243
ورغم أن إبراهيم أول من رفض الشرك حسب التصور التوراتي، فإن العهد القديم يقرر أيضاً أن التوحيد الحق جاء بعد خروج العبرانيين (أو جماعة يسرائيل) من مصر. ففي هذه المرحلة يكشف يهوه عن نفسه لموسى أثناء إقامة العبرانيين في أرض مدين، وتدخل يسرائيل في ميثاق مع الرب (العهد) . وقد خطى التوحيد خطى واسعة بين العبرانيين، ولكن العبادة لم تكن توحيدية خالصة، بل كانت مقصورة على إله واحد، ولكن ثمة إشارات إلى أنه أعظم من الآلهة الأخرى. كما أن أعضاء جماعة يسرائيل كانوا دائمي العودة إلى طرق الشرك القديمة، فقد عبدوا العجل الذهبي وهم بعد في سيناء.
وحينما تسلل العبرانيون إلى كنعان (فلسطين) (١٢٥٠ ق. م) ، تراجع التوحيد عدة درجات، وبدأت الرؤية الحلولية تترسخ. فالعبرانيون كانوا رعاة ثم تعلموا الزراعة من الكنعانيين وتأثروا أيضاً بأعيادهم الزراعية إذ كان يستحيل فصل التكنولوجيا عن الدين في ذلك الوقت. ومن هنا، ظهرت الأعياد الزراعية المختلفة مثل عيد المظال. كما تَعلَّم العبرانيون بعض رقصاتهم ذات الطابع الجنسي الواضح، وبعض قوانين الطعام مثل عدم طبخ الجدي في لبن أمه، كما عرفوا كثيراً من الشعائر المرتبطة بالزراعة، وعبدوا آلهة كنعان الوثنية وسقطوا في الشرك الواضح. ومن هنا، كانت الثورة الدائمة من قبَل الأنبياء عليهم ودعوتهم إلى العودة إلى طريق التوحيد. وفي هذه العبادة، ظهرت خيمة الاجتماع، وكان تابوت العهد يُوضَع داخلها. وكانت هناك شعائر أخرى، مثل: الاحتفال بظهور الهلال ومجيء الربيع (عيد الفصح) ، والتضحية بكبشين في عيد الغفران، والختان.
стр. 4244
ويمكن على مستوى من المستويات أن نقسم عبادة يسرائيل إلى مرحلتين، تنتهي المرحلة الأولى (في ١٠٠٠ ق. م) مع التسلل إلى كنعان، وبعد أن نُقلت العناصر الشعائرية من المدن المقدَّسة وتم تأسيس المملكة العبرانية المتحدة وتحويل أورشليم (القدس) إلى عاصمة لهذه العبادة وبناء الهيكل الذي أصبح مركز العبادة القربانية. ثم تبدأ المرحلة الثانية وهي مرحلة العبادة القربانية المركزية. وكان الكهنة هم العمود الفقري في عبادة يسرائيل، والقائمين على العبادة القربانية. وقد تزايد نفوذهم بعد العودة من بابل وبعد أن بُعثت العبادة القربانية المركزية، وخصوصاً بعد اختفاء النظام العبراني للملكية التي لم يسمح الفرس بعودتها. وتتضح قوة الكهنة في جماعة الصدوقيين المرتبطة بالعبادة القربانية.
стр. 4245
ومن أهم سمات عبادة يسرائيل، تقديم القرابين (وقد كان ذلك يتم في الهيكل، ومن هنا جاءت التسمية) . وقد كانت تُقام شعائر يومية في الصباح وعند الغروب حيث كان الكهنة يقومون بتقديم حَمَل وقرابين أخرى للإله (كما كان الحال في ديانات الشرق الأدنى القديم) . وكانت القرابين أنواعاً مختلفة. وكلمة «قربان» كلمة سامية ويُقال لها أيضاً «منحة» . وتقديم القربان (البقر والخراف وبواكير الثمر) كان ضمن شعائر التقرب من الإله حيث يلعب الدم دوراً مهماً. ولذا، فقد كان الدم يُنثر على المذبح حتى نهاية مرحلة العبادة القربانية أو عبادة يسرائيل، وتُحرَق القرابين أمام الهيكل. وفي بداية الأمر، كان العبرانيون يقدمون القرابين في أي مكان ثم أصبح ذلك مقتصراً على الهيكل، وكانوا يضحون بالحيوانات (حيث كانت عملية التضحية تُسمَّى «زبَح» أي «الذبح» ) ، كما كانوا يتقدمون بالنباتات وبالطعام والبخور والخمور. وكانت هناك قواعد صارمة تتصل بعمر ولون الحيوان الذي سيُضحَّى به. وقد كان تقديم القربان هو الحدث اليومي عميق الصلة بالمعبد، فكان يُقدَّم واحد في الصباح وآخر في المساء، وكان يصحب القرابين احتفال طويل وشعائر يقوم بها الكهنة.
وتُقسَّم القرابين إلى عدة أنواع، منها: قرابين التكفير، وقرابين السلام، والقرابين التي تُقدَّم عند ولادة البكر، وأعشار الحيوانات، والمحاصيل، وقربان عيد الفصح. وكان تقديم القرابين إلى يهوه يدل على الارتباط بين الشعب والإله وعلى وجود يهوه بين الشعب. وقد هاجم الأنبياء (وخصوصاً عاموس وإرميا) العبادة القربانية، وذكَّروا اليهود بأن أسلافهم لم يُقدّموا قرابين في الصحراء، وطالبوهم بأن يعبدوا الإله بقلوبهم وبالصلاة إليه (قربان الفم) .
стр. 4246
وقد انتهت عبادة يسرائيل، ومنها العبادة القربانية كما أسلفنا، بهدم الهيكل (٧٠م) . ومع هذا، دوَّن الحاخامات القواعد الخاصة بتقديم القرابين بكل تفاصيلها، وذلك نظراً لإيمانهم بأن إعادة بناء الهيكل أمر سيتم في المستقبل. وقد حلَّت، في نهاية الأمر، شعائر الصلاة والصوم، التي كان بالإمكان إقامتها في المنزل والمعبد، محل العبادة القربانية التي كانت تدور حول الهيكل. ورغم أن النسق الديني اليهودي قد تَطوَّر بعيداً عن العبادة اليسرائيلية، فإن هذا التطور قد استغرق مرحلة زمنية طويلة. ولم يستقر كثير من العقائد الدينية الأساسية في اليهودية، مثل الإيمان بالثواب والعقاب والبعث، إلا في مراحل متأخرة، بل إن بعضها لما يستقر حتى الآن. وهذا يفسر عدم تَجانُس النسق الديني اليهودي (الخاصية الجيولوجية) وصعوبة تعريف الهوية اليهودية.
стр. 4247
وقد تركت عبادة يسرائيل (العبادة القربانية) أثراً عميقاً في التطور اللاحق لليهودية يتجلى في تركيزها الشديد والحرفي على الشعائر وعلى شكلها دون الاهتمام بالروح والمعنى. ومن المعروف أن ثُلث الأوامر والنواهي، وهي ستمائة وثلاثة عشر، تتناول العبادة القربانية وجوانب أخرى من العبادة في الهيكل. كما أن جزءاً من التلمود والصلوات اليومية مرتبط بالعبادة القربانية. ويبدو أثر العبادة القربانية في الاهتمام الشديد بقواعد الطهارة والنجاسة في اليهودية. وقد تَركَّز هجوم السيد المسيح على اليهودية في هذه الناحية. ولعل هذا الجانب في اليهودية هو ما يُفسِّر سبب تَأخُّر صياغة العقائد اليهودية حتى ظهور سعيد بن يوسف الفيومي ثم موسى بن ميمون. وتدور اليهودية الحاخامية حول طريقة العبادة لا حول مضمونها. فعلى سبيل المثال، يجب على اليهودي أن يغسل يديه قبل الأكل وبعده، ويتلو المؤمنون بالقبَّالاه أدعية يُفهَم منها أنها مُوجَّهة إلى كل من الإله والشيطان كقوتين متساويتين. لكن مثل هذا الدعاء، لأنه ينصرف إلى المعنى وحسب، ليس مهماً، فما يهم هو الطريقة نفسها التي يتم على أساسها غسل اليد. ويظهر هذا بشكل أكثر وضوحاً في الشماع، فاليهودية الأرثوذكسية أعطتها معنى مختلفاً تماماً عن معناها في التراث القبَّالي، ثم جاءت اليهودية المحافظة وأعطتها معنى ثالثاً. ولكن، من منظور شعائري، لا تهم الاختلافات في المعنى والتفسير، فما يهم هو طريقة تلاوة الشماع. ولذا، لا يعترض الأرثوذكس على التفسيرات القبَّالية التي تعطي مضموناً غير توحيدي لشهادة التوحيد اليهودية، ولكنهم يعترضون وبشدة حين يتلون الشماع بالإنجليزية، أي حين يغيرون طريقة التلاوة.
стр. 4248
ويمكن القول، على مستوى من المستويات، بأن الصهيونية هي علمنة للعبادة القربانية الحلولية، فقد جعلت من الدولة شيئاً يشبه الهيكل القديم (يطلق الصهاينة على إسرائيل مصطلح «الهيكل الثالث» ) ، حل فيها الإله وهي محط اهتمامهم أينما وُجدوا، ولا يهم إن كانوا يعبدون الإله أو لا وإنما المهم هو تقديم القرابين إلى هذا الوثن الجديد. وتأخذ القرابين الآن شكل شيك يُدفَع للمنظمة الصهيونية العالمية فيما يُسمَّى «يهودية دفتر الشيكات» . وقد تحولت المعابد اليهودية إلى ما يشبه الفروع للهيكل الجديد في محاولة لتجنيد اليهود للعبادة القربانية الجديدة.
ولعل نجاح هذه العبادة يعود إلى أنها تستطيع التعايش مع الرؤية العلمانية الشاملة، فهي لا تتحداها ولا تطلب إلى المؤمن أن يغيِّر سلوك حياته. وعلى كلٍّ، فإن كليهما يرى القداسة شيئاً كامناً في المادة غير متجاوز لها. وقد سجَّل كثير من الحاخامات احتجاجهم على هذا الاتجاه الذي سيودي بالديانة اليهودية كعقيدة، إذ أن يهود الولايات المتحدة يعبِّرون عن يهوديتهم لا عن طريق الإيمان بالقيم الدينية اليهودية أو الالتزام بها وإنما عن طريق تقديم القربان/الشيك. وقد أطلق أحد الحاخامات على الصهاينة لقب «يهود النفقة» ، وهو ما يعني أن اليهود يدفعون نفقة لمطلقتهم، ربما لاتقاء شرّها!
стр. 4249
وقد بدأت خطوات جادة نحو إعادة العبادة القربانية والهيكل في إسرائيل. وهناك مدرستان تلموديتان تضمان مائتي دارس يتعلمون التفاصيل المركبة الخاصة بالعبادة في الهيكل. كما أن هناك جماعات أخرى تَدرُس أنساب الكهنة اليهود حتى يمكن تحديد الشخص المُؤهَّل لتقديم القرابين. ولقد عُقد في عام ١٩٩٠ مؤتمر يضم اليهود الذين يعتقدون أنهم من نسل الكهنة. وهناك معهد خاص يُسمَّى «معهد الهيكل» قام بأبحاث وأعد ثمانيا وثلاثين من الأدوات اللازمة لإقامة العبادة القربانية، وهو في طريقه إلى إعداد الأدوات الخمس والستين المتبقية. كما تم إعداد الملابس اللازمة للكهنة، وهي ملابس تُنسَج يدوياً من التيل.
القرابين
Sacrifice
انظر: «عبادة يسرائيل والعبادة القربانية المركزية» .
الكهنة والكهانة
Priests and Priesthood
الكاهن في العبرية هو «كوهين» وهو سبيل الكهانة: الأداة المقدَّسة المختارة للوساطة بين الإنسان والخالق. ويرتبط تاريخ الكهانة بين العبرانيين بظهورهم في التاريخ إذ يبدو أن كل رب أسرة عبرانية، وأول الذكور فيها، كانا يقومان بدور الكهان. وقد ظل هذا الوضع قائماً حتى زمن الخروج من مصر أو الهجرة منها حين انحصرت الكهانة في قبيلة اللاويين، لأن آباءهم رفضوا عبادة العجل الذهبي. ولكن يبدو أن أسرة هارون كانت تشغل، في بداية الأمر، مركزاً متميِّزاً داخل قبيلة لاوي، فقد كان أعضاؤها المسئولين الفعليين عن الأضاحي والإشراف على الطهارة. وفي معظم الأحيان، كان يتم اختيار كبير الكهنة من بينهم، وقد كان كبير الكهنة هو الذي يتلفظ باسم الإله في قدس الأقداس. ويبدو أن هذا النظام مقتبس من النظام المصري القديم للكهانة في تخصيص أسرة للقيام بأعمال الكهانة وخدمة الدين والمعابد وبالجوانب السرية الخاصة في العلاقة بين الإله وأتباعه.
стр. 4250
وثمة نظرية تذهب إلى أن أسرة هارون كانت أصلاً أسرة كهنوتية مصرية. وقد ظهر تَوتُّر بينهم وبين بقية أعضاء القبيلة بسبب احتكارهم أهم الشعائر. ولكن الفريقين اندمجا بمرور الزمن وأصبح الكهنة العمود الفقري لليهودية، وخصوصاً بعد إنشاء الهيكل وتَمركُز العبادة القربانية حوله.
وكانت الكهانة، باعتبارها السلطة الدينية، متداخلة تماماً مع السلطة الدنيوية كما هو الحال في عصر القضاة (حوالي ١٢٥٠ ـ ١٠٢٠ ق. م) . وبظهور حكم الملوك، أصبح رئيس الدولة هو الكاهن الأعظم. ولكنه، نظراً لانشغاله كان يُعيّن مندوبين عنه لممارسة هذه المهمة، فبدأ يظهر شيء من الانفصال بين السلطتين. ومع هذا، ظل الكهنة (ممثلو العبادة القربانية ومصدر أكبر دخل للدولة) قريبين من السلطة الدنيوية ومرتبطين بها أشد الارتباط. ولذا، كان الصراع ينشب دائماً بينهم وبين الأنبياء، وهم مفكرون دينيون أحرار جاءوا أساساً من صفوف الشعب.
وقد زاد تداخل السلطة الدنيوية والسلطة الدينية في مرحلة ما بعد العودة من بابل إذ اضطلع كبير الكهنة بوظائف دنيوية باعتباره ممثلاً محلياً للقوة الإمبراطورية الحاكمة. كما اضطلع الكهنة بمعظم الوظائف الإدارية والسياسية نظراً لعدم ثقة الفرس في أبناء الأسرة الحاكمة العبرانية. واستمر نفوذ الكهنة في الإمبراطورية اليونانية قوياً، سواء في الشام أو في مصر، إذ كانوا يلعبون دوراً أساسياً في الحضارة الهيلينية. وكان الكاهن الأكبر يُعيَّن مدى الحياة. ولكن أنطيوخوس الرابع (السلوقي) (١٧٥ ـ ١٦٤ ق. م) أنهى هذه العادة، وأصبح من الممكن خلع الكاهن الأكبر وتعيين كاهن آخر. وقد ظهرت طبقة من الكهنة المتأغرقين الذين قاموا على خدمة الدولة الهيلينية، فأضعف هذا الوضع هيبة الكهنة وسلطانهم. ذلك أن الكهنة في الحضارة الهيلينية رغم أهميتهم، كانوا يُعَدّون بمنزلة الخدم لا القادة. وقد انعكس هذا على مكانة الكهنة اليهود.
стр. 4251
وحينما قامت الأسرة الحشمونية (١٦٤ ق. م) ، أصبح رئيس الدولة قائد القوات والكاهن الأعظم في آن واحد. وتُعَدُّ هذه الفترة الزمنية قمة ازدهار المؤسسة الكهنوتية. وظهرت إبان حكم الأسرة الحشمونية فرق يهودية مختلفة من أهمها الصدوقيون الذين كانوا أساساً من كبار الكهنة وأعضاء السنهدرين ويمثلون مصالحهم. وظهر في المقابل فريق الفريسيين الذين أكدوا الجانب الروحي في اليهودية على حساب الجانب القرباني مع أنهم كانوا يضمون في صفوفهم بعض الكهنة من متوسطي الحال. وقد ازداد الفريسيون شعبيةً وازداد الكهنة عُزلةً، وخصوصاً أنهم تحولوا إلى أُلعوبة في يد الحكام، وظهرت بينهم صراعات عديدة كما حدث في حالة الكاهن الأعظم أونياس الرابع الذي فرَّ إلى مصر وأسس هيكلاً وعبادة قربانية مستقلة فيها (١٤٥ ق. م) وذلك بتشجيع من البطالمة أعداء حكام فلسطين السلوقيين. وعند تَولي هيرود الحكم (٣٧ ق. م) ، لم يكن بوسعه أن يضطلع بدور الكاهن الأعظم لأنه كان من أصل أدومي، فكان يعيِّن كبير الكهنة على هواه.
وقد شهدت هذه الفترة تَزايُد انتشار اليهود خارج فلسطين بحيث فاق عددهم خارجها عدد من يقيمون داخلها. ومعنى هذا أن العبادة القربانية (ونخبتها الكهنوتية) فقدت كثيراً من مقومات وجودها. فهي تعتمد بالدرجة الأولى على جماعة بشرية متماسكة تعيش بجوار الهيكل أو حوله فتُموِّله، ويشكل هو رمز وحدتها القومية تحت حكم الإله القومي.
стр. 4252
ويُلاحَظ أن الاستقطاب الطبقي الذي كان يسم المجتمع العبراني اليهودي في ذلك الوقت، انعكس في صفوف الكهنة، وقوَّض نفوذ المؤسسة الكهنوتية في الداخل، فكانت الأرستقراطية الكهنوتية المتأغرقة (التي كانت تقيم في القدس) تختلف كثيراً في موقفها وموقعها عن فقراء الكهنة الذين كانوا يعيشون في الريف (السامي الآرامي) على عملهم وعلى الصدقات. وأثناء التمرد اليهودي الأول (٦٦ ـ ٧٠) ، حينما سيطر الغيورون على القدس، قاموا بطرد الكهنة وذبحوا بعضاً منهم واختاروا كاهناً أكبر من بين فقراء الكهنة. ولذا، حينما هدم تيتوس الهيكل عام ٧٠م، كانت الأوضاع التاريخية مواتية تماماً لاختفائهم ولظهور الحاخام باعتباره شخصية أساسية بين اليهود. ولعل أهم الأسباب الأخرى لاختفائهم هو تدوين الشريعة، إذ أصبح الكتاب المقدَّس مركز العبادة بدلاً من العبادة القربانية.
وقد لعب الكهنة دوراً مهماً في تطوير اليهود واليهودية إذ وضعوا أنفسهم وسطاء بين الناس والإله، فلم تكن تُقبَل توبة ولا قرابين إلا إذا باركها الكاهن لأن مفتاح السماء كان في يده، ولم يكن أحد غيرهم يستطيع تفسير الطقوس أو الشعائر الدينية تفسيراً آمناً من الخطأ. وكانوا يفصلون في الأمور القضائية عن طريق استخارة الرب ويضطلعون بدور الطبيب (الساحر) الذي يشفي الأمراض. وكان فريق منهم يحمل تابوت العهد أثناء تجوال العبرانيين وحروبهم، ثم أصبحوا بعد ذلك كهنة الهيكل. ويبدو أن الكهنة مرتبطون بالعناصر الوثنية داخل النسق الديني اليهودي، فقبيلة لاوي كانت تقدِّس الحية. وقد أُدخل هذا التقديس على اليهودية، فأقاموا تمثالاً نحاسياً لها زاعمين أنها من عمل موسى، إلى أن أزالها حزقيا بن آحاز (ملوك ثاني ١٨/٤) . كما نقل الكهنة كثيراً من العقائد الوثنية كتقديس بعض المرتفعات والأشجار، وهي عملية تركت أثرها في اليهودية.
стр. 4253
والكهانة اليهودية تُورَّث. وقد أدَّى هذا إلى أن الكهنة كونوا طبقة مغلقة لا يستطيع أحد من خارجها أن ينتمي إليها، حتى أصبحت كلمة «لاوي» مرادفة لكلمة «كوهين» . ولعل انغلاقهم هذا هو الذي أدَّى إلى تماسكهم وإلى دفاعهم عن العزلة الدينية اليهودية، وخصوصاً أنهم كانوا يكوِّنون بالمعنى الحرفي للكلمة طبقة لا يمكنها أن تحتفظ بوجودها إلا في ظروف الانغلاق.
ولم يكن من حق الكهنة أن يرثوا مالاً أو يمتلكوا أرضاً. ولكنهم كانوا يُعفَون من الضرائب والإتاوات على اختلاف أنواعها، ويأخذون العشور على نتاج الضأن وأول ما يُحصَد من الأرض (بالعبرية: بكوريم) ، وينتفعون بما يبقى في الهيكل من القرابين. ومما يذكر، أن الكاهن كان عليه أن يحتفظ بطهارته فلا يتزوج من امرأة مطلقة ولا من زانية أو أرملة ولا من امرأة أبواها غير يهوديين بالمولد، أي أن طهارة الكاهن تقتضي أن يتزوج من امرأة طاهرة مثله تماماً. كما أن طهارة الكاهن تمنعه من لمس الموتى (إلا أقرب أقاربه) أو حتى السير فوق أرض دُفن فيها أحد.
ورغم أن مؤسسة الكهانة قد اختفت في اليهودية تماماً مع هدم الهيكل على يد تيتوس، ومع اختفاء العبادة القربانية، ومع أن اليهودية لا تقبل، على المستوى النظري، الوساطة بين الخالق والمخلوق، فإن مؤسسة الكهانة استمرت بعد أن أخذت شكلاً جديداً هو الحاخامية حيث يحل الحاخام محل الكاهن. ويعود هذا إلى الأسباب التالية:
أ) رغم اختفاء الهيكل والعبادة القربانية المركزية، إلا أن الرؤية الحلولية التي تشكل الإطار العقائدي لمؤسسة الكهانة ظلت قائمة بل زادت حدة. ولذا، تعمَّق الإحساس لدى اليهود بأنهم الشعب المختار، وأنهم أمة من الكهنة والقديسين والأنبياء اختارهم الإله ليكونوا بمنزلة الكهنة للشعوب الأخرى.
стр. 4254
ب) بانتشار اليهود خارج فلسطين وتحوُّلهم إلى جماعات وظيفية منعزلة مغلقة، تشابكت السلطة الدنيوية والسلطة الدينية مرة أخرى حتى أن الحاخام (مع أنه لم يكن كاهناً) كان القائد الديني الفعلي للجماعة اليهودية الذي يقوم بشئون الإفتاء الديني والتجارة وإقراض المال والأعمال المالية والقضاء والزواج وفض المنازعات والإشراف على تنفيذ القوانين الخاصة بالطعام وبالعديد من المهام الدينية الاجتماعية الأخرى.
ومن الصعب تحديد مَن من نسل هارون ومَن من قبيلة اللاويين في وقتنا الحاضر، إذ تُوجَد قطاعات كبيرة من اليهود، وخصوصاً اليهود الأرثوذكس، يؤمنون بأن كل يهودي يُسمَّى «كوهين» لابد أن يكون من نسل اللاويين، وكذلك كل من يدعى «كاتس» ، باعتبار أن اسمه اختصار لتعبير «كوهين تساديك» ، وكذلك من يدعى «سيجال» فهو اختصار «سيجان ليفي» أي «نائب اللاوي أو مرافقه» . ومن المفروض أن كل اليهود الذين يحملون هذه الأسماء تنطبق عليهم قوانين الكهانة، فهم يقفون في المعابد اليهودية أثناء صلوات أيام الأعياد وفي أيام السبت فيغطون وجوههم ويباركون الناس، ولهم الأولوية في أن يقرأوا التوراة في المعبد متخطين بقية المصلين ومنهم اللاويون. ولا يزال الكهنة يتلقون ما يُسمَّى «فدية البكريّ» . ففي الماضي كان على اليهودي أن يكرس ابنه البكر لخدمة الرب، ولكن أُعفي أبكار الأسر من هذه المهمة بعد قيام سبط اللاويين بأعباء الكهانة نظير فدية يقدمها الآباء للكهنة عند إنجابهم أبكاراً ذكوراً. كما لا تزال قوانين عدم لمس الموتى قائمة، ولذلك تُخطَّط المدافن اليهودية بطريقة تجعل بإمكان الكاهن أن يزور أقاربه دون أن تُدنَّس طهارته.
стр. 4255
وتُسبِّب كل هذه الشعائر مشاكل للدولة الصهيونية. فعلى سبيل المثال، ونظراً لأن من المحظور أن يجمع سقف واحد بين الكاهن وجثة ميت، فقد اضطرت مستشفى الهاداساه في إسرائيل إلى استخدام أبواب دائرية للمشرحة الملحقة بالمستشفى حتى تكون بمنزلة حاجز دائم بين الكاهن الذي يزور أقاربه في المستشفى والجثث الموجودة في المشرحة، فالباب العادي لا يمكنه أن يؤدي هذه الوظيفة الدينية. وقد واجه الإسرائيليون المشكلة نفسها بشكل آخر بعد استيلائهم على طريق القدس - الخليل، فهذا الطريق قد بناه العرب دون أي اعتبار للتحريمات اليهودية الخاصة بالكهانة. ولهذا، فإن الطريق يمر ببعض المقابر اليهودية، الأمر الذي يجعل استخدام هذا الطريق غير الطاهر محظوراً على الكهنة. ولهذا، فقد ثُبتت لافتة تعطي إشارات إلى طريق بديل «طاهر» .
ولا تزال قوانين الزواج الخاصة بالكهنة سارية المفعول، وهو ما يُسبِّب زيادة المامزير أي الأطفال غير الشرعيين في إسرائيل، ويجعل الحياة صعبة لكل من يحمل اسم «كوهين» أو «سيجال» أو «كاتس» ، وخصوصاً أن كثيراً منهم لا يعرف هذه القوانين اليهودية. ولا تعترف اليهودية الإصلاحية أو المحافظة بأي قانون من قوانين الكهنة هذه.
وقد بدأت الدولة الصهيونية في العودة إلى شيء يشبه العبادة القربانية التي تدور حول الهيكل، ومن ثم عاد الاهتمام بالكهنة. وتُوجَد مدرستان تلموديتان بالقرب من حائط المبكى يدرس فيهما نحو مائتي طالب شعائر العبادة القربانية للقيام بها عند إعادة تشييد الهيكل. وقد بدأت مجموعة من الإسرائيليين في البحث عن شجرة العائلة الخاصة بالكهنة اليهود حتى يتم تقرير من هو المؤهل للقيام بهذه الشعائر (لعله يكون من نسل هارون أو صادوق) . كما عُقد عام ١٩٩٠ مؤتمر في إسرائيل لليهود الذين يعتقدون أنهم من أصل كهنوتي. وبدأ معهد الهيكل في إعداد الملابس الخاصة التي يتعيَّن على الكهنة ارتداؤها.
كوهين
Cohen
стр. 4256
«كوهين» كلمة عبرية تعني «كاهن» ويُعتبَر حامل هذا اللقب سليل الكهنة ومن نسل هارون أخي موسى الكاهن الأعظم. وتنطبق عليه المحظورات المختلفة مثل ضرورة أن يتزوج من عذراء فلا يتزوج مطلقة، وأن يتمتع بكل المزايا كأن يقوم بتلاوة التوراة في المعبد اليهودي.
ومن الأسماء الأخرى المرادفة لكلمة «كوهين» في المعنى، كلمة «كاهن» و «كوهان» و «كاجان» و «كان» و «كوجين» و «كون» و «كوون» و «كوين» و «كوفين» . وأحياناً يُترجَم الاسم فيقال مثلاً «أجرانات» ، وهي ترجمة روسية لكلمة «هاروني» أو من «نسل هارون» .
وكلمة «كاتس» اختصار لكلمة «كوهين تساديك» أي «كاهن الاستقامة والتقوى» ولها نفس دلالة كلمة «كوهين» ، وأحياناً تُزاد الصيغة لتصبح «كاتزنلسون» أو «كاتسمان» أو «كاتزنشتاين» أو «كوهنهايم» أو «كوهنشتاين» .
وهناك الكثير من اليهود يحملون مثل هذه الأسماء ولا يعرفون شيئاً عنها ثم يفاجأون بأنهم كهنة تنطبق عليهم المحظورات مثل عدم الزواج من مطلقة الأمر الذي يسبب لهم الكثير من المشاكل في إسرائيل.
الكاهن الأعظم
High Priest
«الكاهن الأعظم» هو المقابل العربي للكلمة العبرية «كوهنْ هاجدول» وهو كبير موظفي الهيكل. وقد كانت وظيفة الكاهن الأعظم في الأصل مقصورة على أسرة صادوق من ذرية هارون. وهو الذي كان يدخل قدس الأقداس في يوم الغفران ليتفوه بالاسم المقدَّس، وكان هو أيضاً رئيس السنهدرين. ومع أن وظيفة كبير الكهنة كانت دينية، فقد كانت لها أبعادها الدنيوية، فالكاهن الأعظم كان يُعَدُّ من رجالات المملكة العبرانية وجزءاً من الأرستقراطية الحاكمة. ولعل هذا هو السبب في أن الصراع كان ينشب دائماً بينه وبين الأنبياء الذين كانوا يمثلون القوى الشعبية في كثير من الأحوال.
стр. 4257
وكان الملك يضطلع أحياناً بوظيفة كبير الكهنة كما فعل داود (١٠٠٤ ـ ٩٦٥ ق. م) (صموئيل ثاني ٦/١٢ـ ١٩) . وفي الترتيب الهرمي للمجتمع العبراني، كان الملك يسبق الكاهن الأعظم في المنزلة، ولذلك خلع سليمان كبير الكهنة ونفاه. وفي حفل تكريس الهيكل، كان سليمان الموظف الأساسي، أما بقية الكهنة فكانوا يقومون بالأعمال الوضيعة. وقد جاء وَصْف الكاهن الأعظم وردائه في سفر اللاويين (١٦/١١ ـ ١٧) . وكان الرداء يُسمَّى «إفود» ، وهو ثوب يشبه الصُّدرة، كان يلبسه رئيس الكهنة العبراني أثناء خدمة الكهنوت، وكان هذا الثوب يُصنع من كتان دقيق ومبروم بلون الذهب واللون الأزرق والأرجواني والقرمزي. وكان يُثبَّت على الجسم بواسطة شريطين للكتفين من فوق، وحزام من أسفل، وعلى كلٍّ من شريطي الكتف كان يوجد حجر جَزْع منقوشة عليه أسماء قبائل يسرائيل الاثنتي عشرة. وكان الثوب يتصل بالصدرة بواسطة سلاسل ذهب. وكانت الصدرة تحتوي على اثني عشر حجراً كريماً موضوعة في أربعة صفوف وفيها وسائل القرعة المقدَّسة: الأوريم والتُميِّم والتي كانت تُستخدَم في تَبيُّن إرادة الإله. وكان الكاهن يلبس تحت الإفود ثوب الإفود الأزرق الذي كان يمتد إلى قدمي الكاهن. وكانت الأحجار الاثنا عشر تحمل أسماء قبائل يسرائيل الاثنتي عشرة وتشير إلى أن الكاهن يمثل كل الشعب وأنه يُقدّم العبادة عنهم وباسمهم (خروج ٢٨/٣١ ـ ٣٥ و ٣٩/٢٢ ـ ٢٦) .
وحيث إن الهيكل لم تكن تتبعه أية أراض زراعية، كان اليهود يرسلون إليه التبرعات (نصف شيكل) وهو ما كان يُدر عليه مالاً وفيراً. كما أن بعض أثرياء اليهود، على عادة الأثرياء في الشرق الأدنى القديم، كانوا يودعون أموالهم فيه. وقد أدَّى هذا إلى تعميق البُعد الدنيوي لوظيفة الكاهن الأعظم لأن دخله كان يُعَدُّ أهم مصدر ليهود فلسطين.
стр. 4258
ومع دخول العبرانيين، ابتداءً من القرن السادس قبل الميلاد، في إطار الإمبراطوريات الكبرى (البابلية والفارسية واليونانية والرومانية) التي كانت تحتفظ لنفسها بسلطة القرار في الشئون العسكرية والخارجية وتترك للشعوب المحكومة شيئاً من الاستقلال الذاتي لإدارة شئونها الدينية والداخلية، بدأت وظيفة الكاهن الأعظم تكتسب أهمية متزايدة، وخصوصاً أن الفُرس كانوا يفضلون التعاون مع طبقة كهنوتية مأمونة الجانب على التعاون مع أرستقراطية عسكرية أو مع أعضاء أسرة داود المالكة. وبالفعل، تم تقسيم السلطة في فلسطين، فكان المرزبان (مندوب الإمبراطورية) يُمسك بالسلطة الدنيوية ويترك السلطة الروحية والشئون الداخلية في يد كبير الكهنة. وتَحوَّل اليهود إلى جماعة يرأسها الكاهن الأعظم حيث ورث شارة الملكية وأصبح يمسح بالزيت بدلاً من الملك. ولا يعني هذا أنه أصبح ملكاً وإنما يعني أنه أصبح يرأس نخبة حاكمة تضم اللاويين والكهنة وأثرياء اليهود الذين كانوا يقودون الشعب ويديرون شئونه الداخلية من خلال إطار تنظيمي هرمي لحساب الإمبراطورية الحاكمة. وقد اعترف البطالمة بهذا المنصب وبالمجمع الكبير، واعتبروهما ممثلين للشعب اليهودي وأعفوهما من الضرائب، واعترفوا بحرية اليهود في ممارسة شعائر أسلافهم.
ولكن، ورغم قوة مركز الكاهن الأعظم، ظهرت مراكز قوة أخرى تعاون معها السلوقيون وهي طبقة أثرياء اليهود ملتزمي الضرائب والتجار وغيرهم ممن أصبح همهم السيطرة على منصب الكاهن الأعظم، ولذا كان يتم التعيين في هذا المنصب عن طريق الرشوة. وقد أصبح الكاهن الأعظم لا يعيَّن مدى الحياة، الأمر الذي زاد ضعفه. كما أن المنصب لم يَعُد مقصوراً على أسرة صادوق.
وكانت الأسرة الحشمونية أسرة من الملوك الكهنة إذ كان الملك هو نفسه كبير الكهنة. فقد انتخب يوناثان شقيق يهودا المكابي قائداً وكاهناً أعظم (١٦٠ ـ ١٤٢ ق. م) .
стр. 4259
شهدت هذه الفترة ظهور فرقة الصدوقيين، وهم من كبار الكهنة ويمثلون مصالح فئتهم، حيث التفوا حول النخبة الحاكمة وتحالفوا معها. وفي مقابل ذلك، ظهر الفريسيون الذين كانوا يضمون في صفوفهم كثيراً من الكتبة شراح الشريعة الذين دافعوا عن الشريعة الشفوية. كما كانوا يضمون في صفوفهم فقراء الكهنة ومتوسطي الحال منهم. وقد عارض الفريسيون قيام ملوك الحشمونيين بحمل لقب كبير الكهنة. وانفصلت الوظيفتان بالفعل عام ٦٣ ق. م في عهد هيركانوس الثاني.
ومع احتدام الصراع الطبقي داخل المجتمع العبراني اليهودي في فلسطين، واحتدام الصراع بين القوى الدولية (السلوقيين ضد البطالمة والرومان ضد الجميع) ، احتدم الصراع حول منصب كبير الكهنة. ففرَّ الكاهن الأعظم أونياس الرابع إلى مصر وأسس بإيعاز من البطالمة هيكلاً (١٤٥ ق. م) وعبادة قربانية يهودية كان هو كاهنها الأعظم. وحينما تولى هيرود الحكم (٣٧ ق. م ـ ٤م) ، ولم يكن بوسعه أن يشغل هذا المنصب لأنه كان من أصل أدومي، حرص على السيطرة على كبير الكهنة فكان يعيِّن ويَعْزل كما يشاء. وحينما أصبحت فلسطين مقاطعة رومانية، أصبح الكاهن الأعظم مجرد موظف روماني، بل إن رداءه الكهنوتي كان عهدة عند الحاكم الروماني لا يعطيه للكاهن الأعظم إلا قبل الاحتفال بعيد الغفران على أن يستردها منه بعد ذلك مباشرة. وأصبح الكاهن الأعظم محطّ سخرية اليهود، فكانوا يُطلقون عليه النكات. وحينما نشب التمرد اليهودي الأول ضد الرومان (٦٦ ـ ٧٠م) ، قام الغيورون بطرد الأرستقراطية الكهنوتية التي كانت تقيم في القدس، وذبحوا بعض أعضائها، واختاروا كبير الكهنة من صفوف الفقراء وبالقرعة. وكان هؤلاء الكهنة آخر من شغل هذا المنصب فبعد دخول تيتوس إلى القدس، وبعد تحطيمه الهيكل (٧٠م) ، اختفت العبادة القربانية تماماً واختفى الصدوقيون وظهر الحاخامات باعتبارهم قوة ذات طابع ديني قوي واضح وطابع دنيوي خافت.
بعل
Baal
стр. 4260
«بعل» كلمة فينيقية تعني «السيد» أو «المولى» أو «الزوج» أو «المالك» أو «الرب» . ورغم أن مجمع الآلهة الكنعاني كان يترأسه «إيل» ، فإن ابنه بعل إله الخصب (الذي كان يُعرَف أيضاً باسم «هدد» ) كان يلعب الدور الأساسي في المجمع، وقد أصبحت كلمة «بعل» مرادفة لكلمة «إله» بحيث أصبح هناك «بعل شامَيم» (بعل السماء) ، أي «إله السماء» ، و «بعل هارعد» ، أي «إله الرعد» . وقد أصبح «بعل شاميم» الرب السامي الأسمى في الألف الأخير قبل الميلاد، كما أصبح تجسيداً للشمس والسماء ذاتها، ولذا فهو مانح المطر والشمس والخصب والمحصولات. كما كان لكل بلد إله يبدأ اسمه بكلمة «بعل» وينتهي باسم تلك البلد أو المدينة، مثل «بعل فغور» أو «بعل جرمون» . ولم يكن البعليم (جمع بعل) ، مثل يهوه، آلهة حرب، بل كانت آلهة طبيعة مسالمة تمثل قوى الخصب والحياة وتتزاوج فيما بينها، فهي تنقسم إلى ذكور وإناث، وكانت زوجة بعل تُسمَّى «بعلة» أو «عشتارت» أو «عشيراه» أو «عنات» . وكان الكنعانيون يختارون الأماكن المرتفعة، كالجبال والتلال، فيبنون عليها أبنية تصبح مذابح يخصصونها للإله. ومنذ دخولهم إلى فلسطين، أخذ العبرانيون عن الكنعانيين الكثير بما في ذلك الزراعة وعبادة بعل. وكانوا يعبدون يهوه وبعلاً جنباً إلى جنب. وقد سمَّى شاؤول أحد أبنائه يوناثان (أي: يهوه أعطى) ، وسمَّى الآخر إيشبعل (أي: رجل بعل) .كما أنهم عبدوا يهوه من خلال طقوس الخصوبة المرتبطة بعبادة بعل. وكان عامتهم يرون أن يهوه هو الإله القومي (إله التاريخ) ،وأن بعلاً هو مانح الخصوبة (إله الطبيعة) ، ولذا كانوا يلجأون إلى يهوه في المناسبات القومية وفي لحظات الأزمة ويلجأون إلى بعل في حياتهم اليومية.
стр. 4261
وقد حاول الأنبياء في القرن التاسع قبل الميلاد، ابتداءً من إلياهو على وجه الخصوص، إقناع الشعب بأن يهوه هو الإله القومي واليومي، وأنه هو إله الطبيعة والتاريخ. وربما كانت ثورة الأنبياء رد فعل لما قامت به إيزابيل، زوجة الملك آخاب، التي بنت معبداً للإله بعل بجوار معبد يهوه في السامرة، وبذا أصبحت عبادة بعل عبادة مستقلة. وبعد سقوط أسرة عمري، بدأ ياهو في تنقية العبادات. ومع هذا، استمرت عناصر من عبادة بعل، الأمر الذي اضطر معه أنبياء القرن الثامن قبل الميلاد إلى العودة للهجوم عليها مرة أخرى.
وقد تركت عبادة بعل أثرها العميق في عبادة يهوه. والواقع أن الإشارة إلى يهوه بأنه «الأب» ،وإلى الإنسان بأنه «ابن الإله» ،هي أثر من آثار عبادة بعل. وقد تَطوَّر مفهوم الإله في العقلية الدينية اليسرائيلية بعد أن أصبح يهوه حاملاً لصفات البعولة (البعلية) وقدراتها.
وتقترن عبادة بعل في الوجدان الديني الإثني اليهودي بالخروج من الانعزالية اليهودية لأن عبدة بعل يعبدون إله الأغيار. ويجب أن نتذكر أن اليهود الأوائل كانوا يؤمنون بإله قومي واحد ولم يكونوا موحدين. ولذا، فإن الاستنكار اليهودي لعبادة بعل ليس دينياً وحسب وإنما هو قومي أيضاً. وفي الأدب الصهيوني، يُقارن أعضاء الجماعات اليهودية المندمجون في مجتمعاتهم بعبدة بعل.
العجل الذهبي
Golden Calf
стр. 4262
«العجل الذهبي» تمثال من الذهب عبده أعضاء جماعة يسرائيل عند قاعدة جبل سيناء، عندما كان موسى يتعبد فوق الجبل. وعبادة العجل الذهبي تعبير عن الطبقة الحلولية داخل التركيب الجيولوجي التراكمي اليهودي. وقد جمع هارون الحلي الذهبية منهم بعد إلحاح شديد منهم، وصهرها وصبها على هيئة تمثال كان يُعَدُّ تجسداً للإله. وقد غضب الإله على شعبه وقرَّر إبادتهم، ولكن موسى تضرع أمامه: «لماذا يارب يحمَى غضبك على شعبك الذي أخرجته من أرض مصر بقوة عظيمة ويد شديدة، لماذا يتكلم المصريون قائلين أخرجهم بخبث ليقتلهم في الجبال ويفنيهم عن وجه الأرض. ارجع عن حُمُوّ غضبك، واندم على الشر بشعبك ... فندم الرب على الشر الذي قال إنه يفعله بشعبه» (خروج ٣٢/١٢ـ ١٤) . ويُلاحَظ أن احتجاج موسى على الرب ينبع من تَصوُّر حلولي له، أي أن كلاًًّ من الحادثة والاحتجاج عليها ينبعان من الرؤية الحلولية الكمونية نفسها. وقد حطَّم موسى لوحي الشهادة في لحظة غضبه، ثم أخذ العجل الذي صنعوه وأحرقه بالنار وطحنه حتى صار ناعماً وذَرَّاه على وجه الماء وسقى أعضاء جماعة يسرائيل (خروج ٣٢/٢٠) ، ثم قتل نحو ثلاثة آلاف رجل.
стр. 4263
وقد سبَّبت هذه الحادثة كثيراً من الحرج للحاخامات والمفسّرين اليهود بسبب اشتراك هارون في عبادة العجل (وخصوصاً أن اللاويين رفضوا الاشتراك في تلك السقطة) . ولم تكن عبادة العجول الذهبية أمراً غريباً في الديانة الكنعانية القديمة إذ كان الثور رمزاً محبَّباً للخصب، وكانت كلمة «إيل» تشير إلى الثور الأب في عبادتهم. ورغم الوصية الثانية من الوصايا العشر (خروج ٢٠/٤) ، فقد وجدت صور الثور وتماثيله طريقها إلى عبادات العبرانيين وفنونهم. ففي أيام سليمان، وقت بناء الهيكل، نجد أن الحوض المسمَّى «البحر المسبوك» أو «بحر النحاس» ، يصور المعاني الوثنية في الكون، إذ يرتكز على اثنى عشر ثوراً، كل ثلاثة منها تتجه صوب إحدى الجهات الأربع (ملوك أول ٧/٣: ٢٦) . وقد بُعثت عبادة العجول الذهبية من جديد على يد الملك يربعام في دان وبيت إيل (ويُقال إن يربعام تعلَّم عبادة العجل من عبادة عجل آبيس في مصر، كما يُقال أيضاً إنها هي عبادة هاتور نفسها، البقرة المقدَّسة) . وثمة رأي يذهب إلى أن العجول لم تكن تجسيداً ليهوه وإنما كانت قاعدة لتمثال، لتجلٍّ غير مرئي ليهوه.
وفي الدراسات اليهودية الحديثة، يكتسب العجل الذهبي دلالات مختلطة، فالصهاينة يستخدمونه رمزاً لليهود الذين يعيشون خارج الأرض المقدَّسة، ويرفضون الهجرة إليها بسبب المستوى المادي المرتفع الذي حققوه في المنفى. أما أعداء الصهيونية فيستخدمونه للإشارة إلى النزعة الحلولية الوثنية التي بعثتها الصهيونية بين اليهود والمتمثلة في عبادة العجل الذهبي الجديد، أي الدولة الصهيونية. وبعد حرب أكتوبر، شبَّه بعض الإسرائيليين نظرية الأمن الإسرائيلية بالعجل الذهبي باعتبار أنها أدخلت الأمن الزائف على قلوب الإسرائيليين.
الترافيم (أصنام)
Teraphim
стр. 4264
«ترافيم» كلمة مجهولة الأصل، وإن كان العَالم و. ف. ألبريت يرى أنها تعني «الخرق القديمة» وأنها من الجذر الكنعاني «ترب» ومعناها «يستهلك» . وقد أشار هوفنر إلى مصدر حوراني حيثي هو كلمة «تاربيس» أي (روح حامية أو شريرة) . وكانت تُعَدُّ إلهة الأسرة أو ربما إله خصب.
والترافيم أصنام صغيرة، فقد خبأتها راحيل تحت حداجة الجمل وجلست عليها حين حاولت أن تسرقها من أبيها (تكوين ٣١/٣٥) . وحسب القانون البابلي، كان لمن عنده آلهة الأسرة الحق في أن يرث نصيب البكر. ولكن يبدو أن بعضها كان كبير الحجم حيث وضعت ميكال الترافيم في مكان داود، فظن رسل شاؤول أنه نائم في فراشه (صموئيل أول ١٩/١٣) . ويبدو أن عبادة يسرائيل كانت تُحرِّم اقتناء أصنام الترافيم، وإن كانت لا تُمانع في ارتباط شخصيات العهد القديم بها. ومع هذا، فثمة إشارات أخرى في العهد القديم تساوي بين الترافيم وخطبة العرافة (صموئيل أول ١٥/٢٣) وتبيَّن أن يوشيا في إصلاحه الديني أباد «السحرة والعرافين والترافيم والأصنام وجميع الرجاسات التي رئيت في يهودا وفي أورشليم» (ملوك ثاني ٢٣/٢٤) . ومع ذلك، فقد وُجد بين اليهود من يسأل عن الترافيم حتى بعد الرجوع من بابل.
ولعل هذا التأرجح بين موقفين متناقضين تماماً هو تعبير آخر عن الخاصية الجيولوجية في اليهودية.
الأفود (أصنام)
Ephod
«إفود» كلمة عبرانية لا يُعرَف معناها على وجه الدقة، وهي تُستخدَم في العهد القديم كمصطلح له معنيان مختلفان:
стр. 4265
١ ـ فهو يجئ بمعنى صورة أو صنم تشبه الترافيم، في شكلها وطبيعتها ووظيفتها، كانت توضع في الهيكل. وقد صنع جدعون إفوداً لأعضاء جماعة يسرائيل وأضلهم (قضاة ٨/٢٤ ـ ٢٧) . وقد صنع ميخا، من قبيلة إفرايم، إفوداً وترافيم. ويبدو أن الهيكل في نوب كان يضم، في زمن شاؤول، إفوداً خُبئ وراء سيف جوليات (صموئيل أول٢١/١٠) . وقد استمر استخدام الإفود حتى عصر الملوك. ولا نعرف بالضبط ما وظيفة الإفود، ويبدو أنها لم تكن موضع عبادة جماعة يسرائيل (على الأقل ليس دائماً) وإنما كانت تُستخدَم في معرفة المستقبل والتنبؤ به. وعلى أية حال، فإن استخدام صورة الزنى المجازية للإشارة إلى ما فعله أعضاء جماعة يسرائيل مع جدعون أمام الإفود يدل على قيامهم بشكل من أشكال العبادة الوثنية.
٢ ـ المعنى الثاني يشير إلى رداء كان يرتديه الكاهن الأعظم. وقد ارتدى صموئيل إفوداً من الكتان وهو في شيلوه (صموئيل أول ٢/١٨) . وكذلك داود، حينما أحضر تابوت الإله إلى القدس (صموئيل ثاني ٦/١٤) . والإفود هو أيضاً رداء الكاهن الأعظم.
والإفود بمعناه الأول، واستمرار وجوده، وارتباط جماعة يسرائيل به، يدل على أن عبادة يسرائيل القربانية كانت تتضمن عناصر كثيرة غير توحيدية.
خيمة الاجتماع (خيمة الشهادة)
Tabernacle; Sanctuary; Tent of Congregation
стр. 4266
«خيمة الاجتماع» أو «خيمة الشهادة» يقابلها في العبرية كلمة «مشكن» ، أي «مسكن» ، وكذلك «أوهيل موعيد» ، أي «خيمة الاجتماع» ، وهي خيمة أو خباء كان يحملها العبرانيون القدامى (جماعة يسرائيل) في تجوالهم، وكانت تُقام خارج المضارب ليسكن الإله فيها بين شعبه (حسب التصور العبراني) وليكشف فيها عن وجوده ويُبلغ إرادته، وليتوجَّه إليه فيها من يطلبه (خروج ٣٣/٧ ـ ١١) . فهو خباء المحضر أو خيمة الاجتماع. كما سُمِّيت أيضاً «بيت الإله» . وعبارة «خيمة الاجتماع» تعبير عن الطبقة الحلولية قبل اكتمال الثالوث الحلولي (الإله - الشعب - الأرض) إذ لا يوجد سوى العنصرين الأول والثاني وحسب، ومن هنا تنقلهما في طريقهما إلى العنصر الثالث لتكتمل دائرة القداسة وتنغلق.
стр. 4267
وفي يوم اكتمال بناء الخيمة، أظهر الإله ذاته على هيئة سحابة غطَّت الخيمة وملأتها. وبعد ذلك، تحوَّلت السحابة إلى عمود يسير أمام أعضاء جماعة يسرائيل في رحلاتهم، فكان إذا وقف العمود فوق الخيمة ينزل الشعب، وإذا انتقل نُقلت الخيمة وتبع الجمهور السحابة. وفي الليل، كانت السحابة تستحيل إلى عمود نار فيكون الإله سائراً أمامهم (خروج ١٣/٢٠ ـ ٢٢،٤٠/٣٤ ـ ٣٧، عدد ٩/١٥ ـ ٢٣، ١٠/٣٣ ـ ٣٦، ١١/٢٤ ـ ٢٥) . وقد أتى وصف خيمة الاجتماع في سفر الخروج (٢٦،٢٧، ٣٥، ٣٨) : قاعدتها مستطيلة، طولها ثلاثون ذراعاً وعرضها عشر أذرع وارتفاعها عشر أذرع أيضاً، وزواياها قائمة. والخيمة تكون محاطة بسور. وفي الفناء، بين الخيمة والباب الخارجي، كان يُقام مذبح المحرقة، وبجواره مغسلة من النحاس بين باب الخيمة والمذبح (بحر النحاس) يكون فيها ماء لغسل أيدي وأرجل الكهنة عند دخولهم المقدَّس. أما الجزء الداخلي، فيكون في أوله على اليمين مائدة خبز القربان (أو خبز الوجه «ليحيم هابانيم» ) ،وعلى اليسار شمعدان المنيوراه فمذبح البخور الذهبي الذي يُحرَق فيه البخور ليل نهار، ثم قلب المقدَّس الذي يُسمَّى «قدس الأقداس» ويضم تابوت العهد. وتُسمَّى خيمة الاجتماع «خيمة الشهادة» أيضاً لأنها تحوي لوحي الشهادة والوصايا العشر.
стр. 4268
ويعكس الجزء الكهنوتي من أسفار موسى الخمسة، في جانب منه، الفكر الديني لكهنة هيكل القدس، والذي يعلق أكبر الأهمية على أن يسكن الإله وسط شعبه. ومن هنا، فقد نقل ذلك الجزء مقر الخيمة من خارج المضارب أو المحلة إلى وسطها. وأصبح التصور أن الخيمة تنصب في الوسط، تحيط بها خيام الكهنة واللاويين ثم خيام بقية القبائل حواليهم في أربعة أقسام. وعندما انتهت رحلات الشعب، استقرَّت الخيمة في الجلجال (أول معسكر لجماعة يسرائيل بعد عبور الأردن ودخول أرض كنعان) ثم نُقلت إلى شيلوه حيث بقيت مدة ثلاثمائة أو أربعمائة سنة، ومنها انتقلت إلى جبعون ثم إلى الهيكل الذي تشبه بنيته بنية خيمة الاجتماع.
ويُلاحَظ تأثير هندسة المعبد المصري في خيمة الاجتماع بتقسيمها إلى المقدس وقدس الأقداس. ولا شك في أن تنظيم الكهنة هرمياً كان ذا أصل مصري أيضاً، فكان لا يُسمَح إلا لكبار الكهنة بدخول المقدس، ولم يكن يدخل قدس الأقداس سوى كبيرهم.
وكان أعضاء جماعة يسرائيل، كما تَقدَّم، يحملون خيمة الاجتماع معهم أينما ذهبوا، لتُقام في وسط مساكنهم. وقد أثارت إقامة مكان واحد للعبادة وتقديم القرابين جدلاً بين الكهان فيما بعد، فرأي كهان الهيكل المرتبطون بالحكومة المركزية أن القرابين لا تجوز إلا في الهيكل الكائن في العاصمة، والذي هو امتداد لخيمة الاجتماع. بينما رأي فريق آخر أن الحكمة من جعل الخيمة متنقلة هي جواز تقديم القرابين في أي معبد من المعابد المحلية.
وكلمة «تابرناكل Tabernacle» الإنجليزية تشير إلى كل من خيمة الاجتماع والسوكاه التي تُقام في عيد المظال.
تابوت العهد (تابوت الشهادة - سفينة العهد)
Ark of the Covenant
стр. 4269
«تابوت العهد» أو «تابوت الشهادة» يقابلها في العبرية «أرون هابريت يهوه» ، أي «تابوت ميثاق يهوه» ، أو «تابوت يهوه صباءوت» ، أي «رب الجنود» أو «التابوت المقدَّس» . وفي اللغة العبرية، توجد كلمتان «تيبا» و «أرون» ، بمعنى «صندوق» ، وتُترجَمان إلى كلمة «آرك» الإنجليزية.
لكن الكلمة الأولى لا تُستخدَم إلا للإشارة إلى سفينة نوح، أو الصندوق الذي وُضع فيه موسى. أما الثانية، فتُستخدَم في سياق ديني بمعنى تابوت أو صندوق. وتابوت العهد من أكثر الأشياء المقدَّسة تعبيراً عن النزعة الحلولية في اليهودية، فكان أعضاء جماعة يسرائيل يتصورون أن روح يهوه تحل فيه، وكان الكهنة يحملونه في المعارك على أعمدة طويلة كرمز واضح على وجود يهوه وسط الجنود. وجاء في سفر العدد أن العبرانيين عندما رحلوا في البرية في أيام التيه، كان التابوت يُحمَل أمام الشعب، ويتقدمه عمود السحاب نهاراً وعمود النار ليلاً. وكان إذا حُمل التابوت يقول: «قم يارب فلتتبدد أعداؤك ويهرب مبغضوك من أمامك» . وإذا حل التابوت يقول أيضاً «ارجع يارب إلى ربوات ألوف يسرائيل» (عدد ١٠/٣٣ ـ ٣٦) . وكان هذا التابوت يُعَدُّ أكثر الأشياء الشعائرية قداسة عند العبرانيين القدامى.
وحينما يكفُّ العبرانيون عن الترحال، كان التابوت يوضع في قدس الأقداس، داخل خيمة الاجتماع، حيث لا يراه إلا الكاهن الأعظم في يوم الغفران. ولكنهم كانوا يخرجونه أثناء معاركهم الحربية، فهو يضمن لحامله النصر، وهو الذي يُوجِّه الجنود أثناء المعارك.
стр. 4270
وجاء وصف التابوت في سفر الخروج (٢٥/١٠ ـ ٢٢) ، وهو صندوق مصنوع من خشب السنط طوله ذراعان ونصف، أي ثلاثة أقدام وثلاثة أرباع القدم، وكلٌّ من عرضه وارتفاعه ذراع ونصف، أي قدمان وربع القدم، مُحلَّى بالذهب من الداخل والخارج، يقف عليه ملاكان (كروبان) ناشرين أجنحتهما رمزاً للوجود الإلهي (شخيناه) بين الشعب المختار. وأصبح التابوت ذاته رمزاً للعرش الإلهي. ويُقال إن الإله قد أخبر موسى بأنه سيقابله بين الملاكين. ولم يكن يُسمَح لأحد بأن يمس التابوت باعتباره محرماً (تابو) . وكان التابوت يحتوي على المن، وعصا هارون، ولوحى الشريعة أو العهد، ثم وُضع بجانبه كتاب التوراه، ولكن المن وعصا هارون كانا قد اختفيا مع حكم سليمان. ومن الواضح أن في هذا الوصف إسقاطاً لقيم وتخيلات مرحلة مركبة لاحقة على مرحلة التيه التي كانت تتَّسم بالبساطة والبداوة. كما أنه، بتطور الديانة اليهودية، جرى تفسير وجود التابوت تفسيراً أكثر عمقاً من التفسير السابق. فقد أصبح التابوت شيئاً مقدَّساً بناه موسى تنفيذاً لأمر الإله (ليضع فيه اللوحين اللذين كتب عليهما الوصايا العشر) ليحمله أعضاء جماعة يسرائيل معهم في ترحالهم، على أن يقوم أعضاء من سبط اللاويين بحمله. ثم وُضعت التوراة بجانب اللوحين، ومن ثم فإنه يُسمَّى أحياناً «تابوت الشهادة» . وصار التابوت رمزاً للعهد مع الإله، وأصبح تلامُس جناحي الملاكين رمزاً للزواج المقدَّس بين الشعب والإله.
بقي التابوت مدة بالخيمة في الجلجال، ثم نُقل إلى شيلوه حين وقع في أيدي الفلستيين الذين أخذوه إلى أشدود ووضعوه بجانب صنم داجون. وحسب الرواية التوراتية، اضطر الفلستيون إلى إرجاعه بسبب الكوارث التي حاقت بهم، ثم نقل إلى القدس (بعد ٣٠٠ أو ٤٠٠ سنة) أثناء حكم داود. وقد حفظ سليمان التابوت، في قدس الأقداس بالهيكل، وسط العالم تماماً، وأمامه حجر الأساس الذي هو مركز الدنيا (حسب التصور اليهودي) .
стр. 4271
ويُقال إن منَسَّى وضع تمثالاً منحوتاً بدلاً من التابوت داخل الهيكل غير أن يوشيا أرجعه، وقال يوسيفوس عن التابوت إنه «لم يكن يحتوي على أي شيء بالمرة» .
ولم يأت ذكر التابوت ضمن الغنائم التي حملها البابليون معهم وأُعيدت فيما بعد. وثمة رأي يقول إن التابوت من بين مواد العبادة الشعائرية لقبيلة إفرايم، ويُوجَد داخله حجران يحل فيهما يهوه. كما يرى جوستاف لوبون أن تابوت العهد مقتبس من الفكر المصري القديم الذي كان يعرف نظائر عدة لهذا التابوت المقدَّس (مراكب الشمس) . لكن الطقوس الدينية التي كانت تحيط بتابوت العهد تشير إلى طبيعة العبرانيين البدوية، كما تشير إلى أنهم كانوا شعباً متنقلاً كثير الترحال. ولا يُعرَف، على وجه الدقة، مصير هذا التابوت. فعند بناء الهيكل الثاني، لم يكن له من أثر ولم يأت ذكره، وإن قيل إنه مخبّأ فوق أحد الجبال أو تحت الهيكل إلى أن يعود الماشيَّح. وهناك رأي يذهب إلى أنه أُعيد بناؤه في هيكل هيرود. وعلى أية حال، فإن تابوت العهد لم يختف دون أن يترك أثراً في الديانة، وتابوت لفائف الشريعة هو امتداد لفكرة تابوت العهد. وهناك اعتقاد عند الإثيوبيين بأن تابوت العهد (الأصلي) موجود في إثيوبيا.
стр. 4272
الباب الثانى عشر: الهيكل
الهيكل والعبادة القربانية المركزية
The Temple and the Central Sacrificial Cult
«الهيكل» كلمة يقابلها في العبرية «بيت همقداش» ، أي «بيت المقدس» ، أو «هيخال» ، وهي كلمة تعني «البيت الكبير» في كثير من اللغات السامية (الأكادية والكنعانية وغيرهما) . والبيت الكبير أو العظيم هو الطريقة التي كان يُشار بها إلى مسكن الإله، فكلمة «فرعون» تعني «البيت الكبير» وهي تشبه إلى حدٍّ ما عبارة «الباب العالي» . وقد تبدَّت الطبقة الحلولية اليهودية التي تراكمت داخل التركيب الجيولوجي اليهودي في شكل تقديس الأرض الذي تمثَّل في عبادة يسرائيل والعبادة القربانية المركزية المرتبطة بالدول العبرانية المتحدة (١٠٢٠ ق. م) التي قام الكهنة بالإشراف على إقامة شعائرها. ومركز هذه العبادة القربانية هو الهيكل.
ومن أهم أسماء الهيكل «بيت يهوه» ، لأنه أساساً مسكن للإله وليس مكاناً للعبادة (على عكس الكعبة مثلاً) . ومن هنا، ورغم أنه كان مصرَّحاً للكهنة بل لعبيد الهيكل بالدخول فيه، فلم يكن يُسمَح لهم بالتحرك فيه بحرية كاملة. ولم يكن يُسمَح لأحد على الإطلاق بدخول قدس الأقداس إلا الكاهن الأعظم في يوم الغفران.
والهيكل أهم مبنى للعبادة اليسرائيلية، ومركز العبادة القربانية المركزية. وبعد هدمه عام ٧٠م، لم يحل محله مبنى مركزي مماثل. وكان يحج إليه اليهود في أعياد الحج الثلاثة: عيد الفصح، وعيد الأسابيع، وعيد المظال. وبعد العودة من بابل، كان السنهدرين يجتمع في إحدى القاعات الملحقة به.
стр. 4273
وفي بداية عباداتهم كان العبرانيون، أعضاء جماعة يسرائيل، يحملون في تجوالهم تابوت العهد الذي كان يُوضَع في خيمة الشهادة أو الاجتماع. ومع استقرارهم في كنعان كانوا يُقدِّمون الضحايا والقرابين والهبات للآلهة في هيكل محلي أو مذبح متواضع مبني على تل عال يُسمَّى «المذبح» أو «المحرقة» . وكان هذا الوضع تعبيراً عن استقلالية القبائل وعلاقتها الفيدرالية. ومع هذا كان تابوت العهد يُعَدُّ مركز العبادة اليسرائيلية. وبعد تدمير شيلوه (١٠٥٠ ق. م) ، وبعد استيلاء الفلستيين عليه أحضره داود إلى جبل صهيون في القدس حيث بنى خيمة له. وقد ظهرت مراكز العبادة اليسرائيلية في أماكن مختلفة، ولكن أياً منها لم يفلح في أن يصبح مركزاً دينياً لكل القبائل العبرانية المتناثرة. ولذا فمع تَركُّز السلطة في يد الملوك تركزت العبادة القربانية نفسها في مكان واحد هو الهيكل في القدس. والتي كانت تقع على الحدود بين عديد من القبائل، كما أنها لم تكن تابعة لأيٍّ من القبائل باعتبار أنها من المدن التي تم الاستيلاء عليها مؤخراً. ولكل هذا، أصبحت القدس مركزاً دينياً للقبائل العبرانية، ومن ثم لعبادة يسرائيل القربانية. وتاريخ بناء الهيكل هو أيضاً تاريخ تَحوُّل عبادة يسرائيل (البدوية المتجولة أو القبلية الفدرالية) إلى العبادة القربانية المركزية (المستقرة) .
الهيكل: مكانته في الوجدان اليهودي
TheTemple: Its Status in the Jewish Imagination
стр. 4274
يشغل الهيكل مكانة خاصة في الوجدان اليهودي، كما يعبِّر عن التيار الحلولي، فهو يُسمَّى «لبنان» لأنه يُطهِّر يسرائيل من خطاياها ويجعلها بيضاء كاللبن (وبذلك تم ربط الكلمة العبرية «لبن» بكلمة «لبنان» ) . وكان التصور أنه يقع في مركز العالم فقد بُنيَ في وسط القدس التي تقع في وسط الدنيا (فقدس الأقداس الذي يقع في وسط الهيكل هو بمنزلة سُرَّة العالم، ويُوجَد أمامه حجر الأساس: النقطة التي عندها خلق الإله العالم) . والهيكل كنز الإله مثل جماعة يسرائيل، وهو عنده أثمن من السماوات بل من الأرض التي خلقها بيد واحدة بينما خلق الهيكل بيديه كلتيهما. بل إن الإله قرَّر بناء الهيكل قبل خلق الكون نفسه، فكأن الهيكل مثل اللوجوس (أو الكلمة المقدَّسة) ، أو ابن الإله في اللاهوت المسيحي.
ويبدو أن الحاخامات اليهود قد أخضعوا الهيكل، منذ البداية، لكثير من التأملات الكونية. ويذهب أحد العلماء إلى أن هذه التأملات هي وحدها التي تفسر معمار الهيكل وتصميمه. وقد أورد يوسيفوس بعض هذه التأملات، فذكر أن الفناء الذي يحيط بالهيكل بمنزلة البحر، والمقدَّس هو الأرض، وقدس الأقداس هو السماء، والرقم (١٢) ، وهو تعداد كثير من الأشياء الشعائرية، هو شهور السنة. بل إن رداء الكاهن الأعظم كان له أيضاً المغزى الكوني نفسه.
ويبدو أن الصورة المجازية الأساسية في القبَّالاه هي المقابلة بين الإنسان والكون، فالإنسان كون صغير (ميكروكوزم) يشبه الكون الأكبر (ماكروكوزم) ، وهو تَصوُّر يعود إلى التأملات المبكّرة للحاخامات حيث كانوا يرون أن الهيكل يشبه جسم الإنسان.
стр. 4275
ويشكل هدم الهيكل صورة أساسية في الوجدان الديني اليهودي، فهو يُذكَر عند الميلاد والموت. وعند الزواج، يُحطَّم أمام العروسين كوب فارغ لتذكيرهم بهدم الهيكل (وقد يُنثَر بعض الرماد على جبهة العريس) . وفي الماضي، حينما كان اليهودي يطلي منزله، كان الحاخامات يوصونه بأن يترك مربعاً صغيراً دون طلاء حتى يتذكر واقعة هدم الهيكل. وفي كل عام، يُحتفَل بذكرى هدم الهيكل بالصيام في التاسع من آب. وعند كل وجبة، ومع كل صلاة في الصباح، يتذكر اليهود الأتقياء الهيكل، ويصلون من أجل أن تتاح لهم فرصة العودة إلى الأرض المقدَّسة والاشتراك في بناء الهيكل. كما تُتلَى صلاة خاصة في منتصف الليل حتى يُعجِّل الإله بإعادة بناء الهيكل. ويذهب الشرع اليهودي إلى أن اليهودي يتعيَّن علىه أن يمزِّق ثيابه حينما يرى الهيكل لأول مرة وبعد مرور ثلاثين يوماً من آخر مرة رآه فيها. وفي القبَّالاه، يشكّل قدس الأقداس المخدع الذي يضاجع فيه الملك، أي الإله، عروسه ماترونيت أو الشخيناه (وهي التعبير الأنثوي عن الإله، وهي أيضاً جماعة يسرائيل) . ومن ثم، فإن هدم الهيكل يعني نفي الشخيناه، أي جماعة يسرائيل. ولكن هذا النفي ينعكس على الإله نفسه «فالملك بدونها ليس بملك وليس بعظيم ولا يُسبِّح أحد بحمده» على حد قول الحاخامات، أي أن هدم الهيكل يؤدي إلى شتات الشخيناه/الشعب وإلى نفيها. ومن ثم، فإن هدم الهيكل يؤدي إلى شتات الإله وبعثرته ونفيه. وهذا ممكن داخل إطار حلولي حيث يصبح الإله متوحداً تماماً مع مخلوقاته لا يفصل بينهما فاصل، وحيث يعني نفي الواحد نفي الآخر.
следующие страницы →