Полный текст (8 511 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.
стр. 4341
وخلف أخاب ابنه آحازيا (٨٥٢ ـ ٨٥١ ق. م) الذي هاجمه إلياهو باعتباره مشركاً وثنياً، وقد حاول آحازيا أن يكون جزءاً من المشاريع البحرية للمملكة الجنوبية ولكن طلبه رُفض، وهو ما أدَّى إلى توتر العلاقة بين المملكتين. ثم اعتلى يورام (٨٥١ ـ ٨٤٢ ق. م) العرش من بعده، وألحق المؤابيون به الهزيمة وحصلوا على استقلالهم، كما هاجم الآراميون مملكته، وجُرح وهو أثناء معركة خاضها ضدهم لاسترداد إحدى المدن. وأدَّت هزائمه العسكرية المتكررة إلى ضعضعة سلطته، ثم اغتيل آحازيا على يد ياهو (٨٤٢ ـ ٨١٤ ق. م) زعيم الانقلاب العسكري الذي أطاح بأسرة أخاب وقتل أعضاءها كما قتل كهنة بعل. وقد قطع ياهو علاقات مملكته مع حلفائها السابقين (الدول/المدن الفينيقية والمملكة الجنوبية) وهو ما جعلها عرضة للغزو الأجنبي، فقامت قوات الآراميين بغزوها وألحقت الهزيمة به، فاضطر إلى دفع الجزية لشلمانصر الثالث لكي يحميه من الآراميين، وهذا ما خفف من الضغط الآرامي بعض الوقت. ويظهر هذا الملك على المسلة السوداء التي أقامها الملك الآشوري وهو يُقبِّل الأرض عند قدمي هذا الأخير ويُقدِّم الجزية. ولكن، بعد أن مني شلمانصر بالفشل في إخضاع عاصمة آرام، هاجمت الجيوش الآرامية المملكة الشمالية مرة أخرى وضمت الأراضي التابعة لها شرقي الأردن. وفي أواخر حكمه، اخترقت الجيوش الآرامية مملكته ووصلت إلى حدودها مع المملكة الجنوبية، ثم دخلت مملكته مرحلة التدهور.
стр. 4342
وخلال حكم يوآحاز (٨١٤ ـ ٨٠٠ ق. م) ، كانت المملكة الشمالية مجرد مملكة تابعة لآرام التي تحكمت في أجزاء كبيرة من أراضيها وحدَّت من قوتها العسكرية، فانكمشت المملكة لتصبح دويلة. وقد انحسر المد الآرامي بعض الشيء بوصول حملة تأديبية آشورية بقيادة أدادنيراري الثالث الذي تشير إليه المصادر التوراتية باعتباره المخلِّص (ملوك ثاني١٣/٥) . ويبدو أن يوآحاز دفع الجزية، مثل يهو، للملك الآشوري. وانتهز يوآش (٨٠٠ ـ ٧٨٤ ق. م) فرصة ضعف آرام بعد هزيمتها على يد الآشوريين، واستعاد بعض المدن التي كان قد فقدها. وحينما حاول ملك المملكة الجنوبية أن يتخلص من الهيمنة الشمالية، استولى يوآش على القدس، ونهب الهيكل والكنوز الملكية، وحوَّل المملكة الجنوبية مرة أخرى إلى مملكة تابعة. وقد أتى ذكر يوآش، في أحد النقوش الآشورية، باعتبار أنه كان يدفع الجزية لملك آشور. ووصلت المملكة إلى قمة ازدهارها الاقتصادي والعسكري والسياسي أثناء حكم يُربْعام الثاني (٧٨٤ - ٧٤٨ ق. م) إذ تمتعت بشيء من الاستقلال نظراً لضعف الآشوريين النسبي. وانتهز يُربْعام الثاني فرصة هزيمة آرام على يد الآشوريين، فاستعاد كل الأراضي التي استولت عليها آرام من قبل بل ضم بعض المدن الآرامية، فاتسعت رقعة مملكته. كما أقام يُربْعام الثاني مستعمرات في شرق الأردن، وأقطع ضباطه وأتباعه رقعاً كبيرة من الأرض، وقام بحركة بناء واسعة النطاق. وقد أدَّى كل ذلك إلى نشوء طبقة ذات نفوذ كبير من الملاك الأثرياء. وتميَّز حكمه بالفساد الداخلي والانحلال الخلقي، وهو ما دفع النبيين عاموس وهوشع إلى الهجوم عليه واستنكار أفعاله. وسادت فترة من الاضطرابات اتَّسمت بالصراع الطبقي ولعب فيها ملاك الأراضي في شرق الأردن دوراً كبيراً. وقد اُغتيل ابنه زكريا عام ٧٤٨ ق. م بعد ستة أشهر من اعتلائه العرش، وانتهى بذلك حكم أسرة ياهو.
стр. 4343
وفي عام ٧٤٨ ق. م، حكم شلوم رئيس الانقلاب (وكان من شرق الأردن) شهراً واحداً دون أن يعتلي العرش إذ قتله مناحم (٧٤٧ - ٧٣٧ ق. م) الذي كان هو الآخر من شرق الأردن. وقد حاول مناحم أن يوسِّع حدود مملكته ويؤسِّس حكماً ثابت الدعائم، ولكن يد آشور الحديدية منعته. وحينما هاجم تيجلات بلاسر سوريا ثم المملكة الشمالية، دفع له مناحم جزية كبيرة. وحكم فقحيا بن مناحم (٧٣٧ ـ ٧٣٥ ق. م) عاماً واحداً، ولكن قائد جيشه فاقح (أحد نبلاء جلعاد) قام بانقلاب ضده وقتله واستولى على العرش (٧٣٥ ـ ٧٣٣ ق. م) . ويبدو أن سبب المؤامرة هو عدم رضا أثرياء شرق الأردن عن الهيمنة الآشورية، إذ كانت لهم علاقات قوية بآرام. وكان فاقح زعيم الحزب المعادي للآشوريين، فتحالف مع رزين ملك آرام دمشق، حيث هاجما معاً المملكة الجنوبية ليرغما يوثام ثم ابنه آحاز على دخول الحلف. وقد لجآ إلى تشجيع الاضطرابات في أدوم وفلستيا وجردا حملة على القدس لإرغام المملكة الجنوبية على الانضمام إليهما. ولكن آحاز استغاث بالآشوريين، فقامت القوات الآشورية بالهجوم على أعضاء التحالف وقضت على آرام دمشق كدولة. واستولت القوات الآشورية كذلك على أراضي الجليل وجلعاد، وأخذت منها أسرى إلى آشور. وقد قُتل فاقح على يد هوشع (٧٣٠ ـ ٧٢٤ ق. م) آخر ملوك المملكة الشمالية. وتقول المصادر الآشورية إن هوشع اعتلى العرش بمساعدة آشور، وأن مملكته قامت حول جبل إفرايم. وبعد موت تيجلات بلاسر الثالث، نشبت الثورات في سوريا وانضمت المملكة الشمالية بتشجيع من مصر للثورة، فجرَّد شلمانصر الخامس حملة وحاصر السامرة ثلاث سنوات إلى أن سقطت في يد خلفه سرجون الثاني (٧٢١ ق. م) ، فهجَّر عدداً كبيراً من رجالها وأصبحت المملكة الشمالية مقاطعة آشورية.
يُربْعام الأول (٩٢٨-٩٠٧ ق. م)
Jeroboam I
стр. 4344
«يُربعام» اسم عبري معناه «يكثر أو يربو الشعب» . ويُربعام الأول أول ملوك المملكة الشمالية بعد انقسام المملكة المتحدة. كان يُربْعام يعمل عند سليمان ناظراً للعمال من قبيلة إفرايم المسخَّرين للعمل. وبدأت العناصر الساخطة تتجه إليه ليكون زعيماً للتمرد على هيمنة سليمان والجنوب. ولما عرف سليمان بالمؤامرة طلب قتله، فهرب إلى مصر عند الفرعون شيشنق، وبقي هناك إلى ما بعد موت سليمان. وقاد يُربعام الوفد الذي طلب من رُحبعام الإصلاح. وحينما رفض الأخير، ثار الشماليون وأسسوا مملكتهم وخاضوا حرباً مع المملكة الجنوبية استمرت اثنين وعشرين عاماً. وقد اتخذ يُربعام من شكيم عاصمة لدولته. وخشية أن يذهب العبرانيون إلى القدس للأعياد ويجددوا ولاءهم القديم لبيت داود، نصب يُربْعام عجلين من ذهب ربما بتأثير العبادة المصرية التي عرفها أثناء فترة نفيه؛ أحدهما في بيت إيل والآخر في دان ـ أي في طرفي مملكته ـ ونادى بوجوب عبادتهما. وإلى جانب العجل، مجَّد يُربْعام آلهة أخرى منها عشتاروت الإلهة الفينيقية وكموش إله المؤابيين. وقد أيَّد جميع الملوك الذين تعاقبوا على المملكة الشمالية هذه العبادة (ما عدا يوشيا) . وغيَّر يُربعام تاريخ عيد الحصاد بحيث أصبح في الخامس عشر من الشهر الثامن في المملكة الشمالية، وقد كان يقع في اليوم الخامس عشر من الشهر السابع. وقد طرد يُربعام اللاويين الذين كانوا يشكلون الجهاز الإداري للملكة العبرانية المتحدة، ونقل عاصمته من شكيم إلى بنوئيل لتَعذُّر تحصين الأولى. ثم انتقلت العاصمة إلى ترصه إلى أن استقرت في نهاية الأمر في السامرة.
رُحْبعام (٩٢٨-٩١١ ق. م)
Rehoboam
стр. 4345
«رُحبعام» اسم عبري معناه «اتسع الشعب» . ورُحبعام هو ابن سليمان من نعمة العمونية. طلب منه ممثلو القبائل العبرانية الشمالية، تحت قيادة يُربْعام، أن يخفِّف من النير الذي حمَّلهم إياه أبوه، فرفض طلبهم وهدَّدهم بمزيد من الضرائب، فانشقت القبائل الشمالية عن المملكة العبرانية المتحدة وأسست مملكة مستقلة هي المملكة الشمالية. وقامت الحرب بين رُحْبعام ويُربْعام واستمرت طيلة حكمه، كما انتشرت العبادة الوثنية في مملكته. وأثناء حكمه أيضاً، غزا شيشنق مملكته واستولى على بعض المدن لبعض الوقت، ومنها القدس نفسها، ونهب الهيكل والقصر الملكي.
آسا (٩٠٨-٧٦٧ق. م)
Asa
«آسا» اسم عبري معناه «الآسي» أي «الطبيب» . ولعل الاسم اختصار لعبارة «يهوه آسا» أي «الرب داوى وشفى» . وقد تحالف آسا، وهو أحد ملوك المملكة الجنوبية، مع بن هدد ملك آرام دمشق، لكي يوقف الغزو الذي قامت به المملكة الشمالية، وقام بتحصين الحدود بين المملكتين، وهو ما يعني أن الأمل الذي كان يراود حكام المملكة الجنوبية باستعادة المملكة الشمالية قد انتهى.
وقد عُرفت العبادات الوثنية في عهده. ولكنه، مع هذا، قام بإصلاح ديني يهدف إلى تحطيم التماثيل وهدم المذابح والمرتفعات، وهي أماكن مقدَّسة مرتبطة بالعبادة الوثنية. ومع هذا، لم يسايره الشعب في جميع إصلاحاته، فبقيت المرتفعات على حالها.
عمري (٨٨٢-٨٧١ ق. م)
Omri
«عمري» اسم عبري ربما كان معناه «مفلح» . وهو اسم أحد ملوك المملكة الشمالية. كان عمري قائداً للجيش. وأثناء محاصرته لإحدى المدن الفلستية وصله نبأ استيلاء زمري على العرش وأن الجيش بايعه ملكاً، فقاد عمري قواته إلى مدينة ترصه وفتحها فانتحر زمري. ثم قامت بينه وبين تبني بن جينه حرب أهلية استمرت خمسة أعوام انتصر في نهايتها عمري وأسس أسرة ملكية حاكمة تُعرَف باسمه، وجعل السامرة عاصمة مملكته. وقد سمَّى الآشوريون المملكة الشمالية «بيت خمري» أي «بيت عمري» .
стр. 4346
وقد ازدهرت التجارة في عصره نظراً لأنه خضع للضغوط الآرامية وسمح للمدن/الدول الآرامية بأن تفتح وكالات تجارية تابعة تتمتع بامتيازات خاصة. ولمعادلة هذا الموقف، قوى عمري علاقاته مع الفينيقيين، فزوَّج ابنه أخاب من إيزابيل ابنة ملك صيدا. وقد انعكست علاقاته السياسية والتجارية المتشابكة على الاتجاهات الدينية في عصره إذ دخلت عناصر من عبادات صيدا الوثنية على العبادات اليهودية في المملكة الشمالية. ولقد نجح عمري في فرض هيمنته على المؤابيين.
أخاب (٨٧١-٨٥٢ ق. م)
Ahab
«أخاب» اسم عبري معناه «أخو الأب» ، وهو ابن عمري أحد ملوك المملكة الشمالية. وقد بدأ حكمه نحو عام ٨٧١ ق. م. أثرت فيه زوجته إيزابيل ابنة ملك صيدا (وكانت امرأة وثنية) فانقاد لها وأدخل عبادة بعل، وهو ما أدَّى إلى احتدام الصراع بينه وبين الأنبياء. وتحالف أخاب مع الفينيقيين والمملكة الجنوبية ليقف ضد آشور، ونجح هذا التحالف في صد الآشوريين بشكل مؤقت (في معركة قرقار) وإن لم تكن نتيجة المعركة حاسمة. ثم تحالف مع يهوشافاط ملك المملكة الجنوبية، فحاربا معاً ضد آرام دمشق ولكنهما هُزما. وخر أخاب صريعاً في المعركة وسال دمه من مركبته فلحسته الكلاب، كما تنبأ النبي إلياهو.
إيزابيل (؟ -٨٤٣ ق. م)
Jezebel
«إيزابيل» اسم عبري يعني «غير مرتفع» . وإيزابيل زوجة أخاب أحد ملوك المملكة الشمالية (٨٧١ ـ ٨٥٢ ق. م) ، وابنة إثبعل ملك صور وصيدا وكاهن عشتروت، وقد عقد عمري الزواج بين أخاب وإيزابيل لتقوية العلاقة بين المملكة الشمالية والمدن/الدول الفينيقية. ومن هنا قويت عبادة بعل، وقد تنبأ لها إلياهو بأن الكلاب ستأكلها. وقد قُتلت إيزابيل أثناء انقلاب ياهو (٨٤٣ ق. م) والذي تم بتشجيع من إلياشع صديق إلياهو.
يهوشافاط (٨٦٧-٨٤٦ ق. م)
Jehoshaphat
стр. 4347
«يهوشافاط» اسم عبري معناه «يهوه قضى» . ويهوشافاط اسم رابع ملوك المملكة الجنوبية وابن الملك آسا. عقد تحالفاً مع أخاب ملك المملكة الشمالية وحارب معه ضد الآراميين، ولكنه هُزم في الحرب (كما قُتل حليفه أخاب) . وفيما بعد، تحالف مع يورام وقام بحملة ضد مؤاب وأحكم سيطرته على أدوم. وأسس يهوشافاط أسطولاً بحرياً تجارياً في البحر الأحمر في عصيون جابر (إيلات) ، ولكن عاصفة هبَّت عليه أغرقته قبل أن يبحر.
أحزيا (٨٥٢-٨٥١ ق. م)
Ahaziah
«أحزيا» اسم عبري معناه «الرب أمسك» . وقد سُمِّي بهذا الاسم كل من:
١ ـ ثامن ملوك المملكة الشمالية وهو ابن أخاب وإيزابيل. وقد تخلَّى هذا الملك عن عبادة يهوه واتبع العبادة الوثنية.
٢ ـ سادس ملوك المملكة الجنوبية (٨٤٣ - ٨٤٢ ق. م) وأمه عثليا ابنة أخاب. خاض معركة ضد ملك سوريا الآرامي، وقتله ياهو أثناء زيارته ليورام ملك المملكة الشمالية.
ياهو (٨٤٢-٨١٤ ق. م)
Jehu
«ياهو» اسم عبري معناه «هو يهوه» . وقد كان ياهو زعيم الانقلاب العسكري في المملكة الشمالية الذي أطاح بأسرة أخاب وقتل أعضاءها، كما قتل أحزيا ملك المملكة الجنوبية الذي كان في زيارة يورام وإيزابيل. حاول القضاء على عبادة بعل عن طريق اغتيال كهنتها ولكنه لم يُوفَّق. قام هو نفسه بعبادة العجول الذهبية فيما بعد، ودفع الجزية لشلمانصر الثالث. ويظهر هذا الملك على المسلة السوداء التي أقامها الملك الآشوري وهو يُقبِّل الأرض ويُقدِّم الجزية.
يوآش (٨٣٦-٧٩٨ ق. م)
Joash
«يوآش» اسم عبري معناه «يهوه قوَّاه» أي منحه القوة، وهو اختصار للاسم «يهوآش» . وقد سُمِّي بهذا الاسم ثامن ملوك المملكة الجنوبية (٨٣٦ ـ ٧٩٨ ق. م) الذي أعاد عبادة الهيكل لبعض الوقت ولكنه عاد وارتد إلى العبادة الوثنية ودفع الجزية لملك آرام ثم اغتيل بعد حكم دام نحو أربعين عاماً.
يوآش (٨٠٠-٧٨٤ ق. م)
Joash
стр. 4348
«يوآش» اسم عبري معناه «يهوه منحه القوة» ، وهو اختصار للاسم «يهوآش» . وقد سُمِّي بهذا الاسم الملك الثاني عشر من ملوك المملكة الشمالية (٨٠٠ ـ ٧٨٤ ق. م) وهو الثالث في سلالة ياهو. عبد العجل الذهبي واسترجع المدن التي كان الآراميون قد أخذوها بعد هزيمتهم على يد الآشوريين، وهزم أيضاً ملك المملكة الجنوبية ونهب الهيكل والكنوز الملكية.
يُربْعام الثاني (٧٨٤-٧٤٨ ق. م)
Jeroboam II
«يُربْعام» اسم عبري معناه «يكثر أو يربو الشعب» . ويُربْعام الثاني هو الملك الثالث عشر بين ملوك المملكة الشمالية. اتَّسم حكمه بالازدهار واستتباب الأمن. وفي عهده، وصلت المملكة إلى قمة ازدهارها الاقتصادي والعسكري والسياسي بسبب ضعف الآشوريين النسبي وانهزامهم. وأقام يُربْعام الثاني مستعمرات في شرق الأردن، ومنح ضباطه وأتباعه رقعاً كبيرة من الأراضي، فنشأت طبقة من كبار الملاك الأثرياء. وقد انتشرت في عهده عبادة الأوثان، وفي عصره، حذَّر النبيان عاموس وهوشع من مغبَّة الانحلال.
عُزيَّا (٧٦٩-٧٣٣ ق. م)
Uzziah
«عُزِّيا» اسم عبري معناه «مجد الرب» . وعُزِّيا أحد ملوك المملكة الجنوبية الذي يُسمَّى أيضاً «عزريا» ، وهو ابن إمصيا. وفي عهده تحرَّرت مملكته من هيمنة المملكة الشمالية، فنظَّم الجيش وحصَّن القدس وغزا المدن الفلستية. ترأس حلفاً من ملوك الدويلات التي كانت تعارض آشور حتى أصبحت مملكته الجنوبية أكثر أهمية من المملكة الشمالية.
هوشع (٧٥٠-٧٢٢ ق. م)
Hoshea
«هوشع» اسم عبري معناه «الخلاص» . وهوشع آخر ملوك المملكة الشمالية. كان صنيع الآشوريين. ولكنه عاد وتحالف مع المصريين، فهاجمه الآشوريون وفرضوا عليه دفع الجزية، ولكنه امتنع عن دفعها بتشجيع من المصريين. وحين أتى شلمانصر واحتل السامرة، أخذ هوشع أسيراً، وأتم سرجون الفتح وأكمل تهجير (سبي) القبائل الشمالية.
آحاز (٧٤٣-٧٢٧ ق. م)
Ahaz
стр. 4349
«آحاز» اسم عبري معناه «هو أمسك» ، أي «الرب أمسك» . وآحاز هو الملك الحادي عشر من ملوك المملكة الجنوبية. وقد ورد اسمه بصيغة «أحاز» .
هاجمت كلٌّ من آرام دمشق والمملكة الشمالية مملكته لترغماه على الانضمام للحلف المعادي لآشور، فطلب آحاز العون من آشور، فهبَّ تيجلات بلاسر الآشوري لنجدته وقضى على المملكة الشمالية. وقد نتج عن ذلك تبعية دينية للآشوريين إذ شيَّد آحاز مذبحاً في القدس لآلهة آشور كما أدخل كثيراً من العبادات الوثنية الأخرى. وقد اقتحم الفلستيون مدن السواحل وجنوبي مملكته، كما هاجمه الأدوميون.
حزقيا (٧٢٧-٦٩٨ ق. م)
Hezekiah
«حزقيا» اسم عبري معناه «الرب قد قوى» أو «الرب قوة» . وحزقيا هو ابن آحاز ملك المملكة الجنوبية. كان تابعاً لآشور ولكنه حاول أن يستقل عنها، فقام بإصلاح ديني وتحالف مع مصر، ولكن إرميا حذره من مغبَّة ذلك. وقد حاصر سناخريب القدس في عهده وأخضعه واضطره إلى دفع الجزية.
منَسَّى (٦٩٨-٦٤٢ ق. م)
Manasseh
«منَسَّى» اسم عبري معناه «من ينسى» ويُنطَق أيضاً «منشَّى» . ومنَسَّى أحد ملوك المملكة الجنوبية. تبوَّأ العرش بعد حزقيا وحكم يهودا مدة أطول من أي ملك آخر (٦٩٨ ـ ٦٤٢ ق. م) . ويعتبره كاتب سفر الملوك أسوأ الملوك طراً (ملوك ثاني ٢١/١ ـ ١٨) . ولكن سفر الأخبار الثاني يقدم صورة أكثر تعاطفاً معه (أخبار ثاني ٣٣/١ـ ٢٠) . وقد عاشت المملكة الجنوبية في عصره في سلام إذ أنه دفع الجزية لآشور، وهو ما كان يعني أن الآلهة الأجنبية مثل بعل وآشور كانت تُعبَد في الهيكل.
يوشيا (٦٣٩-٦٠٩ ق. م)
Josiah
стр. 4350
«يوشيا» اسم عبري معناه «يهوه يواسي» . وقد اعتلى يوشيا عرش المملكة الجنوبية وهو بعد في الثامنة. وكان يرشده في حداثته حلقيا (الكاهن الأعظم) الذي أدار شئون المملكة باسمه. وحين أخذت الدولة الآشورية في الضعف، وتحركت مصر لمساعدة آشور ضد بابل، ساعد هذا على توسيع رقعة استقلال المملكة الجنوبية، الأمر الذي انعكس على الدين والمؤسسة الدينية. وعندما بلغ يوشيا الثامنة عشرة من عمره، عثر شافان (الكاتب) على كتاب سفر الشريعة (نواة السفر المعروف بسفر التثنية) وعلى مجموعة من المواد التشريعية أثناء دفعه أجور العمال الذين كانوا يقومون بأعمال الترميم في الهيكل. وأَخبَر شافان بذلك الكاهن الأعظم حلقيا الذي قرأ السفر على يوشيا.
ومن هنا بدأت الحركة الإصلاحية الدينية الجذرية الاستقلالية المعروفة باسم «الإصلاح التثنوي» . وقُرئ السفر على أفراد الشعب، فعاهدوا أنفسهم على عبادة يهوه دون سواه، وهدموا مذابح البعل وأزالوا المرتفعات وحطموا التماثيل. وقد قُتل يوشيا أثناء محاولته وقف الفرعون نخاو في مجدو عام ٦٠٩ ق. م.
يهوياقيم (٦٠٨-٥٩٨ ق. م)
Jehoiakim
«يهوياقيم» اسم عبري معناه «يهوه يقيم» . ويهوياقيم هو الثامن عشر بين ملوك المملكة الجنوبية. وضعه المصريون على العرش بعد أن هزموا أباه يوشيا وقتلوه عام ٦٠٨ ق. م. وبعد أن هزم البابليون المصريين عام ٦٠٥ ق. م، في معركة قرقميش، نقل يهوياقيم ولاءه إليهم، ولكنه عاد وانضم إلى الحزب الممالئ لمصر ضد نصيحة إرميا وتحدى نبوختنصر، فعادت الجيوش البابلية وحاصرت القدس. ومات يهوياقيم أثناء الحصار.
يهوياكين (٥٩٨-٥٩٨ ق. م)
Jehoiachin
«يهوياكين» اسم عبري معناه «يهوه يُثبِّت» . ويهوياكين الملك التاسع عشر بين ملوك المملكة الجنوبية وابن يهوياقيم، حكم ثلاثة أشهر بعد موت أبيه. وقد سقطت القدس في عهده في يد البابليين، فنُفي هو وأسرته إلى بابل، وخلفه عمه صدقياهو.
صدقياه (٥٩٧-٥٨٦ ق. م)
Zedekiah
стр. 4351
«صدقياه» اسم عبري معناه «يهوه عدل» أو «عدل يهوه» . و «صدقياه» هو آخر ملوك المملكة الجنوبية، واسمه الأصلي متنيا بن يوشيا. أجلسه البابليون على العرش بدلاً من يهوياقيم، ولكن صدقياه تمرَّد بتشجيع من مصر على الرغم من نصيحة إرميا. فهاجم نبوختنصر القدس، ووقع صدقياه في الأسر وقُتل أولاده أمامه، وسُملت عيناه وسيق إلى بابل وسُجن حتى وافته المنية.
الباب الخامس عشر: التهجير الآشوري والبابلى
التهجير الآشوري والبابلي للعبرانيين
Assyrian and Babylonian Transfer of the Hebrews
يُشار إلى تهجير العبرانيين على يد الآشوريين أو البابليين بأنه «السبي» أو «النفي» الآشوري أو البابلي. وهي ترجمة شائعة للمصطلح التوراتي وجدت طريقها إلى الكتابات التاريخية التي تتناول تاريخ العبرانيين وتاريخ الشرق الأدنى القديم. لكن هذا المصطلح لا يُستخدَم إلا للإشارة إلى العبرانيين وحدهم دون الأقوام والجماعات الأخرى التي تم سبيها أو تهجيرها في الحقبة التاريخية نفسها وتحت الظروف نفسها وعلى يد القوى نفسها.
وكمحاولة لتحييد المصطلح، نعبِّر عن هذا المفهوم بكلمة «تهجير» ،فمن مزايا كلمة «تهجير» أنها تشير إلى حدث التهجير في ذاته بشكل وصفي دون تقييم، كما أنها لا تشير إلى حالة المهجَّرين العقلية ولا إلى موقفهم من الاستقرار في بابل. بينما كلمة «سبي» أو «نفي» تشير إلى حَدَث التهجير وإلى حالة المهجَّرين العقلية، فكلمة «سبي» أو «نفي» تعني أن المهجَّرين كانوا رافضين للاستقرار في بابل، وأنهم مكثوا فيها لأنهم كانوا لا يملكون من أمرهم شيئاً، وهو الأمر الذي لا تسانده الحقائق التاريخية، فكثير منهم رفضوا العودة إلى مقاطعة يهودا الفارسية بعد مرسوم قورش، وهو ما يُسقط عنهم صفة المنفيين المعذَّبين!
стр. 4352
وكان التهجير القسري للنخبة الحاكمة والحرفيين وبعض العناصر البشرية ذات الأهمية الخاصة أمراً شائعاً في العصور القديمة. لكن كنعان (فلسطين) كانت عرضة لهذا أكثر من أي بلد آخر نظراً لموقعها الجغرافي والسياسي في المنطقة وسط القوى العظمى في العالم القديم ـ مصر وآشور وبابل (العراق) والحيثيين ـ وهو ما جعلهم يرغبون في تحويلها إلى منطقة محايدة أو منزوعة السلاح أو تحويلها إلى دويلة يقطنها عنصر سكاني موال للإمبراطورية المهيمنة، حتى تصبح خط دفاع أول لتَلقِّي غزوات وهجمات الدول الكبرى المجاورة، مصر من وجهة نظر آشور وآشور من وجهة نظر مصر. ومن هنا، فقد كان تهجير العبرانيين إلى آشور أو بابل ضمن من هُجِّر من شعوب كنعان وقبائلها.
ويبدو أن بعض الإمبراطوريات القديمة في الشرق الأدنى القديم كانت تلجأ إلى التهجير بدلاً من الاحتلال والهيمنة العسكرية المباشرة إذ لم يكن لديها الفائض البشري الذي يسمح بقيام جيش نظامي دائم وقوة احتلال مستمرة وجهاز إداري يدير الأراضي المحتلة، فكانت الإمبراطورية تُهجِّر النخبة وتطلب من المهزومين أن يدفعوا الجزية وأن يديروا شئونهم ذاتياً عن طريق نخبة محلية موالية للإمبراطورية الحاكمة تدين لها بالولاء وتعمل تحت رقابتها وتقوم بدور الجماعة الوظيفية (وهو أمر لم يكن مضموناً دائماً، ومن هنا كان استمرار الثورات وتعددها) .
وقد بدأ أول تهجير من المملكة الشمالية بعد أن قاد ملك آرام دمشق تمرُّداً ضد آشور وانضم إليه فاقح، فجرَّد تيجلات بلاسر الثالث حملة ضد سوريا وفلسطين (٧٣٤ ـ ٧٣٢ ق. م) . وغزا الآشوريون جلعاد وهجَّروا رؤساء القبائل القاطنين شرقي الأردن. وتذكر إحدى وثائق تيجلات بلاسر أنه قام بتهجير عدة آلاف من الأسرى الذكور من ثماني مدن مختلفة.
стр. 4353
وعندما سقطت المملكة الشمالية تماماً في يد الآشوريين عام ٧٢٤ ق. م وتحوَّلت إلى مقاطعة آشورية، تم تهجير رؤساء القبائل والعشائر العبرانية وبعض الفلاحين والحرفيين، ويصل عددهم حسب الرواية الآشورية (المبالغ فيها بوجه عام) إلى ٢٧.٢٩٠، وتم توطين عناصر سامية وآرامية من بلاد الرافدين وغيرها من الشعوب المساعدة للآشوريين بدلاً منهم، وهذا ما نطلق عليه «التهجير الآشوري» أو ما يُطلَق عليه «السبي الآشوري» في المصطلح الديني اليهودي (٧٢١ ق. م) . وقد تم توطين المهاجرين أساساً بالمناطق الآشورية في أعالي بلاد الرافدين (آرام نهرايم) على ضفاف نهر الخابور، كما تم توطين البعض في مدن ميديا.
ورغم أن عدد المهجرين على يد الآشوريين كان كبيراً نسبياً ويفوق عدد من هُجِّر على يد البابليين، فقد كانوا عشر قبائل مقابل قبيلتين اثنتين هجرهما البابليون، فإنهم اختفوا تماماً. ويُقال إنهم اندمجوا في محيطهم السكاني وتبنوا العبادات الوثنية ثم اعتنقوا المسيحية. ويبدو أن هذه العملية تمت بسرعة إذ لم يأت لهم ذكر في المدونات الدينية اليهودية أو غيرها من المدونات. ولعل بقايا هؤلاء المهجرين هم سكان إمارة حدياب في الإمبراطورية الفرثية التي اعتنق أهلها المسيحية ثم الإسلام. وهناك من الدلائل ما يشير إلى أن المهجرين لم يتحولوا إلى عبيد وإنما أصبحوا مؤاجرين زراعيين تابعين للملك، في حين عمل الحرفيون منهم في مشروعات الدولة. وقد أحرز بعضهم مكانة متميزة ووصل إلى وظائف حكومية عالية، وسُمح لهم بممارسة عاداتهم وشعائرهم الدينية، كما تَملَّكوا الأرض فضربوا جذوراً في الأرض الجديدة واستُوعبوا تماماً في بيئتهم الجديدة.
стр. 4354
وبعد ذلك، سقطت المملكة الجنوبية في يد البابليين الذين هجَّروا بدورهم زعماءها، وسمحوا لعناصر أخرى (أدومية ونبطية وعمونية) بالاستيطان، وهذا ما يمكن تسميته «التهجير البابلي» ويُسمَّى في المصطلح الديني اليهودي «السبي البابلي» (٥٨٧ ق. م) . وقد حمل البابليون، فيما حملوا من غنائم، أواني الهيكل التي كانت تشبه رموز الدولة أو رمز الشرعية السياسية الدينية. وظلت هذه الجماعة العبرانية في بابل إلى أن هزم قورش الإمبراطورية البابلية وسمح لهم بالعودة عام ٥٣٨ ق. م للأسباب السياسية نفسها التي نُفوا من أجلها، أي ضرورة توطين عنصر سكاني موالٍ له في فلسطين (وهي نفس السياسة التي اتبعها الاستعمار الغربي في أواخر القرن التاسع عشر حينما تَبَنَّى الحل الصهيوني) .
وقد استمرت فترة التهجير البابلي حوالى خمسين عاماً، وإن كان هناك رأي يذهب إلى أنها حوالي سبعين عاماً. ونحن لا نعرف عدد المهجَّرين على وجه الدقة. ويُقال إن عددهم كان عشرة آلاف أو عشرين ألفاً، أو أربعين ألفاً في تقدير آخر. وكان مركزهم الأساسي تل أبيب (في العراق) . وكان ضمن المنفيين النبيان إرميا وحزقيال. ويجدر هنا إبراز عدة أمور:
أولها: أن التهجير قد شمل عناصر بشرية أخرى كثيرة من أرض كنعان وآرام من غير العبرانيين.
ثانيها: أنه لا التهجير الآشوري ولا التهجير البابلي ترك أراضي فلسطين خراباً، فقد بقي سكان يُعدُّون بمئات الألوف من السكان الأصليين (العبرانيين أوغيرهم) ، وخصوصاً أن الريف بشكل عام لم يكد يُمَس.
ثالثها: هذا التهجير أو السبي لم يكن رهيباً على نحو ما تصوِّره بعض الكتابات اليهودية حتى بالقياس إلى ظروف تلك الأيام.
стр. 4355
ويذكر إرميا نفسه (٥٣/٣١ ـ ٣٤) أن نبوختنصر أفرج عن يهوياقين ملك المملكة الجنوبية السابق وقرَّبه إليه، وأن قادة العبرانيين احتفظوا بقدر من السلطان. وقد استمر الأنبياء، مثل إرميا وحزقيال، في نشاطهم، كما ظهر بينهم حجاي وزكريا وأشعياء الثاني. وتم توطين المهجَّرين في مزارع جديدة بالقرب من بابل، مثل تل أبيب وتل ملاح (وتشير كلمة «تل» إلى أماكن كانت مزروعة في الماضي ولكنها خربت وينتظر تعميرها مرة أخرى) . وكانت الأراضي التي خُصّصت لهؤلاء المهجَّرين أكثر خصوبة من أراضي فلسطين، وسُمح لهم بالاحتفاظ بعاداتهم وتقاليدهم. وقد ازدهر حال المهجَّرين في بابل، فاتخذوا منها وطناً ثانياً هاجر إليه طوعاً كثير من بني جلدتهم.
وقد انقسمت الجماعة العبرانية المهجَّرة إلى طبقات: فامتلك الأثرياء المزارع الكبيرة، وهاجر الفقراء إلى المدينة واشتغلوا بالتجارة. كما ظهرت بيوت تجارية يهودية كبيرة مثل بيت موراشو، حيث تدل على ذلك نصوص موارشو. وقد أحرزت هذه العائلة شهرة خاصة بصفتها أحد بيوت المال الكبيرة في عهد الملك أرتحشتا الثاني (٤٠٤ ـ ٣٥٩ ق. م) ، إذ كانت تمتلك الأراضي الزراعية وقطعاناً كبيرة من الأغنام، كما اشتغلت بالربا. ويجب هنا أن نتذكر ازدهار التجارة في الإمبراطورية البابلية.
كما كان هذا البيت التجاري يضطلع بشئون البلاط البابلي المالية، أي أن بيت موراشو كان يشكل جماعة وظيفية وسيطة تشبه يهود البلاط. واشتغل أعضاء الأسرة أيضاً ملتزمي ضرائب، فكانت الشركة تقوم بجباية الضرائب عما تنتجه الأرض من محصولات زراعية، كما كانت تستوفي بنفسها الضرائب المفروضة على الطرق العامة وقنوات الري مقابل الانتفاع منها، أي كانت تقوم بكل أنشطة الجماعة الوظيفية الوسيطة التي اضطلعت بها الجماعات اليهودية عبر التاريخ، وخصوصاً في الغرب.
стр. 4356
وقد رفض كثير من اليهود، وخصوصاً الأثرياء، العودة إلى فلسطين بعد مرسوم قورش، واكتفوا بدفع مساعدات مالية للعائدين. ويُقال إن قسماً كبيراً من اليهود العائدين كانوا من أحفاد الأسر الأرستقراطية والكهنوتية ذات المواقع الطبقية والمكانة المتميزة المرتبطة بالهيكل والعبادة القربانية، وهؤلاء استرجعوا بعودتهم بعضاً مما فقدوه من مواقع ومزايا طبقية واجتماعية، وكانوا يعرفون أنهم سيكونون نخبة حاكمة جديدة أو جماعة وظيفية موالية للفرس تدير شئون فلسطين وأهلها لصالح الدولة الحاكمة.
ولم يعد من بابل سوى أقلية قليلة، بسبب معدلات الاندماج العالية التي حقَّقها المهجَّرون. ولعل أكبر دليل على هذا الاندماج ورود أسماء عبرانية، بصورة متكررة، في الوثائق التجارية لذلك العهد. وكان بعض هذه الأسماء مركباً من أسماء آلهة بابلية فاسم «شيشبصر» مثلاً يعني «يا إله الشمس احفظ السيد أو الابن» ، كما كان «حجاي» يعني «وُلد يوم عيد» أو «وُلد يوم إجازة» ، و «سبتاي» معناه «وُلد يوم سبت» ، وكذا اسم «زروبابل» معناه «زرع بابل» أو «المولود في بابل» ، وكلها أسماء بابلية. وكان النبي إرميا من أكبر مشجعي العبرانيين على الاندماج، إذ قال: «واطلبوا سلام المدينة التي سبيتكم إليها وصلُّوا لأجلها إلى الرب لأن سلامها يكون لكم بسلام» (إرميا ٢٩/٧) .
стр. 4357
وقد انفصل المهجَّرون إلى بابل بالتدريج عن فلسطين، فلقد وجدوا في بابل الرعاية من الفرس بصفة عامة (ومن المسلمين فيما بعد) كما كانوا بعيدين عن اضطهاد الإمبراطورية الرومانية الشرقية. ولذا، فقد كانت بابل وجهة اليهود الذين يُلاقون الاضطهاد في أماكن أخرى من العالم، حتى أن تعدادهم بها زاد نحو المليون عند سقوط القدس في أيدي الرومان وتخريب الهيكل عام ٧٠م. وغدت بابل قلعة لليهودية، وأنشئت بها الحلقتان التلموديتان سورا وبومباديثا اللتان استمرتا قروناً حيث جرى فيهما تأليف أو وضع التلمود البابلي. وفي القرن السابع الميلادي، أصبحت العراق مركز الحياة اليهودية والعلم اليهودي، كما أصبحت ترسل من علمائها رؤساء للحلقات التلمودية في طبرية بفلسطين التي كانت قد غدت (منذ القرن الرابع الميلادي) مدينة مقدَّسة. ولم تنته زعامة بابل لليهودية إلا في القرن العاشر الميلادي، وإن استمر اليهود يعيشون فيها قروناً بعد ذلك.
ويرى أساتذة تاريخ اليهودية أن تَبلور اليهودية على شكل بنية فكر ديني واضح المعالم قد بدأ في بابل ونضج خلال القرن الأول من إقامتهم فيها. ومن المتعذر تعداد جوانب تأثير بابل في اليهودية، ولذلك نكتفي بذكر ما يلي:
١ ـ طوَّر فقهاء اليهود في بابل البنية الدينية لليهودية، وحرَّروها من الارتباط بأرض ومقام معيَّنين، وكرسوا المعبد اليهودي كبؤرة دينية اجتماعية سياسية يلتقي حولها اليهود أينما كانوا، الأمر الذي ساعد اليهودية بعد ذلك على التطور بحيث أصبحت نسقاً دينياً متكاملاً مستقلاً عن مكان بعينه.
٢ ـ بلغ الفكر الديني اليهودي في بابل أقصى ازدهار له، وتراكم منه الجزء الأكبر والأهم في التراث اليهودي الذي سيطر على الحياة والفكر اليهوديين حتى اليوم. ويكفي أن التلمود البابلي هو مرجع الحياة اليهودية الذي يحتوي التوراة نفسها ويتجاوزها.
стр. 4358
٣ ـ اقتبست اليهودية الكثير من تراث بابل ونظمها وأساطيرها وعقائدها مثل عقيدة الماشيَّح المخلِّص وفكرة الطوفان والاحتفال بالسبت.
٤ ـ ويبدو أن العبادة البابلية قد دخلت في ذلك التاريخ مرحلة من التوحيد الكامن، أي أن الأرباب المتعددة كانت قد بدأت تمتزج وتتحول إلى إله واحد، وقد أصبح مردوخ رب الأرباب يرعاها كما يرعى الراعي أغنامه، أي أن الأرباب الأخرى تحوَّلت إلى مجرد تجليات للرب الواحد. وقد جاء في أحد النصوص البابلية ما يلي: «نينيب: مردوخ القوة ـ إيرجال: مردوخ الحرب ـ ييل: مردوخ الحكم ـ نابو: مردوخ التجارة ـ سين: مردوخ الذي يضيء الليل ـ ساماسي: مردوخ العدالة ـ آدو: مردوخ المطر» . ومعنى ذلك أنه برغم التعدد الظاهر للآلهة، فإن ثمة إيماناً بوحدة كبرى تتجاوز التعددية. وفي إحدى المُدوَّنات البابلية التي يعود تاريخها إلى ما قبل سقوط بابل على يد الفرس، ثمة إشارة إلى رب القمر باعتباره يلعب دوراً مشابهاً لدور آتون في عبادة إخناتون التوحيدية. ويبدو أن هذه التوحيدية البابلية لعبت دوراً في مساعدة العبرانيين على التخلُّص من الحلولية الوثنية والتعددية التي سقطوا فيها بعد خروجهم من مصر. وقد بذل محررو العهد القديم جهداً غير عادي لتنقية النص المقدَّس عند تدوينه أيام عزرا ونحميا، ولكن عناصر الشرك ظلت واضحة فيه مع هذا.
٥ ـ تأثر النظام الصوتي في اللغة العبرية بكثير من مفردات وأنظمة اللغة الأكادية وبخاصة الحروف اللينة.
ومن كل هذا، نَخلُص إلى أن التهجير (أو السبي) البابلي لم يكن سبباً في تدهور اليهودية وانحلالها وإنما كان مصدراً لعديد من الأفكار اليهودية الدينية والثقافية. ولذا، فإن كثيراً من المفكرين اليهود يرون أن اليهودية بدأت كدين، بالمعنى الكامل للكلمة، في المهجر البابلي.
السبي الآشوري والبابلي (مفهوم ديني)
(Assyrian and Babylonian Captivity (Religious Concept
стр. 4359
«السبي الآشوري والبابلي» مصطلح ديني يهودي مرادف لمصطلح «النفي البابلي» ، وهو مصطلح يصف عملية تهجير النخبة الحاكمة العبرانية من أبناء المملكة الشمالية والمملكة الجنوبية. وكان بعض الأنبياء، مثل إرميا وحزقيال، يرون أن النفي أو السبي تعبير عن غضب الإله على الشعب نظراً لعصيانه وانحرافه عن عبادته، وأن آشور وبابل ليستا سوى أداة غضب وعذاب. وقد أثارت قصة السبي مشكلة عدالة الإله وكيف تَخلَّى عن شعبه. وقد حل حزقيال المشكلة بحديثه عن يسرائيل الجديدة التي سيتم تشييدها والتي ستكون مفعمة بروح الإله إن عاد الشعب إلى طريقه.
ويتواتر في الكتب الدينية الحديث عن العودة وعن الحنين إلى صهيون وعن البكاء من أجلها. ومع هذا، طالب إرميا المنفيين بأن يبنوا بيوتهم ويزرعوا حدائقهم ويستقروا في وطنهم الجديد، ففي سلامته سلامتهم (إرميا ٢٩/٧ وما بعده) .
وبعد أن هزم قورش الأخميني بابل، سمح لليهود بالعودة (٥٣٨ ق. م) ، ولذا تحوَّل قورش في الوجدان الديني اليهودي إلى المخلِّص بل والماشيَّح. وبشَّر كلٌّ من أشعياء الثاني وحجاي بالعودة، وقد عاد الاثنان بالفعل واشتركا في عملية إعادة تشييد الهيكل بناءً على أمر قورش.
وقد أصبح السبي أو النفي إلى بابل ثم الخروج منها والعودة إلى فلسطين، مثله مثل العبودية في مصر ثم الخروج منها والتسلل إلى كنعان والاستيلاء عليها، نمطاً متكرراً يعيد نفسه في التاريخ المقدَّس. ويحاول الصهاينة أن يُطبّقوا ذلك على التاريخ غير الديني. وداخل هذا النمط، يرى الصهاينة أن النفي من القدس، بعد تحطيم الهيكل في عام ٧٠م، شكل من أشكال العبودية يتبعه خروج من الشتات ثم دخول إلى فلسطين، أي أن الاستيطان الصهيوني الذي يُشار إليه بأنه الهيكل الثالث جزء من نمط متكرر.
стр. 4360
ولكن كلمة «بابل» أصبحت تحمل إيحاءات أخرى، ذلك أن كثيراً من المنفيين رفضوا العودة واستعذبوا الحياة في بابل. ومن ثم، فإن الأدبيات الصهيونية تشير إلى الولايات المتحدة باعتبارها بابل (أو قدور اللحم الشهية) ، كما يُشار إلى اليهود الذين يؤثرون الحياة خارج فلسطين على الاستيطان فيها بأنهم سكان بابل.
النفي الآشوري والبابلي
Assyrian and Babylonian Captivity
انظر: «السبي الآشوري والبابلي (مفهوم ديني) » - «التهجير الآشوري والبابلي للعبرانيين» .
يهوديت
Judith
«يهوديت» اسم عبري يعني «يهودية» ، وتشبه قصة صاحبته قصة إستير في كثير من الوجوه، كما أن لها علاقة بقصة شمشون. وقد جاء في هذه القصة أن نبوختنصر هاجم العبرانيين واستولى على المنابع التي تمدُّهم بالماء وأوشك أن يقضي عليهم، فاتصلت يهوديت بقائد نبوختنصر هولوفرنيس وفتنته بجمالها، فأعجب بها وأخذ يلتقي بها. وفي إحدى الليالي، قطعت رأسه بعد أن لعبت به الخمر وأنقذت العبرانيين. ولا يُوجَد أي سند تاريخي لهذه الواقعة.
ويبدو أن سفر يهوديت كُتب أثناء التمرد الحشموني، كما يبدو أنه كُتب لبّث روح الشجاعة في قلوب اليهود. ولكن هناك رأياً مخالفاً يعود بتاريخ الكتاب إلى أيام الفرس. وقد كُتب هذا المؤلَّف أساساً بالعبرية، ولكن لم يَعُد باقياً سوى ترجمته اليونانية. وهو من الكتب الخفية (أبوكريفا) عند اليهود وتعتبره الكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية من الأسفار القانونية الثانوية.
قبائل يسرائيل العشر المفقودة
Ten Lost Tribes of Israel
стр. 4361
هناك بعض الأساطير الخاصة بمصير القبائل العشر من سكان المملكة الشمالية. ومن المعروف تاريخياً أنه بعد انقسام المملكة العبرانية المتحدة إلى مملكتين متنازعتين (المملكة الشمالية والمملكة الجنوبية) ، انقسمت القبائل العبرانية الاثنتا عشرة إلى قسمين: عشر قبائل منها في المملكة الشمالية، وقبيلتا يهودا وبنيامين في المملكة الجنوبية. وحينما سقطت المملكة الشمالية في أيدي الآشوريين عام ٧٢١ ق. م، هجَّر الآشوريون أعداداً من القيادات الشمالية وغيرهم من العناصر البشرية المهمة إلى آشور حيث اندمجوا في المجتمع وانصهروا فيه بالانخراط في سلك الديانات الوثنية العديدة، وقد تمت هذه العملية بسرعة غير عادية. ولهذا، فإن يهود بابل الذين هجَّرهم البابليون عام ٥٨٧ ق. م إلى مناطق قريبة من مناطق التهجير الآشوري لا يشيرون إلى ذلك التهجير الآشوري مع أنه لم يكن قد مر سوى نحو مائة وثلاثين عاماً فقط. ولعل سرعة ذوبان المهجَّرين يعود إلى أن المملكة الشمالية كانت، إلى حدٍّ ما، مملكة كوزموبوليتانية، عقدت تحالفات كثيرة فدخلت على العبادة اليهودية فيها عناصر وثنية من الديانات المجاورة. وهناك نظرية ترى أن انصهار الشماليين لم يتم بهذه السرعة، وتذهب إلى أن عناصر يهودية بقيت وشكلت جماهير إمارة حدياب. لكن الرأي الأرجح أن إمارة حدياب اليهودية قد أصبحت يهودية لا بسبب كثافة بشرية يهودية، وإنما بسبب تَهوُّد النخبة الحاكمة. وعلى كل حال، فقد تم انصهار العناصر اليهودية المشار إليها عن طريق التنصر. ويلاحظ أن أسماء أساقفة إربيل (عاصمة حدياب) كانت أسماء عبرانية مثل شمشون وإسحق وأبراهام. أما الشماليون الذين مكثوا في فلسطين، فقد امتزجوا بالمستوطنين الجدد وكونوا فرقة يهودية جديدة تُعرَف باسم السامريين.
стр. 4362
ولكن كثيراً من اليهود لم يتقبلوا اختفاء القبائل العشر باعتباره حقيقة نهائية، بل فضلوا اعتبارهم من المفقودين وحسب. ولذا، فإننا نجد أن التراث الديني اليهودي، وأدبيات هذا التراث، يزخران بتصورات عديدة عن محل إقامتهم المحتمل ووجودهم، كما يزخران بنبوءات عن عودتهم إلى وطنهم ليتحدوا مع بقية اليهود. وقد ربطت هذه النبوءات بين العودة وزمن الخلاص، وأصبح البحث الحرفي والفعلي عن القبائل العشر الضائعة محطَّ اهتمام كثير من الرحالة الأوربيين من اليهود والمسيحيين المتأثرين بمثل هذه الكتابات والذين تأثروا بجو التوسع الاستعماري. وحينما اكتُشفت القارتان الأمريكيتان، قيل آنئذ إن سكانها هم القبائل العشر. أما في العصر الحديث، فقد أعلن الرحالة الذين عثروا على قبائل الفلاشاه اليهودية في إثيوبيا أنهم عثروا على القبائل العشر المفقودة، وقد أفتى حاخام إسرائيل الأكبر (السفاردي) بأن الفلاشاه من نسل قبيلة دان.
والمهم في هذه الأسطورة أنها، في بنيتها، لا تختلف كثيراً عن أسطورة الماشيَّح في تفسيرها الحرفي، إذ تُلغي الواقع التاريخي وحقائقه وتجعل المؤمن بها في حالة انتظار أزلي لتحقُّق تصورات أسطورية، الأمر الذي يجعل عيون الإنسان معلقة بالبدايات والنهايات دون أن يُلاحظ ما حوله. هذا بالإضافة إلى أن أسطورة القبائل العشر المفقودة تستند إلى تَصوُّر استحالة الاندماج والانصهار بالنسبة إلى اليهود.
جداليا (؟ -٥٨٥ ق. م)
Gedaliah
стр. 4363
«جداليا» اسم عبري معناه «يهوه عظيم» . وجداليا اسم قائد يهودي من أسرة أرستقراطية عُيِّن حاكماً لمقاطعة يهودا البابلية بعد سقوطها في يد البابليين في عام ٥٨٦ ق. م. وقد حاول أن يعالج الأمور بحكمة. ونقل العاصمة إلى مصبه (المصفاة) . ولكن مجموعة من المتمردين قتلته، كما يُقال، بتحريض من مصر أو من العمونيين (وقد فرَّ المتمردون إلى مصر) . وفي الواقع، فلا يُعرَف الكثير عن دوافعهم، ولكن من المعروف بشكل عام أنهم كانوا يعارضون مصادرة أملاك اليهود المنفيين وتوزيعها على فقراء القدس الذين يشكِّلون معظم السكان المتبقين بعد عملية التهجير. كما أن اغتياله يُعَدُّ تعبيراً عن رفض الهيمنة البابلية الجديدة.
ويصوم اليهود صيام جداليا بعد عيد رأس السنة اليهودية إحياءً لذكرى اغتياله، إذ قُضي بمقتله على أي أمل في الإبقاء على الجماعة اليهودية في فلسطين.....
стр. 4364
الجزء الثاني: تواريخ الجماعات اليهودية في العالم الإسلامي
الباب الأول: الشرق الأدنى القديم قبل وبعد انتشار الإسلام
الشرق العربي قبل وبعد انتشار الإسلام
The Arab East before and after the Spread of Islam
من غير المعروف متى استقر اليهود في شبه الجزيرة العربية. ويُقال إن بعض جماعات من اليهود لجأت إلى شمال شبه الجزيرة عندما هزمت آشور وبابل المملكتين اليهوديتين (المملكة الشمالية والمملكة الجنوبية) . ويذهب رأي إلى أن الاستقرار بدأ بعد أن أخمد الرومان التمردات اليهودية المختلفة. ولم تتم الهجرة إلى شبه الجزيرة العربية دفعة واحدة وإنما أخذت على الأرجح شكل جماعات مختلفة استوطنت في تيماء وخيبر ووادي القرى ويثرب. كما كان هناك أعداد من اليهود في اليمن. وقد ازدادت أعداد يهود شبه الجزيرة واليمن عن طريق التجارة والتبشير حيث أدَّى ذلك إلى تهود بعض القبائل. ويذهب اليعقوبي إلى أن يهود شبه الجزيرة العربية من أصول عربية، أي أنهم عرب تهودوا، ولكن لا يميل بعض الباحثين إلى الأخذ بهذا الرأي. وثمة رأي يذهب إلى أن اليهودية كانت دين ملوك حمير في اليمن في القرن الخامس الميلادي، ولكن هذا الادعاء يفتقر إلى التوثيق. ومن المعروف أن الصراع على طرق التجارة بين البيزنطيين وحلفائهم الأحباش من جهة، ومن جهة أخرى الحميريين ممن كانوا قد سيطروا على الممالك العربية في جنوب شبه الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام، كان قد أخذ طابعاً دينياً. وقد تهود الملوك الحميريون وربما بعض أعضاء النخبة الحاكمة وبعض أفراد الشعب، لكن تهودهم كان شكلاً من أشكال الرفض السياسي والرغبة في تبنِّي عقيدة دينية مستقلة تضمن لهم شيئاً من الهيبة والاستقلال، كما فعلت النخبة الحاكمة في دولة الخزر الوثنية. فاعتناقهم اليهودية آنذاك كان يعني التصدي لمحاولات التسلط من قبل الإمبراطورية الرومانية الشرقية على أطراف شبه الجزيرة العربية عن طريق المبشرين الذين جرى بثهم بين أهل الحضر وأهل البادية دون أن يخشوا على أنفسهم من أية تبعية سياسية إذ لم يكن لليهود آنذاك دولة.
стр. 4365
ويُقال إن تبان أسعد أبو كرب (٣٧٨ ـ ٤١٥) اهتدى إلى اليهودية عند اجتيازه يثرب وهو عائد إلى اليمن على يد حبرين (أي حاخامين) من بني قريظة. ويُقال أيضاً إن اليهودية ظلت ديناً رسمياً لبلاد العرب الجنوبية طيلة حكم السبئيين المتأخرين من سنة ٤٠٠ حتى ٥٢٥، وأن آخر ملوكهم هو ذو النواس (٥١٧ ـ ٥٢٥) الذي شن حملة نكَّل فيها بالمسيحيين، فهاجم نجران (أكبر مركز للمسيحية) وخيَّر أهلها بين الارتداد عن دينهم واعتناق اليهودية أو الموت حرقاً. فآثر بعضهم الموت فحفر لهم أخاديد أحرقهم فيها وأحرق إنجيلهم، ولقد وردت هذه الحادثة في القرآن الكريم (سورة البروج) . وأثارت هذه الواقعة غضب قيصر الإمبراطورية الرومانية الشرقية، فاتصل بنجاشي الحبشة الذي جرَّد حملة للانتقام، فخرج ذو النواس لهم وانهزم هزيمة نكراء، وانتهى بذلك ملك الحميريين في اليمن. وقد اندمج يهود شبه الجزيرة واليمن في السكان العرب وتزاوجوا معهم، وأصبح طابعهم عربياً صرفاً، فانتظموا في قبائل وبطون وأفخاذ مثل العرب ودخلوا في التحالفات القَبَلية بما يتضمنه ذلك من مسئوليات قَبَلية مشتركة وصراعات شبه دائمة.
стр. 4366
ويرد ذكر عشائر يهودية كثيرة، مثل بني عكرمة وبني زعورا وبني زيد وبني ثعلبة، ولكن أكبر التجمعات اليهودية كانت في يثرب حيث كانوا أصحابها، وكانت يثرب واحة خضراء وتُتعبَر إحدى المحطات التجارية المهمة في طريق التجارة الرئيسي آنذاك الممتد بين مكة والشام، والمبتدئ داخل شبه الجزيرة العربية بعدن في الجنوب، وبعد انهدام سد مأرب (٤٤٧ - ٤٥٠) وفد إلى يثرب قبائل الأوس والخزرج، فجاوروا القبائل اليهودية في بداية الأمر ثم تزايدت أعدادهم بمرور الوقت فراحوا ينافسون اليهود في تملُّك الأراضي الزراعية فازدادت قوتهم وهو ما دفع عدداً من البطون اليهودية، الأقل شأناً، أن تدخل في حماهم وتنتسب إليهم، في الوقت الذي دب فيه العداء بين جماعات اليهود الكبرى. وبالتدريج أصبحت الغلبة والسيادة في يثرب للأوس والخزرج فسيطروا على يثرب وقسَّموها فيما بينهم، ولم يبق لليهود منذئذ سلطان عليها. وكان التجمع اليهودي في يثرب يضم ثلاث قبائل، اثنتان منها يُقال لهما بنو هارون لكونهما من الكهنة وهما بنو النضير وبنو قريظة، وكان أعضاء هاتين القبيلتين يعملون بالزراعة. أما القبيلة الثالثة فهي قبيلة بني قينقاع، وكان أعضاؤها يحترفون بعض المهن كالحدادة والصباغة وصناعة السيوف ويمارسون المبادلات التجارية. وكان أعضاء هذه القبائل الثلاث يعيشون في أحياء خاصة بهم ويقيمون الحصون للاحتماء بها.
ولم يكن عدد اليهود كبيراً، فقد كان عدد المقاتلين في كل قبيلة لا يتجاوز بضع مئات من الرجال. فمقاتلو بني قينقاع كانوا نحو سبعمائة شخص، ومقاتلو بني النضير نحو أربعمائة وخمسين شخصاً، أما بنو قريظة فكان عدد مقاتليهم يتراوح بين ستمائة وسبعمائة شخص، أي أن مجموع مقاتلي القبائل اليهودية الثلاث في المدينة لم يكن يتجاوز في عصر الرسالة ألفي رجل. ويمكننا أن نخمِّن العدد الكلي ليهود المدينة استناداً إلى هذا الرقم.
стр. 4367
وكان يوجد تجمُّع يهودي آخر في خيبر وهي واحة تقع على الطريق بين المدينة والشام على مسافة مائة ميل إلى الشمال من يثرب. ويبدو أن معظم سكان خيبر، إن لم يكن جميعهم، كانوا من اليهود. ولم تصل إلينا معلومات واضحة عن تركيبهم القَبَلي، وهل كانوا ينتمون إلى قبيلة واحدة أم كانوا ينتمون إلى عدة قبائل. ولكن يُستنتَج من دراسة علاقتهم بيهود المدينة أنهم كانت تربطهم علاقة وثيقة بقبيلة بني النضير. لذا، فقد لجأت هذه القبيلة إلى خيبر بعد أن أجلاها الرسول ﷺ عن المدينة، وأخذ زعماؤها يلعبون دوراً قيادياً في سياسة مدينة خيبر ودفعها باتجاه محاربة الرسول ﷺ ، كما حدث في غزوة الخندق.
وكان يهود خيبر يعيشون بصورة أساسية على الزراعة بسبب خصوبة أراضي خيبر وكثرة مياهها. وكانت أهم مزروعاتها النخيل والحبوب وبعض الخضراوات. كما اشتغل يهود خيبر بتربية بعض أنواع الحيوانات كالماشية والدجاج وغيرها.
وقد فرضت طبيعة الحياة الزراعية على يهود خيبر أن يسكنوا جماعات متفرقة قرب العيون وجداول المياه، وهو ما جعل خيبر أقرب ما تكون إلى مجموعة قرى متناثرة في الأودية. وعمدت كل مجموعة من يهود خيبر إلى بناء حصن خاص بها لتحتمي به في أوقات الحروب. ولقد ذكر المؤرخون أنها سبعة حصون أساسية. وقد يدل تعدُّد الحصون في خيبر على انقسام أهلها إلى سبع كتل متفرقة بحيث لجأت كل كتلة إلى بناء حصن خاص بها للدفاع عن نفسها كما فعلت القبائل اليهودية في يثرب. ولم تقدم لنا المصادر التاريخية معلومات محددة عن عدد سكان أو مقاتلي خيبر، ولكن يبدو أنه كان صغيراً وربما مقارباً لعدد المقاتلين في جيش الرسول ﷺ ، أي في حدود ألف وأربعمائة رجل على أكبر تقدير.
стр. 4368
أما بقية المناطق التي سكن فيها اليهود، مثل فدك وتيماء ووادي القرى، فقد كانت واحات صغيرة تقطنها مجاميع يهودية محدودة العدد إلى جانب بعض السكان العرب. ولكن لم تصل إلينا معلومات واضحة عن أعدادهم أو طرق معيشتهم أو أوضاعهم السياسية والثقافية. ولكن يظهر من الإشارات التي أوردتها بعض المصادر التاريخية أن حالتهم لم تكن تختلف كثيراً عن يهود يثرب وخيبر إذ كان معظمهم يشتغلون بالزراعة ويرتبطون بعلاقات تحالف مع القبائل العربية المجاورة لهم حمايةً لأنفسهم في مواجهة المخاطر. وكانت هناك قبائل يهودية أخرى تسكن اليمن ونجران في جنوب الجزيرة العربية.
وكان اليهود يخضعون في نظامهم السياسي والاجتماعي لرؤسائهم وساداتهم أصحاب الآكام والحصون والأرض، يدفعون لهم ما هو مفروض عليهم أداؤه كل عام. وكان يتولى الأحبار أو الربانيون (أي الحاخامات) الأمور الدينية، فيقيمون الصلاة وينظرون في شكاوى الناس ويعلمون الأولاد.
ولم يكن اليهود كتلة واحدة متماسكة من الناحية السياسية، فقد اتحد بنو النضير وبنو قريظة مع الأوس ضد بني قينقاع الذين انضموا إلى الخزرج. وانعكست الصراعات بين الأوس والخزرج على قبائل اليهود. وحين دخلت قبائل يثرب وبطونها معركة ضارية في يوم بعاث، حارب بعض قبائل اليهود ضد البعض الآخر، وبالغ بنو النضير وبنو قريظة في قتل أفراد بني قينقاع. ويظهر عدم التماسك أيضاً في اشتراك يهودي يدعى مخيريق إلى جانب المسلمين في معركة أُحُد حيث قال: إن أُصبت فـ[إن] مالي لمحمد يصنع فيه ما يشاء، ثم غدا إلى رسول الله ﷺ فقاتل معه حتى قُتل فقال الرسول (صلى الله عليهم وسلم) : «مخيريق من خير اليهود» .
стр. 4369
وقد وصل اندماجهم الاجتماعي إلى درجة أن أصبحت العربية لغتهم الوحيدة وإن شابتها رطانة عبرية أو آرامية حتى عدها بعض العرب لهجة خاصة بهم. وقد ظهر بينهم من شعراء العربية: السموءال بن عادياء من بني قريظة، وكعب بن الأشرف من بني النضير (وكان ابن الأشرف ينتسب إلى أب عربي من قبيلة طيء وأم يهودية) . ويضاف إليهما شعراء آخرون، مثل: الربيع ابن أبي الحقيق (الذي كانت له مساجلات شعرية مع النابغة الذبياني) ، وسعيه بن غريض، وشريح بن عمران. كما ظهرت بينهم شاعرة تدعى سارة القرظية. وهؤلاء الشعراء كانوا يلتزمون القواعد والأساليب نفسها التي يلتزمها شعراء العربية في شعرهم. ويُلاحَظ أنه لا يوجد في شعرهم أي أثر للتوراة أو لفكر ديني يهودي مستقل. وقد سادت بين اليهود القيم العربية مثل الفخر بالشجاعة وإكرام الضيف والمروءة والعصبية القبلية والثأر وأخذ الدية والتحالف. ومن أسمائهم يبدو تعرُّبهم واضحاً ولا تُوجَد أسماء تحمل نكهة عبرية سوى قلة مثل بني زعورا.
стр. 4370
ولا يرد ذكر يهود الجزيرة العربية في المراجع اليهودية أو غير اليهودية قبل بعث الرسول ﷺ نظراً لانقطاع علاقتهم ببقية يهود العالم. وكانت علاقتهم بيهود فلسطين، الذين كانوا يتحدثون الآرامية، علاقة تجارية لا تختلف عن علاقة القبائل العربية الأخرى بهم. بل إن هناك من القرائن ما يدل على أن يهود دمشق وحلب لم يكونوا (في القرن الثامن الميلادي) يعتبرون يهود الجزيرة العربية يهوداً على الإطلاق نظراً لأنهم لم يكونوا يعرفون التلمود وإن عرفوه لم يخضعوا لقوانينه. ويبدو أن يهوديتهم كانت تتلخص في الإيمان بعقيدة التوحيد والعهد القديم. وكان حاخاماتهم يقرأون العهد القديم بالعبرية ثم يشرحونه بالعربية لمستمعيهم. وكان اليهود يعرفون بعض كتب المدراش. ويُقال إن اليهودية التي اعتنقها عرب الجزيرة كانت أشبه بحزب قَبَلي أكثر من كونها ديناً له أصول وأبعاد كدين يهود فلسطين، إذ كان مجرد اعتناق أحد رؤساء القبائل أو البطون أو الأفخاذ للديانة اليهودية يؤدي تلقائياً إلى تهوُّد أتباعه. ومع هذا، لا يمكن استبعاد وجود طبقة حلولية قوية في عقائد يهود الجزيرة العربية. ويعود هذا ولا شك للوثنية العربية المحيطة بهم. وتظهر الحلولية وبقوة في فكر عبد الله بن سبأ (أو السبئية إن أخذنا بالرأي الذي يذهب إلى أنه شخصية غير تاريخية) .
стр. 4371
وجاء الإسلام لينظر باحترام إلى تعاليم التوراة الأصلية. وكان الرسول ﷺ يتوقع ترحيب اليهودية ومساعدتهم للمسلمين لأنهم أهل كتاب، فعاملهم بانفتاح ووضع كتاباً بين الجماعة الإسلامية وبينهم في المدينة ينظم الشئون المشتركة ويوجب التساند في وجه الخطر الخارجي على وجه الخصوص ويجعلهم أمةً واحدة. ولكنهم سرعان ما وقفوا منه موقفاً اتسم بالسلبية ثم تدرَّج إلى المقاومة والتأليب، وأخذت المواجهة في البداية شكل الحرب الفكرية والدعاية المضادة. فقد تحدوا الرسول ﷺ بالمناقشات وطالبوه بالمعجزات، وأظهر أحبارهم التعنت في الجدل والأسئلة ثم تدرَّج الحال إلى الخصومة. بل لقد بلغ الأمر حد أن اليهود (وهم أصحاب عقيدة توحيد) أخبروا قريشاً أن عقيدتهم الوثنية أفضل من دين محمد، وهو تزييف واع للحقائق. وجاء التنزيل يلوم اليهود ويعنفهم ويتهمهم بتحريف الكلام عن مواضعه وتحوير التوراة والإضافة إليها. وحاول اليهود إثارة الشكوك في نفوس بعض المسلمين لزعزعة ثقتهم. وقد أشار القرآن الكريم إلى وجود اختلاف بين بني إسرائيل (واليهود) في فهم كتاب الله وتفسيره وإلى انقسامهم تبعاً لذلك شيعاً وأحزاباً، واتهموا ببغض المسلمين وبالإخلال في الأمانات (وثمة رأي يذهب إلى أن كلمة «بني إسرائيل» كما وردت في القرآن لا تشير بالضرورة إلى يهود الجزيرة العربية، وإنما تشير إلى اليهود في الماضي باعتبارهم أتباع العقيدة اليهودية) . وقد استمر اليهود في خصومتهم، وحاولوا إثارة الأحقاد القديمة بين الأوس والخزرج، كما اتصلوا بخصوم الجماعة الإسلامية وهو ما ولَّد أزمة سياسية.
стр. 4372
وتصاعد الصراع الفعلي مع اليهود بعد غزوة بدر نتيجة تخوف اليهود من ارتفاع شأن المسلمين وخصوصاً أنهم كانوا يظنون أن النصر الذي تحقَّق للمسلمين في بدر جاء اعتباطاً أو في غفلة من الزمن. فبدأ الصراع مع بني قينقاع (أقوى الجماعات اليهودية التي شملتهم المعاهدة مع المسلمين) الذين كانوا يسكنون داخل المدينة (يثرب سابقاً) ، كما كانوا أغنياء جلهم صاغة، ويعتمدون على مساندة الخزرج. كذلك كانوا يعتدون بقوتهم العسكرية. ويُفهَم من كتب السيرة أنهم أظهروا بوادر التحدي ثم التحرش بالمسلمين.
وذهب كعب بن الأشرف إلى مكة بعد بدر يُحرِّض أهلها على الأخذ بثأرهم والانتقام من الرسول ﷺ والمسلمين قبل أن يثبت سلطانهم وتقوى شوكتهم. ولم يكتف بذلك، إذ عندما عاد إلى المدينة استخدم شعره في التشبيب بنساء المسلمين والخوض في أعراضهم، ثم راح يطعن في الرسول ﷺ ويُحرِّض الناس على الخلاص منه. وحدثت مشادة في سوق الصاغة التي كانت ليهود بني قينقاع أدَّت إلى مقتل يهودي ومسلم وأراد الرسول ﷺ تهدئة النفوس في ضوء احترام عقد الموادعة بين الطرفين، ولكن يهود بني قينقاع رفضوا فأمر الرسول ﷺ بحصار دورهم واستمر الحصار خمسة عشر يوماً حتى أعلن اليهود استسلامهم. وقد كان من رأي المسلمين أن يقتلوهم جميعاً، وكان عددهم سبعمائة رجل، لكن الرسول قَبل ساطة عبد الله بن أبيّ وعبادة بن الصامت على أن يجلوا عن المدينة وسُمح لهم بالهجرة فخرجوا إلى أذرعات الشام، وأخذ الرسول ﷺ أموالهم وأبقى لهم ذراريهم ونساءهم.
стр. 4373
وفي أُحُد، رفض اليهود الاشتراك مع المسلمين كما يفترض العهد بين اليهود والمسلمين، وتعللوا بأنه يوم سبت. بل كان هوى بني النضير مع المشركين. واتخذ بعضهم (مثل كعب بن الأشرف) موقفاً استفزازياً بندب قتلى بدر والتحريض على المسلمين. كما أخذ بعضهم يزيد في التشكيك والتحرش، ووجدوا تشجيعاً من المنافقين معتمدين على حلفهم مع الأوس. وقد استقبل زعيم بني النضير سلام بن مشكم أبا سفيان بن حرب عندما قدم من مكة في مائتين من أهلها وأغار على أطراف المدينة وأحرق دارين وقتل رجلين وقفل عائداً إلى مكة. وقد أطلعه ابن مشكم على أسرار المسلمين. وقام أحدهم (عمرو بن جحش) بمحاولة اغتيال الرسول، بعد عقد العهد (أي المعاهدة) بين المسلمين واليهود. واعتبر الرسول هذا التصرف دليلاً على نقضهم العهد. وكانت قريش قد بدأت تجمع جموعها للفتك بالمسلمين. ولتأمين جبهتهم الداخلية أعطاهم الرسول إنذاراً بالرحيل عن المدينة فرفضوا وأخذوا يتحصنون ويعدون أنفسهم لحرب طويلة. وجاء ذلك على لسان زعيمهم حُييّ بن أخطب. وازداد صلف بني النضير عندما وعدهم زعيم المنافقين عبد الله بن أُبي بالدعم (هذا رغم أنه كان قد وعد بني قينقاع ثم تخلى عنهم عندما صمَّم الرسول على إجلائهم) . واستمر القتال عشرين ليلة ولكن بني النضير استسلموا في نهاية الأمر فسمح لهم الرسول بالخروج من المدينة ومعهم ما تحمل الإبل إلا الدروع (حسب طلبهم) وخرجوا حيث نزل بعضهم خيبر، ونزل آخرون بالشام. ويُلاحَظ أن بني قريظة حلفاء بني النضير لم يمسهم سوء لأنهم أبقوا على العهد.
стр. 4374
وكان لليهود دور كبير في خروج الأحزاب وفي غزوة الخندق. فبدأوا يهيجون ضد المسلمين واستجابت لهم جماعات (أحزاب) كثيرة فزحفت على المدينة. فحفر المسلمون خندقاً وضُرب الحصار على المدينة لمدة شهر. وخلال ذلك كان زعيم بني النضير، حييّ بن أخطب يُحرض كل قبائل العرب الذين كانوا ما يزالون على وثنيتهم ضد مُحمّد وأصحابه، وسعى جاهداً إلى أن يجعلها حرباً عامة تضم سكان شبه الجزيرة العربية من الوثنيين واليهود المنافقين في المدينة لاستئصال شأفة الإسلام؛ فقدم إلى قريش في مكة وذكَّرها بقتلى بدر وضياع سيادتها على الطريق التجاري إلى الشام إذا ازدادت قوة المسلمين في المدينة. وسألت قريش وفد اليهود «يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول وأهل العلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومُحمّد، أفديننا خيرٌ أم دينه؟» وأعماهم الحقد فأجابوا «بل دينكم خيرٌ من دينه وأنتم أولى بالحق منه» !
والقرآن الكريم يشير إلى ذلك في آيات صريحة جاء فيها: «ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا. أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا» (النساء ٥١ ـ ٥٢) .
هكذا أثار اليهود من جديد ثائرة قريش ضد المسلمين، وفعلوا ذلك أيضاً مع قبائل غطفان من قيس عيلان ومن بني مُرة ومن بني فزارة ومن أشجع ومن سليم ومن بني سعد ومن أسد وغيرهم. وأتم ذلك كله حيي بن أخطب بإغراء يهود بني قريظة بالدخول في هذا الحلف مع الأحزاب، ونقض عهدها مع الرسول، وعلى الرغم من أن زعيمهم كعب بن أسد تردد في أول الأمر، إلا أن حيي بن أخطب ما زال به حتى انضم لقريش وحُلفائها من يهود ووثنيين.
стр. 4375
وكانت خطورة انضمام بني قريظة إلى هذا الحلف، أنهم كانوا يقيمون في المنطقة التي لم يمتد إليها الخندق الذي حفره المسلمون حول المدينة عندما علموا بمقدم الأحزاب، اعتماداً على أن بني قريظة تحمي هذه المنطقة وفاءً لعهدها مع الرسول، ومن ثم كان هذا يعني دخول الحلفاء إلى المدينة والقضاء على المسلمين بداخلها عن طريق بوابة قريظة هذه، ولما سمع الرسول بغدرهم أرسل لهم سعد بن معاذ سيد الأوس (لأنه كان هو وجماعته من حُلفاء بني قريظة) وسعد بن عبادة سيد الخزرج فقابلا كعب بن أسد وحذَّراه من مغبة الغدر، فسخر منهما. ونجح أحد المسلمين في زرع الشكوك بين الأحلاف، وفشلت الحملة. وعندئذ هاجم الرسول ﷺ بني قريظة، فخارت قواهم وطلبوا العفو لكن الرسول ﷺ تنازل لسعد بن معاذ سيد الأوس عن حقه في اتخاذ القرار ليحكم في أمرهم.
ولعل سعد بن معاذ فكَّر فيما قام به بنو النضير من نشاط ضد المسلمين بعد خروجهم من المدينة وتحريضهم لبني قريظة. وقد رأى سعد بن معاذ بنفسه إصرار بني قريظة على الخيانة ورفضهم النصح. فحكم على الرجال (أي العناصر العسكرية) بالقتل وسبي الذراري والنساء، باعتبار أن ما ارتكبوه يعادل في القانون الحديث الخيانة العظمى وإعلان الحرب.
стр. 4376
وكانت خيبر (في أعالي الحجاز) من مراكز اليهود المهمة، وصارت ملجأ اليهود الحانقين ومركزاً للتآمر، وأخذت في تكوين كتلة من يهود القرى المجاورة كتيماء ووادي القرى ولكن دون نجاح. وكان المسلمون يدركون ذلك. وحين سالم الرسول ﷺ مكةَ في الحديبية (آخر العام السادس للهجرة) ، أمر بالتهيؤ لخيبر في مطالع العام السابع للهجرة، فهي خطر عسكري من الشمال مع وجود قريش في الجنوب ولها دور في التحريض على غزوة الخندق كما حاولت التفاهم مع غطفان لمحاربة المسلمين بوعدهم بنصف تمر خيبر لعام إن انتصروا، كما جرت المفاوضات بين خيبر ويهود وادي القرى وتيماء وفدك لتكوين حلف جديد يتزعمه اليهود الآن لحرب مُحمّد وأصحابه بعد أن فشل القرشيون في ذلك. ولم يكن من المستبعد أن يسعى يهود خيبر للاستعانة بقوى خارجية كالفرس مثلاً الذين كانت لهم مصالحهم في اليمن، وهم ولا شك يطمعون أن يمتد نفوذهم إلى كل محطات طريق التجارة البري من اليمن إلى الشام عبر المدينة. ولكن المحاولة فشلت لسبق المسلمين في التحرك ولتخاذل غطفان. وكان ليهود خيبر مناطق حربية (النطاة والشق والكتيبة) لكل منها حصون يحتمون بها من الغارات، وفيها مخازن الغلال، أما المزارع فخارج الحصون. وبعد حصار ومناوشات، سلم يهود خيبر على أن تُحقَن دماؤهم، واعتبر الرسول ﷺ خيبر غنيمة وقسمها، ولكنه ترك اليهود يزرعونها لعدم توافر الأيدي العاملة لديه مقابل نصف المحصول. وكان بين غنائم خيبر صحائف من التوراة، فلما جاء اليهود يطلبونها أمر النبي ﷺ بتسليمها إليهم.
стр. 4377
وبعد خيبر، خضعت بقية القرى اليهودية وسلمت للنبي ﷺ . فأرسل الرسول ﷺ إلى يهود فدك وتم الاتفاق معهم دون قتال على أن يُتركوا لزراعة الأرض ويعطوا النبي نصفها. ثم خرج الرسول ﷺ بنفسه إلى يهود وادي القرى وهزمهم وتوصل معهم إلى اتفاق مشابه لما توصل إليه مع اليهود السابقين. ولما سمع يهود تيماء بذلك لم ينتظروا مسيرة الرسول إليهم بل أرسلوا إليه وقبلوا شروط المسلمين. ويُقال إنه في هذه الآونة قدَّمت امرأة يهودية (زينب بنت الحارث بن سلام) شاة مشوية للرسول، دست له فيها السم وأوحي إلى الرسول ﷺ بالأمر فلفظ ما أكل. وفي رواية أخرى أنه أُقيم عليها القصاص لأن أحد الصحابة ممن أكلوا من الشاة مات مسموماً.
وكان وجود اليهود في مستوطنات متراصة في قلب الأمة الجديدة، وموقفهم السلبي ثم العدائي، سبب تأزُّم العلاقة لتشكيلهم جبهة داخلية ذات خطر. ولكن، بعد خيبر، لم يبق منهم خطر وأمر الرسول ﷺ بمعاملتهم (في خيبر والقرى الشمالية) معاملة حسنة باعتبارهم أهل ذمة.
стр. 4378
وقد قام عمر بن الخطاب بإجلاء اليهود عن الجزيرة العربية ليحمي الدولة الجديدة من عناصر لم يكن ولاؤها كاملاً. وربما كانت هذه حادثة الطرد أو التهجير الوحيدة في تاريخ العالم الإسلامي باعتبار أن ما حدث في وقت الرسول ﷺ كان جزءاً من عمليات عسكرية. ومع هذا، عامل عمر الجماعات اليهودية طبقاً للشروط التي كانت بينهم وبين المسلمين. فأهل فدك، على سبيل المثال، كان لهم نصف الأرض، فاشتراها عمر منهم. ويسَّر عمر للجماعات اليهودية عملية الاستيطان في الشام والعراق، وخصوصاً في الكوفة. بل بقي بعض اليهود في المدينة وفي وادي القرى وتيماء قروناً عديدة، كما ظل هناك يهود بطبيعة الحال في اليمن. ويبدو أن موقف يهود الدولة البيزنطية من الفتح الإسلامي كان مؤيداً وممالئاً للمسلمين، وخصوصاً أن أوضاعهم كانت قد تردت داخل هذه الإمبراطورية بعد تعاونهم مع الفرس من قبل. وقد ساعد اليهود والسامريون، وكذلك المسيحيون اليعقوبيون، الفتح الإسلامي، وخصوصاً في سوريا وفلسطين. وفي حمص، على سبيل المثال، سد اليهود والمسيحيون بوابات المدينة لمنع جيش الروم من الدخول. وفي الخليل وقيصرية، تَمكَّن المسلمون من اختراق تحصينات الروم بسبب مساعدة اليهود. وفي إسبانيا، كانوا يقومون بثورات مسلحة ضد حكامهم من القوط الغربيين. كان هذا هو النمط الغالب، وإن كانت هناك بعض الحالات الاستثنائية حين تعاون اليهود مع الروم، بل يُقال إنهم قاتلوا إلى جوارهم كما حدث في غزة.
الذميون أو أهل الذمة في الإسلام
The Dhimmis
«الذميون» أو «أهل الذمة» هم من يجوز عقد الذمة معهم، وهم أهل الكتاب، ومن سن بهم الشرع سنة أهل الكتاب مثل المجوس. و «الذمة» في اللغة هي العهد والأمان والضمان، ولذا يُقال لأهل الذمة «أهل العهد» . والمصطلح يعني أن أهل الذمة «في ذمة الله ورسوله وليسوا في ذمة أحد من الناس» .
стр. 4379
والذمة ذُكرت في القرآن الكريم مرتين في سورة التوبة (الآيتين ٨ ـ ١٠) اللتين أكدتا أن وضع الغلبة إذا كان من نصيب المشركين فإنهم لن يرقبوا في مؤمنٍّ إلاًّ ولا ذمة.
وتعبير «الذمة» كان أحد مفردات الخطاب العربي قبل الإسلام، حيث كانت عقود الذمة والأمان صنيعة التعايش الذي صادف سمات في الشخصية العربية. فقد عرف العرب من قديم التناصر بالجوار، بما يسمونه «عقد الجوار أو الذمة» . وكانت رعاية الجوار عندهم من مقتضيات شهامة العربي. وكان على المجير أن يحمي الجار أو المستجير ويقاتل عنه، ويطلب حقه، ويمنعه ويمنع أهله مما يمنع منه نفسه وأهله وولده. فمسألة الذمة كانت حالة تعاهدية تعارف عليها عرب الجاهلية.
واللفظ اصطلاحاً ظهر مع استخدام الرسول ﷺ في أحاديث كثيرة منها الحديث الشريف: "من آذى ذمياً فأنا خصمه"، وقوله ﷺ في خطبة الوداع: "أوصيكم بأهل ذمتي خيراً". ومن خلال هذه الصيغة دخل تعبير «أهل الذمة» قاموس التخاطب مع غير المسلمين سواء في الممارسات أو في كتب الفقه. ويضع الفقه الإسلامي «الذميَّ» مقابل «المسلم» من جهة، ومقابل «المشرك» من جهة. كما يوضع «الذمي» مقابل «الحربي» ، وهو «الكتابي الذي يعيش في دار الحرب» ، ومقابل «المُستأْمَن» ، وهو «الكتابي الذي يأتي لدار الإسلام للاتجار أو الزيارة فيُعطَى الأمان ويُصرَّح له بالعيش لمدة محددة» . وأصبح تعريف عقد الذمة (المستقر في كتب الفقه المختلفة) أنه عقد يصير غير المسلم بمقتضاه في ذمة المسلمين، أي في عهدهم وأمانهم على وجه التأبيد، وله الإقامة في دار الإسلام على وجه الدوام.
стр. 4380
وأهم سمات عقد الذمة أنه تعاقد قانوني بين طرفين، وليس حالة قانونية دائمة، وهو تعاقد يستند إلى ظروف محدَّدة ومن ثم يزول بزوالها. وفكرة العقد هنا هي إسهام أساسي للدين الإسلامي في التعامل مع قضية الأقليات، إذ أن العلاقة مع غير المسلمين لم تُؤسَّس على أساس تسامح المسلمين أو عطفهم وحسب، وإنما أُسِّست على مقولات قانونية واضحة تتجاوز الأهواء، محمودة كانت أم مذمومة (على عكس الفقه المسيحي الغربي الذي لم يطرح قط أية بنية قانونية خاصة بالأقليات وترك الأمر برمته للتسامح المسيحي) .
هذا التعاقد لا يتم في فراغ وإنما في إطار النموذج المعرفي الإسلامي ومن منطلقاته الأساسية التي يمكن أن نوجز بعضها فيما يلي:
١ ـ التعددية:
يعترف الإسلام بالتعددية وحتميتها، وينطلق منها. بل إن جميع الفقهاء يعتبرون الاختلاف والتعددية سُنّة إلهية تركت بصمتها على جميع الخلق. والإسلام لا يجعل مجرد المخالفة في الدين سبباً يحمل على التقاطع بالتفرقة وسلب الحريات والإخراج من الديار، وإنما جعل العداء سبباً مانعاً من موالاة العدو والامتزاج به والاعتماد عليه (كما يذهب ابن كثير والقرطبي وغيرهم في تفسير سورة الممتحنة) .
وقد أكد الدين حرية العقيدة في آيات عديدة منها:"لا إكراه في الدين، قد تبيَّن الرشد من الغي" (البقرة ٢٥٦) ، وأقر حرية الاختيار "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" (الكهف ٢٩) ، وعلق المشيئة باختيار العبد "ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها" (السجدة ١٣) .
وقد دعا الإسلام إلى تأجيل الخلافات العقيدية إلى الآخرة لكي يفصل فيها الله (فهمي هويدي) فالقلوب والضمائر ينبغي أن تُترك لرب القلوب ويوم الحساب "إن الذين آمنوا والذين هادوا، والصابئين والنصارى، والمجوس والذين أشركوا، إن الله يفصل بينهم يوم القيامة" (الحج ١٧) .
следующие страницы →