← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.

стр. 4376

وكانت خيبر (في أعالي الحجاز) من مراكز اليهود المهمة، وصارت ملجأ اليهود الحانقين ومركزاً للتآمر، وأخذت في تكوين كتلة من يهود القرى المجاورة كتيماء ووادي القرى ولكن دون نجاح. وكان المسلمون يدركون ذلك. وحين سالم الرسول ﷺ مكةَ في الحديبية (آخر العام السادس للهجرة) ، أمر بالتهيؤ لخيبر في مطالع العام السابع للهجرة، فهي خطر عسكري من الشمال مع وجود قريش في الجنوب ولها دور في التحريض على غزوة الخندق كما حاولت التفاهم مع غطفان لمحاربة المسلمين بوعدهم بنصف تمر خيبر لعام إن انتصروا، كما جرت المفاوضات بين خيبر ويهود وادي القرى وتيماء وفدك لتكوين حلف جديد يتزعمه اليهود الآن لحرب مُحمّد وأصحابه بعد أن فشل القرشيون في ذلك. ولم يكن من المستبعد أن يسعى يهود خيبر للاستعانة بقوى خارجية كالفرس مثلاً الذين كانت لهم مصالحهم في اليمن، وهم ولا شك يطمعون أن يمتد نفوذهم إلى كل محطات طريق التجارة البري من اليمن إلى الشام عبر المدينة. ولكن المحاولة فشلت لسبق المسلمين في التحرك ولتخاذل غطفان. وكان ليهود خيبر مناطق حربية (النطاة والشق والكتيبة) لكل منها حصون يحتمون بها من الغارات، وفيها مخازن الغلال، أما المزارع فخارج الحصون. وبعد حصار ومناوشات، سلم يهود خيبر على أن تُحقَن دماؤهم، واعتبر الرسول ﷺ خيبر غنيمة وقسمها، ولكنه ترك اليهود يزرعونها لعدم توافر الأيدي العاملة لديه مقابل نصف المحصول. وكان بين غنائم خيبر صحائف من التوراة، فلما جاء اليهود يطلبونها أمر النبي ﷺ بتسليمها إليهم.

стр. 4377

وبعد خيبر، خضعت بقية القرى اليهودية وسلمت للنبي ﷺ . فأرسل الرسول ﷺ إلى يهود فدك وتم الاتفاق معهم دون قتال على أن يُتركوا لزراعة الأرض ويعطوا النبي نصفها. ثم خرج الرسول ﷺ بنفسه إلى يهود وادي القرى وهزمهم وتوصل معهم إلى اتفاق مشابه لما توصل إليه مع اليهود السابقين. ولما سمع يهود تيماء بذلك لم ينتظروا مسيرة الرسول إليهم بل أرسلوا إليه وقبلوا شروط المسلمين. ويُقال إنه في هذه الآونة قدَّمت امرأة يهودية (زينب بنت الحارث بن سلام) شاة مشوية للرسول، دست له فيها السم وأوحي إلى الرسول ﷺ بالأمر فلفظ ما أكل. وفي رواية أخرى أنه أُقيم عليها القصاص لأن أحد الصحابة ممن أكلوا من الشاة مات مسموماً. وكان وجود اليهود في مستوطنات متراصة في قلب الأمة الجديدة، وموقفهم السلبي ثم العدائي، سبب تأزُّم العلاقة لتشكيلهم جبهة داخلية ذات خطر. ولكن، بعد خيبر، لم يبق منهم خطر وأمر الرسول ﷺ بمعاملتهم (في خيبر والقرى الشمالية) معاملة حسنة باعتبارهم أهل ذمة.

стр. 4378

وقد قام عمر بن الخطاب بإجلاء اليهود عن الجزيرة العربية ليحمي الدولة الجديدة من عناصر لم يكن ولاؤها كاملاً. وربما كانت هذه حادثة الطرد أو التهجير الوحيدة في تاريخ العالم الإسلامي باعتبار أن ما حدث في وقت الرسول ﷺ كان جزءاً من عمليات عسكرية. ومع هذا، عامل عمر الجماعات اليهودية طبقاً للشروط التي كانت بينهم وبين المسلمين. فأهل فدك، على سبيل المثال، كان لهم نصف الأرض، فاشتراها عمر منهم. ويسَّر عمر للجماعات اليهودية عملية الاستيطان في الشام والعراق، وخصوصاً في الكوفة. بل بقي بعض اليهود في المدينة وفي وادي القرى وتيماء قروناً عديدة، كما ظل هناك يهود بطبيعة الحال في اليمن. ويبدو أن موقف يهود الدولة البيزنطية من الفتح الإسلامي كان مؤيداً وممالئاً للمسلمين، وخصوصاً أن أوضاعهم كانت قد تردت داخل هذه الإمبراطورية بعد تعاونهم مع الفرس من قبل. وقد ساعد اليهود والسامريون، وكذلك المسيحيون اليعقوبيون، الفتح الإسلامي، وخصوصاً في سوريا وفلسطين. وفي حمص، على سبيل المثال، سد اليهود والمسيحيون بوابات المدينة لمنع جيش الروم من الدخول. وفي الخليل وقيصرية، تَمكَّن المسلمون من اختراق تحصينات الروم بسبب مساعدة اليهود. وفي إسبانيا، كانوا يقومون بثورات مسلحة ضد حكامهم من القوط الغربيين. كان هذا هو النمط الغالب، وإن كانت هناك بعض الحالات الاستثنائية حين تعاون اليهود مع الروم، بل يُقال إنهم قاتلوا إلى جوارهم كما حدث في غزة. الذميون أو أهل الذمة في الإسلام The Dhimmis «الذميون» أو «أهل الذمة» هم من يجوز عقد الذمة معهم، وهم أهل الكتاب، ومن سن بهم الشرع سنة أهل الكتاب مثل المجوس. و «الذمة» في اللغة هي العهد والأمان والضمان، ولذا يُقال لأهل الذمة «أهل العهد» . والمصطلح يعني أن أهل الذمة «في ذمة الله ورسوله وليسوا في ذمة أحد من الناس» .

стр. 4379

والذمة ذُكرت في القرآن الكريم مرتين في سورة التوبة (الآيتين ٨ ـ ١٠) اللتين أكدتا أن وضع الغلبة إذا كان من نصيب المشركين فإنهم لن يرقبوا في مؤمنٍّ إلاًّ ولا ذمة. وتعبير «الذمة» كان أحد مفردات الخطاب العربي قبل الإسلام، حيث كانت عقود الذمة والأمان صنيعة التعايش الذي صادف سمات في الشخصية العربية. فقد عرف العرب من قديم التناصر بالجوار، بما يسمونه «عقد الجوار أو الذمة» . وكانت رعاية الجوار عندهم من مقتضيات شهامة العربي. وكان على المجير أن يحمي الجار أو المستجير ويقاتل عنه، ويطلب حقه، ويمنعه ويمنع أهله مما يمنع منه نفسه وأهله وولده. فمسألة الذمة كانت حالة تعاهدية تعارف عليها عرب الجاهلية. واللفظ اصطلاحاً ظهر مع استخدام الرسول ﷺ في أحاديث كثيرة منها الحديث الشريف: "من آذى ذمياً فأنا خصمه"، وقوله ﷺ في خطبة الوداع: "أوصيكم بأهل ذمتي خيراً". ومن خلال هذه الصيغة دخل تعبير «أهل الذمة» قاموس التخاطب مع غير المسلمين سواء في الممارسات أو في كتب الفقه. ويضع الفقه الإسلامي «الذميَّ» مقابل «المسلم» من جهة، ومقابل «المشرك» من جهة. كما يوضع «الذمي» مقابل «الحربي» ، وهو «الكتابي الذي يعيش في دار الحرب» ، ومقابل «المُستأْمَن» ، وهو «الكتابي الذي يأتي لدار الإسلام للاتجار أو الزيارة فيُعطَى الأمان ويُصرَّح له بالعيش لمدة محددة» . وأصبح تعريف عقد الذمة (المستقر في كتب الفقه المختلفة) أنه عقد يصير غير المسلم بمقتضاه في ذمة المسلمين، أي في عهدهم وأمانهم على وجه التأبيد، وله الإقامة في دار الإسلام على وجه الدوام.

стр. 4380

وأهم سمات عقد الذمة أنه تعاقد قانوني بين طرفين، وليس حالة قانونية دائمة، وهو تعاقد يستند إلى ظروف محدَّدة ومن ثم يزول بزوالها. وفكرة العقد هنا هي إسهام أساسي للدين الإسلامي في التعامل مع قضية الأقليات، إذ أن العلاقة مع غير المسلمين لم تُؤسَّس على أساس تسامح المسلمين أو عطفهم وحسب، وإنما أُسِّست على مقولات قانونية واضحة تتجاوز الأهواء، محمودة كانت أم مذمومة (على عكس الفقه المسيحي الغربي الذي لم يطرح قط أية بنية قانونية خاصة بالأقليات وترك الأمر برمته للتسامح المسيحي) . هذا التعاقد لا يتم في فراغ وإنما في إطار النموذج المعرفي الإسلامي ومن منطلقاته الأساسية التي يمكن أن نوجز بعضها فيما يلي: ١ ـ التعددية: يعترف الإسلام بالتعددية وحتميتها، وينطلق منها. بل إن جميع الفقهاء يعتبرون الاختلاف والتعددية سُنّة إلهية تركت بصمتها على جميع الخلق. والإسلام لا يجعل مجرد المخالفة في الدين سبباً يحمل على التقاطع بالتفرقة وسلب الحريات والإخراج من الديار، وإنما جعل العداء سبباً مانعاً من موالاة العدو والامتزاج به والاعتماد عليه (كما يذهب ابن كثير والقرطبي وغيرهم في تفسير سورة الممتحنة) . وقد أكد الدين حرية العقيدة في آيات عديدة منها:"لا إكراه في الدين، قد تبيَّن الرشد من الغي" (البقرة ٢٥٦) ، وأقر حرية الاختيار "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" (الكهف ٢٩) ، وعلق المشيئة باختيار العبد "ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها" (السجدة ١٣) . وقد دعا الإسلام إلى تأجيل الخلافات العقيدية إلى الآخرة لكي يفصل فيها الله (فهمي هويدي) فالقلوب والضمائر ينبغي أن تُترك لرب القلوب ويوم الحساب "إن الذين آمنوا والذين هادوا، والصابئين والنصارى، والمجوس والذين أشركوا، إن الله يفصل بينهم يوم القيامة" (الحج ١٧) .

стр. 4381

كل هذا يعني حتمية الاختلاف، والاختلافات في الدين على هذا الأساس لا يمكن أن تكون سبباً للعداء والحرب. ويذكر القرضاوي أن أساس التعامل مع غير المسلمين هو "اعتقاد المسلم أن اختلاف الناس في الدين واقع بمشيئة الله تعالى" و"ليس المسلم مكلفاً أن يحاسب الكافرين على كفرهم أو يعاقب الضالين على ضلالهم" و"إيمان المسلم بأن الله يأمر بالعدل ويحب القسط"، "يأيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا. إن أكرمكم عند الله أتقاكم. إن الله عليم خبير" (سورة الحجرات ١٣) . ٢ ـ العدل: وهو القيمة القطب في الإسلام (فهمي هويدي) . العدل في المجتمع المسلم يقوم وفقاً لجملة من الثوابت منها رفع قيمة الإنسان، والاستخلاف، والمساواة، وتحريم الله الظلم على نفسه وتحريمه بين الخلق. وهذه القيمة يتمتع بها الناس جميعاً لأنهم أخوة، فكلهم لآدم (الغنوشي) . وإذن فمادام غير المسلم إنساناً، فإن له بمقتضى هذه الصفة في الدين الحصانة والكرامة والحماية. وأكد سليم العوا، في ذلك السياق، عصمة الدم. والعدل في الإسلام قيمة مطلقة وليست نسبية، فهي واجبة الالتزام في كل الظروف، وهي في مواجهة الأعداء، كما هي مع الأهل والحلفاء"لا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا" (المائدة ٨) ، أي لا يدفعكم بُغض قوم إلى اقتراف جريرة الظلم بإزائهم. ولذا كتب عمر بن الخطاب إلى أحد عماله يقول: "وأما العدل فلا رخصة فيه من قريب ولا بعيد، ولا في شدة ولا رخاء، والعدل وإن رئى ليناً، فهو أقوى، وأطفأ للجور، وأقمع للباطل من الجور".

стр. 4382

والعدل تحري الإنصاف والمساواة وإعطاء كل ذي حق حقه، والحكم بين الناس بالحق الذي لا يحوم حوله باطل، وهو نقيض الظلم (محمد سيد طنطاوي) . والعدل الإلهي يتجلى على الصعيد الاجتماعي في الدعوة إلى إقامة مجتمع إنساني حر مفتوح تملك جميع العقائد والمذاهب والآراء أن تعيش في ظله، وليس الإكراه عنصراً من عناصر تكوينه ولا بقائه (سيد قطب) . وهذا المجتمع قائم على الإيمان بالعقيدة وعلى تطوع كل فرد فيه بصيانة النظام، حدوده مفتوحة بلا حواجز ولا قيود لجميع المسلمين من كل جنس ولون، ولغير المسلمين كذلك من المسالمين. بل إن المشرك ليملك في الوطن الإسلامي أن يستجير فيُجار ويتحتم حينئذ على الدولة الإسلامية أن تحميه وتكفله. وقد نصَّت وثيقة المدينة (الصحيفة) على أن «من خرج من المدينة آمن، ومن قعد آمن إلا من ظلم وأثم» (الغنوشي) . ٣ ـ المساواة التامة بين البشر:

стр. 4383

ويرتبط بقيمة العدل الإيمان بالمساواة التامة بين البشر التي تنبع من رؤية إنسانية للإنسان تنبو عن عرْق أو دين أو لغة أو خلافه. وليس للمسلم من هذه الزاوية أية أفضلية على غيره، وإنما هو إنسان شأن أي إنسان آخر إذ خلقنا الله من نفس واحدة. كما ذهب أبو الأعلى المودودي وفهمي هويدي وإدوارد الذهبي والغنوشي وسليم العوا وسيد قطب إلى أن هذه المساواة التي تمثل خلفية معرفية لمفهوم الذمة تعود بالمفكرين إلى طبيعة التكريم الذي قضاه الله للإنسان «ولقد كرمنا بني آدم» (الإسراء ٧٠) فالإنسان في الإسلام هو مخلوق الله المختار، الذي خلقه وسواه وعدَّله، ونفخ فيه من روحه. ومعنى التكريم هنا أي جعلنا لهم كرماً، أي شرفاً وفضلاً، وأياً كان مناط التكريم، أكان لأن الإنسان نفساً، أو لهداية الإنسان بالعقل، أو لاستخلافه، فإن نتاج هذا التكريم أن صار للإنسان، كل إنسان، قدسيته في هذا الدين. وقد صار الإنسان في حمى محمي، وحرم مُحرَّم، ولا يزال كذلك حتى يهتك هو حرمة نفسه، وينزع بيده هذا الستر المضروب عليه، بارتكاب جريمة ترفع عنه جانباً من تلك الحصانة، وهو بعد ذلك بريء حتى يثبت جرمه، وهو بعد ثبوت جرمه لا يفقد حماية الشرع كله، لأن جنايته ستُقدَّر بقدرها، ولأن عقوبته لن تجاوز مقدارها. بهذه الكرامة يحمي الإسلام أعداءه كما يحمي أولياءه وأبناءه، هذه الكرامة التي كرَّم بها الإنسانية في كل فرد من أفرادها، هي الأساس الذي تقوم عليه العلاقات بين بني آدم.

стр. 4384

ولا شك في أن هذا الذي سبق يخص فيما يخص أهل الذمة وإن كان أعم وأشمل. غير أن لأهل الذمة مزية خاصة لكونهم أهل توحيد يشاركهم في ذلك المجوس وكذلك السامرة والصابئة بشرط أن يوافقوا اليهود والنصارى في أصل عقيدتهم. ويقول الإمام علي ﵁ إنهم قبلوا عقد الذمة لتكون أموالهم كأموالنا ودماؤهم كدمائنا، ويؤكدها السرخسي من مشاهير الفقهاء بقوله: «ولأنهم قبلوا عقد الذمة، لتكون أموالهم وحقوقهم كأموال المسلمين وحقوقهم» . بل أكثر من ذلك ذهب الفقه الإسلامي إلى أن حقوق الأقليات غير المسلمة طالما كانت مستمدة من الشريعة فإنها لا تتأثر بسوء معاملة الأقليات المسلمة في الدول غير الإسلامية وعليه، فلا يجوز، لدار الإسلام أن تسيء معاملة الأقليات غير المسلمة في إقليمها بحجة الأخذ بقاعدة «المعاملة بالمثل» . وذهب محمد عمارة إلى أبعد من ذلك حيث لم يعتبر ما للذميين حقوقاً وإنما هي ضرورات واجبة. تأسيساً على تلك الأسس الفكرية كان لا مناص من اعتبار النظام الإسلامي أن أهل الذمة جزء من الرعية الإسلامية، مع احتفاظهم بعقيدتهم، ومن ثم فقد كانت المعاهدات الخارجية يُمثَّل فيها المسلمون والذميون كأمة متحدة. ويؤكد محمد الغزالي أن الإسلام يرى أن من عاهد المسلمين من اليهود أو النصارى أنهم قد أصبحوا من الناحية السياسية أو الجنسية مسلمين لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم من واجبات، وإن بقوا من الناحية الشخصية على عقائدهم وعبادتهم وأحوالهم الخاصة. ويؤكد الفكر الإسلامي أن انضواء الأفراد والجماعات في نطاق النظام السياسي الإسلامي قد أدَّى إلى اعتماد «الأمة» ، و «الرابطة الأمتية» إطاراً عاماً يحدد سلوك الأفراد واتجاهات الفعل السياسي ضمن المجتمع المسلم.

стр. 4385

وإذا كان ذلك كذلك فإن الدعوة لاعتبار الذميين مواطنين تطرح نفسها بقوة خاصة مع تعدد فئات ومستويات معضدات هذه الفكرة. وعندما تناول العديد من المفكرين (فهمي هويدي ـ لؤي صافي ـ راشد الغنوشي ـ إدوارد الذهبي ـ سليم العوا، وغيرهم) صحيفة المدينة بالتحليل، وجدوا أن أهل الكتاب كانت لهم بموجب نص هذه الصحيفة حقوق المواطنة الكاملة يمارسون عبادتهم بحرية، ويناصحون المسلمين، ويتناصرون في حماية المدينة، ويتعاونون، كلٌّ في موقعه على حمل أعباء ذلك. ولعل من نص الصحيفة هذه ما يبرر ذلك حيث قالت: "وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا مُتناصَر عليهم، وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين.. لليهود دينهم وللمسلمين دينهم.. مواليهم وأنفسهم.. إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يوتغ [يهلك] إلا نفسه وأهل بيته.. وأن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة. وأن بينهم النصح والنصيحة دون إثم". (نص وثيقة المدينة) . وأكد ذلك أحمد طه السنوسي في تناوله فكرة الجنسية في التشريع الإسلامي المقارن. وهكذا فإن مفهوم الذمة لا يتعارض مع مفهوم المواطنة حتى ذهب فهمي هويدي إلى إعادة النظر في مفهوم الذمة الذي يُعبِّر عن تصنيف وليس تمييز، ولا يرتب اختلافاً يستدعي استمرار الالتزام به.

стр. 4386

وأكد ذلك راشد الغنوشي في حديثه عن ارتفاع المواطنة في الدولة الإسلامية عن كل الفوارق الجنسية والقومية واللغوية وسواها من الفوارق التي أقيمت بين البشر. وهذه المواطنة رتبت حقوقاً لكل من توطن هذه الدولة، وألزمتهم بواجبات كذلك. وقد أكد أن مبدأ مساواة المواطنين في الدولة الإسلامية ثابت فلا تختلف حقوق وواجبات المسلمين عن حقوق غير المسلمين إلا فيما يقتضيه اختلاف العقيدة. فحَمْل المسلمين على ما يخالف عقيدتهم أو الذميين كذلك هو طعن في مبدأ العدالة والمساواة، كأن يُحْمَل الذمي على ترك الخمر ولحم الخنزير، أو يُحْمَل المسلم على أكل لحم الخنزير وشرب الخمر. وعقد الذمة يختص به الإمام أو نائبه، وشروطه قسمان: مستحَق ومستحَب. أما المستحق، فهو أداء الجزية والخراج والضريبة التجارية والتزام أحكام القانون الإسلامي ومراعاة شعائر المسلمين ومشاعرهم وألا يعينوا أهل الحرب. وهي شروط ملزمة إذا نقضوها انتقض عهدهم.

стр. 4387

وأهم عناصر الذمة هي الجزية وهي من الكلمة الفارسية «جازيت» أي «الخراج الذي يُستخدَم في الحرب» . والجزية ضريبة أساسها نَصّ القرآن وإجماع المسلمين، ووجه إيجابها أن الإسلام أوجب الخدمة العسكرية على أبنائه، وجعلها عليهم فريضة دينية مقدَّسة، واعتبر أداءها عبادة، فكان من لطفه مع غير المسلمين ألا يلزمهم بما يعتبر عبادة في غير دينهم. والجزية على غير المسلم بدل مالي عن الخدمة العسكرية المفروضة على المسلمين، لذلك فهي لا تجب إلا على القادر على حمل السلاح من الرجال، ولا تجب على امرأة ولا صبي ولا شيخ ولا على ذي عاهة، ولا تُفرَض على راهب، كما تسقط عمن تجب عليه إذا لم تستطع الدولة أن تقوم بواجب حماية أهل الذمة من مواطنيها، وتسقط أيضاً باشتراك أهل الذمة مع المسلمين في القتال والدفاع عن دار الإسلام. وقد أُعفي من الجزية نصارى اليونان لغير الاشتراك في القتال (الإشراف على القناطر) ، كما فُرضت الجزية على مسلمي مصر كمسيحييها لما أعفوا من الخدمة العسكرية. ومن الممكن تأجيل تحصيل الجزية من المعسر. لكل هذا، يذهب بعض الكُتَّاب إلى أن الجزية لا يمكن تصنيفها كضريبة رأس كتلك التي كانت تفرضها الجيوش الفاتحة على الشعوب المغلوبة.

стр. 4388

ويؤكد الغنوشي أن الضريبة التجارية، فرضها عمر على أهل الذمة بنصف العشر من مال التجارة الذي ينتقل من بلد إلى بلد (بينما كان التاجر المسلم يؤدي ضريبة مقدارها ربع العشر) ، وهي ضريبة لم يرد فيها نص معصوم، إنما فُرضت باجتهاد مصلحي اقتضته السياسة الشرعية، وعلى هذا: لو تغيَّر الوضع فيما يتعلق بالنظر إلى الذمة وأصبح يُؤخَذ منه ضرائب على أمواله الظاهرة والباطنة ما يساوي الزكاة، لأمكن حينئذ أن يؤخذ من التاجر الذمِّي مثل ما يُؤخذ من المسلم ولا حرج. وقد أُعفيت أموال التجارة الداخلية من الضرائب، أما زرعهم وثمارهم التي يستغلونها من أرض الخراج فليس عليهم شيء فيها غير الخراج، وهي ضريبة كان يدفعها المسلمون أيضاً. ويذهب السنوسي والغنوشي إلى أن التزام الذميين بأحكام القانون الإسلامي، يَصدُر عن واقع أنهم يحملون جنسية الدولة الإسلامية ويلتزمون بقوانينها فيما لا يمس عقائدهم وحريتهم الدينية. وأما مراعاة شعور المسلمين فيقتضي ألا يسبوا «الإسلام ورسوله وكتابه جهرة» ، وألا يروجوا من العقائد والأفكار ما ينافي عقيدة الدولة ودينها، ما لم يكن ذلك جزءاً من عقيدتهم كالتثليث والصلب عند النصارى، وغير ذلك من مظاهر السلوك.

стр. 4389

بل إن المودودي يذهب لأبعد من ذلك فيرى أن لغير المسلمين في الدول الإسلامية من حرية الخطابة والكتابة والرأي والتفكير والاجتماع والاحتفال ما للمسلمين سواءً بسواء، وعليهم من القيود والالتزامات ما على المسلمين أنفسهم، فيجوز لهم انتقاد الدين الإسلامي مثل ما للمسلمين من حق في نقد مذاهبهم ونحلهم. ويجب على المسلمين أن يلتزموا حدود القانون في نقدهم وكذلك غير المسلمين. ولغير المسلمين كذلك الحرية الكاملة في مدح نحلهم. ولا يحق للحكومة الإسلامية أن تعترض على انتقال أحد من غير المسلمين من نحلة غير إسلامية إلى أخرى غير إسلامية. ولكن لا يمكن لمسلم أن يستبدل دينه في حدود الدولة الإسلامية، وإن ارتد مسلم فيقع وبال ارتداده على نفسه. ولن يُؤخذ غير المسلم الذي حمله على ذلك بذنبه.

стр. 4390

هذا فيما يتصل بالمستحق، أما المستحَب فيحوي شروطاً عديدة من بينها لبس الغيار (وهو الملابس ذات اللون المخالف للون ملابس المسلمين لتمييزهم عنهم) . كما كانت الشروط المستحبة لعقد الذمة تختلف باختلاف الزمان والمكان، وكان الإخلال بها لا يُعَد نقضاً لعهد الذمة. ويذهب الدكتور قاسم عبده قاسم إلى أن الشروط التي اصطُلح على تسميتها «المستحَق» استهدفت في أساسها حماية الإسلام والجماعة الإسلامية، كما أنها تتفق في مجموعها مع روح الشريعة الإسلامية، أما الشروط التي عُرفت باسم «المستحب» فواضح أنها اجتهادات من وضع الفقهاء في مرحلة متأخرة نتيجة اتصال الذميين ببعض الغزاة إبّان الحروب الصليبية، وقد كانت نوعاً من المغالاة في فرض القيود لا تستهدف الحماية كما قلنا، غير أنها غير معصومة، فلم تُفرَض على عهد النبي ﷺ . وتؤلف هذه الشروط بقسميها صورة «العهد العمري» أو «الشروط العمرية» المنسوبة إلى الخليفة عمربن الخطاب. وجدير بالذكر أن «عهد عمر» ظل مجهولاً بصورته التقليدية طوال القرنين الهجريين الأول والثاني، ولم يبدأ ظهوره بشكله النهائي إلا في أواخر القرن الثاني الهجري، الأمر الذي يحمل على الاعتقاد بصحة أصوله التي اهتمت بحماية المجتمع الإسلامي. وقد وضع الخليفة عمر بن الخطاب شروط العهد العمري بشكل متَّسق مع روح الشريعة الإسلامية. وقد ضمن الإسلام لأعضاء الأقليات غير الإسلامية حقوقاً عديدة من أهمها: ١ ـ حق العبادة: ضمن الإسلام لأهل الذمة حق العبادة ضماناً مطلقاً، فلا إكراه في الدين بنص القرآن، ولا يُجبَر أحد ولا يُضغَط عليه لترك دينه إلى غيره. «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن، إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين» (سورة النحل ١٢٥) .

стр. 4391

وذهب القرضاوي وغيره إلى أنه لا يحق للمسلم أن يُحاسب غير المسلم على معتقداته حتى ولو كان كافراً. وفضلاً عن إباحة زواج المسلم بكتابية فإن علي عبد الواحد وافي يرى أنه لا يجوز للزوج أن يمنع زوجته الكتابية من أداء عباداتها وشعائرها، بل إن بعض المذاهب ترى أنه ينبغي له أن يصحبها إلى حيث تؤدي هذه العبادات في كنيستها أو بيعتها إذا رغبت في ذلك. ويوضح الشيخ محمد الغزالي أن الإسلام لم يفرض على الكتابيين ترك أديانهم، بل طالبهم ـ ماداموا يؤثرون دينهم القديم ـ أن يدعوا الإسلام وشأنه، يعتنقه من يعتنقه دون تَهجُّم مر أو جدل يسيء. بل إن الإسلام كفل في الحرية الدينية لأهل الكتاب حرية إقامة الشعائر في أماكن عبادتهم، وحقهم في تجديد ما تَهدَّم منها، وبناء الجديد منها، ودق نواقيسهم إيذاناً بصلاتهم، بل لهم إخراج صلبانهم في يوم عيدهم. وبالنسبة لبناء الكنائس ودور العبادة، أورد الشيخ القرضاوي عهد عمر بتأمين الكنائس القائمة وقت الفتح الإسلامي، ثم أورد عهد خالد "لهم أن يضربوا نواقيسهم في أية ساعة شاءوا من ليل أو نهار إلا في أوقات الصلاة، وأن يُخرجوا الصلبان في أيام عيدهم". وذكر بشأن بناء الكنائس الجديدة أن من فقهاء المسلمين من يجيزها في الأمصار الإسلامية، وحتى في البلاد التي فتحها المسلمون عنوة، "إذا أذن لهم إمام المسلمين بناء على مصلحة رآها"، وذلك على مذهب الزيدية وابن قاسم. وأورد أمثلة من مصر، وما ذكره المقريزي "وجميع كنائس القاهرة المذكورة محدثة في الإسلام بلا خوف".

стр. 4392

٢ ـ قدر من الاستقلال الثقافي والديني: ويستند هذا الحق إلى أمر الله لرسوله ﵊ أن احكم بين الناس بالعدل «وإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم» (سورة المائدة ٤٢) ، أي أنه يمكن أن يُتركوا وشأنهم يطبقون قوانينهم في مجال حياتهم الخاصة. وقد كان ليهود بني قريظة بعض الحقوق في إدارة شئونهم الخاصة (أي أن العلاقة مع الدولة كانت فيدرالية إلى حدٍّ ما، إن صح التعبير) . وبالفعل، كان من حق الأقليات أن ينظموا أمورهم الداخلية بالكيفية التي تلائمهم، فكان لهم حق تعليم أبنائهم تعاليم دينهم، وأن تسود قوانين الأسرة الخاصة بهم وأحكامهم الخاصة، وكانت لهم محاكمهم الخاصة، أي أن الإسلام ضمن قدراً كبيراً من الإدارة الذاتية للأقليات. ٣ ـ حمايتهم ضد العدوان الخارجي والظلم الداخلي: يذكر شمس الدين الرملي الشافعي أن دفع الضرر عن أهل الذمة واجب كدفعه عن المسلمين: أ) العدوان الخارجي: من حقوق أهل الذمة حمايتهم من الاعتداء عليهم بحفظهم ومنع ما يؤذيهم وفك أسرهم ودفع من يقصدهم بأذى "ولو كانوا منفردين ببلد". وينقل عن ابن حزم في مراتب الإجماع "إن من كان في ذمتنا [من أهل الكتاب] وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه، وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع [أي بالخيل] والسلاح ونموت دون ذلك، صيانةً لمن هو في ذمة الله تعالى وذمة رسوله ﷺ فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة". ولقد أصر شيخ الإسلام ابن تيمية في تفاوضه مع قائد التتار على إطلاق من تم أسره من أهل الذمة مع إطلاق المسلمين حيث قال: "لا نرضى إلا بامتثال جميع الأساري من اليهود والنصارى، فهم أهل ذمتنا ولا ندع أسيراً لا من أهل الذمة ولا من أهل الملّة".

стр. 4393

ب) حمايتهم ضد الظلم الداخلي: من حقوق أهل الذمة أيضاً حمايتهم من الظلم الداخلي، ونُقل عن رسول الله ﷺ قوله "من ظلم معاهداً أو انتقصه حقاً، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس منه، فأنا حجيجه [أي خصيمه] يوم القيامة". وقوله ﷺ "من أذى ذمياً فأنا خصمه، ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة". وقوله ﷺ "من أذى ذمياً فقد آذاني، ومن آذاني فقد أذى الله". وفيما ذكره ابن عابدين أن "ظلم الذمي أشد من ظلم المسلم إثماً". ومن كتب الفقه نجد قول القرافي المالكي: "إن عقد الذمة يوجب لهم حقوقاً علينا، لأنهم في جوارنا، وفي خفارتنا (أي حمايتنا) ، وذمتنا وذمة الله تعالى وذمة رسول الله ﷺ ودين الإسلام، فمن اعتدى عليهم ولو بكلمة سوء أو غيبة فقد ضيَّع ذمة الله وذمة رسوله وذمة دين الإسلام". وحق الحماية المقرر لأهل الذمة يتضمن حماية دمائهم وأنفسهم وأبدانهم وحماية أموالهم وأعراضهم كما أسلفنا القول، فكلها مكفولة باتفاق المسلمين. ومن قتل ذمياً غير حربي قُتل، ومن سرقه قُطعت يده. وبلغ من رعاية الإسلام لحرمة أموالهم وممتلكاتهم أنه يحترم ما يعدونه ـ حسب دينهم ـ مالاً وإن لم يكن مالاً في نظر المسلمين (كالخمر والخنزير) . ومن حقوقهم تأمينهم عند العجز أو الشيخوخة أو الفقر، فالضمان الاجتماعي في الإسلام يشمل المسلمين وغير المسلمين.

стр. 4394

قال الإمام أبو يوسف صاحب كتاب الخراج: "وحدثني عمر بن نافع عن أبي بكر قال: مرَّ عمر ﵁ بباب قوم وعليه سائل يسأل، وكان شيخاً ضرير البصر فضرب عمر عضده، وقال: من أي أهل الكتاب أنت؟ فقال: يهودي. قال فما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: اسأل الجزية والحاجة والسن. فأخذ عمر بيده، وذهب به إلى منزله وأعطاه مما وجده، ثم أرسل به إلى خازن بيت المال وقال له: انظر هذا وضرباءه. فو الله ما أنصفناه، أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) ، والفقراء هم الفقراء المسلمون وهذا من المساكين من أهل الكتاب، ثم وضع عنه الجزية وعن ضربائه". قال أبو بكر: "أنا شهدت ذلك من عمر ورأيت ذلك الشيخ".

стр. 4395

وقد أباح الإسلام لأهل الذمة حرية العمل والكسب، ومزاولة ما يختارونه من مهن، ومباشرة ما يرتاحون إليه من نشاط اقتصادي، شأنهم في ذلك شأن المسلمين الذين يعيشون معهم. ولا يرى الإسلام أي حرج في أن يشتغل مسلم عند أهل الكتاب أو يشتغل أهل الكتاب عند مسلم، أما عن تولِّي غير المسلمين الوظائف العامة، فذكر لأهل الذمة «الحق في تولي وظائف الدولة كالمسلمين، إلا ما غلبت عليه الصبغة الدينية، كالإمامة ورئاسة الدولة، والقيادة في الجيش والقضاء بين المسلمين، والولاية على الصدقات لأن الإمامة والرئاسة العامة في الدين والدنيا وهي خلافة عن النبي ﷺ ، وقيادة الجيش ليست عملاً مدنياً صرفاً، بل هي من أعمال العبادة لكونها جهاداً، والقضاء حكم بالشريعة الإسلامية فلا يُطلَب من غير المسلم أن يحكم بما لا يؤمن به. وأشار في ذلك إلى ما صرح به الماوردي من جواز تقليد الذمي وزارة التنفيذ دون وزارة التفويض. ولذا كان اشتغال اليهود والنصارى في الوظائف الكبيرة والصغيرة أمراً شائعاً في بلاد الإسلام. ومع هذا يرى طارق البشري أنه في العصر الحديث، بعد أن أصبحت الدولة كياناً مركباً متداخلاً، وأصبح القرار السياسي نتيجة دراسة خبراء ومستشارين، فإن من الممكن لأهل الذمة أن يتقلدوا أية مناصب (إلا تلك المناصب ذات الصيغة الدينية، بطبيعة الحال) .

стр. 4396

وفيما يتصل بعقد الذمة في الدولة (الإسلامية) الحديثة فكما يرى العوا ليس له محل من الوجود إذ أن تلك الدولة لم تقم على حق الفتح، حتى يكون هناك عهد ذمة لأهل تلك البلاد، بل قامت على حق التحرر من الاستعمار، ذلك التحرر الذي شارك في صنعه كل من المسلمين والمسيحيين، ومن ثم أصبح الإطار القانوني الذي يحكم تلك العلاقة هو المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات. بل يمكن القول بأن قاعدة "لهم ما لنا وعليهم ما علينا" يُعاد استعمالها في أجلى صورها، ويبقى حق المسلمين فيها هو حق الأغلبية في كل بلاد الدنيا، ويظلل المجتمع بأسره فكرة النظام العام التي تسمح بتطبيق القوانين الإسلامية واحترام كل من الأغلبية والأقلية لها. إن موقف الإسلام من أهل الذمة لا يستند إلى حالة عاطفية أو عقلية وإنما إلى قاعدة قانونية فقهية وإلى الرؤية الإسلامية للكون. ولعل الواقعة التالية التي يذكرها ميخائيل شاروبيم في الكافي تبلور هذه الفكرة. فمن المعروف أن الوالي عباس الأول، الذي تولَّى الحكم قبل محمد سعيد، كان شديد النقمة على النصارى، وأخرج منهم كثيرين من خدمة الدولة، وأراد أن يدبر إخراجهم من وطنهم وإبعادهم إلى السودان، ولزمه لتنفيذ هذا الأمر أن يستصدر من الأزهر فتوى بجوازها، فطلب إلى الشيخ الباجوري، شيخ الجامع الأزهر وقتها، الرأي في جواز إبعادهم، فرفض الشيخ إنفاذ رغبة الوالي قائلاً: «إنه إن كان يعني الذميين الذين هم أهل البلاد وأصحابها، فالحمد لله لم يطرأ على ذمة الإسلام طارئ، ولم يستول عليها خلل، وهم في ذمته إلى اليوم الآخر» . إن القاعدة الفقهية الخاصة بأهل الذمة وحقوقهم المطلقة مسألة ثابتة لا تحتمل النقاش.

стр. 4397

ولكن، لا يستند الدين الإسلامي في موقفه من أهل الذمة إلى القاعدة القانونية والفقهية وحسب، وإنما هناك أيضاً التسامح كعنصر تكميلي، وهذا هو معنى «البر والقسطاس» ، فهي عبارة تؤكد أن الموقف الإسلامي من أعضاء الأقليات لا يستند إلى العدل الاجتماعي (المستند إلى هيكل القانون) وحسب، وإنما إلى الإحسان (المستند إلى التسامح الشخصي) أيضاً. وبمعنى آخر لابد من القسطاس أي العدل (البراني) والبر (الجواني) . ولذا يحض القرآن على البحث عن الرقعة المشتركة بين المسلمين وأهل الذمة. «ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم، وقولوا آمنا بالذي أُنزل إلينا وأُنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون» (سورة العنكبوت ٤٦) . ويشير الشيخ القرضاوي في علاقة المسلمين بغيرهم إلى ما لا يدخل في نطاق الحقوق التي تنظمها القوانين، وهو الروح التي تبدو من حسن المعاشرة ولطف المعاملة ورعاية الجوار وسعة المشاعر الإنسانية من البر والرحمة والإحسان، ومن إكرام الرسول ﷺ لأهل الكتاب، وزيارتهم وعيادة مرضاهم والتعامل معهم. وقد أجاز الفقهاء للمسلم أن يوصي أو يوقف شيئاً من ماله لغير المسلمين من أهل الذمة، وتكون هذه الوصية أو الوقف أمراً نافذاً. وبوسعنا أن ننتقل الآن من المعيارية الإسلامية إلى ممارسات المسلمين التاريخية، وأن نثير قضية مهمة وهي أن بعض التشريعات المنظمة للعلاقة مع الذميين كانت تحمل دلالة وظيفية وحسب. ولكن، بعد حين، نُسيت الوظيفة التي من أجلها تم التشريع وتحوَّل الحظر إلى رمز. فعلى سبيل المثال، كان الذميون يُمنَعون من ركوب الخيل، وإن ركب الذمي الخيل فعليه أن يدلَّي بقدميه من ناحية واحدة لاعتبار أمني، أي لتأكيد أن الذمي لا يحمل السلاح. ولكن هذا طال نسيانه ولم يبق من أمر طريقة الركوب الخاصة سوى جانبه الرمزي وحده.

стр. 4398

ويتبدَّى تحويل الوظيفة إلى رمز في قضية الغيار (الرداء) أيضاً. والواقع أن إلزام الذميين بلبس الغيار لم يُطبَّق في أيام الرسول، أما عند الفتح الإسلامي، فقد كان غيار السكان المحليين مختلفاً عن رداء العرب المسلمين حيث مُنع المحليون من ارتداء زيّ العرب كضرورة أمنية في عصور الفتح. وكان الهدف من الاختلاف في الزي تأكيد التمايز وليس التميز، بمعنى أن الزيّ شكل من أشكال التعبير، أو هو لغة خاصة يتحدث بها الإنسان ويعبِّر بها عن هويته. والواقع أن التلمود ينصح اليهود بألا يرتدوا ملابس مثل ملابس الفرس (العنصر السائد في الإمبراطورية الفارسية التي كان يعيش فيها اليهود) . وفي العصر الأموي، استبدل بالغيار الزنار. ولعل الهدف منه كان إدارياً بحيث يمكن التمييز بين الذميين والمسلمين بما تقتضيه ضرورة تسيير شئون الدولة، وكان الزنار يشبه في ذلك بطاقة تحقيق الشخصية، ولكن بعض الفقهاء نسوا وظيفة الغيار الإدارية أو الأمنية العملية وفرضوا عليه مدلولاً رمزياً بحيث أصبح الهدف منه الإذلال والتمييز. ولا يمكن حسم هذه القضية إلا بالتمييز بين المعيارية الإسلامية (المثالية) والممارسات الإسلامية الواقعية، وهو تمييز ليس ممكناً وحسب في إطار الإسلام وإنما حتمي وواجب لمن يؤمن بالإسلام ديناً يهديه سواء السبيل، ويتحرك في إطاره ويحتكم إلى منظومته القيمية والمعرفية. وما يهمنا من وجهة نظر هذه الموسوعة أن نشير إلى أن التشريعات الإسلامية الخاصة بأهل الذمة (ومنهم أعضاء الجماعة اليهودية) لم تخلق قابلية لدى الجماعات اليهودية للتحول إلى جماعات وظيفية. ويمكننا أن نضيف بعض العناصر الأخرى التي ساعدت على استقرار وضع الجماعات اليهودية كأهل ذمة داخل التشكيل الحضاري الإسلامي وساهمت في عدم فرض دور وظيفي فريد أو متميِّز.

стр. 4399

١ ـ لم يلعب اليهود دور «قاتل الرب» الذي يلعبونه في الرؤية المسيحية للكون ولذا فالرؤية الأخروية (الإسكاتولوجية، رؤية الخلاص النهائي الإسلامية) لم تفرض على اليهود دوراً مميَّزاً (كما هو الحال في المجتمعات المسيحية) . ٢ ـ لم ينظر إلى اليهود باعتبارهم الشعب الشاهد الذي يقف في ضعفه دليلاً على عظمة الكنيسة، وفي ذلته وهزيمته دليلاً على انتصارها. ٣ ـ لم ينظَر المجتمع الإسلامي إلى اليهودي من خلال مفهوم العودة الألفية التي ترى أن الخلاص لن يتحقق إلا بعودة اليهود إلى فلسطين وتنصيرهم. ٤ ـ لا توجد علاقة حب وكُره بين الإسلام واليهودية كما هو الحال بين المسيحية واليهودية. فالمسيحية تعتبر العهد القديم (كتاب اليهود المقدَّس) أحد كتبها المقدَّسة. كما أن الإسلام لا يرى نفسه تحقيقاً لليهودية أو نفياً لها (كما حدث في المسيحية) . فالإسلام يعترف بأنبياء اليهود وبالمسيح ﵇ وبكتب اليهود والمسيحيين المقدَّسة. ولكنها مع هذا لم تُتخذ كتباً مقدَّسة لأن الإسلام يرى أنها حُرِّفت. ويظهر الفرق بين موقف المسيحية والإسلام من اليهود في أن الإسلام يشير إلى «شريعة اليهود» أما المسيحية فتشير إلى «قانون اليهود» و «خرافة اليهود» بل «خيانة اليهود» . ٥ ـ ظهر الإسلام في منطقة هامشية بالنسبة لليهودية، على عكس المسيحية التي نشأت في فلسطين مركز اليهودية. وفي البداية استفاد اليهود من الحكم الروماني في قمع المسيحية (وفي صلب المسيح حسب الرؤية المسيحية) . ولكن حينما قويت شوكة المسيحية وتحولت الإمبراطورية إلى المسيحية قامت السلطة الرومانية بالقضاء على بقايا اليهودية في فلسطين. ٦ ـ لم يكن أعضاء الجماعات اليهودية يمثلون قوة سكانية ذات وزن في العالم الإسلامي. ٧ ـ حرَّم الإسلام الربا ولكنه نظر للتجارة باعتبارها نشاطاً إنسانياً كريماً، ولذا مارسها المسلمون (واليهود والنصارى) ولم يحدث تمايز اقتصادي كبير لأعضاء الأقليات.

стр. 4400

لكل هذه الأسباب لم يتحول كثير من أعضاء الجماعات اليهودية إلى جماعات وظيفية، وكان هرمهم الوظيفي والمهني لا يختلف في مجموعه عن الهرم الوظيفي والمهني السائد في المجتمع. هذا لا يعني أنه لم تتحول قطاعات منهم إلى جماعات وظيفية، فقد حدث هذا بلا شك ولكن بدون الشكل الحاد وبدون التبلور الذي أخذته هذه الظاهرة في المجتمعات الغربية. وقد اختلف الوضع تماماً مع نهاية القرن التاسع عشر ومع وقوع كثير من البلدان العربية في قبضة الاستعمار الغربي ووصول كثير من اليهود الإشكناز إذ تم تحويل الغالبية الساحقة لأعضاء الجماعات اليهودية في العالم الإسلامي إلى جماعات وظيفية تقوم على خدمة الاستعمار الغربي وترعى مصالحه ويقوم هو بحمايتها، ولذا حصل كثير من أعضاء الجماعات اليهودية من أبناء البلاد على جنسية إحدى البلاد الغربية. العالم الإسلامي منذ انتشار الإسلام حتى سقوط بغداد على يد المغول The Islamic World from the Spread of Islam to the Moghul Sack of Baghdad

стр. 4401

قبل تَناول الجوانب الإدارية والاقتصادية لوجود أعضاء الجماعة اليهودية في الدولة الإسلامية، قد يكون من المفيد أن نقول إن الحضارة الإسلامية، شأنها شأن معظم الحضارات الشرقية القديمة، تقبل التنوع وعدم التجانس بدرجة أعلى من الحضارة الغربية. فالإمبراطوريات الشرقية كانت تسود فيها إحدى الجماعات الإثنية، ولكنها لم تكن تستوعب الجماعات الأخرى، وإنما كانت تحدِّد حقوقها وحدودها وواجباتها وحسب. وكانت الجماعة السائدة تُعرِّف هويتها، في العادة، من المنظورين الإثني والديني. أما الجماعة السائدة في الدولة الإسلامية، فقد عرفت نفسها (من الناحية النظرية) على أساس ديني وحسب، وهو أمر يشكل انفتاحاً كبيراً ويحقق فرصاً أكبر للحراك الاجتماعي وللانتماء. ومن المهم أن نشير إلى أن الإسلام أكد وحدة الأديان (على الأقل من الناحية النظرية والمثالية) وجعل إبراهيم أباً للموحِّدين، أباً لكل الأديان. ورغم الاصطدام الذي حدث بين الرسول ﷺ واليهود، فإن اليهود لم يتحولوا (في الرؤية الإسلامية للكون) إلى الآخر أو القتلة، كما حدث في المسيحية حين ارتبط اليهود بحادثة الصلب التي يشار إليها بعبارة «قتل الرب» ، بل ظلوا أهل ذمة وأهل كتاب. بل يمكن القول بأن اليهود كانوا أحسن حظاً من المسيحيين إذ أن القوة المضادة للفتح الإسلامي كانت الدولة الفارسية (المجوسية) التي تم القضاء عليها بسرعة، ثم الدولة الرومانية الشرقية (المسيحية) التي استمرت الحرب معها سجالاً عدة قرون. ومعنى هذا أنه لم تكن هناك قوة يهودية دولية مضادة.

стр. 4402

ويمكن القول أيضاً بأن مقدرة اليهود على التكيف مع الفتح الإسلامي كانت أعلى بكثير من قدرة الجماعات الأخرى. فلم يكن اليهود أغلبية، ولذا كانت عندهم المهارات المختلفة اللازمة للتعايش باعتبارهم أقلية داخل مجتمع تحكمه أغلبية منتصرة. وقد تَمكَّن فقهاء اليهود من تطويع القانون التلمودي حتى يتسنى لليهود التعايش بسهولة ويسر كأقلية ليس لها مركز ديني، وطوروا مقولة إن قانون الدولة هو القانون أو الشريعة، أي أن الأمور الدنيوية لا يحكمها القانون التلمودي وإنما قانون الدولة نفسها. ولم يكن اليهود (ولا المسيحيون) عنصراً وافداً جديداً على المجتمع العربي الإسلامي، فجذورهم فيه قديمة حيث يعود تاريخ الجماعة اليهودية في بابل إلى أيام التهجير البابلي، كما انتقل مركز اليهود إلى بابل قبل الفتح الإسلامي بقرون. وفي نهاية الأمر، لم يكن اليهود الأقلية الوحيدة في العالم الإسلامي مثلما كانوا في أوربا المسيحية، وقد عرف الشرق الأدنى القديم عشرات الأقليات الدينية والإثنية التي كان على الإمبراطوريات القديمة تنظيم التعامل معها. وقد استمر الإسلام في تقاليد التسامح وتَقبُّل التنوع، ولم يجد اليهود أنفسهم يلعبون دور الغريب أو الآخر الذي تحيط به هالات ميتافيزيقية.

стр. 4403

ومما يجدر ذكره أن اليهود، عند الفتح الإسلامي، لم يكونوا عنصراً واحداً متجانساً فقد كان هناك يهود الرومانيوت الذين يتحدثون اليونانية (في الإسكندرية وفي أجزاء أخرى من الدولة الرومانية الشرقية) ، كما كان يوجد يهود يتحدثون الآرامية في الإمبراطورية الفارسية وفلسطين، وانضمت إليهم قبائل اليهود المستعربة التي طُردت من الجزيرة العربية ووُطنت خارجها. ومما له دلالته أن هذه القبائل لم تطلب توطينها في فلسطين أو في القدس. ومن المفارقات أن هذه المجموعة المستعربة كانت بمنزلة النواة العربية القوية التي ساعدت بقية الجماعات اليهودية على استيعاب اللغة والحضارة العربية. وعلى المستوى الديني، كانت اليهودية الحاخامية التلمودية قد فرضت سيطرتها، وكانت المدرسة البابلية بالذات صاحبة السلطة والشرعية. ولكن هذا لم يمنع وجود بعض الفرق اليهودية المختلفة، فيهود الجزيرة العربية كانوا لا يعرفون التلمود، ويبدو أنه كانت تُوجد بقايا للصدوقيين أو لفكرهم. كما كان هناك أيضاً اليهود السامريون (وقد شكل كل هؤلاء نواة حركة القرّائين فيما بعد) . وكانت أغلبية يهود العالم يوجدون في المناطق التي فتحها المسلمون، ويشكلون نحو ١% من السكان في هذه المناطق، كما أن نسبتهم كانت أكبر في المدن.

стр. 4404

ومع هذا، فمن الضروري إضافة أن التسامح والعدل كانا يسمان فترات الاستقرار والانتصار، كما كانت تتسم بهما سياسة الحكومات في وسط العالم الإسلامي. أما في فترات التراجع، حيث كان يخشى فيها المسلمون من الغزو الخارجي، وفي الأطراف (المغرب، إيران ... إلخ) حيث كانت مهددة دائماً بالغزو؛ أي في الأمكنة والأزمنة التي تهتز فيها ثقة الأمة بنفسها وبمقدرتها، فإن التسامح لم يكن صفة ملازمة لسلوك الدولة، كما لم يكن العدل ديدنها بالضرورة، فكانت تَصدُر تشريعات خاصة للتمييز ضد الذميين في الزي وخلافه مما يتطلبه أمن الدولة. ولكن من المعروف أيضاً أن مثل هذه التشريعات صدرت في بعض الأحيان التي ازداد فيها التمازج والاندماج بين المسلمين والذميين، فكان الفقهاء الذين يخشون على الهوية الإسلامية أو على السلطة الإسلامية يطلبون استرجاع مثل هذه التشريعات، وكانت الدولة تؤيدهم في ذلك لأنه يسهّل عملية تسيير دفة الحكم، ولأسباب أخرى. ويمكن القول بأن وضع اليهود السياسي والقانوني كان يشبه، من بعض الوجوه، وضعهم في الإمبراطوريات القديمة، وخصوصاً الإمبراطورية الفارسية الساسانية، في فترات ازدهارها. وقد استمرت المؤسسات الدينية والإدارية التي ظهرت إبّان عصر الإمبراطورية الساسانية حيث كان يتولى قيادة الجماعة رئيس يُسمَّى رأس الجالوت «المنفى» يختاره أعضاء الجماعة اليهودية بأنفسهم؛ له السلطة الكاملة على أبناء جماعته ويقوم بتنظيم العلاقات فيما بين أبناء الجماعة من ناحية وبينهم وبين الدولة من ناحية أخرى. وقد اعترف المسلمون بمنصب رأس الجالوت.

стр. 4405

ومن الميزات الأساسية للجماعات اليهودية داخل المجتمعات الإسلامية في تلك الفترة عدم وجود تفرقة اقتصادية أو تمايز وظيفي مهم، بل كان اليهود يشاركون في معظم مجالات الحياة وفي كل المهن والحرف تقريباً. وكانت ملكية الأراضي مفتوحة أمامهم، كما أنهم تملكوا العقارات في كل أنحاء البلاد وتناقلوها عن طريق الوراثة أو عمليات البيع والشراء فيما بينهم وبين المسلمين دون أية مضايقات. وكان لهم مطلق الحرية في العمل التجاري بلا حدود. وكانت نقابات الحرفيين والمهنيين مفتوحة للجميع بغض النظر عن أي دين أو مذهب أو أصل. وقد شغل اليهود أعلى الوظائف الحكومية شريطة أن تكون الوظيفة ذات طابع تنفيذي ولا تعطي صاحبها سلطات تشريعية أو سياسية، ذلك أن الدولة الإسلامية كانت ترى أن مثل هذه الوظائف لابد أن يشغلها مسلم لاعتبارات أمنية.

стр. 4406

ولكن، ورغم عدم وجود تمايز وظيفي، كان يجري استبعاد أعضاء الجماعات اليهودية في العالم العربي الإسلامي من بعض الوظائف الإستراتيجية بحكم انتمائهم إلى أقلية، فكان معظم الذميين يعملون في الدرجات الدنيا والوسطى، ولم يصل إلى الدرجات أو المراتب العليا إلا نسبة صغيرة، إذ كانت هذه الوظائف مقصورة على المسلمين أو على من اعتنق الإسلام من الذميين. وقد تَركَّز اليهود أيضاً في الوظائف والمهن التي تتطلب التعامل مع غير المسلمين مثل التجارة الدولية والجاسوسية والدبلوماسية والترجمة. كما أن المجتمعات التقليدية، رغبةً منها في تسهيل عملية الإدارة ونقل الخبرة، كانت تركز بعض الوظائف والمهن في أسر وأقليات معيَّنة، بحيث تصبح هذه الأسر أو الأقليات جماعات وظيفية. ويُلاحَظ تركز اليهود في التجارة والمال والحرف مثل: الصباغة والدباغة ونسج الحرير، وفي بعض الحرف الوضيعة مثل: جمع القمامة وتنظيف البالوعات وتجفيف مخلفات المجاري لاستعمالها كوقود. كما كانوا يعملون أيضاً جزارين ومنفذين لأحكام الإعدام. وكانوا يعملون في بعض الحرف المتميِّزة، مثل: الطب والترجمة والكتابة. وتبين وثائق جنيزة القاهرة التي تعود إلى القرن الحادي عشر الميلادي أن اليهود كانوا يعملون في أربعمائة وخمسين مهنة وحرفة، منها مائتان وخمسون حرفة يدوية لم تكن بالضرورة وضيعة.

стр. 4407

وعند الفتح الإسلامي، كان أعضاء الجماعات اليهودية يشتغلون بالزراعة وتربية الماشية، وكانت أكثريتهم تمتهن الحرف اليدوية. ولكن، مع نهاية العصر الأموي وبداية العصر العباسي، تغيَّر الوضع تماماً نظراً لما يسميه بعض المؤرخين "الثورة التجارية في القرنين الثامن والتاسع الميلاديين". وتعود هذه الثورة التجارية إلى أن الفتح الإسلامي قد وحَّد منطقة الشرق بعد أن تقاسمتها عدة إمبراطوريات ودويلات لمدة طويلة. وقد تم الاستيلاء على ثروات كبيرة كانت محبوسة في الكنائس والأديرة وقصور الملوك على هيئة تماثيل ذهبية ومعدنية تحوَّلت كلها إلى رأسمال كان من السهل انتقاله. وقد واكب ذلك ظهور عمالة رخيصة بسبب توحيد السوق، وسقوط الإطار الطبقي الهرمي القديم الذي كانت تعضده الديانة المجوسية والكنيسة الأرثوذكسية الرومانية، والهجرة من القرية إلى المدينة. وساهمت حركة البناء الضخمة التي أعقبت الفتح الإسلامي في تنشيط الحركة التجارية، وساهمت الطرق التي شُقَّت في تسهيل انتقال رأس المال والعمالة والخبرات والسلع.

стр. 4408

والواقع أن كل هذه العناصر ما كانت لتسبب ثورة تجارية لو لم تكن النخبة العربية الحاكمة ذات أصول تجارية من قريش واضطلعت بالتجارة الدولية من قبل (رحلة الشتاء والصيف) ، ولم تكن هذه النخبة تنظر إلى العمل التجاري أو المالي باعتباره عملاً وضيعاً. وقد غيَّرت الثورة التجارية وضع اليهود تماماً فعملوا بالتجارة المحلية والدولية والصيرفة والربا. ومع حلول القرن العاشر الميلادي، كانت المؤسسات المصرفية اليهودية تقوم بإقراض الدولة سواء في بغداد أو القاهرة. ومن أشهر التجار الدوليين في ذلك الوقت (القرنين السابع والتاسع الميلاديين) التجار الراذانية. وقد أدَّى كل ذلك إلى ظهور طبقة يهودية وسيطة (كبيرة وذات نفوذ) تشكل جزءاً أساسياً من المجتمع لا تضطلع بوظيفة اقتصادية محددة مقصورة عليها كما كان الحال في أوربا، وإنما تقوم بنشاط اقتصادي مشروع ومقبول من المجتمع ككل باعتباره نشاطاً مهماً وجوهرياً ورفيعاً. ولذا، لم يتعرض اليهود لمثل تلك المذابح أو الهجمات التي كانت تُدبَّر ضدهم في أوربا إما بإيعاز من النبلاء الذين كانوا يرون فيهم أداة الملك أو من تجار المدن الذين كانوا يرون فيهم منافسين لهم، بل قامت شركات تجارية بين المسلمين والذميين. والواقع أن الطبقة التجارية المحلية في العالم الإسلامي كانت قوية لا تخشى التجار الذميين بل تراهم مكملين لها. كما لم يكن اليهود عرضة للاستياء الشعبي بسبب ممارستهم الربا، فهذه وظيفة كان يضطلع بها أيضاً المسيحيون من جميع الجنسيات، بل بعض المسلمين. أي أن اليهود عاشوا في صلب المجتمع الإسلامي، لا في مسامه كما كان الحال مع بعض الجماعات اليهودية في أوربا في مرحلة تاريخية معيَّنة.

стр. 4409

ويبدو أن المكانة الخاصة التي يشغلها التجار في الحضارة الإسلامية انعكست على الجماعات اليهودية، فكانت النخبة التجارية تشكل العمود الفقري للنخبة الدينية اليهودية وتتحكم فيها. وكثيراً ما كان يُجنَّد رؤساء الحلقات التلمودية في العراق من بين صفوف التجار حتى قبل الفتح الإسلامي. وقد ظهرت طبقة ثرية قائدة بين اليهود تشكل القيادة الحقيقية للجماعة (وهو وضع يشبه وضع اليهود في الولايات المتحدة حالياً) . ولعبت هذه الطبقة من التجار والمموِّلين دوراً أساسياً في حياة الجماعة، فقد كانوا جهابذة وصيارفة بلاط أو صيارفة حكومة أو مموِّلين كباراً يتحكمون في تعيين رأس الجالوت. وبسبب نفوذهم، تمكَّن سعيد بن يوسف الفيومي (سعديا جاؤون) (٨٨٢ ـ ٩٤١) من أن يبقى رئيساً لحلقة سورا لمدة عامين حتى بعد أن طرده رأس الجالوت. كما كان اليهود الراذانية مسيطرين على حلقة بومبديثا التلمودية. ويُلاحَظ أن طبقة التجار كانت تتحد دائماً مع الفقهاء ضد رأس الجالوت الذي كان يُقال إنه من نسل داود. وهذا التحالف يمثل النخبة التي تستند إلى المال والمقدرة الفكرية مقابل النخبة التي تستند إلى الميراث. وهذا يشبه من بعض الوجوه صعود الموالي في المجتمع الإسلامي مستندين إلى المال والمقدرة الفكرية، مقابل الأرستقراطية العربية التي تعتمد على الحسب والنسب.

стр. 4410

ويمكن القول بأن الحلقات كانت في واقع الأمر شبكات تجارية أيضاً، فكانت المراسلات الدينية والتجارية ورأس المال والفتاوى تتنقل من خلال القنوات نفسها. وكثيراً ما كان رئيس الجماعة اليهودية (المقدَّم) يضطلع في منطقة ما بوظيفة الحاخام والوكيل التجاري لعديد من الشركات. وحتى بعد انفصال مصر ودول أخرى عن الدولة العباسية وظهور وظيفة النجيد أو رئيس اليهود، ظلت الشبكة التجارية الدينية دون تَغيُّر كبير. ويُلاحَظ أن هذه الشبكة لم تكن مقصورة على التجار والمموِّلين وحسب، وإنما استفادت من وجود آلاف الحرفيين والمهنيين اليهود كما استفادوا هم أيضاً منها. وهذا لا يعني أن الجماعة اليهودية كانت تمثل دولة داخل دولة أو أنها تمتعت بالاستقلال الاقتصادي أو كوَّنت بورجوازية يهودية مستقلة أو ما شابه من ادعاءات، فلقد كان اليهود جماعة صغيرة مدمجة تماماً في المجتمع. وتشكل أواصر القرابة والتضامن الديني في المجتمعات التقليدية عناصر أساسية تضمن الحد الأدنى من الثقة الذي ييسر عمليات الائتمان والتجارة. ولذا، كان التجار اليهود يستعينون بالمموِّلين والحرفيين اليهود، تماماً مثلما كان التجار المسيحيون يستعينون بالمموِّلين والحرفيين المسيحيين. وكان الجميع ينتمون إلى الإطار الحضاري الإسلامي الأكبر.

стр. 4411

وقد أدَّى وجود الجماعات اليهودية داخل الإطار الحضاري الإسلامي الموحَّد إلى سهولة حركة اليهود برؤوس أموالهم وأفكارهم وإلى تمازجهم، فاندمجت الجماعة اليهودية إلى حد كبير في المجتمع العربي الإسلامي. وتتضح درجة الاندماج الاجتماعي والاقتصادي العالية في أن تركيب اليهود الطبقي لم يكن يختلف عن تركيب المجتمع ككل. ويظهر الاندماج الثقافي في أن لغة أعضاء الجماعة اليهودية، سواء في الحديث اليومي أو في أدبياتهم الدينية أو الدنيوية، هي العربية. وحينما قام سعيد الفيومي بترجمة التوراة في القرن العاشر الميلادي، أشار إلى الآرامية باعتبارها لغة الآباء. بل تأثرت نظرتهم إلى العبرية نفسها بمعرفتهم بالعربية، وهو ما أدَّى إلى بعثها وتجديدها، فاهتموا بمفرداتها ونحوها وصرفها ووضعوا لها المعاجم. وقد تأثر الأدب العبري، وخصوصاً الشعر، بالأدب العربي، فأخذوا الأوزان والقافية من الشعر العربي. كما تأثر التراث الديني اليهودي بالتراث الديني الإسلامي إلى درجة أعمق من تأثره بالهيلينية، فظهر أساطين الفكر العربي الإسلامي اليهودي مثل سعيد بن يوسف الفيومي وطائفة القرّائين (منتصف القرن الثامن) ، وجمعت الهلاخاه (الشريعة) وصُنِّفت على طريقة المصنفات الفقهية الإسلامية، وأصدر علماء اليهود الفتاوى على نمط الفتاوى الإسلامية. وقد يكون من المفيد أن نميِّز بين اصطلاحي «مسلم» و «إسلامي» ، فالمسلم هو من يؤمن بالعقيدة الإسلامية، أما كلمة «إسلامي» فتشير إلى الخطاب الحضاري الإسلامي الذي يشارك فيه جميع أعضاء الأمة (بالمعنى الحضاري والسياسي) من مسلمين ويهود ومسيحيين.

стр. 4412

ولا يمكن فَهْم التراث الديني اليهودي في هذه المرحلة إلا بالعودة إلى التراث الإسلامي؛ الفلسفي والديني. ويمكن القول بأن تَفاعُل أعضاء الجماعة اليهودية مع الحضارة الإسلامية أمر لا نظير له في أية حضارة أخرى. وتجب ملاحظة أن بروز اليهود في الحضارة الغربية الحديثة، وتفاعلهم معها، لم يتم إلا بعد أن تمت علمنتهم وتخلوا عن أية هوية دينية يهودية، على عكس النجاح الذي حققوه في إطار الحضارة العربية الإسلامية إذ حققوه باعتبارهم يهوداً ذوي هوية دينية مستقلة. ولكن ما تجدر الإشارة إليه أن يهود العالم الإسلامي لم تظهر منهم شخصيات فكرية يهودية ذات ثقل كبير، على عكس يهود الأندلس الذين ظهر منهم موسى بن ميمون (١١٣٥ـ ١٢٠٤) ويهودا اللاوي (١٠٨٠ ـ ١١٤٠) وغيرهما من مفكرين وشعراء. ولعل هذا يرجع إلى أن العراق كانت توجد بها تلك الحلقات التلمودية التي كانت تدور داخل إطار تقليدي لا يزال فيها التفكير الديني لليهودي ضيقاً محدوداً برغم تأثرهم بالتراث الديني الإسلامي. ويُلاحَظ أن الفكر القرّائي الذي عبَّر عن هذا التأثر جرت محاصرته ورفضه من قبَل أعضاء الجماعات اليهودية. وهذا على عكس ما بدا من يهود الأندلس الذين لم يؤسسوا مدارسهم الدينية إلا بعد أن تم تعريبهم وبعد أن أخذت نخبتهم تتشرب الحضارة العربية الإسلامية. وبالتالي، كانت التقاليد الفكرية داخل هذه الحلقات تسمح لهم بالانفتاح الكامل على الحضارة العربية الإسلامية، حيث أمكنهم الإبداع من داخلها فأنتجوا أهم كلاسيكياتهم الفكرية والأدبية التي ظلت تحتل مكان الصدارة حتى العصر الحديث.

стр. 4413

وقد تدهور وضع اليهود بتدهور وضعهم في العالم الإسلامي ككل، وهو تدهور نجم عن انقسام العالم الإسلامي (في العصر العباسي الثاني وبعده) إلى دويلات وإمارات مختلفة، الأمر الذي أدَّى إلى انقسام اليهود أنفسهم. وقد تدهور حال الطبقة الوسطى في العالم الإسلامي ككل بعد أن توقفت الثورة التجارية وتآكلت نتيجة ظهور الجمهوريات البحرية الإيطالية التي أخذت تتحكم في التجارة الدولية. وقد نجم عن ذلك أن المصدر الأساسي للعوائد في الدولة أصبح متمثلاً في الضرائب والمكوس، وهو ما جعل الجزية أمراً مهماً للغاية تسعى الدولة إلى تحصيلها بشتى السبل. وقد ازداد التراجع الإسلامي بعد الهجوم المسيحي المتمثل في حروب الفرنجة ثم الهجوم على الأندلس وصقلية، وهو هجوم صاحبه تنكيل بالجماعات الإسلامية التي وقعت تحت حكم المسيحيين. ثم كان هناك الغزو المغولي عام ١٢٥٨ الذي أدَّى إلى الكارثة التي حاقت بالعالم الإسلامي وأجهضت كثيراً من إمكاناته. وقد تحسنت أحوال اليهود والمسيحيين تحت حكم المغول الذين كانوا وثنيين يضمون عناصر مسيحية وتعاونوا مع الذميين كعادة الغزاة. لكن استمرار تدهور العالم الإسلامي وتدهور الجماعات اليهودية فيه امتد حتى الفتح العثماني. ويُلاحَظ أنه، في القرن الثالث عشر الميلادي، كانت أغلبية اليهود، ولأول مرة في التاريخ، تعيش في أوربا (وضمن ذلك إسبانيا) وليس في الشرق الأدنى.

стр. 4414

الباب الثانى: إسبانيا الإسلامية (الأندلس) إسبانيا الإسلامية (الأندلس) Moslem Spain (Al Andalus) .... حينما وصل طارق بن زياد إلى إسبانيا الكاثوليكية عام ٧١١، كانت حالة أعضاء الجماعة اليهودية فيها متردية، بل يُقال إن معظمهم تحولوا إلى يهود متخفين. ويبدو أنهم، مع وصول أنباء الفتح العربي، بدأوا يتحسسون إمكانية تغيير أوضاعهم. ولذا عاونوا الفاتحين المسلمين، كما عاونهم بعض المسيحيين. فقاموا، على سبيل المثال، بثورة في طليطلة ضد القوط واستولوا على حصن المدينة وفتحوا أبوابها للفاتحين. وحاول المسلمون الاستفادة من الجماعة اليهودية، فكانوا بعد فتح أية مدينة يوطنون اليهود فيها لحراستها حتى يتفرغ المسلمون للفتح. وقد كان هذا أمراً مهماً ولا شك للفتح العربي نظراً لقلة جنود المسلمين. ويُقال إن عملية توطين اليهود تمت في مدن مهمة، مثل: قرطبة وغرناطة وطليطلة وأشبيلية. وقد ثار السكان المسيحيون في أشبيلية بعد فتحها وفتكوا بأعضاء الجماعة اليهودية، ولكن المسلمين استعادوها بعد ذلك (وقد لعب أعضاء الجماعة اليهودية الدور نفسه بعد أن استعاد المسيحيون إسبانيا، فكان المسيحيون يوطنونهم في المدن المفتوحة أو يتركون أعضاء الجماعة اليهودية ويطردون المسلمين) . وقد استفاد أعضاء الجماعة اليهودية من الفتح الإسلامي إذ استولوا على بعض بيوت النبلاء المسيحيين الذين فرُّوا وتركوا ثرواتهم، وكانت مثل هذه الثروات تُعدُّ مصدراً أساسياً لرأس المال. بل يُقال إن الثورة التجارية التي حدثت في العالم الإسلامي كانت تعتمد إلى حدٍّ ما على تحرير هذه الثروات المجمدة داخل القصور والأديرة. ومع هذا، يجب عدم المبالغة في الدور الذي لعبه أعضاء الجماعة اليهودية، فقد كانوا أقلية صغيرة جداً لا يُعتَد بها، كما أن الجماعة اليهودية كانت لا تعرف شيئاً عن فنون الحرب بالإضافة إلى أن مستواها الثقافي والحضاري كان متدنياً إلى أقصى درجة. ولعل أهم دور لهم هو ما لعبوه بوصفهم كثافة سكانية مهما تكن ضآلتها النسبية، وبوصفهم مصدراً للمعلومات.

стр. 4415

وقد استقلت إسبانيا الإسلامية عن الخلافة العباسية بوصول عبد الرحمن الداخل الذي أسس فيها حكم الأسرة الأموية (٧٥٧ ـ ٧٨٧) وخلفه ابنه هشام الأول (٧٨٨ ـ ٧٩٥) الذي بدأت في عصره عملية الاندماج الحضاري والاجتماعي لليهود ـ فبدأوا يدرسون في مدارس الدولة. غير أنه نشب تَمرُّد بين اليهود في عصر الحكم الأول (٧٩٦ ـ ٨٢٢) في مقاطعة الأندلس عام ٨١٨ وحدث تمرد آخر في طليطلة عام ٨٢٨ بالاشتراك مع المسيحيين المستعربين، وقد قُضيَ على هذه التمردات. وشهد القرنان العاشر والحادي عشر الميلاديان تَشرُّب اليهود الحضارة العربية الإسلامية، وتَحسُّن أحوالهم المعنوية والروحية والمادية، وتعريب أسمائهم ولغتهم ورؤيتهم، وَتأثُّر آدابهم الدنيوية والدينية بالتراث العربي الإسلامي. وقد وصل اليهود في الفترة نفسها إلى مكانة عالية رفيعة، فعملوا في الوظائف الإدارية والمالية حيث كان يعمل بعضهم في وظيفة يهود البلاط، واشتغلوا بالتجارة المحلية والدولية التي كانت تصل حتى حدود الصين أو كانت تدخل إلى أوربا، واحتكروا بعض أنواع التجارة مثل تجارة العبيد (ومنهم العبيد والجواري البيض) الذين كانوا يحضرونهن من بلاد الصقالبة، واشتغلوا بالحرف مثل الصباغة كما اشتغلوا بالزراعة. وقد برز اليهود في وظائف محددة مثل التجارة الدولية والترجمة بسبب وضعهم وثقافتهم، فقد كانوا يجيدون العربية والعبرية وبعض اللغات الأوربية، الأمر الذي حوَّلهم إلى حلقة وصل وجماعة وظيفية وسيطة بين العالمين الإسلامي والمسيحي، وخصوصاً أنهم كانوا ينتقلون بسهولة ويسر بين إسبانيا المسلمة وإسبانيا المسيحية، فكان اليهودي ينشأ في إسبانيا المسيحية مثلاً ثم ينتقل إلى إسبانيا المسلمة أو العكس.
следующие страницы →