Полный текст (8 511 стр.). Показаны 4551–4590 · переход к 4556.
стр. 4551
يتميَّز المجتمع الإقطاعي الغربي بالفصل بين الطبقات والفئات والجماعات. وكانت كل طبقة أو فئة تضطلع بوظيفة محددة تحاول قدر استطاعتها احتكارها والإبقاء على أسرار المهنة بعدم إتاحة الفرصة للآخرين للحصول على المعلومات. ومن هنا، كان الجيتو اليهودي وغير اليهودي يؤدي وظيفة أساسية إذ كان يتيح الفرصة لأصحاب المهنة أو الفئة الواحدة أن يمارسوا حياتهم ومهنتهم بعيداً عن أعين الآخرين الذين قد يطلعون على هذه الأسرار. وكان هذا قانون العلاقات الاجتماعية الذي ينطبق على اليهود انطباقه على غيرهم. ولم يكن الاحتكار واستبعاد الآخرين مؤامرة مُوجَّهة من اليهود ضد الأغيار، وإنما كان ذلك يمثل ظاهرة اجتماعية عامة وخصوصاً أن الجماعة اليهودية، باعتبارها جماعة وظيفية، كانت تمثل هذه الظاهرة بشكل أكثر حدة. فالجماعة الوظيفية يستند وجودها بأسره إلى وظيفتها وإلى أسرار المهنة، فإن عُرفت هذه الأسرار خارج نطاقها انتفى أساس وجودها نفسه. ولذا، كان بعض اليهود يستبعدون الأغيار، كما كان البعض منهم يحتكرون الوظائف الاقتصادية والمالية ويحاولون بطبيعة الحال الحفاظ على هذا الاحتكار لأن في نهايته نهايتهم.
وكان مفهوم الاحتكار والاستبعاد مفهوماً أساسياً في تفكير الجماعات اليهودية منذ منتصف القرن الحادي عشر الميلادي. وقد علق راشي على عبارة «تاجرة الشعوب» (حزقيال ٢٧/٣) ، وفسرها بأنها إشارة إلى قانون الاحتكار الذي كان يُمنَع بمقتضاه التجار الغرباء من الاتجار في المدينة التي يقيمون فيها بصفة مؤقتة كوافدين غرباء إذ كان يطبق عليهم قانون حظر الاستيطان (حيريم هايشوف) .
стр. 4552
ولم يكن الحظر مقصوراً على السكنى وحسب، أو المنافسة الاقتصادية، بل كان يمتد ليشمل الإحسان. وقد ورد في التلمود أن «فقراء مدينتك أولى من فقراء المدن الأخرى برغم أن كليهما يهود» . وبلغ هذا الاتجاه مداه بين يهود بولندا إذ طوروا نظاماً مركباً للتحكم في حق السكنى وفي العمل بالمهن وفي الزواج والاقتراض بل أحياناً السفر وفي كل جوانب الحياة الأخرى.
وكانت الجماعة اليهودية تمنح حق الاستيطان لليهود الذين يدفعون رسوم الدخول وتنكر هذا الحق على الآخرين. وكانت الجماعة أحياناً تطرد بعض اليهود أو تُنقص حقوقهم أو حريتهم في العمل، وكثيراً ما كان أعضاء الجماعة، إما بمفردهم أو بالاشتراك مع جماعات غير يهودية، يقدمون التماسات للدولة أو للمدينة للحد من نشاط الأجانب اليهود أو غير اليهود.
وكان استبعاد غير اليهود أكثر حدة، فكان من المحظور على الوسطاء والوكلاء اليهود أن يقوموا بتعريف رجل أعمال غير يهودي بآخر غير يهودي أو أن يدلوا مستهلكاً غير يهودي على محل غير يهودي. وقد أصدر القهال تحذيرات عديدة فيما يخص إفشاء أسرار مهنة التجارة لغير اليهود، أو لليهود من أعضاء الجماعات الأخرى. وكان محظوراً على اليهود الذين يُحضرون جلوداً أو فراءً أن يبيعوها إلا لليهود، وقد اعترض كثير من المسيحيين على هذه القواعد التي كانت تستبعدهم.
وحينما ظهرت الحركة القومية البولندية بدفاعها عن مصالح البورجوازية البولندية، طالبت الجماهير البولندية بمقاطعة رجال الأعمال اليهود، وهو استمرار لميراث العصور الوسطى في بولندا.
الوسيط (شتدلان)
(Intermediary (Stadlan
стр. 4553
كلمة «شتدلان» كلمة مشتقة من فعل آرامي معناه «يبذل جهداً» أو «يتوسط» . والمصطلح يشير إلى اليهودي (من قيادات الجماعات اليهودية) الذي كان يقوم بدور الوسيط بين السلطة الحاكمة وأعضاء الجماعة. والآن، يُشار أحياناً إلى الصهيونية باعتبارها حركة تقوم بدور الوسيط بين الجماعات اليهودية والقوى الاستعمارية.
الرئيس (برناس)
Parnas
«برناس» اشتقاق من الكلمة العبرية «برنيس» أي «يدعم» . والرئيس (برناس) أهم موظف إداري لا يتقاضى أجراً في الجماعة اليهودية. وكان يترأسها أحياناً على المستويين الديني والدنيوي. ولكن ابتداءً من القرن السادس عشر، أصبح البرناس رئيساً إدارياً يعمل مع مجلس البرناسيم (وهي صيغة الجمع في العبرية لكلمة «برناس» ) . ويذهب بعض العلماء إلى أن كلمة «برناس» لا تشير إلى الرئيس وإنما إلى مجلس الأمناء بأكمله.
قوانين الترف
Sumptuary Laws
«قوانين الترف» مجموعة من القوانين أو القواعد التكميلية (بالعبرية: «تاقانوت» ) التي أصدرها الحاخامات لتحد من إظهار أعضاء الجماعات اليهودية الوظيفية لمظاهر الترف والثراء. وقد صدرت قوانين الترف للأسباب التالية:
١ ـ تحوَّلت الجماعات اليهودية في معظم أنحاء أوربا إلى جماعات وظيفية، ومثل هذه الجماعات لابد أن تتسم بقدر عال من الانضباط الداخلي والخارجي والترابط الكامل حتى يمكنها أداء وظيفتها بكفاءة وحتى يمكن حوسلتها. ولإنجاز هذا، كان من الضروري القضاء على كل النزعات الفردية وتقليل حدَّة التنافس، وخصوصاً أن أعضاء الجماعات اليهودية يعيشون داخل الجيتو في مساحة صغيرة الأمر الذي يجعل التنافس باهظ التكاليف من الناحية الاجتماعية والنفسية.
٢ ـ كان أعضاء الجماعات اليهودية الوظيفية ينجحون في مراكمة الثروة، وكان هذا يجعلهم محط حقد أعضاء الأغلبية، ولذا فإن مظاهر الترف والثراء كانت تجلب عليهم المزيد من السخط.
стр. 4554
٣ ـ كان الربا من الوظائف الأساسية التي اضطلع بها أعضاء الجماعة اليهودية الوظيفية، ولذا كان يقع في يد المرابي ملابس فاخرة ومصنوعات مترفة لم يستطع أصحابها سداد الدين واستردادها. وكثيراً ما كان المرابي وأفراد أسرته يرتدون هذه الملابس والحلي، وهو ما كان يجعلهم محط سخرية الأغيار (بسبب عدم التناسق) ، وخصوصاً أن كثيراً من المرابين كانوا فقراء (على عكس التصور الشائع) .
٤ ـ كانت الضرائب تُفرَض على الجماعة اليهودية بشكل جماعي. ولذا، فإن انغماس بعض الأفراد في أشكال من الترف، كان هذا يعني في واقع الأمر تبديد الثروة والعجز عن دفع الضرائب، ولهذا فقد كان من صالح الجماعة ككل فرض مثل هذه القوانين.
وتغطي قوانين الترف نشاطات كثيرة متنوعة تختلف من جماعة يهودية إلى أخرى. فقد حددت بعض قوانين الترف كمية الجواهر التي يُسمَح للنساء أن يَتَزيَّن بها، بل كان ذلك ينطبق على الرجال في إيطاليا حيث اتسمت جماعتها اليهودية بالمبالغة في الترف والإنفاق (شأنها في هذا شأن الإيطاليين في كل زمان ومكان!) .
стр. 4555
ويبدو أن حفلات الأفراح كانت من أهم المناسبات، لإظهار الثروة أمام الآخرين والانغماس في الترف (كما هو الحال في مصر في التسعينيات حيث تحولت الأفراح من مناسبة يتآلف فيها الناس ويتم فيها إطعام الفقراء إلى مناسبة ينقسم فيها المجتمع وتزيد حدة الصراع الطبقي) ولذا، صدرت قوانين ترف تحدد عدد الذين يمكن دعوتهم لحفل الزفاف ونوع وعدد الهدايا التي يمكن أن يعطيها عريس لعروسه، وعدد المشاعل التي يمكن أن تصاحب العريس حينما يذهب لزيارة عروسه، وتمنع إلقاء الحلوى أو العملات في موكب العروسة. وصدرت قوانين تحدد ثمن الشعر المستعار الذي يُسمَح للرجل بارتدائه والمروحة التي يمكن للأنثى حملها. وكانت إيطاليا من أكثر البلاد الأوربية التي صدر فيها قوانين الترف التي كانت تُسمَّى «برجماتيكا» .وحدَّد أحد قوانين الترف عدد الأطباق التي يمكن أن تُقدَّم في حفل عشاء خاص، بل وصدر في ساردينيا قانون يحدد كمية البسكويت المصرح لليهودي بأكلها وسمي القانون «تاقاناه دي بسكوتيني» .
وكانت القوانين تصل أحياناً إلى درجة من التطرف تدعو أعضاء الجماعة اليهودية إلى الجأر بالشكوى فتضطر السلطات أحياناً إلى التدخل. أما قيادات الجماعة اليهودية، فكانت تلجأ لكل الطرق لفرض قراراتها. ولذا، كانت تفرض أحياناً عقوبة الطرد من حظيرة الدين (حيريم) . وكان الممتنع عن تنفيذ القوانين يُمنَع من زيارة المعبد اليهودي، كما كان يُمنَع أعضاء الجماعة اليهودية من زيارة مثل هذا الشخص الذي يمتنع عن تنفيذ القوانين.
النظم القضائية والمحاكم
Judicial Systems and Courts
стр. 4556
لم يختلف النظام القضائي بين العبرانيين عما كان عليه في البيئات الحضارية التي تنقلوا فيها. فقد عيَّن موسى قضاة يحكمون بين الناس، وهم بعد في البرية. وبعد الاستيطان في كنعان، كان في كل مدينة قاض. ومع تَطوُّر الدولة العبرانية، تَطور النظام القضائي وازداد تركيباً ومركزية. وبعد العودة من بابل، تَغيَّر النظام القضائي بعض الشيء بما يتناسب مع الوضع الحضاري الجديد، فظهر السنهدرين (المحكمة) بدرجاته المختلفة. وبعد انتشار اليهود في مختلف البلاد، ظهرت مؤسسات قضائية أخرى داخل إطار الإدارة الذاتية التي كانت تسمح بها الدول لأعضاء الأقليات والجماعات الدينية والمهنية. فكان لكل جماعة يهودية، في بعض الأحيان، القاضي (ديان) المختص والمحاكم الخاصة التي كانت تنظر فيما قد ينشب بينهم من خلافات. أما التقاضي بين اليهودي وغير اليهودي، فكان يتم أمام قضاء المجتمع المضيف في معظم الأحيان.
وكان لبعض هذه المحاكم سلطات قد تصل إلى حد الحكم بالإعدام في حالات نادرة، كما كانت تمتلك أدوات تعذيب خاصة بها، ويتبعها سجن لإيداع المساجين اليهود، وكان هذا أمراً ضرورياً، لأن الجماعات اليهودية في أوربا في العصور الوسطى كانت تقوم بدور الجماعة الوظيفية الوسيطة، ولم يكن هناك مفر من أن تتمتع القيادة بصلاحيات قضائية وأن يتبعها نظام عقوبات صارم حتى يتسنى لها فرض نوع من الانضباط الأساسي واللازم لقيام أعضاء الجماعة بدورهم. ووصل هذا النموذج إلى أعلى تَحقُّق في حالة القهال في بولندا، البلد الذي وصل فيه دور اليهود كجماعة وظيفية وسيطة إلى قمة تَبلوره.
стр. 4557
وكان وجود أعضاء الجماعات اليهودية في مجتمع مسيحي يخلق مشاكل في التقاضي، كما كان الحال في مشكلة القَسَم. ومن هنا ظهر القَسَم اليهودي. ومع ظهور الدولة القومية المركزية، أُلغيت أشكال الإدارة الذاتية كافة، ومن بينها المحاكم، واقتصرت المحاكم اليهودية على الأمور الدينية ولم تَعُد لها سلطات تُذكَر.
وفي إسرائيل، هناك محاكم حاخامية تختص بالأحوال الشخصية مثل: الزواج والطلاق والنفقة. وهذه المحاكم تستخدم المعايير الأرثوذكسية وهو ما يجعلها تصطدم بكثير من المهاجرين، خصوصاً في المسائل الخاصة بالزواج والطلاق وتعريف الهوية اليهودية والتهود. هذا ولا يمكن تعيين المتهود قاضياً حسب الشريعة اليهودية.
الطرد من حظيرة الدين والجماعة (حيريم)
Excommunication (Herem)
стр. 4558
تشير كلمة «حيريم» العبرية إلى الأشياء التي تُعزَل أي تُكرَّس للأغراض المقدَّسة (لاويين ٢٧/٢٨) ، أو إلى الأشياء التي يُحرَّم لمسها بسبب طبيعتها المحرمة، مثل الأشياء الوثنية (تثنية ٧/٢٦) . ويستخدم عزرا الكلمة بمعنى «مصادرة الملكية» (عزرا ١٠/٨) . ولكن الاستخدام التلمودي للكلمة يشير إلى «الطرد من حظيرة الدين أو الجماعة الدينية» ، ويُمنَع أعضاء الجماعة تماماً من الاتصال بالشخص الذي يتم طرده. ولذا، كان الحيريم سلاحاً استخدمته المؤسسات اليهودية، مثل القهال والمحاكم الشرعية، ضد أعضاء الجماعة حتى العصر الحديث. ومن أشهر قرارات الطرد، ذلك الذي صدر ضد إسبينوزا، وربما كان عدم اكتراثه بالقرار واستمراره في حياته دون أن يتنصر، ربما كان في حد ذاته رمزاً لوصول العصر الحديث بتعدديته ونسبيته. وقد فقد قرار الطرد كل فعاليته، إذ لم يَعُد المواطن اليهودي في العصر الحديث معتمداً على جماعته في حياته الاقتصادية أو حتى الثقافية. ومع هذا، قام بعض الحاخامات من مؤيدي الصهيونية عام ١٩٨٣ بإصدار حيريم رمزي (في الولايات المتحدة) ضد بعض الشخصيات اليهودية التي هاجمت إسرائيل لما قامت به من مذابح في صبرا وشاتيلا. وفي المعارك الانتخابية في إسرائيل يُستخدَم أحياناً سلاح الحيريم لضمان تصويت الناخبين (التابعين للأحزاب الدينية) لمرشح بعينه دون غيره.
الشتتل
Shtetl
стр. 4559
كلمة «شتتل» صيغة تصغير يديشية مشتقة من كلمة «شتوت» ومعناها «مدينة» . والكلمة عبرية في الأصل وتعني «شتلة» ويُقصَد بها زرع أو شتل كيان ما داخل التربة. والشتتل تَجمُّع سكاني يهودي (يبلغ عدد سكانه ما بين ألف وعشرين ألفاً) استوطن فيه اليهود ممثلين للإقطاع البولندي الاستيطاني في أوكرانيا، ووكلاء للنبلاء البولنديين (شلاختا) ، وجامعي ضرائب، أي أنهم كانوا يشكلون جماعة وظيفية وسيطة تقوم بعملية الاستغلال لصالح النبلاء الغائبين الذين كان كل همهم زيادة دخلهم. ورغم أن الشتتل أحد الأشكال الجيتوية، فإنه يختلف عن الجيتو في كثير من النواحي. فالجيتو مجرد شارع أو حي في مدينة، أما الشتتل فهو نوع من المستوطنات ارتبط بالإقطاع الاستيطاني البولندي في أوكرانيا بعد اتحاد مملكة بولندا وليتوانيا (في القرن السادس عشر) وظهور نظام الأرندا وزيادة المدن التابعة للنبلاء، الأمر الذي شجع أعضاء الجماعة على هجرة المدن الملكية التي كانت تتحكم فيها البلدية والمصالح التجارية البولندية والكنسية.
стр. 4560
والشتتل كان مدينة ريفية الطابع مستقلة ذاتياً، معظم سكانه من اليهود الذين جمعهم النبيل الإقطاعي ووطَّنهم فيه ليضطلعوا بمهمة الوكالة عنه في إدارة الضياع وجمع الضرائب. وكانت هذه المراكز شبه الريفية شبه الحضرية حلقة اتصال بين احتياجات المدن الكبيرة والريف. ولذا، كان الشتتل يقع في موقع إستراتيجي يوفر للفلاحين من ناحية سهولة الوصول إليه، ويوفر لليهود (من ناحية أخرى) العزلة وعدم الاختلاط مع بقية السكان، وكان القانون البولندي، بسبب الوضع المتفجر في أوكرانيا، يفرض على رب العائلة اليهودية أن يحتفظ ببنادق بعدد الذكور وبثلاث خرطوشات وثلاثة أرطال من البارود. أي أن الشتتل ترجمة معمارية لوضع الجماعة اليهودية في إطار الأرندا الزراعية الإقطاعية الاستيطانية. وكان هناك أسواق تباع أو تقايض فيها الأغنام والماشية جنباً إلى جنب مع البضائع المصنوعة في المدن ومنتجات الصناعات المنزلية الريفية. وكانت الشتتلات في الوقت نفسه المراكز التي يمارس فيها الحرفيون حرفهم من صانعي ومصلحي العجلات والعربات إلى الحدادين وصاغة الفضة والخياطين والذابحين الشرعيين والطحانين والخبازين وصانعي الشموع ومقطري الخمور. وكان هناك أيضاً كتبة الخطابات للأميين، ومعابد للمتدينين، وفنادق للمسافرين والصيارفة والوسطاء من جميع الأنواع.
وتدور الحياة في الشتتل حول المعبد اليهودي والمنزل اليهودي ثم السوق التي يلتقي فيها اليهود بالأغيار. وكانت تُوجَد في الشتتل أيضاً المدارس الدينية اليهودية، وكان هناك رواة للأقاصيص وشعراء شعبيون يتجولون من شتتل إلى آخر.
стр. 4561
ونظراً لوجود أغلبية يهودية في الشتتل، فإنه حقق قدراً من الاستقلال الثقافي عن البيئة المحيطة به. ومع هذا، ونظراً لبعد الشتتلات عن المراكز الدينية اليهودية والمدارس التلمودية العليا، تأثر سكان الشتتل بالجو السلافي المسيحي المحيط بهم. وبعد تقسيم بولندا، كانت معظم الشتتلات تُوجَد في منطقة الاستيطان في روسيا.
وقد وصف حاييم وايزمان حياة اليهود في الشتتل بأنها «كانت حياة غرباء بمعنى الكلمة عن حياة الأغيار وتفكيرهم وأحلامهم ودينهم وأعيادهم وحتى لغاتهم، فكانت تمر أيام يُستبعَد فيها عالم الأغيار حتى من وعينا [اليهودي] كما هو الحال يوم السبت وفي أعياد الربيع والخريف. وكان يفصلنا عن الفلاحين عالم كامل من الذكريات والتجارب» . ومع هذا، ورغم هذا البُعد الظاهري، فإن الشتتل جزء من التشكيل الحضاري السلافي، وذلك كما يتضح في الحركة الحسيدية التي يظن المرء لأول وهلة أنها مغرقة في اليهودية رغم أنها في واقع الأمر متأثرة بالحركات المسيحية الأرثوذكسية الروسية المعارضة للكنيسة (وخصوصاً جماعة الخليستي) . وقد نشأت القيادات الصهيونية في جو الشتتل، كما أن كثيراً من وقائع وشخصيات وحوادث الأدب اليديشي مستقاة منه، كما أن فن مارك شاجال (الرسام الروسي الأصل الفرنسي الجنسية) وقصص بارنارد مالامود (القاص الأمريكي) تعالج موضوعات مأخوذة من عالم الشتتل.
стр. 4562
ويرى الكاتب آرثر كوستلر أن أصول الشتتل خزرية وأنه، كمؤسسة فريدة، إحدى ثمرات الدياسبورا الخزرية، أي انتشار الخزر، فهو يشبه المدن التجارية في إمبراطورية الخزر. كما يرى كوستلر أن احتكار يهود الشتتل تجارة الخشب يذكرنا بأن الأخشاب كانت مادة البناء الأساسية عند الخزر وأحد صادراتهم الأساسية، وأن تَخصُّص يهود الشتتل في صنع العربات هو استمرار لعادات الخزر البدوية في الانتقال ونقل الخيام والبضائع. ومن الأعمال الأخرى التي كان يمارسها يهود الشتتل، ولا يمارسها يهود الجيتو، إدارة الفنادق وتشغيل مطاحن الدقيق وتجارة الفراء، وربما يعود هذا أيضاً إلى اختلاف أصول يهود الشتتل عن يهود جيتوات شرق أوربا.
ويجب أن يضاف إلى هذه الملامح المتميِّزة طراز الباجودان (من كلمة «الباجودا» ) الذي أقيمت وفقه أقدم المعابد اليهودية الخشبية في الشتتل والباقية حتى اليوم والتي يعود تاريخها إلى القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وهو طراز مختلف تماماً عن كل من طراز العمارة المحلية وطراز البناء المُستعمَل لدى اليهود الغربيين. كما تختلف الزخارف الداخلية لأقدم معابد الشتتل اختلافاً تاماً عن نمطها في الجيتو الغربي، فقد كانت جدران معبد الشتتل تُغطَّى بزخارف تشبه الزخارف العربية الإسلامية وتُصوَّر عليها الحيوانات التي تُبرز التأثير الفارسي الموجود في المشغولات الفنية للخزر المجريين.
стр. 4563
ولا تخطئ العين أيضاً الأصل الشرقي للزي التقليدي اليهودي البولندي، فربما كان نمط القفطان الحريري الطويل تقليداً للسترة التي كان يرتديها النبيل البولندي، والتي كانت هي نفسها نسخة من الزي الرسمي للتتار في القبيلة الذهبية، ولكننا نعرف أن القفطان كان يُلبَس قبل ذلك بوقت طويل لدى بدو الإستبس. ويبدو أن القبعة (اليرملك) التي يرتديها اليهود الأرثوذكس تعود إلى غطاء الرأس الخاص بالشعوب التركية (مثل الأوزبكستانيين) الذين يلبسون قلنسوة ضيقة حتى اليوم. وكان يهود اليديشية يلبسون قبعة مستديرة متقنة موشاة الحواف بفراء الثعلب تُسمَّى «الإستريميل» ، ويبدو أنها تعود إلى أصول خزرية. وكما سبق القول، فإن الاتجار في فراء الثعلب والمنك، الذي كان مزدهراً في إمبراطورية الخزر، أصبح بالفعل احتكاراً يهودياً آخر في بولندا. أما النساء فكن، حتى منتصف القرن التاسع عشر، يرتدين عمامة عالية بيضاء كانت نسخة طبق الأصل من الجولوك التي كانت نساء التركمان تلبسنها.
الباب الثالث: الإمبراطورية البيزنطية المسيحية وإسبانيا المسيحية
الإمبراطورية البيزنطية
The Byzantine Empire
«الإمبراطورية البيزنطية» هو الاسم الذي يُطلَق على القسم الشرقي من الإمبراطورية الرومانية بعد انقسامها عام ٣٩٥ ثم سقوط الإمبراطورية الغربية عام ٤٧٥. والقسطنطينية هي العاصمة القديمة لبيزنطة (إستنبول فيما بعد) . وكانت تُوجَد جماعات يهودية في الإمبراطورية البيزنطية عبر تاريخها، من أهمها جماعة الرومانيوت (أو الجريجوس) في المدن التي كانت تتحدث اليونانية. وكانت الإمبراطورية البيزنطية تضم أعداداً كبيرة من السامريين ثم القرّائين، وكان لكل جماعة يهودية تنظيمها الإداري والقضائي المستقل وهو النظام الذي ورثته الدولة العثمانية واستمر العمل به.
ويرتبط تاريخ الجماعات اليهودية بتاريخ الإمبراطورية الذي يمكن تقسيمه إلى فترتين:
стр. 4564
الفترة الأولى وتمتد من عهد قسطنطين الأول حتى فترة تحطيم الأيقونات (حوالى عام ٧٢٠) ، وكانت توجد في هذه الفترة جماعات يهودية كثيرة لا تتَّسم بأي تجانس حضاري في شرق حوض البحر الأبيض المتوسط (في شبه جزيرة البلقان وآسيا الصغرى وسوريا وفلسطين ومصر) .
وقد شجعت الإمبراطورية سكانها على تبنِّي المسيحية باعتبارها دين الدولة وأيديولوجيا الحكم فيها. ولذا، اعتُبر التهود جريمة يعاقب عليها القانون، ومُنع التجار اليهود من ختان عبيدهم. وحُرِّم الزواج المختلط بين اليهود والمسيحيين، كما مُنع الآباء اليهود من حرمان أولادهم الذين يتنصرون من الميراث. وقد حدث تمرُّد صغير في فلسطين في عهد الحاكم البيزنطي جالوس عام ٣٥١ ولكنه أُخمد بسهولة.
وشهدت هذه الفترة اختفاء مجموعات المزارعين اليهود المتحدثين بالآرامية في ريف فلسطين بشكل شبه تام، وتَحوُّل أعضاء الجماعات اليهودية إلى التجارة. كما أن عدد اليهود الكلي في فلسطين تَناقَص بشكل حاد، فيُقال إن عدد اليهود إبان التمرد اليهودي الثاني ضد الرومان (١٣٢ ـ ١٣٥) ، كان يتراوح بين ٧٥٠ ألفاً و٨٠٠ ألف، ولكنه انخفض في أوائل القرن السابع، أي عند دخول الفرس إلى فلسطين، إلى نحو ١٥٠ ـ ٢٠٠ ألف.
стр. 4565
كما شهدت هذه الفترة ثورات اليهود السامريين في عامي ٤٨٤ و٥٢٩ حيث تركزت معظم هذه الثورات في نيابوليس (نابلس) . ونجح الثوار السامريون في الاستيلاء على بعض المدن وفي إقامة ما يشبه الإدارة الحكومية، كما قاموا بجمع الضرائب بل عيَّنوا ملكاً من بينهم إلى أن جاءت قوات الإمبراطورية وأخمدت التمرد. ويُلاحَظ أن أعضاء الجماعة اليهودية من أتباع اليهودية الحاخامية لم يتعاونوا مع السامريين في التمرد، وقد ألغت الإمبراطورية منصب أمير اليهود (ناسي أو بطريرك) في فلسطين عام ٤٢٥، وهو بذلك آخر تعبير رمزي عن مركزية فلسطين في حياة يهود العالم. وبإلغاء هذا المنصب، استقلت الجماعات اليهودية كافة وأصبح لكلٍّ مسارها وقيادتها وخطابه الحضاري.
стр. 4566
ومن أهم الأحداث في هذه الفترة وقوع فلسطين لفترة وجيزة في يد الفرس (عام ٦١٤) . ويبدو أن هجوم القوات الفارسية كان يمثل بارقة أمل للجماعات اليهودية في الإمبراطورية لتحسين أحوالهم، فتعاونوا مع القوات الغازية (التي كانت تضم جنوداً يهوداً) وانخرطوا في سلكها مقاتلين وجواسيس، واشتركوا معها في فتح المدن الأخرى للإمبراطورية، مثل صور وقيصرية بمساعدة السكان اليهود داخل هذه المدن. ويبدو أن ارتباط الفرس في الوجدان اليهودي بالعودة من بابل واسترجاع العبادة القربانية في الهيكل الثاني (بمقتضى مرسوم قورش) أحييا الآمال المشيحانية في استرجاع قدر من استقلال اليهود الإداري في فلسطين. ويبدو أن الفرس سايروا الجماعة اليهودية في ذلك لاستخدامها في عملية الغزو. وما إن تحققت الأهداف وظنوا أن حكمهم قد استقر حتى قرروا التخلي عن الجماعة اليهودية التي كانت تشكل أقلية منبتة الصلة بالجماهير المسيحية أو الريف. كما قرروا التعاون مع المسيحيين في فلسطين وقياداتهم والتضحية بالجماعة اليهودية (ولا يختلف هذا كثيراً عما حدث في شبه جزيرة أيبريا حينما تحالف أعضاء الجماعة اليهودية، كعناصر استيطانية وكمموِّلين، مع القوات المسيحية التي قضت على الحكم الإسلامي فيها. ولكن، بعد أن حقق الغزو المسيحي مآربه، طُرد أعضاء الجماعة اليهودية بعد ستة شهور) .
стр. 4567
ويبدو أن الإمبراطورية البيزنطية أدركت أهمية الجماعات اليهودية كجماعة وظيفية استيطانية ومالية، ولم تُطبِّق على اليهود النافعين وظيفياً ما طبقته على يهود فلسطين. ويُلاحَظ، على سبيل المثال، أن ضابطاً فارسياً احتل جزيرة بالقرب من خليج العقبة وطرد ممثلي الإمبراطورية البيزنطية وبدأ يجمع الضرائب لحسابه. ويبدو أنه كان هناك جماعة استيطانية يهودية شرقي خليج العقبة (في جزيرة جوباكابا) تعمل بالتجارة وتتمتع باستقلال إداري. ولكن، حينما قامت قوات الدولة البيزنطية بطرد الضابط الفارسي عام ٤٩٨، فإنها لم تتعرض للجماعة اليهودية التي ظلت تمارس نشاطها وتتمتع باستقلالها الإداري في هذه المنطقة الحدودية التي لم يستقر فيها حكم الإمبراطورية. ولكن الإمبراطورية البيزنطية اتجهت في فترة لاحقة نحو توسيع رقعة تجارتها الدولية، وحاولت السيطرة على مداخل البحر الأحمر الجنوبية (باب المندب) ، وذلك حتى يتسنى لها الوصول إلى الهند بالالتفاف حول الدولة الفارسية التي كانت تسد الطريق البري. واصطدم البيزنطيون بالنخبة اليهودية الحاكمة في حمير (في اليمن) ، وتحالفت الإمبراطورية البيزنطية مع الأسرة الحاكمة القبطية في إثيوبيا. أما ذو النواس، ملك حمير اليهودي، فتحالف مع الفرس، كما أرسل رسله إلى المنذر، حاكم الحيرة العربي الذي كان يدور في فلك الفرس. ولكن الفرس لم يرسلوا قواتهم، وسقط ذو النواس عام ٥٢٥ أمام هجمات الإثيوبيين، ومن ثم أصبح مضيق باب المندب ضمن النفوذ البيزنطي. وحتى تُحكم قبضتها على البحر الأحمر، قامت الإمبراطورية البيزنطية بتصفية الجيب الاستيطاني اليهودي في جزيرة جوباكابا في خليج العقبة إذ لم يَعُد له نفع كبير سواء كعنصر استيطاني أو كعنصر تجاري.
стр. 4568
وتمتد الفترة الثانية من تاريخ الجماعات اليهودية في الدولة البيزنطية من فترة تحطيم الأيقونات (٧٢٠) حتى الفتح العثماني للقسطنطينية (١٤٥٣) . وُجِّه الاتهام لدعاة تحطيم الأيقونات باعتبارهم يهوداً. ويبدو أن لهذا الاتهام أساساً من الصحة، إذ تشير المراجع إلى أن الإمبراطور ليو الخامس (الأرمني) وميخائيل الثاني (من فريجيا) كلاهما تَعلَّم على يد يهود، ولكن الأرجح أن المصدر الأكبر لهذه الحركة هو المد الإسلامي الذي لم يكن بُدٌ من أن يكون له صداه داخل الإمبراطورية. ويُقال إن أعداداً كبيرة من اليهود هربت في هذه الفترة إلى دولة الخزر اليهودية، وازداد اشتغال أعضاء الجماعة اليهودية بالتجارة وبعدد من الحرف مثل الصباغة وغزل الحرير.
ومع الفتح الإسلامي للقسطنطينية، سقطت الإمبراطورية البيزنطية في يد المسلمين، ودخلت الجماعات اليهودية في فلك الدولة العثمانية.
إسبانيا المسيحية
Christian Spain
يعود وجود أعضاء الجماعة اليهودية في إسبانيا إلى القرن الأول الميلادي، واستمر وجودهم فيها، إلى ما بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية، تحت حكم القوط. ويبدو أن وضعهم كان مستقراً هادئاً حتى عام ٥٨٩ حينما تَحول القوط عن مذهبهم المسيحي الآريوسي واعتنقوا الكاثوليكية وأصبحت إسبانيا جزءاً من التشكيل الكاثوليكي في العصر الوسيط. وتدهور وضع اليهود تماماً، ولم يحسِّن وضعهم إلا وصول العرب مع الفتح الإسلامي (٧١١) . وكان أعضاء الجماعات اليهودية قد تحولوا حينذاك إلى جماعة وظيفية وسيطة.
стр. 4569
ومع هذا، كانت هناك جماعة يهودية في جبال البرانس (في الشمال) سمح لهم شارلمان (٧٧١ ـ ٨١٤) بالإقامة ليكونوا حاجزاً ضد التوسع الإسلامي في المنطقة التي كانت تُسمَّى «ماركا هسبانيكا» . كما سُمح لهم بامتلاك الأراضي في هذه المنطقة، ومُنحوا حقوقاً كثيرة لتشجيعهم على الاستيطان والبقاء في هذا الجيب المسيحي والمنطقة الحدودية، أي أنهم كانوا جماعة وظيفية قتالية تعمل بالزراعة.
وكان بعض أعضاء الجماعة اليهودية يشكلون جزءاً من عملية الغزو المسيحي لاستعادة إسبانيا، سواء كعنصر قتالي أو كعنصر زراعي أو إداري، كانت الجيوش المسيحية تضم في صفوفها أعداداً من اليهود. وحينما كانت المدن الإسلامية تقع في قبضة الجيوش الغازية، فإن حقوق سكانها من المسلمين واليهود كانت تُصان من الناحية النظرية سواء بسواء. أما من الناحية العملية، فكان أعضاء الجماعة اليهودية مُفضَّلين على أعضاء الجماعة الإسلامية، حيث كان يُسمَح لليهود بالاستمرار في سكنى منازلهم بينما كان المسلمون يضطرون إلى السكنى خارج المدينة كما حدث في توديللا عام ١١١٥ وسرقسطة عام ١١١٨. وكان يُسمَح لأعضاء الجماعة اليهودية ببناء معابدهم. وشَكَّل اليهود عنصراً استفاد منه الحكام المسيحيون الجدد في بناء المجتمع الجديد إذ استخدموهم دبلوماسيين ومترجمين للتراث العربي وغيره. ولكن الاستفادة منهم كانت أساساً كجماعة وظيفية استيطانية يُوطَّن أعضاؤها في المناطق المفتوحة وموظفين لتنميتها كما حدث في مورشيا وبلنسية ولامنشا والأندلس وغيرها. وكانوا يُمنحون الأراضي ليزرعوها. فعلى سبيل المثال، كان اليهود في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين يملكون ثُلث الأراضي في مقاطعة برشلونة. كما كانوا يُعطَون حق فتح المحال التجارية شريطة أن يستوطنوا هم وأسرهم فيها، وكانت حقوقهم تزيد أحياناً على حقوق السكان العاديين من المسيحيين. وابتداءً من القرن الحادي عشر الميلادي بدأ أعضاء
стр. 4570
الجماعة اليهودية في الانتقال من إسبانيا الإسلامية إلى إسبانيا المسيحية بأعداد متزايدة.
ولعب أعضاء الجماعة اليهودية دوراً أساسياً في النظام المالي وفي تزويد الحكام الجدد بما يريدون من أموال إما بشكل مباشر أو غير مباشر (عن طريق الإشراف على جمع الضرائب) . وعلى سبيل المثال، كانت مملكة قشطالة تحصل عام ١٢٩٤ على ٢٢% من دخلها من الضرائب المفروضة على اليهود. وكان لكل بلاط ملكي يهوديِّه الخاص الذي كان يشرف على هذه العمليات. ويمكن أن نسمِّي هؤلاء «يهود البلاط» مع أن المصطلح لم يظهر إلا في القرن السابع عشر الميلادي في ألمانيا. وأدَّى هذا الوضع إلى ارتباط اليهود بالمطالب الظالمة والأعباء المالية التي كان يفرضها التاج. ومن ثم حينما طُرد اليهود من إسبانيا، كان من الضروري البحث عن بديل لهم للقيام بمهمة ملتزمي الضرائب.
стр. 4571
والواقع أن اختيارهم كيهود بلاط، وكعنصر استيطاني زراعي، يرجع إلى أنهم كانوا لا يطمحون للاستيلاء على السلطة السياسية، فهو أمر غير مطروح بالنسبة لهم نظراً لعدم إمكان التحالف بينهم وبين أية طبقات أخرى مثل الفلاحين أو النبلاء أو القساوسة بسبب العداوة بين أعضاء هذه الطبقات وأعضاء الجماعة. وعلاوة على هذا، لم يكن أعضاء الجماعة يملكون أية قوة عسكرية، الأمر الذي يعني إمكانية التخلص منهم بسهولة. كما أن تَوزُّعهم على هيئة وحدات بشرية صغيرة منعزلة كان يُيسِّر عملية التخلص منهم إن نشأت حاجة إلى ذلك. أما قوتهم المالية، فلم يكن عائدها يفيدهم كثيراً حيث كان يَصبُّ في خزائن الملك الذي كان له مطلق الحرية في مصادرة أموالهم والاستيلاء على ثرواتهم. أما أوضاع أعضاء الجماعة المسلمة فكانت مختلفة تماماً حيث كان عددهم كبيراً كما كانوا يُعتبَرون جماهير بمعنى الكلمة. بل ويُقال إن الموريسكيين (المسلمين المتنصِّرين) كانوا يشكلون بعد استعادة إسبانيا نحو ٦٠% من عدد السكان، كما كانوا آخذين في التكاثر بسبب عدم وجود مقاتلين بينهم (ولذا لم تكن أعدادهم تَنقُص أثناء الحروب) كما لم يكن بينهم رهبان أو راهبات. وأثناء الغزو المسيحي، كان العنصر الإسلامي أو العربي المتنصِّر (الموريسكيون) مشكوكاً فيه، فالدويلات الإسلامية كانت تشكل مركزاً لولائهم العاطفي إن لم يكن الفعلي. وحتى بعد اكتمال الغزو وتنصُّر المسلمين، ظل الموريسكيون موضع شك السلطات المسيحية لأن الدول الإسلامية المحيطة كانت تشكل عمقاً إستراتيجياً بالنسبة إليهم، وكان من الممكن أن تزودهم هذه الدول بالمساعدات لاستعادة السلطة، وخصوصاً أن القوة العثمانية الصاعدة كانت تشكل أملاً إسلامياً جديداً. كان هذا الأمر محتمل الوقوع بل كاد يتحقق مع ثورة البشارات الثانية. وعلى أساس من كل هذا، يمكن فهم سبب تحوَّل أعضاء الجماعة اليهودية إلى جماعة وظيفية وسيطة على يد المسيحيين،
стр. 4572
كما يمكن فهم سبب استبعاد جماهير المسلمين أو الموريسكيين أو أعضاء النخبة بينهم.
تمتع أعضاء الجماعة اليهودية بقسط كبير من الإدارة الذاتية داخل تنظيم الجماعة وتحت قيادة رئيسها الذي كان يُعرَف باسم «المقدَّم» ، وظل يُعرَف باسمه العربي كما هو الحال في كثير من المؤسسات الإسبانية المسيحية. وكان للجماعة استقلالها الإداري والقضائي، وكان يشرف عليها موظف ملكي هو حاخام البلاط (بالإسبانية: «راب دي لاكورتي rab de la corté» ) .
وكان لأعضاء الجماعة مجالسهم المستقلة التي كان يتم انتخاب أعضائها. وإلى جانب هذه المجالس المنتخبة، كانت تُوجَد مجالس أخرى مغلقة في بعض الدويلات لا تضم سوى الوجهاء والأثرياء. وبطبيعة الحال، كان الملك يساند هذه المجالس باعتبارها وسيلته للتحكم في أعضاء الجماعة الوسيطة. ولذا، فقد كان يمنحها سلطات كاملة. وكان يتبع هذه المجالس ما يُسمَّى بقضاة الذنوب (بوليس آداب وأخلاق عامة) تُوكَل إليهم مهمة القبض على أي يهودي يخرق الشريعة، كما كان يتبعها قضاة شرعيون (بالعبرية: ديانيم) . وكان لبعض هذه المحاكم صلاحية الحكم بالإعدام على أي عضو من أعضاء الجماعة بل وصلاحية تنفيذ هذه الأحكام.
ولم يكن أعضاء الجماعة اليهودية (كجماعة وظيفية وسيطة) يُكوِّنون جزءاً عضوياً من المجتمع الإسباني المسيحي الإقطاعي، وإنما كانوا يتبعون الملك مباشرة حيث كانوا يدينون له وحده بالولاء ويؤدون له الضرائب، بل إنهم كانوا يُعدون ملكية خاصة له أي أقنان بلاط. وحينما كان حكم الإعدام ينفذ في يهودي، كانت الجماعة اليهودية تُلزَم بدفع ثمنه للملك.
ويشكل هذا الوضع المتميز الهامشي أساس الصراع الذي لم يهدأ بين أعضاء الجماعة وبقية أعضاء المجتمع، وخصوصاً سكان المدن. فالجماعة كانت توجد بجوار البلدية المسيحية، ولكنها كانت غير خاضعة لنفوذها بسبب علاقتها الخاصة مع الملك. ولذا، لم يكن من الممكن إخضاعها للنظم أو للأعراف المعمول بها.
стр. 4573
ويمكن التعرف على وضع اليهود الخاص بالرجوع إلى مرسوم ألفونس العاشر الصادر عام ١٢٦٣ حيث حدَّد حقوق أعضاء الجماعة ومنحهم حريتهم الدينية الكاملة شريطة ألا يهاجموا المسيحيين، كما حرَّم تهمة الدم ومنع مضايقة اليهود في يوم السبت أو تعطيلهم عن أداء شعائره حتى لو وُجدت أسباب قانونية شرعية لذلك، وحرم كذلك استخدام القوة لتنصيرهم. وكانت غرامة قتل اليهودي تعادل الغرامة التي تُدفَع عن قتل فارس أو قس. ولقد حاول بعض سكان المدن أن يخفضوا الغرامة لتعادل الغرامة التي تدفع دية لفلاح عادي. وتتبدَّى المساواة بين اليهود والمسيحيين في قبول القَسَم اليهودي أمام المحاكم المسيحية.
стр. 4574
ثم ظهرت، في مرحلة متأخرة، مجموعة مختلفة من القوانين تعبِّر عن تَحيُّز واضح ضد أعضاء الجماعة اليهودية الذين كانوا قد بدأوا يفقدون شيئاً من أهميتهم الوظيفية. وتعكس هذه القوانين بدايات التدهور حيث حُرِّم على اليهود مغادرة منازلهم في عيد القيامة، أو أن يكونوا في أي مركز يسمح لهم بالسيطرة على المسيحيين، كما حدد عدد المعابد اليهودية. ولكن، ورغم التدهور النسبي، ظل لأعضاء الجماعة وظائفهم المحدَّدة التي يضطلعون بها ودورهم المميز الذي يلعبونه. ولذا، حينما أصدرت المجامع اللاترانية (الثالث عام ١١٧٩ والرابع عام ١٢١٥) القوانين التي حدَّت من حرية اليهود، لم تُطبَّق هذه القوانين في إسبانيا تطبيقاً تاماً. وقد طُبِّقت هذه القوانين، في بداية الأمر، بصورة مخففة جداً بسبب الضرورات الناجمة عن إعادة فتح الأندلس. ولكن، مع استكمال الغزو، لم تَعُد هناك ضرورة أو نفع لليهود، بل أصبح من الضروري التخلص منهم. وقد كانت حتى حياة اليهود الروحية آخذة في التحلل. بل كان رفض القيم اليهودية الدينية منتشراً بين عناصر القيادة اليهودية نتيجة انتشار فلسفة ابن رشد العقلانية التي كان لها أثر مدمر في الإيمان الديني للنخبة. وقد كان يهود البلاط يقومون بحماية بني ملتهم في معظم الأحيان، ولكنهم كانوا يقفون ضدهم في أحيان أخرى بسبب تَماثُل مصالحهم وثقافتهم مع مصالح البلاط وثقافته. كما كانوا يقلدون المسيحيين في ردائهم وحديثهم، وتَنصَّر كثير منهم في نهاية الأمر. وحيث إنهم كانوا يشكلون النخبة القائدة، فإن اندماجهم وانصهارهم كان يعني اهتزاز الهوية اليهودية.
стр. 4575
وازداد اليهود هامشيةً وأصبحوا عديمي الجدوى بازدياد التغلغل المسيحي في شبه الجزيرة، وهي عملية كانت بطيئة جداً، ومع هذا بدأت آثارها تظهر واضحة مع القرن الثالث عشر الميلادي، وهي أيضاً المرحلة التي ظهرت فيها القبَّالاه إذ ظهر الزوهار بين عامي ١٢٨٠ و١٢٩٠. وبدأت الجماعة تتقوقع على نفسها وتحارب الفلسفة الإسلامية العقلانية وتقف ضد تغلغلها في صفوف المفكرين اليهود، فحُرِّمت كتابات موسى بن ميمون.
وبدأت الاضطرابات ضد أعضاء الجماعة اليهودية في إسبانيا المسيحية على نطاق واسع عام ١٣٩١، ثم انتشرت في كل أرجائها وتَنصَّر الألوف من اليهود، وهو ما سبب مشكلة للحكم إذ كان فصل المتنصرين عن بقية اليهود أمراً لا مفر منه، وكذلك التأكد من جدية وولاء المتنصرين حتى لا يتظاهر بعضهم بالمسيحية لتحقيق الحراك الاجتماعي وهم يبطنون اليهودية، وسُمِّي هؤلاء «المارانو» . ومن ثم أقيمت محاكم التفتيش. وفي عام ١٤١٢، صدرت قوانين فالادوليد التي حرَّمت على اليهود الاشتغال بالطب أو الحرف أو الاتجار مع المسيحيين، كما ألغت محاكم اليهود الخاصة.
стр. 4576
وتصاعدت عملية الغزو المسيحي لشبه جزيرة أيبريا بزواج فرديناند وإيزابيلا عام ١٤٦٩. واستفاد الملكان من القروض التي دبرها لهم الصيرفي اليهودي دون إبراهام سنيور في حروبهما ضد المسلمين وفي فتح غرناطة. وقد أصبح سنيور جامعاً للضرائب وحاخاماً لليهود. وبعد أن بسطت السلطة المسيحية الجديدة هيمنتها على شبه جزيرة أيبريا بأسرها عام ١٤٩٢، بدأ فرديناند وإيزابيلا في تأسيس ما يَعُدُّه بعض المؤرخين أول دولة قومية حديثة في أوربا تتمتع بسلطة مركزية. كان التأكد من ولاء السكان أمراً ضرورياً، فبعد أن تنصرت أعداد كبيرة من المسلمين واليهود كانت ثمة أعداد منهم لا تزال تمارس دينها سراً (وكان يُطلَق على المسلمين المتنصرين «الموريسكيين» ، لكن هذا المصطلح كان يُطلَق أحياناً على كل المسلمين) . وكانت العناصر التي حافظت على عقيدتها تشكل عوامل جذب لهؤلاء، ولذا فقد صدر قرار بطرد اليهود والمسلمين على حدٍّ سواء. وبلغ عدد المطرودين من المسلمين حسب بعض الإحصاءات ثلاثة ملايين. أما اليهود، فقد طُردوا بعد سبعة شهور من قيامهم بتمويل حملة الدولة الإسبانية الكاثوليكية على الجيب الإسلامي المتبقي ونجاحها في تصفيته، وقُدِّر عدد المطرودين من اليهود بين مائة وخمسين ألفاً وربع المليون. وقد استقرت أعداد كبيرة من اليهود الذين كانوا يُعرَفون بالسفارد في الدولة العثمانية، ولكن العدد الأكبر منهم هاجر إلى وسط أوربا وهولندا وموانئ فرنسا. وقد ألحق قرار الطرد الضرر بإسبانيا من الناحية السكانية، إذ أدَّى ذلك إلى إفراغ مناطق بأكملها من سكانها في وقت لم يكن هناك مصدر آخر للطاقة البشرية.
стр. 4577
ومن الناحية الرسمية، كانت شبه جزيرة أيبريا خالية من اليهود، أما من الناحية الفعلية فقد كان هناك يهود المارانو المتخفون الذين كانت تربطهم علاقة بجماعات يهود السفارد في الخارج. وقد كوَّن هؤلاء فيما بينهم شبكة تجارية مالية مهمة. كما كان بعض يهود السفارد يمثلون مصالح إسبانيا والبرتغال في الخارج وكانوا بمنزلة سفراء وملحقين تجاريين لها.
وسُمح لبعض أعضاء الجماعة اليهودية بالهجرة إلى إسبانيا في القرن التاسع عشر الميلادي، كما سُمح لهم ببناء معابد خاصة. ثم أُلغي قرار طرد اليهود عام ١٩٣١. وتُوجَد هناك، في الوقت الحالي، جماعة يهودية صغيرة ليست لها أهمية تذكر، كما لا تزال تُوجَد بقايا يهود المارانو في البرتغال. وقد بدأت الدولة الصهيونية بتهجير البقية الباقية من يهود المارانو إليها.
إسبانيا
Spain
انظر: «إسبانيا المسيحية» .
البرتغال
Portugal
انظر: «إسبانيا المسيحية» .
فرديناند (١٤٥٢-١٥١٦) وإيزابيلا (١٤٥١-١٥٠٤)
Ferdinand and Isabella
ملك وملكة إسبانيا اللذان قاما بتوحيدها وكانا يُسمَّيان «الملكين الكاثوليكيين» . وقد بدأت محاكم التفتيش نشاطها إبّان حكمهما، وفي هذه الفترة أيضاً اكتُشفت أمريكا.
стр. 4578
أما فرديناند، فهو فرديناند الخامس المعروف بالكاثوليكي ملك أراجون. كانت أمه حفيدة امرأة يهودية، وربما يفسر هذا قرب فرديناند من اليهود المتنصرين الذين شغلوا وظائف مهمة وحساسة في بلاطه. وكان عديد من أسرة لاكابالريا، وهم من اليهود المتنصرين، أعضاء في المجلس الملكي. وكان سكرتيره وكثير من كبار المسئولين عن الأمور المالية في مملكته، وكذا قائد أسطوله البحري بل كثير من أعضاء النخبة الدينية المسيحية، من اليهود المتنصرين. ونجح فرديناند في مساعيه لخطب ود إيزابيلا من خلال أحد أعضاء أسرة لاكابالريا بالاشتراك مع يهوديين آخرين لم يتنصرا. ونجح لاكابالريا في الحصول على موافقة أسقف طليطلة على الزواج، وقام دون أبراهام سنيور، وهو يهودي، باستضافة فرديناند حينما كان يزور إيزابيلا سراً، إذ كان أبواها يفضلان أن تتزوج أحد أعضاء الأسرة المالكة في البرتغال أو فرنسا. وقام دون سنيور بتقديم هدية فرديناند إلى إيزابيلا وهي عقد ذهب اشتراه بنقود استدانها من صديقه العزيز ياييم رام وهو ابن حاخام. ومعنى هذا أن فرديناند كان دائماً محاطاً بيهود أو يهود تنصروا. وقد تزوج إيزابيلا في نهاية الأمر عام ١٤٦٩.
وكانت إيزابيلا (ملكة قشطالة) محاطة هي الأخرى بيهود أو يهود متنصرين، فكان سكرتيرها يهودياً، وقام بكتابة سيرة حياتها يهودي آخر متنصر. وكان كثير من مستشاريها من اليهود، بل إن القس الذي كانت تعترف له كان من أصل يهودي. وكان دون إسحق أبرابانيل، الذي لم يتحول عن عقيدته اليهودية، من أوفى أصدقائها. كما كانت صديقتها الماركيزة دي مويا زوجة أندريس كابريرا وهو من اليهود المتنصرين.
стр. 4579
ونجح فرديناند وإيزابيلا في طرد المسلمين نهائياً من شبه جزيرة أيبريا عام ١٤٩٢. وقام إسحق أبرابانيل وشريكه أبراهام سنيور بتمويل حروب الملكية الكاثوليكية ضد المسلمين. ويمكننا أن نقول، إن أردنا استخدام المصطلح المعاصر، إن اللوبي اليهودي كان قوياً للغاية في الدولة المسيحية الجديدة. ومع هذا، قام الملكان بطرد اليهود من مملكتهما وسمحا لمحاكم التفتيش بمطاردتهم. ولتفسير هذا، يجب أن ننسى العلاقات الشخصية قليلاً ونركز على بعض التحولات البنيوية في الدولة الإسبانية، ومن أهم هذه التحولات وحدة إسبانيا نتيجة الزواج الملكي بين إيزابيلا وفرديناند. والواقع أن هذا الزواج الذي موَّله بعض الممولين اليهود هو نفسه ما جعل اليهود كجماعة وظيفية وسيطة بدون أهمية كبيرة. كما أن الدولة الإسبانية كانت تواجه أزمة سكانية حادة كالأزمة التي تواجهها الدولة الصهيونية في الوقت الحالي، إذ كان الموريسكيون (المسلمون المتنصرون) يتكاثرون بسرعة وزاد عددهم عن ٦٠% من مجموع السكان وبعضهم كان من المسلمين المتخفين. وكانت الدولة الإسبانية في حاجة شديدة إلى مادة بشرية تدين لها وحدها بالولاء، ولكن ثبت أن كثيراً من اليهود المتنصرين هم في الواقع مارانو أي يهود متخفون. وقد بذل الملكان جهوداً غير عادية لإقناع اليهود والمسلمين المتنصرين بالاندماج، ونجحا في إقناع روما بتعيين بعض هؤلاء في وظائف كنسية رفيعة من بينها وظيفة أسقف في إسبانيا. ولكن الشبهات ظلت تحيط بالمتنصرين، فقررت إيزابيلا إقامة محاكم التفتيش. وقد وافقها على ذلك كل من كاتب سيرتها وقسيسها (اليهوديان المتنصران) وتم طرد اليهود بعد سبعة شهور من القضاء على الجيب الإسلامي المتبقي. ومع أن استرجاع شبه جزيرة أيبريا تم بمساعدة بعض القيادات اليهودية، فإن ذلك جعل الجماعة اليهودية ككل أداة عديمة الفائدة، وخصوصاً أن أعضاء الجماعة اليهودية لم يتمكنوا من التحول إلى جماعة وظيفية
стр. 4580
استيطانية يمكن الركون إليها.
محاكم التفتيش
Inquisitions
توجد ثلاثة أنواع من محاكم التفتيش:
١ ـ محاكم التفتيش الوسيطة التي أسسها البابا جريجوري التاسع عام ١٢٣٣ وكانت مهمتها التفتيش والبحث عن الهرطقات الدينية بين المسيحيين بعد انتشارها في جنوب فرنسا وشمال إيطاليا مثل الكاثاري والوالدينيز. وكان قضاة هذه المحكمة من رجال الدين الدومينيكان، وكان المتهم المذنب يُسلَّم إلى السلطات الدنيوية لمعاقبته. ورغم أن الحرق كان العقوبة النهائية، فإنه لم يُمارَس إلا في النادر، وعادةً كان الحكم يُلزم المتهم بالتوبة ودفع غرامة والتكفير عن ذنبه بالقيام بأعمال معيَّنة.
стр. 4581
٢ ـ محاكم التفتيش الإسبانية التي أسسها البابا في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي (عام١٤٧١) بناء على طلب الملك فرديناند والملكة إيزابيلا، وللتأكد من إيمان مواطني إسبانيا من المسلمين واليهود الذين اعتنقوا عقيدة الدولة، أي المسيحية الكاثوليكية، ولتَعقُّب السحرة. ومما يجدر ذكره أن هذه المحاكم كانت محاكم «قومية» تابعة للدولة الإسبانية رغم أنها صدرت بمرسوم من الكنيسة الكاثوليكية، ورغم وجود رجال دين مُمثَلين فيها كان من أشهرهم توماس دي تروكيمادا وهو من أصل ماراني وأصبح رمزاً لقاضي محاكم التفتيش الذي يستخدم أدوات التعذيب لإرهاب ضحاياه. وكانت نتائج المحاكمات تُعلَن فيما يُسمَّى «أوتو دي في auto de fé» وهو الاحتفال العام الذي يتم فيه النطق بالأحكام. وكان نفوذ محاكم التفتيش لا يمتد إلى غير المسيحيين. ثم صدر مرسوم في ٣١ مارس عام ١٤٩٢ خُيِّر أعضاء الجماعة اليهودية في إسبانيا بمقتضاه بين النفي والتعميد (وقد طُبِّق هذا المرسوم على المسلمين عام ١٥٠٢) . فغادرت أعداد كبيرة من اليهود والمسلمين (نحو ثلاثة ملايين مسلم وما بين ١٥٠ إلى ٢٥٠ ألف يهودي) شبه جزيرة أيبريا. وقد صدر المرسومان بضغط من محاكم التفتيش التي كانت تهدف إلى حماية اليهود والمسلمين المتنصرين من التأثير السلبي لإخوانهم السابقين في الدين. ثم وضعت محاكم التفتيش هؤلاء المتنصرين تحت الرقابة الشديدة للتأكد من صدق إيمانهم وولائهم للدولة وكانوا يمارسون شعائر دينهم الأصلي في السر. وكان اليهود المتخفون يُسمَّون «المارانو» ، أما المسلمون فكانوا يُسمَّون «الموريسكيين» .
وتعقبت محاكم التفتيش أعضاء المارانو في البرتغال بل وفي المستعمرات الإسبانية والبرتغالية في جميع أنحاء العالم. ومع ظهور الإصلاح الديني، طاردت محاكم التفتيش العناصر البروتستانتية، ونجحت في القضاء عليهم في شبه جزيرة أيبريا ولكنها فشلت في ذلك في هولندا.
стр. 4582
وقد ارتكبت محاكم التفتيش كثيراً من الفظائع، الأمر الذي دفع البابوات إلى التدخل لإيقافها عند حدها. وقد أُلغيت هذه المحاكم في القرن الثامن عشر الميلادي في البرتغال وفي التاسع عشر الميلادي في إسبانيا. ومما يجدر ذكره أن يهود بروفنس قدموا شكوى لمحاكم التفتيش ضد كتابات موسى بن ميمون بسبب هرطقتها، وأمرت المحكمة بحرق كتبه بناء على طلبهم هذا.
٣ ـ محاكم التفتيش الرومانية. وهي محاكم كنسية أسسها البابا بول الثالث عام ١٥٤٢ ليحارب البروتستانتية، واستمرت هذه المحاكم حتى عام ١٩٠٨ حيث تم تغيير اسمها. وهي تُعدُّ استمراراً لمحاكم التفتيش الرومانية الوسيطة.
стр. 4583
الباب الرابع: فرنسا
فرنسا من العصور الوسطى حتى الثورة الفرنسية
France from the Middle Ages to the French Revolution....
يبدو أن اليهود قد استوطنوا في فرنسا (بلاد الغال) مع القوات الرومانية وأصبحوا مواطنين رومانيين عام ٢١٢ ميلادية. وقد تأثر وضعهم حينما تبنَّت الإمبراطورية الرومانية المسيحية ديناً رسمياً عام ٣٤٠ ميلادية. وكان أعضاء الجماعة اليهودية يعملون في جميع الوظائف والحرف والمهن، مثل الزراعة والتجارة والحرف اليدوية، ولكنهم بدأوا يتحولون إلى جماعة وظيفية وسيطة (يهود بلاط) للحكام والأساقفة في الإمبراطورية الفرانكية. وكان أعضاء الجماعة اليهودية يقومون كذلك بتجارة الرقيق التي كانت تشكل نقطة احتكاك بينهم وبين الكنيسة التي منعت التجارة اليهودية للعبيد في باريس عام ٦١٤، بل ومُنع أعضاء الجماعة اليهودية من الاحتفاظ بالعبيد المسيحيين. وتَعمَّق هذا الاتجاه في عهد الأسرة الكارولنجية. ففي عهدي شارلمان (٧٦٨ ـ ٨١٤) ولويس الأول (٨١٤ ـ ٨٤٠) ، أصبح أعضاء الجماعة اليهودية جماعة وسيطة تجارية ومالية مهمة، وُضعت تحت حماية الإمبراطور. وهيمنوا على تجارة الاستيراد والتصدير نظير إعطاء عُشر أرباحهم للخزانة الإمبراطورية (مقابل جزء من أحد عشر جزءاً يدفعه التجار المسيحيون) . وكانت هناك جماعة يهودية في ليون مركز تلاقي الطرق بين إسبانيا وألمانيا وإيطاليا. ومُنح أعضاء الجماعة اليهودية مواثيق تنص على حماية أملاكهم وعلى إعفائهم من المكوس، وتمنحهم المزايا كأن يعيشوا حسب قوانينهم ويستأجروا المسيحيين، ويشتروا العبيد غير المسيحيين. لكن تنصير مثل هؤلاء العبيد تم حظره لأن هذا من قبيل مصادرتهم. وكان أعضاء الجماعة يمتلكون الأراضي ويعملون بالزراعة، وخصوصاً زراعة الكروم. ولذا، احتكروا تجارة الخمور (وضمن ذلك الخمور التي كانت تستعملها الكنيسة في القُدّاس) . وعمل أعضاء الجماعة اليهودية كذلك أطباء وجامعي ضرائب وسفراء. وكان من يُلحق باليهود أي أذى يُنزَل به أشد العقاب. وأُعفيَ أعضاء الجماعة اليهودية من الاستجواب عن طريق التعذيب وهي طريقة
стр. 4584
للاستجواب كان معمولاً بها في المحاكمات، وعُيِّن قاض لليهود مهمته الدفاع عن المزايا التي اكتسبوها. وفي القرن التاسع، تركز أعضاء الجماعة اليهودية بوادي الرون ومقاطعة شامبين. ولكن، في القرن الحادي عشر، كان شمال فرنسا أكثر المراكز كثافة من ناحية التركز اليهودي. وطُرد أعضاء الجماعة اليهودية من الحرف المختلفة في ذلك التاريخ وبدأوا في احتراف الربا، وتعرضوا لعمليات اعتصار من قبَل النخبة الحاكمة التي كانت تحميهم في تلك الفترة، وخصوصاً من هجمات الصليبيين (الفرنجة في المصطلح العربي) ، فكانت تفرض عليهم الضرائب والإتاوات. كما كانت تُلغي ديون من يتطوع للاشتراك في حملات الصليبيين كطريقة للتعبئة. وقد حارب لويس التاسع (١٢٢٦ ـ ١٢٧٠) ضد المرابين اليهود، فأعفى رعاياه من ثُلث ديونهم، وتم تضييق الخناق على أعضاء الجماعة اليهودية بموجب قرارات المجمع اللاتراني الرابع (١٢١٥) ، إلى أن طردهم فيليب الرابع (الذي دأب على نهب طبقات المجتمع كافة) عام ١٣٠٦ وصادر ممتلكاتهم وحَوَّل الديون التي يستحقونها والتي لم تكن قد سُددت بعد إلى الخزانة الملكية. واستقر اليهود المطرودون في اللورين وبرجندي وسافوي والمناطق غير الخاضعة لحكم الفرنسيين في بروفانس.
وبعد أن اشتكى الناس من المرابين المسيحيين الذين حلوا محل المرابين اليهود، تم استرجاعهم حيث صُرح لهم بأخذ فائدة مقدارها ٤٣ %، كما سُمح لهم بتحصيل تلك الديون التي لم يحصلوها عند طردهم والتي لم يكن الملك قد حصلها بعد، شريطة أن يدفعوا ثلثي المبلغ للخزانة الملكية. وأخيراً سُمح لهم بشراء معبدهم اليهودي ومقبرتهم وكل كتبهم المصادرة (ما عدا التلمود) .
стр. 4585
ولكن الأحوال ساءت مرة أخرى في جنوب فرنسا، وخصوصاً مع انتفاضة الرعاة عام ١٣١٧. وتم طرد اليهود عام ١٣٢٢، ولكنهم أعيدوا مرة أخرى عام ١٣٥٩ إلى أن طردهم شارلز السادس عام ١٣٩٤ نهائياً. ومع هذا، سُمح لليهود بالبقاء في المقاطعات البابوية في أفنيون.
وشهدت هذه الفترة ازدهار الدراسات التلمودية، حيث كتب راشي تعليقه الشهير على التلمود. وانتشرت أفكار موسى بن ميمون بين بعض المفكرين الدينيين من أعضاء الجماعات اليهودية، الأمر الذي جعل قادة الجماعة اليهودية يشون بهم إلى محاكم التفتيش التي قامت بإحرق كتب ابن ميمون.
стр. 4586
وظلت فرنسا خالية تقريباً من اليهود حتى أواخر القرن السادس عشر حيث بدأت جماعات المارانو في الاستيطان بمقاطعتي بوردو وبايون. وكانت أعداد المستوطنين صغيرة لا تتعدى بضعة آلاف، وكانت أكبر الجماعات تُوجَد في بوردو حيث تَمتَّع أعضاء الجماعة بمكانة اقتصادية عالية، فكانوا يعملون بالتجارة الدولية والأعمال المالية المتقدمة، كما كانوا يمتلكون رؤوس أموال كبيرة نسبياً وسفناً تجارية. ولذا، اشتركوا في التجارة المثلثة الزوايا: شحن البضائع الأوربية الرخيصة إلى الساحل الأفريقي، وتحميل هذه السفن بالعبيد الذين كانوا يُباعون في المزارع الأمريكية والكاريبية، ثم عودتها من العالم الجديد لأسواق أوربا حاملة المنتوجات الاستوائية كالسكر والنيلة والتبغ وغيرها من السلع. وفي القرن الثامن عشر، تم الاعتراف بيهود المارانو المتخفين كيهود، وذلك بعد أن كان القانون يعتبرهم مسيحيين رغم علم السلطات بأنهم يهود. وابتداءً من عام ١٥٥٢، بدأت الصبغة الإثنية والثقافية لأعضاء الجماعة اليهودية في التغير إذ ضمت فرنسا مدينة متز في ذلك العام وتم ضم الألزاس (١٦٤٨) واللورين (١٧٣٣) ، وأدَّى هذا إلى زيادة عدد اليهود الإشكناز زيادة كبيرة، وقد كان يبلغ عددهم في هاتين المقاطعتين نحو ٢٠ ألفاً، وتم وضعهم تحت الحماية الملكية. وكان الإشكناز متخلفين ومختلفين من الناحية الحضارية، ومنعزلين ثقافياً. ومن ثم، بدأت المسألة اليهودية تطل برأسها، وخصوصاً بعد اكتشاف تَلاعُب بعض أعضاء الجماعة في الأعمال التجارية. وطُرحت قضية إصلاح اليهود، وبُذلت عدة محاولات لتطبيعهم، وأعلنت أكاديمية متز عن مسابقة لكتابة دراسة عن السبل الممكنة لإصلاح اليهود عام ١٧٨٥. وتم تشكيل لجنة لإصلاح يهود الألزاس، كان من بين أعضائها قيادات الجماعة السفاردية في جنوب فرنسا.
فرنسا منذ الثورة
France since the Revolution
стр. 4587
كان عدد أعضاء الجماعات اليهودية في فرنسا عند نشوب الثورة الفرنسية لا يزيد على ٤٠ ألفاً، تُوجَد أغلبيتهم الساحقة (نحو ٢٠ ـ ٢٥ ألفاً) في الألزاس، ونحو ٣٥٠٠ في متز وضواحيها، ونحو ٤٠٠٠ في اللورين. وفي إحصاء آخر، قيل إن عدد يهود الألزاس واللورين وحدهم كان نحو ٤٠ ألفاً، وأن هؤلاء كانوا من الإشكناز ويهود اليديشية. ولم يكن يُوجَد سوى ٣٣٠٠ (سفارد) منهم ٢٣٠٠ في بوردو و١٠٠٠ في بايون. كما كان يوجد حوالي ٢٥٠٠ يهودي في المقاطعات البابوية (يهود أفنيون) وحوالي ٥٠٠ في باريس (وكانوا خليطاً من الإشكناز والسفارد) . وكانت نسبة اليهود إلى عدد السكان صغيرة للغاية، إذ كانت لا تزيد على ٠.٥%.
стр. 4588
وحينما اندلعت الثورة الفرنسية، لم تجر إثارة أي جدل بشأن اليهود السفارد الذين كانوا يشكلون جزءاً عضوياً من المجتمع الفرنسي والذين كانوا يتحدثون إما اللغة الفرنسية أو اللادينو وهي رطانة إسبانية قرىبة الشبه بالفرنسية، وكانوا يعملون في التجارة الدولية بل وفي الصناعة ويتمتعون بمعظم حقوق المواطنين الفرنسيين ويعيشون في المناطق الساحلية. وكان نظامهم التعليمي متطوراً، فعلى سبيل المثال قاموا هم أنفسهم بحظر تدريس التلمود في مدارسهم منذ عام ١٧٦٠. وكانوا قد حصلوا على حق السكنى في أي مكان بفرنسا، وحق إقامة شعائرهم بحرية كاملة. ولكل هذا، فإن منح اليهود السفارد في جنوب فرنسا وفي أفينيون، حقوقهم المدنية بالكامل، كانت مسألة شكلية تمت دون مناقشة في يناير عام ١٧٩٠. أما اليهود الإشكناز، في الألزاس واللورين وغيرهما من المناطق، فكانوا محور المناقشة بسبب تَميُّزهم الوظيفي والثقافي، كما كانوا محط احتقار إخوانهم من السفارد. فكان الزواج المختلط بين الفريقين محظوراً، بل إن السفارد منعوا الإشكناز من الاستقرار في مقاطعة بوردو التي كان السفارد يوجدون فيها بأعداد كبيرة. وإلى جانب هذا، كان اليهود الإشكناز محط كراهية عميقة من الجماهير المسيحية. وعشية الثورة الفرنسية نوقشت المسألة اليهودية الإشكنازية، والتي تم طرحها على النحو التالي: هل اليهود فرنسيون أم أنهم أمة داخل أمة؟ وعزف أعداء اليهود على نغمة «الخطر اليهودي» وأشاروا إلى أن اليهود جسم متماسك غريب منبوذ، ولذا فلابد من التخلص منه (وهي نفسها الفكرة التي عبَّرنا عنها بعبارة الشعب العضوي المنبوذ) . أما العقلانيون، فكانوا يطرحون الخط الاندماجي الذي يرى أن مشكلة اليهود الإشكناز ليست مسألة كامنة في طبيعتهم وإنما تنبع من وضعهم الشاذ ومن إنكار حقوقهم السياسية والمدنية، وأن الحل يكمن في تحديث اليهود وإعتاقهم، أي إعطائهم حقوقهم كاملة وتشجيعهم على الاندماج مقابل أن
стр. 4589
يتخلى اليهود (وكل أعضاء الأقليات الأخرى) عن خصوصيتهم اللغوية والثقافية والإثنية في الحياة العامة. وهذا هو المعنى الذي تضمنته عبارة «أن يصبح اليهودي مواطناً في الشارع، يهودياً في منزله» . وقد وصل هذا الخط قمته إبّان حكم الإرهاب (١٧٩٣ ـ ١٧٩٤) وهي المرحلة التي وصلت فيها عبادة العقل ذروتها، والتي شارك فيها أعضاء من الجماعة اليهودية، فأُغلقت كل دور العبادة المسيحية واليهودية باعتبارها تعبيراً عن خصوصيات غير طبيعية وانحرافاً عن فكرة الإنسان الطبيعي. ومُنعت الجماعة اليهودية من ممارسة بعض شعائرها باعتبار أنها لا تتفق مع العقل، وإن كان لم يرسل أي يهودي للمقصلة بسبب عقيدته.
ومَنحت الثورة أعضاء الجماعات اليهودية كل حقوق المواطنين، وحاولت دمجهم في المجتمع عن طريق فتح المدارس لأبنائهم، وتشجيعهم على التخلي عن تميزهم الوظيفي. وجاء في أحد قرارات الثورة «إن الحقوق هي حقوق تمنح للأفراد من أتباع العقيدة اليهودية، وليست للأقلية اليهودية باعتبارها جماعة متماسكة» ، وهو ما عبَّر عنه شعار «لليهود أفراداً كل شيء، ولليهود جماعة لا شيء» . وحاول الإشكناز من جانبهم الإبقاء على عزلتهم المتمثلة في القهال وفي رفض المؤسسات الحديثة التي أنشأتها الثورة. ففي عام ١٨٠٨، كان عدد الأطفال اليهود في اللورين والألزاس الذين يذهبون إلى المدارس الحكومية لا يزيد على ١٠%. ومما زاد المسألة اليهودية الإشكنازية تفاقماً، أن كثيراً من الفلاحين الفرنسيين (نحو ٤٠٠ ألف) الذين اشتروا أراضي كبار الملاك التي صادرتها الثورة اقترضوا الأموال اللازمة لإتمام هذه العملية من المرابين اليهود الذين بلغ عددهم ثلاثة أو أربعة آلاف مراب. ولكنهم عجزوا عن تأدية ديونهم، وهو ما جعل أعضاء الجماعة اليهودية محط السخط الشعبي في الفترة ما بين ١٨٠٢ و١٨٠٥. ومن هنا طرحت المسألة اليهودية نفسها على نابليون.
стр. 4590
وقد كان لدى نابليون بعض الخبرة بشأن أبعاد المسألة اليهودية بسبب احتكاكه ببولندا، بعد أن أعاد تنظيم مركز بولندا في شكل دوقية وارسو. وكان قد انتهى لتوه من تنظيم علاقة الدولة بالكنيسة الكاثوليكية والكنيسة البروتستانتية، ولم يبق سوى تنظيم علاقتها باليهودية. فأوقف كل الديون، ثم دعا عام ١٨٠٦ إلى عقد مجلس ضم مائة عضو من وجهاء اليهود في الأراضي الخاضعة لحكم فرنسا. وترأس مجلس الوجهاء يهودي سفاردي من بوردو، وطرح عليهم اثنى عشر سؤالاً عن موقف اليهود من بعض القضايا الاجتماعية والاقتصادية والدينية المهمة المتعلقة بعلاقتهم بوطنهم، وهل يعتبرون أنفسهم أجانب أم فرنسيين؟ وهل هم على استعداد للدفاع عن الوطن؟ وهل تشجع اليهودية على الربا الفاحش أم لا؟ وهل هناك تناقض بين الإجراءات اليهودية والقانون الفرنسي بشأن الزواج والطلاق؟ وهل يُسمَح لليهود بالزواج من المسيحيين؟ وكانت الإجابات في معظمها إما بالإيجاب وإما بالمراوغة. وقرر المجلس أن اليهودي يتعيَّن عليه أن يعتبر الأرض التي وُلد عليها وطنه، وعليه أن يدافع عنها، كما يتعيَّن على كل يهودي أن يعتبر بقية المواطنين إخوته. كما أكد المجلس أن الشريعة اليهودية وقوانينها لا تتناقض البتة مع القانون الفرنسي المدني، فاليهودية تَحظُر تعدد الزوجات، وقرر أن الطلاق (بحسب الشريعة اليهودية) لا يصبح شرعياً إلا بعد الطلاق المدني، وأن الزواج (بحسب الشريعة اليهودية) لا يصبح شرعياً إلا إذا سبقه زواج مدني. وبينت قرارات المجلس أن اليهودية لا تُحرِّم أية حرف يدوية أو وظائف وأن من المحبب لليهودي أن يعمل في الزراعة والأعمال اليدوية كما كان يفعل أسلافه في فلسطين. كما بيَّنت أن اليهودية تحرم على اليهودي أخذ فائدة ربوية من المسيحي أو اليهودي. ثم دعا نابليون في فبراير ١٨٠٧ إلى مؤتمر أطلق عليه «السنهدرين الأكبر» يضم الحاخامات وبعض اليهود من غير رجال الدين ليؤكد القرارات التي
следующие страницы →