← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.

стр. 4586

وظلت فرنسا خالية تقريباً من اليهود حتى أواخر القرن السادس عشر حيث بدأت جماعات المارانو في الاستيطان بمقاطعتي بوردو وبايون. وكانت أعداد المستوطنين صغيرة لا تتعدى بضعة آلاف، وكانت أكبر الجماعات تُوجَد في بوردو حيث تَمتَّع أعضاء الجماعة بمكانة اقتصادية عالية، فكانوا يعملون بالتجارة الدولية والأعمال المالية المتقدمة، كما كانوا يمتلكون رؤوس أموال كبيرة نسبياً وسفناً تجارية. ولذا، اشتركوا في التجارة المثلثة الزوايا: شحن البضائع الأوربية الرخيصة إلى الساحل الأفريقي، وتحميل هذه السفن بالعبيد الذين كانوا يُباعون في المزارع الأمريكية والكاريبية، ثم عودتها من العالم الجديد لأسواق أوربا حاملة المنتوجات الاستوائية كالسكر والنيلة والتبغ وغيرها من السلع. وفي القرن الثامن عشر، تم الاعتراف بيهود المارانو المتخفين كيهود، وذلك بعد أن كان القانون يعتبرهم مسيحيين رغم علم السلطات بأنهم يهود. وابتداءً من عام ١٥٥٢، بدأت الصبغة الإثنية والثقافية لأعضاء الجماعة اليهودية في التغير إذ ضمت فرنسا مدينة متز في ذلك العام وتم ضم الألزاس (١٦٤٨) واللورين (١٧٣٣) ، وأدَّى هذا إلى زيادة عدد اليهود الإشكناز زيادة كبيرة، وقد كان يبلغ عددهم في هاتين المقاطعتين نحو ٢٠ ألفاً، وتم وضعهم تحت الحماية الملكية. وكان الإشكناز متخلفين ومختلفين من الناحية الحضارية، ومنعزلين ثقافياً. ومن ثم، بدأت المسألة اليهودية تطل برأسها، وخصوصاً بعد اكتشاف تَلاعُب بعض أعضاء الجماعة في الأعمال التجارية. وطُرحت قضية إصلاح اليهود، وبُذلت عدة محاولات لتطبيعهم، وأعلنت أكاديمية متز عن مسابقة لكتابة دراسة عن السبل الممكنة لإصلاح اليهود عام ١٧٨٥. وتم تشكيل لجنة لإصلاح يهود الألزاس، كان من بين أعضائها قيادات الجماعة السفاردية في جنوب فرنسا. فرنسا منذ الثورة France since the Revolution

стр. 4587

كان عدد أعضاء الجماعات اليهودية في فرنسا عند نشوب الثورة الفرنسية لا يزيد على ٤٠ ألفاً، تُوجَد أغلبيتهم الساحقة (نحو ٢٠ ـ ٢٥ ألفاً) في الألزاس، ونحو ٣٥٠٠ في متز وضواحيها، ونحو ٤٠٠٠ في اللورين. وفي إحصاء آخر، قيل إن عدد يهود الألزاس واللورين وحدهم كان نحو ٤٠ ألفاً، وأن هؤلاء كانوا من الإشكناز ويهود اليديشية. ولم يكن يُوجَد سوى ٣٣٠٠ (سفارد) منهم ٢٣٠٠ في بوردو و١٠٠٠ في بايون. كما كان يوجد حوالي ٢٥٠٠ يهودي في المقاطعات البابوية (يهود أفنيون) وحوالي ٥٠٠ في باريس (وكانوا خليطاً من الإشكناز والسفارد) . وكانت نسبة اليهود إلى عدد السكان صغيرة للغاية، إذ كانت لا تزيد على ٠.٥%.

стр. 4588

وحينما اندلعت الثورة الفرنسية، لم تجر إثارة أي جدل بشأن اليهود السفارد الذين كانوا يشكلون جزءاً عضوياً من المجتمع الفرنسي والذين كانوا يتحدثون إما اللغة الفرنسية أو اللادينو وهي رطانة إسبانية قرىبة الشبه بالفرنسية، وكانوا يعملون في التجارة الدولية بل وفي الصناعة ويتمتعون بمعظم حقوق المواطنين الفرنسيين ويعيشون في المناطق الساحلية. وكان نظامهم التعليمي متطوراً، فعلى سبيل المثال قاموا هم أنفسهم بحظر تدريس التلمود في مدارسهم منذ عام ١٧٦٠. وكانوا قد حصلوا على حق السكنى في أي مكان بفرنسا، وحق إقامة شعائرهم بحرية كاملة. ولكل هذا، فإن منح اليهود السفارد في جنوب فرنسا وفي أفينيون، حقوقهم المدنية بالكامل، كانت مسألة شكلية تمت دون مناقشة في يناير عام ١٧٩٠. أما اليهود الإشكناز، في الألزاس واللورين وغيرهما من المناطق، فكانوا محور المناقشة بسبب تَميُّزهم الوظيفي والثقافي، كما كانوا محط احتقار إخوانهم من السفارد. فكان الزواج المختلط بين الفريقين محظوراً، بل إن السفارد منعوا الإشكناز من الاستقرار في مقاطعة بوردو التي كان السفارد يوجدون فيها بأعداد كبيرة. وإلى جانب هذا، كان اليهود الإشكناز محط كراهية عميقة من الجماهير المسيحية. وعشية الثورة الفرنسية نوقشت المسألة اليهودية الإشكنازية، والتي تم طرحها على النحو التالي: هل اليهود فرنسيون أم أنهم أمة داخل أمة؟ وعزف أعداء اليهود على نغمة «الخطر اليهودي» وأشاروا إلى أن اليهود جسم متماسك غريب منبوذ، ولذا فلابد من التخلص منه (وهي نفسها الفكرة التي عبَّرنا عنها بعبارة الشعب العضوي المنبوذ) . أما العقلانيون، فكانوا يطرحون الخط الاندماجي الذي يرى أن مشكلة اليهود الإشكناز ليست مسألة كامنة في طبيعتهم وإنما تنبع من وضعهم الشاذ ومن إنكار حقوقهم السياسية والمدنية، وأن الحل يكمن في تحديث اليهود وإعتاقهم، أي إعطائهم حقوقهم كاملة وتشجيعهم على الاندماج مقابل أن

стр. 4589

يتخلى اليهود (وكل أعضاء الأقليات الأخرى) عن خصوصيتهم اللغوية والثقافية والإثنية في الحياة العامة. وهذا هو المعنى الذي تضمنته عبارة «أن يصبح اليهودي مواطناً في الشارع، يهودياً في منزله» . وقد وصل هذا الخط قمته إبّان حكم الإرهاب (١٧٩٣ ـ ١٧٩٤) وهي المرحلة التي وصلت فيها عبادة العقل ذروتها، والتي شارك فيها أعضاء من الجماعة اليهودية، فأُغلقت كل دور العبادة المسيحية واليهودية باعتبارها تعبيراً عن خصوصيات غير طبيعية وانحرافاً عن فكرة الإنسان الطبيعي. ومُنعت الجماعة اليهودية من ممارسة بعض شعائرها باعتبار أنها لا تتفق مع العقل، وإن كان لم يرسل أي يهودي للمقصلة بسبب عقيدته. ومَنحت الثورة أعضاء الجماعات اليهودية كل حقوق المواطنين، وحاولت دمجهم في المجتمع عن طريق فتح المدارس لأبنائهم، وتشجيعهم على التخلي عن تميزهم الوظيفي. وجاء في أحد قرارات الثورة «إن الحقوق هي حقوق تمنح للأفراد من أتباع العقيدة اليهودية، وليست للأقلية اليهودية باعتبارها جماعة متماسكة» ، وهو ما عبَّر عنه شعار «لليهود أفراداً كل شيء، ولليهود جماعة لا شيء» . وحاول الإشكناز من جانبهم الإبقاء على عزلتهم المتمثلة في القهال وفي رفض المؤسسات الحديثة التي أنشأتها الثورة. ففي عام ١٨٠٨، كان عدد الأطفال اليهود في اللورين والألزاس الذين يذهبون إلى المدارس الحكومية لا يزيد على ١٠%. ومما زاد المسألة اليهودية الإشكنازية تفاقماً، أن كثيراً من الفلاحين الفرنسيين (نحو ٤٠٠ ألف) الذين اشتروا أراضي كبار الملاك التي صادرتها الثورة اقترضوا الأموال اللازمة لإتمام هذه العملية من المرابين اليهود الذين بلغ عددهم ثلاثة أو أربعة آلاف مراب. ولكنهم عجزوا عن تأدية ديونهم، وهو ما جعل أعضاء الجماعة اليهودية محط السخط الشعبي في الفترة ما بين ١٨٠٢ و١٨٠٥. ومن هنا طرحت المسألة اليهودية نفسها على نابليون.

стр. 4590

وقد كان لدى نابليون بعض الخبرة بشأن أبعاد المسألة اليهودية بسبب احتكاكه ببولندا، بعد أن أعاد تنظيم مركز بولندا في شكل دوقية وارسو. وكان قد انتهى لتوه من تنظيم علاقة الدولة بالكنيسة الكاثوليكية والكنيسة البروتستانتية، ولم يبق سوى تنظيم علاقتها باليهودية. فأوقف كل الديون، ثم دعا عام ١٨٠٦ إلى عقد مجلس ضم مائة عضو من وجهاء اليهود في الأراضي الخاضعة لحكم فرنسا. وترأس مجلس الوجهاء يهودي سفاردي من بوردو، وطرح عليهم اثنى عشر سؤالاً عن موقف اليهود من بعض القضايا الاجتماعية والاقتصادية والدينية المهمة المتعلقة بعلاقتهم بوطنهم، وهل يعتبرون أنفسهم أجانب أم فرنسيين؟ وهل هم على استعداد للدفاع عن الوطن؟ وهل تشجع اليهودية على الربا الفاحش أم لا؟ وهل هناك تناقض بين الإجراءات اليهودية والقانون الفرنسي بشأن الزواج والطلاق؟ وهل يُسمَح لليهود بالزواج من المسيحيين؟ وكانت الإجابات في معظمها إما بالإيجاب وإما بالمراوغة. وقرر المجلس أن اليهودي يتعيَّن عليه أن يعتبر الأرض التي وُلد عليها وطنه، وعليه أن يدافع عنها، كما يتعيَّن على كل يهودي أن يعتبر بقية المواطنين إخوته. كما أكد المجلس أن الشريعة اليهودية وقوانينها لا تتناقض البتة مع القانون الفرنسي المدني، فاليهودية تَحظُر تعدد الزوجات، وقرر أن الطلاق (بحسب الشريعة اليهودية) لا يصبح شرعياً إلا بعد الطلاق المدني، وأن الزواج (بحسب الشريعة اليهودية) لا يصبح شرعياً إلا إذا سبقه زواج مدني. وبينت قرارات المجلس أن اليهودية لا تُحرِّم أية حرف يدوية أو وظائف وأن من المحبب لليهودي أن يعمل في الزراعة والأعمال اليدوية كما كان يفعل أسلافه في فلسطين. كما بيَّنت أن اليهودية تحرم على اليهودي أخذ فائدة ربوية من المسيحي أو اليهودي. ثم دعا نابليون في فبراير ١٨٠٧ إلى مؤتمر أطلق عليه «السنهدرين الأكبر» يضم الحاخامات وبعض اليهود من غير رجال الدين ليؤكد القرارات التي

стр. 4591

توَّصل إليها هؤلاء الوجهاء. وقد أعلن السنهدرين ولاءه الكامل للإمبراطور، وبطلان أية جوانب في التراث اليهودي تتناقض مع ما يتطلبه واجب المواطنة. وصدَّق السنهدرين على قرارات مجلس الوجهاء، كما أصدر قوانين تمنع تعدد الزوجات والربا وأخرى تحتم إجراء الطلاق المدني. وأصدر نابليون بعد ذلك قراراته الخاصة بتنظيم علاقة اليهودية بالدولة الفرنسية. ففي عام ١٨٠٨، أصدر مرسومين تم بمقتضى الأول إقامة نظام من المجالس الكنسية (بالفرنسية: كونسيستوار Consistoire) ، وهي لجان من الحاخامات والرجال العاديين للإشراف على الشئون اليهودية تحت إشراف مجلس كنسي مركزي. وكان من مهام هذه المجالس أن ترعى معابد اليهود وغيرها من المؤسسات الدينية، وتنفذ قوانين التجنيد وتشجع اليهود على تغيير المهن التي يشتغلون بها. أما المرسوم الثاني، فقد اعترف باليهودية ديناً كما ألغى (أو أنقص أو أجل) الديون اليهودية المستحقة للمرابين الإشكناز، وأُعفي السفارد من ذلك المرسوم. وأصبح الحاخامات مندوبين للدولة مهمتهم تعليم أعضاء الجماعات اليهودية تعاليم دينهم وتلقينهم الولاء للدولة وأن الخدمة العسكرية واجب مقدَّس. وكان على الحاخامات توجيه أعضاء الجماعات اليهودية إلى الوظائف النافعة. وقد اعترفت الحكومة الفرنسية باليهود بوصفهم أقلية، وأصبح لهم كيان رسمي داخل الدولة، فحصلوا على حقوقهم ومُنحوا شرف الجندية ولم يعد يُسمح لهم بدفع بدل نقدي، وشُجعوا على الاشتغال بالزراعة. وحرَّم نابليون على اليهود الإشكناز الاشتغال بالتجارة دون الحصول على رخصة بذلك، ولم تكن الرخصة تُجدَّد إلا بعد التأكد من مدى إحساس التاجر اليهودي بالمسئولية الخلقية. كما طُلب إلى أعضاء الجماعات اليهودية أن يتخذوا أسماء أعلام وأسماء أسر دائمة على الطريقة الغربية. ورغم أن الأدبيات اليهودية والصهيونية تطلق على هذه القرارات اسم «القرار المشين» ، فإنه كان قراراً مرحلياً يهدف إلى تحديث

стр. 4592

اليهود (ولذا، فإنه لم يُطبَّق على السفارد) . وقد نجح بالفعل في دمجهم بالمجتمع الفرنسي. وبحلول عام ١٨١١، كانت أعداد كبيرة من اليهود تعمل بتجارة الجملة والحرف وكان قد تم تطبيعهم إلى حدٍّ كبير. وبعد مرور الفترة الانتقالية التي حددها القرار، لم تنشأ أية حاجة إلى فترة انتقالية أخرى. ومما يجدر ذكره أن نابليون تبنَّى، في إطار محاولته تأسيس الدولة الفرنسية الحديثة، سياسة تهدف إلى دمج أعضاء الجماعات اليهودية، كما دعاهم إلى نبذ خصوصيتهم. ولكنه تبنَّى سياسة مغايرة تماماً في إطار سياسته الإمبريالية، إذ دعاهم للعودة إلى فلسطين لإحياء تراثهم العبري القديم مستخدماً ديباجات صهيونية تؤكد أن اليهود ليسوا أقليات دينية تندمج في أوطانها وإنما شعب عضوي يجب أن يُرحَّل إلى فلسطين. وبهذا، فإن نابليون كان يهدف إلى تصفية اليهود بوصفهم جماعة وظيفية تجارية داخل فرنسا ثم توظيفهم كجماعة استيطانية قتالية خارجها (وهذا هو جوهر الحل الصهيوني للمسألة اليهودية) .

стр. 4593

وبعد عودة الملكية، استمرت سياسة إعتاق أعضاء الجماعات اليهودية ودمجهم بشكل يكاد يكون كاملاً، فبرز كثير من أعضاء الجماعات اليهودية في الحياة العامة، بل تَنصَّرت أعداد كبيرة من أعضاء النخبة اليهودية، وبدأت أعداد منهم تدخل النخبة الحاكمة. ولم تتوقف هذه العملية مع الإمبراطورية الثانية، فانتُخب أول نائب يهودي في البرلمان عام ١٨٣٤ وعُيِّن أدولف كريميه وزيراً. وحققت أسرتا روتشيلد وبريير صعوداً في عالم المال. والتحق كثير من أعضاء الجماعات اليهودية بالقوات العسكرية، ورُقي الضباط منهم إلى أعلى الرتب. ومُنح يهود الجزائر الجنسية الفرنسية عام ١٨٧٠، ومن ثم تم تحويلهم إلى مادة بشرية استيطانية دمجت في الجماعة الاستيطانية البيضاء. ويمكن القول بأن مصير يهود فرنسا ارتبط تماماً بمصير فرنسا والفرنسيين، أي أنهم حققوا درجة عالية من الاندماج. وبرغم كل التعثرات فيما بعد، فإن فرنسا أثبتت قدرة غير عادية على استيعاب اليهود بل وهضمهم حتى أن يهود اليديشية كانوا يعبِّرون عن دهشتهم لهذه المقدرة، فكانوا يشيرون إلى فرنسا بأنها «البلد الذي يأكل اليهود» . ومع هذا، ظهرت موجة معاداة اليهود ابتداءً من منتصف القرن التاسع عشر. ويمكن إرجاع هذه الموجة إلى الأسباب التالية:

стр. 4594

١ ـ يُلاحَظ أن منتصف القرن التاسع عشر شهد بدايات وفود عمالة أجنبية يهودية إلى فرنسا، وقد تزايدت معدلات الهجرة منذ عام ١٨٨١. وساهمت هذه العمالة الأجنبية اليهودية في خلخلة وضع أعضاء الجماعة اليهودية وفصلهم عن مجتمعاتهم إذ بدأ يتم الربط بين اليهودي المحلي المندمج واليهودي الوافد، بحيث يصبح الجميع «يهوداً غرباء» دون تمييز أو تفرقة أو تخصيص (وهذه هي طبيعة الفكر العنصري دائماً) . ومما زاد الطين بلة أن معظم الوافدين كانوا من شرق أوربا ووسطها ويتحدثون اليديشية (وهي رطانة ألمانية) أو الألمانية نفسها. وكانت ألمانيا عدو فرنسا الأكبر في ذلك الوقت. ويُلاحَظ أنه، في عام ١٨٨٠، كان ٩٠% من يهود فرنسا يهوداً أصليين منحدرين من يهود العصور الوسطى، أي أنهم كانوا فرنسيين. ولكن بسبب الهجرة، أخذت النسبة تتناقص حتى وصلت عام ١٩٤٠ إلى ١٥%.

стр. 4595

واستمر هذا التيار دون توقُّف، فكلما كان أعضاء الجماعات اليهودية يحققون معدلات عالية من الاندماج في محيطهم الحضاري كانت تأتي موجة جديدة وافدة فيعاد تصنيفهم لا على أساس ما حققوه من اندماج وإنما على أساس الهوية الأجنبية للوافدين. وهذا ما حدث مرة أخرى في الستينيات، حينما هاجر يهود المغرب العربي إلى فرنسا، فدعموا الخصوصية الإثنية اليهودية على حساب الاندماج، وأصبحوا يشكلون أغلبية يهود فرنسا. ومع هذا، يجب التمييز بين يهود شرق أوربا ويهود المغرب العربي، فمعظم الوافدين من شرق أوربا ووسطها كانوا يتحدثون اليديشية، ولذا لم يمكنهم تحقيق الاندماج اللغوي بسرعة، كما أنهم كانوا يعملون بمهن مشينة مثل الربا والبغاء، ويعيشون على هامش المجتمع اقتصادياً وحضارياً. هذا على عكس يهود العالم العربي الذين كانت تتحدث أغلبيتهم الساحقة بالفرنسية وكانت أعداد كبيرة منهم تحمل الجنسية الفرنسية بالفعل (مثل يهود الجزائر) كما أنهم كانوا يحملون خبرات يحتاج إليها المجتمع الفرنسي. ولذا، لم تكن عملية دمجهم صعبة. ٢ ـ لم يكن قد تم بعد دمج يهود الألزاس واللورين الذين كانوا مرتبطين بالتراث الألماني أيضاً. كما أن أعداداً منهم كانت تقوم بالتجسس لحساب كل من الألمان والفرنسيين، الأمر الذي كان يزيد شكوك أعضاء الأغلبية منهم. وتنبه يهود فرنسا إلى خطورة الوضع فأسَّسوا عام ١٨٦٠ جماعة الأليانس، وهي جماعة توطينية تهدف إلى تحويل الهجرة اليهودية عن فرنسا وإلى دمج العناصر اليهودية الوافدة، كما لعبت دوراً مهماً في فرنسة يهود البلاد العربية والإسلامية التي احتلتها فرنسا.

стр. 4596

٣ ـ يُلاحَظ أن عملية إعتاق أعضاء الجماعات اليهودية ودمجهم، جعلتهم يتحركون من الهامش الاقتصادي إلى المركز، فبدأوا يحققون حراكاً اجتماعياً غير عادي يجعلهم مركزاً للحقد والحسد. والعمالة الوافدة عادةً ما تكون لديها مقدرة عالية على التنافس مع العمالة المحلية إذ تقنع بمستوى معيشي أقل، ومن ثم بأجور أقل، ولم يكن العمال من يهود اليديشية استثناء من القاعدة. وأدَّى الكساد الاقتصادي الذي كان سائداً آنذاك إلى تَفاقُم الأزمة وتَزايُد الحقد ضد الوافدين الأكفاء. ٤ ـ كان معظم يهود فرنسا مُركَّزين في باريس، وهو ما جعل لهم وجوداً ملحوظاً كعنصر اقتصادي ناجح. وشهدت الفترة صعود أسرتي روتشيلد وبريير، الأمر الذي ربط في الذهن الشعبي بين اليهود والرأسمالية والمضاربات والإحساس بأن ثمة هيمنة مالية يهودية على الرأسمال، وهو موضوع نجده بشكل أساسي في كتابات كثير من الاشتراكيين الفرنسيين والمعادين لليهود. ومما قوى هذا الإحساس فضيحة قناة بنما التي ألحقت الضرر بكثير من أعضاء الطبقة الوسطى. وكان بعض المموِّلين اليهود متورطين في هذه الفضيحة. كما أن إفلاس بنك يونيون جنرال، وهو بنك كاثوليكي، جعل الكثيرين يشيرون بأصابع الاتهام إلى اليهود. ٥ ـ كانت تُوجَد عناصر يهودية كثيرة في صفوف الحركات الثورية في أوربا، كما أن أعضاء الجماعات اليهودية كانوا يمثلون عنصراً بارزاً في الصراع بين العلمانيين والكنيسة الكاثوليكية، الأمر الذي ربط في الذهن الشعبي بين اليهود والثورة.

стр. 4597

٦ ـ أشرنا من قبل إلى أن ثمة خطابين فرنسيين تجاه اليهود، أحدهما اندماجي والآخر صهيوني. وقد تصاعدت حدة الخطاب الصهيوني مع تزايد اهتمام فرنسا بالشرق، وخصوصاً لبنان. ونشر إرنست لاهاران (سكرتير نابليون الثالث) كتيباً صهيونياً يدعو إلى توطين اليهود في فلسطين. ووفدت الصهيونية أيضاً مع المهاجرين من يهود اليديشية. وهي تساهم ولا شك في خلق فجوة بين أعضاء الجماعة اليهودية والمجتمع. ٧ ـ يُلاحَظ تركز أعضاء الجماعات اليهودية في العاصمة. فبعد أن ضمت ألمانيا الألزاس واللورين، بلغ عدد يهود فرنسا ستين ألفاً، منهم أربعون ألفاً في باريس. ومع نهاية القرن التاسع عشر، كان ٦٠% من جملة يهود فرنسا في باريس والبقية في مدن أخرى، أي خارج القرى والمناطق الزراعية. وعلى كلٍّ، فإن هذا هو النمط السائد بين أعضاء الجماعات اليهودية في العصر الحديث. وما يهمنا هنا هو أن الأغلبية الساحقة من الشعب الفرنسي لم يكن لها أي احتكاك بأعضاء الجماعة اليهودية، وأنها حينما كانت تحتك بهم كانت تتعرف على أقلية أجنبية حضرية لا يجيد كثير من أعضائها الحديث بالفرنسية، ولا يعرف الكثير منهم شيئاً عن الحضارة الفرنسية، الأمر الذي كان يؤدي إلى ترسيخ الأنماط الإدراكية السائدة الثابتة المتصلة بتَميُّز اليهود وعزلتهم. لكل ما تقدَّم، شهدت أواخر القرن التاسع عشر تَعاظُم الاتجاه نحو معاداة اليهود، وانفجر ذلك في قضية دريفوس. ويجب التأكيد على أن العداء لدريفوس، الذي جاء من الألزاس، كان جزءاً من عداء عام تجاه الأجانب مثل الإيطاليين، بل والأقليات الفرنسية مثل الأوكستينيان والأوفيرنيان، كما يجب التأكيد على أن الصراع كان يدور لا بين اليهود والأغيار وإنما بين العلمانيين والمتدينين. ولذا، فحينما حُسمت القضية عام ١٩٠٥، اتخذ العلمانيون إجراءات مشددة وتم فصل الدين عن الدولة تماماً.

стр. 4598

واستمرت عملية الدمج بعد ذلك التاريخ. وأثناء احتلال الألمان لفرنسا، تعرَّض المجتمع الفرنسي لإرهاب قوات الاحتلال النازية الذي لحق بأعضاء الجماعات اليهودية مثلما لحق بالشيوعيين وأعضاء المقاومة والكنيسة. وتم ترحيل آلاف اليهود الفرنسيين إلى معسكرات الاعتقال ضمن الألوف التي رُحِّلت من أعضاء المقاومة والشيوعيين وغيرهم من العناصر غير المرغوب فيها. وبلغ عدد المرحَّلين من اليهود خمسة وسبعين ألفاً، الأمر الذي يعني أن الشعب الفرنسي حمى ما يزيد على ثلثي يهود فرنسا البالغ عددهم ٢٦٠ ألفاً (عام ١٩٣٦) . فرنسا في الوقت الحاضر France at the Present استقرت في فرنسا، بعد الحرب العالمية الثانية، أعداد من المهاجرين اليهود الذين قدموا من التجمعات اليهودية الأخرى التي اقتلعها النازيون. وفي الستينيات، هاجرت أعداد كبيرة من العالم العربي فوصل إلى إسرائيل نحو مائة ألف يهودي من مصر والمغرب وتونس في الفترة ١٩٥٤ ـ ١٩٦١، كما هاجر يهود الجزائر البالغ عددهم ١١٠ آلاف عام ١٩٦٣. ثم انضم إليهم آخرون حتى أصبحوا يشكلون أغلبية يهود فرنسا البالغين نحو ٥٣٥ ألفاً عام ١٩٦٧. ويُقال إن نسبة السفارد هي ٥٤%، إن قمنا بضم أعضاء الجيلين الأول والثاني من أبناء المهاجرين. ولكن إن استبعدناهم، فإن غالبية يهود فرنسا وُلدوا فيها، و٩٥% من يهود فرنسا ممن هم تحت سن العشرين من مواليدها. وفيما يلي جدول يبيِّن تعداد اليهود في فرنسا: السنة /عدد أعضاء الجماعة اليهودية /نسبتهم إلى عدد السكان ١٨٥١ / ٧٣.٩٧٥ / ٠.٢ ١٩٠٠ / ٨٠.٠٠٠ / ٠.٢٥ ١٩١٤ / ١٠٠.٠٠٠ / ٠.٢٥ ١٩٣٣ / ٢٤٠.٠٠٠ / ٠.٥٧ ١٩٣٩ / ٣٠٠.٠٠٠ / ٠.٦ ١٩٤٥ / ١٨٠.٠٠٠ / ٠.٤ ١٩٥٠ / ٢٣٥.٠٠٠ / ٠.٦ ١٩٥٥ / ٣٠٠.٠٠٠ / ٠.٧ ١٩٦١ / ٣٥٠.٠٠٠ / ٠.٨ ١٩٦٣ / ٥٠٠.٠٠٠ / ١.١ ١٩٦٦ / ٥٢٠.٠٠٠ / ١.٠٨ ١٩٦٨ / ٥٣٥.٠٠٠ / ١.٠٧ وقد استقر عددهم عند تلك النقطة.

стр. 4599

ويُلاحَظ أنه، في عام ١٨٧٠، زاد عدد يهود فرنسا إلى ٤٠ ألفاً بسبب منح يهود الجزائر الجنسية الفرنسية. ولكن عددهم نقص حينما ضمت ألمانيا الألزاس واللورين اللتين كانتا تضمان ٣٠ ألف يهودي. ويمكننا الآن تناول إشكالية موت الشعب اليهودي في فرنسا. فرغم تَزايُد عدد يهود فرنسا، فإن هذا التزايد لم يتم من خلال التكاثر الطبيعي وإنما من خلال عملية هجرة من الخارج، وقد بدأت هذه الهجرة تفقد مفعولها. ويتنبأ الدارسون بأن يأخذ عدد يهود فرنسا في التناقص، وأنه قد لا يتجاوز ٢٠٠ ألف مع بداية القرن القادم. والأسباب التي ستؤدي إلى ذلك هي الأسباب المألوفة في مثل هذه الظاهرة. ومن أهم هذه الأسباب تَميُّز البناء الوظيفي والمهني لليهود. ويتوزع يهود فرنسا في الوظائف والمهن التالية: ٢١% في وظائف إدارية عليا. ٤٧% في وظائف إدارية متوسطة وكتابية. ١٠% عمال صناعيون ويدويون. ١٦% تجار.

стр. 4600

كما أن مستواهم التعليمي عال للغاية، إذ حصل ٢٥% من جملة يهود فرنسا على تعليم عال. وتصل النسبة إلى ٥٠% من المرحلة العمرية ٢٥ ـ ٣٠، وهذا ينطبق على أولاد المهاجرين المغاربة، وهذا يعني أنهم حققوا حراكاً اجتماعياً سريعاً وبدأوا يتحولون إلى طبقة وسطى شأنهم في هذا شأن بقية يهود فرنسا. فبعد أن اختفى العمال اليهود من أصل أوربي، وحل محلهم العمال اليهود من أصل مغربي، نجد أن هؤلاء أيضاً في طريقهم إلى الاختفاء لأن أبناء العمال المغاربة المهاجرين يدخلون المدارس ليحققوا حراكاً اجتماعياً عن طريق الحصول على وظائف إدارية راقية والانخراط في مهنة من المهن الممتازة كالطب والتدريس في الجامعة أو في قطاع من القطاعات المتميِّزة كالعلماء. وتزايد معدل التعليم بين أبناء المهاجرين الذين يدخلون الجامعات ثم يعملون بعد ذلك في قطاع التأمين والبنوك وقطاع الخدمات. وتُوجَد أعداد كبيرة من اليهود المغاربة والجزائريين في الوظائف الحكومية، وربما كان هذا جزءاً من ميراثهم الاقتصادي بوصفهم جماعة وظيفية وسيطة بين الاستعمار الفرنسي والسكان العرب المحليين. ولكن، مهما يكن الأمر، فإن هذا يعني أن اليهود يتحولون إلى مهنيين. والمهني يرتبط بعملائه ويقبل قيمهم، الأمر الذي يجعل عنده قابلية أعلى للاندماج والانصهار. والبناء الوظيفي والمهني لليهود يعني أن الريف الفرنسي لا يزال خالياً تماماً من اليهود وأنهم لا يزالون في العاصمة، وفي مدن مثل مارسيليا وليون وتولوز ونيس وستراسبورج. ويبدو أن أعداداً كبيرة من المهاجرين من العالم العربي آثرت الاستقرار في جنوب فرنسا لأن الجو والطبيعة يذكرانهم بأوطانهم السابقة وهذا يفسر ظهور الجماعات اليهودية في مدن الجنوب: نيس وتولوز وليون ومارسيليا. هذا على عكس المهاجرين من أوربا الشرقية الذين يفضلون الاستقرار في الألزاس واللورين. ومن المعروف أن سكان المدن عادةً لا يتكاثرون بوتائر عالية.

стр. 4601

ويُلاحَظ أن معدل إنجاب المرأة الفرنسية اليهودية هو ٢.٤ لكل امرأة، وهي نسبة عالية إلى حد ما وتفوق النسبة العالمية للمرأة اليهودية. ولكن يُلاحَظ أن معدل إنجاب المرأة اليهودية الفرنسية من أصل غربي هو ١.٧ طفل، وهو ما يعني أنه مع تزايد معدلات الاندماج ستتناقص الخصوبة وتختفي الأنماط التي أحضرها اليهود المغاربة معهم. والجماعة اليهودية في فرنسا جماعة مسنة، ذلك أن نحو ٣٧% منهم فوق سن ٤٥، وستتزايد كل هذه الظواهر وتتفاقم حدتها مع تَصاعُد معدلات الاندماج والعلمنة. ورغم ضخامة حجم الجماعة اليهودية، فلا يوجد في أية مدينة من مدن فرنسا أي حي يهودي يشكل إطاراً للحفاظ على الهوية اليهودية، كما كان يوجد في شمال أفريقيا وكما يوجد حالياً في الولايات المتحدة (ومع هذا، فإن أحياء اليهود في الولايات المتحدة هي نفسها تعبير عن الاندماج في مجتمع فيدرالي يسمح للأقليات والجماعات أن تحتفظ بتلك الأبعاد من هويتها وهو ما لا يتنافى مع الولاء القومي) .

стр. 4602

ولكن مشكلة الهوية اليهودية في فرنسا مشكلة خاصة إلى أقصى حد ومتداخلة. فهناك اليهود من أصل إشكنازي. وهؤلاء، مثل اليهود الأصليين، اندمجوا تماماً في المجتمع الفرنسي الذي يوشك أن يهضمهم كما هضم الألوف غيرهم من قبل. بقي بعد ذلك هوية اليهود المغاربة الذين يُقال لهم «السفارد» . ويُلاحَظ أن أغلبية يهود العالم العربي سفارد بمعنى خاص جداً. فهم ليسوا من السفارد الأصليين، بمعنى أنهم لا يتحدثون اللادينو ولا يشاركون في التراث الحضاري الثري ليهود إسبانيا. وكثير من يهود المغرب من أصل بربري واكتسبوا الصفة السفاردية من المهاجرين من إسبانيا في القرن السادس عشر. ولذا، فهم يهود مغاربة يتحدثون العربية ويكتسبون إثنيتهم من تفاعلهم مع التراث العربي ومن خلاله، ويتعبدون على الطريقة السفاردية، وأغلبيتهم الساحقة تعرف الفرنسية كما هو الحال مع كثير من أهل المغرب العربي. ويبدو أن جماعة الأليانس لعبت دوراً أساسياً في إعدادهم ثقافياً للاندماج في المجتمع الفرنسي. فالأليانس مؤسسة فرنسية يهودية. لكن يُلاحَظ أنه بينما لم تهتم الأليانس بالدراسات اليهودية في فرنسا نفسها، فإن مناهج الدراسة التابعة لها، في بلاد مثل المغرب وتونس ولبنان وسوريا مختلطة، أي فرنسية ويهودية. ولتفسير هذا التناقض، يمكننا أن نقول إن هذه المدارس باعتبارها ممثلة للثقافة والاستعمار الفرنسيين، كانت تريد أن تصبغ اليهود بصبغة فرنسية كي يقوموا بدور الجماعة الوظيفية الاستيطانية والوسيطة. ولكن تَوجُّه يهود البلاد العربية كان توجهاً دينياً، ولذا، لم يكن ثمة مفر أن تضم المناهج بعض المواد الدينية لتكون وسيلة جذب لليهود حتى لا ينفروا من المدارس الجديدة ولا يدركوا الهدف الحقيقي منها. وهذه على كلٍّ هي الطريقة المثلى للتحديث والعلمنة في المراحل الانتقالية، أي أن تتم العلمنة من خلال الخطاب الديني لا على الرغم منه. وكان هناك ١٩.٥٧٠ ألف طالب في مدارس الأليانس

стр. 4603

في الشرق العربي والبلاد الإسلامية حتى عام ١٩٦٩ ـ ١٩٧٠. ومع هذا، تجب الإشارة إلى أن يهود البلاد الإسلامية انجذبوا بشكل غير عادي للثقافة الفرنسية. فمع أن يهود مصر كان من الممكن أن يدرسوا الإنجليزية، ويهود ليبيا الإيطالية، فإن معظمهم آثر أن يتعلم الفرنسية، ولعل هذا يعود إلى الخلفية السفاردية. وقد أكد المهاجرون اليهود، من المغرب بالذات، خصوصيتهم اليهودية التي اكتسبوها من مجتمعهم العربي. وهنا تكمن المفارقة، ذلك أن عملية دمجهم في المجتمع الفرنسي تنتهي بهم إلى فقدان تراثهم الشعبي ذي الأصول العربية، وتراثهم ذي النكهة العربية الذي يشكل مصدر خصوصيتهم المغربية اليهودية. فيهوديتهم كامنة في انتمائهم المغربي. ولم يستقبل يهودُ فرنسا يهودَ العالم العربي بكثير من الترحاب بل قابلوهم بشيء من العداء (تماماً كما حدث مع يهود اليديشية من قبل) . وهم يُطلقون على اليهود المغاربة «كوشر كُسْكُسْ» ، الأمر الذي يبيِّن مدى تَداخُل خصوصيتهم اليهودية بإثنيتهم العربية. فكلمة «كوشر» تعني الطعام المباح شرعاً (حسب الشريعة اليهودية) ، و «كُسْكُسْ» هو بطبيعة الحال الطعام المغربي الشهير، وهما في حالة يهود المغرب مرتبطان ارتباطاً عضوياً بحيث يكون الواحد منهما كامناً تماماً في الآخر ولا يمكن فصلهما. ولذا، فمن المتوقع أن يؤدي تَزايُد فرنسة المهاجرين المغاربة إلى تَزايُد درجة انصهارهم (وليس اندماجهم) ، فمع أن لهم هويتهم الواضحة إلا أن قابليتهم لمثل هذا الانصهار واضحة بسبب حرصهم الشديد على الانتماء للمجتمع الجديد. ولذا، فإن المتوقع أن تقوم فرنسا بهضم اليهود المغاربة أيضاً ضمن من هضمت من أجانب.

стр. 4604

أما فيما يتصل بالعقيدة اليهودية، فقد خلقت الإصلاحات النابليونية الإطار اللازم لتحديث اليهودية من الخارج، وذلك من خلال المجالس الكنسية وتحويل الحاخامات إلى موظفين في الحكومة ومن خلال إشراف الحكومة على تدريب الحاخامات واختيار الحاخام الأكبر وخلاف هذه الوسائل. ثم نشأت محاولة للإصلاح من الداخل. ولكن اليهودية الإصلاحية مرتبطة بالتراث البروتستانتي الألماني، ولذا جرت مقاومتها (بسبب العداء الفرنسي التقليدي للثقافة الألمانية) . ومع هذا، أدخلت بعض الإصلاحات على الشعائر مثل إنقاص عدد قصائد البيوط في الصلوات، وتقليل مدة الصلوات نفسها، كما تقرَّر استخدام الأرغن على أن يقوم بالعزف عليه يوم السبت شخص غير يهودي. ولم تكن هذه القرارات ملزمة للجميع إذ تُرك لكل مجلس كنسي حرية تطبيق ما يراه مناسباً من إصلاحات. ومع هزيمة فرنسا على يد ألمانيا عام ١٨٧١، توقَّف الإصلاح تماماً بسبب الأصل الألماني لحركة الإصلاح. وهكذا تحوَّلت اليهودية الفرنسية بعيداً عن الأرثوذكسية دون أن تصل إلى صيغة إصلاحية، ومن ثم أصبحت كياناً غير متماسك يسمح بدرجة من التطور واستيعاب عناصر تجديدية تؤدي إلى مزيد من التنوع وعدم التجانس. وأدَّى تَوقُّف حركة الإصلاح الديني إلى تَصاعُد معدلات الاندماج. ففي البلاد البروتستانتية التي انتشرت فيها اليهودية الإصلاحية والمحافظة، يمكن لليهودي أن يُعدِّل شعائر دينه، بل وأن يسقط كثيراً منها ويظل يهودياً. أما في فرنسا، فإن فعل ذلك فليس أمامه سوى التخلي تماماً عن دينه الذي يشكل جزءاً مهماً من هويته، وخصوصاً أن العقيدة العلمانية في المجتمع الفرنسي تتسم بدرجة عالية من التبلور والاتساق. ومن ثم، فيمكن لمن يشاء أن يتفرنس تماماً. وقد كان لهذا الوضع أثره العميق في اليهود المغاربة الذين تستند هويتهم أساساً إلى عنصرين: أولهما شعائرهم الدينية، والآخر فلكلورهم العربي. ومع فقدانهم كلا العنصرين، لم يبق لهم

стр. 4605

شيء. ومعظم يهود فرنسا، نحو ٣٥٠ ألفاً، تمت علمنتهم ودمجهم إلى درجة أصبح من الصعب معها تمييزهم عن غير اليهود بأي شيء. أما الباقون (٢٠٠ ألف) ، فمنهم ٢٥ ألفاً فقط هم الذين ينفذون الشعائر بطريقة مستمرة و١٠٠ ألف يأكلون الطعام المباح شرعاً، و٧٥ ألفاً يكتفون بالاحتفال بعيد يوم الغفران ويحرمون أكل الخنزير أحياناً. وكثير ممن يقيمون بعض الشعائر يفعلون ذلك باعتباره تعبيراً عن الانتماء الإثني لا الديني. ويُلاحَظ أن أكثر معدلات العلمنة تُوجَد بين المهنيين، وتُوجَد أكثر العناصر تديناً بين يهود شمال أفريقيا، ولكن يُلاحَظ أن تَديُّن هؤلاء ليس تعبيراً عن إيمان ديني بمقدار ما هو تعبير عن انتماء إثني تصاعدت حدته بعد الهجرة كما يحدث عادة بين المهاجرين. كما أن الانتماء الديني ليس مهماً إلى هذه الدرجة في المجتمع الفرنسي، وشبه ماكسيم رودونسون ذلك بالانتماء إلى ناد للعب الشطرنج وهو انتماء لا يحدِّد سلوك الفرد. وقد أعلن ٢٥% من يهود فرنسا في الوقت الحاضر أنهم أعضاء في هذه الجماعة الدينية اليهودية أو تلك، مقابل ٥٠% في الولايات المتحدة. ولكن إعلان شخص عن انتمائه إلى جماعة دينية، لا يعني بالضرورة أنه متدين. وكما أسلفنا فأغلبية يهود فرنسا الساحقة لا تمارس أية شعائر دينية. وقد اكتسبت المجامع الكنسية نبرة إثنية برغم أرثوذكسيتها. وفي باريس، حيث يعيش نحو نصف يهود فرنسا، لا يوجد سوى تسعة آلاف عضو في المجمع الكنسي. ويُلاحَظ أن الجيل الجديد من الشباب اليهودي في أوربا يبتعد عن التقاليد والمؤسسات الدينية بل وغير الدينية اليهودية، وينخرط بأعداد متزايدة في صفوف اليسار، فالانتماء الإثني نفسه آخذ في التآكل.

стр. 4606

وحتى تتضح الصورة العامة والاتجاه العام نحو الاندماج، بل وربما الانصهار، يمكن أن نشير إلى أن معظم المرموقين من أعضاء النخبة اليهودية ما عادوا يُكنِّون أي احترام لتراثهم اليهودي. وتتضح معدلات الاندماج العالية في الزواج المُختلَط الذي كان قد انخفض بعض الوقت بعد وصول يهود المغرب العربي وتزاوجهم مع اليهود الفرنسيين. ففي عام ١٩٦٢، بلغت نسبة الزواج بين اليهود من أصل فرنسي واليهود من أصل مغربي جزائري ٤٢%، و٣٢% بين اليهود من أصل مغربي جزائري واليهود من شرق أوربا. وبلغت نسبة الزيجات المُختلَطة بين يهود المغرب والجزائر ويهود ليسوا من نفس الأصل ٤٤% ـ وهذه نسبة عالية إذا ما قارناها بإسرائيل، ففي عام ١٩٦٠ كان نصف عدد السكان من يهود الشرق أو اليهود السفارد والنصف الآخر يهوداً غربيين. ورغم أن كلا الفريقين كان يعيش في إسرائيل منذ عام ١٩٥٢، إلا أن نسبة الزواج بينهم لم تزد على ١٥% حتى عام ١٩٦٥. ولكن الزواج المُختلَط في فرنسا تعدَّى الشرقيين والغربيين وأصبح مرة أخرى زواجاً مُختلَطاً مع غير اليهود، الأمر الذي يؤدي إلى ذوبان الهوية.

стр. 4607

وقد كانت نسبة الزواج المُختلَط نحو واحد من ثمانية من جملة الزيجات عام ١٩٣٥، ثم أصبحت واحداً من ستة من الزيجات في الفترة من ١٩٣٦ إلى ١٩٥٥، وزادت إلى واحد بين كل ثلاثة في الفترة من ١٩٥٦ إلى ١٩٦٥، ووصلت إلى واحد من كل زيجتين في الفترة من ١٩٦٦ إلى ١٩٧٥. أما في منتصف الثمانينيات، فكان حوالي ٦٠% من جملة الزيجات مختلطة، وهذا يبيِّن مدى تفاقم الظاهرة رغم أنها لم تصل إلى ذروتها بعد. ويُلاحَظ انتشار ظاهرة التعايش المؤقت، أي أن يعيش شخصان سوياً دون أن يتزوجا. والواقع أن أعضاء مثل هذه الترتيبات المؤقتة لا يكترثون بالانتماء الديني للطرف الآخر، الأمر الذي يعني أن مثل هذه الزيجات في الغالب لابد أن تُدرَج في حساب الزيجات المُختلَطة. كما أن أبناء مثل هذه الزيجات أو هذه الترتيبات يفقدون صلتهم تماماً بالجماعة اليهودية. ويظهر الاندماج، كذلك، في انصراف أعضاء الجماعة اليهودية عن المؤسسات اليهودية، إذ لا يهتم بها سوى يهودي واحد بين كل ثمانية يهود، كما لا يتبرع للصندوق الاجتماعي اليهودي الموحد سوى ٢٠ ألف شخص.

стр. 4608

ورغم الحديث عن التفاف يهود فرنسا حول المُثُل الصهيونية، ورغم حديث يهود المغرب العربي عن الدولة الصهيونية باعتبارها تحقيقاً لنبوءة الأنبياء، إلى آخر هذه الديباجات الدينية، فإن ثمة انصرافاً فعلياً عن الصهيونية يناقض حماس اللفظ والتهاب القول. ولعل أكبر دليل على انصراف يهود فرنسا عن الصهيونية هو هذا الوجود الملحوظ ليهود المغرب العربي في فرنسا إذ فضلوها على الدولة الصهيونية. وقد لاحظ بن جوريون أن صهيونية يهود الولايات المتحدة عالية الصوت إنما هي تعبير عن تَزايُد اندماجهم الفعلي ونفس القول ينطبق على صهيونية يهود فرنسا. وعلق أحد المثقفين الفرنسيين على إيمان يهود المغرب بإسرائيل، باعتبارها تحقيقاً للنبوءات المشيحانية، بقوله: إن هذا الإيمان يجعل التعلق الرومانسي بإسرائيل بديلاً للصهيونية (الاستيطانية) بما تتطلبه من هجرة واليهودية بما تتطلبه من ضبط للنفس وطاعة للقانون. وشبَّه أحد المثقفين الفرنسيين موقف يهود فرنسا من الهجرة بأنهم مثل أعضاء فرق الإنشاد العسكرية التي ينشد أعضاؤها «تقدموا ... تقدموا» مع أنهم واقفون لا يتحركون خطوة واحدة أبداً.

стр. 4609

وعدد يهود فرنسا، في الوقت الحاضر (١٩٩٢) ، هو ٥٣٠ ألفاً، أي ٤% من يهود العالم وأقل من ١% من سكان فرنسا البالغ عددهم ٥٧.٣٧٩.٠٠٠ (بيَّن مصدر إحصائي آخر أن عددهم عام ١٩٩٥ هو ٦٠٠.٠٠٠) . وهذا يعني أنه لا يوجد صوت يهودي، وقد صَوَّت يهود فرنسا في انتخابات عام ١٩٨٨ للرئاسة على النحو التالي: ٤٤.٥% لميتران، و٤٤.٤% لشيراك أو ريمون بار، و٦.١% للحزب الشيوعي، و٢% لجان ماري لوبان. لكن هذا لا يعني أنه لا يوجد نفوذ يهودي على الإطلاق، فهو موجود إذ توجد أعداد كبيرة من يهود فرنسا أعضاءً في النخبة الحاكمة يشاركون في صنع القرار، ولكنهم لا يشاركون بوصفهم يهوداً وإنما بوصفهم فرنسيين يهوداً حققوا درجة كاملة من الاندماج، ويتضح هذا الاندماج في أشكال كثيرة من سلوكهم. كما يمارس أعضاء الجماعة نفوذاً قوياً داخل أجهزة الإعلام لا يتناسب مع نسبتهم العددية. ومنذ عام ١٩٤٨، حجز أقل من ستين ألف يهودي أماكن للسفر من فرنسا إلى الدولة الصهيونية، وعاد منهم خمسة وعشرون ألفاً. فمعظم يهود فرنسا من أتباع الصهيونية التوطينية التي تهدف إلى توطين اليهود الآخرين، حيث يكتفي المؤمن بها بإحداث أصوات تأييد صارمة عالية، وقد يرسل بعض المال ذراً للرماد في العيون. ولكن، حتى على هذا المستوى، أثبت يهود فرنسا انصرافهم عن الصهيونية. ويظهر هذا الانصراف في أن المساعدات التي تتلقاها الدولة الصهوينة من يهود سويسرا، الذين لا يزيد عددهم على ١٩ ألفاً، أكثر من تلك التي يمدها بها يهود فرنسا الذين يقترب عددهم من ستمائة ألف، إن لم يكن قد وصل إلى هذا العدد بالفعل بحسب إحدى الإحصاءات. وأهم المؤسسات التنظيمية للجماعات اليهودية في فرنسا هي ما يلي:

стр. 4610

١ـ المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا Conseil Representatif des Institutions Juives de France واختصاره CRJF. تأسَّس عام ١٩٤٤، وهو الجهة الممثلة ليهود فرنسا لدى المؤتمر اليهودي العالمي. ويضم المجلس ممثلين لنحو ٥٠ منظمة يهودية فرنسية تمثل القيادات السياسية والأيديولوجية المختلفة داخل الجماعة اليهودية، ويُعتبَر رئيسها الممثل السياسي للجماعة في فرنسا والمُخوَّل للتفاوض باسمها مع الحكومة الفرنسية. ويعمل المجلس بشكل نشيط في محاربة معاداة اليهود والدفاع عن المصالح الإسرائيلية، وفي القضايا الخاصة باليهود السوفييت. ومن ناحية أخرى، يعاني المجلس من بعض الأزمات في وظائفه الداخلية نتيجة تعدُّد الاتجاهات السياسية والأيديولوجية للمنظمات الممثلة داخله.

стр. 4611

٢ ـ الصندوق الاجتماعي اليهودي الموحَّد Fonds Social Juif Unifie، واختصاره FSJU. تأسَّس عام ١٩٤٩ لتخطيط وتنسيق النشاطات الاجتماعية والثقافية والتعليمية للجماعة اليهودية في فرنسا بصرف النظر عن الانتماءات السياسية أو الدينية لأعضاء الجماعة أو موقفهم تجاه إسرائيل، ولعب الصندوق دوراً مهماً في إعادة بناء وتنظيم حياة الجماعة اليهودية في فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية وفي استقبال واستيعاب المهاجرين اليهود من شمال أفريقيا. وموَّل الصندوق نشاطه بفضل المساهمات المالية للجنة التوزيع الأمريكية المشتركة والتعويضات الألمانية للمنظمات اليهودية الفرنسية. وبعد حرب ١٩٦٧، نسَّق الصندوق نشاطه مع النداء الإسرائيلي الموحَّد، وأسسا النداء اليهودي الموحَّد لفرنسا Appel Unifie Juif de France واختصاره AUJF والتي أصبحت الجهة المختصة بجمع التبرعات وتدبير الموارد المالية اللازمة لميزانية الصندوق. وتوزع حصيلة التبرعات بين الصندوق من ناحية والمنظمة الصهيونية العالمية والوكالة اليهودية من ناحية أخرى. ويُعتبَر الصندوق المؤسسة المركزية في حياة الجماعة اليهودية في فرنسا ولديه فروع عديدة في الأقاليم لخدمة التجمعات اليهودية، كما يشرف على شبكة اتصالات واسعة تشمل الصحافة والإذاعة وقناة تليفزيونية من المقرر افتتاحها قريباً. ٣ ـ الأليانس إسرائيليت يونيفرسل Alliance Israelite Universelle، وهي إحدى أكبر المنظمات اليهودية في فرنسا. تأسَّست عام ١٨٦٠، وتركَّز نشاطها في مجال التعليم فأسست شبكة من المدارس اليهودية في العالم العربي والإسلامي. أما اليوم، فيتركز نشاطها بالدرجة الأولى في مجال التعليم في فرنسا، وتُعَدُّ مكتبة الأليانس أهم المكتبات اليهودية في أوربا. ٤ ـ كما توجد العديد من حركات الشبيبة. وينظم القسم التعليمي للشباب اليهودي نشاط الشباب في المراكز الاجتماعية.

стр. 4612

٥ ـ وهناك العديد من المنظمات اليهودية في المجالات الخيرية والخدمة الاجتماعية من أهمها: ـ اللجنة الأمريكية المشتركة للتوزيع. ـ لجنة باريس اليهودية للعمل من أجل الرفاهية الاجتماعية (CASIP) . ـ اللجنة اليهودية للعمل من أجل الرفاهية الاجتماعية وإعادة البناء (COJASOR) . وتوجد أيضاً عدة منظمات صهيونية محلية فرنسية وفروع للمنظمات الصهيونية واليهودية العالية مثل ويزو. وأغلب الأحزاب الإسرائيلية لها فروع تابعة في فرنسا. أما الحركة الصهيوني الفرنسية Mouvement Sioniste de France فلا تزيد عضويتها عن بضعة آلاف. كما أن جمعية أبناء العهد (بناي بريت) تحتفظ بمحافل عديدة في فرنسا. وكذلك يوجد المقر الرئيسي للمؤتمر اليهودي الأوربي في باريس.....

стр. 4613

الباب الخامس: إنجلترا إنجلترا من العصور الوسطى حتى عصر النهضة England from the Middle Ages to the Renaissance كان اقتصاد إنجلترا عشية الغزو النورماندي عام ١٠٦٦ بسيطاً جداً، مبنياً على المقايضة وحسب. وكان وليام الأول، أو الفاتح، يود أن يحصل على ريعه من الأرض التي فتحها نقداً، ولذا قرر إدخال عنصر رأسمالي تجاري مالي. ووجد ضالته في أعضاء الجماعات اليهودية بسبب فائدتهم ونفعهم، وخصوصاً في تشجيع تداول العملات. ومن ثم شجع اليهود (كجماعة وظيفية استيطانية نافعة) على الاستقرار ليقوموا بدور الوسيط التجاري في هذه المنطقة الجديدة، وبدور محصلي أموال التاج. فاستوطن اليهود في إنجلترا وأسسوا جماعات في لندن وبريستول وكانتربري، ووُضعوا تحت حماية التاج ليعملوا في التجارة والربا، وإن كان قد تم استبعادهم عن نقابات الحرفيين، أي أنهم أصبحوا جماعة وظيفية وسيطة في المجتمع الإقطاعي. ويُلاحَظ أن يهود إنجلترا لم يكونوا إنجليزيين، إذ كانوا جزءاً من الثقافة الألمانية والفرنسية المجاورة، وكانوا يتحدثون الفرنسية فيما بينهم ويتسمون بأسماء فرنسية. وهذه العزلة الإثنية سمة أساسية للجماعة الوظيفية الوسيطة.

стр. 4614

ومع بداية القرن الثاني عشر، بدأ وضعهم في التدهور نظراً للهجوم عليهم من قبل الكنيسة والبارونات، ثم أخيراً من قبل العناصر الشعبية في المدينة. وكان أعضاء الجماعة اليهودية محط كراهية خاصة لارتباطهم بالملك كأقنان بلاط، بل أصبحوا جزءاً أساسياً من الصراع الأساسي في العصور الوسطى في الغرب (أي الصراع بين الملك وبقية الفئات والطبقات في المجتمع) . وتم الهجوم عليهم بشكل مخفف أثناء حملتي الفرنجة الأولى والثانية، وتزامن اعتلاء ريتشارد الأول (قلب الأسد) عام ١١٨٩ العرش مع تَصاعُد الحملة ضد الجماعة الوظيفية التجارية الوسيطة اليهودية. وحينما سافر مع حملة الفرنجة الثالثة، انتهزت القوى المعادية الفرصة وهاجمت أعضاء الجماعة اليهودية في أماكن عدة من أهمها يورك، وهو ما كان يمثل خسارة مالية فادحة للملك على وجه الخصوص. كما قامت هذه العناصر بحرق صكوك الديون. وثأر الملك لنفسه، فأرسل إلى يورك أحد الأساقفة، فقام بمصادرة أموال زعماء الهجوم، وأقال حاكم القلعة والشريف. وحينما عاد الملك نفسه عام ١١٩٤، طلب إجراء تحقيق في الموضوع برمته، وقرر تنظيم علاقة العنصر التجاري اليهودي ببقية المجتمع. فتم تأسيس نظام لتسجيل ديون اليهود تم بمقتضاه وضع صناديق في بلديات المدن الإنجليزية الرئيسية، وأُودعت فيها نسخ من كل الوثائق الخاصة بالديون، وعُيِّن أربعة موظفين (مسيحيان ويهوديان) مسئولين عن هذا الصندوق. وأُسِّست سبعة وعشرون صندوقاً في كل إنجلترا، تحت إشراف سلطة مركزية من أربعة موظفين أوصياء أو قضاة اليهود (بالإنجليزية: كاستوديانز أور جستيسز أوف ذا جوز Custodians or Justices of the Jews) تحت رئاسة خازن بيت المال اليهودي (بالإنجليزية: إكستشكر أوف ذا جوز Exchequer of the Jews) . وسهَّل هذا الهيكل التنظيمي عملية حوسلة اليهود، لصالح الملك، من خلال الضرائب المفروضة عليهم ومن خلال الضرائب والفوائد التي يجمعونها.

стр. 4615

واتَّسم حكم الملك جون (١١٩٩ ـ ١٢١٦) بالصراع بينه وبين الكنيسة والبارونات، فأصدر الملك قراراً بوضع أعضاء الجماعة اليهودية تحت سلطته القانونية المباشرة أو تحت سلطة الحكام المحليين، الأمر الذي كان يعني إنهاء أية سيطرة للبارونات أو الكنيسة علىهم. وضمنت هذه التنظيمات كثيراً من حقوق أعضاء الجماعة اليهودية وضمن ذلك حق القَسَم على التوراة، وأن يكون لهم محاكمهم الخاصة لفض المنازعات التي تقوم فيما بينهم. ويتبدَّى وضع أعضاء الجماعة اليهودية المتميِّز في الأمر الصادر للشرفاء والموظفين المحليين عام ١٢١٧ بانتخاب أربعة وعشرين شخصاً من سكان المدن لحماية السكان اليهود فيها. كما طُلب إلى أعضاء الجماعة اليهودية ارتداء شارة خاصة (عبارة عن شريطين أبيضين) لحمايتهم. وأدَّى هذا إلى ازدهارهم، فرغم أنهم كانوا أقلية صغيرة لا يزيد عدد أعضائها (بحسب أحد التقديرات) على أربعة آلاف، فإن أموالهم وممتلكاتهم كانت كبيرة. وتتضح ضخامة حجم هذه الممتلكات إذا عرفنا أن أعضاء الجماعة كانوا يؤدون نحو ٨% من جملة الضرائب التي تجمعها الدولة. ولكن وضع أعضاء الجماعة اليهودية أخذ في التدهور لعدة أسباب: ١ ـ أدَّى تَزايُد نفوذ أعضاء الجماعة إلى تَزايُد سخط البارونات عليهم. ٢ ـ كانت المدن الإنجليزية في تلك الآونة قد بدأت تزداد قوة وبدأ إسهامها في الخزانة الملكية في التَزايُد، فأخذت تطالب بضرورة التخلص من أعضاء الجماعة اليهودية. ٣ ـ أدَّى تَزايُد الجهد الذي يبذله أعضاء الجماعة اليهودية في جمع مستحقاتهم إلى تَزايُد السخط عليهم. وفي الوقت نفسه، فإنهم هم أنفسهم كانوا يزدادون فقراً بسبب تَزايُد الضرائب عليهم من قبل البلاط.

стр. 4616

٤ ـ شهدت هذه الفترة بداية ظهور بيوتات المال الإيطالية والفرنسية، مثل اللومبارد والكوهارسين، التي جعلت الاستغناء عن رأس المال اليهودي ممكناً. أما بالنسبة للأعمال التجارية، فقد حل التجار الفلمنكيون والفرنسيون والألمان والإيطاليون محل التجار اليهود. وهكذا، تحالفت عدة عناصر في جعل أعضاء الجماعة الوظيفية اليهودية عنصراً لا نفع له، وصدرت القوانين التي حدَّت من حقوقهم ومن المناطق التي يحق لهم السكنى فيها. وبالتدريج أخذت الكنيسة والبارونات في تحقيق المزيد من الانتصارات في معركتهم مع الملك جون الذي اضطر إلى قبول سيادة الكنيسة عام ١٢١٣ وإلى الاعتراف بحقوق البارونات حينما وقَّع الماجنا كارتا عام ١٢١٥. لكن تردِّي وضع الملك كان يعني، بطبيعة الحال، تردِّي وضع اليهود. وقد تردت حالتهم إلى درجة أنهم طلبوا عام ١٢٥٥ الرحيل عن إنجلترا. لكن الملك رفض طلبهم ثم قام ببيعهم ووضعهم بعض الوقت تحت حماية أخيه الذي قام بتزويدهم بالحماية المطلوبة أثناء تهمة الدم التي وجهت ضدهم (عام ١٢٥٥) كما قام بتوظيفهم لحسابه. وأثناء حرب البارونات (١٢٦٤ ـ ١٢٦٧) ضد هنري الثالث (١٢١٦ ـ ١٢٧٢) ، شُنَّت هجمات على أعضاء الجماعة اليهودية. وقد حاول إدوارد الأول، بعد اعتلائه العرش عام ١٢٧٢، أن يجد حلاً لمسألة يهود إنجلترا. فكان يرى أن أعضاء الجماعة اليهودية أصبحوا مجموعة بشرية صغيرة لم تَعُد تؤدي وظيفة اقتصادية، ومن ثم حاول توجيههم للعمل بالزراعة والتجارة والحرف ومنعهم من الاشتغال بالربا، فأصدر قانون اليهودية عام ١٢٧٥. ولكن هذه المحاولة كان محكوماً عليها بالفشل بسبب طبيعة المجتمع الغربي في العصر الوسيط وتقسيمه الهرمي الصارم. وإذا كان الأثرياء من أعضاء الجماعة اليهودية قد أمكنهم شراء الأرض، فإن الفقراء اضطروا إلى السبل غير الشريفة للعيش مثل برد حواف العملات الذهبية وهو ما كان يُنقص قيمتها. وحينما اكتُشف أمر بعضهم بعد عام ١٢٧٨،

стр. 4617

أمر الملك بتفتيش بيوتهم كما أمر بسجنهم وشنق ٢٣٩ يهودياً. واضطر الملك في نهاية الأمر إلى إصدار أمر بطرد اليهود من مقاطعة جاسكوني، ولكن رجال الكنيسة والبارونات كانوا يعرفون أن سر احتفاظ الملك بأعضاء الجماعة اليهودية هو أنه يوظفهم لحسابه ويحقق الأرباح من خلالهم، فقرروا إعطاءه عُشر الأملاك المنقولة إن هو طرد رعاياه اليهود. وبالفعل، تم طردهم نهائياً عام ١٢٩٠، ولم يكن عددهم يزيد على أربعة آلاف، وإن كانت بعض المراجع تذكر أن عددهم كان ١٢ ألفاً، بل ١٦ ألفاً. وحيث إن أعضاء الجماعة اليهودية كانوا يُعدّون عنصراً فرنسياً، سمح لهم ملك فرنسا في بداية الأمر بالاستقرار فيها. ولكنه سحب تصريحه إثر ضغوط من الكنيسة، فاستقروا في الفلاندرز، ويُقال أيضاً في إسكتلندا. ويُلاحَظ أن كره الإنجليز لليهود هو كره تكنه المجتمعات كافة لأعضاء الجماعة الوظيفية الوسيطة لا لليهود وحدهم. فحينما حل الفلمنكيون والإيطاليون والألمان من أعضاء العصبة الهانسية محل يهود إنجلترا، أصبحوا محط كراهية بعض قطاعات المجتمع رغم أنهم مسيحيون. وفي عام ١٣٨١، ثار العمال الإنجليز ضد التجار الأجانب، وطاردوا كل المنضمين إلى العصبة الهانسية واقتفوا آثارهم في أماكن العبادة داخل الكنائس، وقتلوا كل من لم يستطع النطق بلفظتي «الخبز والجبن» بلهجة إنجليزية. وفي عام ١٤٥٧، وبعد أن احتل الإنجليز أنفسهم مواقع مهمة في التجارة الخارجية والنقل البحري وأخذت المزاحمة بينهم وبين التجار الأجانب تزداد بشدة، تَعرَّض جميع تجار جنوا في لندن للاعتقال والسجن كما صودرت بضائعهم. إنجلترا منذ عصر النهضة England since the Renaissance

стр. 4618

ظلت إنجلترا خالية من اليهود تقريباً حتى نهاية القرن السادس عشر. ومع بداية القرن السابع عشر، ساد إنجلترا (بعد ظهور الحركة البيوريتانية) جو استرجاعي قوي يستند إلى أسطورة عودة المسيح. وظهر فكر مسيحي صهيوني يدعو إلى ضرورة تَواجُد اليهود في كل أنحاء الأرض وضرورة هدايتهم، أي تنصيرهم كشرط أساسي للخلاص. ولا شك في أن هذه الفرق الاسترجاعية المسيحانية (مقابل المشيحانية) تعود في جانب منها إلى تطلعات المجتمع الإنجليزي التجارية الاستعمارية. وقد لعب التجار من يهود المارانو (برتغاليين وإسباناً) ، الذين استقرت أعداد كبيرة منهم في لندن، دوراً مهماً في الحرب مع إسبانيا سواء من الناحية المالية أم الناحية الاستخبارية (قام أنطونيو فرنانديز بجمع المعلومات عن القوات الإسبانية وتوصيلها للإنجليز) . ومن ثم، بدأ التفكير في الأوساط البيوريتانية في الاستفادة من خبرات اليهود التجارية واتصالاتهم الدولية. وكان كرومويل شخصياً من أكبر المتحمسين لذلك، وخصوصاً أنه كان يرى إمكانية استخدام اليهود كجواسيس له. وتَقدَّم منَسَّى بن إسرائيل، عام ١٦٥٥، بطلب السماح لليهود بالاستيطان. كما أن بعض أثرياء اليهود المارانو قدَّموا إلتماساً عام ١٦٥٦ لإقامة مقبرة خاصة بهم وطالبوا بتوفير الحماية لهم عند ممارستهم شعائرهم الدينية باعتبارهم يهوداً. ومع أن الطلب لم يُقبَل ولم يُرفَض رسمياً، فإن الاعتراف بالمارانو كيهود كان في حد ذاته اعترافاً بحق اليهود في الاستقرار في إنجلترا، ولذا أصدر كرومويل قراراً لسلطات لندن بأن تزيح جميع الحواجز من طريق استقرار الجماعة اليهودية، بل سمح لهم بإنشاء معبد يهودي ثم مقبرة خاصة بهم. وتم الاعتراف بالجماعات اليهودية في عصر تشارلز الثاني (عام ١٦٦٤) . وأُعيدت أملاكهم التي صودرت أثناء الحرب مع إسبانيا (لأنهم كانوا يُعتبَرون حتى ذلك الوقت مسيحيين إسبان أمام القانون) . وفي عام ١٦٧٣، حصلوا على وعد بحرية

стр. 4619

العبادة وأُعيد تأكيد هذا الوعد عام ١٦٨٥. وفي عام ١٦٩٨ تم تقنين ممارسة الديانة اليهودية من خلال تشريع برلماني. وبالتدريج، ازداد يهود إنجلترا أهمية بتزايد أهمية لندن ـ قياساً إلى أمستردام ـ كمركز للتجارة العالمية. واستقرت أعداد صغيرة من اليهود الإشكناز (ممن أتوا من ألمانيا ووسط أوربا) في إنجلترا، ولكن ظلت الأغلبية العظمى من أعضاء الجماعة اليهودية فيها من السفارد. ولم يُفرَض على أعضاء الجماعة اليهودية السكنى في جيتو خاص بهم، بل ألغيت معظم القيود المفروضة عليهم، كما حصلوا على حقوق المواطنة بالتدريج ابتداءً من عام ١٧١٨ حينما صدر قرار بالسماح لليهود المولودين في إنجلترا، حتى لو كانوا من أبوين أجنبيين، بأن يمتلكوا الأراضي الزراعية. ولم تقم ضد يهود إنجلترا أية حركات شعبية عنيفة. ولعل هذا يعود إلى أنه حينما أُعيد توطين اليهود، تم توطينهم كعنصر تجاري مُستوعَب في التشكيل التجاري الأكبر. ولذا، فإنهم لم يكونوا متميِّزين وظيفياً، ولم يكن لهم حقوق خاصة، كما لم يكونوا موضوعين تحت حماية الملك أو غيره من السلطات، وإنما كانوا جزءاً لا يتجزأ من المجتمع. وساعد كل ذلك على نمو الجماعة اليهودية في إنجلترا وعلى تزايد حجم المهاجرين اليهود القادمين من أمستردام وإسبانيا والبرتغال. كما ازداد هؤلاء ثراءً وأهمية بتزايُد أهمية لندن (قياساً إلى أمستردام) كمركز للتجارة العالمية. وعمل أثرياء اليهود في السمسرة والتجارة الخارجية، وكانوا مُمثَّلين بشكل كبير في مستعمرات الإمبراطورية البريطانية المتنامية، وخصوصاً في نيويورك وبومباي وجزر الهند الغربية. ومن الشخصيات اليهودية البارزة في تلك الفترة سامسون جدعون ويوسف سالفادور اللذان قدما استشارتهما المالية المهمة للوزارات الإنجليزية المتعاقبة.

стр. 4620

وظلت الجماعة اليهودية في إنجلترا مُشكَّلة في أغلبها من السفارد وإن بدأت بعض الجماعات الصغيرة من اليهود الإشكناز القادمين من أمستردام وهامبورج ثم ألمانيا وشرق أوربا الاستقرار في إنجلترا في أواخر القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر. وكان أغلب اليهود الإشكناز أقل في المرتبة الاجتماعية من السفارد، وعمل قطاع كبير منهم كباعة متجولين في القرى والمناطق الريفية، وبالتالي نمت تجمعات من يهود الإشكناز في كثير من المدن الريفية والموانئ والمراكز الصناعية. وأسَّس الإشكناز المعبد الكبير في لندن عام ١٧٢٢. وبدأت حركة حصل بموجبها أعضاء الجماعة اليهودية على حقوقهم المدنية في القرن الثامن عشر حيث صدر عام ١٧١٨ قرار بالسماح لليهود المولودين في إنجلترا حتى لو كانوا من أبوين أجنبيين بأن يمتلكوا الأراضي الزراعية. وفي عام ١٧٥٣، قُدِّم مشروع للبرلمان البريطاني يطالب بمنح اليهود المولودين خارج البلاد حقوق المواطنة نفسها الممنوحة لأبنائهم. لكن هذا المشروع سرعان ما فشل، الأمر الذي دفع كثيراً من أثرياء اليهود إلى التخلي عن اليهودية واعتناق المسيحية. وتذهب بعض التقديرات إلى أن عدد المتنصِّرين من اليهود في القرن التاسع عشر بلغ ٢٩ ألفاً، أي نحو ثُلث يهود إنجلترا. وهذا الرقم دليل أيضاً على تَزايُد اندماج اليهود في المجتمع البريطاني.

стр. 4621

وأتاحت الحروب النابليونية لبعض العائلات اليهودية الإشكنازية، مثل عائلتي روتشيلد وجولدسميد، احتلال مواقع مرموقة في المجتمع الإنجليزي بفضل خدماتهم المالية المهمة، الأمر الذي أعطى ثقلاً للحركة المطالبة بانعتاق اليهود. وفي الثلاثينيات من القرن التاسع عشر، سُمح لليهود بالعمل في وظائف مدنية، وعُيِّن أول شريف يهودي عام ١٨٣٥. ووصلت هذه الحركة إلى قمتها بدخول ليونيل دي روتشيلد البرلمان عام ١٨٥٨. كما أصبح ابنه ناثانيل دي روتشيلد أول يهودي بريطاني يحصل على لقب لورد عام ١٨٨٥. وفي عام ١٨٩٠، تم إلغاء آخر القيود الدينية على اعتلاء مناصب ووظائف سياسية، وبالتالي أصبح انعتاق اليهود كاملاً. واحتل بعض أعضاء الجماعة مواقع ومراكز مهمة في الإدارات والوزارات البريطانية اللاحقة. ولكن، مع نهاية القرن التاسع عشر، تغيَّر التكوين الإثني ليهود إنجلترا نتيجة تَدفُّق جحافل يهود اليديشية من شرق أوربا ووسطها على إنجلترا، وغيرها من الدول، بسبب تَعثُّر التحديث. وفيما يلي إحصاء بعدد يهود إنجلترا من عام ١٦٩٠ حتى عام ١٩٨٥: السنة / عدد أعضاء الجماعة اليهودية ١٦٩٠ / ٣٥٠ - ٤٠٠ ١٧٣٤ / ٦٠٠٠ ١٧٥٣ / ٨٠٠٠ ١٨٠٠ / ٢٠.٠٠٠ ١٨٣٠ / ٢٧.٠٠٠ ١٨٤٥ / ٣٥.٠٠٠ ١٨٤٩ / ٤٠.٠٠٠ ١٨٥١ / ٣٥.٠٠٠ ١٨٥٣ / ٢٥.٠٠٠ ١٨٨٠ / ٦٠.٠٠٠ ١٨٩٠ / ١٠٠.٠٠٠ ١٩٠٠ / ١٦٠.٠٠٠ ١٩١٠ / ٢٤٢.٠٠٠ ١٩٢٠ / ٢٩٧.٠٠٠ ١٩٣٠ / ٣٣٣.٠٠٠ ١٩٤٠ / ٣٨٥٠٠٠ ١٩٥٠ / ٤٥٠.٠٠٠ ١٩٦٠ / ٤٥٠.٠٠٠ ١٩٧٠ / ٤١٠.٠٠٠ ١٩٨٥ / ٣٣٠.٠٠٠

стр. 4622

وهكذا، فبينما كان يوجد في عام ١٨٥٣ نحو ٢٥ ألف يهودي في إنجلترا، وصل عددهم إلى ٢٤٢ ألفاً عام ١٩١٠، أي بزيادة نحو عشرة أضعاف خلال ستين عاماً في مجتمع متجانس مثل المجتمع الإنجليزي. ورغم صدور تشريعات تَحُد من هجرتهم، فإن عدد يهود إنجلترا وصل عام ١٩١٤، أي عشية وعد بلفور، إلى ما بين ٢٥٠ ألفاً وإلى ٣٠٠ ألف نصفهم من يهود اليديشية، أي أن عدد يهود إنجلترا من يهود اليديشية زاد خمسة عشر ضعفاً فيما يقارب أربعين عاماً. وخلق هذا جواً من القلق في إنجلترا، وسادت شائعات تقول إن عدد المهاجرين بلغ ٧٥٠ ألفاً.

стр. 4623

وكان يهود اليديشية تجاراً صغاراً متخلفين يحملون معهم إحساساً جيتوياً عميقاً بعدم الأمن والطمأنينة. وأدَّى تواجدهم بهذه الأعداد الضخمة إلى ازدياد البطالة وازدحام المدن والجريمة. وفي بداية الأمر انخرط يهود اليديشية في الأعمال اليدوية شبه الماهرة، وخصوصاً في مجال صناعة الملابس الجاهزة. وكان الطلب على الملابس الجاهزة الرخيصة قد بدأ يزداد نسبياً في إنجلترا وغيرها من الدول الصناعية الغربية مع تنامي الطبقات المتوسطة في هذه البلاد. وكان ميراث يهود اليديشية، باعتبارهم جماعة وظيفية وسيطة، يؤهلهم لدخول هذه المجالات الجديدة والهامشية والتي كانت مازالت تتَّسم بقدر من المخاطرة وتحتاج إلى خبرات تجارية. فعملوا في «ورش العرْق» ، وهي مصانع لم تكن ظروف العمل فيها إنسانية وكان العمال يعملون فيها ساعات طويلة. وأحضروا معهم أطفالهم الذين كانوا يشكِّلون عبئاً ضخماً على المؤسسات الصحية والتعليمية. وكانت ثقافتهم يديشية أساساً ويتحدثون هذه اللغة في الشوارع، كما كانت لهم مطابعهم وجرائدهم ومعابدهم وحاخاماتهم. ولم تكن لهم هوية سياسية أو وضع قانوني محدَّد. كل هذا يناقض وضع يهود إنجلترا السفارد، أو حتى الإشكناز الذين تم صبغهم بالصبغة الإنجليزية والذين كانوا جزءاً من الأرستقراطية المالية وكانت أعدادهم صغيرة وكانوا مندمجين في مجتمعهم الإنجليزي يتحدثون بلغته، ويتمتعون بحقوقهم السياسية والمدنية والدينية الكاملة. وأدَّى هذا الوضع إلى توتر العلاقات بين الفريقين، إذ كان اليهود الإنجليز يعتبرون اليهود المتحدثين باليديشية عنصراً غريباً متخلفاً وعنصرياً يهدد مواقعهم الطبقية ومكانتهم الاجتماعية. ويضاف إلى هذا أنهم أحضروا معهم المسألة اليهودية من شرق أوربا. وكان يهود اليديشية بدورهم ينظرون إلى اليهود الإنجليز باعتبارهم باردين ومندمجين في مجتمعهم، منعزلين تماماً عن الحركات السائدة بين أعضاء الجماعات اليهودية في شرق

стр. 4624

أوربا (الصهيونية والحسيدية والتنويرية) بين يهود الشرق. ولذا، ظل الفريقان كلٌّ منهما بمعزل عن الآخر، كما أنهم لم يتزاوجوا فيما بينهم. وأدَّى وفود العناصر اليديشية إلى قيام محاولات لوقف سيل الهجرة عن طريق تأليف لجنة ملكية لدراسة القضية. ومما زاد الجو توتراً، بالنسبة إلى الجماعة اليهودية، ظهور إحساس بين العناصر الاشتراكية الراديكالية بأن اليهود يشكلون جزءاً مهماً من السياسة الإمبريالية الإنجليزية، ومن هنا كان أعداء الإمبريالية أعداء لليهود. وكان عدد اليهود بين المستوطنين الإنجليز في جنوب أفريقيا كبيراً، وبعضهم كان على علاقة قوية بملنر ورودس. وقد تحدث جـ. أ. هوبسون (الزعيم الاشتراكي وأهم المثقفين الإنجليز المعارضين للإمبريالية) عن مجموعة صغيرة من الممولين الدوليين «ألمان في أصلهم ويهود في عنصرهم» حققوا نفوذاً قوياً في جوهانسبرج. وقد وصفهم بأنهم الحثالة الحقيقية لأوربا، يسيطرون على حقول الذهب ويحتكرون صناعة الديناميت وتجارة الكحول السرية. كما يتحكمون مع سيسل رودس في الصحافة، ويتلاعبون بسوق الرقيق، ويديرون الأعمال التجارية الأساسية في كل من جوهانسبرج وبريتوريا. ويُلاحَظ أن أعداداً كبيرة أيضاً من يهود إنجلترا، وخصوصاً يهود اليديشية، انخرطوا في صفوف الحركات اليسارية والعمالية والعدمية. وأدَّى هذا إلى ارتباط أعضاء الجماعات اليهودية بأقصى اليمين والرجعية، وبأقصى اليسار والثورية، في وقت واحد. في هذا الجو، شُكلت لجنة خاصة لمناقشة هجرة يهود شرق أوربا. وقدمت حكومة بلفور، الذي كان يشغل منصب رئيس الوزراء آنذاك، مشروع قانون عام ١٩٠٢ يُسمَّى «قانون الغرباء» الذي ووفق عليه عام ١٩٠٥. ودافع رئيس الوزراء عن المشروع فأشار إلى أنه لا يمكن تَجاهُل مسألة العرْق بأية حال في أمور الهجرة، كما أشار إلى المشاكل التي حاقت بإنجلترا نتيجة الهجرة اليهودية مؤكداً ضرورة الحد منها.

стр. 4625

وفي هذا الإطار، طُرحت الفكرة الصهيونية، فعارضها اليهود الإنجليز وأيدها يهود اليديشية. وزار هرتزل إنجلترا لأول مرة عام ١٨٩٥ وألقى خطبة في حيّ إيست إند عن موضوع الهجرة، وكانت هذه أول مواجهة حقيقية بينه وبين يهود اليديشية. ثم عُقد المؤتمر الصهيوني الرابع (١٩٠٠) في لندن. وحيث إن يهود إنجلترا الأصليين كانوا من كبار معارضي المشروع الصهيوني، توجه هرتزل أساساً إلى يهود اليديشية، كما وضع نصب عينيه الوصول إلى السلطات الحاكمة مباشرة لعرض المشروع الصهيوني كرقعة تلتقي فيها المصالح العنصرية والاستعمارية بالرؤية الصهيونية. وفي عام ١٩٠٢، نجح أحد أصدقاء هرتزل في دعوته للمثول أمام اللجنة الملكية، حيث قدَّم حلاًّ صهيونياً مفاده تحويل الهجرة من إنجلترا إلى أية بقعة أخرى خارج أوربا. وانطلاقاً من هذا، عُرض مشروع شرق أفريقيا، ثم صدر وعد بلفور الذي جاء انتصاراً للمنظمة الصهيونية على يهود إنجلترا. وبعد صدور وعد بلفور، تغيَّرت الأوضاع كثيراً، ذلك أن تأييد الصهيونية لم يَعُد تأييداً لحركة قومية غربية وإنما أصبح تأييداً للمصالح الإمبريالية البريطانية. وبذا، اختفت معارضة الصهيونية بين صفوف اليهود الإنجليز، كما أن العناصر اليديشية نفسها بدأت تصطبغ بالصبغة البريطانية، وخصوصاً أنهم لم يجدوا أية عراقيل قانونية تقف في طريقهم نحو الاندماج. ومع صعود النازية في ألمانيا، هاجر ما بين ٤٠ و٥٠ ألف يهودي من ألمانيا ووسط أوربا إلى إنجلترا. ورغم أن هذه الهجرة كانت أقل في حجمها من هجرة يهود اليديشية إلا أن المهاجرين الألمان كانوا أكثر ثراء، وتشير التقديرات إلى أنه تم تحويل مبالغ ضخمة من ألمانيا إلى بريطانيا. كما أعاد المهاجرون تأسيس أعمالهم المالية والتجارية في إنجلترا، وخصوصاً في مجالات المنتجات الصيدلية والملابس الثمينة وبعض الصناعات الخفيفة الأخرى، وأصبحت لندن مركز تجارة الفراء بدلاً من ليبزيج.
следующие страницы →