← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.

стр. 4621

وأتاحت الحروب النابليونية لبعض العائلات اليهودية الإشكنازية، مثل عائلتي روتشيلد وجولدسميد، احتلال مواقع مرموقة في المجتمع الإنجليزي بفضل خدماتهم المالية المهمة، الأمر الذي أعطى ثقلاً للحركة المطالبة بانعتاق اليهود. وفي الثلاثينيات من القرن التاسع عشر، سُمح لليهود بالعمل في وظائف مدنية، وعُيِّن أول شريف يهودي عام ١٨٣٥. ووصلت هذه الحركة إلى قمتها بدخول ليونيل دي روتشيلد البرلمان عام ١٨٥٨. كما أصبح ابنه ناثانيل دي روتشيلد أول يهودي بريطاني يحصل على لقب لورد عام ١٨٨٥. وفي عام ١٨٩٠، تم إلغاء آخر القيود الدينية على اعتلاء مناصب ووظائف سياسية، وبالتالي أصبح انعتاق اليهود كاملاً. واحتل بعض أعضاء الجماعة مواقع ومراكز مهمة في الإدارات والوزارات البريطانية اللاحقة. ولكن، مع نهاية القرن التاسع عشر، تغيَّر التكوين الإثني ليهود إنجلترا نتيجة تَدفُّق جحافل يهود اليديشية من شرق أوربا ووسطها على إنجلترا، وغيرها من الدول، بسبب تَعثُّر التحديث. وفيما يلي إحصاء بعدد يهود إنجلترا من عام ١٦٩٠ حتى عام ١٩٨٥: السنة / عدد أعضاء الجماعة اليهودية ١٦٩٠ / ٣٥٠ - ٤٠٠ ١٧٣٤ / ٦٠٠٠ ١٧٥٣ / ٨٠٠٠ ١٨٠٠ / ٢٠.٠٠٠ ١٨٣٠ / ٢٧.٠٠٠ ١٨٤٥ / ٣٥.٠٠٠ ١٨٤٩ / ٤٠.٠٠٠ ١٨٥١ / ٣٥.٠٠٠ ١٨٥٣ / ٢٥.٠٠٠ ١٨٨٠ / ٦٠.٠٠٠ ١٨٩٠ / ١٠٠.٠٠٠ ١٩٠٠ / ١٦٠.٠٠٠ ١٩١٠ / ٢٤٢.٠٠٠ ١٩٢٠ / ٢٩٧.٠٠٠ ١٩٣٠ / ٣٣٣.٠٠٠ ١٩٤٠ / ٣٨٥٠٠٠ ١٩٥٠ / ٤٥٠.٠٠٠ ١٩٦٠ / ٤٥٠.٠٠٠ ١٩٧٠ / ٤١٠.٠٠٠ ١٩٨٥ / ٣٣٠.٠٠٠

стр. 4622

وهكذا، فبينما كان يوجد في عام ١٨٥٣ نحو ٢٥ ألف يهودي في إنجلترا، وصل عددهم إلى ٢٤٢ ألفاً عام ١٩١٠، أي بزيادة نحو عشرة أضعاف خلال ستين عاماً في مجتمع متجانس مثل المجتمع الإنجليزي. ورغم صدور تشريعات تَحُد من هجرتهم، فإن عدد يهود إنجلترا وصل عام ١٩١٤، أي عشية وعد بلفور، إلى ما بين ٢٥٠ ألفاً وإلى ٣٠٠ ألف نصفهم من يهود اليديشية، أي أن عدد يهود إنجلترا من يهود اليديشية زاد خمسة عشر ضعفاً فيما يقارب أربعين عاماً. وخلق هذا جواً من القلق في إنجلترا، وسادت شائعات تقول إن عدد المهاجرين بلغ ٧٥٠ ألفاً.

стр. 4623

وكان يهود اليديشية تجاراً صغاراً متخلفين يحملون معهم إحساساً جيتوياً عميقاً بعدم الأمن والطمأنينة. وأدَّى تواجدهم بهذه الأعداد الضخمة إلى ازدياد البطالة وازدحام المدن والجريمة. وفي بداية الأمر انخرط يهود اليديشية في الأعمال اليدوية شبه الماهرة، وخصوصاً في مجال صناعة الملابس الجاهزة. وكان الطلب على الملابس الجاهزة الرخيصة قد بدأ يزداد نسبياً في إنجلترا وغيرها من الدول الصناعية الغربية مع تنامي الطبقات المتوسطة في هذه البلاد. وكان ميراث يهود اليديشية، باعتبارهم جماعة وظيفية وسيطة، يؤهلهم لدخول هذه المجالات الجديدة والهامشية والتي كانت مازالت تتَّسم بقدر من المخاطرة وتحتاج إلى خبرات تجارية. فعملوا في «ورش العرْق» ، وهي مصانع لم تكن ظروف العمل فيها إنسانية وكان العمال يعملون فيها ساعات طويلة. وأحضروا معهم أطفالهم الذين كانوا يشكِّلون عبئاً ضخماً على المؤسسات الصحية والتعليمية. وكانت ثقافتهم يديشية أساساً ويتحدثون هذه اللغة في الشوارع، كما كانت لهم مطابعهم وجرائدهم ومعابدهم وحاخاماتهم. ولم تكن لهم هوية سياسية أو وضع قانوني محدَّد. كل هذا يناقض وضع يهود إنجلترا السفارد، أو حتى الإشكناز الذين تم صبغهم بالصبغة الإنجليزية والذين كانوا جزءاً من الأرستقراطية المالية وكانت أعدادهم صغيرة وكانوا مندمجين في مجتمعهم الإنجليزي يتحدثون بلغته، ويتمتعون بحقوقهم السياسية والمدنية والدينية الكاملة. وأدَّى هذا الوضع إلى توتر العلاقات بين الفريقين، إذ كان اليهود الإنجليز يعتبرون اليهود المتحدثين باليديشية عنصراً غريباً متخلفاً وعنصرياً يهدد مواقعهم الطبقية ومكانتهم الاجتماعية. ويضاف إلى هذا أنهم أحضروا معهم المسألة اليهودية من شرق أوربا. وكان يهود اليديشية بدورهم ينظرون إلى اليهود الإنجليز باعتبارهم باردين ومندمجين في مجتمعهم، منعزلين تماماً عن الحركات السائدة بين أعضاء الجماعات اليهودية في شرق

стр. 4624

أوربا (الصهيونية والحسيدية والتنويرية) بين يهود الشرق. ولذا، ظل الفريقان كلٌّ منهما بمعزل عن الآخر، كما أنهم لم يتزاوجوا فيما بينهم. وأدَّى وفود العناصر اليديشية إلى قيام محاولات لوقف سيل الهجرة عن طريق تأليف لجنة ملكية لدراسة القضية. ومما زاد الجو توتراً، بالنسبة إلى الجماعة اليهودية، ظهور إحساس بين العناصر الاشتراكية الراديكالية بأن اليهود يشكلون جزءاً مهماً من السياسة الإمبريالية الإنجليزية، ومن هنا كان أعداء الإمبريالية أعداء لليهود. وكان عدد اليهود بين المستوطنين الإنجليز في جنوب أفريقيا كبيراً، وبعضهم كان على علاقة قوية بملنر ورودس. وقد تحدث جـ. أ. هوبسون (الزعيم الاشتراكي وأهم المثقفين الإنجليز المعارضين للإمبريالية) عن مجموعة صغيرة من الممولين الدوليين «ألمان في أصلهم ويهود في عنصرهم» حققوا نفوذاً قوياً في جوهانسبرج. وقد وصفهم بأنهم الحثالة الحقيقية لأوربا، يسيطرون على حقول الذهب ويحتكرون صناعة الديناميت وتجارة الكحول السرية. كما يتحكمون مع سيسل رودس في الصحافة، ويتلاعبون بسوق الرقيق، ويديرون الأعمال التجارية الأساسية في كل من جوهانسبرج وبريتوريا. ويُلاحَظ أن أعداداً كبيرة أيضاً من يهود إنجلترا، وخصوصاً يهود اليديشية، انخرطوا في صفوف الحركات اليسارية والعمالية والعدمية. وأدَّى هذا إلى ارتباط أعضاء الجماعات اليهودية بأقصى اليمين والرجعية، وبأقصى اليسار والثورية، في وقت واحد. في هذا الجو، شُكلت لجنة خاصة لمناقشة هجرة يهود شرق أوربا. وقدمت حكومة بلفور، الذي كان يشغل منصب رئيس الوزراء آنذاك، مشروع قانون عام ١٩٠٢ يُسمَّى «قانون الغرباء» الذي ووفق عليه عام ١٩٠٥. ودافع رئيس الوزراء عن المشروع فأشار إلى أنه لا يمكن تَجاهُل مسألة العرْق بأية حال في أمور الهجرة، كما أشار إلى المشاكل التي حاقت بإنجلترا نتيجة الهجرة اليهودية مؤكداً ضرورة الحد منها.

стр. 4625

وفي هذا الإطار، طُرحت الفكرة الصهيونية، فعارضها اليهود الإنجليز وأيدها يهود اليديشية. وزار هرتزل إنجلترا لأول مرة عام ١٨٩٥ وألقى خطبة في حيّ إيست إند عن موضوع الهجرة، وكانت هذه أول مواجهة حقيقية بينه وبين يهود اليديشية. ثم عُقد المؤتمر الصهيوني الرابع (١٩٠٠) في لندن. وحيث إن يهود إنجلترا الأصليين كانوا من كبار معارضي المشروع الصهيوني، توجه هرتزل أساساً إلى يهود اليديشية، كما وضع نصب عينيه الوصول إلى السلطات الحاكمة مباشرة لعرض المشروع الصهيوني كرقعة تلتقي فيها المصالح العنصرية والاستعمارية بالرؤية الصهيونية. وفي عام ١٩٠٢، نجح أحد أصدقاء هرتزل في دعوته للمثول أمام اللجنة الملكية، حيث قدَّم حلاًّ صهيونياً مفاده تحويل الهجرة من إنجلترا إلى أية بقعة أخرى خارج أوربا. وانطلاقاً من هذا، عُرض مشروع شرق أفريقيا، ثم صدر وعد بلفور الذي جاء انتصاراً للمنظمة الصهيونية على يهود إنجلترا. وبعد صدور وعد بلفور، تغيَّرت الأوضاع كثيراً، ذلك أن تأييد الصهيونية لم يَعُد تأييداً لحركة قومية غربية وإنما أصبح تأييداً للمصالح الإمبريالية البريطانية. وبذا، اختفت معارضة الصهيونية بين صفوف اليهود الإنجليز، كما أن العناصر اليديشية نفسها بدأت تصطبغ بالصبغة البريطانية، وخصوصاً أنهم لم يجدوا أية عراقيل قانونية تقف في طريقهم نحو الاندماج. ومع صعود النازية في ألمانيا، هاجر ما بين ٤٠ و٥٠ ألف يهودي من ألمانيا ووسط أوربا إلى إنجلترا. ورغم أن هذه الهجرة كانت أقل في حجمها من هجرة يهود اليديشية إلا أن المهاجرين الألمان كانوا أكثر ثراء، وتشير التقديرات إلى أنه تم تحويل مبالغ ضخمة من ألمانيا إلى بريطانيا. كما أعاد المهاجرون تأسيس أعمالهم المالية والتجارية في إنجلترا، وخصوصاً في مجالات المنتجات الصيدلية والملابس الثمينة وبعض الصناعات الخفيفة الأخرى، وأصبحت لندن مركز تجارة الفراء بدلاً من ليبزيج.

стр. 4626

إنجلترا في الوقت الحاضر England at the Present كان يهود إنجلترا آخذين في التناقص بسبب الاندماج والهجرة رغم وصول أعداد كبيرة من يهود ألمانيا إلى إنجلترا في فترة الحرب العالمية الثانية. وبلغ عدد يهود إنجلترا ٤٣٠ ألفاً في أوائل الخمسينيات ولكنه تناقص إلى ٣٢٠ ألفاً عام ١٩٨٩ (من مجموع عدد السكان البالغ ٦٥.٨٦١.٠٠٠) ، وكان معظمهم يتركز في لندن (بنسبة ٦٠%) والبقية في مانشستر وليدز وجلاسجو. وفي عام ١٩٩٢ بلغ عدد يهود إنجلترا ٢٩٨.٠٠٠ يوجد ٢٠٠ ألف منهم في لندن. ومما يُذكَر أن السفارة الإسرائيلية في بريطانيا أشارت عام ١٩٨٨ إلى أن هناك حوالي ٣٠ ألف إسرائيلي مقيم في إنجلترا، خمسة آلاف منهم مسجلون كاحتياطيّ في الجيش البريطاني، أي أنهم اكتسبوا المواطنة البريطانية. وبهذا المعنى يمكن الحديث عن «دياسبورا إسرائيلية» في إنجلترا، وأن عدد الهاربين من صهيون لا يقل كثيراً عن عدد الهاربين من جحيم النازية.

стр. 4627

ويعاني يهود إنجلترا من ظاهرة موت الشعب اليهودي، أي تَناقُص عددهم مع احتمال اختفائهم. وفي حالة إنجلترا، يتبدَّى هذا في تَزايُد متوسط الأعمار بين أعضاء الجماعة اليهودية عنه على المستوى القومي وتَزايُد نسبة الوفيات بينهم عن نسبة الوفيات على المستوي القومي أيضاً. ففي عام ١٩٨٤، كان معدل الوفيات بين اليهود ١٥ من كل ألف مقابل ١١.٨ لكل السكان. ويزيد عدد الوفيات على عدد المواليد بمعدل ١٣٠٠ حالة سنوياً. ويبدو أن ظاهرة الإحجام عن الإنجاب، وكذلك عدم الخصوبة التي يتسم بها يهود العالم (الغربي بالذات) سائدة في إنجلترا. ولذا، فإن الزيادة الطبيعية لا تؤدي إلى تعويض الأعداد التي تفقد، كما أن عدد اليهود يتناقص بسبب تَصاعُد معدلات العلمنة والاندماج، وهما أمران مرتبطان أحدهما بالآخر تماماً. ونسبة الزواج المختلط مرتفعة إلى حد يصل إلى ٤٠ ـ ٥٠%. كما أن عدد الزيجات اليهودية أخذ في التناقص، إذ سُجِّل في عام ١٩٦٠ نحو ٣٦٦٤ حالة زواج، ثم تناقص العدد ليصبح ١١٥٣ عام ١٩٨٤ ثم ١.٠٣١ فقط عام ١٩٩٢. ويُلاحَظ تَزايُد نسبة الطلاق بين أعضاء الجماعة اليهودية إذ بلغت نحو ٣٥%. وربما كانت النسبة العامة في إنجلترا لا تختلف عن ذلك كثيراً، ولكنها تكتسب دلالة خاصة بالنسبة إلى عدد يهود إنجلترا إذ أن الطلاق مؤشر على تَفسُّخ الأسرة اليهودية وهي الإطار الذي احتفظ من خلاله أعضاء الجماعات اليهودية المختلفة بهوياتهم. ويعتبر يهود إنجلترا أنفسهم يهوداً من الناحية الدينية وحسب، وبريطانيين من الناحية العرْقية. ومن المفارقات أن هذا التصور يساعد على تَزايُد الاندماج لأن الأمور الدينية، في المجتمعات العلمانية، تُعتبَر أموراً خاصة للغاية لا تحدد سلوك الأفراد إلا في أضيق الحدود ولقد شبهها ماكسيم رودنسون بالانضمام إلى ناد للعب الشطرنج. وبالتالي، تصبح هوية اليهودي البريطاني هوية بريطانية بالدرجة الأولى. ومن بين العناصر الأخرى التي تساهم

стр. 4628

في تناقص عدد يهود إنجلترا هجرتهم خارجها. ففي عام ١٩٧١، كان يوجد ٤٤ ألف يهودي، أي ١٢% من جملة يهود إنجلترا، خارجها. وكان هؤلاء المهاجرون من مواليد إنجلترا، ولم يكونوا من العناصر المهاجرة حديثاً التي تستقر بعض الوقت ثم تستأنف الهجرة بعد فترة وجيزة. وقد تغيَّر البناء الوظيفي والمهني ليهود إنجلترا، فتركت أعداد كبيرة منهم الأعمال اليدوية شبه الماهرة، وبدأوا ينخرطون بأعداد متزايدة في الوظائف والمهن التي يصبح اليهودي هو صاحب العمل فيها (مثل أصحاب المحال الصغيرة ومصففي الشعر وسائقي التاكسيات) . وبلغت نسبة أعضاء الجماعة اليهودية العاملين في مثل هذه المهن نحو ١٥% من جملة أعضاء الجماعة اليهودية في إنجلترا (٦% على المستوى القومي) . وبطبيعة الحال، زاد عدد اليهود الذين يدخلون المهن والوظائف الإدارية، كما هو الحال مع الجيل الثالث من المهاجرين في كل أنحاء العالم الغربي. وتناقص عدد اليهود في قطاع المال، وزاد عددهم في قطاع الصناعات الاستهلاكية، مثل الخياطة والملابس، بسبب الميراث الاقتصادي الشرق أوربي. وفي الستينيات، تَركَّز ٢٠% من جملة الذكور اليهود العاملين في صناعة النسيج، و٧ ـ ٨% في قطاع الملابس الجاهزة والأثاث و٢٢% في المهن. وهذا هو النمط العام السائد في الولايات المتحدة وكندا وأستراليا وفرنسا. وكل هذا يعني أن عدد العمال اليهود آخذ في التناقص وأنهم لم يعودوا جماعة وظيفية وسيطة وإنما بدأوا يتحولون إلى طبقة وسطى، وهذا أمر يصاحبه تزايد في نسبة الاندماج.

стр. 4629

وتناقص عدد أعضاء الجماعة اليهودية الذين يعلنون ارتباطهم بالعقيدة اليهودية، فقد ذكر ١١٠ آلاف يهودي عام ١٩٧٧ أنهم أعضاء في هذا المعبد اليهودي أو ذاك (أي ثلث أعضاء الجماعة اليهودية مقابل النصف في الولايات المتحدة) . وتناقص العدد في التسعينيات بسبب تَزايُد معدلات العلمنة وعناصر أخرى. وينقسم اليهود، من الناحية الدينية، إلى سفارد وإشكناز، وإلى أرثوذكس (معتدلين ومتطرفين) وإصلاحيين. والتنظيم الديني للسفارد هو أبرشية اليهود الأسبان والبرتغاليين، وهي أقدم التنظيمات (أُسِّست عام ١٦٥٧) . يضم هذا التنظيم الأرستقراطية السفاردية القديمة التي كانت تمنع الإشكناز من الانضمام إليها. أما الأغلبية الإشكنازية، فنظمت نفسها بطريقة إنجليزية يهودية أنجليكانية، فلم تظهر حركة إصلاح ديني جذرية على الطريقة الألمانية، وإنما ظل الإصلاح الديني على الطريقة الإنجليزية الأنجليكانية، فتم تعديل الطقوس حتى تصبح أكثر لياقة وفخامة من منظور بريطاني، وظل اليهود هناك يهوداً أرثوذكس، ولكن معتدلين، تماماً كالكنيسة الأنجليكانية، أي كاثوليكية بدون البابا. وثمرة هذه العملية هو ظهور جماعة يهودية تتخذ شكل هيئة أرثوذكسية رسمية تتبع مؤسسة رسمية هي المعبد الموحَّد ومركزها لندن، وهي التي تُعيِّن الحاخام الأكبر لبريطانيا. والمعبد الموحَّد هيئة أرثوذكسية معتدلة، فهي تتبع المعايير الأرثوذكسية داخل المعبد ولكنها لا تطبقها خارجها. ولا يصاحب هذه الهوية أي تعبير حيوي عنها في المجالات الاجتماعية أو الثقافية. ولم تَعُد هذه المواقف المعتدلة تُرضي اليمين أو اليسار، ولذا أسس الأرثوذكس الحقيقيون هيئاتهم الدينية المستقلة. فأسس المهاجرون من يهود اليديشية اتحاد المعابد (١٨٨٧) . والاتحاد له محكمته الشرعية (بيت دين) الخاصة. ولكن هناك اتحاد أكثر أرثوذكسية وهو اتحاد الأبرشيات الأرثوذكسية العبرية الذي أُسِّس عام ١٩١٦. ولكن لا ينتمي سوى ٣.٥% من يهود

стр. 4630

إنجلترا لهذين الاتحادين، فالغالبية العظمى تنضم إلى المعبد الموحَّد (٣٤٠١٨ عام ١٩٩٢) أو إلى الاتحادين الإصلاحيين، وهما معابد بريطانيا العظمى الإصلاحية واتحاد المعابد الليبرالية والتقدمية (٢٦ ألفاً عام ١٩٩٢) . ولا يمكن الحديث عن صوت يهودي في إنجلترا، فعدد أعضاء الجماعة اليهودية لا يزيد على ٠.٦% من عدد السكان، أي أنهم لا يشكِّلون جماعة ضغط من الناحية العددية أو حتى من الناحية الاقتصادية بحيث يمكنهم التأثير في مسار الانتخابات، كما أن أصواتهم موزعة بين عدة دوائر. والدائرة الوحيدة التي يُوجَد فيها تَركُّز يهودي نوعاً ما هي دائرة هندون الشمالية التي لم تنتخب مرشحاً يهودياً وإنما انتخبت مارجريت تاتشر. ويبلغ عدد الأعضاء اليهود في البرلمان الإنجليزي (عام ١٩٧٤) ستة وأربعين عضواً وانخفض إلى ثمانية وعشرين عام ١٩٨٣ من أصل ٦٥٠ عضواً. والنواب اليهود يمثلون دوائر انتخابية لا يُلاحَظ فيها وجود يهودي غير عادي.

стр. 4631

وقد يتوهم البعض أن انخفاض عدد النواب اليهود في البرلمان الإنجليزي سيؤدي حتماً إلى ضعف النفوذ الصهيوني أو اليهودي، ولكن هذا مناف للحقيقة. فزيادة أو نقصان عدد النواب اليهود لا يؤثر من قريب أو بعيد على سياسة المملكة المتحدة تجاه العالم العربي. وكما قال أحد المعلقين اليهود البريطانيين، فإن أعضاء الجماعة اليهودية في إنجلترا مندمجون في الطبقة الوسطى ويصوتون مثلها، وبالتالي لا يمكن الحديث عن صوت يهودي. ومن ثم، فإننا نجد أن أعداداً متزايدة بين يهود إنجلترا تنضم لحزب المحافظين وتؤيد سياسته، شأنهم في هذا شأن أعضاء الطبقة الوسطى في المجتمع البريطاني. ومن المعروف أن أغلبية يهود إنجلترا الساحقة كانت معادية للصهيونية في بداية القرن، ومع هذا أصدرت وزارة لويد جورج وعد بلفور في عام ١٩١٧. بل إن الحكومة البريطانية نصحت أعضاء الجماعة اليهودية بعدم التهييج ضد الصهيونية التي أصبحت مصالحها من مصالح الدولة الإمبراطورية العليا. وأهم المؤسسات التنظيمية للجماعة اليهودية في إنجلترا هي ما يلي: ١ ـ مجلس النواب The Board of Deputies واسمه الكامل هو: لجنة لندن للنواب اليهود البريطانيين London Committee of Deputies of British Jews. وهو ممثل الجماعة اليهودية في بريطانيا، وأصبح منذ عام ١٩٧٥ الجهة الممثلة ليهود إنجلترا لدى المؤتمر اليهودي العالمي. وتأسس هذا المجلس بشكله الحالي في منتصف القرن التاسع عشر، ويضم ٦٠٠ نائب منتخبين من قبَل المعابد اليهودية وبعض المنظمات التي لها الحق في تعيين النواب. ويضم المجلس عدة أقسام تتولى رعاية شئون الجماعة اليهودية في إنجلترا، وتشمل: الدفاع، والعلاقات مع إسرائيل، والشئون الخارجية، والتعليم، والشئون القانونية والبرلمانية، والعلاقات العامة والمحاضرات، والذبح الشرعي، ووحدة أبحاث مخصصة لجمع البيانات الإحصائية والسكانية الخاصة بالجماعة اليهودية في إنجلترا.

стр. 4632

٢ ـ الجمعية الإنجليزية اليهودية Anglo Jewish Association. تأسست في عام ١٨٧١، وتركز نشاطها في الشئون الخارجية حيث عملت على دعم نشاط الأليانس إسرائيليت، وشكَّلت بالتعاون مع مجلس النواب (عام ١٨٧٨) اللجنة الخارجية لرعاية المصالح اليهودية في الخارج التي تم حلها بعد وصول عناصر مؤيدة للصهيونية إلى رئاسة مجلس النواب عام ١٩٤٣. وظلت هذه المنظمة معارضة للصهيونية باعتبار أن أعضاء الجماعة اليهودية في بريطانيا مواطنون بريطانيون بالدرجة الأولى يتجه ولاؤهم لدولتهم القومية التي يعيشون فيها. وظل هذا تَوجُّهها رغم تبنيها سياسة ودية تجاه إسرائيل بعد تأسيسها. ٣ ـ المجلس اليهودي لخدمات الرفاه الاجتماعي Jewish Welfare Board. تأسَّس عام ١٨٥٩ تحت اسم مجلس الأوصياء Board of Gaurdians. وهو الجهة اليهودية الأساسية العاملة في المجالات الخيرية ومجال الخدمة الاجتماعية. ٤ ـ جمعية الشباب اليهودي Association of Jewish Youth وهي المنظمة الشبابية الأساسية للجماعة اليهودية في إنجلترا. ٥ ـ المنظمات الخاصة بجمع التبرعات وتدبير الموارد المالية: ـ الصندوق القومي اليهودي The Jewish National Fund. ـ النداء الإسرائيلي الموحَّد Joint Israel Appeal. وتحتفظ جماعة أبناء العهد (بناي بريت) بشبكة من المحافل في إنجلترا وأيرلندا. أما المنظمات الصهيونية، فهي: ١ ـ الاتحاد الصهيوني لبريطانيا العظمى وأيرلندا The Zionist Feder ation of Great Britain and Ireland.

стр. 4633

تأسَّس الاتحاد الصهيوني في ٦ مارس عام ١٨٩٨ في مؤتمر كلاركويل Clerkwell Conference وهو يشارك بشكل مباشر في جميع الأنشطة الصهيونية، كما لعب دوراً كبيراً في تأسيس دولة إسرائيل. ويضم الاتحاد نحو ٧٠٠ جمعية ومؤسسة مشتركة في عضويته، كما أنه يمارس أنشطته من خلال مجموعة من اللجان التي تعالج النواحي المختلفة للحياة الصهيونية العليا. وتنسق بين أعمال هذه اللجان جميعاً لجنة تنفيذية قومية ولجنة أخرى تتكون من أعضاء مشرفين يتم اختيارهم من بين كبار اليهود في بريطانيا. ورئيس الاتحاد الصهيوني هو جـ. إدوارد سيف J. Edward Sieff وهو من الأسرة التي تملك محلات «ماركس آند سبنسر Marks and Spencer» . وبالإضافة إلى ذلك، فإن هناك لجنة عليا خاصة هي اللجنة الاقتصادية لإسرائيل، وتهدف تلك اللجنة إلى تنظيم جمع المعونات المالية لإسرائيل. ٢ ـ المنظمات الصهيونية المحلية: وتتوزع المنظمات الصهيونية المحلية والإقليمية على النحو التالي: ـ منظمات اجتماعية يهودية. ـ المنظمات الصهيونية في منطقة لندن. ـ منظمات صهيونية إقليمية أخرى. ويُلاحظ المراقب لأنشطة المنظمات الصهيونية في بريطانيا أنها تتركز في مدينة لندن بالأساس، ويرجع ذلك إلى ضخامة عدد اليهود في المدينة.

стр. 4634

الباب السادس: ألمانيا ألمانيا من العصور الوسطى حتى عصر النهضة Germany from the Middle Ages to the Renaissance يعود استقرار بعض أعضاء الجماعات اليهودية في ألمانيا إلى الحملات الرومانية، وكوَّنت الجماعات اليهودية الأولى جزءاً من المدن الرومانية العسكرية على نهري الراين والدانوب (وورمز وسبير) . وكان أول وأهم هذه المعسكرات معسكر كولونيا (وهي من كلمة لاتينية تعني مستعمرة، وكلمة «كولونيالية» أي «استعمار» مشتقة من الكلمة نفسها) . ثم استوطن يهود آخرون في ألمانيا أثناء حكم شارلمان والإمبراطورية الكارولنجية. ويَرد في القرن العاشر الميلادي ذكر تجمعات يهودية في مدن مثل كولون. كما كانت تُوجَد تجمعات في أوجسبرج وورمز ومينز. وقد كان أعضاء الجماعات اليهودية إبّان حكم الإمبراطورية الكارولنجية تحت حماية الإمبراطور، يتبعونه ويقدم هو لهم المواثيق والحماية والمزايا. وكانت علاقة الكنيسة بهم، وخصوصاً الأساقفة، طيبة على وجه العموم. وكان لليهود رئيسهم الديني الدنيوي الذي كان يُسمَّى «الآرش سينا جوجوس» أو رئيس المعبد، كما كان يُطلَق عليه «ابيسكوبوس جيود وروم» أو «أسقف اليهود» .....

стр. 4635

وأثناء حملة الفرنجة الأولى قام الأساقفة والملوك بحماية أعضاء الجماعات اليهودية من السخط الشعبي عليهم، فأصدر هنري الرابع عدة مواثيق عام ١٠٩٠ تؤكد الحقوق التي حصلوا عليها في العصر الكارولينجي بشأن حماية ممتلكاتهم وأرواحهم والتي تؤكد أيضاً حرية السفر والعبادة بالنسبة لهم. وكان أعضاء الجماعات اليهودية مُعْفَيْنَ من المكوس والضرائب التي تُفرَض على المسافرين، وكان لهم حق التقاضي فيما بينهم وحق الفصل في الأمور اليهودية المختلفة مثل الزواج والطلاق والتعليم، أي كانت لهم إدارتهم الذاتية. وسُمح لهم بالاستمرار في تجارة الرقيق وأن يقيموا في أماكن خاصة بهم كما هو الحال مع الغرباء كافة. وعادةً ما كانت هذه الأماكن في أحسن موقع بالمدن على الشارع الرئيسي أو بجوار الكوبري الذي يؤدي إلى المدينة والذي يمثل عصبها التجاري. وكان أعضاء الجماعات اليهودية يُعَدُّون عنصراً بالغ الفائدة والنفع للحكام والأمراء والأساقفة والأباطرة. ويظهر ذلك عام ١٠٨٤ في واحدة من أولى الوثائق التي ضمنت لليهود حقوقهم وامتيازاتهم، وهي خطاب الأسقف الأمير حاكم سبير، الذي دعا اليهود إلى الاستيطان في مدينته كجماعة وظيفية استيطانية، حتى يمكنه أن يحوِّلها من قرية إلى مدينة وأن يخرجها من الاقتصاد الزراعي ويدخلها الاقتصاد التجاري. وأُعطي اليهود الحق في أن يتحصنوا داخل المدينة منعاً لأية هجمات قد تقع عليهم. وحينما اندلعت الاضطرابات ضد أعضاء الجماعة، إبّان حملة الفرنجة، أرسلوا إلى هنري الرابع الذي كان في زيارة إلى إيطاليا، فأصدر أمره إلى الأدواق والأساقفة في ألمانيا بحمايتهم. ومع هذا، استمرت الاضطرابات، وذبح المتظاهرون أحد عشر يهودياً في سبتمبر ١٠٩٦، فتدخَّل الأسقف واتخذ إجراءات مضادة. ويُقال إن عدد اليهود الذين ذُبحوا في ألمانيا أساساً، وكذلك في غيرها من بلاد أوربا إبّان هذه الحملة، بلغ اثنى عشر ألف يهودي. وهو عدد مُبالَغ فيه.

стр. 4636

وحينما عاد هنري الرابع من إيطاليا، سُمح لليهود الذين تنصروا عنوة بالعودة إلى دينهم، وأمر بمعاقبة أحد الأساقفة ممن صادروا ممتلكاتهم. كما أصدر قراراً عام ١١٠٣ بأن عقوبة الهجوم على أعضاء الجماعات اليهودية أو ممتلكاتهم هي الإعدام، وأن هدنة الرب التي أُعلنت في ذلك الوقت تنطبق على اليهود انطباقها على المسيحيين، وأن اليهود يتمتعون بالحماية نفسها التي يتمتع بها القساوسة. ولا يُعرَف عدد يهود ألمانيا في هذه الفترة على وجه الدقة، ولكن من المعروف أن بعض الجماعات كان يصل عددها إلى ألفين وأنهم تركزوا أساساً على الشاطئ الغربي لنهر الراين في منطقة اللورين، وفي المراكز التجارية مثل كولونيا ومينز وسبير وورمز، وفي المراكز الدينية والسياسية المسيحية مثل براغ. وكانوا يعملون أساساً بالتجارة الدولية، ولكنهم بدأوا في هذه الفترة بالعمل في الربا أيضاً. وتمكنت السلطات الحاكمة من حماية اليهود إبّان حملة الفرنجة الثانية.

стр. 4637

وأصبحت حماية أعضاء الجماعة اليهودية جزءاً من القانون العام، فنعموا بشيء من السلام تحت حماية الإمبراطور، ومنح فريدريك الأول اليهود ميثاقاً لحماية إحدى الجماعات اليهودية عام ١١٥٧ استُخدم فيه مصطلح «أقنان بلاط» لأول مرة (وإن كان المفهوم قد ظهر قبل ذلك التاريخ) . وأدَّى هذا الوضع إلى ازدياد التصاق أعضاء الجماعة اليهودية بالسلطة الحاكمة. ولكن حمايتهم بشكل كامل لم تكن أمراً ممكناً لأن العداوة ضدهم كانت مسألة متأصلة ذات طابع جماهيري عام، فاليهودي هو الممثل المباشر الواضح للسلطة، كما أن إبهام وضعه جعل منه فريسة سهلة. وهو إلى جانب ذلك يقطن بين الجماهير ويتحرك بينها (على عكس أعضاء الأرستقراطية) . ومن ثم، كان اليهودي أضعف الحلقات في سلسلة القمع. وقد اشتغل أعضاء الجماعة اليهودية بالربا، وحدد مرسوم الدوق فريدريك الثاني في النمسا عام ١٢٤٤ الفائدة على القروض بنحو ١٧٣.٥%. وكانت القروض تُمنَح بضمان رهونات يستولى عليها المرابي عند فشل المدين في الدفع، الأمر الذي جعل الجماهير تتهمهم بامتصاص دم الشعب، ومن هنا جاءت تهمة الدم. ولم يكن حق المرابي يسقط في السلعة المرهونة لديه إن ثبت أنها مسروقة، شريطة أن يثبت أنه لم يكن يعرف أنها مسروقة، مع أن هذا مناف للقانون الألماني. ومن ثم، ارتبط أعضاء الجماعة اليهودية باللصوص والتجارة غير الشرعية. وظهرت في هذه الفترة بيوتات المال الإيطالية والقوى التجارية المحلية التي زاحمت اليهود. فبدأ وضعهم في التدهور، وخصوصاً أن الكنيسة بدأت هي الأخرى في محاربة "المرض اليهودي"، أي الربا. وعُقد المجمع اللاتراني الرابع عام ١٢١٥، وهو المجلس الذي حرَّم الربا وفرض على اليهود ارتداء زي خاص بهم وتعليق الشارة اليهودية.

стр. 4638

ومع بداية الحملة الثالثة من حملات الفرنجة، بدأ التهييج ضد أعضاء الجماعة اليهودية. فبذل فريدريك الأول قصارى جهده لوقف الثورة الشعبية، وأعلن أن جريمة قتل اليهودي عقوبتها الإعدام، أما إلحاق الأذي به فعقوبته قطع الذراع. وأخذ الاحتجاج الشعبي شكل تهمة الدم واتهام اليهود بتسميم الآبار. أما تهمة الدم، فهي ولا شك تعبير عن إحساس الجماهير بأن اليهود يمتصون دم ضحاياهم، أي ثروتهم. أما تسميم الآبار، فعلَّق عليها أحد المؤرخين المعاصرين بقوله: «إن السم اليهودي الحقيقي هو ثروتهم» ، وهو ما يبيِّن الطابع الشعبوي لهذه الاتهامات. ولعبت الكنيسة دوراً مهماً في حماية اليهود، كما قام الإمبراطور فريدريك الثاني بالتحقيق في إحدى تهم الدم المنسوبة لأعضاء الجماعة اليهودية، وأصدر عام ١٢٣٦ حكماً ببراءة المتهمين، وأُلحق بحكم البراءة قراراً يجدد الحقوق الممنوحة لليهود بمقتضى قرارات هنري الرابع. ولم يكن القرار يشير إلى يهود إمارة أو اثنتين وإنما كان يشير إلى يهود ألمانيا كافة باعتبارهم أقنان بلاط. وهذا يعني أن اليهود، وكل ما يملكون، أصبحوا من الناحية القانونية ملكاً للإمبراطور وغير خاضعين لأية سلطة أخرى داخل المجتمع. ولخَّص أحد اليهود وضع اليهود كعنصر مالي تجاري حر تابع للإمبراطور بقوله: "إن اليهود غير مرتبطين بأي مكان خاص مثل غير اليهود، وهم فقراء ولكنهم مع هذا لا يباعون كعبيد". ويظهر مدى نفع اليهود في أنهم ساهموا بما يزيد على ١٢% من دخل الخزانة الإمبراطورية كله عام ١٢٣٨، و٢٠% من الضرائب التي حصلت في المدن الألمانية، وذلك رغم قلة أعدادهم، إذ كانوا لا يزيدون على ١% أو أقل من مجموع السكان.

стр. 4639

وتغيَّر الوضع بعد القرن الرابع عشر، فبعد أن كان أعضاء الجماعات اليهودية يعملون أساساً في التجارة، بدأوا يتوجهون إلى الربا بشكل أكثر وضوحاً. فبعد إصلاح كلوني الذي حرَّم على الأديرة ورجال الدين أن يشتركوا في أعمال الصيرفة والربا، اتسع نطاق اشتغال أعضاء الجماعات اليهودية بهذه الوظيفة وأصبحوا عنصراً مهماً كمرابين يتقاضون فائدة تصل أحياناً إلى ٤٣.٥ %. ويُلاحَظ أن الإمبراطور تشارلز الرابع قد نقل عام ١٣٥٦ حقه في حماية اليهود إلى الأمراء المنتخبين (أي الذين لهم حق انتخاب الإمبراطور) وأصدر مرسوماً آخر عام ١٥٤٨ يمنح جميع الأمراء ومدن الراين حق حماية اليهود (أي حق امتلاكهم في واقع الأمر) . وبدأ الأمراء والأساقفة يُعيِّنون اليهود للقيام بالأعمال المصرفية. وصاحب ذلك تَصاعُد الهجمات الشعبية على أعضاء الجماعات اليهودية. وقامت ثورات الفلاحين ضدهم (١٣٣٥ ـ ١٣٣٧) في عدة مقاطعات ألمانية. وكانت هذه إرهاصات الثورة الكبرى التي اندلعت ضدهم مع انتشار الطاعون أو الموت الأسود في الفترة من ١٣٤١ إلى ١٣٤٩، وهي فترة انتشر فيها أيضاً توجيه تهمتي الدم وتسميم الآبار إليهم. وقامت بعض الجماعات الألمانية بدفع تعويض للإمبراطور نظير السماح لهم بالتخلص من اليهود. وبدأت في تلك المرحلة هجرة يهود ألمانيا إلى بولندا. وشهد القرن الخامس عشر استمراراً للعلاقة الوثيقة (علاقة الملكية) بين الإمبراطور والأمراء من جهة وأعضاء الجماعة اليهودية من جهة أخرى، بما يتضمنه ذلك من حق الملك في حمايتهم أو استغلالهم. ودافع الملك عن حقه هذا فأصدر مراسيم مختلفة، كما فعل الإمبراطور تشارلز الخامس (١٥١٩ - ١٥٥٦) الذي زاد الضرائب المفروضة عليهم، ولكنه في الوقت نفسه سمح لهم بزيادة الفائدة التي يتقاضونها. ألمانيا منذ عصر النهضة Germany since the Renaissance

стр. 4640

بحلول القرن السادس عشر، كانت السلطة المركزية في ألمانيا قد اختفت تقريباً، فتم عزل أعضاء الجماعات اليهودية داخل الجيتوات، وفرضت عليهم قوانين مهينة وطُردوا من كثير من المدن والإمارات الألمانية. ولكن، مع هذا، لم يتم طردهم تماماً من كل ألمانيا. فكان بوسعهم الانتقال إلى إحدى الإمارات التي تحتاج إلى خدمتهم. وشهدت هذه الفترة بدايات ظهور الرأسمالية التجارية التي سبَّبت شقاء للجماهير لم يدركوا مصدره. وكان اليهودي هو الرمز الواضح مرة أخرى لهذا الشقاء. كما أن الطبقات التجارية الصاعدة من سكان المدن دخلت في صراع مع الأمراء ورجال الكنيسة. وكان اليهودي هو حلبة الصراع، فحاول كل طرف الاستفادة من اليهود باعتبارهم عنصراً تجارياً. وكانت العناصر التجارية المحلية ترى في اليهودي غريماً لها، وخصوصاً أنه كان أداة في يد النبلاء. وظهر مارتن لوثر في تلك المرحلة، فطرح رؤيته الخاصة بضرورة تنصير اليهود. ومع نهاية القرن السادس عشر، لم يبق سوى بضع جماعات يهودية في فرانكفورت وورمز وفيينا وبراغ. وتركت حرب الثلاثين عاماً (١٦١٨ ـ ١٦٤٨) أثرها العميق في يهود ألمانيا، فبعد انتهائها، أصبحت ألمانيا مجموعة غير متماسكة من الدويلات المستقلة تحت حكم حكام مطلقين في حاجة إلى السكان والمال، وهي دويلات (إمارات ودوقيات) ذات تَوجُّه مركنتالي ترى أن مصلحة الدولة هي المصلحة العليا التي تَجب القيم والمثل الأخرى كافة. وكان أعضاء الجماعة اليهودية عنصراً أساسياً في عملية إعادة البناء والبعث التجاري ومصدراً أساسياً للضرائب، كما أصبحوا جزءاً لا يتجزأ من النظام الاقتصادي الجديد. وشهد القرن السابع عشر كذلك استقرار يهود المارانو في هامبورج حيث أسسوا بنك هامبورج، وبدأت هجرة يهود شرق أوربا من بولندا، بعد هجمات شميلنكي، حيث استوطنت أعداد منهم في هامبورج وغيرها من المدن.

стр. 4641

وظهرت تجمعات يهودية في داساو ومانهايم وليبزيج ودرسدن. وفي داخل هذا الإطار، ظهر يهود البلاط الذين ساعدوا الدويلات والإمارات التي كانوا يتبعونها على تنظيم أمورها المالية واستثماراتها، ورتبوا لها الاعتمادات اللازمة لمشاريعها وحروبها ولتمويل مظاهر الترف التي كانت تُشكِّل عنصراً أساسياً بالنسبة للحكام المطلقين. وكان يهود البلاط في منزلة وزير الخارجية والمالية ورئيس المخابرات. فكانوا يقومون بجمع المعلومات، كما كانوا أداة مهمة في يد الحكام المطلقين الألمان لابتزاز جماهيرهم وزيادة ريع الدولة. وكان يهودي البلاط (وهو عادةً قائد الجماعة اليهودية) يُعَدُّ عنصراً موالياً للدولة مكروهاً من جماهيرها، وهو ما جعل وضع الجماعة ككل محفوفاً بالمخاطر.

стр. 4642

ومع بدايات القرن الثامن عشر، وظهور جهاز الدولة القوي، لم تَعُد هناك حاجة إلى يهود البلاط ولا إلى الجماعات اليهودية كجماعة وظيفية وسيطة. وبدأت محاولات ضبط اليهود وتحديثهم، فأصدرت الدويلات الألمانية المطلقة، وبروسيا، نظماً مختلفة للإشراف على اليهود لتنظيم سائر تفاصيل حياتهم ولاستغلالهم. وكانت هذه القوانين تنظم حقوقهم وامتيازاتهم كما تحدد دخولهم، ومدى أحقيتهم في الاستيطان، ومدة بقائهم، وعدد الزيجات التي يمكن أن تتم، وعدد الأطفال المصرح لهم بإنجابهم، ومسائل الوراثة وطرق إدارة الأعمال، وسلوكهم، وضرائبهم، وحتى السلع التي يحق لهم شراؤها. ولعل القوانين التي صدرت في بروسيا هي خير مثل على ذلك، إذ تم تقسيم أعضاء الجماعة حسب مرسوم فريدريك الثاني (الأكبر) ، الصادر عام ١٧٥٠، إلى أقسام حسب وضعهم في المجتمع. وكانت أعلى الطبقات طبقة اليهود المتميِّزين بشكل عام الذين يتمتعون بكل الحقوق التي يتمتع بها المواطنون، تليها طبقة المتمتعين بحماية عامة، وهؤلاء كانوا يتمتعون بكثير من الحقوق ولكنهم لم يكن من حقهم توريثها إلا للابن الأكبر دون بقية الأولاد، ثم طبقة اليهود المتمتعين بحماية خاصة ولا يمكنهم توريث حقوقهم لأحد. أما اليهود الذين كانوا يتمتعون بتسامح الدولة، فكان لا يُسمح لهم بالزواج وكان عليهم ترك بروسيا عند رغبتهم في الزواج. وبدأت الدويلات الألمانية في تلك المرحلة محاولة دمج وتحديث أعضاء الجماعة اليهودية، فأصدر فريدريك الأكبر ميثاقاً يضمن لهم حق العبادة. وشجع كثير من الإمارات أعضاء الجماعات اليهودية، وخصوصاً المارانو، على الاستيطان فيها لتنشيط التجار. وصاحب ذلك استصدار قوانين تحمي حقوقهم الاقتصادية والسياسية والدينية.

стр. 4643

وتأثر وضع يهود ألمانيا بالثورة الفرنسية التي عَجَّلت بعملية إعتاقهم. وبعد سقوط نابليون، تقهقر وضعهم قليلاً. ولكنهم مُنحوا حقوقهم إبّان القرن التاسع عشر، وزاد اندماجهم بدرجة كبيرة. وظهرت بعد ذلك حركة التنوير، واليهودية الإصلاحية، والاتجاهات اليهودية الأخرى. ومع منتصف القرن، كان اليهود قد حصلوا على معظم حقوقهم. وفي الفترة من ١٨٧١ إلى ١٩١٤، كانوا قد حصلوا على حقوقهم كاملة واندمجوا في المحيط الثقافي تماماً، فتنصرت نسبة عالية من مثقفيهم، مثل هايني ووالد كارل ماركس وأولاد مندلسون وغيرهم، واختفت أعداد كبيرة منهم عن طريق الزواج المختلط. وكان إتمام دمج يهود ألمانيا وتحديثهم على نمط يهود الغرب ممكناً. فيهود ألمانيا كانوا يعتبرون أنفسهم من يهود الغرب باعتبار أن يهود شرق أوربا هم يهود الشرق، كما أن ارتباط يهود أوربا بالثقافة الألمانية كان أمراً واضحاً. ولكن ثمة ظروفاً خاصة بهم وببنية المجتمع الألماني أدَّت في نهاية الأمر إلى تصفيتهم وتصفية يهود أوربا خارج الاتحاد السوفيتي، وهي الظروف التي أدَّت إلى الإبادة. وفي عام ١٩٤٨، كان عدد أعضاء الجماعة اليهودية في ألمانيا عشرين ألفاً فقط، بلغ عام ١٩٩٢ نحو ٥٠.٠٠٠ من مجموع عدد السكان البالغ ٨٠.٦٠٦.٠٠٠. ويبدو أن الزيادة ناجمة عن هجرة أعداد كبيرة من اليهود مرة أخرى إلى ألمانيا، من بينهم أعداد كبيرة من الإسرائيليين الذين تركَّزوا في مهن مشينة مثل الاتجار بالمخدرات والبغاء. ونشير هنا إلى بعض التنظيمات والمؤسسات الخاصة بأعضاء الجماعة اليهودية في ألمانيا: أ) المجلس المركزي لليهود في ألمانيا. وهي المنظمة المركزية للجماعة اليهودية في ألمانيا والجهة التي تمثلهم لدى المؤتمر اليهودي العالمي ومقرها دوسلدورف. وتقوم برعاية المصالح السياسية للجماعة ورعاية المسائل الخاصة بالتعويضات، كما تهتم بمراقبة أي علامات قد تشير إلى احتمال بعث النازية.

стр. 4644

ب) النداء اليهودي الموحَّد. وهي المنظمة الأساسية المسئولة عن جمع التبرعات وتدبير الموارد المالية ومقرها فرانكفورت. جـ) المجلس المركزي لخدمات الرفاه الاجتماعي ليهود ألمانيا، ومقرها فرانكفورت. وهي المنظمة الأساسية العاملة في المجالات الخيرية ومجال الخدمة الاجتماعية. د) مؤتمر حاخامات ألمانيا الغربية. وهو الإطار الذي يضم الحاخامات الذين يقومون بمهامهم الدينية بين أعضاء الجماعة اليهودية في تجمعاتهم المختلفة. أوتو فون بسمارك (١٨١٥-١٨٩٨) Otto (Von) Bismark

стр. 4645

رجل دولة بروسي، موحِّد ومؤسس الإمبراطورية الألمانية وأول رئيس وزراء لها. اتسم بسمارك بدهائه السياسي وبقدراته الفائقة على المناورة السياسية، سواء في الداخل أو الخارج. وكانت الدولة في نظر بسمارك هي القوة، كما أن الحرب (على حدّ قول القائد والكاتب الحربي البروسي كلاوزفتز) ما هي إلا استمرار للسياسة بأشكال أخرى. فكلما ازدادت أطماع السياسة ازداد نطاق التسلُّح، وكلما ازداد نطاق التسلح اتسعت مجالات السياسة. وكان بسمارك يسعى إلى توحيد الولايات الألمانية المختلفة في إطار دولة ألمانية حديثة موحَّدة تضم الشعب الألماني. وكانت جذوره الإقطاعية، وميراثه من المبادئ المحافظة القوية، تضعه على نقيض التيارات الليبرالية، وإن تحالف معها لفترة لاستيعاب خطرها من جهة ولتحقيق أغراضه السياسية من جهة أخرى. وظل بسمارك مؤمناً بأن مستقبل الدولة الألمانية سيتشكل في ظل نظام عسكري صارم، ورفض أن يكون للبرلمان أية سلطة حقيقية على الجيش أو أن يشارك البرلمان في وضع سياسة الدولة. وخاضت بروسيا تحت قيادته عدة حروب أثبتت من خلالها إمكان تحقيق نتائج إيجابية من خلال تطبيق العلوم والأساليب البروسية في فن الحرب، كما أنذرت هذه الحرب بظهور عصر تتقرر فيه أحداث التاريخ العظمى بالقدرة النسبية للدول على استخدام مواردها الفنية والعلمية، فيكون تسيير دفة الحرب شبيهاً أكثر فأكثر بإدارة عمل صناعي واسع النطاق متشعب الفروع.

стр. 4646

أسَّس بسمارك عام ١٨٦٦، بمقتضى الدستور الجديد لذلك العام، مجلس نواب سُمي «الرايخستاج» . وحقق الليبراليون الوطنيون الأغلبية في البرلمان. لكنه، ورغم معاداته لليبرالية، تَعاوَن معهم مقابل مساندتهم له ولسياسته الخارجية والداخلية، وخصوصاً سياسته ضد الكنيسة الكاثوليكية. وتزايدت مخاوف بسمارك من الكاثوليك بعد أن حصل حزب ديني كاثوليكي معاد لبسمارك على ٥٨ مقعداً في البرلمان. وانتهج بسمارك سياسة معادية لهم فيما عرف بالكولتوركامبف Kulturkampf، أي الصراع الحضاري، حيث اشتد الصراع بين الدولة من جهة ورجال الدين الكاثوليك من جهة أخرى حول السيطرة على التعليم. وكان لهذا الصراع غرض آخر أيضاً بالنسبة لبسمارك وهو تعزيز وحدة الإمبراطورية الجديدة من خلال خلق عدو مشترك، وخصوصاً في غياب العدو الخارجي. وكان من بين الليبراليين الذين أيَّدوا بسمارك في سنواته الأولى نواب يهود أمثال إدوارد لاسكر ولودفيج بامبرجر وغيرهما. وقد كان لهذا الأخير دور مهم في السياسات المالية للحكومة الألمانية ودور مهم في تطوير البنك المركزي.

стр. 4647

ورغم أن بسمارك كان يُتَّهم أحياناً بمعاداة اليهود، إلا أن جميع مواقفه تجاه اليهود وعلاقاته بالشخصيات اليهودية ارتبطت باعتبارات المصالح السياسية أو الاقتصادية المتبادلة. وربطته صداقة بأحد أفراد أسرة روتشيلد، كما كانت له علاقة خاصة مع المفكر الاشتراكي الألماني فرديناند لاسال نظراً لموقفهما المشترك المعارض لليبرالية. ولكن أهم علاقات بسمارك المالية كانت مع المموِّل الألماني اليهودي جيرسون بليخرودر الذي استفاد بخبراته المالية إلى درجة أنه اتُهم عام ١٨٧٥، بسبب صداقته هذه، بأنه "جعل اليهود وشركاءهم الطبقة الحاكمة في ألمانيا". وقد حصل أعضاء الجماعة اليهودية في ألمانيا على كامل حقوقهم المدنية في ظل رئاسة بسمارك للحكومة. كما أيَّد بسمارك في مؤتمر برلين (١٨٧٨) القرارات الرامية لحماية حقوق أعضاء الجماعات اليهودية في دول البلقان، وتم ذلك في إطار اعتبارات العلاقات والمصالح الدولية. كان بسمارك يستاء من يهود بولندا (وهو شعور شاركه فيه يهود ألمانيا تجاه يهود شرق أوربا ذوي الثقافة اليديشية المغايرة) . إلا أن موقفه هذا نبع من استيائه من كل ما هو بولندي. وكان بسمارك مؤمناً بأن الطموحات القومية البولندية تشكل التهديد الأكبر لوجود بروسيا ووحدة ألمانيا، ولكن ابتداءً من عام ١٨٧٨ فَقَد بسمارك تأييد الليبراليين له ومن بينهم أعضاء الجماعة اليهودية بعد أن بدأ في انتهاج سياسة محافظة، وخصوصاً في مجال التجارة الخارجية، حيث أقر عام ١٨٧٩ مبدأ الحماية الجمركية على السلع الزراعية والصناعية. وكان تدهور أسعار السلع الزراعية يهدد مكانة الطبقة الأرستقراطية الريفية التي ينتمي إليها بسمارك والتي كان يريد الحفاظ على سيادتها، كما كان يريد الحفاظ على العمال الزراعيين الذين كانوا يشكِّلون المصدر الأساسي لخيرة جنود الجيش الألماني، وذلك بالإضافة إلى أن الصناعة في ألمانيا كانت قد تطوَّرت إلى حدٍّ كبير، وبالتالي، ارتفعت

стр. 4648

الأصوات المطالبة بالحماية. واستغل بسمارك محاولة اغتيال وليام الأول عام ١٨٧٨ لشن سياسة قمعية ضد الاشتراكيين، وللقيام بمحاولة لتدمير الليبراليين الوطنيين كقوة سياسية. فوضع قانوناً صارماً معادياً للاشتراكيين يضعهم تحت رحمة الشرطة، كما بدأ في التعاون مع الحزب الديني الكاثوليكي وفي رفع الإجراءات السابقة التي اتُخذت ضد الكاثوليك، وخصوصاً أن قاعدة هذا الحزب من الفلاحين الألمان كانت معادية لليبرالية ومعادية للتجارة الحرة. وتحول الاشتراكيون في ظل التوجه الجديد إلى العدو المشترك الذي وُجِّه إليه السخط الشعبي. ولم يعتمد بسمارك على القمع فقط لضرب الحزب الديموقراطي الاشتراكي، بل كان أول رجل دولة أوربي يطور نظاماً شاملاً للتأمين الاجتماعي، وبالتالي حرم الحزب الذي كان ينمو نمواً مطرداً من مقدرته على إثارة الفقراء وإذكاء سخط المحرومين. وبالإضافة إلى ذلك، كان بسمارك يعي أنه إذا أراد الإبقاء على بنَى نظمه ومؤسساته سلمياً، فإن عليه تخفيف معاناة الطبقات العاملة، وقد كان ذلك يتفق مع رؤيته الأبوية لدور الدولة. صاحب توسع ألمانيا الصناعي والتجاري تَزايُد المطامع الاستعمارية، وتكوَّنت عام ١٨٨٣ الشعبة الاستعمارية في الرايخستاج، ونجح بسمارك خلال عام واحد فقط في الحصول لألمانيا على مستعمرات في مناطق عديدة من أفريقيا. ولكن، مع دخول ألمانيا حلبة الاستعمار، تضاعفت فرص الاحتكاك بينها وبين إنجلترا التي كانت تمتلك العديد من المستعمرات في أنحاء العالم. وقد استغل بسمارك هذه الخلافات مع إنجلترا كقضية محورية لانتخابات عام ١٨٨٤. وفي هذه الفترة، بدأت تُطرَح حلول للمسألة اليهودية داخل التشكيل الاستعماري، ومن ثم بدأ الحديث عن فلسطين باعتبارها مجالاً حيوياً لأوربا يمكن إلقاء اليهود فيه.

стр. 4649

أقام بسمارك عام ١٨٧٢ التحالف الإمبراطوري الثلاثي مع روسيا والإمبراطورية النمساوية المجرية. وفي عام ١٨٧٩، أبرم معاهدة سرية مع النمسا، وانضمت إليها إيطاليا عام ١٨٨٢، ثم أبرم معاهدة سرية أخرى مع روسيا عام ١٨٨٧. وكانت هذه التحالفات تهدف إلى منع اندلاع حرب بين روسيا والإمبراطورية النمساوية المجرية حول دول البلقان قد تتورط فيها ألمانيا، كما كانت موجهة أيضاً إلى فرنسا التي اعتبرها بسمارك عدو ألمانيا الأخطر، نظراً لرغبتها في الانتقام لهزيمتها أمام ألمانيا. وانتهج بسمارك سياسة تهدف إلى عزل فرنسا في أوربا، واستغل المطامع الاستعمارية الأوربية كأداة لدبلوماسيته المعادية لفرنسا، فشجع فرنسا على استعمار تونس لتحتك بإيطاليا، وشجع إنجلترا على استعمار مصر كي تدخل في صراع مع فرنسا. ورغم أنه كان ملكياً في ألمانيا، إلا أنه شجع النظام الجمهوري في فرنسا حيث كان يراه أضعف جميع أشكال الحكم وأسوأها، وأنه سيخلق فجوة عقائدية بين فرنسا من جهة وبين الإمبراطوريتين الروسية والنمساوية المجرية من جهة، الأمر الذي يُضعف احتمالات تحالفهما معها ضد ألمانيا.

стр. 4650

وقد أقيل بسمارك من منصبه عام ١٨٩٠ بعد أن جاء الإمبراطور الشاب وليام الثاني الذي قال:"ليس هناك غير سيد واحد في هذه المملكة هو أنا". ولا شك في أن بسمارك كان شخصية فذة، رسَّخ، خلال ثمان وعشرين سنة من إدارته الدولة بنجاح، قواعد مهمة في السياسة والعلاقات الدولية شكلت ميراث الدول الأوربية والغربية بصفة عامة. فقد أشعل الحروب ودبر المؤامرات وأقام التحالفات وأبرم المعاهدات وآمن بالقوة باعتبارها أساساً في العلاقات الدولية وآمن بسياسة الخداع والمناورة بعيداً عن اعتبارات الحق والأخلاق، إلا أنه آمن في الوقت نفسه بفن الممكن فلم يسع إلى السيطرة على أوربا ولكن إلى تحقيق التوازن بين القوى الكبرى واللعب على التناقضات فيما بينها بمهارة فائقة بما يحقق في نهاية الأمر مصالح الإمبراطورية الألمانية. الباب السابع: النمسا وهولندا وإيطاليا النمسا Austria يعود استقرار أعضاء الجماعات اليهودية في النمسا إلى أيام الغزو الروماني. ومع العصور الوسطى، أصبح تاريخ يهود النمسا هو تاريخ يهود فيينا. وتحدَّد ووضع اليهود بوصفهم أقنان بلاط وجماعة وظيفية وسيطة في تلك الآونة شأنهم في هذا شأن كل الجماعات اليهودية في أوربا. وقد أصدر الدوق فريدريك الثاني (عام ١٢٤٤) ميثاقاً يمنح اليهود مزايا ويحدد حقوقهم كيهود بلاط، وأصبح هذا الميثاق نموذجاً للمواثيق المماثلة في المجر وبوهيميا وسيليزيا وبولندا. ومع صدور الفرمان الذهبي عام ١٣٥٦، وُضع اليهود تحت حماية الحكام الإمبراطوريين المنتخبين «إليكتورز Electors» ، فأصبح لهم حق فرض الضرائب على أعضاء الجماعات اليهودية وحمايتهم أو طردهم دون تَدخُّل الإمبراطور. وطُرد اليهود جميعاً من النمسا عام ١٤٢١، ولكنهم مع هذا لم يختفوا تماماً.

стр. 4651

سمح فريدريك الثالث (١٤٤٠ ـ ١٤٩٣) لليهود بالعودة، ولذا سُمِّي «ملك اليهود» .ولكن ماكسيميليان الأول (١٤٩٣ ـ ١٥١٩) أصدر أمراً بطردهم، وخصوصاً أن بعض المقاطعات وعدت بتعويض الإمبراطور عما سيحيق به من خسائر مالية نتيجة لذلك، وظل هذا هو النمط العام السائد: يُطرَد أعضاء الجماعات اليهودية من بعض المقاطعات فيدخلون غيرها، ثم يُسمَح لهم بالعودة، وهكذا. وفي القرن السابع عشر، ظهر يهود البلاط ومن أهمهم سامسون فرتايمر وصموئيل أوبنهايمر. وظل وضع الجماعة اليهودية كجماعة وظيفية وسيطة قائماً ولكن قلقاً، وقد وصفتهم الإمبراطورة ماريا تريزا بأنهم «وباء» وبأنهم «مرابون غشاشون» ، وفرضت عليهم ضرائب ثقيلة. كما أصدرت عام ١٧٤٤ أمراً بطردهم من بوهيميا حينما انتشرت شائعة بأنهم خانوا النمسا أثناء حربها مع فريدريك الأكبر إمبراطور بروسيا. ولكن السلطات المحلية وجدت أن لليهود نفعاً كبيراً، فتوسطت لإلغاء قرار الطرد، وتم ذلك فعلاً عام ١٧٤٨. وفي عام ١٧٦٠، أصدرت ماريا تريزا مرسوماً بأن يرتدي اليهود غير الملتحين شارة اليهود ولكنها منعت تعميد الأطفال بالقوة. ويبدو أن محاولة إصلاح اليهود بدأت في عهدها، فأصدرت أمراً بتيسير عملهم كصباغين وجواهرجية وبائعي ملابس يصنعونها بأنفسهم، وإن كان من الواضح أن هذه هي بعض الحرف التي عملوا فيها نظراً لارتباطها بالوظائف التي تضطلع بها الجماعة الوظيفية الوسيطة.

стр. 4652

وبدأت المحاولات الجادة لدمج اليهود والقضاء على عزلتهم وخصوصيتهم في عهد جوزيف الثاني الذي أصدر عام ١٧٨٢ براءة التسامح، وهي من أهم الوثائق في تواريخ الجماعات اليهودية في الغرب والتي تهدف إلى تحويل اليهود إلى عنصر نافع للدولة. وقد مُنح اليهود بالفعل حقوقهم الكاملة عام ١٨٦٧، فأُتيحت لهم فرص التعليم والحراك الاجتماعي. ثم تصاعد دمج اليهود في المجتمع النمساوي وفي كل أرجاء الإمبراطورية النمساوية المجرية، فاشترك كبار المموِّلين اليهود ومن بينهم أسرة روتشيلد في عملية التصنيع، وانتُخب أعضاء يهود في المجالس النيابية، وأُعيد تنظيم الجماعة اليهودية بحيث أصبح لكل منطقة جماعة يهودية واحدة بغض النظر عن الخلافات الدينية بين أعضائها. ووصلت أعداد كبيرة من يهود اليديشية من المجر وجاليشيا وبكوفينا إلى النمسا، واستوطنوا فيينا التي تزايد عدد سكانها من اليهود لهذا السبب. وقد كان عدد يهود فيينا عام ١٨٤٦ نحو ٣.٧٣٩، زاد إلى ٩.٧٣١ عام ١٨٥٠ وإلى ١٥.٠٠٠ عام ١٨٥٤. وفي عام ١٩٢٣، كان عددهم ٢٠١.٥١٣. وساعد هذا الوضع على ظهور الصهيونية التوطينية. وكانت فيينا المدينة التي يعمل فيها هرتزل مؤسِّس الصهيونية، والتي قضى فيها معظم حياته. كما أدَّى تزايد اليهود إلى تزايد معدلات معاداة اليهود، فظهرت أحزاب معادية لليهودية مثل الحزب الاجتماعي المسيحي الذي كان زعيمه كارل ليوجر. ولكن الحكومة اتخذت موقفاً معادياً لهذه الأحزاب.

стр. 4653

وبعد الحرب العالمية الأولى، كان عدد اليهود ٣٠٠ ألف منهم ٢٠١.٠١١ في فيينا. وكان أعضاء الجماعة اليهودية يشكلون الأغلبية في عدة قطاعات استهلاكية، فكانت نسبتهم تتراوح بين ١٠٠% و٦٥% من مالكي المصارف والمطاعم وتجارة الخمور والأحذية والفراء والمنسوجات والأخشاب وصناعة الأثاث والصحف وشركات الإعلانات ومحطات الإذاعة وقطاع السينما وصالونات التجميل. وتركزوا كذلك في تجارة البترول والزيوت والقبعات. وكانت النسبة تصل أحياناً إلى ٩٤% (المطاعم) بل إلى ١٠٠% (تجارة الخردة) . وتركزوا كذلك في مهن بعينها دون غيرها، فكانوا يشكِّلون ٧٠% من جملة العلماء و٥١% من جراحي الأسنان والأطباء و٢٣% من أساتذة الجامعة (منهم ٤٥% في كليات الطب) و٦٢% من جملة المحامين و٥٥% من جملة الصاغة. كان هذا هو الوضع الاقتصادي الذي تَحدَّث عنه هرتزل حينما وصف اليهود بأنهم طبقة وسطى ومثقفون، وهو ما يبين جهله الشديد بوضع يهود شرق أوربا أي يهود اليديشية. وقد بيَّن إحصاء عام ١٩٢٣ أن عدد اليهود في النمسا هو ٢٢٠.٢٠٨، أما إحصاء عام ١٩٣٤ فيبين أن عددهم هو ١٩١.٤٨١، أي ٢.٨% من جملة السكان، أي أن عدد اليهود نقص ٢٨.٧٢٧ في نحو عشرة أعوام. ولعل هذا كان بسبب تناقص نسبة المواليد. وكان عدد المواليد في فيينا ٢.٧٣٣ نسمة عام ١٩٢٣، هبط إلى ١.٣٦٢ عام ١٩٢٨ ثم إلى ٩٠٠ عام ١٩٣٣ وإلى ٧٥٧ عام ١٩٣٦. وفي الوقت نفسه، زاد معدل الوفيات، ففي عام ١٩٢٣ كان عدد الوفيات ٢.٥٧١ في فيينا، زاد إلى ٢.٦٦٩ عام ١٩٢٨ وإلى ٢.٦٨٩ عام ١٩٣٣ وإلى ٢.٧٥١ عام ١٩٣٦، أي أن عدد الوفيات زاد عن عدد المواليد بنحو ألفي نسمة عام ١٩٣٦. وهذه الأرقام قد تفيد في تحديد عدد ضحايا الإبادة الحقيقي.

стр. 4654

وبعد الحرب العالمية الثانية، بلغ عدد يهود النمسا نحو ١٢ ألفاً. ويبلغ عددهم في الوقت الحاضر ٣٠٠٠ من مجموع السكان البالغ عددهم ٧.٨٠٥.٠٠٠، وهم مندمجون تماماً في مجتمعهم. ومن أهم يهود النمسا المستشار كرايسكي، وهو يهودي معاد للصهيونية. ويقوم كثير من يهود الاتحاد السوفيتي بالتوقف في النمسا وتغيير مسارهم، فيتجهون إلى الولايات المتحدة بدلاً من إسرائيل. وتضم النمسا تنظيمات ومؤسسات ينتظم فيها أعضاء الجماعة اليهودية من أهمها: اتحاد الجماعات اليهودية في النمسا. وهي المنظمة المركزية التي تمثل الجماعات اليهودية المختلفة في النمسا، والجهة التي تمثلهم لدى المؤتمر اليهودي العالمي. كما تُوجَد منظمات صهيونية مختلفة. وتضم فيينا المعبد اليهودي الأساسي، كما توجد حجرات مخصصة للعبادة للجماعة السفاردية والجماعات الأرثوذكسية. كما توجد معابد أخرى في مدن بادن ولنز وسالزبورج. ويترأس الجماعة اليهودية من الناحية الدينية كبير الحاخامات، إلا أنه لا يحظى باعتراف الجماعة الأرثوذكسية. هولندا Holland

стр. 4655

كانت هولندا في العصور الوسطى في الغرب جزءاً من الإمبراطورية الرومانية المقدَّسة. ولذا، كان وضع أعضاء الجماعة اليهودية فيها يشبه وضعهم في مختلف أرجاء أوربا، أي أقنان بلاط وجماعة وظيفية وسيطة. ويبدأ التاريخ الحقيقي للجماعة اليهودية بوصول يهود المارانو (السفارد) مع نهاية القرن السادس عشر الميلادي. وقد استقرت أغلبية المارانو في أمستردام، ولم يتم الاعتراف بهم كمواطنين هولنديين في بادئ الأمر. إلا أنهم، بعد قليل، أُعطوا حقوقهم كافة وتمتعوا بدعم هولندا خارج حدودها. بل إن السلطات الهولندية كانت تفضل اليهود على الكاثوليك، ولذا سُمِّيت أمستردام «القدس الثانية» . ولحق بالسفارد أعداد من الإشكناز ابتداءً من عام ١٦٢٠ إلى أن فاقوهم عدداً وإن ظلوا في الوضع الأدنى طبقياً واجتماعياً وفكرياً. وأصبحت الجماعة اليهودية في أمستردام أكبر جماعة يهودية في غرب أوربا، بلغ عددها عشرة آلاف، وكان ثقلها الاقتصادي يفوق ثقلها العددي. وكان يهود المارانو، رغم طردهم من شبه جزيرة أيبريا، تربطهم علاقة قوية بوطنهم الأم، وكانوا يجيدون الإسبانية والبرتغالية وبعض اللغات الأوربية الأخرى. ولذا، كانوا يتاجرون مع إسبانيا والبرتغال ويمثلونهما في كثير من أنحاء أوربا، ويشكلون حلقة اتصال مهمة بين شقي أوربا البروتستانتي والكاثوليكي، بل كانت شبكة التجارة اليهودية تمتد لتشمل الدولة العثمانية وموانئ البحر الأبيض المتوسط التي كان فيها عنصر سفاردي ماراني قوي. كما كان يوجد يهود سفارد في العالم الجديد، في البرازيل وسورينام وغيرهما، وكذلك في جزر الهند الغربية وفي أجزاء من أفريقيا، وهو ما وسع نطاق الشبكة. كما ازدادت الحلقة اتساعاًً من خلال يهود الأرندا في بولندا ويهود البلاط في وسط أوربا. لكل هذا، لعب أعضاء الجماعة اليهودية دوراً اقتصادياً مهماً تميل بعض الدراسات إلى المبالغة في أهميته. وكان من بين اليهود من يعمل بالربا وتجارة الجملة

стр. 4656

والتجارة الدولية، وكذلك تجارة الماس والتبغ والحرير والرقيق. وقد أصبحت أمستردام مركزاً للتجارة بسبب عدة عناصر من بينها وجود عدد كبير من اليهود السفارد فيها. كما كانوا يشتغلون بالشئون المالية في شركات تأمين ومصارف، وكسماسرة ويهود بلاط (وحينما ذهب وليام الثالث ليعتلي عرش إنجلترا، اقترض نحو مليوني جلدر من أحد يهود البلاط السفارد) . وكان بينهم طابعو كتب وأصحاب معامل تكرير سكر. كما كان منهم الأطباء والصيادلة. وبلغ نفوذ أعضاء الجماعة المالي من قوته حد أن سوق الأسهم كانت تغلق يوم السبت. ولذا، أصبحت المضاربة في الأسهم من أهم نشاطاتهم، حتى أن أحد اليهود وصف النبي أيوب بأنه أول من تاجر بالأسهم، فالأسهم تصعد أسعارها وتهبط دائماً دون سبب واضح، ولذا كان عليه التحلي بالصبر والإذعان لقوانين لا يفهمها (وهذا يشبه إلى حدٍّ كبير حديث إسبينوزا، ابن مدينة أمستردام، عن الضرورة ووهم الحرية، وعن تحقيق الحرية من خلال الإذعان لقوانين الطبيعة الصارمة) . ولكن الإحصاءات تبيِّن أن قوتهم كانت محدودة فهم لم يمتلكوا سوى ٢% من مجموع الثروات التي كان يمتلكها أثرياء هولندا آنذاك. ومن أشهر يهود السفارد منَسَّى بن إسرائيل وديفيد دي بنتو أكبر المساهمين في شركة الهند الشرقية الهولندية والذي اشتهر بكتاباته عن الاقتصاد والمال التي سماها سومبارت "نشيد الأنشاد الخاص بنظام الدين العام والملكية". وقد أسس سومبارت نظريته عن علاقة اليهود بنشأة الرأسمالية، بدراسته لدور يهود السفارد (المارانو) في أوربا على وجه العموم وهولندا على وجه التحديد.

стр. 4657

وكان للإشكناز دور اقتصادي أيضاً، ولكنه مختلف بعض الشيء. فلم تكن لهم علاقات دولية مثل السفارد، ولم تكن لديهم الخبرات أو رءوس الأموال المطلوبة، فكانوا تجار عملة ووسطاء. ونشطوا في صناعة الحرير وتجارة التبغ والماس وتجارة القطاعي إذ كانوا يشترون بضائع شركة الهند الشرقية وأصبحوا من أهم مستوردي الماس، وكان من بينهم طابعو وموزعو الكتب. وتزايدت ثروة الإشكناز واتسع نطاق تجارتهم في العملة والسلع. ولكن السفارد ظلوا، مع هذا، يتمتعون بالثروات الكبيرة والمستوى الثقافي الرفيع والمكانة الاجتماعية. وكان يهود هولندا من أكثر اليهود حداثة في العالم، فكان هناك تَزايُد في الزواج المُختلَط بالهولنديات. ويُلاحَظ أن رؤساء الجماعة اليهودية كانوا يرتدون أزياء الهولنديين نفسها بل ويسمحون لهم برسمهم. وحينما سمح إسبينوزا لرمبرانت بأن يرسمه، لم يكن إسبينوزا يقوم بفعل غير عادي من منظور الجماعة اليهودية. ومن الواضح أن يهود أمستردام كانوا قد استوعبوا التراث الحضاري الهولندي في عصرهم وتمثلوه واستوعبوه واستوعبهم، وهي ظاهرة عامة بين أعضاء الجماعات اليهودية في كثير من الحقب التاريخية. وكان يهود هولندا يتحدثون الهولندية إلى جانب لغات أخرى (الإسبانية والبرتغالية بالنسبة للسفارد، واليديشية بالنسبة للإشكناز) . وقام اليهود السفارد بنقل الأعمال الأدبية والفكرية الغربية إلى اللغات واللهجات التي يتحدثون بها. كما شكلوا نخبة تجارية مالية دولية تحتفظ بمسافة بينها وبين الإشكناز (من شرق أوربا) . وكان الإشكناز والسفارد لا يتزاوجون فيما بينهم. ولم يكن بمقدور الإشكناز الحصول على مقاعد دائمة في المعبد السفاردي، بل كان معظمهم يعملون خدماً وكانت تُوجَد بطبيعة الحال نسبة من الفقراء السفارد.

стр. 4658

ويُلاحَظ كذلك أن اليهودية، كنسق ديني وكمؤسسة، كانت في حالة تَراجُع وتآكُل، فالقبَّالاه اللوريانية كانت قد سيطرت على معظم يهود أوربا، وهي صيغة حلولية مادية استوعبها يهود هولندا، وخصوصاً السفارد (ومن بينهم إسبينوزا) ، فأثرت في رؤيتهم للعالم بشكل عميق. ولكن مع تدهور وضع هولندا الاقتصادي (بظهور القوة الإنجليزية) ، تدهور وضعهم أيضاً. وازداد التدهور مع الأزمة الاقتصادية في الفترة ١٧٧٢ ـ ١٧٧٣. وتسبَّبت الحرب مع إنجلترا في دمار شركة الهند الشرقية الهولندية التي كان كثير من اليهود يمتلكون أسهماً فيها. وتزايد الانهيار مع حرب الثلاثين عاماً. وفي نهاية الأمر، أدَّى وصول قوات فرنسا الثورية إلى قطع علاقة يهود هولندا مع الشبكة التجارية اليهودية، وهو ما أدَّى إلى دمارهم تماماً. وعلى كلٍّ، كانت التجارة الدولية في أوربا قد بدأت تأخذ شكلاً ضخماً ومركباً تجاوز قدرات الشبكة اليهودية التي لم يكن بمقدورها أن تستوعب حركة البضائع على هذا النطاق الضخم.

стр. 4659

وكان يرأس الجماعة اليهودية السفاردية مجلس الماهاماد الذي سيطر على اليهود بيد من حديد، حيث كانت له صلاحيات مثل تلك التي كانت تتمتع بها محاكم التفتيش بل كان يسلك سلوكها، وربما تكون خلفية السفارد الإسبانية قد لعبت دوراً في ذلك. ويُلاحَظ انتشار القبَّالاه اللوريانية في هولندا. ولذا، حينما ظهر الماشيَّح الدجال (شبتاي تسفي) تبعته أعداد كبيرة من السفارد، وأدَّى فشل حركته إلى خيبة الأمل وإلى المزيد من التفسخ. ويمكن القول بأن انتشار الفكر القبَّالي الحلولي وثراء يهود أمستردام هو الخلفية الاجتماعية والفكرية لفلسفة إسبينوزا، وهو أول مفكر غربي في العصر الحديث من أصل يهودي ترك اليهودية ولم يتبن ديناً آخر. وبذا، فإنه يعد أول يهودي علماني بل أول فيلسوف علماني. وحينما وصلت جيوش فرنسا الثورية عام ١٧٩٦ وأسَّست الجمهورية الباتفية، لم يتغير وضع أعضاء الجماعة اليهودية الذين كانوا يتمتعون بكل حقوقهم.

стр. 4660

وفي أوائل القرن التاسع عشر، لم يكن الوضع الاقتصادي في هولندا مستقراً، فتدهور حال أعضاء الجماعة. ومما يدل على هذا التدهور أن كثيراً من اليهود السفارد (في أمستردام) صُنِّفوا باعتبارهم فقراء. ويمكن افتراض أن الصورة العامة في بقية هولندا لم تكن مختلفة كثيراً إن لم تكن أسوأ. وكان عدد اليهود في هولندا عام ١٧٨٠ ثلاثين ألفاً، منهم ثلاثة آلاف سفاردي، زاد إلى ثلاثة وخمسين ألفاً عام ١٨١٠، وكانت الزيادة كلها إشكنازية. ومع عام ١٨٨٩، وصل عدد يهود هولندا إلى ثلاثة وثمانين ألفاً، منهم ٥.٠٧٠ من السفارد. وبلغ عددهم ١٠٦.٤٠٩عام ١٩٠٩، منهم ٦٦٢٤ من السفارد. وبلغ عددهم ١٣٩.٦٨٧ عام ١٩٤١. أما في عام ١٩٤٦، أي بعد الحرب، فبلغ عدد اليهود ثلاثين ألفاً من بينهم ثمانية آلاف ممن تزوجوا زيجات مُختلَطة. وانخفض عددهم إلى ٢٦.٦٢٣ عام ١٩٥٤، أي خلال ثمانية أعوام. كان يعيش منهم ١٤.٠٦٨، أي أكثر من نصفهم، في أمستردام. ويُعزَى النقص إلى العزوف عن الإنجاب وإلى انخفاض عدد المواليد وارتفاع نسبة الوفيات. كما يُعزَى هذا النقص إلى الهجرة، إذ هاجر خلال هذه الفترة ٤٤٩٢ يهودياً من هولندا (لم يهاجر منهم سوى ١٣٩٩ إلى إسرائيل) . وأدَّت التعويضات الألمانية إلى تغيير البناء الطبقي ليهود هولندا تماماً، إذ تحوَّل أعضاء الطبقة العاملة منهم إلى أثرياء، وهذا ما أدَّى إلى تزايد معدل الاندماج والعلمنة. وبلغ عدد اليهود عام ١٩٦٨ اثنين وعشرين ألف يهودي، أغلبيتهم في أمستردام. أما في عام ١٩٩٢، فبلغ عددهم نحو خمسة وعشرين ألفاً من مجموع السكان البالغ ١٥.٢٧٠.٠٠٠ نسمة. وهم يُعتبَرون، بهذا، أقلية صغيرة لا وزن لها ولا نفوذ وفي طريقها إلى الاختفاء. وتوجد في هولندا بعض التنظيمات والمؤسسات التي ينتظم فيها أعضاء الجماعة اليهودية من أهمها: ـ الجماعة اليهودية الإشكنازية. ـ الجماعة اليهودية السفاردية. ـ اتحاد الجماعات اليهودية التقدمية.
следующие страницы →