Полный текст (8 511 стр.). Показаны 4866–4905 · переход к 4871.
стр. 4866
ومع ظهور النازية في ألمانيا، اتبعت الحكومة المجرية سياسة ممالئة لها، ولكنها رفضت تطبيق القوانين النازية فيما يتصل بأعضاء الجماعات اليهودية. وبعد أن احتل النازيون المجر، وكان أيخمان هو المسئول عن الشئون اليهودية، تم عقد صفقة مع الحركة الصهيونية من خلال رودولف كاستنر اصطُلح على تسميتها «الدم مقابل السلع» ، وقد خدع فيها كاستنر يهود المجر وضمن عدم مقاومتهم، وسهَّل عملية ترحيلهم إلى معسكرات الاعتقال مقابل ترحيل بعض الصهاينة إلى فلسطين. وفي ١٩٤٤، ألقت القوات البريطانية بمظليين من الهاجاناه في الأراضي اليوغسلافية ليعبروا إلى المجر ولكنهم أُسروا.
وبعد الحرب العالمية الثانية، بلغ عدد يهود المجر ٢٦٠ ألفاً، ولكن لم يزد عددهم عام ١٩٩٢ على ٥٦ ألفاً من مجموع السكان البالغ عددهم ١٠.٤٩٣.٠٠٠ (يذكر أحد المصادر الإحصائية الأخرى أن عدد اليهود في المجر عام ١٩٩٥ هو ٨٠ ألفاً) ، تقطن غالبيتهم الساحقة (حوالي خمسين ألفاً) في بودابست، وكان ٦٠% منهم ممن تجاوز الخمسين ومعظمهم من اليهود الإصلاحيين (النيولوج) . وهذا يعني أن الجماعة اليهودية في طريقها إلى الاختفاء، وهذا تعبير آخر عن موت الشعب اليهودي. وقد عُقد المؤتمر اليهودي العالمي في المجر عام ١٩٨٧. وهي أول مرة يُعقَد فيها المؤتمر اليهودي في إحدى دول الكتلة الاشتراكية.
стр. 4867
وأهم المنظمات التي ينتظم بها أعضاء الجماعة اليهودية في المجر منظمة التمثيل القومي لليهود المجريين، وهي المنظمة المركزية للجماعة اليهودية في المجر والجهة التي تمثلهم لدى المؤتمر اليهودي العالمي. وهناك أيضاً اللجنة المركزية للرفاه الاجتماعي، وتقوم برعاية فقراء اليهود، وتمولها اللجنة الأمريكية المشتركة للتوزيع. وهناك منظمة ويتى، وهي مؤسسة التمثيل القومي ليهود المجر، التي تقوم برعاية المصالح الدينية ليهود المجر منذ عام ١٩٠٤ وأغلب أعضاء هذه المؤسسات من المحافظين، إلا أن هناك قسماً خاصاً باليهود الأرثوذكس. ومن الجدير بالذكر أنه بعد وفاة آخر حاخام أرثوذكسي عام ١٩٨٢، تم إحضار حاخام من إسرائيل ليحل محله. وهناك محكمة شرعية (بيت دين) خاصة باليهود الأرثوذكس، وأخرى خاصة باليهود المحافظين.
الباب الرابع عشر: أمريكا اللاتينية
تعداد الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية ومعالمها السكانية الأساسية
Number of the Jewish Communities in Latin America and Their Main Demographic Traits
لا يمكن اعتبار الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية مهمة في ذاتها، قفد ظل عدد اليهود فيها صغيراً منذ البداية. كما أنهم لم يلعبوا دوراً كبيراً في النظم السياسية فيها ولم يقدموا أية إسهامات ثقافية حقة لتراثها، إلى جانب أن دورهم في الحركة الصهيونية وفي تأسيس المُستوطَن الصهيوني دور غير مؤثر بالمرة. ولكن أهمية الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية تعود إلي أن دراسة أوضاع أعضائها توضح كثيراً من القضايا والأبعاد الخاصة بالجماعات اليهودية في العالم ككل.
стр. 4868
ومن أهم هذه الأبعاد والقضايا عدم التجانس بين الجماعات اليهودية، وقضية الهوية اليهودية، وهناك قضايا أخرى، مثل الاندماج والانعزال، ودور الجماعة اليهودية كجماعة وظيفية مالية وسيطة، وفشلها في التحول إلى طبقة وسطى، وأثر الجماعات المضيفة ومجتمعات الأغلبية في أعضاء الجماعة. كما أنه من خلال عقد مقارنة بين الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية والجماعات اليهودية في الولايات المتحدة (أهم الجماعات اليهودية في العالم) ، أي من خلال تبنِّي منظور مقارن، يمكننا أن نكتشف بعض سمات هذه الجماعة الأخيرة. ويُلاحَظ كذلك أن الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية تواجه مشاكل خاصة لا تواجهها الجماعات اليهودية الأخرى الموجودة في العالم الغربي "المتقدم".
ورغم أن الأسبان والبرتغاليين، حينما استوطنوا في أمريكا اللاتينية، منعوا أعضاء الجماعات اليهودية من الاستيطان فيها، فإن بعض يهود المارانو (المسيحيين الجدد) نجحوا في الهجرة إليها والاستيطان فيها، وقد قامت محاكم التفتيش بمطاردتهم لضمان تأكيد الهيمنة الكاثوليكية.
стр. 4869
ويبدأ تاريخ الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية في القرن التاسع عشر بعد استقلال دولها وإلغائها محاكم التفتيش، وإعلانها سياسة تضمن المساواة بين المواطنين. ومع هذا، لم تهاجر أعداد كبيرة من اليهود حتى منتصف القرن التاسع عشر. ولكن أعداد المهاجرين إلى الأرجنتين والبرازيل تزايدت نسبياً (أي قياساً إلى العدد الكلي للمهاجرين اليهود إلى أمريكا اللاتينية) . ويُعَدُّ عام ١٨٦٠ بداية تاريخ الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية، ففي هذا التاريخ عُقد أول زواج يهودي في الأرجنتين. ولكن عدد أعضاء الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية لم يكن يزيد، مع نهاية الحرب العالمية الأولى، على ١٥٠ ألفاً أغلبيتهم العظمى (١١٠ ـ ١٢٠ ألفاً) في الأرجنتين. جاء ٨٠% منهم من وسط أوربا وشرقها، أي إشكناز، و٢٠% سفارد ويهود من البلاد العربية. وكانت أغلبية المهاجرين اليهود إلى الأرجنتين من روسيا من يهود اليديشية. وكان يوجد من اليهود: ٥٠٠ في شيلي، ونحو ١٧٠٠ في أوروجواي، وحوالي ٥٠٠٠ في البرازيل.
وظل هذا النمط هو السائد. ففي الخمسينيات، بلغ عدد يهود الأرجنتين ٣٨٥ ألفاً، وقفز عدد يهود شيلي إلى ٣٢ ألفاً، وأوروجواي ٣٨ ألفاً، والبرازيل ١٢٥ ألفاً. وفي عام ١٩٧٠، كان تعداد يهود أمريكا اللاتينية كما يلي:
الأرجنتين ٤٥٠ ألفاً
شيلي ٣٠ ألفاً
أوروجواي ١٥٠ ألفاً
البرازيل ١٤٠ ألفاً
المكسيك ٣٥ ألفاً
стр. 4870
وهناك رأي يذهب إلى أن الأرقام السابقة مبالغ فيها، وأن الإحصاءات لا يمكن الوثوق بها تماماً، وهذا يعود إلى عناصر عديدة منها أن بعض المواطنين يسجلون أنفسهم باعتبارهم يهوداً أو يحجمون عن ذلك لأسباب لا علاقة لها بهويتهم الحقيقية (يهودية كانت أم غير يهودية) . وقد لوحظ، على سبيل المثال، أن عدد يهود شيلي انخفض في إحدى الإحصاءات، بنسبة ٥٠%، وربما يعود هذا إلى رغبة المتخفين في أن ينصهروا تماماً. وزاد عدد أعضاء الجماعة اليهودية في إحدى الإحصاءات في المكسيك بنسبة ٤٧%، ولعل هذا يعود إلى رغبة الكثيرين من سكان المكسيك في الهجرة إلى الولايات المتحدة وطمعهم في أن تقوم المنظمات اليهودية بتيسير هذه العملية لهم. ولذا، فقد سجلوا أنفسهم يهوداً، الأمر الذي جعل من قاموا بالإحصاء مضطرين إلى تجاهل نتائجه. ويُلاحَظ كذلك أن كثيراً من أعضاء الجماعات اليهودية دخلوا أمريكا اللاتينية أثناء الحرب العالمية الثانية بشهادات تعميد (تدل على أنهم مسيحيون) أصدرها لهم الفاتيكان ليساعدهم على الهرب من النازيين، وبعد أن دخلوا وزال الخطر آثروا ألا يعلنوا عن هويتهم اليهودية الأصلية. ولهذا، يرى بعض الدارسين أن عدد يهود الأرجنتين كان في عام ١٩٧٠ نحو ٣٠٠ ألف فحسب وأن رقم ٤٥٠ ألفاً مبالغ فيه إلى حدٍّ كبير، وأن عدد يهود البرازيل كان ١٠٠ ألف وحسب. فإذا أضفنا إلى ذلك ٤٤ ألفاً في أوروجواي، و١٨ ألفاً في شيلي، و٧٠ ألفاً في بقية أمريكا اللاتينية (يُقال إن ٣٥ ألفاً منهم في المكسيك) ، فإن المجموع الكلي يصل إلى نحو ٥٠٠ ألف وحسب. وعلى أية حال، أثبتت إحصاءات عام ١٩٨٦ ـ ١٩٨٧ التي نشرها الكتاب الصهيوني السنوي لعام ١٩٨٧ أن عدد يهود الأمريكتين «آخذ في التناقص السريع» ، فعددهم الآن لا يزيد على ٤١٨ ألفاً يوجد منهم ٢٣٣ ألفاً في الأرجنتين، أي أكثر من النصف، و١٠٠ ألف في البرازيل، و٣٠ ألفاً في أوروجواي، و٣٥ ألفاً في المكسيك، و٢٠ ألفاً في شيلي،
стр. 4871
و٢٠ ألفاً في فنزويلا.
ولا تختلف إحصاءات عام ١٩٨٩ عن ذلك كثيراً. وإن كان كتاب الجماعات اليهودية في العالم الصادر عام ١٩٨٩ يذهب إلى أن يهود البرازيل ١٥٠ ألفاً، وأن عدد سكان ساو باولو ٧٥ ألفاً، وريو دي جانيرو ٥٧ ألفاً، وقد أوردت الجيروساليم بوست في أواخر عام ١٩٩٠ أن عدد يهود أمريكا اللاتينية يتراوح بين ٤٠٠ و٧٠٠ ألف من بينهم ٣٠٠ ألف في الأرجنتين، و١٢٠ ألفاً في البرازيل، بينما أوردت الموسوعة اليهودية أن عدد يهود الأرجنتين لا يزيد على ٢٢٨ ألفاً عام ١٩٩٠، وآخر إحصاء هو الوارد في الكتاب الأمريكي اليهودي السنوي عام ١٩٩٤، وورد فيه أن عدد يهود أمريكا الجنوبية هو ٣٨٢ ألفاً منهم ٢١١ ألفاً في الأرجنتين و١٠٠ ألف في البرازيل و٢٣ ألفاً في أوروجواي و٢٠ ألفاً في فنزويلا و١٥ ألفاً في شيلي. ويذكر الكتاب أن عدد يهود أمريكا الوسطى هو ٥١.٧٠٠، أي أن المجموع الكلي ليهود أمريكا الوسطى والجنوبية (أي أمريكا اللاتينية) هو ٤٣٣.٧٠٠ (ويذكر مصدر إحصائي آخر أن عدد يهود الأرجنتين عام ١٩٩٥ هو ٢٥٠ ألف وأن عدد يهود أوروجواي في العام نفسه هو ٣٠ ألفاً) . والواقع أن تضارب الأرقام مسألة مفهومة، فبعض أعضاء الجماعات اليهودية ينكرون انتماءهم اليهودي بينما يدَّعي بعض أعضاء الطبقات الفقيرة أنهم يهود ليستفيدوا من المعونات التي تقدمها المنظمات اليهودية الأمريكية. وإذا أضفنا إلى ذلك أن تعريف اليهودي مسألة خلافية، فإن فوضى الأرقام مسألة متوقعة. ومع هذا، تجب الإشارة إلى أن الاختلافات لا تؤثر في النمط العام. ولعل إحصاءات الكتاب الأمريكي اليهودي السنوي لعام ١٩٩٤ هي أدقها.
стр. 4872
ويُلاحَظ أن نسبة أعضاء الجماعات اليهودية إلى شعوب أمريكا اللاتينية نسبة ضئيلة للغاية إذ يبلغ تعداد شعوب أمريكا اللاتينية نحو ٤٣٩ مليوناً. وبالتالي، فإن نسبة اليهود لا تتجاوز الآن ٠.١%، وقد تزيد النسبة أو تقل من بلد إلى آخر، فالأرجنتين التي تضم نصف يهود أمريكا اللاتينية يبلغ عدد سكانها ٣٣.٤٨٧.٠٠٠، وتبلغ نسبة اليهود فيها ٠.٦٤%، ويبلغ عدد سكان أوروجواي ٣.١٤٩.٠٠٠ نسبة اليهود فيه ٠.٧٧%، وتكاد تكون هذه أعلى نسبة في القارة بأسرها. أما البرازيل، فعدد سكانها،١٥٦.٥٧٨.٠٠٠، منه ٠.٠٦% يهود. أما شيلي، فيبلغ عدد سكانها ١٣.٨١٣.٠٠٠ نسبة اليهود فيه ٠.١١%، ويبلغ عدد سكان المكسيك ٨٩.٩٩٨.٠٠٠، منه ٠.٠٤% يهود. أما بقية بلاد أمريكا اللاتينية، فتضم جماعات يهودية يمكن إهمالها إحصائياً. فسورينام، التي كانت تضم أول جماعة يهودية، وأُسِّس فيها ما يشبه الدولة الاستيطانية المستقلة التي ثار عليها العبيد ثم اسقطوها، تضم الآن مائتي يهودي، وتضم جواتيمالا ٨٠٠، وبنما ٥٠٠٠، وهكذا.
ويُلاحَظ أن المهاجرين اليهود اتجهوا أساساً إلى الأرجنتين بالدرجة الأولى، وإلى بلاد أخرى مثل شيلي والبرازيل وأوروجواي، وهي جميعاً تقع في المخروط الجنوبي. وقد ابتعدوا عن بلاد مثل بيرو وبارجواي. وهناك عدة عناصر جذبت اليهود إلى هذه البلاد:
١ ـ أنها تتسم بوجود نسبة عالية من البيض، فنحو ٩٠% من سكان الأرجنتين من البيض، وكذا أغلبية سكان شيلي، و٩٥% من سكان أوروجواي، و٦٠% من سكان البرازيل، مقابل ١٥% في كلٍّ من بيرو وإكوادور، و٢٠% في فنزويلا.
٢ ـ تتسم كل هذه البلاد بارتفاع نسبة التعليم فيها، فنسبة الذين يعرفون القراءة والكتابة في الأرجنتين وشيلي وأوروجواي تبلغ نحو ٩٠%، وتشكل البرازيل استثناء، فالنسبة فيها تصل إلى ٧٠%، مقابل ٦١% في بيرو و ٢٩% في بوليفيا.
стр. 4873
٣ ـ تتسم هذه الدول بأنها متقدمة اقتصادياً وتوجد فيها حركة تصنيع نشيطة نسبياً. ويتجلى هذا في وجود مراكز حضرية ضخمة فيها، فحسب إحصاءات أوائل السبعينيات يقطن في المدن ٨٠.٤% من سكان الأرجنتين، و٧٢.٩% من سكان شيلي، و٧٨.٤% من سكان أوروجواي. وتمثل البرازيل استثناء من القاعدة مرة أخرى، فنحو ٥٦% فقط من سكانها يعيشون في المدن، ولكن ذلك كان قبل حدوث ما يُسمَّى «المعجزة الاقتصادية» التي أدَّت إلى الهجرة من القرية إلى المدينة.
٤ ـ ويُلاحَظ كذلك أن هذه البلاد تتسم بارتفاع الدخل، إذ يصل متوسط الدخل فيها إلى ثلاثة أضعاف دخل الفرد في بقية بلاد أمريكا اللاتينية، باستثناء فنزويلا التي حققت رخاءً غير عادي بسبب الثروة البترولية.
٥ ـ تتميَّز المجتمعات التي استوطن فيها اليهود بأن معدلات العلمنة فيها عالية بالمقارنة ببقية مجتمعات أمريكا اللاتينية.
٦ ـ تتسم هذه البلاد أيضاً بوجود اقتصاد حر فيها. والواقع أن الميراث الاقتصادي لأعضاء الجماعات اليهودية في شرق أوربا جعل من السهل عليهم أن يحققوا نجاحاً اقتصادياً. وتنطبق معظم هذه المواصفات على الأرجنتين وشيلي والبرازيل.
ولكن من أهم العناصر التي شجعت اليهود على الاتجاه إلى الأرجنتين (أكثر من أي بلد أمريكي لاتيني آخر) أن حكومة الأرجنتين اختطت سياسة من شأنها تشجيع الهجرة، فكانت تقدم دعماً للمهاجرين وتزودهم بالأرض اللازمة للاستيطان، كما كانت تبدي تسامحاً غير عادي نحوهم. وقد رأي المليونير الفرنسي اليهودي البارون دي هيرش أن بالإمكان الاستفادة من هذا الوضع في حل المسألة اليهودية في شرق أوربا وكذلك مشكلة الانفجار السكاني الذي يقذف بآلاف اليهود على أوربا، وذلك بتحويلهم عنها وتوطينهم في الأرجنتين. وانطلاقاً من هذه الفكرة الصهيونية التوطينية، تم تأسيس جمعية الاستيطان اليهودي (إيكا) التي ساهمت في توطين عدة آلاف من اليهود.
стр. 4874
والواقع أن هجرة يهود أوربا إلى أمريكا اللاتينية، وتركُّزهم في بلاد بعينها، هي تعبير عن نمط الهجرة اليهودية في العصر الحديث، وهي هجرة من البلاد الأقل تقدماً إلى البلاد الأكثر تقدماً، على عكس نمط الهجرة في أوربا في العصور الوسطى حيث كانت في معظم الأحيان هجرة إلى المجتمعات الأقل تقدماً. ويمكننا أن نضيف هنا أن هذا هو أيضاً نمط الهجرة الأوربية عموماً في العصر الحديث، أو لنسمِّه التجربة الاستعمارية الاستيطانية حيث صدَّرت أوربا فائضها البشري وحلت مشاكلها الاجتماعية عن طريق توطين هذا الفائض فيما سمته «الأرض البكر» ، وهي أرض اغتصبتها من أهلها إما بإبادتهم أو نقلهم منها (ترانسفير) .
والعناصر البشرية الفائضة المهاجرة هي دائماً عناصر خاضعة لقوتين متناقضتين متكاملتين: قوة طرد من الوطن الأصلي، وقوة جذب للوطن المضيف. والواقع أن العناصر المهاجرة تبحث عن فرص جديدة، وتحاول أن تحقق في المجتمع الجديد ما فشلت في تحقيقه في مجتمعاتها الأصلية، ومن ثم لم تهاجر أعداد كبيرة إلى المجتمعات الزراعية.
وليس من قبيل الصدفة أن الولايات المتحدة استقبلت ٨٥% من جملة المهاجرين الأوربيين بين عامي ١٨٥٧ و١٩٦٥ والبالغ عددهم ٦٠ مليوناً، وتليها الأرجنتين التي اجتذبت ٦.٥٠٠.٠٠٠مهاجر في الفترة نفسها، أي نحو ١١%، مكث منهم ٤.٣٧٩.٠٠٠.
стр. 4875
ويُلاحَظ تركُّز أعضاء الجماعات اليهودية في المدن الكبيرة، فيهود بيونس أيرس يتراوح عددهم، حسب إحصاءات عام ١٩٧٠، بين ٢٤٠ ألفاً و٣٠٠ ألف، أي غالبية اليهود الساحقة. وهذا يعني أن نصف يهود أمريكا اللاتينية يوجدون في مدينة واحدة. ومع هذا، فهم لا يشكلون سوى ٢.١٨% من سكانها البالغ عددهم ٨.٣٥٣ مليون. (وقد انخفض عددهم إلى ١٨٠ ألفاً حسب إحصاءات عام ١٩٨٩) . ويقطن في ساو باولو وريو دي جانيرو ٨٠ ألف يهودي، أي ٨٠% من مجموع يهود البرازيل، ويبلغ سكان المدينتين نحو ١٠ مليون، وبالتالي يشكل اليهود أقل من ١% من عدد السكان. وتوجد نسبة الـ ٢٠% الباقية في مدينة بورتو ألّيجري. وفي شيلي، يقطن ٢٥ ألف يهودي في سنتياجو يشكلون ٠.٩٦% من سكان العاصمة البالغ عددهم مليونين و٥٨٦ ألفاً. أما في أوروجواي، فيبلغ عدد السكان في مونتفيديو ٤٥ ألفاً من سكان العاصمة البالغ عددهم مليوناً و٤٥٠ ألفاً، وبالتالي ترتفع نسبة اليهود لتصل إلى ٣.١٩%، وهي أعلى نسبة في أية مدينة في أمريكا اللاتينية.
стр. 4876
ويجب ملاحظة أن تركُّز أعضاء الجماعات اليهودية في المدن جزء من اتجاه عام في الدول النامية يتحدد في الهجرة من القرية إلى المدينة، وإن كان ثمة اختلاف فهو اختلاف في الدرجة، باعتبار أن أعضاء الجماعات اليهودية عنصر مهاجر تستقر أعداد كبيرة منهم مباشرة في المدن حيث توجد فرص أكثر للحراك الاجتماعي. كما أن أغلبية سكان المدن من البيض ذوي الدخل المرتفع القادرين على القراءة والكتابة. وتُعَدُّ المدن من أكثر المناطق نمواً في البلاد النامية، ولذا فإن اتجاه اليهود نحو المدن هو جزء من اتجاه الهجرة اليهودية الحديثة. كما يُلاحَظ أن اليهود يتركزون داخل كل مدينة في أحياء بعينها ومهن بعينها، كما أن تركُّزهم في المدن هو نفسه نتيجةٌ لتركزهم في مهن بعينها لا وجود لهم في غيرها، الأمر الذي يشجع الحديث عن «الخطر اليهودي» وما شابه ذلك من أقوال جزافية هي في الواقع نتيجة الملاحظة المباشرة العابرة التي لم تُخضَع بعد للتحليل أو النقد.
стр. 4877
وقد يكون من المفيد مقارنة معدل هجرة أعضاء الجماعات اليهودية إلى أمريكا اللاتينية وفلسطين قبل وبعد الاحتلال الصهيوني حيث نجد أن عدد المهاجرين إلى فلسطين في الفترة ما بين عامي ١٩٠١ و١٩٢٠ بلغ ١٥ ألفاً (وذلك بطرح الـ ١٥ ألفاً من جملة النازحين) ، بينما بلغ عدد المهاجرين إلى أمريكا اللاتينية في الفترة نفسها ١٠٥.٨٦٧ هاجرت غالبيتهم إلى الأرجنتين، وهو ما يبين نجاح الصهيونية التوطينية وفشل الصهيونية الاستيطانية الذريع حينما كانت تعتمد على ما يُسمَّى «القوى الذاتية» . وبعد وضع فلسطين تحت الانتداب، لم يتحسن الوضع كثيراً إذ بلغ عدد المهاجرين إلى أمريكا اللاتينية في الفترة من ١٩٢١ إلى ١٩٣٠ نحو ١٢٩.٢٣٩ اتجه منهم ٧٣.٤٣٤ إلى الأرجنتين. أما فلسطين، فلم يزد عدد المهاجرين إليها على ٧٠.٩٤٤، وهو عدد يقل عن عدد المستوطنين في الأرجنتين وحدها، وهذا يدل وبشكل أكثر حدة على مدى فشل المنظمة الصهيونية التي تتمتع بالدعم الإمبريالي الكامل في الغرب، والتي تمتلك جهازاً له فروع في معظم بلاد أوربا، كما توجد تحت تصرفها ميزانية ضخمة (وهو ما توفر لمؤسسة هيرش التي قامت بتوطين بعض أعضاء الجماعات اليهودية في الأرجنتين) . ولكن مسار الهجرة اليهودية ظل يتبع الخط العام للاستيطان الغربي، أي الهجرة إلى الولايات المتحدة بالدرجة الأولى، ثم أمريكا اللاتينية. وكان الاستثناء الوحيد من هذه القاعدة في الفترة من ١٩٢١ إلى ١٩٣٥ حين أغلقت بلاد العالم الغربي أبوابها في وجه المهاجرين اليهود وغيرهم، فهاجر إلى فلسطين ١٤٧.٥٠٢ مقابل ٤٤.٥٥٠ اتجهوا إلى أمريكا اللاتينية، وهذا العدد لا يضم اليهود الذين حصلوا على شهادات تعميد. وفي الفترة من ١٩٣٦ إلى ١٩٣٩، دخل فلسطين ٧٥.٥١٠، مقابل ٣١.٠٦٦ اتجهوا إلى أمريكا اللاتينية رغم ظروف الأزمة الاقتصادية ورغم وجود نظم فاشية تضطهد أعضاء الجماعات اليهودية ولا تشجع الهجرة. وقد شهدت سنين ما بعد الحرب، حتى عام
стр. 4878
١٩٤٨، تزايداً في عدد اليهود المهاجرين إلى فلسطين. ولكن، في المحصلة النهائية، بلغ عدد اليهود الذين استوطنوا فلسطين خلال الفترة من ١٨٤٠ إلى ١٩٤٢ نحو ٣٧٨.٩٥٦ بينما بلغ عدد من استوطنوا أمريكا اللاتينية ٣٧٦.٢٢٧ أي العدد نفسه تقريباً.
وينطبق على يهود أمريكا اللاتينية مقولة موت الشعب اليهودي، وهي أن الجماعات اليهودية في العالم آخذة في الانقراض بحيث سيتركز اليهود في الولايات المتحدة والدولة الصهيونية وحسب، وهما تجمعان لا يزداد عدد أعضاء الجماعات اليهودية فيهما بل هو آخذ في التناقص. ويتناقص عدد اليهود في أمريكا اللاتينية بشكل أسرع منه في أي مكان آخر، بحيث أن من المتوقع ألا يبقى منهم أعداد تذكر بعد فترة قصيرة إذ أن أمريكا اللاتينية تُعدُّ منطقة نزوح للأسباب التالية:
١ ـ ربما كان السبب الأساسي هو أن نمط الهجرة الاستيطانية الغربية (واليهودية) في العصر الحديث يتجه من البلاد المتخلفة إلى البلاد المتقدمة. وأمريكا اللاتينية لا تزال تصنف أساساً باعتبارها متخلفة ومن الدول النامية. ومما يساعد على هذا الاتجاه أن الولايات المتحدة تشكل عنصر جذب شديد ليهود أمريكا اللاتينية، فهي أكثر البلاد تقدماً في العالم، وهي توجد على مقربة منهم، كما توجد فيها الآن جماعة لاتينية ضخمة تشكل نواة حضارية قوية يمكنهم من خلالها الشعور بالأمن النسبي وعدم الاغتراب. وأخيراً، ثمة علاقات قوية بين يهود أمريكا اللاتينية من جهة ويهود الولايات المتحدة وتنظيماتهم اليهودية والصهيونية من جهة أخرى، فهؤلاء يعدون أنفسهم مسئولين عن يهود أمريكا اللاتينية.
стр. 4879
٢ ـ كان معظم المهاجرين إلى أمريكا اللاتينية من بلاد كاثوليكية، جاء ٨٠% منهم من إيطاليا وإسبانيا والبرتغال. ولذا، لم تكن عملية تكيفهم مع المجتمع واندماجهم فيه عملية صعبة. أما أغلبية المهاجرين من أعضاء الجماعات اليهودية (نحو ٨٠%) فكانوا من يهود اليديشية من إشكناز شرق أوربا، وكان يُطلَق عليهم مصطلح «روسوس» أي «الروس» ، وكانت أقليتهم من السفارد «توركوس» ، أي «الأتراك» (وهو المصطلح نفسه الذي كان يُطلَق على المسلمين) . وثقافة الروسوس، وهي ثقافة ألمانية سلافية، كانت بعيدة عن الثقافة اللاتينية. كما أن البلاد التي جاءوا منها كانت بلاداً صناعية متقدمة نوعاً، وثقافة اليهود المهاجرين منها كانت ثقافة حديثة. لكل هذا، وجد المهاجرون من أعضاء الجماعات اليهودية (وبخاصة من شرق أوربا) صعوبات إضافية في عملية الاندماج في المجتمع، فقد كانوا غرباء على ثلاث مستويات: على المستوى الديني باعتبارهم يهوداً في مجتمع كاثوليكي، وعلى المستوى الثقافي باعتبارهم من شرق أوربا ووسطها بثقافتهم الألمانية والسلافية شبه الحديثة في تربة لاتينية تقليدية، وعلى المستوى الاقتصادي والوظيفي باعتبارهم عنصراً تجارياً في مجتمع زراعي. ويجيء هذا على خلاف تجربة المهاجرين غير اليهود الذين جاءت غالبيتهم (٨٠%) من إيطاليا وإسبانيا والبرتغال، وهي بلاد كاثوليكية مستويات التحديث فيها متدنية وكثير من القيم السائدة فيها تقليدية وميراثها الثقافي لاتيني، ولذا لم تكن عملية تكيفهم مع المجتمع واندماجهم فيه صعبة.
стр. 4880
٣ ـ ومما عمَّق غربة يهود أمريكا اللاتينية أن الانتماء للنخبة الحاكمة يتطلب الانتماء الكاثوليكي وملكية الأراضي والأصل الأرستقراطي، وهي ثلاثة عناصر لم يكن بإمكان المهاجرين اليهود التمتع بها، على عكس المهاجرين المسيحيين الكاثوليك الذين ينتمون بالفعل إلى الكنيسة الكاثوليكية ويمكنهم شراء الأراضي، كما أن بعضهم يمكن أن يشتري أصولاً أرستقراطية أو يتزوج من نسل العائلات الأرستقراطية. وكل هذا يعني أن أعضاء الجماعات اليهودية اُستبعدوا من النخبة الحاكمة ومن مؤسسات صنع القرار.
٤ ـ ويجب ملاحظة أن الحركة القومية التي نشأت في أمريكا اللاتينية تنتمي إلى نمط الحركات القومية في العالم الثالث الذي يتسم بالتركيز على الخصوصية المحلية في مجابهة الغزو الاستعماري الثقافي والاقتصادي الغربي، وخصوصاً الأمريكي. والاهتمام بالخصوصية يتخذ في أمريكا اللاتينية شكلاً حاداً بسبب طبيعة المواجهة مع اليانكي في الشمال. كما أن التجربة التاريخية في أمريكا اللاتينية التي تضرب بجذورها في التجربة الأيبيرية تجعل الكاثوليكية ورموزها بُعداً أساسياً في الحركات القومية اللاتينية، وخصوصاً أن الاستيطان في أمريكا اللاتينية لم يتم في غياب الكنيسة، فقد تدخلت فيه وحاولت تنظيمه وتقليم أظافر العناصر التجارية الاستيطانية، كما حاولت حماية العناصر الهندية المحلية والحفاظ على حقوق العبيد الإنسانية. هذا على عكس الاستيطان البروتستانتي الأنجلو ساكسوني في أمريكا الشمالية الذي تم في غياب أية مؤسسات دينية. ولذا، انطلقت الحركة القومية فيها من فكرة حقوق الإنسان والأفكار العقلانية العلمانية السائدة في أوربا في القرن الثاني عشر. والواقع أن تزايد البعد الكاثوليكي في الحركات القومية اللاتينية يعني بالضرورة تزايد رفض اليهود وتهميشهم باعتبارهم عنصراً مهاجراً يحمل تقاليد ثقافية أجنبية.
стр. 4881
٥ ـ ومما ساعد على تفاقم المشكلة ارتباط اليهود في الوجدان اللاتيني بالولايات المتحدة واليانكي، فالمنظمات اليهودية في الولايات المتحدة وضعت الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية تحت حمايتها، تماماً كما كانت تفعل الدول الغربية مع الأقليات في العالم العربي، الأمر الذي يؤدي إلى توسيع الهوة بين أعضاء الجماعات اليهودية والأغلبية.
٦ ـ يُلاحَظ كذلك أن الحركات القومية في أمريكا اللاتينية، شأنها شأن الحركات القومية في العالم الثالث، تنحو منحى يسارياً بسبب عدم توافر ظروف التراكم الرأسمالي (من استعمار وغيره) التي توفرت للعالم الحر في مراحله الأولى (حينما كان حراً تماماً في استعمار الكرة الأرضية) . وهجرة أعضاء الجماعات اليهودية، كما أسلفنا، لا تتجه إلى البلاد المتقدمة وحسب وإنما إلى البلاد التي يسود فيها اقتصاد حر، ولذا يتركز اليهود في هذه البلاد. ونجد أن الحركات القومية واليسارية في أمريكا اللاتينية، بل وفي الولايات المتحدة، تأخذ موقفاً معادياً من أعضاء الجماعة اليهودية لارتباطها بالنخبة الحاكمة الرجعية، كما أن عداء إسرائيل للحركة القومية العربية وموقفها الاستعماري الإرهابي من الفلسطينيين يزيد عداء هذه الحركات للجماعة اليهودية التي ترتبط وجدانياً، بل وفعلياً في بعض الأحيان، بإسرائيل وبالعقيدة الصهيونية. ويُلاحَظ أن إسرائيل تلعب في الآونة الأخيرة دوراً بارزاً واضحاً في دعم النظم الرجعية والفاشية في أمريكا اللاتينية مثل نظام سوموزا في نيكارجوا، وأصبحت إسرائيل مورِّداً أساسياً للسلاح لكثير من النظم الفاسدة، كما تقدم الخدمات والحراسة لبعض الشخصيات التي لا تتمتع بسمعة طيبة في الأوساط القومية أو اليسارية. كما أن بعض المرتزقة الإسرائيليين يقومون بتدريب ميليشيات المخدرات في كولومبيا.
стр. 4882
٧ ـ ولكن، يُلاحَظ أن التغيرات التي يحدثها استيلاء اليسار والعناصر القومية المحلية على الحكم تؤدي، بغض النظر عن موقف اليسار اللاتيني من الجماعات اليهودية، إلى طرد اليهود بشكل بنيوي وإلى تهميشهم. فأعضاء الجماعات اليهودية يتركزون في المدن في قطاع التجارة والمال والصناعات الاستهلاكية (النسيج أساساً) وهذه قطاعات تخضع لعمليات جذرية من إعادة التنظيم بسبب أهميتها الإستراتيجية. فالنظم الحاكمة القومية أو الاشتراكية، على سبيل المثال، تحاول وضعها في أيدي قطاعات بشرية محلية تثق فيها. وعلاوة على هذا، فإن النظم القومية الاشتراكية نظم مغلقة من منظور أعضاء الجماعات اليهودية، ولذا لا يمكنهم من خلالها تحقيق ما يصبون إليه من حراك اجتماعي. لكل هذا، ومع استيلاء العناصر القومية أو اليسارية على الحكم، يحدث خروج يهودي. ويُلاحَظ أنه حينما انتُخب ألليندي في شيلي، نزح عدد كبير من اليهود من أعضاء الطبقة الوسطى، ولكنهم عادوا مع استيلاء بينوشيه على الحكم. والوضع نفسه ينطبق على كوبا، فقد حرص كاسترو، في بداية حكمه، على إظهار تسامح غير عادي تجاه أعضاء الجماعات اليهودية، ووفر لهم (مثلاً) اللحم المذبوح شرعياً، كما كان يوجد عضو يهودي في أول وزارة كوبية اشتراكية. ولكن إعادة تنظيم الاقتصاد على أُسس اشتراكية أدَّى إلى خروج أعضاء الجماعة اليهودية، رغم أن بعض الرأسماليين اليهود كانوا أعضاء سابقين في البوند أو على الأقل متعاطفين مع الأفكار الاشتراكية، وقد خرجوا مع أعداد كبيرة من أعضاء الطبقة الوسطى. وبحلول عام ١٩٦٥، لم يبق سوى ٢٤٠٠ يهودي معظمهم من المسنين، ثم تناقص العدد إلى ٧٠٠ عام ١٩٩٢ (ولكن يجب الإشارة إلى أنه، مع تحوُّل الأبنية المهنية لأعضاء الجماعة وتركُّز أعداد كبيرة منهم في المهن الحرة، سيتزايد احتياج النظم الجديدة إليهم) .
стр. 4883
٨ ـ ومن المفارقات التي تستحق التسجيل (وهذا نمط وجدناه بين أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب في العصر الحديث) أنه رغم ارتباط النخبة اليهودية بالنخبة الحاكمة وارتباط أثرياء اليهود بالمؤسسات الحاكمة وعمالتهم لها، ورغم هامشية معظم الجماهير اليهودية وعدم مشاركتها في قاعدة الهرم الاقتصادي والعملية السياسية، فإن ثمة وجوداً ملحوظاً لبعض أعضاء الجماعات اليهودية في الحركات اليسارية. وقد جاء مع المهاجرين أعداد من أعضاء حزب البوند الذين حاولوا تنظيم نقابات العمال. وابتداءً من الستينيات، لوحظ مرة أخرى أن كثيراً من الشباب اليهودي ينخرط في الحركات السياسية اليسارية والقومية بأعداد متزايدة تفوق نسبتهم القومية، وهو ما يجعل لهم وجوداً ملحوظاً داخل الحركات اليسارية ويربط بين اليهود وهذه الحركات. ورغم أن القيادات اليهودية تزيد، كنوع من رد الفعل، من ارتباطها بالنخبة الحاكمة وبعمالتها لها، فإن هذا لا يجدي فتيلاً إذ أن القيادة اليهودية ذات تراث إثني يديشي يعزلها في العادة عن المجتمع. وفي الوقت نفسه، نجد أن الشباب، وخصوصاً أعضاء الجيل الثالث، لهم جذور راسخة في مجتمعاتهم تربطهم به. وفي عام ١٩٦٠، كان ثلث يهود الأرجنتين من الأجانب، ولكن نسبة الأجانب بين الأعمار المتقدمة (٦٥ عاماً وما فوقها) كانت ٩٧%، بينما كانت هذه النسبة في الأجيال الجديدة (١٤ سنة فما فوق) نحو ٢.٤%، وهو ما يعني أن الأغلبية الساحقة من شباب الأرجنتين الآن من مواليد الأرجنتين نفسها (تصل النسبة حسب إحصاءات ١٩٨٩ إلى ٩٤%) . ونظراً لاغترابهم عن تراث آبائهم الإثني، ونظراً لأنهم لا ينتمون لتراث الأغلبية الديني، فإنهم يعبِّرون عن ذواتهم من خلال الانتماء إلى الحركات الثورية. والارتباط بين بعض أعضاء الجماعات اليهودية والحركات اليسارية يجلب عليها عداء قطاعات كثيرة في المجتمع. يظهر هذا التناقض في شيلي، فقد ساهم السناتور اليهودي فولوديا تايتلباوم
стр. 4884
في صياغة سياسات ألليندي وبرنامج "الاشتراكية من خلال القانون أو من خلال صندوق الانتخابات"، فربط بين اليهود واليسارية. ولكن، مع انتصار ألليندي، ترك كثير من أعضاء الجماعة شيلي، ولكنهم عادوا إليها مع عودة بينوشيه، وازدادوا اعتماداً على النخبة الحاكمة، وهو ما ربط بينهم وبين النظام الفاشي.
٩ ـ من العناصر الأخرى الطاردة لأعضاء الجماعات اليهودية في المجتمعات اللاتينية تركزهم في المدن، وفي مهن وصناعات بعينها، وهو ما أعطاهم وجوداً ملحوظاً لا يتناسب البتة مع حجمهم الحقيقي. وهذه ظاهرة عامة في البلاد النامية حينما يتركز عنصر أجنبي أو إثني في قطاع اقتصادي واحد بسبب غياب الخبرات المحلية أو بسبب التشكيل التاريخي نفسه. ولكن، ومهما كان السبب، فإن هذا الوجود الملحوظ يجعلهم عرضة للهجوم من العناصر اليمينية والقومية التي تطمع في الاستيلاء على هذه المواقع، ومن العناصر اليسارية المعادية لمثل هذه القطاعات بشكل مبدئي وبنيوي.
١٠ ـ من المعروف أن العناصر المهاجرة تبحث دائماً عن مكان تستقر فيه. ولذا، فهي تنظر إلى الثورات والانقلابات، التي قد تُحسِّن وضع الجماهير، بمنظار سلبي خالص، وبالتالي فإن مثل هذه الانقلابات التي قد تكون ذات عائد إيجابي للبلد تشكل عنصر طرد بالنسبة لأعضاء الجماعات اليهودية.
стр. 4885
١١ ـ ومن عناصر الطرد الأخرى، الهيمنة الصهيونية على يهود أمريكا اللاتينية. فمعظم المؤسسات والتنظيمات اليهودية قد أصبحت خاضعة للنفوذ الصهيوني، كما أن حركيات الصهيونية، شاءت أم أبت، أصبحت تؤدي إلى خلخلة وضع الجماعات اليهودية، ذلك أن الصهيونية تترجم نفسها إلى عدم ولاء للوطن الأم. وهذا يتجلى في يهود الأرجنتين الذين يركزون جزءاً كبيراً من طاقتهم على ما يدور في إسرائيل وهو ما يعني انصرافهم عن شئون الأرجنتين. ويزيد هذا بدوره غربة الشباب اليهودي عن قيادته اليهودية. وتدار الانتخابات في فروع المنظمة الصهيونية بناء على التقسيم الحزبي في إسرائيل وكأن انتماء هؤلاء اليهود لإسرائيل لا لأوطانهم التي يعيشون فيها. ويشير يهود الأرجنتين إلى السفير الإسرائيلي باعتباره «الوكيل» ، وهي الكلمة التي كانت تستخدم في الماضي للإشارة إلى الحاكم الإسباني للأرجنتين.
стр. 4886
وقد هاجر ٤٨.٧٧٠ يهودياً من أمريكا اللاتينية إلى إسرائيل (معظمهم من الأرجنتين) هاجر نصفهم (٢٤.١٣٦) بعد حرب ١٩٦٧، وهو عدد صغير للغاية إذا أخذنا في الاعتبار أن أمريكا اللاتينية منطقة طرد ونزوح. ولا تذكر المصادر نسبة النزوح عن إسرائيل بين يهود أمريكا اللاتينية، ولكن يبدو أنها عالية إذ أن عدد يهود إسرائيل ذوي الأصول الأمريكية اللاتيني لا يتجاوز ثمانية آلاف أسرة. ورغم صغر حجم الهجرة الصهيونية، فإن هذه الهجرة تساهم في إخلاء الجماعة اليهودية من العناصر القيادية النشيطة سياسياً وتنظيمياً ومن العناصر المهتمة بهويتها اليهودية، وهذا ما يعني إفقار الجماعة اليهودية وإضعافها والقضاء على فرصة ظهور قيادة في صفوفها. وعند انتخاب منعم رئيساً لجمهورية الأرجنتين، بدلاً من ألفونسين، توقعت المؤسسة الحاكمة في الدولة الصهيونية أن بضعة آلاف من أعضاء الجماعة اليهودية سيهاجرون إليها. ولكن الذي حدث أنه هاجرت بضع مئات لم يسعدها الوضع كثيراً فعادت أدراجها أو هاجرت إلى الولايات المتحدة، نقطة الجذب الأساسية ليهود العالم. ويُلاحَظ أن الهجرة، في الماضي، كانت مقصورة على الفقراء وأعضاء الطبقة الوسطى الصغيرة، ولكن هذا النمط تغيَّر مؤخراً إذ أن عناصر الطرد في أمريكا اللاتينية تزايدت إلى درجة جعلت كل العناصر الثرية (التي تشكل النخبة القائدة) تبدأ هي الأخرى في الهجرة.
стр. 4887
والواقع أن الجماعات اليهودية ليست ملتفة التفافاً كاملاً حول الصهيونية ومُثُلها، فثمة توترات عميقة بين الجماعة اليهودية والدولة الصهيونية لعل من أهمها دعم الدولة الصهيونية لنظم فاشية شمولية تقمع كل الجماعات الرافضة وكذلك أعضاء الأقليات وضمن ذلك اليهود. وقد قامت الدولة الصهيونية ببيع السلاح للنظام العسكري في الأرجنتين، كما قام شامير ونافون بزيارة الأرجنتين في وقت كان معروفاً فيه أن الحكومة قامت باعتقال أعداد كبيرة من الشباب اليهودي بسبب انتمائهم السياسي والديني. وقد نُشرت صورة الجنود الإسرائيليين (الحرس الخاص برئيس الدولة الصهيونية) وهم يقومون بضرب بعض النساء اليهوديات اللائي كن يحاولن أن يوسطنه للإفراج عن أبنائهن. وينعكس التوتر بين أعضاء الجماعة والدولة الصهيونية في انصرافهم عن انتخابات المنظمة الصهيونية (وإن كانت هذه ظاهرة غير مقصورة على الأرجنتين) ، كما ظهرت جمعية اسمها بريرا تحاول أن تتبنى خطاً يتملص من الصهيونية. ولكن، مهما كانت درجة الالتفاف أو التملص أو حتى الرفض، فإن الصهيونية تُخَلخل وضع الجماعة وتزيد هامشيتها.
стр. 4888
وإلى جانب عناصر الطرد السابقة، هناك عناصر أخرى تساهم في عملية موت الشعب اليهودي في أمريكا اللاتينية، ولكنها عناصر عامة وليست مقصورة على اليهود وحدهم، من بينها توقُّف الهجرة من الخارج. فهذه البلاد لم تَعُد ترحب كثيراً بالمهاجرين. كما أن المصدر الحقيقي الوحيد للمهاجرين اليهود في العالم هو الاتحاد السوفيتي. وليس من المتوقع أن يتوجه أي من هؤلاء إلى أمريكا اللاتينية بحكم تكوينهم الثقافي وطموحهم الطبقي وبحكم قوانين الهجرة في أمريكا اللاتينية. كما أن نسبة المواليد منخفضة بين الجماعات اليهودية (طفلان لكل أسرة) بسبب تركزهم في المدن وارتفاع المستوى الاقتصادي. وبالتالي، نجد أن فئات العمر العالية آخذة في التزايد، وخصوصاً أن أعداداً متزايدة من الشباب إما أن تهاجر أو تسقط انتماءها اليهودي. ومن هنا نجد أن معدل الوفيات آخذ في الارتفاع.
стр. 4889
لقد تحدثنا عن هامشية أعضاء الجماعات اليهودية بالنسبة إلى المجتمع الأمريكي اللاتيني (وكانت الهامشية في المجتمعات التقليدية تؤدي إلى الانغلاق الجيتوي على التراث وإلى تكلس الهوية) . ولكن في إطار مجتمعات أمريكا اللاتينية، اختلف الوضع تماماً، فهذه التجمعات لم ترفض الزواج المختلط. ولهذا، ورغم أن المجتمع فشل في دمج اليهود عن طريق إعتاقهم، فإننا نجد أنه صهرهم عن طريق الزواج المختلط آخذ في التزايد وقد وصل إلى ٣٠% في الستينيات، ويُتوقع له أن يزيد مع تزايد معدلات العلمنة في المجتمعات اللاتينية. كما أن كثيراً من الزيجات اليهودية تُعقد بطريقة الزواج المدني، وهو ما يدل على عزم العروسين على نبذ الانتماء اليهودي. ويُلاحَظ أن ثمة هوة بين الأجيال تزيد من انصراف الشباب عن المؤسسات اليهودية، وخصوصاً التربوية، وعن الهوية اليهودية. ومن هنا نجد أن هذا بدوره يساهم في عملية الصهر. وعلى كلٍّ، تتسم أمريكا اللاتينية بمقدرتها الفائقة على صهر الجماعات المختلفة من المهاجرين، وعلى هضمهم وصبغهم بالصبغة اللاتينية. ومن المعروف أن يهود شيلي، الذين هاجروا في أواخر القرن التاسع عشر، اختفوا تماماً. ويُقال إنه قد هاجر ١٥٠ ألف يهودي إلى البرازيل بين عامي ١٨٨٥ و١٩٣٥، ولم ينزح منهم سوى ٥%. ومع هذا فإن عدد اليهود بلغ نحو ٤٠ ألفاً فقط عام ١٩٣٥.
ولكل هذا، فمن المتوقع أن يختفي يهود أمريكا اللاتينية مع بداية القرن القادم.
هويات أعضاء الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية
Identities of the Members of the Jewish Communities in Latin America
стр. 4890
من القضايا المهمة، التي تثيرها دراسة أوضاع الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية، قضية الهوية. ونحن نذهب إلى أنه لا توجد هوية يهودية عالمية واحدة وإنما توجد هويات يهودية مختلفة غير متجانسة، كما أن كل هوية يهودية تختلف إلى حدٍّ ما عن المحيط الثقافي المحيط بها (ومصدر الاختلاف عادةً ما يكون عناصر إثنية حملها معهم المهاجرون من أعضاء الجماعة اليهودية من مجتمعهم القديم) . ولكن اختلاف الهويات اليهودية، كلٌّ مع محيطها الثقافي، لا يعني اتفاقها الواحدة مع الأخرى، فكل هوية يهودية رغم اختلافها عن محيطها الثقافي تكتسب معظم سماتها منه وتتحدد من خلاله. وقد شبهنا هذا الوضع بالتركيب الجيولوجي الذي يحوي طبقات جيولوجية متراكمة أو متجاورة، ولكنها لا تتفاعل الواحدة مع الأخرى.
стр. 4891
وتتبدَّى خاصية التركيب الجيولوجي التراكمي في الجماعات اليهودية التي هاجرت إلى أمريكا اللاتينية، فهناك اليهود الإشكناز من شرق أوربا (يهود اليديشية) ، وهناك يهود بوزنان (في سلفادور وجواتيمالا) ، وهناك يهود بيساربيا والمجر في نيكارجوا، وهناك يهود بولندا في كوستاريكا وغيرها من البلاد، وهناك كذلك اليهود الروس واليهود الليتوانيون والجاليشيون. والعلاقات بين الجماعات السابقة لا تتسم بالمودة، فالليتوانيون والجاليشيون في حالة صراع دائم مع بعضهم البعض. أما اليهود الروس الذين يظنون أنهم يتحدثون اليديشية بطريقة أفضل، فهم يتعالون على الفريقين السابقين. وهناك، كذلك، اليهود الألمان الذين لا يعتبرهم يهود شرق أوربا يهوداً على الإطلاق، فهم مازالوا يكنون احتقارهم الألماني التقليدي للسلاف والذي يتبدَّى في شكل احتقار يهود شرق أوربا (إيست يودين) . ولا نعرف الكثير عن موقف يهود فرنسا ويهود إنجلترا من هؤلاء جميعاً. ولكن بناءً على معلوماتنا عن أمريكا اللاتينية، فإنهم يحتفظون بكل تأكيد بهويتهم الفرنسية والإنجليزية على التوالي، وإن كان من المحتمل أيضاً أنهم قد انضموا إلى إحدى المجموعات السالفة الذكر باعتبار أن معظمهم من أصل شرق أوربي (يديشي) . وفي مقابل كل هؤلاء الإشكناز، هناك السفارد الذين يتحدثون اللادينو، وهؤلاء يعتبرون أنفسهم أرستقراطية حقة، فثقافتهم إسبانية وجذورهم أيبيرية، ولذا فإنهم يعزلون أنفسهم عن الإشكناز وعن يهود البلاد العربية الذين يتحدثون العربية، وينقسمون بدورهم إلى يهود حلب ويهود دمشق، كما توجد مجموعة جاءت من المغرب. وكل هذه المجموعات تنقسم إلى أقسام مختلفة، فمنهم المتدين ومنهم الملحد ومنهم منْ تخفَّف من عقيدته دون أن يدير لها ظهره تماماً. وقد بدأت تظهر في صفوفهم اليهودية المحافظة واليهودية الإصلاحية.
стр. 4892
وينقسم أعضاء الجماعات اليهودية إلى جماعات إثنية مختلفة لا يربطها رابط. ويتبدى عدم التجانس بين الجماعات والهويات اليهودية بشكل مثير وجلي في أمريكا اللاتينية، فإدراكهم لأنفسهم ليس موحداً، وسلوكهم تجاه أنفسهم وتجاه اليهود الآخرين وتجاه الأغلبية تحدده خلفيتهم الإثنية. ولكن، من المفارقات أننا نجد أن مجتمع الأغلبية مازال يسميهم «اليهود» ، وهي تسمية تفترض الوحدة حيث لا توجد وحدة.
وتظل ظاهرة التركيب الجيولوجي لهويات الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية قائمة، بينما نجد أن الهويات اليهودية المختلفة قد اختفت في الولايات المتحدة وذابت وظهرت هوية جديدة واحدة. ذلك أن أمريكا اللاتينية لم تظهر فيها (كما حدث في الولايات المتحدة) مُثُل عليا علمانية قومية مركزية منفتحة تمنح المرء الشرعية بمقدار تحقيقه النجاح (المادي) في الحياة، أي من خلال مراكمة الثروة أو أية إنجازات مادية أخرى. ويستطيع المهاجر أن يتخلى عن هويته الإثنية أو القومية الأصلية ويكتسب هوية جديدة من خلال البوتقة التي ينصهر فيها الجميع معاً بحيث يتحوَّلون جميعاً إلى مادة بشرية أمريكية.
стр. 4893
وحين ظهرت استحالة تحقيق هذه الفكرة العضوية المتطرفة بسبب ظهور أقليات كثيرة غير بيضاء وغير بروتستانتية، اتسع نطاق الفكرة قليلاً في الستينيات فسمحت بشيء من التنوع داخل الوحدة بحيث أصبح بإمكان الأمريكي أن يحتفظ ببعض عناصر من تراثه القومي الأصلي يؤكد من خلالها هويته، شريطة ألا تتناقض إثنيته هذه مع ولائه الأمريكي الكامل، فأصبح المواطن الأمريكي أمريكياً بشرطة (بالإنجليزية: هايفينيتيد أمريكان Hyphenated American) ، فهو عربي/أمريكي أو بولندي/أمريكي أو يهودي/أمريكي، ثم تحوَّل الجميع بمرور الوقت إلى أمريكي/عربي أو أمريكي/بولندي أو أمريكي/يهودي، أي أن الجميع كان يتم صهرهم مع السماح لهم بالحفاظ على قشرة إثنية سطحية تساعد في واقع الأمر على مزيد من الاندماج وتخبئ الانصهار الفعلي. والفكرة القومية الأمريكية، سواء في صورتها الأولى أو في صورتها الثانية، تشجع المهاجر على الاندماج. وقد ساعد ذلك على تذويب الفروق بين أعضاء الجماعات اليهودية بحيث حققوا الوحدة بينهم من خلال المجتمع الأمريكي وبسببه لا رغماً عنه.
أما الفكرة القومية في أمريكا اللاتينية، فلم تكن قط فكرة اندماجية على النمط الأمريكي. كما أن المثل الأعلى لم يكن قط علمانياً متطرفاً تستند الشرعية فيه إلى النجاح في الحياة وإلى مراكمة الثروات. بل إننا نجد أن ثمة عناصر أرستقراطية دخلت عليه، وأن الكاثوليكية كانت عنصراً أساسياً في تكوين الشخصية اللاتينية على مستوى الممارسة وعلى مستوى الصورة المثالية، وكان لهذا الوضع نتيجتان متناقضتان ولكنهما متلازمتان:
١ ـ تحوَّلت المجتمعات اللاتينية إلى مجتمعات مغلقة بالنسبة لليهود، وخصوصاً الإشكناز من ذوي الثقافة الغربية والألمانية، وبالتالي أصبح الانتماء الكامل مستحيلاً.
стр. 4894
٢ ـ وكعادة أعضاء الجماعات اليهودية والأقليات كافة، فإنهم يختلفون عن مجتمعهم في بعض النواحي ويتشبهون به في كثير من النواحي الأخرى. ولذا، فكما أن الكاثوليكية هي مصدر الهوية لشعوب أمريكا اللاتينية، فإن اليهودية أصبحت مصدر الهوية بالنسبة إلى يهود هذه البلاد. وحيث إن اليهودية ليست كلاًّ متجانساً، فهي تركيب جيولوجي تراكمي، وحيث إن معظم أعضاء هذه الجماعات لم يكن لديهم انتماء ديني يهودي قوي، فقد عاد كل منهم إلى تراثه الإثني اليهودي، وهو متنوع بعدد المجتمعات التي أتوا منها فأصبحت يهوديتهم مصدر فُرقة وتنوع لا مصدر وحدة وتجانس، الأمر الذي أضعف هويتهم بشكل كبير.
وقد ساهمت عناصر أخرى في إضعاف هذه الهوية، من بينها أن تنوع اليهود وفرقتهم وعدم تجانسهم انعكست في التنظيمات التي تضمهم وفي مؤسساتهم اليهودية، فلا يوجد تنظيم واحد يضمهم جميعاً، وهناك تنظيمات تقوم على أسس دينية (محافظة وإصلاحية مقابل الأرثوذكس) ، أو على أسس إثنية (إشكناز مقابل سفارد) ، أو على أسس سياسية أو طبقية (البوند والشيوعيون وغيرهم مقابل الرأسماليين) . كما توجد داخل كل جماعة إثنية عشرات الجماعات. وحتى عندما ظهرت تنظيمات لادينية تستند إلى الإثنية اليهودية، فإنها لم تنجح في ضم كل اليهود. ففي بلد مثل المكسيك، على سبيل المثال، يوجد ثلاثة وستون تنظيماً تتبع لجنة مركزية واحدة، منها عشرة تنظيمات دينية وتسعة اجتماعية وثمانية ثقافية وعشرة للرعاية الاجتماعية وعشرة صهيونية وعشرة للشباب وستة لمهام مختلفة.
стр. 4895
وتوجد مؤسسات لإدارة شئون الجماعات اليهودية يُطلَق عليها اصطلاح «قهال» وقد أصبحت هذه المؤسسات ساحة قتال بين أعضاء الجماعات اليهودية المختلفة (وبخاصة بين الإشكناز والسفارد) . ومن أهم نشاطات القهال الإشراف على أمور مثل الزواج والطعام والدفن. وقد أصبح الدفن بالذات من أهم نشاطات القهال، وأصبحت رسوم الدفن، التي يجأر أعضاء الجماعات اليهودية بالشكوى منها، من أهم مصادر تمويل القهال (والواقع أن سيطرة القهال على المدافن تشبه سيطرة الكنيسة الكاثوليكية على الخلاص، فلا خلاص خارج الكنيسة، ولا دفن خارج القهال) . وتسيطر الحاخامية الأرثوذكسية على القهال وتأخذ موقفاً متشدداً من كثير من القضايا، الأمر الذي يعني استبعاد أعداد كبيرة من اليهود الذين تمت علمنتهم. ويتبع القهال عدد من الموظفين والحاخامات الذين لا يتمتعون بأية مكانة اجتماعية، فمكانة الحاخام في أمريكا اللاتينية أقل من مكانة الحاخام في الولايات المتحدة (مع أن هذا الأخير قد فَقَد كثيراً من أهميته) .
والقيادات السياسية اليهودية منعزلة عن الشباب. وحينما اجتاحت الموجة اليسارية شباب أمريكا اللاتينية، وضمنهم الشباب اليهودي، وجد هؤلاء أن قيادتهم اليهودية التقليدية لا علاقة لها بهم ولا يمكنها أن تعمِّق هويتهم، كما لا يمكنها أن تتحدث بلغتهم. ولا توجد قيادة يهودية شابة الآن إذ أن كثيراً من العناصر الشابة تنزح إما إلى أمريكا الشمالية بأعداد كبيرة أو إلى إسرائيل. ومن الواضح أن الشباب منصرفون عن المؤسسات اليهودية، ففي انتخابات عام ١٩٦٩ لم يشارك سوى ثلث اليهود، وكان معظمهم من كبار السن. ولا شك في أن نسبة المشاركين في هذه الأيام قد قلت عن ذي قبل.
стр. 4896
وقد ارتبطت القيادات اليهودية في أمريكا اللاتينية بالمنظمات اليهودية الأمريكية وتحاول التأثير على الحكومات التي تتبعها من خلال هذه المنظمات. وهو تدخُّل قد يأتي بنتيجة إيجابية مباشرة ولكنه يأتي بأثر عكسي على المدى الطويل، إذ يُقوي الإدراك المحلي لأن يهود أمريكا اللاتينية يربطهم رباط خاص بالولايات المتحدة، الأمر الذي يزيد هامشية أعضاء الجماعات اليهودية ويزيد انصراف الشباب اليهودي عنها.
وينعكس الوضع نفسه على تعليم أعضاء الجماعات اليهودية، فأمريكا اللاتينية، على عكس الولايات المتحدة، لا يوجد فيها نظام تعليمي علماني إجباري مجاني قوي، وإن وُجدت مدارس حكومية فهي ذات توجه كاثوليكي قوي، وتوجد مدارس كثيرة تتبع الكنيسة. وقد انعكس هذا الوضع على نظام تعليم اليهود إذ أنشأت الجماعات اليهودية مدارس يهودية، فأنشأ السفارد مدارس تكميلية بحيث يستطيع الطالب اليهودي الانخراط في المدرسة الحكومية الأرجنتينية ثم يدرس المواد اليهودية في المدرسة اليهودية. وحينما يصل إلى مرحلة الجامعة فإنه يدخل الجامعة مع غيره من الشباب. أما الإشكناز، فأسسوا مدارس لتعليم المناهج الدراسية الأرجنتينية والإسبانية واليديشية والعبرية. وقد هاجمتهم العناصر القومية باعتبار أن مثل هذه المدارس لن تعمِّق ولاء اليهود وانتمائهم لوطنهم. ولكن المدارس اليهودية، مع هذا، لم يمكنها أن تصبح مصدراً من مصادر الهوية اليهودية. وقد أدَّى تزايد معدلات العلمنة في الأرجنتين وشيلي والبرازيل إلى اختفائها، فمثل هذه المدارس تملأ فجوة زمنية بين وصول المهاجرين بميراثهم اللغوي والثقافي وبين الاندماج الكلي لأحفادهم من أبناء الجيل الثالث أو الرابع. كما أن مثل هذه المؤسسات تساعد المهاجرين على استيعاب الصدمة الحضارية، وهي تشبه في هذا اليديشية، لغة الشارع اليهودي، التي استمرت في الولايات المتحدة حتى الأربعينيات، وفي أمريكا اللاتينية حتى الخمسينيات، واختفت
стр. 4897
تماماً بعد ذلك.
ويُلاحَظ أن أحداً لا يُقبل على تَعلُّم العبرية. ولا تختلف أمريكا اللاتينية في هذا عن الاتحاد السوفيتي أو الولايات المتحدة. وقد بدأت البرتغالية والإسبانية تحلان محل أية لغات أخرى جاء بها أعضاء الجماعة اليهودية. كما يُلاحَظ أن المدارس اليهودية لا تزدهر إلا في البلاد التي لا تتمتع بمعدلات علمنة عالية والتي تسود فيها المثل الكاثوليكية كما هو الحال في بيرو، أي أن انتشار المدارس اليهودية ليس مؤشراً على مدى تَقبُّل المجتمع لليهود وتسامحه معهم أو مدى نفوذهم وسطوتهم وإنما هو مؤشر على عدم تقبُّلهم وعزلتهم. وبهذا المعنى، يمكن القول بأن الكنيسة الكاثوليكية أكبر مصادر الهوية اليهودية، وهذه مفارقة كبرى، فما يحدد مدى نجاح أو فشل المدارس اليهودية حركيات المجتمع وليس حجم الميزانيات المخصصة كما تتصور المنظمات اليهودية في أمريكا اللاتينية. ولعل هذا يجعلنا نعيد النظر في الاتهام الذي كان يوجه إلى الاتحاد السوفيتي بأنه قضى على اليديشية وعلى المدارس اليهودية. فالواقع أن معدلات العلمنة والتصنيع وإتاحة فرص الحراك الاجتماعي أمام اليهود هي التي أدَّت إلى القضاء على اليديشية وعلى المدارس اليهودية، فمع تَزايُد الفرص المتاحة أمام أعضاء الجماعة اليهودية أصبح من صالح الأسر اليهودية أن تُلحق أولادها بالمدارس الحكومية كي يتعلموا الخبرات اللازمة للاستفادة تماماً من الفرص المتاحة، كما حدث في الأرجنتين وشيلي والبرازيل، وهي البلاد التي تضم الأغلبية العظمى من يهود أمريكا اللاتينية.
стр. 4898
وكان يمكن للانتماء الديني اليهودي أن يقوي الهوية اليهودية، ولكن جماعات المهاجرين اليهودية كانت، كما أسلفنا، قد فقدت انتماءها الديني. ولذا، فإنها حولت الرموز الدينية إلى رموز إثنية، وأصبحت العبادة شكلاً من أشكال التضامن الإثني. وجمعيات الدفن التي تُعَد أهم المؤسسات اليهودية، بل المعابد اليهودية نفسها، ليست لها علاقة كبيرة بالدين أو بمعدلات الإيمان إذ يتم تأسيسها لأسباب إثنية. ومن هنا نجد أن كل جماعة يهودية لها معبدها، فالمعبد في أمريكا اللاتينية الكاثوليكية هو المعادل البنيوي لمراكز أو نوادي الجماعة في الولايات المتحدة. وبالتالي، لا يعتبر عدد المعابد اليهودية مؤشراً على الانتماء الديني إذ أن وجود المعابد لا يعني وجود العابدين. وعلى سبيل المثال، يوجد في سنتياجو عدة معابد يهودية لا يستكمل أي منها النصاب (المنيان) المطلوب لإقامة الصلاة اليهودية وهو عشرة أشخاص. وفي بيونس أيرس، يوجد خمسون معبداً يهودياً ولا يوجد حاخامات إلا في أقل من نصفها فقط. وفي عام ١٩٧٠، لم يكن يوجد في أمريكا اللاتينية سوى خمسة وأربعين حاخاماً كلهم من أوربا. ولم تكن توجد مدارس لاهوتية لتخريج الحاخامات. وقد أُسِّست أخيراً مدرسة شبه لاهوتية تُدرَس فيها بعض المقررات الدينية. ولكن، لكي يُرسَّم الخريج حاخاماً، فلابد أن يدخل مدرسة لاهوتية في نيويورك أو القدس. والمدرسة اللاهوتية آنفة الذكر تابعة لليهودية المحافظة الآخذة في الانتشار في أمريكا اللاتينية.
стр. 4899
ومما يساهم في إضعاف الانتماء الديني أن الحاخامات الأرثوذكس هم المسيطرون على المؤسسات الدينية، وهم يرفضون إدخال أية تجديدات ويرفضون عقد أي زواج مُختلَط رغم تزايد عدد الزيجات المُختلَطة. وبطبيعة الحال، يتزايد الانصراف عن الدين في صفوف الشباب، فقد أعلن ٥٥% من الطلبة اليهود الجامعيين في الأرجنتين أنهم لا يؤمنون بالإله (ملحدون ولاأدريون) . ولا يحضر الصلاة سوى ٤% من الشباب. وتوجد نسبة كبيرة من الشباب اليهودي الذي لا يعرف كيف يؤدي الشعائر اليهودية ومن بينها شعيرة الصلاة. ويمكن القول بأن الموقف السائد هو موقف عدم الاكتراث من الدين وهو على أية حال النمط السائد في المجتمعات العلمانية.
ويبدو أن معدلات العلمنة قد ارتفعت بشكل مذهل. فقد قال أحد الحاخامات إن يهود أمريكا اللاتينية يكرسون أنفسهم لملذاتهم الدنيوية بطريقة متطرفة، بحيث يبدو سكان تل أبيب (المشهورون بالانفتاح المتطرف) كما لو كانوا من الرهبان مقارنةً بهم. وقال الحاخام مازحاً: لقد دخلت النساء عصر ما بعد البكيني (على غرار ما بعد الأيديولوجيا وما بعد الحداثة) إذ يلبسن مايوهات صغيرة جداً تُسمَّى «دنتال فلوس dental floss» ، وهو الخيط الرفيع الذي يستخدم لتنظيف ما بين الأسنان.
وقد بدأت مؤسسة جديدة تحل محل جمعيات الدفن والقهال أو المعبد، وهي النادي الرياضي، والنادي مؤسسة معروفة في معظم أنحاء أمريكا اللاتينية تؤسسها الجماعات المهاجرة، وهذه النوادي لا تشتغل بالدين أو السياسة ولا تحاول تغذية الإثنيات اليهودية المختلفة، وهي مؤسسات ضخمة كل منها عبارة عن نادي كبير فيه حمامات سباحة وقاعات ديسكو ومطاعم تقدم الطعام المباح وغير المباح شرعاً.
стр. 4900
وقد رصدنا حتى الآن عنصرين أحدهما انغلاق المجتمعات الكاثوليكية، وهو عنصر كان من المفروض أن يؤدي إلى إثراء الهوية اليهودية ولكنه أدَّى في واقع الأمر إلى تفتتها إلى هويات إثنية مختلفة. أما العنصر الثاني، فهو ضعف الهوية اليهودية الذي أدَّت إليه عناصر كثيرة مثل تزايد معدلات العلمنة وتساقط النظام التعليمي. ويمكننا الآن أن نشير إلى عنصرين آخرين ساهما في هذه العملية: العنصر الأول هو الثراء الحضاري لأمريكا اللاتينية، فلتراثها امتداد تاريخي ينعكس في الموسيقى واللغة والأدب والرموز الحضارية. ويقوم الشباب من أعضاء الجماعات اليهودية بمقارنة ذلك كله بميراثهم الحضاري الإشكنازي أو السفاردي فيكتشفون مدى ضآلته، كما أنهم ينظرون إلى الصهيونية باعتبارها إطاراً للتعامل مع الواقع يزودهم بالمعنى، فيجدون أنها لا تجيب على أي من أسئلتهم. ولذا، فهم يكتسبون الهوية اللاتينية بأعداد متزايدة. كما أن حضارة أمريكا اللاتينية قد تكون رموزها الكاثوليكية مغلقة إلا أنها لم تعارض قط الزواج المُختلَط. ولذا، فإن أعضاء الجماعات اليهودية إن كانوا لا يندمجون، فإنهم ينصهرون من خلال هذا الطريق، وتقوم أمريكا اللاتينية بهضمهم بكفاءة شديدة.
стр. 4901
ويُلاحَظ أن أعضاء الجماعات اليهودية لا يوجدون، كما أسلفنا، بين الفلاحين بتراثهم الكاثوليكي، ولا بين العمال الذين تنتظمهم إما جماعات اشتراكية أو نقابات عمال كاثوليكية، وإنما يوجدون في المدن الكبيرة بين أعضاء الطبقة الوسطى التي تزداد بينها معدلات العلمنة، وبالتالي يتزايد الزواج المختلط الذي وصل إلى ٥٠% في المدن الكبرى. ولكن حيث إن حجم الجماعات اليهودية في المناطق الريفية صغير، نجد أن نسبة الزواج المختلط تزيد عن مثيلتها في المدن الكبرى. وتوجد أعداد متزايدة من أعضاء الطبقات الوسطى يعارضون المؤسسة الدينية ويؤسسون جماعات معادية للكنيسة والكهنوت. وينخرط أعضاء الجماعات اليهودية في مثل هذه الجماعات، وخصوصاً في المحافل الماسونية التي تُعَد من أهم مواضع التقاء أعضاء الجماعات اليهودية بأعضاء الطبقة الوسطى اللاتينية التي تعلمنت.
وفيما يتصل بالمنظمات اليهودية في أمريكا اللاتينية، فيوجد فرع للمؤتمر اليهودي العالمي على مستوى القارة مقره بيونس أيرس، وأهم الهيئات في الأرجنتين هي ديليجاسيون ديس أسوسيانيس إسرائيليتاس أرجنتيناس. (الهيئة التمثيلية للمنظمات اليهودية الأرجنتينية) Delegacion des Associanes Israelitas Argentinas، واختصارها دايا DAIA، وهي التي تتحدث باسم الجماعة أمام الحكومة وتمثل يهود الأرجنتين في المؤتمر اليهودي العالمي والقهال الإشكنازي. كما توجد عدة منظمات سفاردية أهمها: جمعية يهود السفارد في بيونس أيرس. أما أهم المنظمات في البرازيل فهي كونفدريساو إسرائيليتا دو برازيل (الاتحاد الإسرائيلي للبرازيل Confederacao Israelita do Brasil) ، واختصارها CIB ومقرها ساو باولو. وهي المنظمة المركزية التي تضم جميع الاتحادات اليهودية المحلية في البرازيل، وهي التي تمثل يهود البرازيل في المؤتمر اليهودي العالمي. وتنشط المنظمة الصهيونية في صفوف المنظمات والاتحادات اليهودية.
стр. 4902
وظائف أعضاء الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية
Occupations of the Members of the Jewish Communities in Latin America
لا يمكن فهم الوضع الطبقي لأعضاء الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية، وتوزُّعهم الوظيفي والمهني والحرفي، إلا من خلال رؤيتهم باعتبارهم أقلية مهاجرة. وقد وصل اليهود إلى أمريكا اللاتينية بعد عدة قرون من تأسيس هذا المجتمع، وبعد أن اكتمل كثير من ملامحه الاقتصادية والثقافية. وقد نتج عن ذلك عدة أشياء من بينها أن أعضاء الجماعة اليهودية، عند وصولهم، وجدوا أن المهن الإنتاجية الأولية (الزراعة والتعدين) تم شغلها من قبَل المستوطنين الأوائل. وحتى إن وُجدت فيها فرص فهي عادةً، بسبب الميراث الحضاري، لا يغتنمها إلا السكان المحليون. ولذا، نجد أن اشتراك أعضاء الجماعات اليهودية في الزراعة أقل بكثير من النسبة على المستوى القومي، وضمن ذلك الأرجنتين التي تضم أكبر مشروع للاستيطان الزراعي خارج إسرائيل.
واتجه أعضاء الجماعات اليهودية المهاجرون، بطبيعة الحال، إلى القطاعات غير المتطورة في الاقتصاد وإلى أعمال الوساطة التي تقوم بها الجماعات الإثنية الغريبة والمهاجرة. وقد كان القطاعان التجاري والصناعي مُهمَلين في مجتمعات أمريكا اللاتينية بسبب سيطرة القيم التقليدية (الكاثوليكية) مثل الاحتقار التقليدي للتجارة والصناعة حيث ترتبط الأرستقراطية بفكرة الحسب والنسب وملكية الأرض. ومثل هذه المجتمعات ترفض القيم العقلانية والنفعية (البروتستانتية) ، مثل حب الإنجاز والتوجه نحوه والتلهف على مراكمة الثروة، وتفضل البحث عن السعادة والتوازن وتركز على حياة التأمل والزهد. وهي لا تؤمن بأن العمل خير في ذاته، أو قيمة مطلقة يجب الالتزام بها بغض النظر عن نتائجها، بل تراه شراً لابد منه، وهي لا تقبل التنافس والتناحر بوصفه وسيلة مشروعة للبقاء وتركز على الجماعية والتكافل والتراحم.
стр. 4903
ويُلاحَظ أن القطاع التجاري والصناعي في أمريكا اللاتينية قطاع أجنبي بالدرجة الأولى، فقد كان رأس المال أجنبياً وكذلك كان العمال المهرة. وفي الأرجنتين، على سبيل المثال، كان ٨٠% من قطاع الصناعة والتجارة في أيد أجنبية عام ١٨٩٥. وفي عام ١٩٥٩، كان ٤٥.٥% من مجموع المستثمرين من الأجانب، ونسبة عالية من الباقين كانوا من مواليد الأرجنتين ولكن من أبوين مهاجرين. ولذا، لم يكن اتجاه اليهود نحو هذين القطاعين غريباً.
وقد كان القطاع التجاري، كما أسلفنا، يتسم بالتخلف. ومن ثم، اعتمدت مناطق واسعة في الأرجنتين على تصدير محاصيلها وموادها الخام. ولكن هذه المناطق كانت، مع هذا، تضم عدداً لا بأس به من السكان محدودي الدخل تتزايد تطلعاتهم الاستهلاكية، وخصوصاً بعد أن بدأوا يختلطون بالمهاجرين الذين أحضروا أنماطاً استهلاكية غير مألوفة، أي أن احتياجات بشرية جديدة ظهرت وكان لابد من الوفاء بها. وهنا يأتي دور الجماعة الوظيفية المالية الوسيطة لأن التاجر الأرجنتيني المحلي لم يكن يتاجر إلا في البضائع المستوردة الفاخرة مرتفعة الثمن وهو ما جعلها مقصورة على الأغنياء بعيدة عن متناول الفقراء. كما لم يكن التاجر الأرجنتيني يقدم أية تسهيلات ائتمانية لزبائنه إذ كان عليهم أن يدفعوا الثمن نقداً.
стр. 4904
وداخل هذا الإطار، لعب أعضاء الجماعات اليهودية دوراً ريادياً مهماً، فهم ككل الجماعات المهاجرة يتسمون عادةً بعدة سمات من بينها تحرُّرهم النسبي من التقاليد والقيم، أية تقاليد وأية قيم. وهم لا يدينون بالولاء للقيم الأخلاقية أو الدنيوية للمجتمع. ولذا، فهم يشكلون عنصراً ريادياً، كما أنهم يأتون بخبرات تجارية ومالية ليست متوافرة في المجتمع المضيف بفضل ميراثهم الاقتصادي. ففي بلادهم الأصلية، أساساً روسيا، كانوا يعملون باعة جائلين يتاجرون في السلع الرخيصة ويتحملون من المخاطر ما لا يتحمله التاجر المحلي المستقر، ويصلون إلى الأماكن التي لا تصل إليها ذراع المؤسسات الاقتصادية الحديثة. وقد جاءوا دون أي رأسمال أو جاءوا برأسمال صغير لا يُذكَر، ولكنهم كانوا يملكون مجموعة من المهارات غير المتوافرة في المجتمع، ولهذا اتجهوا نحو البحث عن مجالات جديدة في الصناعة والتجارة لا تحتاج إلى رأسمال كبير بقدر ما تحتاج إلى مهارات خاصة. وقد كان من بين المهاجرين عمال في صناعة الملابس ونجارون وصناع أثاث وجواهرجية وصناع ساعات وعمال بناء وصناع أحذية وقبعات وخبازون. فتركزوا في إنتاج هذه السلع، وارتادوا كل الأسواق، ووصلوا إلى قطاع محدودي الدخل، وخصوصاً أنهم كانوا على استعداد للبيع بالتقسيط. وقد كان كثير من التجار المتجولين حرفيين في بلادهم، فكانت العملية الاقتصادية تبدأ بصناعة السلع في المنزل داخل إطار الاقتصاد المنزلي والصناعة المنزلية حيث يقوم أعضاء الأسرة بعملية التصنيع بأنفسهم. وقد أسهم التاجر اليهودي المتجول في زيادة الإقبال على السلع الاستهلاكية والترفية، فوسَّع نطاق السوق وحجم الطلب، وهو ما ساهم في تنشيط اقتصاديات المنطقة التي يرتادها. وكان هذا واضحاً في الأرجنتين على سبيل المثال. ولكن، بطبيعة الحال، زاد هذا النشاط أيضاً حسد الوسطاء الآخرين الذين ألفوا الطرق التقليدية في التسويق. وقد كان هناك بعض أعضاء
стр. 4905
الجماعات اليهودية ممن لا كفاءات لهم، أو ممن لهم كفاءات لا يستطيع المجتمع استخدامها مثل طلبة الجامعات الروسية الثوريين الذين نفاهم النظام القيصري أو موظفي الحكومة الذين كانوا يعملون في وظائف السكرتارية ولكنهم لا يجيدون اللغة الإسبانية أو البرتغالية. كل هؤلاء استوعبتهم الوظائف الهامشية في المدينة، أو انخرطوا في صفوف الطبقة العاملة (اليهودية) حيث كانوا يعملون في المصانع التي يمتلكها يهود، وهو ما كان يجعلهم عرضة للاستغلال إذ أن فرص الالتحاق بمصانع أخرى كانت ضعيفة أو منعدمة. ويجب ملاحظة أن عدد أعضاء الجماعات اليهودية الذين انخرطوا في سلك الطبقة العاملة كان صغيراً لأن القاعدة الصناعية في أمريكا اللاتينية كانت صغيرة والأجور كانت أقل كثيراً من نظيرتها في أوربا، كما لم تكن توجد اتحادات عمالية لحماية العمال. كذلك ظهر بين اليهود صناعات منزلية بدائية فيما يُسمَّى «ورش العرق» ، وهي صناعات ملابس تُعدُّ امتداداً لتركز اليهود في أعمال الرهونات في روسيا.
ومن الأعمال التي عمل بها أعضاء الجماعات اليهودية مهنة البغاء الذي يُعدُّ شكلاً من أشكال التجارة المتجولة. فالبغيّ مثل التاجر المتجول، فقيرة لا تملك شيئاً وتود أن تبيع السلعة التي يرغبها الجمهور. والظروف التي أدَّت إلى ظهور التاجر المتجول هي نفسها التي أدَّت إلى ظهور البغاء، أي وجود حاجة ما لدى المجتمع لا يمكنه الوفاء بها داخل مؤسساته القائمة، وهي في هذه الحالة وجود عدد كبير من الذكور المهاجرين بدون إناث. ويضاف إلى هذا وجود عدد كبير من الإناث اليهوديات في منطقة الاستيطان اليهودية، وخصوصاً جاليشيا، من الراغبات في الحراك الاجتماعي. وقد ظهرت شخصية القواد اليهودي الذي كان يَعدُ ضحيته بحياة مريحة فيها قسط من المتعة والراحة يختلف عن حياة الشقاء في ورش العرق والمستوطنات الزراعية. وكان القوادون دعامة المسرح اليديشي وحياة اللهو في المدن الأرجنتينية.
следующие страницы →