← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.

стр. 4901

ويُلاحَظ أن أعضاء الجماعات اليهودية لا يوجدون، كما أسلفنا، بين الفلاحين بتراثهم الكاثوليكي، ولا بين العمال الذين تنتظمهم إما جماعات اشتراكية أو نقابات عمال كاثوليكية، وإنما يوجدون في المدن الكبيرة بين أعضاء الطبقة الوسطى التي تزداد بينها معدلات العلمنة، وبالتالي يتزايد الزواج المختلط الذي وصل إلى ٥٠% في المدن الكبرى. ولكن حيث إن حجم الجماعات اليهودية في المناطق الريفية صغير، نجد أن نسبة الزواج المختلط تزيد عن مثيلتها في المدن الكبرى. وتوجد أعداد متزايدة من أعضاء الطبقات الوسطى يعارضون المؤسسة الدينية ويؤسسون جماعات معادية للكنيسة والكهنوت. وينخرط أعضاء الجماعات اليهودية في مثل هذه الجماعات، وخصوصاً في المحافل الماسونية التي تُعَد من أهم مواضع التقاء أعضاء الجماعات اليهودية بأعضاء الطبقة الوسطى اللاتينية التي تعلمنت. وفيما يتصل بالمنظمات اليهودية في أمريكا اللاتينية، فيوجد فرع للمؤتمر اليهودي العالمي على مستوى القارة مقره بيونس أيرس، وأهم الهيئات في الأرجنتين هي ديليجاسيون ديس أسوسيانيس إسرائيليتاس أرجنتيناس. (الهيئة التمثيلية للمنظمات اليهودية الأرجنتينية) Delegacion des Associanes Israelitas Argentinas، واختصارها دايا DAIA، وهي التي تتحدث باسم الجماعة أمام الحكومة وتمثل يهود الأرجنتين في المؤتمر اليهودي العالمي والقهال الإشكنازي. كما توجد عدة منظمات سفاردية أهمها: جمعية يهود السفارد في بيونس أيرس. أما أهم المنظمات في البرازيل فهي كونفدريساو إسرائيليتا دو برازيل (الاتحاد الإسرائيلي للبرازيل Confederacao Israelita do Brasil) ، واختصارها CIB ومقرها ساو باولو. وهي المنظمة المركزية التي تضم جميع الاتحادات اليهودية المحلية في البرازيل، وهي التي تمثل يهود البرازيل في المؤتمر اليهودي العالمي. وتنشط المنظمة الصهيونية في صفوف المنظمات والاتحادات اليهودية.

стр. 4902

وظائف أعضاء الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية Occupations of the Members of the Jewish Communities in Latin America لا يمكن فهم الوضع الطبقي لأعضاء الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية، وتوزُّعهم الوظيفي والمهني والحرفي، إلا من خلال رؤيتهم باعتبارهم أقلية مهاجرة. وقد وصل اليهود إلى أمريكا اللاتينية بعد عدة قرون من تأسيس هذا المجتمع، وبعد أن اكتمل كثير من ملامحه الاقتصادية والثقافية. وقد نتج عن ذلك عدة أشياء من بينها أن أعضاء الجماعة اليهودية، عند وصولهم، وجدوا أن المهن الإنتاجية الأولية (الزراعة والتعدين) تم شغلها من قبَل المستوطنين الأوائل. وحتى إن وُجدت فيها فرص فهي عادةً، بسبب الميراث الحضاري، لا يغتنمها إلا السكان المحليون. ولذا، نجد أن اشتراك أعضاء الجماعات اليهودية في الزراعة أقل بكثير من النسبة على المستوى القومي، وضمن ذلك الأرجنتين التي تضم أكبر مشروع للاستيطان الزراعي خارج إسرائيل. واتجه أعضاء الجماعات اليهودية المهاجرون، بطبيعة الحال، إلى القطاعات غير المتطورة في الاقتصاد وإلى أعمال الوساطة التي تقوم بها الجماعات الإثنية الغريبة والمهاجرة. وقد كان القطاعان التجاري والصناعي مُهمَلين في مجتمعات أمريكا اللاتينية بسبب سيطرة القيم التقليدية (الكاثوليكية) مثل الاحتقار التقليدي للتجارة والصناعة حيث ترتبط الأرستقراطية بفكرة الحسب والنسب وملكية الأرض. ومثل هذه المجتمعات ترفض القيم العقلانية والنفعية (البروتستانتية) ، مثل حب الإنجاز والتوجه نحوه والتلهف على مراكمة الثروة، وتفضل البحث عن السعادة والتوازن وتركز على حياة التأمل والزهد. وهي لا تؤمن بأن العمل خير في ذاته، أو قيمة مطلقة يجب الالتزام بها بغض النظر عن نتائجها، بل تراه شراً لابد منه، وهي لا تقبل التنافس والتناحر بوصفه وسيلة مشروعة للبقاء وتركز على الجماعية والتكافل والتراحم.

стр. 4903

ويُلاحَظ أن القطاع التجاري والصناعي في أمريكا اللاتينية قطاع أجنبي بالدرجة الأولى، فقد كان رأس المال أجنبياً وكذلك كان العمال المهرة. وفي الأرجنتين، على سبيل المثال، كان ٨٠% من قطاع الصناعة والتجارة في أيد أجنبية عام ١٨٩٥. وفي عام ١٩٥٩، كان ٤٥.٥% من مجموع المستثمرين من الأجانب، ونسبة عالية من الباقين كانوا من مواليد الأرجنتين ولكن من أبوين مهاجرين. ولذا، لم يكن اتجاه اليهود نحو هذين القطاعين غريباً. وقد كان القطاع التجاري، كما أسلفنا، يتسم بالتخلف. ومن ثم، اعتمدت مناطق واسعة في الأرجنتين على تصدير محاصيلها وموادها الخام. ولكن هذه المناطق كانت، مع هذا، تضم عدداً لا بأس به من السكان محدودي الدخل تتزايد تطلعاتهم الاستهلاكية، وخصوصاً بعد أن بدأوا يختلطون بالمهاجرين الذين أحضروا أنماطاً استهلاكية غير مألوفة، أي أن احتياجات بشرية جديدة ظهرت وكان لابد من الوفاء بها. وهنا يأتي دور الجماعة الوظيفية المالية الوسيطة لأن التاجر الأرجنتيني المحلي لم يكن يتاجر إلا في البضائع المستوردة الفاخرة مرتفعة الثمن وهو ما جعلها مقصورة على الأغنياء بعيدة عن متناول الفقراء. كما لم يكن التاجر الأرجنتيني يقدم أية تسهيلات ائتمانية لزبائنه إذ كان عليهم أن يدفعوا الثمن نقداً.

стр. 4904

وداخل هذا الإطار، لعب أعضاء الجماعات اليهودية دوراً ريادياً مهماً، فهم ككل الجماعات المهاجرة يتسمون عادةً بعدة سمات من بينها تحرُّرهم النسبي من التقاليد والقيم، أية تقاليد وأية قيم. وهم لا يدينون بالولاء للقيم الأخلاقية أو الدنيوية للمجتمع. ولذا، فهم يشكلون عنصراً ريادياً، كما أنهم يأتون بخبرات تجارية ومالية ليست متوافرة في المجتمع المضيف بفضل ميراثهم الاقتصادي. ففي بلادهم الأصلية، أساساً روسيا، كانوا يعملون باعة جائلين يتاجرون في السلع الرخيصة ويتحملون من المخاطر ما لا يتحمله التاجر المحلي المستقر، ويصلون إلى الأماكن التي لا تصل إليها ذراع المؤسسات الاقتصادية الحديثة. وقد جاءوا دون أي رأسمال أو جاءوا برأسمال صغير لا يُذكَر، ولكنهم كانوا يملكون مجموعة من المهارات غير المتوافرة في المجتمع، ولهذا اتجهوا نحو البحث عن مجالات جديدة في الصناعة والتجارة لا تحتاج إلى رأسمال كبير بقدر ما تحتاج إلى مهارات خاصة. وقد كان من بين المهاجرين عمال في صناعة الملابس ونجارون وصناع أثاث وجواهرجية وصناع ساعات وعمال بناء وصناع أحذية وقبعات وخبازون. فتركزوا في إنتاج هذه السلع، وارتادوا كل الأسواق، ووصلوا إلى قطاع محدودي الدخل، وخصوصاً أنهم كانوا على استعداد للبيع بالتقسيط. وقد كان كثير من التجار المتجولين حرفيين في بلادهم، فكانت العملية الاقتصادية تبدأ بصناعة السلع في المنزل داخل إطار الاقتصاد المنزلي والصناعة المنزلية حيث يقوم أعضاء الأسرة بعملية التصنيع بأنفسهم. وقد أسهم التاجر اليهودي المتجول في زيادة الإقبال على السلع الاستهلاكية والترفية، فوسَّع نطاق السوق وحجم الطلب، وهو ما ساهم في تنشيط اقتصاديات المنطقة التي يرتادها. وكان هذا واضحاً في الأرجنتين على سبيل المثال. ولكن، بطبيعة الحال، زاد هذا النشاط أيضاً حسد الوسطاء الآخرين الذين ألفوا الطرق التقليدية في التسويق. وقد كان هناك بعض أعضاء

стр. 4905

الجماعات اليهودية ممن لا كفاءات لهم، أو ممن لهم كفاءات لا يستطيع المجتمع استخدامها مثل طلبة الجامعات الروسية الثوريين الذين نفاهم النظام القيصري أو موظفي الحكومة الذين كانوا يعملون في وظائف السكرتارية ولكنهم لا يجيدون اللغة الإسبانية أو البرتغالية. كل هؤلاء استوعبتهم الوظائف الهامشية في المدينة، أو انخرطوا في صفوف الطبقة العاملة (اليهودية) حيث كانوا يعملون في المصانع التي يمتلكها يهود، وهو ما كان يجعلهم عرضة للاستغلال إذ أن فرص الالتحاق بمصانع أخرى كانت ضعيفة أو منعدمة. ويجب ملاحظة أن عدد أعضاء الجماعات اليهودية الذين انخرطوا في سلك الطبقة العاملة كان صغيراً لأن القاعدة الصناعية في أمريكا اللاتينية كانت صغيرة والأجور كانت أقل كثيراً من نظيرتها في أوربا، كما لم تكن توجد اتحادات عمالية لحماية العمال. كذلك ظهر بين اليهود صناعات منزلية بدائية فيما يُسمَّى «ورش العرق» ، وهي صناعات ملابس تُعدُّ امتداداً لتركز اليهود في أعمال الرهونات في روسيا. ومن الأعمال التي عمل بها أعضاء الجماعات اليهودية مهنة البغاء الذي يُعدُّ شكلاً من أشكال التجارة المتجولة. فالبغيّ مثل التاجر المتجول، فقيرة لا تملك شيئاً وتود أن تبيع السلعة التي يرغبها الجمهور. والظروف التي أدَّت إلى ظهور التاجر المتجول هي نفسها التي أدَّت إلى ظهور البغاء، أي وجود حاجة ما لدى المجتمع لا يمكنه الوفاء بها داخل مؤسساته القائمة، وهي في هذه الحالة وجود عدد كبير من الذكور المهاجرين بدون إناث. ويضاف إلى هذا وجود عدد كبير من الإناث اليهوديات في منطقة الاستيطان اليهودية، وخصوصاً جاليشيا، من الراغبات في الحراك الاجتماعي. وقد ظهرت شخصية القواد اليهودي الذي كان يَعدُ ضحيته بحياة مريحة فيها قسط من المتعة والراحة يختلف عن حياة الشقاء في ورش العرق والمستوطنات الزراعية. وكان القوادون دعامة المسرح اليديشي وحياة اللهو في المدن الأرجنتينية.

стр. 4906

وترتبط أمريكا اللاتينية بتجربة يهودية في الاستيطان الزراعي (تجربة البارون هيرش) وهي تجربة لم يُقدَّر لها النجاح لأسباب كثيرة ومركبة. وقد تطورت مجتمعات أمريكا اللاتينية وتزايدت معدلات التصنيع والتحديث، ولم يبق وضع أعضاء الجماعات اليهودية على ما كان عليه إذ أتيحت أمامهم فرص جديدة. وساعدت الحربان العالميتان على هذه العملية. ولذا، نجد أن اليهود حققوا حراكاً اجتماعياً في الأرجنتين والبرازيل وشيلي، وهي البلاد التي تركز فيها الغالبية العظمى من اليهود، كما أنها البلاد التي حقق سكانها دخلاً عالياً ومعدلات عالية من التصنيع. وقد أخذ هذا الحراك أشكالاً كثيرة، فالبائع اليهودي المتجول الذي عمل في هذه المهنة كعمل مؤقت، وكذا العامل الذي كان يعمل في المصنع بشكل غير نهائي لتحقيق بعض الأرباح لأنه مضطر إلى ذلك، وذلك الذي لم يكن قانعاً بوضعه بسبب جذوره الطبقية، هؤلاء كانوا يشترون محالَّ ثابتة ويتحولون إما إلى صاحب عمل ثابت أو تاجر صغير أو يتجهون إلى الصناعة مستخدمين مهارات المهاجرين اليهود من أوربا لتصنيع المواد الخام المحلية. وقد نجح اليهود في كلتا الوظيفتين لأنهم غير مرتبطين بأي وطن أصلي يرسلون إليه أرباحهم، بل كانوا يعيدون استثمار الأرباح التي يحققونها، وهو ما أدَّى إلى اتساع حجم مشروعاتهم التجارية والصناعية.

стр. 4907

اتجه أعضاء الجماعات اليهودية إلى الصناعة في فترة مبكرة. فمنذ عام ١٨٨٤، تركَّز اليهود في صناعة تكرير السكر ومعامل التبغ والخشب والكيماويات والزيوت والعطور ومصانع التغليف والنظارات وأجهزة التكييف. ويُلاحَظ أن هذه الصناعات جميعاً صناعات استهلاكية وصفت بأنها صناعات قريبة من المستهلك، على عكس الصناعات الثقيلة الأولية البعيدة عن مرحلة الاستهلاك (المرحلة النهائية) . ولا شك في أن هذا يعود إلى الميراث الاقتصادي للمهاجرين اليهود. وقد عمل اليهود أيضاً منذ فترة مبكرة بالتصدير والاستيراد، كما عملوا كمديرين ومهندسين. وقد تطوَّر كل هذا بتزايد معدلات التصنيع والعلمنة، حتى نجد أن ٣٧% من أعضاء الجماعات اليهودية في الأرجنتين كانوا يعملون، في السبعينيات، في قطاع التجارة، و٢٢% في الصناعة، و١٠% كمديرين، وهي نسبة أعلى من النسبة القومية (وقد اختلفت النسبة قليلاً في الثمانينيات إذ بلغ عدد الذين يقومون بأعمال تجارية ٥٠% مقابل ٢٢.٥% في القطاع المالي وقطاع الخدمات) . وفي البرازيل، بعد المعجزة الاقتصادية في السبعينيات، نجد أن ٢٧% من أصحاب الأعمال منهم. وقد حقق أبناء المهاجرين من العمال وصغار التجار حراكاً اجتماعياً. ولكن هذه العملية استغرقت وقتاً طويلاً نسبياً، فأحفاد المهاجرين في أمريكا الشمالية أصبحوا مهنين، أي أفراداً في النخبة. أما في أمريكا اللاتينية، فقد حققوا معدل الحراك نفسه في أربعة أجيال بدلاً من ثلاثة. ويتضح نجاح أعضاء الجماعة في تحقيق قسط كبير من الحراك من واقع أن أعداداً متزايدة من الشباب اليهود تتلقى تعليماً جامعياً وتتركز في المهن وقطاع الخدمات أقل من تركزها في التجارة.

стр. 4908

ويمكن وصف هذه العملية بأنها تبرجز الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية، وتحوُّلها من جماعة وظيفية مالية وسيطة إلى جماعة تنخرط في سلك الطبقة الوسطى اللاتينية. ولكن ثمة خصوصية لاتينية للطبقة الوسطى تنعكس بطبيعة الحال على أعضاء الجماعة اليهودية. فيُلاحَظ، حينما يتحول العامل اليهودي في الولايات المتحدة إلى عضو في الطبقة الوسطى، أنه ينخرط في سلك طبقة وسطى قوية. أما في أمريكا اللاتينية، فإنه ينخرط في سلك طبقة وسطى محدودة وضعيفة محصورة بين الأرستقراطية وجماهير الفلاحين والعمال المعدمين. ولذا، فهم يصبحون جزءاً من الجماعات الثرية (القطط السمان) في البلاد النامية التي تتسم بوجود هوة اجتماعية واقتصادية بينها وبين الجماهير الفقيرة. وهذا الاستقطاب الطبقي يؤدي إلى ظاهرة العنف في النشاط السياسي ويخلق مشكلات أمنية. وقد تحالف أعضاء الطبقة الوسطى المعادية للكنيسة داخل المحافل الماسونية وغيرها من المؤسسات العلمانية مع أعضاء الجماعات اليهودية الذين شقوا طريقهم. توطين أعضاء الجماعات اليهودية في الأرجنتين Settlement of the Members of the Jewish Communities in Argentina

стр. 4909

ترتبط أمريكا اللاتينية بتجربة يهودية في الاستيطان الزراعي هي قيام البارون هيرش بتوطين عدة آلاف من اليهود في الأرجنتين ضمن محاولته تحويل الفائض البشري اليهودي عن أوربا وتوجيهه إلى بقعة أخرى في العالم، حيث يمكن تحويلهم من عناصر طفيلية هامشية ضارة (كما كان يُقال آنذاك) إلى عناصر إنتاجية نافعة. وقد ارتبطت الإنتاجية بالزراعة لأنها كانت كذلك في التراث الشعبي والفكر الشعبوي الروسي الذي تأثر به أعضاء الجماعات اليهودية (ومنهم الصهاينة) . وقد أشرفت عدة وكالات يهودية على عملية التوطين من أهمها رابطة الاستيطان اليهودي (إيكا) التي قامت بتوطين اليهود في الأرجنتين وجمهورية الدومينكان وبوليفيا، وهي دول كانت تحتاج إلى مهاجرين للعمل في الزراعة حيث كانت تتوافر فيها أراض زراعية تُعطَى للوافدين الجدد بتسهيلات ائتمانية مريحة. وكانت نسبة اليهود الذين يعملون بالزراعة عام ١٩٣٥، أي قبل الحرب العالمية الثانية، هي: ٤.٣% من يهود بولندا، و٤.٢% من يهود روسيا، و٢.٢% من يهود الولايات المتحدة، و٥.٨% من يهود الأرجنتين، وكانت هذه أعلى نسبة في العالم. وكانت النسبة قبل ذلك أعلى كثيراً، فقد وصلت إلى ٢٢% عام ١٩٢٠، ولكن العدد انخفض وتضاءل حتى أنه لم يزد في الستينيات على ٢%. والواقع أن العدد آخذ في التضاؤل حتى أن كل ما تبقى من التجربة هو آثارها وبعض الظواهر التي تتسم بالطرافة مثل ظاهرة الكاوبوي اليهودي في هذه المستوطنات. ويعود فشل التجربة في الأرجنتين إلى عدة أسباب مرتبطة بحركيات المجتمع الأرجنتيني وخصوصيته ولا علاقة لها بما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» ولا بأية حركيات اجتماعية مقصورة على أعضاء الجماعة اليهودية ولا بطبيعة اليهود الأزلية التي تنفر ـ كما يقول العنصريون ـ من الزراعة:

стр. 4910

١ ـ كانت الهيئات التوطينية اليهودية هيئات غير حكومية ليست لها صلاحيات كافية، كما أنها كانت تقوم بتوطين اليهود في أي مكان متاح في العالم، الأمر الذي كان يعني أن هذه الهيئات لم تكن مهتمة كثيراً بالأوضاع المحلية، وكانت تدرس الظروف الصالحة للتوطين من الناحية المادية والخارجية الظاهرة دون اعتبار كبير للأبعاد الثقافية الكامنة الداخلية الخاصة بجماعة المهاجرين اليهود. وقد كانت هذه الوكالات جاهلة تماماً بالظروف الثقافية المحلية وبظروف يهود شرق أوربا وبالتوترات التي يمكن أن تنجم عن توطين اليهود في أمريكا اللاتينية. ٢ ـ كان يهيمن على هذه الهيئات يهود فرنسا المندمجون. وهؤلاء كانوا يرون أن الهدف من نشاطهم التوطيني ليس إنقاذ اليهود وحسب وإنما دمجهم في مجتمعاتهم تماماً كما اندمجوا هم في مجتمعهم الفرنسي اندماجاً كاملاً. وقد بذلوا جهوداً متطرفة في هذا المضمار. وهم، إلى جانب هذا، كانوا يكنون احتقاراً عميقاً ليهود اليديشية من شرق أوربا وثقافة الشتتل المتدنية. ولذا، كانوا يرون أنها ثقافة لا تستحق الحفاظ عليها. وقد قاومت هذه الهيئات فكرة إنشاء نظام تعليمي خاص باليهود، خشية أن يحافظوا على هويتهم اليديشية الشرق أوربية مع أن مثل هذا النظام التعليمي، بسبب طبيعته المختلطة، حيث يتضمن مقررات دراسية مختلطة أرجنتينية ويهودية شرق أوربية، يشكل عادةً وسيلة مهمة من وسائل التأقلم والدمج. ٣ ـ هذه الهيئات لم تشرك المهاجرين في صنع القرارت الخاصة بهم والتي تحدد مصيرهم، وهو ما زاد تفاقم كثير من المشاكل.

стр. 4911

٤ ـ تم توطين المهاجرين اليهود في ضياع صغيرة (بالأسبانية: «ميني فونديا minifundia» ) وليس في الضياع الكبيرة (بالأسبانية: «لاتيفونديا latifundia» ) ذلك لأن المؤسسات اليهودية التوطينية لم يكن لديها إمكانات مالية لشراء ضياع كبيرة، كما أنها كانت ترى ضرورة ألا يحقق اليهود بروزاً أو تركزاً غير عادي في أي من المناطق. ومع هذا، يوجد الآن مزارعون يهود يملكون ضياعاً أصغرها حجماً تصل إلى ثمانية آلاف هكتار، اشتراها المستوطنون الناجحون الذين راكموا بعض الثروات، كما أن بعض اليهود استخدم ما حصل عليه من تعويضات ألمانية لشراء ضياع كبيرة. وأخيراً، هناك أعضاء الطبقة الوسطى الذين اشتروا ضياعاً كبيرة لاكتساب قدر من المكانة والهيبة. ٥ ـ أدَّى ارتفاع أسعار الأراضي إلى قيام كثير من المستوطنين ببيع أرضهم واستثمار النقود في الصناعة والتجارة، وهو أمر كان يسيراً بالنسبة لهم بسبب الميراث الاقتصادي. ٦ ـ كانت المؤسسات التوطينية تتكفل بتوطين المهاجرين الجدد وحسب وكانت ترفض المساهمة في دعم أبناء المستوطنين وتزويدهم بالأرض اللازمة للاستمرار في الزراعة. ولذا، لم يكن أمام أبناء المستوطنين من مفر من أن يعملوا أقناناً أو فلاحين بالأجر أو يهاجروا إلى المدينة. ٧ ـ من المُلاحَظ أن كثيراً من الأراضي التي اشترتها الهيئات اليهودية لم تكن من أجود الأراضي الزراعية، وربما يعود هذا إلى انعدام خبرة القائمين على هذه الهيئات. ٨ ـ أدَّى صغر حجم الضياع وتفرُّقها وتباعدها إلى صعوبة الحفاظ على الحياة اليهودية الجماعية التي تتركز حول المعبد والطعام الشرعي والمدرسة الدينية والمدفن.

стр. 4912

٩ ـ كان للمدن جاذبية خاصة بالنسبة لأعضاء الجماعات اليهودية المهاجرة بسبب أصولهم الحضارية في شرق أوربا وعدم خبرتهم بالزراعة. وكذلك وجد اليهود في المدينة تلك المؤسسات اليهودية اللازمة لحياتهم اليهودية والتي لم توفرها لهم الهيئات التوطينية. كما أن أعضاء الجماعة كانوا أساساً جماعة حضرية لها طموحات حضرية مثل الرغبة في الأمن الاقتصادي وتحقيق الحراك الوظيفي، كما كان لها أسلوب حياة يركز على الإنجاز في مجال التعليم ذي الآفاق الواسعة، وهي أمور كان يمكن تحقيق بعضها في سياق حضري ولا يمكن تحقيقها في بيئة ريفية. ١٠ ـ إلى جانب العناصر السابقة الخاصة بالمؤسسات اليهودية والتكوين الحضاري الشرق أوربي لليهود، وميراثهم الاقتصادي، هناك عناصر خاصة بالمجتمع الأرجنتيني نفسه من بينها أن القطاع الزراعي في الأرجنتين والعالم بأسره كان قد بدأ يفقد شكله التقليدي ويصبح جزءاً من النظام الرأسمالي العالمي والاقتصادي النقدي والميكنة الزراعية. وكان القطاع الزراعي، كذلك، آخذاً في الانكماش أو لم يَعُد فيه مجال للمزارع الصغيرة. ١١ ـ لم تدعم الحكومة الأرجنتينية جماعات المهاجرين التي اشتغلت بالزراعة كما لم تغيِّر نظام ملكية الأرض بشكل يتيحها للمهاجرين، ولم تقم الحكومات كذلك بتوفير البنية التحتية اللازمة للانتشار الزراعي من مدارس وغيرها. لكل هذا، تساقط الاستيطان الزراعي اليهودي في الأرجنتين تماماً كما تساقط كثير من المستوطنات غير اليهودية ونزحت أعداد كبيرة متجهة إلى الصناعات. وبذا، أصبحت المستوطنات مجرد محطات استراحة للمهاجرين تكيفوا أثناءها مع الحضارة المحيطة بهم واصطبغوا بالصبغة الأرجنتينية وأصبحوا مهيئين بشكل أفضل للاستقرار في المدن. علاقة أعضاء الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية بالنخب الحاكمة Relationship between Members of the Jewish Communities and the Ruling Elites in Latin America

стр. 4913

أشرنا في المدخل السابق إلى أن أعضاء الجماعات اليهودية بدأوا يصبحون أعضاء في الطبقة الوسطى. ولكننا حينما نقرر ذلك فنحن نفعل ذلك مع كثير من التحفظ لأنهم احتفظوا بالكثير من ملامح الجماعة الوظيفية المالية، فهم طبقة وسطى من ناحية الدخل والمقاييس الخارجية ونمط الاستهلاك ومتوسط العمر، ولكنهم ليسوا كذلك من ناحية التوزُّع الوظيفي والمهني أو من ناحية العلاقة مع النخبة الحاكمة. فالطبقة الوسطى توجد بين النخبة الحاكمة والجماهير، وهي تقوم بدور الوسيط. وهذا يتطلب علاقة قوية مع النخبة والجماهير وأن تكون الطبقة الوسطى جزءاً عضوياً من المجتمع ولا تتواجد في مسامه وحسب، وهو الأمر الذي لم يحققه أعضاء الجماعات اليهودية. فقد حققوا وضعاً اقتصادياً متميِّزاً، ولكنه كان في الواقع متميِّزاً لتركزهم في قطاعات بعينها دون غيرها، كما أن تميُّزهم هذا لم يترجم إلى مكانة سياسية. وهذا وضع مختلف إلى حدٍّ ما عن وضع يهود الولايات المتحدة الذين حققوا حراكاً اجتماعياً ترجم نفسه إلى مكانة رفيعة وهيبة وقوة. ولتفسير هذه الظاهرة، يجب الإشارة إلى أن الانضمام إلى النخبة أمر صعب في المجتمعات ذات التقاليد العريقة والامتداد التاريخي والهوية الواضحة. وهذه عناصر يتسم بها المجتمع اللاتيني بشكل واضح. كما أن وضع النخبة داخل هذا المجتمع، وطريقة الانضمام إليها، يستند إلى ثلاثة عناصر أساسية، هي: الكاثوليكية، وملكية الأراضي، والأصل الأرستقراطي العريق. وهي جميعاً أصول تستبعد اليهود باعتبارهم مهاجرين وغير مسيحيين، وخصوصاً أن ارتباط اليهود بالتجارة في الوجدان الغربي المسيحي ثم في الوجدان اللاتيني (وهو ارتباط تؤكده حقيقة وضع اليهود) زاد قوة الطرد خارج النخبة. وحينما ظهرت نخب جديدة في المجتمع، مثل القوات المسلحة، فإن عملية الانضمام إليها كانت تتسم بمعايير تستبعد اليهود. ولذا، نجد أن نسبة الضباط اليهود في القوات المسلحة نسبة لا تُذكَر.

стр. 4914

ولم يؤد ظهور نخب معارضة حديثة، مثل القوميين واليساريين، إلى ضم بعض أعضاء الجماعات اليهودية، بل أدَّى إلى مزيد من الاستبعاد لهم نظراً لأن هذه الحركات ذات بعد محلي وتؤكد الخصوصية، وهو ما كان يعني تأكيد رموز التراث اللاتيني الكاثوليكي. ومن العناصر الأخرى التي باعدت بينهم وبين القوى القومية واليسارية، اعتماد أعضاء الجماعة على الولايات المتحدة، وارتباط اليهود في الذهن اللاتيني باليانكي، وارتباطهم مؤخراً بإسرائيل (رجل أمريكا القبيح في أمريكا اللاتينية) . هذا على الرغم من وجود أعداد كبيرة من الشباب الأرجنتيني في صفوف اليسار. والجماعة اليهودية، إلى جانب هذا، صغيرة في حد ذاتها في كل بلاد أمريكا اللاتينية وصغيرة بالنسبة إلى عدد السكان وهي جماعات منقسمة فيما بينها. كما أن تركُّزهم في مهن وقطاعات اقتصادية معينة يعني استبعادهم من قطاعات أخرى، الأمر الذي يعني انعدام تأثيرهم فيها كما يعني ظهور شكل من أشكال الغيرة بين أعضاء الأغلبية الذين يتركزون في القطاعات التي يتواجد فيها اليهود بكثرة. ويعني هذا التركز أيضاً أنهم غير ممثَّلين في كل الطبقات وفي مؤسسات سياسة اجتماعية عظيمة الأهمية مثل اتحادات العمال والمزارعين، ومن ثم فلا يمكنهم أن يلعبوا دور الطبقة الوسطى العضوية. وكان من الممكن أن يلعب اليهود دوراً ضاغطاً من خلال الانتخابات. ولكن صغر حجمهم، وانقسامهم إلى جماعات مختلفة، ومعدلات الاندماج العالية بينهم، جعلت ذلك أمراً عسيراً. وعلى أية حال، فإن الديموقراطية في أمريكا اللاتينية ليست ذات مؤسسات راسخة، ذلك لأن جماعات الضغط الأخرى مثل القوات المسلحة بانقلاباتها المتكررة والحركات اليسارية تجعلها تفقد كثيراً من أهميتها.

стр. 4915

وثمة سبب أخير هو عدم ظهور شخصيات يهودية قيادية يمكنها أن تمثل اليهود داخل النخبة بسبب انقسام الجماعات اليهودية، وبسبب هجرة العناصر الشابة الواعية بهويتها إلى إسرائيل، وهجرة العناصر الشابة التي تطمح إلى مستوى أعلى من الحراك الاجتماعي إلى الولايات المتحدة. ويذهب بعض الدارسين إلى أن الجيل الأول من اليهود، الذي اشتغل بالتجارة والصناعة، كان محكوماً عليه بالهلاك إما على يد اليمين المرتبط بالقيم الإقطاعية وإما على يد اليسار الذي يعبِّر عن القوى المعادية للمشروع الخاص. أما الجيل الجديد من الشباب اليهودي، الذي يُقبل بحماس على التعليم الجامعي، فهو مركز أساساً في الأعمال المهنية الإدارية. ومن ثم، فإن المجتمع اللاتيني الجديد يحتاج إلى خدماتهم التي ستتزايد الحاجة إليها مع تزايد معدلات التحديث والعلمنة. بل إن النظم اليسارية قد تتيح أمامهم فرص الحراك الاجتماعي والانضمام إلى النخبة، وهو الأمر الذي لم يحققوه من خلال اشتغالهم بالتجارة أو الصناعة. وقد بدأ يظهر فعلاً يهود بين أعضاء النخبة الحاكمة في الأرجنتين. وذهبت إحدى الدراسات إلى أن ثلثي يهود البرازيل من النخبة. وربما يكون الأمر كذلك، لكن من الممكن أن يكون هؤلاء قد انضموا إلى أعضاء النخبة أو الطبقة الحاكمة بحسب شروط هذه النخبة نفسها. وربما سُمح لهم بذلك بعد أن أصبحوا جزءاً لا يتجزأ من المجتمع اللاتيني بثقافته ورؤيته. وعلى أية حال، فمع تزايد معدلات اندماج أعضاء الجماعات اليهودية تتناقص أعدادهم. ويمكن القول بأنه ليس من المتوقع أن يلعب اليهود دوراً يهودياً مستقلاًّ داخل النخب الحاكمة في أمريكا اللاتينية تماماً كما هو الحال في الولايات المتحدة. الجماعات اليهودية في كل من أمريكا اللاتينية والولايات المتحدة: منظورمقارن The Jewish Communities in Latin America and the United States: Comparative Perspective

стр. 4916

لا توجد أية أهمية خاصة للجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية من منظور الصراع العربي الإسرائيلي، فهي جماعات ضئيلة العدد لا تهاجر منها أعداد مهمة إلى الدولة الصهيونية. وهي لا تشكل «لوبي» أو جماعة ضغط داخل المجتمع اللاتيني، كما أنها متجهة إلى النقصان السريع، بل ربما إلى الاختفاء. ولكنها، مع هذا، في غاية الأهمية من منظور دراسة الجماعات اليهودية في العالم ومحاولة تحديد سماتها وعزلتها وبنيتها وحركيات اندماج أعضائها. وتتزايد أهميتها حين نقارنها بأهم الجماعات اليهودية في العالم، أي يهود الولايات المتحدة، فهما عينتان جيدتان للمقارنة إذ أن جماعات المهاجرين التي اتجهت إلى الولايات المتحدة وتلك التي استقرت في أمريكا اللاتينية ستبين لنا بعض حركيات اندماج اليهود وانعزالهم وطريقة تشكيل هويتهم. ويمكننا أن نقول إن مصدر الاختلاف بين يهود الولايات المتحدة ويهود أمريكا اللاتينية هو المجتمع المضيف أو مجتمع الأغلبية أو المجتمع الجديد. وهذا، بدوره، سيبين أن فهم الجماعات اليهودية يقتضي العودة إلى حركيات المجتمعات والتشكيلات الحضارية التي يوجد فيها أعضاء الجماعات اليهودية ولا يتم بالعودة إلى هذا الشيء الوهمي الذي يُسمَّى «التاريخ اليهودي» الذي لا يمكنه أن يفسِّر هذا التنوع الهائل وعدم التجانس العميق بين أعضاء الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية من جهة ووحدتها وتجانسها في الولايات المتحدة من جهة أخرى. ويمكن رؤية مصادر الاختلاف بين الجماعتين على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي على النحو التالي:

стр. 4917

١ ـ ربما كانت أهم نقاط الاختلاف بين الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية أن الولايات المتحدة كيان سياسي ضخم موحد تحكمه دولة قومية قوية واحدة على عكس أمريكا اللاتينية التي انقسمت إلى عدة دويلات ودول. ويُقال إن هذا الانقسام يعود إلى طبيعة أمريكا الشمالية المنبسطة التي جعلت تطوير شبكة مواصلات ضخمة وبنية تحتية موحَّدة أمراً سهلاً، على عكس أمريكا اللاتينية التي تقسمها سلاسل الجبال الضخمة الشاهقة التي أدَّت إلى ظهور دول مختلفة وشبكات مواصلات مستقلة تستجيب لاحتياجات كل منطقة على حدة. كما أن التراث البروتستانتي في الولايات المتحدة شجع بكل تأكيد على قيام دولة قومية في وقت مبكر، ذلك لأن البروتستانتية لا تدين بولاء لكنيسة عالمية تضم كل البشر بل تعبِّر عن نفسها من خلال كنيسة قومية. كما أن ثمة ارتباطاً اختيارياً بين الرأسمالية والبروتستانتية، على النحو الذي أشار إليه فيبر. وهذا على عكس التراث الكاثوليكي ذي النزعة العالمية والذي يخلق توتراً بين النزعة القومية والنزعة الدينية إذ تعبِّر النزعة الدينية عن نفسها خارج الحدود القومية.

стр. 4918

وقد أدَّى قيام الدولة القومية في الولايات المتحدة إلى نجاحها في إعادة صياغة المهاجرين وأمركتهم، وذلك عن طريق نظام تعليمي حكومي مجاني ساعد المهاجرين وأبناءهم على التخلي عن ميراثهم الثقافي وعلى اكتساب الهوية الجديدة برموزها ولغتها ومُثلها. ولعبت المدارس الحكومية الليلية دوراً مهماً في ذلك. ومن المعروف مثلاً أن الأطفال في الولايات المتحدة كانوا يتعلمون يمين الولاء للدولة قبل تَعلُّم حروف الهجاء. كما لعب التجنيد العسكري دوراً لا يقل أهمية في عملية اندماج المهاجرين وضمن ذلك اليهود. كل هذا على عكس ما حدث في أمريكا اللاتينية حيث لم يتم تطوير نظام تعليمي قومي متكامل. وحينما تم تأسيسه في نهاية الأمر، سادت فيه القيم الكاثوليكية. أما الجيوش الوطنية، فقد تحولت بعد الاستقلال إلى أدوات قمع في يد السلطات. ولم تكن هذه الجيوش منفتحة على كل طبقات الشعب وأقلياته، مثل القوات المسلحة الأمريكية، وإنما كانت ذات توجُّه كاثوليكي أرستقراطي أو زراعي، أي أن مؤسسات الدمج الوطني الأساسية كانت غائبة أو ضعيفة في أمريكا اللاتينية، الأمر الذي ساعد على تشجيع عناصر التفتت في المجتمع. وقد انعكس هذا الوضع على أعضاء الجماعات اليهودية، فلم تنشأ منظمة مركزية تضم كل يهود أمريكا اللاتينية إذ استقل يهود كل دولة عن يهود الدول الأخرى. بل إن كل مجموعة يهودية داخل نطاق الدولة الواحدة انقسمت إلى جماعات يهودية مختلفة احتفظت كل واحدة منها بسماتها الإثنية والحضارية.

стр. 4919

٢ ـ أما المصدر الثاني للاختلاف فينصرف إلى النظام السياسي ويرتبط بالمصدر السابق. فالنظام السياسي الأمريكي يستند إلى مُثُل عصر الاستنارة والإعتاق وإلى مُثُل العقل والتجريب، ومن هنا فإنه رفض الماضي والتراث وركَّز على الحاضر والمستقبل ووجد أن مصدر المعرفة الوحيد هو العقل (المادي النفعي) والحواس. ويمكن النظر إلى الولايات المتحدة ككل باعتبارها تجربة تبدأ من نقطة الصفر، صفحة بيضاء (باللاتينية: تابيولا رازا tabula rasa) دون أية أعباء تاريخية، وهو الأمر الذي يناسب الجماعات البشرية التي تريد هي الأخرى أن تبدأ حياتها الجديدة من نقطة الصفر الافتراضية هذه. والمجتمع الأمريكي تسوده مُثُل الديموقراطية والمساواة حيث يتم انتقال السلطة فيه بشكل سلمي عن طريق الانتخابات، كما تسوده مُثُل علمانية حيث يؤمن الإنسان بأن العالم خاضع للقانون الطبيعي وبأن الإله قيمة شخصية محضة يكشف عن نفسه (إن وُجد) بالطريقة نفسها وداخل النطاق المحدود نفسه، أي من خلال القانون الطبيعي. ولذا، فهذا المجتمع يرفض أن تكون المُثُل الدينية هي محدد السلوك الإنساني، ويقوم بفصل الدين عن الدولة، ويعادي الكهنوت والكهنة. لكن هذه الرؤية لا تعطي اليهودي مركزية خاصة في الكون أو في دورة المعصية والتوبة والخلاص. وعلمانية الولايات المتحدة، علاوة على كل هذا، تم التوصل إليها دون حروب دينية، أي أنها مُعطَى وبُعْد أساسي من أبعاد الحضارة الأمريكية الحديثة. ويقف هذا الوضع مخالفاً لما في مجتمعات أمريكا اللاتينية، فهي مجتمعات لم تقبل مُثُل عصر التنوير بل تم تأسيسها على أسس إقطاعية أو شبه إقطاعية وملكية وكاثوليكية. ومارست محاكم التفتيش نشاطها في هذا العالم الجديد. كما أن دول أمريكا اللاتينية ترى نفسها استمراراً للماضي الأوربي الكاثوليكي.

стр. 4920

وحينما نشبت ثورات الاستقلال والتحرر الوطني بعد ذلك، تمت هذه الثورة بقيادة طبقة الكريول الإسبانية التي كانت تؤمن بالقيم القديمة نفسها ولم تتقبل مُثُل عصر العقل. ولذا، سادت المُثُل الإقطاعية حتى بعد أن اختفت تماماً في أوربا، وظلت لليهودي المكانة الرمزية نفسها التي كان يحتلها كغريب في أوربا في خلال العصور الوسطى، وظل التراث القديم مسيطراً. وحتى حينما أُعلن فصل الدين عن الدولة، ظل البُعْد الكاثوليكي قوياً للغاية على المستوى الثقافي، فقد لعبت الكاثوليكية دوراً قوياً في الحركات القومية كما لعبت بعد ذلك دوراً قوياً في الحركات اليسارية. وهكذا، يمكن القول بأن مجتمع الولايات المتحدة مجتمع منفتح جديد لا ينوء بثقل أي تراث أو ذاكرة تاريخية. ولذا، كان متاحاً لجماعات المهاجرين فيه، ومنهم اليهود، أن تكوِّن جماعات ضغط داخل النظام طالما أنها قبلت قيم وقوانين اللعبة الخاصة به، وأن تؤثر فيه وفي قراراته من خلال الانتخابات. بل أمكنها أيضاً دخول النخبة، وهو الأمر الذي لم يتيسر تحقيقه في مجتمعات أمريكا اللاتينية المغلقة بدونهم. وكانت الولايات المتحدة تشكل ظاهرة فريدة تماماً بالنسبة لأعضاء الجماعات اليهودية فهي لم تصدر أية تشريعات خاصة لإعتاقهم، فمُثُل الإعتاق والاستنارة كانت سائدة قبل وصولهم بأعداد كبيرة. ولذا، فإنهم لم يحاربوا قط من أجل استصدار أية تشريعات. ومن ثم، كانت الولايات المتحدة هي الجولدن مدينا، أي البلد الذهبي، ولم تُستخدَم قط كلمة «منفى» للإشارة إليها، فهي وطن قومي ثان وربما أول للمهاجرين من أعضاء الجماعات اليهودية.

стр. 4921

٣ ـ ومما دعم نقطتي الاختلاف السابقة نوعية المادة البشرية المهاجرة التي أسست كلا المجتمعين، فالمهاجرون إلى أمريكا الشمالية هاجروا إليها بعد أن كانت أوربا قد خاضت حركة الإصلاح الديني والثورة التجارية والصناعية، وبعد أن كانت الحروب الدينية قد أضعفت هيبة الكنيسة تماماً. كما أنهم كانوا من العناصر البروتستانتية المتطرفة (البيوريتان) التي رفضت مجتمعاتها وأتت لتأسيس مجتمع جديد على أسس جديدة. ويقف هذا على النقيض من مجتمعات أمريكا اللاتينية التي بدأت تجربة الاستيطان فيها داخل إطار كاثوليكي إقطاعي، وتمت تحت رعاية التاج الإسباني أو البرتغالي. وانتقل إلى المجتمع هرم القيم السائد في المجتمع الإسباني أو البرتغالي، وكانت العناصر المهاجرة مضطرة إلى قبول هذا الهرم. كما أن المهاجرين الذين قاموا بتأسيس مجتمعات أمريكا اللاتينية لم يكونوا من العناصر التي رفضت المجتمع الإسباني أو البرتغالي الكاثوليكي، وإنما كانوا من العناصر الأرستقراطية التي رفضها هذا المجتمع، أو بتعبير أدق من العناصر التي فشلت في تحقيق الحراك داخله بسبب قوانين الميراث الإقطاعي فحاولت أن تحقق الحراك الاجتماعي خارجه، وذلك لتحقيق درجة أعلى من الانتماء إليه. وحينما بدأت موجات الهجرة الضخمة، كان المهاجرون من دول كاثوليكية أساساً. وكل هذا كان يعني، بطبيعة الحال، مزيداً من الانغلاق والتجانس، وبالتالي مزيداً من استبعاد اليهود.

стр. 4922

٤ ـ والواقع أن مجتمع الولايات المتحدة، رغم أنه مجتمع يتباهى بالتعددية والتنوع والانفتاح، يؤدي في نهاية الأمر إلى طمس معالم الهويات المختلفة ودمجها في هوية علمانية ديموقراطية واحدة، فهذا المجتمع تسوده أسطورة علمانية واحدة، ومعيار قبول اجتماعي علماني عقلاني يسمح للجميع بالانتماء شريطة أن يتخلوا عن خصوصيتهم، أي عن القسط الأكبر من هويتهم. وكلما ازداد تخليهم عن هويتهم ازدادت أمامهم فرص الحراك الجتماعي. فما يسود المجتمع ليس تنوعية حقة وإنما وحدة عقلانية علمانية عميقة وتنوعية إثنية سطحية، وهذا ما يُسمَّى «الأمركة» . وقد تُرجمت هذه الأفكار إلى فكرة بوتقة الصهر التي تفترض إنساناً أمريكياً علمانياً ديموقراطياً ذا ثقافة بروتستانتية يتحدث الإنجليزية، وهي فكرة سادت في المجتمع الأمريكي حتى منتصف الستينيات حيث كان يُفترض أن يتأقلم المهاجر تماماً وينسى هويته ليصبح أمريكياً قلباً وإن أمكن قالباً أيضاً. ومن هنا، كانت هناك مشكلة السود الذين لم يكن بوسعهم تغيير لون جلدهم. وحينما انحسرت أسطورة بوتقة الصهر، حلّت محلها أسطورة أكثر تركيباً وإن كانت لا تقل عنها أحادية، إذ أصبح بالإمكان الاحتفاظ بالميراث الإثني القديم في الحياة الخاصة أو حتى العامة مادام ذلك لا يتعارض مع الولاء الأساسي للدولة (ذلك المطلق الذي يلتف حوله العلمانيون) . وهكذا، تُعامَل الإثنية نفسها معاملة الدين، أي يتم الاعتراف بها ما دامت أمراً خاصاً تماماً. كما أصبح الدين من المسائل الخاصة بالضمير، لكن كلاهما لا يصلح أن يكون دليلاً أو أساساً أو إطاراً لسلوك الإنسان في الحياة العامة (فأخلاق المواطن المدنية هي وحدها الأساس والإطار والدليل) . وكل هذا يعني، في واقع الأمر، طمس كل الهويات والخصوصيات لتحل محلها هوية قومية واحدة. وعلى أية حال، لا تستطيع الدولة القومية الموحدة أن تمارس نشاطها كاملاً إلا بالسيطرة على معظم أشكال الحياة العامة

стр. 4923

والمهمة، وقد كان هذا جوهر وصميم المشروع القومي. ووجد أعضاء الجماعة اليهودية هذا الوضع مناسباً، وكانوا من الأقليات الأولى التي تمت أمركتها تماماً، وتقبلوا أسطورة بوتقة الصهر ثم بعد ذلك تقبلوا أسطورة الاندماج المعدلة التي تقبل عناصر إثنية شريطة أن تكون سطحية، فأصبحوا أمريكيين يهوداً وهم الذين نطلق عليهم مصطلح «اليهود الجدد» نظراً لاختلافهم الجوهري عن يهود أوربا وبقية العالم. ويقف هذا على الطرف النقيض من مجتمعات أمريكا اللاتينية التي لا تزال أسطورتها القومية كاثوليكية تستبعد اليهود. وحينما جاءت جماعات المهاجرين اليهود، وجدت التشكيل الحضاري المحلي (الهندي) الذي لا يتاح للغرباء أن يضربوا بجذورهم فيه، كما وجدت التشكيل الحضاري الكاثوليكي الذي ينبذها. ونجم عن ذلك انكفاء المهاجرين، كلٌّ على هويته التي أتى بها، فتشبث بها وعمَّقها، ولم تظهر هوية يهودية لاتينية إذ ظلت هناك هويات يهودية من ناحية، وهوية لاتينية من ناحية أخرى، الأمر الذي أدَّى إلى زيادة الانقسامات بين الجماعات اليهودية المختلفة. وإذا بدأت تظهر، مع تزايد معدلات التحديث والترشيد والعلمنة في أمريكا اللاتينية، مثل هذه الهوية اللاتينية اليهودية، فإنها ستكون في واقع الأمر هوية لاتينية وحسب، إذ سيظل البعد الإثني اليهودي سطحياً للغاية، ربما أكثر سطحية من إثنية يهود أمريكا.

стр. 4924

٥ ـ وإذا انتقلنا إلى المجال الاقتصادي والاجتماعي، فإننا نجد أن مجتمع الولايات المتحدة أسسته من البداية عناصر بروتستانتية تجارية ترى أن التجارة أهم النشاطات الإنسانية وترى أن قيم التنافس ومراكمة الثروة قيم إيجابية، بل إن الثروة علامة الرضا الإلهي. ثم استمر النظر إلى التجارة والمنافسة باعتبارهما نشاطات إيجابية كريمة حتى بعد أن ضعفت المسيحية البروتستانتية واختفت كمحدد أساسي للسلوك والرؤية. ثم أصبحت التجارة في نهاية الأمر نشاطاً ضرورياً محايداً، لا تنتظمه أية قيم أخلاقية وإنما تنتظمه آليات التنافس والبقاء، أي أن النشاط التجاري تمت علمنته تماماً وكذلك ترشيده وإخلاؤه من أية أبعاد أخلاقية أو عاطفية غير عقلانية متخلفة! وتم الشيء نفسه بالنسبة إلى العمل الإنساني، فالحرفي التقليدي يتوارث الخبرة من أسرته، وعمله هو مصدر احترامه لنفسه وهويته. وهو يتبع إيقاعاً خاصاً يتفق مع حياته ومتطلباتها، وينتج سلعاً خاصة ترتبط بقيمه الحضارية والأخلاقية. هذا على عكس المجتمع الذي يقوم بعلمنة العمل الإنساني وترشيده تماماً، أي وضعه داخل إيقاع مادي آلي. ولذا، فهو يشكل بوتقة صهر حقيقية للبشر. فالمصنع مؤسسة مادية تم ترشيدها تماماً، كل ما فيها محسوب وبطريقة رياضية آلية صارمة. والعامل الصناعي يخضع لهذا الإيقاع الآلي، إذ يجب عليه أن يصبح تابعاً للآلة بدلاً من أن تصبح الآلة تابعة له، بل يجب عليه أن يصبح مثل قطعة الغيار تماماً، ولا يهم إن كان العامل يهودياً أم مسيحياً، ذكراً أم أنثى

стр. 4925

وفي المراحل الأولى للتصنيع، كان لا يهم إن كان كبيراً أم صغيراً، وقد استُخدم الأطفال في كل أفرع الصناعة، وفي كل الأعمال الممكنة. ولم يكن يهم أية خصوصيات أو انتماءات يتمتع بها العامل أو يعاني منها، مادام يؤدي عمله الآلي ويضبط حركته، في حضوره وانصرافه وإيقاع جسده وحياته، بما يتفق مع حركة المصنع، أي أن المصنع يقوم بعلمنة العمل الإنساني تماماً ويفصله عن كل قيمة (وضمن ذلك القيمة الإنسانية نفسها) بحيث لا توجد فيه أسرار ولا إبداع ولا حركات غير محسوبة. ولقد عرَّف ماكس فيبر الترشيد الكامل بأنه تحويل العالم إلى حالة المصنع، فالمصنع هو الخلية المثلى أو النموذج الأساسي في المجتمع الصناعي العلماني الذي يتحول فيه البشر إلى مجرد مادة بشرية تنتج طاقة! وهذان العنصران (علمنة كل من النشاط التجاري والعمل الإنساني في المجتمع الأمريكي) ساهما بشكل عميق في دمج المهاجرين اليهود، وخصوصاً أن القطاعين التجاري والصناعي في الولايات المتحدة من الضخامة بحيث استوعبا أعداد المهاجرين القادمين وفتحا لهم أبواب الحراك الاجتماعي. وقد كان الانخراط في التجارة والصناعة ثم المهن أسرع الطرق التي تمت بها أمركة يهود الولايات المتحدة. والأمركة هي علمنة اليهود مع صبغهم بالصبغة الأمريكية، أي دمجهم في المجتمع العلماني الأمريكي بحيث تحوَّل اليهود من جماعات اقتصادية هامشية وجماعة وظيفية وسيطة إلى أعضاء في الطبقة الوسطى التي تشكل جزءاً عضوياً أساسياً من النظام الاقتصادي السياسي؛ يستثمرون في الصناعة، ويلعبون دوراً في تنظيم نقابات العمال، ولهم صوت يُعتَد به في الانتخابات، ويشكلون قوة ذاتية مهمة. وقد بدأت أعداد متزايدة من أعضاء الجماعة اليهودية في الانخراط في سلك النخبة، وهم في هذا لا يختلفون عن كل جماعات المهاجرين الأخرى، وإن كانت درجة حراكهم أسرع باعتبار أنهم كانوا من أسرع الأقليات استجابة للأمركة والعلمنة. وقد أصبح اندماج

стр. 4926

أعضاء الجماعة اليهودية كاملاً، فهو لم يَعُد اندماجاً مدنياً بمعنى تَقبُّل القيم الثقافية المشتركة والسائدة وإنما اندماج بنيوي بمعنى الدخول في المؤسسات العامة والخاصة كافة، وضمن ذلك مؤسسة الزواج حيث أصبحت أعداد متزايدة من الأمريكيين الذين لا يكترثون بالدين يتزوجون من أعضاء الجماعة اليهودية الذين لا يكترثون بالدين أيضاً، أي أن الرقعة المشتركة هنا هي التخلي عن الهوية الدينية وتَقبُّل الآخر داخل إطار الهوية العلمانية الجديدة. كل هذا مختلف عما حدث في أمريكا اللاتينية؛ فالنشاط التجاري ظل موضع ازدراء في حضارة لا تزال قيمها الأساسية أرستقراطية إقطاعية، كما ظلت المنافسة ومراكمة الثروة تحملان إيحاءات سلبية مظلمة. وقد بدأ التصنيع في وقت متأخر وحقق اليهود حراكاً اجتماعياً لا بأس به من خلال تزايد معدلات التصنيع. ولكن، مع هذا، ظلت المكانة في المجتمع والانتماء إلى النخبة يُحدَّدان بمعايير تقليدية مثل الحسب والنسب وما شابه. لكل ما تقدَّم، ظهرت الاختلافات بين الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة والجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية. فيهود الولايات المتحدة، بغض النظر عن أصولهم الإثنية والعرْقية والدينية، أصبحوا جماعة واحدة، ومن هنا نستخدم صيغة المفرد للإشارة إليهم. وتوجد جيوب هنا وهناك مثل اليهود الأرثوذكس (في وليامزبرج) الذين يتحدثون اليديشية، ولكن مقدرة المجتمع الأمريكي الامتصاصية الفائقة تتبدى في تحويل مثل هؤلاء إلى منظر يشاهده السياح، أي «فُرْجَة» ، وبالتالي تهميشهم تماماً، وقد اندمج اليهود في مجتمعهم اندماجاً مدنياً وبنيوياً وتَقبُّلهم المجتمع على أساس تقبُّلهم الفكرة العلمانية الديموقراطية الأساسية.

стр. 4927

أما يهود أمريكا اللاتينية، فلم تُطرَح أمامهم أسطورة قومية علمانية يمكنهم المشاركة فيها، إذ أن الفكرة السائدة كانت تستبعدهم. كما أن المؤسسات القومية لم تصبغهم بصبغتها، فاستمروا ينتمون إلى هوياتهم القديمة، وهو ما أدَّى إلى انقسامهم. ولم تكن هناك قنوات ديموقراطية يمكنهم التأثير من خلالها، أي أن المجتمع المضيف عزل نفسه عنهم، فقاموا هم بعزل أنفسهم عنه. ومن ثم، عزلت كل جماعة يهودية نفسها عن الجماعات اليهودية الأخرى، وظلوا جماعة وظيفية وسيطة محصورة في دور اقتصادي محدَّد ومُستبعَدة من النخبة الحاكمة. وقد حقق أعضاء الجماعة اليهودية نجاحاً اقتصادياً، ولكنهم مع هذا احتفظوا بهامشيتهم. ورغم كل هذا الاستبعاد، فإن مجتمعات أمريكا اللاتينية لم ترفض الزواج المختلط مع اليهود. ومن هنا نجد أنه، مع تَزايُد عدد الشباب اليهودي في الجامعات، تتزايد نسبة الزواج، الأمر الذي ينتج عنه الانصهار الكامل وليس الاندماج. وكل هذه الفروق تبين أن ثمة نموذجاً تفسيرياً واحداً وأساسياً، وهو أن كل جماعة يهودية توجد داخل محيطها وتكتسب هويتها منه. وقد ذهب أحد الدارسين إلى القول بأن يهود أمريكا بروتستانت بينما يهود أمريكا اللاتينية كاثوليك. فيهود أمريكا البروتستانت قد قبلوا بالعلمانية، وقبلوا أن يتراجع الدين، وقبلوا قيم العملية والمرونة والبرجماتية، كما قبلوا بالإصلاح الديني، فانكمشت اليهودية الأرثوذكسية واكتسحتهم اليهودية الإصلاحية والمحافظة وأخيراً التجديدية. أما في أمريكا اللاتينية، فلا تزال الحاخامية ترفض الإصلاح الديني، تماماً كما يرفض بعض أساقفة الكنيسة الكاثوليكية في أمريكا اللاتينية أية إصلاحات، ومن ذلك الإصلاحات التي أدخلتها كنيسة روما نفسها. ولقد تم تشبيه هيمنة الحاخامية على المقبرة اليهودية، وعلى قرار من يُدفَن فيها ومن لا يدفن، بسيطرة الكنيسة الكاثوليكية على عملية الخلاص التي لا يمكن أن تتم خارج الكنيسة.

стр. 4928

وهناك نقطة اختلاف أخرى، وهي أن أمريكا اللاتينية منطقة نزوح بالنسبة لليهود، بينما لا تزال الولايات المتحدة بالنسبة إليهم نقطة الجذب الأساسية. ولكن، ورغم هذا الاختلاف، فإن الهجرة إلى إسرائيل من كلتا المنطقتين تكاد تكون منعدمة، وإن كان ذلك لأسباب مختلفة، فاليهود في الولايات المتحدة لا يحتاجون إلى الهجرة بعد تحقيقهم المستويات المعيشية المرتفعة، أما يهود أمريكا اللاتينية فلا يهاجرون إلى إسرائيل لأن الولايات المتحدة هي نقطة الجذب الأساسية بالنسبة لهم.

стр. 4929

ولكن ينبغي الإشارة إلى أن معدلات العلمنة آخذة في الارتفاع في أمريكا اللاتينية، حيث يتضح هذا في ظهور العقائد العلمانية ذات الديباجات الدينية والعقائد شبه الدينية التي لا تختلف بنيتها عن بنية الفكر العلماني، مثل الماسونية والبهائية والربوبية، كما يُلاحَظ تزايد انتشار البروتستانتية. وكما هو مُتوقَّع، ترتفع بالتالي معدلات العلمنة بين الجماعات اليهودية وينضم أعضاؤها بأعداد متزايدة إلى المحافل الماسونية والمعابد البهائية ويظهر بينهم الفكر الربوبي. كما أن النادي اليهودي، وهو التعبير عن تزايد معدلات العلمنة والانصراف عن الدين وشعائره، آخذ في الانتشار. والواقع أن النادي اليهودي يحقق لأعضاء الجماعات اليهودية شيئاً مماثلاً لما حققته الدولة في الولايات المتحدة لأعضاء الجماعة اليهودية فيها، أي الاحتفاظ بقشرة إثنية سطحية لا علاقة لها بالدين أو لها علاقة واهية بالدين وتضمر معدلات علمنة هائلة. ففي النادي اليهودي، سيجد يهود أمريكا اللاتينية بعض الرموز اليهودية الإثنية أو الدينية التي ليس لها مضمون أخلاقي مُلزم، وإلى جوار ذلك سيجدون حمامات السباحة الضخمة وقاعة الديسكو والبلاجات التي تجلس فيها النساء (اليهوديات اسماً) يرتدين مايوهات عصر ما بعد البكيني (على حد قول أحد الحاخامات) . وينخرط اليهود في أسلوب حياة علمانية كاملة مكرسة للاستهلاك والحرية الجنسية وغير الجنسية.

стр. 4930

ولعل أهم جوانب هذه الظاهرة هو انتشار البروتستانتية في أمريكا اللاتينية (زاد عدد البروتستانت من ٢.٥ مليون في الثلاثينيات إلى ١٥ مليوناً في الستينيات ثم إلى ٤٠ مليوناً في الثمانينيات، وهو ما يمثل حوالي ١٠% من مجموع السكان، وتصل هذه النسبة إلى ٢٠% في جواتيمالا، و٢٥% في البرازيل، و١٧% في شيلي، و١٠% في الأرجنتين) . وهذا يعني تزايد النفوذ الأمريكي والتعاطف مع الثقافة الأمريكية، ولكنه يعني في الوقت نفسه المزيد من تقبُّل الجماعات اليهودية والدولة الصهيونية. والواقع أن البروتستانتية التي تنتشر في أمريكا اللاتينية هي من النوع المتطرف، أو الأصولي أو الحرفي، الذي يؤمن إيماناً حرفياً بما جاء في العهد القديم وبأن صهيون هي دولة إسرائيل. ولذا، تتنبأ الصحف الإسرائيلية بأن هذا التعاطف قد يترجم نفسه إلى مزيد من التأييد للدولة الصهيونية. ولكننا من ناحيتنا، نرى أن تناقص أعداد اليهود قمين بأن يجعل كل هذه الظواهر غير ذات موضوع في المستقبل البعيد. الأرجنتين Argentina انظر: «أمريكا اللاتينية» . البرازيل Brazil انظر: «أمريكا اللاتينية» . الباب الخامس عشر: جنوب أفريقيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا جنوب أفريقيا South Africa تُعَدُّ الحقيقة الأساسية بالنسبة لأعضاء الجماعة اليهودية في جنوب أفريقيا أن المجتمع الذي ينتسبون إليه مجتمع استيطاني مبني على الفصل بين الأعراق والقوميات، فهذه الحقيقة هي التي تحدد علاقة أعضاء الجماعة بمجتمع الأغلبية وبالعالم الخارجي وبأنفسهم.

стр. 4931

وتعود أصول الجماعات اليهودية في جنوب أفريقيا إلى النشاطات الاستيطانية الغربية الأولى، فقد كان أثرياء اليهود السفارد في هولندا من المساهمين في شركة الهند الشرقية الهولندية التي أسست المُستوطَن الأبيض عام ١٦٥٢. وتظهر أسماء يهودية في سجلات المستوطنين الأوائل. ولأن الشركة لا تسمح بتوطين أو توظيف غير البروتستانت، فإن الاحتمال الأكبر أنهم يهود من شرق أوربا (من يهود اليديشية) تنصَّروا حتى تتاح لهم فرصة الاستيطان والحراك الاجتماعي. ولم يبدأ استيطان اليهود إلا بعد عام ١٨٠٣ تحت حكم الجمهورية الباتافية (كما كانت تُعرَف الجمهورية التي أسسها نابليون في هولندا) التي أعتقت اليهود ومنحتهم حقوقهم السياسية. وقد جاء اليهود في بداية الأمر من إنجلترا وألمانيا وكوَّنوا جماعة يهودية صغيرة ثرية مندمجة في محيطها الحضاري يتحدث أعضاؤها الإنجليزية، ولم يكن الانتماء الديني لأعضاء الجماعة قوياً. ومع منتصف النصف الثاني من القرن التاسع عشر وتزايد معدلات النمو الصناعي في جنوب أفريقيا، في الفترة التي تزامنت مع فترة تعثُّر التحديث في شرق أوربا، بدأت تفد أعداد كبيرة من يهود اليديشية من ليتوانيا وبولندا بعد عام ١٨٩٠. وكما هو الحال دائماً، لم يستقبل أعضاء الجماعة اليهودية القدامى المهاجرين الجدد بالترحاب، بل نشأت حزازات بينهم، ووقعت انقسامات دامت بعض الوقت بسبب الاختلاف الثقافي والعرْقي والديني بين القدامى المتحدثين بالإنجليزية ويهود اليديشية. ومع هذا، تشابك مصير الجماعتين في نهاية الأمر، ولم يَعُد بإمكان اليهود الناطقين بالإنجليزية تجاهُل المهاجرين الجدد، كما لم يَعُد بالإمكان الامتناع عن تقديم يد المساعدة لهم إذ كان بقاء هؤلاء الوافدين غير مُستوعَبين قابلاً لإحداث توترات في المجتمع تكتسح مختلف أعضاء الجماعة في طريقها.

стр. 4932

شكَّل المهاجرون الجدد الأغلبية العظمى التي بلغت ٧٠% بعد وقت قصير، وكان على المهاجرين أن ينجحوا في امتحان قراءة وكتابة إحدى اللغات التي تُكتَب بالحروف الأوربية. لكن اليديشية صُنِّفت كلغة أوربية رغم أنها تُكتَب بالعبرية، أي آسيوية، وذلك لتشجيع هجرة البيض. وكان معدل الهجرة يتفاوت. ففي عام ١٩٠٣، بلغ عدد المهاجرين ٤٢٦٥ مهاجراً، أما عام ١٩٣٦ فبلغ عددهم ٣.٣٣٠ مهاجراً، ومع استيلاء النازيين على الحكم في ألمانيا انخفض العدد عام ١٩٣٧ إلى ٩٥٤ مهاجراً بسبب القوانين التي حدت من قبول المهاجرين والتي أصدرتها كثير من الدول الغربية، من بينها الولايات المتحدة، والتي حذت جنوب أفريقيا حذوها.

стр. 4933

وكان عدد اليهود لا يزيد على أربعة آلاف عام ١٨٨٠، زاد إلى ٣٨.١٠١ عام ١٩٠٤ (٣.٤١% من السكان البيض) ، ووصل إلى ٩٠.٦٤٥عام ١٩٣٦، أي ٤.٥٢% من السكان البيض، وهذه أعلى نسبة بلغها أعضاء الجماعة اليهودية. وقد هبطت النسبة إلى ٤.١١% عام ١٩٥١. وكان عدد اليهود ١٠٨.٤٩٧، ثم هبطت النسبة بعد ذلك إلى ٣.٦٢% عام ١٩٦٠، حينما بلغ عدد أعضاء الجماعة ١١٤.٧٦٢، ثم وصلت نسبتهم إلى ٢.٦% من عدد السكان البيض و٠.٤% من مجموع السكان (البالغ عددهم ٣١ مليوناً) حين بلغ عددهم ١٢٠ ألفاً عام ١٩٨٩. ويبلغ يهود جنوب أفريقيا في الوقت الحاضر (١٩٩٢) ١٠٠ ألفاً من مجموع السكان البالغ عددهم ٤٠.٧٧٤.٠٠٠، أي أن نسبتهم هي ٠.٢٥% (ويذهب مصدر إحصائي آخر لعام ١٩٩٥ إلى أن عدد اليهود في جنوب أفريقيا ١١٤ ألفاً) .ويعود هذا التناقص إلى أن معدل زيادة أعضاء الجماعة اليهودية كان آخذاً في التراجع، بينما كان معدل زيادة السكان البيض آخذاً في الصعود. فقد كان السكان البيض يزدادون بنسبة ٢.٢٦%، ولم تكن نسبة الزيادة بين اليهود تتجاوز ١.٧٧% في الفترة من ١٩٣٦ إلى ١٩٦٠. وفي الفترة من ١٩٥٠ إلى ١٩٦٠، كانت نسبة زيادة اليهود نصف نسبة زيادة السكان البيض. ويعود تناقص أعداد اليهود إلى الأسباب التالية:

стр. 4934

١ ـ يُلاحَظ أن معدل نسبة المواليد بين أعضاء الجماعة أقل من المعدل بين الأقلية البيضاء، وهذا بدوره يعود إلى انخفاض نسبة الخصوبة بين اليهود لعدة أسباب من بينها عدم الإحساس بالأمن (وقد وُصفت الجماعة اليهودية بأنها أكثر الأقليات عصبية وتوتراً في العالم) وتركُّزهم في المدن حيث بلغ عددهم ٥٧.٤٩٠ في جوهانسبرج و٢٥.٦٥٠ في كيب تاون (أي ٨٣% حسب إحصاء أوائل السبعينيات) . كما اختفت الجماعات الريفية تقريباً ولم يبق سوى ثلاثة آلاف يهودي خارج المدن. ومعدل التكاثر بين سكان المدن عادةً ما يكون أقل من نظيره بين سكان الريف، وخصوصاً إذا عرفنا أن أعضاء الجماعة اليهودية من أكثر الجماعات الدينية أو العرْقية ثراء في العالم، فثمة علاقة تناسب عكسي بين ارتفاع الدخل ونسبة المواليد. وكذلك، فإن معدلات الطلاق بينهم مرتفعة جداً، حيث تنتهي ٣٣% من الزيجات بالطلاق، كما أن ضعف مؤسسة الأسرة يؤثر على نسبة المواليد أيضاً. ٢ ـ تناقص عدد المهاجرين إلى جنوب أفريقيا. ومن المعروف أن يهود روسيا وأوكرانيا وغيرهما من دول الكومنولث (بعد تفكك الاتحاد السوفيتي) يتجهون أساساً إلى الولايات المتحدة أو إسرائيل. ومع هذا، تجدر الإشارة إلى أنه، منذ عام ١٩٤٨ حتى الوقت الحالي، هاجر إلى جنوب أفريقيا من إسرائيل نحو ٢٠ ألف إسرائيلي، كما هاجر إليها كثير من يهود زمبابوي بعد استقلالها. ويبدو أنها نسبة غير مهمة ولم تؤثر كثيراً في البنية السكانية للجماعة اليهودية، فحتى عام ١٩٣٦، ومع وجود هجرة من الخارج، كان نصف يهود جنوب أفريقيا من المولودين خارجها. أما في الوقت الحالي، فإن الأغلبية العظمى من مواليد جنوب أفريقيا.

стр. 4935

٣ ـ يُلاحَظ تزايد نسبة النزوح عن جنوب أفريقيا بين أعضاء الجماعة اليهودية ابتداءً من الستينيات، وذلك مع بداية حركة المقاومة السوداء ضد الحكم العنصري. وقد هاجر في العقدين الماضيين ما بين ٢٠ و٣٠ ألف يهودي، كما هاجر بين عامي ١٩٨٥ و١٩٨٦ نحو ٦٤ ألف يهودي من جنوب أفريقيا إلى أستراليا ونيوزيلندا والولايات المتحدة، ولم يذهب منهم سوى أربعمائة إلى إسرائيل. كما يُلاحَظ أن معظم المهاجرين من الشباب، ويُقال إنه لا توجد أسرة واحدة لم يهاجر أحد أبنائها من الشباب. وربما كان أحد أسباب إحجامهم عن الاستيطان في إسرائيل، عدم الرغبة في تأدية الخدمة العسكرية. ٤ ـ يُلاحَظ أن العناصر الشابة المهاجرة هم عادةً من ذوي الكفاءات العالية الذين يمكنهم أن يحققوا حراكاً اجتماعياً في مجتمعات أخرى. ويُلاحَظ أيضاً أن نسبة كبيرة من العناصر الشابة المهتمة بهويتها اليهودية، أي الصهاينة، تهاجر إلى إسرائيل. كل هذا يعني أن الجماعة اليهودية بدأت تفقد القيادات اللازمة وعناصر التماسك الداخلي، كما أن المتوسط العمري أخذ يزداد حتى أن أكثر من ٢٠% من أعضاء الجماعة ممن تجاوز الستين.

стр. 4936

٥ ـ تزايدت معدلات الاندماج والعلمنة بين أعضاء الجماعة اليهودية، ويتجلى ذلك في تزايد معدلات الطلاق حيث تنتهي زيجة من كل ثلاث بالطلاق، كما يتجلى في معدل الزواج المختلط الذي وصل إلى ١٦%، وهو معدل مرتفع بمقاييس جنوب أفريقيا رغم انخفاضه مقارناً بمعدل الزواج المُختلَط في الولايات المتحدة على سبيل المثال. وربما لم تزد النسبة عن ذلك لأسباب ترجع إلى حركيات مجتمع جنوب أفريقيا بغض النظر عن مدى تماسك أو ضعف الجماعة اليهودية في حد ذاته. ومن بين هذه الأسباب أن ثقافة المهاجرين لا تزال ذات فعالية في جنوب أفريقيا على عكس ما يحدث في الولايات المتحدة. فالمناخ الثقافي العام في جنوب أفريقيا، والذي يشجع على عزل الجماعات الإثنية والعرْقية الواحدة عن الأخرى، ساهم في إبطاء عملية الاندماج. كما أن في جنوب أفريقيا لا توجد فيها ثقافة موحَّدة فهناك تنافس دائم بين الثقافة الهولندية (الأفريكانز) والثقافة الإنجليزية، الأمر الذي أتاح لليهود فرصة الحفاظ على شيء من الهوية، فلم يمارس أحد الضغط على اليهودي ليسقط هويته كما حدث في الولايات المتحدة حيث نجد أن أسطورة بوتقة الصهر التي كانت سائدة في المجتمع، شجعت اليهود على التخلص من ثقافتهم بأسرع ما أمكن (ومن ذلك الثقافة اليديشية) واكتساب الثقافة الأنجلو أمريكية وعلى التأمرك الكامل. فالحراك في الولايات المتحدة كان ولا يزال مرتبطاً بالاندماج والانصهار، على خلاف جنوب أفريقيا حيث يمكن تحقيق الحراك مع الاحتفاظ بالهوية. وربما كان هذا من الأسباب التي ساعدت على استمرار اليديشية بعض الوقت. ومع هذا، يجب الإشارة إلى أن مجتمع الأغلبية، رغم تشجيعه الفصل بين الأعراق والأقليات والأقوام، لم يعترف بأعضاء الجماعة اليهودية إلا باعتبارهم بيضاً، وهو ما يعني أنهم كان عليهم الاختيار بين هوية الأفريكانز (الهولندية) والهوية الإنجليزية. وقد اختار عدد صغير من أعضاء الجماعة اليهودية الهوية

стр. 4937

الأولى واختارت أغلبيتهم العظمى الهوية الإنجليزية. ولا شك في أن هذا سيساعد على انصهار من بقي من أعضاء الجماعة اليهودية، الأمر الذي سيزيد معدلات الاندماج. وبالفعل، فإن من كان يتحدث اليديشية لم يكن يتجاوز١٧.٨٦١ عام ١٩٣٦، وانخفض هذا العدد ليصبح ٩.٩٧٠معظمهم من كبار السن عام ١٩٥١. بل يبدو أن اليديشية قد اختفت تقريباً في جنوب أفريقيا، فلا توجد أية إشارات إليها في صحف أعضاء الجماعة اليهودية أو مجلاتهم. وصورة الشباب اليهودي الآن هي بعامة صورة شباب يتباهى بيهوديته، ولكنه لم يستوعب أي شيء مما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» أو «الثقافة اليهودية» . فالثقافة التي تشرَّبها والمعايير التي تبناها هي في الجوهر ثقافة ومعايير الناطقين بالإنجليزية. كل العناصر السابقة دعت بعض المحللين إلي التنبؤ بأن عدد أعضاء الجماعة اليهودية لن يزيد عن ٦٤ ألفاً مع نهاية القرن الحالي. والجماعة اليهودية في جنوب أفريقيا، بهذا المعنى، تنضوي تحت هذا النمط اليهودي العام الذي يُطلَق عليه «موت الشعب اليهودي» . ويُلاحَظ أن يهود جنوب أفريقيا من الإشكناز أساساً، وإن كانت توجد جماعة سفاردية صغيرة في كيب تاون. وأكبر تركُّز يهودي في الترنسفال (٦٥% من كل أعضاء الجماعة) في منطقة جوهانسبرج، إذ تضم مدينة جوهانسبرج وحدها ٦٣.٦٢٠ يهودياً، أي أكثر من نصف يهود جنوب أفريقيا.

стр. 4938

لعب أعضاء الجماعة اليهودية من الإنجليز دوراً مهماً في تطوير القطاعين الزراعي والصناعي في اقتصاد استيطاني مبتدئ، فساهموا بخبرتهم في توثيق الصلات الاقتصادية بين الكيب وبريطانيا عن طريق إنشاء المراكز التجارية والمصرفية وتنظيم النقل البحري، واهتموا أيضاً بتربية الماعز لنسج الموهير والمواشي عامة لصوفها وجلدها، وبرعاية النعام وصيد الفقم والحيتان والأسماك. وكان يهود الكيب بين أول العناصر الاستيطانية النشيطة التي اتجهت إلى حقول الماس والذهب فور اكتشافها وكوَّنوا ثروات سريعة من ورائها. أما يهود اليديشية، فكانوا يستقرون بعض الوقت في كيب تاون، ثم ينطلقون نحو المناطق الريفية أو المدن الجديدة باعة جائلين أو مقيمين وحرفيين في قطاع الخياطة وصناعة الأحذية والتجارة والبناء. وكان ميراثهم الاقتصادي هو الذي يحدد نوع الحرف التي يختارونها. وقد أصبح أعضاء الجماعة اليهودية من رواد بعض الصناعات المحلية، مثل الفولاذ والزجاج والمعلبات والأنسجة والملابس والسلع الجلدية والمفروشات، التي تتسم معظمها بقربها من المستهلك، أي أنها ليست في مراحل الإنتاج الأولى. كما أن الأجيال الجديدة من اليهود ساهمت منذ الحرب العالمية الثانية في الصناعات الدقيقة مثل المعدات الإلكترونية والهندسية، أو في المشروعات الضخمة مثل تخطيط المدن وبناء المجمعات السكنية والإدارية. وبرزت هذه الأجيال من اليهود في تأسيس شركات التأمين والإعلانات ووسائل التَرْفيه والفنادق والتموين والاستيراد والتصدير. ورغم عدم تواجدهم الآن، إلا بأعداد ضئيلة للغاية في القطاع الزراعي، فقد كان لهم دور فعال في إدخال التقنيات العلمية الحديثة على هذا القطاع.

стр. 4939

ويأخذ الحراك الاجتماعي للمهاجرين اليهود عادةً شكل التحرك من التجارة إلى الصناعة الخفيفة ومنها إلى المهن الحرة. وهذا ما حدث في جنوب أفريقيا، إذ يوجد من اليهود عدد كبير في المهن الحرة (الطب والقانون والمحاسبة والهندسة والجامعات) . ويُلاحَظ تركز أعضاء الجماعة اليهودية في قطاعات اقتصادية بعينها، وغيابهم عن البعض الآخر، فنجد أن ٤٩% من أعضاء الجماعة اليهودية يوجدون في قطاع التجارة مقابل ٢٢% من البيض، و٢٥% في قطاعات الخدمات مقابل ٢٣% من البيض، و١٧% في الصناعة مقابل ١٨% من البيض، أي أن ٩١% من أعضاء الجماعة اليهودية مركزون في قطاعات بعينها مقابل ٦٣% من البيض. ويظهر التفاوت الشديد في قطاعي الزراعة والمناجم إذ لا يتواجد أعضاء الجماعة اليهودية فيها إلا بنسبة ١.٩% بينما نجد أن نسبة البيض من غير اليهود تصل إلى ١٥%. ويجب ملاحظة أن الفئة الصغيرة التي تعيش من الزراعة تضم في صفوفها ملاك مزارع البطاطا والذرة من اليهود، كما يضم قطاع المناجم الكوادر الإدارية اليهودية العاملة فيه، وهو ما يعني أن تمثيل أعضاء الجماعة اليهودية في هذين القطاعين أقل من ١.٩%. وبطبيعة الحال، لا يوجد تمثيل يهودي بين السود، ولا بين الفلاحين أو المزارعين، ولا بين العمال، أي أن أعضاء الجماعة اليهودية مركزون أساساً في صفوف الطبقة الوسطى البيضاء. وقد انخرطوا في سلكها تماماً وأصبحوا جزءاً لا يتجزأ منها، بمعنى أنهم فقدوا سمة الجماعة الوظيفية. ولكن، مع هذا، تجب الإشارة إلى أن الطبقة الوسطى في جنوب أفريقيا طبقة وسطى استيطانية، وهو ما يجعلها ذات سمات خاصة، فعلاقتها بالطبقة العاملة السوداء تختلف تماماً عن علاقة الطبقة الوسطى في بلد مثل فرنسا مع الطبقة العاملة فيها. فالجيوب الاستيطانية الغربية كلها جيوب وظيفية تلعب دوراً حيوياً ومهماً في استغلال المناطق التي توجد فيها لصالح العنصر الأبيض المهيمن الذي يدين بالولاء للحضارة الغربية،

стр. 4940

وليس لديه أي نزوع قومي محلي. ومن ثم، فهي لا تحمل فكراً قومياً، وتحاول أن توقف عمليات التحديث بالنسبة للسكان الأصليين. ورغم انتماء أعضاء الجماعة اليهودية إلى الطبقة الوسطى، ورغم أنهم يشكلون أكثر أقليات العالم ثراءً، فإنهم ليسوا جميعاً (بطبيعة الحال) من الأثرياء، إذ يوجد في صفوفهم الفقراء. وقد جاء في إحدى الإحصاءات أن عُشر العائلات اليهودية في كيب تاون احتاجت إلى مساعدة مالية عام ١٩٦٨. ويَقْرن المستوطنون البيض بين المستوطنين الصهاينة وأنفسهم، كما يقرنون بين الشعب اليهودي والشعب المستوطن في جنوب أفريقيا، فهم يرون أن اليهود، مثلهم، شعب مختار يحمل رسالة خالدة، وأن كلا الشعبين غُرس غرساً في أفريقيا أو آسيا دفاعاً عن هذه الرسالة. كما يرى البيض أن المستوطنين الصهاينة يبذلون أقصى جهدهم للاحتفاظ بعزلتهم عن السكان الأصليين. ولعل تغلغل الأساطير والرموز التوراتية في الخطاب الاستعماري الاستيطاني (اليهودي وغير اليهودي) يظهر بشكل واضح في جنوب أفريقيا. فهم يحتفلون بيوم الميثاق في ١٦ ديسمبر من كل عام، إذ يعتبرونه اليوم الذي عقد الإله فيه ميثاقه مع بعض الأفريكانز (الفورتركر Voertrekker) الذين آثروا الاستقلال عن الإنجليز. وقد عُقد الميثاق قبل المواجهة التي تمت بين البيض والسود في معركة نهر الدم. وقد أصبحت المعركة رمزاً لكل الأفريكانز. ويُعقد الاجتماع في مكان يوجد فيه تلٌّ عال تُبنَى عليه سفينة ضخمة (ترمز لسفينة العهد) تواجه بريتوريا، فكأن هذا المكان هو قدس الأقداس لقومية الأفريكانز.
следующие страницы →