← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 5356–5395 · переход к 5361.

стр. 5356

مصطلح «اليهودية الكلاسيكية» مرادف مصطلح «اليهودية المعيارية» . وفي هذه الموسوعة فإننا نشير إلى «اليهودية الكلاسيكية» بتعبير «اليهودية الحاخامية» أو «اليهودية التلمودية» . ويمكن أن نقول إن تاريخ ظهورها يرجع إلى ما بعد تدوين التلمود وبداية العصور الوسطى في الغرب (القرن التاسع تقريباً) . وقد بدأ نفوذ اليهودية الكلاسيكية ينحسر مع عصر الاستنارة والانعتاق في نهاية القرن الثامن عشر، وانقسمت بعدها اليهودية إلى فرق عديدة. وتُعَدُّ اليهودية الأرثوذكسية استمراراً لليهودية الكلاسيكية أو المعيارية أو الحاخامية. التلمود: تاريخ Talmud: History «التلمود» كلمة مشتقة من الجذر العبري «لامد» الذي يعني الدراسة والتعلم كما في عبارة «تلمود توراه» ، أي «دراسة الشريعة» . ويعود كل من كلمة «تلمود» العبرية وكلمة «تلميذ» العربية إلى أصل سامي واحد. والتلمود من أهم الكتب الدينية عند اليهود، وهو الثمرة الأساسية للشريعة الشفوية، أي تفسير الحاخامات للشريعة المكتوبة (التوراة) . ويخلع التلمود القداسة على نفسه باعتبار أن كلمات علماء التلمود كان يوحي بها الروح القدس نفسه (روح هقودش) باعتبار أن الشريعة الشفوية مساوية في المنزلة للشريعة المكتوبة. والتلمود مُصنَّف للأحكام الشرعية أو مجموعة القوانين الفقهية اليهودية، وسجل للمناقشات التي دارت في الحلقات التلمودية الفقهية اليهودية حول المواضيع القانونية (هالاخاه) والوعظية (أجاداه) . وقد أصبح التلمود مرادفاً للتعليم القائم على أساس الشريعة الشفوية (السماعية) . ومن هنا، يطلق المسعودي (المؤرخ العربي الإسلامي) على سعيد بن يوسف اسم «السمعاتي» (مقابل «القرائي» أو من يرفض التراث السماعي ويحصر اهتمامه في قراءة التوراة المكتوبة) .

стр. 5357

وتتضح الخاصية الجيولوجية اليهودية في التلمود، فهو يضم داخله وجهات نظر شتى متناقضة تماماً، فهو عبارة عن موسوعة تتضمن الدين والشريعة والتأملات الميتافيزيقية والتاريخ والآداب والعلوم الطبيعية. كما يتضمن، علاوة على ذلك، فصولاً في الزراعة وفلاحة البساتين والصناعة والمهن والتجارة والربا والضرائب وقوانين الملكية والرق والميراث وأسرار الأعداد والفلك والتنجيم والقصص الشعبي، بل ويغطي مختلف جوانب حياة اليهودي الخاصة، أي أنه كتاب جامع مانع بشكل لا يكاد يدع للفرد اليهودي حرية الاختيار في أي وجه من وجوه النشاط في حياته العامة أو الخاصة، إن هو أراد تطبيق ما جاء فيه. ويشيرون إلى التلمود بعبارة «كلُّ بو» (أي: كلٌّ به) ، فهو يشتمل على كل ما يَعنُّ لليهودي أن يسأل عنه من شريعة دينه. والواقع أن التلمود ليس من الكتب الباطنية أو تلك التي تحيط بها هالة من السرية والغرابة والإخفاء (كما يتوهم البعض) . وهناك نسخ منه في معظم المكتبات الجامعية المتخصصة في الولايات المتحدة وفي بعض مكتبات مراكز البحوث أو الجامعات في الدول العربية. ويُلاحَظ أن التلمود كتاب ضخم متعدِّد الأجزاء، مجلداته كثيرة وضخمة تصل في بعض الطبعات إلى ما يزيد على عشرين مجلداً. لكن هناك طبعة «إفري مانز تلمود Everyman's Talmud» المختصرة. وهناك تلمودان: ١ ـ التلمودالفلسطيني: وينسبه اليهود خطأً إلى أورشليم (القدس) فيقولون «الأورشليمي» ، ذلك مع أن القدس خلت من المدارس الدينية بعد هدم الهيكل الثاني، وانتقل الحاخامات إلى إنشاء مدارسهم في يفنه وصفورية وطبرية. كما أطلق يهود العراق على التلمود الفلسطيني اسم «تلمود أرض يسرائيل» ، وأطلقوا عليه أحياناً اسم «تلمود أهل الغرب» نظراً لوقوع فلسطين إلى الغرب من العراق.

стр. 5358

٢ ـ التلمود البابلي: وهو نتاج الحلقات التلمودية (أكاديمية - يشيفا) في العراق (بابل) ، وأشهرها سورا ونهاردعه وبومبديثا. ويُعرَف هذا التلمود في حالات نادرة جداً باسم «تلمود أهل الشرق» . وكلا التلمودين مُكوَّن من المشناه والجماراه. والمشناه في كل منهما واحد لا اختلاف بينهما، أما الجماراه فاثنتان: إحداهما وُضعت في فلسطين، والأخرى في العراق. ولما كانت الجماراه البابلية أكمل وأشمل من الجماراه الفلسطينية، فإن التلمود البابلي هو الأكثر تداولاً، وهو الكتاب القياسي عند اليهود. ولذا، فحين يُستخدَم لفظ «التلمود» بمفرده، محلَّى بأداة التعريف، فإن المقصود به هو التلمود البابلي دون سواه، وذلك على أساس الميزة والأفضلية والتفوق. وفي الكتابات العلمية، يشير اللفظ إلى الجماراه وحدها. ويضاف عادةً تعليق راشي على التلمود عند طبعه، وإن كان هذا التعليق لا يُعَدُّ جزءاً منه. ويبلغ عدد كلمات التلمود البابلي مليونين ونصف مليون كلمة في نسخته الأصلية (تشكل الأجاداه ٣٠% منها) ، وعلى هذا فإن حجمه يبلغ ثلاثة أضعاف حجم التلمود الفلسطيني. وقد كُتب التلمود بأكثر من لغة، فالمشناه كُتبت بعبرية خاصة تُسمَّى عبرية المشناه، أما الجماراه فكُتبت بالآرامية (كُتبت الجماراه الفلسطينية باللهجة الآرامية الغربية، أما الجماراه البابلية فكُتبت باللهجة الآرامية الشرقية) . وتتسم الشروح الواردة في التلمود الفلسطيني بأنها أقصر وأكثر حرفية وقرباً من النص.

стр. 5359

ويُلاحَظ أن بعض المفاهيم القانونية في التلمود البابلي تعكس أثر القانون الفارسي. كما أن التلمودين مختلفان في بعض المواطن، فيُلاحظ مثلاً أن الموقف من الوثنيين في التلمود البابلي أكثر تسامحاً لأن وضع اليهود في بابل كان جيداً، فقد جاء في التلمود البابلي أن الأغيار خارج فلسطين لا يمكن اعتبارهم من الوثنيين. وبينما يُحرِّم التلمود الفلسطيني بيع أية سلع للوثنيين في الأيام الثلاثة التي تسبق أي عيد وثني، فإن علماء بابل حرموا البيع في أيام العيد الوثني وحسب. ومن أهم التطورات التي دخلت الشريعة اليهودية ما جاء في التلمود البابلي من أن: «شريعة الدولة هي شريعتنا» ، بل قد ورد في التلمود البابلي دعاء خاص يُتلى أمام ملوك الأغيار ويطلب لهم البركة، نصه: "مبارك هو الذي منح مخلوقاته شيئاً من جلاله". وتعود الآراء والفتاوى التي وردت في التلمود إلى القرن الخامس قبل الميلاد. وقد بدأت عملية جمعها وتدوينها مع القرن الثاني الميلادي، واستمرت عملية التفسير والتدوين حتى القرن السادس. وبعد اكتمال نص التلمود، استمرت الإضافات والتعليقات، حتى القرن التاسع عشر، حين أضاف إلياهو) فقيه فلنا) تعليقاته. ويمكن تلخيص ظهور التلمود وتطوُّره على النحو التالي: السنة / الإضافات والتعليقات ٤٠٠ - ١٠٠ ق. م / الكتبة (سوفريم) يكتبون كتب المدراش بالعبرية. ١٥٠ ق. م - ٣٠ م / الأزواج (زوجوت) . ١٠٠ ق. م - ٧٠ م / الفريسيون دعاة الشريعة الشفوية. ٧٠ - ٢٠٠ / معلموا المشناه (التنائيم) ، يهودا الناسي يجمع أقوال العلماء الدينيين السابقين في المشناه المكتوبة بالعبرية. ٢٠٠ - ٤٠٠ / الشراح (أمورائيم) الجماراه الفلسطينية بالآرامية، وقليل من العبرية. ٢٠٠ - ٥٠٠ / الشراح (أمورائيم) الجماراه البابلية بالآرامية وقليل من العبرية. ٥٠٠ - ٧٠٠ / المفسرون (صبورائيم) تدوين المشناه والجماراه. وبذا يكون قد انتهى تدوين التلمود، وتبدأ مرحلة التعليقات.

стр. 5360

٧٠٠ - ١٠٠٠ / الفقهاء (جاءونيم) في بابل ينشرون التعاليم التلمودية. ١٠٠٠ / تعليقات راشي (١٠٤٠ - ١١٠٥) ، وتعليقات الشراح الإضافيين (توسافوت) - أهم التعليقات بالعبرية. ١٢٠٠ / موسى بن ميمون (١١٣٥ - ١٢٠٤) يؤلف مشنيه توراه (تثنية الشريعة) . ١٣٠٠ / يعقوب بن آشر يؤلف سفر هاطوريم (كتاب الصفوف) . ١٦٠٠ / جوزيف كارو (١٤٨٨ -١٥٧٥) يؤلف الشولحان عاروخ (المائدة المصفوفة) عام ١٥٦٤، ويشير إلى أن الإيمان بالقبالاه فرض ديني. ١٨٥٠ / إلياهو (فقيه فلنا) يضيف تعليقاته. ويتكون التلمود من عنصرين؛ فهناك العنصر الشرعي والقانوني (هالاخي) الذي يُذكِّرنا بأحكام الفرائض والتشريعات الواردة في أسفار الخروج واللاويين والتثنية، وهناك العنصر القصصي والروائي والأسطوري (أجادي) بما يشمله من الأقوال المأثورة (والأخبار والخرافات والشطحات والخيال) إلى جانب السحر والتراث الشعبي. ومعظم المشناه تشريع (هالاخاه) ، بينما معظم الجماراه قصص وأساطير (أجاداه) . ويُلاحَظ أن التفسير يستمد أهميته وثقله من مدى قدمه، فالأقدم أكثر ثقةً وأهمية من الأحدث. ويشكل التلمود، بسبب ضخامته وطريقة تصنيفه، صعوبة غير عادية في محاولة استخدامه والاستفادة منه. ومن هنا، بدأت جهود تصنيفه بعد الانتهاء منه. وقد كانت أولى هذه المحاولات هي هالاخوت بيسكوت (القوانين المقررة) التي تُنسَب إلى يهوداي جاءون، والقوانين العظمى التي كتبها سيمون كيارا، وكلا العملين يلخصان المادة التلمودية المتعلقة بالشرائع. وظهرت عدة مصنفات أخرى في القرن الحادي عشر، وخصوصاً في العالم العربي، في شمال أفريقيا وأوربا وأهمها:

стр. 5361

١ ـ مشنيه توراه، أي «تثنية التوراة» أو «إعادة الشريعة» التي كتبها موسى بن ميمون في القرن الثاني عشر. وهي من أهم الأعمال التي صدرت في هذا الحقل. ويختلف منهجه عن التلمود في أنه لا يكتفي بالعرض دون ترجيح. وهو لا يجمع روايات ولا يخوض غمار المناقشات بل نجده يفصل في الأمور حكماً فاصلاً. وقد اتبع ابن ميمون مبدأ عقلانياً، فأقصى عن مادته جميع القواعد الشعبية التي كانت في منزلة الشريعة في زمن التلمود والتي ترجع جذورها إلى الخرافات الشائعة. والموقف الأساسي لديه يتلخص في القول بأن الشريعة والشعائر وُجدت من أجل الإنسان وليس العكس. وقد أعاد موسى بن ميمون توزيع السداريم الستة إلى أربعة عشر كتاباً يُسمَّى الواحد منها «السفر» . وقد اشتهر كتابه باسم «يد حزقاه» (أي «اليد القوية» ) لأن الياء تساوي عشرة والدال تساوي أربعة في حساب الجمل، وفي ذلك ما يرمز إلى الأربعة عشر جزءاً التي يتألف منها الكتاب. ٢ ـ وقد أثّر مصنف ابن ميمون في المصنفات التي جاءت بعده. ويظهر هذا في كتاب سفر هاطوريم، أو كتاب الصفوف الذي وضعه يعقوب بن آشر في الأندلس في القرن الرابع عشر حيث اعتمد على تثنية التوراة في تنسيق الأحكام الشرعية وثيقة الصلة بالحياة العملية، وحذف تلك الشرائع التي أصبحت بالية منذ هدم الهيكل. ٣ ـ الشولحان عاروخ. وقد وضعه جوزيف كارو في القرن السادس عشر، وقد اتبع تقسيم سفر هاطوريم، وهو آخر التصنيفات وأصبح أهمها، وخصوصاً بعد أن قام موسى إيسيرلز (موشى يسرائيليتش) بإضافة شروحه. ويُعَدُّ الشولحان عاروخ المستودع الأساسي للأفكار والقيم الحاكمة في اليهودية الحاخامية أو التلمودية.

стр. 5362

وقد ظل التلمود مجهولاً تقريباً في أوربا المسيحية، ولم يكتشفه المسيحيون إلا في أواسط القرن الثالث عشر، وذلك عن طريق اليهود المتنصرين. ومنذ ذلك التاريخ، أصبح التلمود محط سخط السلطات الدينية لأنها كانت تراه كتاب خرافات مسئولاً عن عدم اعتناق اليهود المسيحية، كما كانت ترى أنه يحتوي على ملاحظات مهينة ضد المسيحية كعقيدة، وضد شخص المسيح. ومما يذكره التلمود عن المسيح أنه كان يهودياً كافراً، وأن تعاليمه كفرٌ بيِّن، وأن المسيحيين كَفَرة مثله، وأن أمه حملت به سفاحاً من جندي روماني يُدعى بندارا. ويضم التلمود، فضلاً عن ذلك، أجزاء عن محاكمة المسيح في السنهدرين، ويُقر بأن اليهود هم الذين صلبوا المسيح، وأنهم يتحملون المسئولية كاملة عن ذلك. وقد كانت الكنيسة تنظم مناظرات (مجادلات خلافية) علنية يشترك فيها عادةً يهود متنصرون ملمون بالتلمود ويعرفون جوانبه السلبية. ومن أهم المناظرات، وربما آخرها، تلك المناظرة التي تمت في بولندا في يونيه ١٧٥٧ ويوليه ١٧٥٩ بين أتباع يعقوب فرانك وممثلي المؤسسة الحاخامية. وقد كانت الكنيسة تحرق نسخ التلمود التي تُضبَط من آونة إلى أخرى.

стр. 5363

ويُلاحَظ أن تزايد انتشار التلمود بين اليهود يشكل تزايداً في هيمنة الحلولية الواحدية على الفكر الديني اليهودي. ومما ساهم في عملية شيوع التلمود، تحوُّل الجماعات اليهودية إلى جماعات وظيفية، لا ترتبط بالوطن الذي تعيش في كنفه، وإنما بوطن وهمي. وهذا الارتباط يحقق لها قدراً من الهوية شبه المستقلة عن مجتمع الأغلبية، وكان هذا أمراً ضرورياً لها كي تضطلع بوظيفتها التي تتطلب عادةً الحياد والانفصال العاطفي وأحياناً الفعلي. وإذا كانت صهيون الوطن الوهمي البعيد، فإن التلمود أصبح الوطن المتنقل. وتنحو الجماعات الوظيفية منحى حلولياً (في إيمانها بأنها موضع القداسة وفي موقفها المنكر للزمان والمكان) . وقد ساهم هذا بكل تأكيد في تَزايُد شيوع التلمود بين أعضاء الجماعات اليهودية. ومما ساعد التلمود على اكتساب مركزية في الفكر الديني اليهودي جهل أوربا المسيحية بوجوده حتى القرن الثالث عشر الميلادي، وهو ما يعني أنه أصبح الرقعة اليهودية الخالصة، بعد أن اعتبرت الكنيسة العهد القديم (كتاب اليهود المقدَّس) أحد كتبها المقدَّسة. ولكل هذا، حل التلمود محل التوراة في العصور الوسطى باعتباره كتاب اليهود المقدَّس الأساسي، حتى أن كثيراً من الحاخامات كانوا يعرفون التلمود أساساً ويعرفون العهد القديم بدرجة أقل. وقد تركزت في التلمود، بعد تدوينه، كل السلطة الدينية والروحية في اليهودية، حتى أن كل قرار في الحياة اليهودية، مهما علا شأن هذا القرار أو صَغُر، قد جرى اتخاذه وفقاً للسلطة التلمودية.

стр. 5364

ومع هذا، فقد أخذت قبَّالاة الزوهار، والكتب القبَّالية الصوفية الحلولية الأخرى، تحل ابتداءً من القرن السادس عشر محل التلمود، إلى أن اكتسبت الصدارة في القرن السابع عشر. ويُقال إن اليهود المنتشرين في الشتتلات، بعيداً عن مراكز الدراسات الحاخامية، كانوا يعرفون الزوهار، ولا يعرفون إلا أقل القليل عن التلمود. وعلى كل، فإن التلمود كان دائماً كتاب الأرستقراطية الدينية الحاخامية، فهو مكتوب بأسلوب مركب وبلغة لا تعرفها الجماهير التي كانت لا تعرف العبرية ولا الآرامية (بطبيعة الحال) . ولهذا، كانت حركات الاحتجاج الشعبي بين اليهود (الصوفية والمشيحانية) تأخذ شكل معاداة التلمود ومعاداة سلطته ومعاداة المؤسسة التي تدرسه وتهيمن باسمه. وأولى هذه الحركات هي الحركة القرائية التي لم تكن حركة شعبية بقدر ما كانت حركة عقلانية متأثرة بالفكر الإسلامي. ولكن الحركات الصوفية المشيحانية اليهودية كانت شعبية إلى حدٍّ كبير، وقد اتخذت موقفاً سلبياً من التلمود، فكان المتصوفة ينظرون إليه باعتباره المحارة التي يكمن داخلها المعنى الخفي للتوراة. كما أن الحركات المشيحانية، في القرنين السابع عشر والثامن عشر، رفضته تماماً. ومع هذا، يُلاحَظ أن التفسيرات السائدة داخل كثير من المدارس التلمودية العليا، وداخل الدوائر الحاخامية، كانت تفسيرات قبَّالية.

стр. 5365

ولكن الضربة القاضية جاءت مع حركة التنوير، فحركة التنوير بين أعضاء الجماعات اليهودية، في مراحلها الأولى، كانت ذات اتجاه ربوبي إصلاحي يهدف إلى إصلاح اليهودية دون التخلي عنها. ومن هنا وجَّه دعاة الحركة سهام نقدهم إلى التلمود وأنكروا قداسة الشريعة الشفوية ككل، وأصروا على اعتبار التلمود بمنزلة مجموعة من تفسيرات المشرعين والشارحين يرجع عهدها إلى فترة متأخرة، كما نفوا كل سلطة إلزامية، وأنه في واقع الأمر يعبر عن السلطة الحاخامية، وبينوا ما في التلمود من خرافات وحكايات شعبية تتنافى ـ في تصورهم ـ مع العقل. وكان معظم هؤلاء النقاد ممن تلقوا تعليماً غربياً علمانياً، ولذا لم تكن لديهم الكفاءات الأكاديمية اللازمة لفَهْم التلمود أو تفسيره، ومع هذا استمروا في هجومهم الشرس الذي تصاعد بعد ذلك مع تصاعُد حدة حركة التنوير نفسها، التي انتقلت من مرحلة الربوبية إلى مرحلة إلحادية صريحة معادية لا للتفسيرات البشرية وحسب وإنما لأية نصوص مقدَّسة. وأعلن دعاة حركة التنوير أنه لا أمل يُرجى في تطوُّر اليهود إلا بالإطاحة بسلطة التلمود وبينوا للحكومات الغربية مدى خطورة هذا الكتاب وأنه سبب هامشية اليهود وتخلفهم. ولكن الحاخامات الأرثوذكس، أعضاء المؤسسة الدينية الحاخامية الذين كان يدور عالمهم حول التلمود وحده، والذين كانوا لا يعرفون الكثير عما يدور حولهم، ولا يدركون أهمية الإصلاح، دافعوا دفاعاً مستميتاً عن التراث التلمودي ووقفوا بشراسة ضد كل محاولات التطوير. وحينما حاولت حكومات شرق أوربا ووسطها تحديث اليهود، كان الجهد ينصب دائماً على التلمود فكان يُستبعَد تماماً من مدارس اليهود، كما كان يُحرَّم على اليهود أحياناً قراءته لأبنائهم قبل بلوغهم سن الرشد. وفي الوقت الحالي، فإن الأغلبية العظمى من أعضاء الجماعات اليهودية يرفضون التلمود بل يجهلون ما جاء فيه ولا يعرفون حتى حجمه.

стр. 5366

وأثر التلمود والشرع التلمودي واضح في قوانين الأحوال الشخصية في إسرائيل، فالتشريعات التي تضبط قضايا الزواج والطلاق فيها لا تختلف عن الأحكام التلمودية الواردة في أسفار سدر ناشيم. وفي شئون الطلاق، لا يزال سفر جيطين المصدر الأساسي للأحكام المتعلقة بوثيقة الطلاق (جيط) التي يكتبها الزوج. وفي مسائل الزواج وتسجيل المواليد، لا تزال أحكام الشريعة التي حددها التلمود هي الشريعة السائدة، فاليهودي هو المولود لأم يهودية، أو من اعتنق اليهودية على يد حاخام أرثوذكسي. وعملية التهود ليست هينة، إذ يصر الحاخام على التقيد بالشعائر التلمودية، ومن بينها الحمام الطقوسي الذي يجب أن تخضع له الأنثى التي تريد التهود، فتدخل الحمام عارية تماماً، بحضور ثلاثة من الحاخامات وتحت أنظارهم. وكذلك تُطبَّق في إسرائيل الشرائع التلمودية الخاصة بقوانين الطعام والقوانين الزراعية التي وردت في سفر براخوت من سدر زراعيم. ويُدرَّس التلمود في إسرائيل، وتقتصر الدراسة في المدارس والمعاهد الدينية على دراسته، كما أن جامعة بار إيلان تشترط على طلابها تحصيل معرفة تمهيدية بالتلمود. وقد طُبع التلمود الفلسطيني في البندقية (١٥٢٣ ـ ١٥٢٤) . كما أن التلمود البابلي كان قد بدأت طباعته في إسبانيا عام ١٤٨٢. لكن أقدم طبعة كاملة ظهرت في البندقية أيضاً (١٥٢٠ ـ ١٥٢٣) ، وأشرف على طبعها دانيال بومبرج. وقد أصبحت هذه الطبعة النموذج الأصلي الذي حذت حذوه مختلف الطبعات التي تلتها. وقد نُشرت الطبعة القياسية في فلنا عام ١٨٨٦، وهي تحوي تعليقات، وتعليقات على تعليقات في أكثر من عشرين جزءاً. فكان يتم طبع المشناه والجماراه في العمود الأوسط، وتُطبَع ببنط أسود، ثم تُطبَع في العمود المجاور لها تعليقات راشي على النحو التالي: وقد تُرجم التلمود إلى معظم اللغات الأوربية الأساسية،

стр. 5367

صفحة من سفر ماكوت من سدر نزيقين (طبعة فلنا) ، وهي تناقش مصير إنسان صدر عليه حكم ولكنه فر. وكيف يمكن إصدار حكم آخر عليه. ١- نهاية الجماراهمن مقطوعة المشناه السابقة. ٢- المقطوعة داخل المربع هي مقطوعة المشناه موضع النقاش في هذه الصفحة. ٣- الجماراه المتعلقة بها. أ) مدراش تشريعي (هالاخي) يؤيد ما جاء في المشناه. ب) ثلاثة تعليقات قصيرة من حلقات فلسطين وسورا وبومبديثا التلمودية. ٤- علامة تدل على انتهاء الفصل. ٥- مقطوعة مشناه أخرى. ٦- تعليق راشي. ٧- تعليق الشراح الإضافيين (التوسافوت) تناقش نقطة محددة من الجماراه وتعليق راشي. ٨- إحالات لمصادر تلمودية وحاخامية أخرى. ٩- تعليقات كتبها جويل سيركيس (١٥٦١ - ١٦٤٠) . ١٠- إشارات لمصنفات موسى بن ميمون، ويعقوب بن آشر. ١١- تعليقات أحد حاخامات شرق أفريقيا من القرن الحادي عشر. ١٢- إشارات للكتاب المقدس. ١٣- ملاحظات كتبها إلياهو (فقيه فلنا) . وتُرجمت مختارات قصيرة منه إلى العربية لا تمثل الطبيعة الجيولوجية المتناقضة للفكر التلمودي. ولكنه تُرجم بأكمله إلى الإنجليزية (في لندن) وإلى كثير من اللغات الأوربية الأخرى.

стр. 5368

ويُلاحَظ أن الرقابة الحكومية كانت تفرض على اليهود أحياناً أن يحذفوا بعض الفقرات التي تُظهر عداءً متطرفاً للأغيار، أو أن يُضيِّقوا المجال الدلالي لبعض الكلمات والعبارات العنصرية المتطرفة. ولذا، حلت كلمة «عكوم» بمعنى «عابد الكواكب وأبراج النجوم» ، و «كوتي» بمعنى «سامري» ، و «كوشي» بمعنى «زنجي» ، أو «حبشي» محل «نكري» ، أو «جوي» بمعنى «أجنبي» أو «غريب» . وحلت كلمة «بابليم» ، أي «البابليين» ، و «كنعانيم» ، أي «الكنعانيين» ، محل «أوموت هاعولام» ، التي تعني «أُمّمُ العالم» . والواقع أن جميع المحاولات تُضيِّق المجال الدلالي لكلمة «الأغيار» وتخصصها، وتجعلها مقصورة إما على الوثنيين وحسب، أو على جماعة محدَّدة من الناس مثل السامريين أو البابليين. وهذا من قبيل استرداد البُعد التاريخي لمصطلح الأغيار (العام) حتى تتكيف نصوص التلمود مع الواقع الجديد حيث لم يَعُد الأغيار وثنيين بل أصبحوا من عبدة الإله. وكان يُسجَّل في مستهل كل صفحة من التلمود إعلان رسمي يقرِّر أن قوانين التلمود ضد الوثنية لا تنطبق على الأمم التي يعيش اليهود بين ظهرانيها، وأنها لا تنطبق إلا على الوثنيين وحسب (وحينما احتلت إنجلترا الهند، قيل إن المقصود هو الهنود، كما ضُمَّ إلى قائمة المعنيين بالهجوم سكان أستراليا الأصليون) . وبعض الطبعات تقرر أن المعني بالهجوم هو «اليشماعيلي» وتعني «المسلم العربي» .

стр. 5369

وكما يقول الحاخام آجوس، فإن هذه الصيغة التي كانت قوانين الرقابة تتطلبها كان يتم تجاهلها في النصوص المختلفة، لأن كتَّاب التلمود وشارحيه لا يعرفون سوى نوعين من البشر: اليهود، وغير اليهود. وحتى حينما كان بعض الزعماء الدينيين اليهود يعترضون على النزعة الحلولية العنصرية المتعالية، كان اعتراضهم ينطلق من أسباب عملية مثل: الخوف من اعتياد اليهود ممارسة الشر، والخوف من الإساءة إلى سمعة اليهود، أو إثارة حنق الأغيار وكرههم. وكثيراً ما كان يتبادل أعضاء الجماعات اليهودية فيما بينهم، دون علم السلطات، مخطوطات خاصة تضم المحذوفات التلمودية، أي تلك النصوص التي حذفتها الرقابة الحكومية. كما كان يُعاد شرح بعض المصطلحات الجديدة، مثل «بابلي» أو «كوتي» ، حتى يُعرَف معناها الأصلي والحقيقي لتكون بمعنى «مسيحي» . ويُعاد في إسرائيل طبع النسخة الأصلية من التلمود دون تعديل. ولما كانت عملية الطباعة مكلفة وتستغرق وقتاً طويلاً، فقد نشروا كتاباً في طبعة شعبية رخيصة بعنوان حسرونوت شاس (أي المحذوفات التلمودية) . وقد صدرت في إسرائيل موسوعة تلمودية ضخمة تُسهِّل عملية الوصول إلى الأحكام الفقهية. ورغم ذلك، ففي إحصاء أُجري عام ١٩٨٧، قرر ٨٤% من الإسرائيليين أنهم لم يقرأوا التلمود قط ولم يطلعوا على أي جزء منه. وفي الوقت الحالي، يقوم الحاخام آدين ستانيسلاتس بإعداد طبعة جديدة من التلمود (البابلي والفلسطيني) تكون في متناول القارئ العادي، وهي مزودة بترجمة عبرية حديثة للنصوص الآرامية فضلاً عن شروح الكلمات الصعبة. وقد طُبعت المشناه والجماراه، وكذلك الشروح المتعلقة بهما ببنوط طباعية مختلفة. وقد صدر حتى الآن عشرون جزءاً من التلمود البابلي. ومن المتوقع أن يَصدُر التلمود في أربعين جزءاً خلال خمسة عشر عاماً. وقد ظهرت ترجمة إنجليزية للأجزاء الأولى. أقسام التلمود Tracts of the Talmud

стр. 5370

ينقسم التلمود إلى المشناه والجماراه. وتبلغ أقسام المشناه ستة، وتُسمَّى «سداريم» ، وهي أيضاً أقسام التلمود الأساسية (وذلك باعتبار أن الجماراه تعليق على المشناه وشرح لها) . وتنقسم السداريم بدورها إلى أسفار تُسمَّى «ماسيختوت» تنقسم بدورها إلى فصول تسمَّى «براقيم» . وقد قام الدكتور أسعد رزوق بوضع وصف موجز لأقسام التلمود (البابلي) وأسفاره حتى يُعرِّف بالموضوعات والمسائل الواردة فيه، وهي: أ) السدر الأول: سدر زراعيم (البذور) : يتألف هذا السدر من أحد عشر سفراً أو مقالة، ويتناول قوانين التوراة الزراعية من الناحيتين الدينية والاجتماعية، ويسهب في شرح الأحكام التوراتية المتصلة بحقوق الفقراء والكهنة واللاويين في غلال الأرض والحصاد. كما يَبسُط القواعد والأنظمة المتعلقة بالفلاحة والحرث وزراعة الحقول والجناين وبساتين الأثمار، والسنة السبتية والعشار، بالإضافة إلى المواد المحظور خلطها في النبات والحيوان والكساء. أما أسفار سدر زراعيم فهي: ١ ـ براخوت (البركات) : ويتناول هذا السفر صلوات اليهود وعباداتهم والقواعد المتعلقة بالأجزاء الأساسية للصلوات اليومية. ٢ ـ فعاه (زوايا الحقل) : ويتناول القوانين المتعلقة بزوايا الحقل واللقاط المنسي مما ينبغي تركه للفقراء، وغير ذلك من الفرائض والواجبات التي يرد ذكرها في سفر اللاويين (١٩/٩ ـ ١٠) . ٣ ـ دماي (المشكوك بأمره من المحاصيل) : يتحدث هذا السفر عن المحاصيل الزراعية، كالذرة وغيرها من منتوجات الأرض، وعن استخراج العشار اللازم منها أو عدمه. ٤ ـ كلائايم (المخاليط أو الأخلاط) : ويعالج هذا السفر الأحكام التوراتية الواردة في اللاويين (١٩/١٩) ، والتثنية (٢٢/٩ ـ ١١) ، بالنسبة لخلط البذور المختلفة في الزراعة، أو الجمع بين جنسين من المواد في الثوب. ٥ ـ شفيعوت (السنة السابعة أو السبتية) : ويبحث في القوانين المتعلقة بإراحة الأرض والإبراء من الديون في السنة السبتية.

стр. 5371

٦ ـ تروموت (التقدمات: الرفائع أو جراية الكهنة) : ويعالج القوانين والفرائض المتعلقة بذلك القسم من الغلال والمحاصيل المعين للكاهن. ٧ ـ معشروت (العشور) : وموضوعه العشار الأول المتوجب دفعه سنوياً إلى اللاوي من غلة الحصاد، واللاوي بدوره يعطي الكاهن منه نسبة العُشر. ٨ ـ معشر شيني (العشار الثاني) : يتناول هذا السفر موضوع العشار الثاني الذي يحمله المالك بنفسه إلى أورشليم (القدس) لكي يؤكل هناك. ٩ ـ حلّه (أول العجين) : ويتعلق هذا السفر بذلك القسم من العجين المفروض إعطاؤه للكاهن. وقد سمي هذا السفر كذلك لأنه يتناول قانون العجين الأول وفرائضه. ١٠ ـ الغُرله (بلاختان ـ الغلفاء) : ويتناول هذا السفر الحظر على استعمال ثمار الأشجار الصغيرة خلال السنوات الثلاث الأولى، وقواعد الاعتناء بهذه الأشجار في السنة الرابعة طبقاً لما جاء في سفر اللاويين (١٩/٢٣ ـ ٢٥) . ١١ ـ البكوريم (البواكير، الثمار الأولى) : وهنا أيضاً، فإن هذا السفر ينص على قوانين تقديم الثمار الأولى في الهيكل، ويتضمن وصفاً للشعائر التي ترافق التقدمة. ب) السدر الثاني: سدر موعيد (الأعياد والمواسم) . يؤلف سدر موعيد القسم الثاني من التلمود البابلي في طبعة سونسينو، وهو يتوزع على اثنى عشر سفراً تضمها أربعة مجلدات ضخمة. أما تسمية «موعيد» بمعنى «الموعد» أو «الموسم المقدَّس» ، فهي مأخوذة على الأرجح من سفر اللاويين (٢٣/٢) . والملاحَظ أن المسائل الأساسية التي تتناولها أسفار هذا القسم تتعلق بالسبت والأعياد وأيام الصوم وغير ذلك من المواسم والمناسبات الدينية، بالإضافة إلى الطقوس والشعائر والفرائض والقرابين، وإلى قواعد تنظيم التقويم العبراني «حساب الميقات للأعياد اليهودية.. وكيفية معرفة الأشهر العبرية القمرية من السنة الشمسية لتعيين الأعياد اليهودية» . وهنا أيضاً يطالعنا الكثير من شرائع التوراة والشرائع والقوانين المستمدة من خارج التوراة، جنباً إلى جنب:

стр. 5372

١ ـ شبات (السبت) : يتناول هذا السفر قوانين السبت والقواعد اللازمة لمراعاة عطلة يوم الراحة، كما يتحدث بالتفصيل عن الأعمال المحظورة في ذلك النهار. وفي مواضع أخرى من التلمود، نجد الحاخامات يضعون السبت مقابل جميع الأحكام الأخرى الواردة في التوراة من حيث الأهمية وقد وضع الحاخامات قائمة مفصلة تتضمن تسعة وثلاثين عملاً من الأعمال الأساسية وأضافوا إليها سلسلة أخرى من الأعمال الفرعية وغيرها. ٢ ـ عيروبين (المقادير) : لفظة «عيروب» تكون بمعنى «الخليط» أو «المزيج» ، ومن هنا فإن صيغة الجمع «عيروبين» تكون بمعنى كمية من الأطعمة المحددة التي تُودَع في مكان معيَّن لكي تكون بمنزلة الزاد للمسافرين أثناء عطلة السبت دون أن تبتعد تلك الأمكنة عن بعضها البعض الآخر فيصبح الانتقال خرقاً لقانون السبت. والعيروبين هي المقادير المثالية التي يصح الجمع بينها فيما يتعلق بالأمكنة والأطعمة والمسافات بحيث يؤدي ذلك إلى توسيع حدود السبت. لذا، نجد هذا السفر يتناول القوانين والأنظمة التي تتيح لليهودي حرية الحركة خارج نطاق الحدود الموصوفة وأثناء السبت والأعياد. ٣ ـ فصاحيم (خراف الفصح) : ويتناول هذا السفر قوانين إتلاف الخمائر أثناء عيد الفصح اليهودي، وتقديم الخراف والذبائح قرباناً، ومواسم الرب المقدَّسة. وفي الفصل العاشر والأخير من هذا السفر، ترد التفاصيل المتعلقة بوليمة عشية الفصح والصلوات التي تصاحبها. ٤ ـ شقاليم (الشواقل) : من «شيقل» ،أي «شيكل» وهو «المثقال من الفضة» . ويحوي هذا السفر أحكام الضرائب والرسوم التي تتم جبايتها لصيانة الهيكل وتأمين نفقاته وتقديم الذبائح بصورة منتظمة. كما يتحدث بالتفصيل عن الأشياء التي تُنفَق من أجلها الشواقل، ويتضمن القوائم التي تسرد أسماء كبار العاملين الرسميين في الهيكل. ٥ ـ يوما (اليوم) :

стр. 5373

يُعرف هذا السفر أيضاً باسم سفر «يوم الغفران» لأنه يتناول أنظمة هذا العيد وفرائضه داخل الهيكل، كما يَبسُط قوانين الصوم وأحكامه ويصف الاحتفالات والطقوس التي كان يترأسها الكاهن الأعظم في ذلك اليوم. ٦ ـ سوكاه (المظلة) : يحوي هذا السفر قوانين عيد المظال، وكيفية إقامة المظلة أو الخيمة، والإقامة تحتها سبعة أيام. كما يتحدث عن شعائر هذا العيد وصلواته، وعن النباتات الأربعة التي تؤخذ أغصانها لصنع المظلة. ٧ ـ بيصة (بيضة العيد) : ويُعرف أيضاً باسم «العيد» أو «يوم طوف» ، إذ يرسم الحدود التي تتحكم في إعداد الأطعمة أثناء الأعياد. كما يسرد مختلف أنواع الأعمال التي يُحظَر إتيانها أو يُسمَح بها خلال أيام العيد. ٨ ـ روش هشاناه (رأس السنة) : يتناول المسائل المتعلقة بالتقويم العبري ورؤية الأهلة للسنة الجديدة، مثلما يحوي القوانين التي تجب مراعاتها في مطلع الشهر السابع (تشري) ، أي رأس السنة المدنية عند اليهود. ٩ ـ تعنيت (الصوم) : ويتناول أحكام الصوم للأيام الرسمية أو المناسبات الطارئة على الصعيدين الشخصي والجماعي، وترتيب الصلوات التي تُتلى في ذلك اليوم. ١٠- مجيلاه (لفافة التوراة) : ويتناول هذا السفر كتاب إستير (بالدرجة الأولى) لأنه يتناول أحكام قراءة قصة إستير في عيد النصيب. كما ترد فيه أحكام أخرى تتعلق بقراءة التوراة أثناء العبادات العامة. ١١ ـ موعيد قاطان (العيد الصغير) : ويُعرف هذا السفر أيضاً باسم «مشكين» ، نسبة إلى الكلمات الأولى في السفر. ويتناول أحكام العمل أثناء الأيام الفاصلة بين أوائل عيد الفصح وأواخره وبين عيد المظال. كما يتحدث عن الفرائض المتعلقة بالحزن والحداد. ١٢ ـ حجيجاه (قرابين الأعياد) :

стр. 5374

يتناول القوانين والأحكام المتصلة بالقرابين التي تُقدَّم في الأعياد، ويقارن بين شعائر الأعياد الثلاثة الكبرى، بالإضافة إلى الحديث عن فريضة الحج إلى القدس، وأنواع القرابين التي ينبغي تقديمها في مثل تلك المناسبات. ومما تجدر الإشارة إليه أن هذا السفر يتضمن ذلك الاستطراد الشهير عن التعليم الباطني للتوراة، حيث تكثر التخريجات والشطحات الخيالية التي وجدت تربتها الخصبة في كتاب الزوهار، وكان لها أبعد الأثر في تعاليم القبَّالاه أو التصوف اليهودي. جـ) السدر الثالث: سدر ناشيم (النساء) . تشتمل أسفار هذا القسم من التلمود على قوانين الزواج والطلاق، وغير ذلك من الأحكام التي تحدد العلاقات بين الزوجين، وبين الجنسين بصورة عامة. وهي تبلغ السبعة عدداً، موزعة على أربعة مجلدات في طبعة سونسينو. ١ ـ يباموت: وهذه الكلمة صيغة جمع مؤنث في اللغة العبرية مفردها «يَبَماه» ، واليبماه هي امرأة الأخ المتوفي التي يجب على أخيه الباقي على قيد الحياة الزواج منها. وهذا السفر يبدأ بالحديث عن الشرع التوراتي القائل بوجوب زواج الأخ من امرأة أخيه الذي تُوفي دون أن ينجب. كما يتناول الزيجات المحظورة بشكل عام، وحق الفتاة القاصر في إبطال عقد زواجها، بالإضافة إلى التقليد اليهودي المعروف باسم «خلع النعل» . و «خلع النعل» يتم عند امتناع الرجل عن أخذ امرأة أخيه عملاً بقوانين زواج الأرملة. ٢ ـ كتوبوت (شئون الزواج والعقود) : يتناول هذا السفر أحكام الاتفاق حول العروس والغرامة المتوجبة عن الإغواء، بالإضافة إلى واجبات الزوجين وحقوق الأرملة والأولاد المنحدرين من زيجات سابقة. ٣ ـ نزاريم (النذور) : يصف هذا السفر مختلف أشكال النذور، والأنواع غير الصحيحة منها، وكيفية إلغائها والتراجع عنها. كما يتحدث عن قوة إلغاء النذور التي نذرتها المرأة أو الابنة وألزمت نفسها بها. ٤ ـ نازير (النذير أو الناذر) :

стр. 5375

ويتحدث هذا السفر عن النذر الذي يُلزم الناذر به نفسه وكيفية التخلي عنه، والأمور المحظورة على الناذر والقيمة التي تُعطَى لنذر النساء والعبيد. ٥ ـ سوطه (المرأة المشبوهة) : الموضوع الأساسي في هذا السفر هو المحنة التي تتعرض لها المرأة التي يشكك زوجها في إخلاصها، ويتهمها بارتكاب الزنى، والإجراءات التي ترافق ذلك. وهناك موضوعات أخرى تتعلق بالمعادلات والصياغات الدينية، ما يجوز منها بلغات أخرى، وما لا يصح إلا بالعبرية وحدها. كما يتحدث هذا السفر عن الأنواع السبعة من الفريسيين، وعن الإصلاحات التي أوجدها هيركانوس إلى جانب الحرب الأهلية التي دارت رحاها بين أريسطوبولس وهيركانوس حينذاك. ٦ ـ جيطين (كتب أو ثائق الطلاق) : ويعرض بالتفصيل للظروف المختلفة التي تؤدي بالرجل إلى مناولة المرأة وثيقة طلاقها عندما يفسخ الزواج. وفي الشرع اليهودي، هناك أسباب معينة (كما هو الحال في الشرائع الدينية الأخرى) تخوِّل الزوج حق إرغام زوجته على قبول الطلاق، والعكس بالعكس. وصيغة المفرد من كلمة «جيطين» هي «جيط» ومعناها «كتاب الطلاق» أو «وثيقة الطلاق» . ٧ ـ قدوشيم (التكريس) : يتناول هذا السفر الشعائر والفرائض المتصلة بالخطوبة والزواج، كما يتحدث عن كيفية اقتناء العبيد والأقنان بصورة شرعية، وتملُّك العقارات، إلى جانب مبادئ الأخلاق وغير ذلك من المسائل المتعلقة بعقود الزواج والقران ... إلخ. د) السدر الرابع: سدر نزيقين (الأضرار) . وتُقسَّم الأسفار العشرة في هذا الجزء من التلمود إلى قسمين أساسيين: القسم الأول يضم الأسفار، أو الأبواب الثلاثة الأولى (الباب الأول والأوسط والأخير) وموضوعها العام هو القانون المدني. وفي التلمود الفلسطيني تندرج هذه الأسفار الثلاثة تحت واحد وشامل: قضايا المال. أما القسم الثاني، فيضم مقالتي «سنهدرين» ، و «ماكوت» في القانون الجنائي، وتأتي الأسفار الخمسة الباقية كملاحق لهما. ١ ـ بابا قاما (الباب الأول) :

стр. 5376

التسمية آرامية الأصل، والمُسمَّى يتناول أحكام الأضرار اللاحقة بالأملاك، والأذى المرتكب ضد الأشخاص بدافع إجرامي، أو على صعيد الجنحة. كما يعالج قضايا التعويض عن السرقة والسلب واقتراف العنف. ومن أحكامه الشائعة في شتى المصنفات والمقتبسات عن التلمود، ما يلي: إذا نطح ثور الإسرائيلي ثوراً يملكه رجل كنعاني، فإن صاحب الثور اليهودي لا يلتزم بشيء. أما إذا كان الثور الكنعاني هو البادئ بالنطح، فعلى صاحبه أن يتكفل بالتعويض الكامل عن كل عطل وضرر. ٢ ـ بابا متسيعا (الباب الأوسط) : ويتناول الأحكام المتعلقة بالأشياء المفقودة التي يتم العثور عليها، والبيع والمبادلة والربا والغش والاحتيال واستئجار العمال والبهائم، بالإضافة إلى الإيجار والتأجير والملكية المشتركة للبيوت والحقول. ٣ ـ بابا باترا (الباب الأخير) : يعالج هذا السفر القوانين المتعلقة بتقسيم أملاك الشراكة والعقارات، وقوانين التجارة، بالإضافة إلى القيود المفروضة على الأملاك الخاصة والعامة وحقوق الملكية والوراثة. كما يتناول مسألة التملك والتمليك، وإعداد مسودات الوثائق. ٤ ـ سنهدرين (المحاكم القضائية) : ويتناول تأليف مختلف المحاكم القضائية، وإجراءات المحاكمة، وعقوبات الموت والإعدام عن الجرائم الكبرى. فهو مليء بالقوانين المتعلقة بالمحاكمات والتحكيم والإجراءات القضائية في القضايا المالية وفي الجرائم الكبرى. كما يتضمن مواصفات كيفية تنفيذ أحكام الإعدام وعقوبات الموت، إلى جانب العقائد المتصلة بالديانة اليهودية. ويحوي السفر الشيء الكثير مما له علاقة مباشرة أو غير مباشرة بمحاكمة السيد المسيح والعقوبة التي يجب إنزالها بالخارج على دينه. ٥ ـ مكوت (الجلدات) : يتحدث هذا السفر عن اليمين الكاذبة والحنث باليمين وشهادة الزور، وعن «مدن اللجوء» . بالإضافة إلى الآثام التي عقوبتها الجلد بالسياط، والأحكام المتعلقة بكيفية تنفيذ الجلد (٣٩ جلدة) .

стр. 5377

٦ ـ شبوعوت (القَسَم أو اليمين) : يتناول هذا السفر مختلف أنواع اليمين، أي ما يحلفه الشخص بمفرده أمام المحكمة. ويمين المحكمة يصدق على الشهود والمتقاضين، مثلما يصدق على المراقبين والأوصياء. ٧ ـ عيديوت (الشهادات) : ويتضمن هذا السفر مجموعة من القوانين والأحكام المختلفة. ٨ ـ عفوده زاراه (عبادة الأصنام) : ويتحدث هذا السفر عن عبدة الأصنام والأوثان: شعائرهم وطقوسهم وأعيادهم. كما يتضمن مواصفات الأحكام التي ينبغي إنزالها بعبدة الأصنام، والذين يشاركونهم، أو يختلطون معهم عن طريق التعامل أو الاتصال الاجتماعي. ويتضمن السفر كثيراً من الأحكام والأقوال ذات الطابع الانتقامي التعويضي. ٩ ـ آفوت (سفر الآباء) : ويتضمن التعاليم والأقوال المأثورة عن آباء التراث اليهودي منذ السنهدرين الأكبر فصاعداً. وهو مليء بالتعاليم الأخلاقية والأقوال الحكمية المنسوبة في معظمها إلى معلمي المشناه (تنائيم) . ١٠ ـ هورايوت (الأحكام أو القرارات) : ويتناول هذا السفر الأحكام الخاطئة التي تَصدُر عن السلطات الدينية في المسائل المتعلقة بالشعائر والطقوس. كما يتحدث عما يجب تقديمه من تضحيات وذبائح، إذا تَصرَّف الجمهور وفقاً لهذه التعاليم والأحكام الخاطئة. هـ) السدر الخامس: سدر قداشيم (المقدَّسات) .

стр. 5378

يدور الموضوع الأساسي في هذا القسم من التلمود حول الطقس القرباني والتضحيات المتعلقة بالهيكل. وكانت معظم الفرائض والأحكام الواردة في أسفاره مرتبطة أشد الارتباط بوجود الهيكل. لكن الحاخامات، في فلسطين وبابل، تابعوا اهتمامهم بالطقوس القربانية والعبادات رغم هدم الهيكل وانقطاع الصلة بين الممارسة الفعلية والغرض الأساسي من وراء تلك الشعائر. ويحاول الحاخام الذي كتب مقدمة هذا الجزء في طبعة سونسينو إرجاع الاهتمام لدى المدارس الدينية المتأخرة بموضوع الطقوس القربانية إلى اعتبارات تاريخية أكاديمية وأخرى عملية على حدٍّ سواء. فمن جهة، كان هناك الأمل اليهودي في تطلُّعه الدائم إلى إعادة بناء الهيكل عاجلاً أم آجلاً واستعادة العبادة القربانية. لذا، فقد رأوا أن من واجبهم الإلمام بقوانين تلك الطقوس التي سوف تؤذن بالرجوع إلى سابق العهد. ومن جهة ثانية، نما اعتقاد الحاخامات بأن دراسة الشرائع والفرائض القربانية يمكنها أن تحل محل طقس الهيكل، وهي بالتالي لا تقل قيمة عن تقديم القرابين والتضحيات في حد ذاتها. ويقسَّم هذا السدر إلى أحد عشر سفراً كما يلي: ١ ـ زباحيم (الذبائح) : يحتوي هذا السفر على الأحكام المتعلقة بتقديم الذبائح الحيوانية على اختلاف أنواعها وعلى اختلاف المراحل التي تمر بها. كما يضع الشروط التي تجعل القرابين مقبولة أو غير مقبولة. ويسهب السفر في شرح الشعائر المتصلة برش الدماء، وإحراق القطع الدهنية أو الذبيحة الحيوانية كلها، إلى آخر تلك التفاصيل المتعلقة بهذه الممارسات. ٢ ـ مناحوت (قرابين اللحوم والشراب) : ويصف قواعد إعداد قرابين الطعام والشراب وكيفية القيام بها: من سكب الزيت على القرابين إلى الدقيق الملتوت، ومن حزمة أول الحصيد إلى الرغيفين المخبوزين «خميراً باكورة للرب» ، إلى الفطائر الاثني عشر التي تُخبَز من الدقيق أيضاً. ٣ ـ حولين (الدنيويات) :

стр. 5379

ويتضمن هذا السفر مواصفات ذبح الحيوانات والطيور للاستهلاك العادي، بالإضافة إلى تعداد مختلف الأمراض التي تجعل أكل تلك الذبائح محرَّماً. وهناك معالجة عامة لجميع قوانين الأطعمة والأحكام التي ينبغي التقيد بها في إعداد الطعام. ٤ ـ بكوروت (البواكير) : ويتناول القوانين المتعلقة بالمواليد البكر من الحيوان والإنسان. ٥ ـ عراخين (التقديرات) : ويتضمن هذا السفر قواعد تحديد الكمية التي ينبغي تقديمها وفاءً لنذر ما للهيكل، بحيث يجري تقييم الشخص أو الشيء المنذور. ويختلف التقييم باختلاف السن والجنس (الذكر والأنثى) ، كما أن تجنيس البهيمة وتقييمها عائد إلى كاهن الهيكل. وعلاوة على التقييمات المذكورة، يتناول السفر القوانين التابعة لسنة اليوبيل. ٦ ـ تموره (الإبدال أو البدل) : ويتناول قواعد إبدال القرابين وتغييرها: الجيد بالرديء والرديء بالجيد، أي أن الموضوع يتعلق بتبديل بهيمة نجسة بأخرى سَبَق تقديمها على مذبح الهيكل. ٧ ـ كريتوت (الرسوم الجزائية) : ويعالج الآثام والأخطاء التي تخضع لعقاب القطع (كريتاه) أو الفصل فيما لو جرى اقترافها بمحض الإرادة. أما إذا جرى ارتكاب الخطيئة عن غير قصد، فلابد أيضاً من تقديم القرابين تكفيراً عنها. ويبحث هذا السفر كذلك الحالات التي يتوجب فيها تقديم القرابين بصورة غير مشروطة أو يتوجب فيها تعليق القرابين. ٨ ـ معيله (الإثم والخطيئة) : ويتناول هذا السفر مسألة انتهاك الحرمات والمقدَّسات وتدنيس الأشياء التابعة للهيكل أو المذبح. ٩ ـ تاميد (التضحية اليومية أو المستمرة) : ويصف خدمات الهيكل من حيث اتصالها بتقديم القرابين اليومية في الصباح والمساء، وخصوصاً الخراف التي ينبغي تقديمها على المذبح صباحاً وعشية. ١٠ ـ متروت (المقاييس والأبعاد) :

стр. 5380

يحتوي هذا السفر على مقاييس الهيكل ومواصفاته، سواء فيما يتعلق بالساحات والأبواب والقاعات، أو فيما يتعلق بالمذبح. كما يتضمن وصفاً للخدمات التي يؤديها الكهنة أثناء وجودهم في الهيكل، وأثناء قيامهم بحراسته وتدبير شئونه. ١١ ـ قنِّيم (الأعشاش) : ويسرد الأنظمة والأحكام المتعلقة بتقديم العصافير والطيور قرباناً للتكفير عن الخطايا والمعاصي التي يقترفها الفقراء. كما يتناول بعض الأحوال والشروط المتصلة بالنجاسة والقذارة. ويبحث حالة الخلط بين الطيور التي تخص مختلف الأشخاص أو التي تنتمي إلى قرابين مختلفة. و) السدر السادس: سدر طُهاروت (التطهيرات) . والواقع أن الموضوع المشترك بين أسفار هذا الجزء السادس والجزء الأخير من التلمود يتصل بأحكام الطهارة والنجاسة (أو الرجاسة) لدي الأشياء والأشخاص. وتؤلف هذه الأحكام جزءاً من مجموعة قوانين تتعلق بالطهارة اللاوية. ومما يجدر التنبيه إليه أن قوانين النجاسة هذه لم تكن سارية المفعول خارج فلسطين، فقد بطل معظمها في فلسطين بعد هدم الهيكل وطويت في عالم النسيان، إلا ذلك القانون المتعلق بأحكام الحيض لدى النساء فما زال ساري المفعول حتى أيامنا هذه. وقد أصبح التشديد محصوراً بالدرجة الأولى في مسألة النجاسة اللاوية وتَعدَّى نطاق العلاقات الزوجية. والمعروف أن أحكام الطهارة هذه تستند إلى عدد من الأوامر والنواهي الواردة في أماكن مختلفة من الأسفارالخمسة للتوراة، وبشكل خاص في الإصحاحات (١١/١٥) من سفر اللاويين. ١ ـ كلائايم (الأواني والأوعية) : ويتحدث هذا السفر عن قواعد النجاسة في الأواني والأدوات التي تُستخدَم للمنفعة البشرية، فيحاول تبيان الظروف والشروط التي تتحكم في نجاستها أو تجعلها عرضة للتنجس. والأواني تشمل الأثاث والملابس، وغير ذلك من أدوات الاستعمال. ٢ ـ أُهالوت (الخيام) :

стр. 5381

ويتناول الخيام والمساكن باعتبارها ناقلة للنجاسة والرجس، سواء عن طريق جثة الميت، أو بواسطة الأواني والأوعية التي توجد معها تحت سقف الخيمة أو المسكن، حيث تنتقل منها إلى الأشخاص والأدوات الأخرى. ٣ ـ نجاعيم (البَرَص والطواعين والأوبئة) : يبسط القوانين المتعلقة بمعالجة البَرَص في البشر والألبسة والمساكن. كما يتضمن المواصفات الضرورية لتطهير الأبرص وطرد النجاسة من بدنه. ٤ ـ باراه (العجلة الحمراء ـ البقرة الصغيرة) : ويتحدث هذا السفر عن الخصائص الواجب توافرها في العجلة الحمراء (باراه أدوما) وصولاً إلى إعداد رمادها للاستخدام في التطهير من النجاسة والرجاسة. ٥ ـ طُهاروت (تطهيرات) : ويعالج أحكام النجاسة في الأطعمة والأشربة على اختلاف أنواعها ودرجاتها. كما يبين الشروط التي تتحكم في تنجيسها عن طريق الاحتكاك بمختلف مصادر النجاسة ودرجاتها. ٦ ـ مقواؤوت (الآبار والخزانات) : ويتضمن هذا السفر مواصفات الآبار والصهاريج والخزانات فيما يتعلق بالمتطلبات التي تجعلها صالحة شعائرياً للتطهير والتغطيس. كما يتناول القواعد الحاكمة في جميع أنواع التغطيس الشعائري والطقسي. ٧ ـ نيدّه (الحائض والحيض) : ويفصل القول في أحكام النجاسة الشرعية التي تنشأ لدى النساء بسبب الحيض والنفاس وبعد الولادة. ٨ ـ مقشيرين (الاستعدادات) : ويتناول الظروف التي تصبح الأطعمة بموجبها قابلة للنجاسة أو عرضة للتنجس بعد احتكاكها بالسوائل، كما يعدِّد السوائل التي تجعل الأطعمة في تلك الحالة. ٩ ـ زافيم (الزاب ـ السيلان) : ويتحدث هذا السفر عن نجاسة الرجال والنساء عند الإصابة بأمراض الزهري والسيلان المنوي وغير ذلك. ١٠ ـ طِّبول يوم (الغسل اليومي) : ويبحث في طبيعة النجاسة لدى الشخص الذي قام بالغسل الشعائري (المفروض أثناء النهار) لتطهير نفسه، فإن عليه الانتظار حتى غروب الشمس لكي يُعتبر طاهراً ونظيفاً. ١١ ـ ياديم (اليدان وتطهيرهما) :

стр. 5382

ويتناول نجاسة اليدين قبل الغسل وكيفية تطهيرهما بطريقة شعائرية مستمدة من الشريعة الشفوية، والتطهير يتم بالماء. ويتضمن إلى جانب ذلك بحثاً عن بعض أسفار التوراة، كما يسجل شيئاً من المناظرات والخلافات التي دارت بين الصدوقيين والفريسيين. ١٢ ـ عقصين (سويقات الثمار وقشورها) : ويعرض للظروف والشروط التي تصبح بموجبها سويقات النبات والثمر قابلة لنقل النجاسة إلى الثمار والنباتات المتصلة بها والعكس بالعكس، أي كيف تتنجس هذه الأشياء لدى ملامستها الأشياء النجسة. الموضوعات الأساسية الكامنة في التلمود Major Themes in the Talmud منذ نهاية القرن السابع للميلاد، ومع مطلع القرن الثامن، صار التلمود العامل الجوهري في التجربة الدينية للجماعات اليهودية، إذ أصبح المعيار السائد المقبول في كل ما يتعلق بحياة اليهود وأعمالهم ونشاطهم الفكري. حتى أننا حينما نتحدث عن «اليهودية» بعد ذلك التاريخ، فإننا في واقع الأمر نتحدث عن «اليهودية الحاخامية» ، أي «التلمودية» . وقد استُخدم التلمود حتى نهاية القرن التاسع عشر أساساً للتربية بين أعضاء الجماعات اليهودية، فكان الدارسون في كثير من الجماعات اليهودية في الغرب يستذكرونه سبع ساعات يومياً طوال سبع سنوات.

стр. 5383

والتلمود سجل المحاولات التي بذلها حاخامات اليهود لتفسير العهد القديم بما يتناسب مع وضع اليهود باعتبارهم جماعات منتشرة في العالم وليس باعتبارهم شعباً مستقراً في أرضه له عاصمته وهيكله وديانته المرتبطة بالأرض والعاصمة والهيكل. وهو أيضاً تعبير عن محاولة اليهودية الحاخامية (التلمودية) عزل جماهير اليهود عن بقية الشعوب، وخصوصاً بعد ظهور المسيحية التي اتخذت من العهد القديم كتاباً مقدَّساً، وأكملته وعدلته بالعهد الجديد. والآلية الكبرى لتعميق العزلة هي تغليب الطبقة الحلولية داخل التركيب الجيولوجي اليهودي على غيرها من الطبقات والنزعات بحيث يحل الإله في الشعب ويملؤه قداسةً تعزله عن العالم المدنَّس العادي حوله، وهذه الانعزالية مسألة عادية في معظم المجتمعات الوثنية وفي كثير من المجتمعات التقليدية التي كانت تشجع الفصل بين الطبقات والجماعات الدينية وتسهل عملية إدارة شئونها. بل تُعَدُّ مسألة حيوية وأساسية بالنسبة للجماعات الوظيفية المالية وهو الدور الذي اضطلعت به معظم الجماعات اليهودية في العالم حتى بدايات القرن التاسع عشر. فبدون الانعزالية، لم يكن بإمكان أعضاء الجماعات الوظيفية الاحتفاظ بحيادهم وتعاقديتهم وموضوعيتهم وهي أمور لازمة وأساسية للقيام بالأعمال المالية في المجتمعات التقليدية. ولكن هذه الانعزالية، في حالة الجماعات اليهودية، شأنها في هذا شأن أية جماعة وظيفية أو أقلية تُوجَد في الوضع نفسه، كانت تأخذ في الغالب شكل التعالي على الناس. وقد تعمقت الانعزالية حتى أصبح التعارض بين اليهود وغير اليهود (الأغيار) من المقولات الأساسية في التلمود وفي غيره من الكتابات الفقهية اليهودية.

стр. 5384

والحلولية تيار مهم في العهد القديم، ولكنها تضخمت واتسعت في التلمود بحيث يمكننا اعتبار التصور التلمودي للإله يشكل نكسة للفكر التوحيدي وللرؤية التي طرحها الأنبياء في العهد القديم. فالتلمود يخلع العديد من الصفات الإنسانية واليهودية على الإله. والعصمة ليست من صفاته، فهو يكون مشغولاً خلال اثنتى عشرة ساعة يومياً: يقرأ التوراة في الساعات الثلاث الأولى، ويحكم العالم في الثلاث التالية، ويفكر في إفناء العالم، ثم يترك كرسي القضاء إلى كرسي الرحمة، ويجلس في الساعات الثلاث التالية يرزق العالم كله من أكبر الحيوانات إلى أصغرها. وفي الثلاث الأخيرة، يلعب مع التنين أو الحوت. والإله، في التلمود، متعصب بشكل كامل لشعبه المختار، ولذا فهو يعبِّر عن ندمه على تركه اليهود في حالة تعاسة وشقاء حتى أنه يلطم ويبكي. ومنذ أن أمر بهدم الهيكل وهو في حالة حزن وندم، توقف عن اللعب مع التنين الذي كان يسليه، وأصبح يُمضي وقتاً طويلاً من الليل يزأر كالأسد. ولكنه في آخر الأيام، بعد إقامة المجتمع اليهودي الأمثل في العصر المشيحاني، في ظل الدولة المستعادة، يجلس على العرش يقهقه لانتصار شعبه، وعبثآً يتوافد الوثنيون طالبين قبولهم. ويتبدَّى التعصب الإلهي في أنه حينما يأتي الماشيَّح سيصبح كل الناس عبيداً لجماعة يسرائيل.

стр. 5385

وتظهر الحلولية والانعزالية في تلك القداسة التي تحيط بالتلمود. وهو في الواقع ـ كما أسلفنا ـ مجرد تفسير للعهد القديم وضعه الحاخامات، إلا أنه، مثله مثل كل كتب التفسير اليهودية، يكتسب قداسة خاصة. وقد سيطرت أسطورة الشريعة الشفوية على الوجدان اليهودي سيطرة تامة بعد ظهور المسيحية، فكان يُنظر إلى التلمود في بداية الأمر باعتبار أنه يأتي في المرتبة الثانية بعد التوراة، ولكنه أصبح بعد حين يُلقَّب بالتوراة الشفوية، أي صار مساوياً لتوراة موسى في المرتبة، ولم يَعُد في وسع أي يهودي مخالفته. وأخذت درجة قداسته في الازدياد والاتساع حتى أصبح أكثر قداسة من التوراة نفسها. وقد قال أحد الحاخامات: «يا بني كن حريصاً على مراعاة أقوال الكتبة [أي الحاخامات واضعي التلمود] أكثر من حرصك على أقوال التوراة، لأن أحكام التوراة تحوي الأوامر والنواهي. أما شرائع الكتبة، فإن من ينتهك واحدة منها يجلب على نفسه عقوبة الإله» . وقد جاء أيضاً أنه: «لا خلاص لمن ترك التلمود واشتغل بالتوراة لأن أقوال علماء التلمود أفضل مما جاء في شريعة موسى، وهي أفضل من أقوال الأنبياء» . وفي معرض تقديس التلمود والإيمان المطلق بكل ما دوَّنه الحاخامات فيه، ورد في التلمود أن خلافاً ما قد وقع بين الإله وعلماء اليهود حول أمر ما. وبعد أن طال الجدل، تقرَّر إحالة الأمر موضع الخلاف إلى أحد الحاخامات الذي حكم بخطأ الإله الذي اضطر إلى الاعتراف بخطئه. وفي هذا المقام أيضاً، ردد بعض الحاخامات أن الإله يستشير الحاخامات على الأرض إذا صادفته مسألة معضلة يتعذر عليه حلها في السماء. وهكذا اختل التوازن الحلولي، كما هو الحال دائماً، لصالح المخلوقات من الحاخامات على حساب الإله.

стр. 5386

ويظهر ارتباط الانعزالية بالحلولية في فكرة الاختيار، فقد جاء في التلمود أن الإله اختار اليهود لأنهم اختاروه، وهي عبارة تفترض المساواة بين الإله والشعب. (كان يرددها بن جوريون برضا شديد، وهي تشكل أساس فلسفة بوبر الحوارية، ونقطة انطلاق لكثير من النزعات الحلولية المعاصرة في اليهودية ولصهيونية جوش إيمونيم الحلولية) . وتساءل كُتَّاب التلمود عن سبب تشبيه اليهود بشجرة الزيتون، وترد الإجابات التالية: ١ ـ لأن شجرة الزيتون لا تفقد أوراقها، كما أن كل اليهود لن يضيعوا في هذا العالم أو العالم الآتي. ٢ ـ وكما أن الزيتون لا ينتج زيتاً إلا بعد العصر والضغط عليه، فإن أعضاء جماعة يسرائيل لن يعودوا كذلك إلى جادة الصواب إلا بعد الآلام والعذاب. ٣ ـ شُبِّه اليهود بحبة الزيتون لأن زيت الزيتون لا يمكن خلطه مع المواد الأخرى. وكذلك جماعة يسرائيل، لا يمكن أن تختلط مع الشعوب الأخرى. ويدَّعي التلمود أن روح الإله من روح الشعب كما أن الابن جزء من أمه، ولذا فمن يعتدي على يهودي فهو كمن يعتدي على العزة الإلهية، ومن يعادي جماعة يسرائيل أو يكرهها فإنه يعادي الإله ويكرهه، وخصوصاً إذا عرفنا أن الإله كان يقطن بينهم حينما كانوا في أرض الميعاد، وأن الشخيناه (التعبير الأنثوي عن الإله) بقيت معهم حينما نُفوا خارجها إذ أن موسى طلب ذلك من الإله.

стр. 5387

وكان الاختيار في بادئ الأمر تلقائياً نابعاً من رحمة الإله وإرادته الإلهية، ولكن اليهود ـ حسب الرؤية التلمودية الحلولية ـ بينوا أنهم جديرون بهذا الاختيار. ولذا، تحوَّل الاختيار من مجرد منحة من الإله إلى حق من حقوقهم مُلزم له وإلى دين عليه أن يؤديه حتى لو ضلوا الطريق. وقد جاء في التلمود على لسان الإله: «لن أعامل جماعة يسرائيل كالأمم الأخرى، حتى وإن لم تعمل حسنات إلا قليلاً تافهاً كروث الدجاج المتناثر في الحظيرة، فسأجمع هذه الحسنات ليكون لها حسنات كثيرة» . وهكذا اختل التوازن الحلولي لصالح اليهود مرة أخرى، وإن كان هناك رأي تلمودي مغاير يرى أن الاختيار تكليف إلهي وعبء مُلقى على كاهل اليهود عليهم أن يضطلعوا به. والتوراة هي ميراث الشعب المختار وحده، ومن يدرسها من الأغيار يستحق الموت (ولكن ثمة رأياً تلمودياً مغايراً يرى أن الوثني الذي يدرس التوراة هو في منزلة الكاهن الأعظم) . هذه النزعة الانعزالية المتعالية توجد في معظم صفحات التلمود المليء بالأحكام الموجهة ضد غير اليهود (وخصوصاً سفر عفوده زاره أو عبادة الأوثان) ، فلن يدخل الجنة سوى اليهود. وقد خلق الإله الأغيار على هيئة الإنسان لكي يكونوا لائقين بخدمة اليهود الذين خُلقت الدنيا من أجلهم، إذ ليس من الملائم أن يقوم حيوان على خدمة الأمير، وهو على صورته الحيوانية. ولا يُعتدُّ بشهادة غير اليهودي أمام المحاكم إلا في حالات قليلة. وإذا وقع أذى بشخص، فمن المهم جداً تحديد هل هذا الشخص يهودي أم لا، بل إن هذا التمييز يسري أيضاً في المعاملات التجارية. وفي مسائل الطهارة، يعتبر الأغيار أنجاساً في حياتهم. ولكن مقابرهم، باعتبار أنها غير مقدَّسة، لا تنجس الكهنة. والعكس صحيح بالنسبة إلى اليهود، فهم طاهرون في حياتهم وقبورهم مصدر نجاسة أساسي للكهنة اليهود.

стр. 5388

ويتناسى التلمود الفرق بين الأخيار والأشرار من الأغيار، رغم أنه تمييز أساسي في العقيدة اليهودية نفسها. بل إن التلمود يطلب أحياناً إلى اليهود أن يستخدموا مقياسين أخلاقيين: أحدهما للتعامل مع اليهود، والآخر للتعامل مع غير اليهود (انظر: بابا متسيعا ٩٥ أ، وبابا قما ١١٣ أ) . وقد جاء في التلمود أنه لا يصح أن يباع لليهودي الشيء الذي يحتمل فساده إن تُرك، ولكنه من الممكن أن يُباع لغير اليهودي، كما يُحرَّم على الطبيب اليهودي أن يعالج مريضاً غير يهودي (إلا لدرء أذى الأغيار) . ولأن التلمود يرى أن اليهود وحدهم يجسدون روح الإله، لذا نجده لا يرحب بالمتهوِّدين. وقد ورد فيه «إن المتهوِّدين مثل القذى في عين جماعة يسرائيل» وهو موقف لا يزال يسيطر على المؤسسة الأرثوذكسية وريثة التراث التلمودي في إسرائيل. وكان اليهودي يشكر إلهه على أن مكانه «بين أولئك الذين يجلسون في بيت الدراسة والمعبد [أي اليهود] ولم تجعل مكاني بين أولئك الذين يذهبون إلى المسارح والسيرك [أي غير اليهود] » . وحتى حينما كان بعض المفسرين ينصحون اليهود بعدم الكذب على الأغيار، فإنهم يصرون على ضرورة عدم الاحتكاك بهم، أو الدخول معهم في علاقة. وقد قال أحد الشارحين في القرن السابع عشر في بولندا إن من الواضح أن التوراة تأمر اليهود بأن يحتفظوا بالكراهية بينهم وبين الأغيار حتى يبعدوا خطر الزواج المُختلَط. ولذا، فلا يمكن السماح بتلك الأفعال التي قد تقلل الكره بين اليهود والأغيار. وتصل النزعة المتعالية ذروتها في عبارة: «اقتل أفضل الأغيار، اسحق رأس أنبل الأفاعي» . وقد اقتبس أحد كتيبات الحاخامية العسكرية الإسرائيلية هذه العبارة التلمودية التي أثارت ضجة داخل إسرائيل وتصدَّى لها بعض القادة الدينيين ووصفوها بأنها تشويه للعقيدة اليهودية.

стр. 5389

فالحلولية إذن هي الإطار الفلسفي، والانعزالية والتعالي الإثنيين هما الترجمة العملية لها. ولكن التلمود كتاب جيولوجي ضخم يضم موضوعات شتى وتراكمت فيه رؤى وآراء مختلفة، فكل العقائد اليهودية المعروفة قد دُوِّنت وصُنِّفت فيه، بشكل واضح أحياناً، وبشكل غامض مشوش أحياناً أخرى. كما يضم التلمود أيضاً موضوعات وطرائف لا تنضوي بالضرورة داخل إطار فلسفي واضح، أو رؤية دينية محددة، فهو يتحول أحياناً إلى مجرد وثيقة اجتماعية لا توجه الواقع وإنما تعكسه وحسب. فصفحات التلمود تعكس وضع اليهود الاقتصادي كجماعة وظيفية تعمل بالتجارة. ولذلك، كان على اليهودي، حسب التقاليد التلمودية، أن يتلو ثلاث تسبيحات شكر كل يوم لأن الإله خلقه يهودياً، ولأنه لم يخلقه امرأة ولم يخلقه فلاحاً. وقد جاء أنه «لا يوجد عمل أكثر امتهاناً من فلاحة الأرض» . ومع هذا، هناك أقسام طويلة في التلمود عن الزراعة وقوانينها وأفضالها. ومن أهم أنواع التجارة التي مارسها أعضاء الجماعات اليهودية تجارة الرقيق. ولذا، فإننا نجد أن التلمود نظم عملية امتلاك عبد من الأغيار. فهو يُمتلَك بالشراء أو بالصك أو بالخدمة الفعلية. ويوجد في التلمود صيغة لاستمارة يتم ملؤها للحصول على عبد تقول: «هذا العبد تم استعباده بصورة قانونية وليس له أي حق من حقوق الأجراء، وليست له مطالب يقدمها للملك أو الملكة. وليست به أية علامة إنسانية، وهو خال من أية عيوب جسدية ومن أية علامة في الجلد تدل على إصابته بالبرص سواء حديثاً أم في الماضي» . وكانت طبقة العبيد مُحتَقرة كما كان يسود الاعتقاد بأنهم كسالى: «هناك عشرة مقاييس من النوم نزلت إلى العالم، فأخذ العبيد تسعة منها وأخذ بقية الناس الواحد المتبقي» . ولا يتمتع العبد بثقة كاتبي التلمود، فهو لا يُعَدُّ إنساناً، ولذا فليس بإمكان اليهودي أن يصلي معه أو أن يصلي عليه أو يسير في جنازته.

стр. 5390

ولا يقتصر التلمود على حياة اليهود العامة، وإنما يمتد ليشمل أخص خصوصياتهم. فهو يتناول، ضمن ما يتناول، كل دقائق إعداد الطعام وتناوله والعلاقات الخاصة بين الرجل وزوجته والطمث. وينبعث من صفحات التلمود احتقار عميق للمرأة، وقد كتب أحدهم يقول: «هناك أربع خصائص للنساء: فهن شرهات، ومتصنتات وكسولات وغيورات، وهن أيضاً كثيرات الشكوى وثرثارات» . وقد أفاض التلمود بشأن الصفة الأخيرة: "نزلت إلى العالم عشرة مقاييس للكلام، أخذت النساء تسعة منها وأخذ الرجال واحداً". والتلمود كتاب طبي أيضاً. ولذا، فإننا نجد فيه وصفات طبية عديدة، فهو ينصح بضرورة التعرض للماء البارد بعد حمام ساخن. كما نجد في التلمود شرحاً لأسباب الإمساك وطريقة معالجته. وينصح التلمود أيضاً بأن من: «يطيل البقاء في المرحاض، يطيل الرب أيامه وسنيه» . وهناك صلاة شكر تُتلى بعد تلبية نداء الطبيعة. وعلاوة على كل هذا، يمكن اعتبار التلمود كتاب فولكلور يعكس شتى الممارسات والآراء الخرافية التي كانت سائدة في مكان نشأته، سواء في بابل أو في الأماكن الأخرى التي عاش فيها الشارحون. ولأن كُتَّاب التلمود يدورون في نطاق حلولي، فإننا نجدهم يؤمنون بإمكانية التحكم الكامل والتوصل للحل السحري (الغنوصي) وبفاعلية العلاجات العجائبية والعقاقير الشيطانية والسحر والرقى والتعاويذ. والتلمود أيضا كتاب تنجيم وسحر وتفسير أحلام. ومما يُذكَر فيه أن قارئه الراغب في رؤية العفاريت رؤية العين يمكنه ذلك باتباع خطوات تم تحديدها بدقة متناهية، وإن أراد طرد العفاريت فصفحاته تضم تعاويذ تفي بذلك الغرض. وتصل الحلولية إلى ذروتها (أو هوتها) حين يؤكد التلمود أن الحاخامات كانوا قادرين على الخلق، فقد ذكر أن حاخاماً خلق مرة إنساناً بأن نطق اسم الإله الأعظم وأرسله إلى الحاخام زعيرا الذي تحدَّث إليه، ولكنه لم يستطع أن يجيب، فتعجب الحاخام قائلاً: «أنت مخلوق بفعل السحر، ارجع إلى التراب» .

стр. 5391

وقد أثر التلمود، بما احتوى من نظرة حلولية انعزالية، في كثير من أجزائه، في الفكر الصهيوني، حيث وجد المفكرون الصهاينة ما يدعم اتجاهاتهم. فقد جاء في سفر «عفوده زاره» على سبيل المثال لا الحصر: «ينبغي ألا تُؤجَّر البيوت لغير اليهود في أرض يسرائيل، ناهيك عن الحقول» . وهذه إحدى القواعد الأساسية للصندوق القومي اليهودي. كما أن الصهاينة يقتبسون من التلمود عبارات مثل: «من يقيم خارج أرض يسرائيل هو مثل إنسان بدون إله» (كتوبوت ١١٠ب) . ولكن نظراً لخاصية التلمود الجيولوجية، فإننا نجد أنه يرد فيه عكس هذه الأفكار تماماً، فقد قال الحاخام يهودا: "من يصعد من بابل إلى أرض يسرائيل، فقد انتهك إحدى الوصايا الإلهية". ويستشهد بسفر إرميا (٢٧/٢٢) ، ثم يقول: "مثلما أنه ممنوع مغادرة أرض يسرائيل إلى بابل، فمن الممنوع أيضاً مغادرة بابل إلى غيرها من البلدان"، ثم يستطرد قائلاً: "إن من يعيش في بابل كأنه مقيم في أرض يسرائيل" (كتوبوت ١١١أ) . كما توجد في التلمود أيضاً أفكار متناقضة عن العصر المشيحاني، بعضها ذو نكهة صهيونية انعزالية والبعض الآخر معاد لها وله نزعة اندماجية عالمية. وتجد التوسعية الصهيونية تبريراً لها في الصورة التي يرسمها التلمود لحدود الأرض في المستقبل، فهي سوف تمتد وتصعد في جميع الجهات، ومن المقدر لأبواب القدس أن تصل إلى دمشق، وسوف يأتي المنفيون لينصبوا خيامهم في الوسط. وقد جاء أيضاً: "إن فلسطين تُدعى أرض الظبي، فكما أن جلد الظبي يعجز عن استيعاب لحمه وجسمه، كذلك هي أرض يسرائيل: عندما تكون مأهولة تجد لنفسها متسعاً، لكنها تتقلص متى كانت غير مأهولة". فحدود هذه الأرض متغيرة، وتزداد بازدياد المستوطنين اليهود فيها. ولا يختلف هذا القول كثيراً عن موقف تيودور هرتزل من الحدود حين بيَّن أن ما سيقرر حدود الدولة هو مدى حاجة الصهاينة: "كلما ازداد عدد المهاجرين ازدادت حاجتنا إلى الأرض".

стр. 5392

ورغم أن ثمة عناصر صهيونية في التلمود، إلا أنه لا يمكن القول بأنه تسبَّب في ظهور الصهيونية. فالصهيونية حركة سياسية تهدف إلى استعمار فلسطين عن طريق توطين عنصر سكاني غريب فيها، وتعود جذورها أساساً إلى الفكر الألفي الاسترجاعي البروتستانتي وإلى وضع اليهود داخل الحضارة الغربية كجماعة وظيفية وإلى الإمبريالية الغربية. كما أن المؤسسة الحاخامية التلمودية ذات العلاقة الوثيقة بأثرياء اليهود في كل أنحاء العالم، والتي امتزجت مصالحها بمصالحهم بحيث أصبح الفريقان يشكلان النخبة القائدة، كانت تقف ضد فكرة العودة المشيحانية لأن مصالح هذه النخبة (ومصالح الجماعة الوظيفية ككل) كانت مرتبطة تمام الارتباط بمجتمعاتها المختلفة ومتجذرة فيها، ومن هنا كان حرصها على تأسيس حلقات ومدارس تلمودية (أكاديميات ـ يشيفات) تعمل على تخريج حاخامات ملمين بالأوضاع المحلية الخاصة، قادرين على إصدار الفتاوى الملائمة التي تفسر الأوضاع الجديدة وتتكيف معها. وبعد التهجير البابلي، استقلت الحلقات التلمودية في بابل، وحينما ظهرت حضارة الأندلس حرص أثرياء الجماعة اليهودية هناك على استقلال الحلقات فيها. وقد استقل يهود الغرب الإشكناز بحاخاماتهم ومدارسهم التلمودية. ولم يكن من مصلحة هؤلاء الأثرياء العودة إلى فلسطين، بل كانت مصلحتهم في البقاء في المنفى. ومن هنا، يتواتر الحديث في التلمود عن أن "شريعة الدولة هي شريعتنا"، وعن ضرورة انتظار الماشيَّح في صبر وأناة حتى يأذن الإله. ومن هنا أيضاً، وقفت المؤسسة الحاخامية التلمودية ضد النزعات المشيحانية الصهيونية التي كانت أساساً نزعات شعبية تعبِّر عن بؤس فقراء اليهود، وعدم إدراكهم للعلاقات الدولية أو لطبيعة البؤس الواقع عليهم. وقد ظلت هذه المؤسسة واقفة بقوة ضد كل المشحاء الدجالين تستعدي عليهم السلطات وتجند فقهاءها لإثبات كذبهم كما فعل الحاخام نحميا مع شبتاي تسفي. كما كانت تُكفِّر كل من كان يفكر

стр. 5393

في العودة وتُوجِّه إليه تهمة أنه ارتكب جريمة التعجيل بالنهاية (دحيكات هاكتس) . ويُلاحَظ أن ظهور الصهيونية الحديثة مرتبط بتآكل المؤسسة الحاخامية التلمودية وبانهيار نفوذ التلمود تماماً. وحينما نشر هرتزل كتيب دولة اليهود، عارضه كبار الحاخامات جميعاً، وبالذات الأرثوذكس (التلموديون) . ولذا، فإن التلمود، على مستوى من المستويات، كان مسئولاً إلى حدٍّ ما عن تخفيف حدة النزعة المشيحانية في اليهودية، وبالتالي نجح في صد الصهيونية. وقد تقصَّى الدكتور أسعد رزوق موقف التلمود من العرب، فوجد أنه (في بعض نواحيه) تعبير عن الانعزالية المتعالية نفسها. وقد جاء في سفر سوكاه (٥٢ ب) أن الإله ندم على خلقه أربعة أشياء: المنفى، والكلدانيين، والإسماعيليين (أي العرب) ، ونزعة الشر. وينسب التلمود إلى العرب أعمال السحر، فقد جاء في سفر سنهدرين (٦٧ب) أن عربياً امتشق السيف وقطع به الناقة، ثم قرع جرساً فنهضت دون وجود آثار عليها. والعرب، حسبما جاء في التلمود، خبراء في الطب، وخصوصاً الطب الشعبي. ويرد في التلمود العديد من القصص الطريفة والأعاجيب عن العرب. وهناك قصص ليست في صالح راويها الحاخامي إذ أن بعضها يدل على خبرة العرب وبراعتهم واحترامهم موتى اليهود أكثر من احترام الحاخام إياهم. وأخيراً، فقد جاء في سفر السبت (١١ أ) القول التالي: "لا بأس من الخضوع لحكم واحد من أبناء إسماعيل بدلاً من حكم الغريب [أي الأدومي] ". وبحسب ما جاء في حاشية الشارح، فإن المقصود بذلك هو تفضيل الحكم العربي على البيزنطي، وهو ما يشكل أساساً تلمودياً للمصالحة مع العرب بل قبولهم حكاماً!

стр. 5394

هذه بعض الأفكار والموضوعات الأساسية في التلمود. ويجب أن نقرر مع جيمس باركس، وهو مؤرخ غير يهودي متعاطف مع اليهودية، قوله: «إنه لم يكن من الصعب أن يقتبس أي دارس للتلمود، وبيسر شديد، كثيراً من الآراء والمشاعر التافهة والمضحكة بل الكريهة، وبوسعه أن يفعل ذلك دون أن يخطئ في الاستشهاد أو يزيف السياق، إذ أن مثل هذه النصوص توجد في الأدب الحاخامي [الجيولوجي] الضخم وغير المترابط» . ونحن إذا وافقناه على رأيه هذا، فلن نحيد عن طريق الصواب، فهذا أيضاً هو رأي الحاخام جيكوب آجوس أحد أهم مؤرخي اليهودية. وهذا هو أيضاً رأي المؤلف اليهودي الصهيوني برنارد لازار، الذي وصف التلمود بأنه "كتاب ضد المجتمع". وقد لعب دوراً حاسماً في تحويل اليهود إلى شعب واحد، فهو الذي صنع النفس اليهودية وصاغ خصائصها، وهو "خالق الجنس أو صانع العنصر اليهودي"، و"هو الذي علَّم اليهود الاستعلاء والتفوق المليء بعصبية ضيقة وضارية". ولعل مثل هذه الآراء، التي تفسر سلوك اليهود في إطار بعض ما جاء في التلمود، هي المسئولة عن موقف المعادين لليهود الذين يجعلون كل يهودي في كل زمان ومكان مسئولاً عما ورد فيه من آراء متعصبة. ومثل هذا الرأي ينم عن عدم إدراك لطبيعة التلمود أو طبيعة علاقة اليهودية به. فالتلمود ليس كلاًّ متجانساً، كما أن اليهود ليسوا على معرفة بما جاء فيه ككل، وهو لا يحدِّد سلوك اليهود كافة في كل زمان ومكان. والواقع أن من يحوِّل التلمود إلى نموذج تفسيري لسلوك اليهود أو أعضاء الجماعات اليهودية (كما يفعل كثير من الدارسين) ، يكون قد حكم على نفسه بالانفصال عن الواقع والفشل الذريع في التنبؤ. سمات التلمود الأساسية Essential Characteristics of the Talmud

стр. 5395

حينما يتم تناول أي نص أياً كانت قداسته، لابد أن يؤخذ في الاعتبار سياقه التاريخي، فلا يمكن فهم ما جاء في العهدين القديم والجديد إلا بفهم الوضع في فلسطين منذ التسلل العبراني في كنعان حتى ظهور المسيح، ولا يمكن فهم ما يقوله المسيح (رغم أهميته الدينية والأخلاقية المطلقة) إلا بإدراك الأبعاد التاريخية في أقواله. فالمطلق رغم مطلقيته، لابد أن يتبدَّى من خلال النسبي (في لحظات) إذ أن الإنسان الذي يعيش في التاريخ لا يمكنه أن يدرك المطلق إلا من خلال النسبي. ورؤية المطلق في علاقته بالنسبي، والإلهي في علاقته بالتاريخي، لا تعني بالضرورة أن يُردَّ الأول برمته إلى الثاني، وإنما تعني أن الثاني هو المجال الذي يتبدى من خلال الأول. وإذا كان هذا ينطبق على الكتب الدينية (المقدَّسة) ، فهو لا شك ينطبق بشكل أكبر على كتب الشروح والتفسير، مهما خلعت على نفسها من قداسة وإطلاق. والتلمود هو، في نهاية الأمر، كتاب تفسير وضعته القيادة الدينية لأقليات متناثرة كانت تعيش في قلق وخوف وإحساس بالخطر المحدق بها (الحقيقي والوهمي) في عصور لم يكن يُعترَف فيها بحقوق أعضاء المجتمع، ناهيك عن حقوق أعضاء الأقليات، تلك الأقليات التي كانت تلعب دور الجماعة الوظيفية المرتبطة بالطبقة الحاكمة، ولكنها كانت غير محبوبة منها، كما كانت قريبة من الطبقات الشعبية ولكنها مكروهة منها. لقد كانت هذه الجماعة تعيش، إذن، في عزلة عن الجميع (وكان التلمود من أهم وسائل هذا العزل) . وقد نتج عن هذا الوضع إحساس زائد بالذات، ولذا فَقَد أعضاء الجماعات اليهودية وقياداتهم قدراً كبيراً من علاقتهم بالواقع وانفصل فكرهم عنه، وأصبح التلمود مجالاً للتعويض عما يلاقونه من اضطهاد، فتحوَّل التلمود إلى صياغات لفظية يمارسون من خلالها الانتقام من أعدائهم، عن طريق الحط من شأنهم وإظهار التفوق اليهودي، وخصوصاً في آخر الأيام بعد عودة الماشيَّح حيث يبطشون ويبطش ربهم بكل
следующие страницы →