← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 5391–5430 · переход к 5396.

стр. 5391

وقد أثر التلمود، بما احتوى من نظرة حلولية انعزالية، في كثير من أجزائه، في الفكر الصهيوني، حيث وجد المفكرون الصهاينة ما يدعم اتجاهاتهم. فقد جاء في سفر «عفوده زاره» على سبيل المثال لا الحصر: «ينبغي ألا تُؤجَّر البيوت لغير اليهود في أرض يسرائيل، ناهيك عن الحقول» . وهذه إحدى القواعد الأساسية للصندوق القومي اليهودي. كما أن الصهاينة يقتبسون من التلمود عبارات مثل: «من يقيم خارج أرض يسرائيل هو مثل إنسان بدون إله» (كتوبوت ١١٠ب) . ولكن نظراً لخاصية التلمود الجيولوجية، فإننا نجد أنه يرد فيه عكس هذه الأفكار تماماً، فقد قال الحاخام يهودا: "من يصعد من بابل إلى أرض يسرائيل، فقد انتهك إحدى الوصايا الإلهية". ويستشهد بسفر إرميا (٢٧/٢٢) ، ثم يقول: "مثلما أنه ممنوع مغادرة أرض يسرائيل إلى بابل، فمن الممنوع أيضاً مغادرة بابل إلى غيرها من البلدان"، ثم يستطرد قائلاً: "إن من يعيش في بابل كأنه مقيم في أرض يسرائيل" (كتوبوت ١١١أ) . كما توجد في التلمود أيضاً أفكار متناقضة عن العصر المشيحاني، بعضها ذو نكهة صهيونية انعزالية والبعض الآخر معاد لها وله نزعة اندماجية عالمية. وتجد التوسعية الصهيونية تبريراً لها في الصورة التي يرسمها التلمود لحدود الأرض في المستقبل، فهي سوف تمتد وتصعد في جميع الجهات، ومن المقدر لأبواب القدس أن تصل إلى دمشق، وسوف يأتي المنفيون لينصبوا خيامهم في الوسط. وقد جاء أيضاً: "إن فلسطين تُدعى أرض الظبي، فكما أن جلد الظبي يعجز عن استيعاب لحمه وجسمه، كذلك هي أرض يسرائيل: عندما تكون مأهولة تجد لنفسها متسعاً، لكنها تتقلص متى كانت غير مأهولة". فحدود هذه الأرض متغيرة، وتزداد بازدياد المستوطنين اليهود فيها. ولا يختلف هذا القول كثيراً عن موقف تيودور هرتزل من الحدود حين بيَّن أن ما سيقرر حدود الدولة هو مدى حاجة الصهاينة: "كلما ازداد عدد المهاجرين ازدادت حاجتنا إلى الأرض".

стр. 5392

ورغم أن ثمة عناصر صهيونية في التلمود، إلا أنه لا يمكن القول بأنه تسبَّب في ظهور الصهيونية. فالصهيونية حركة سياسية تهدف إلى استعمار فلسطين عن طريق توطين عنصر سكاني غريب فيها، وتعود جذورها أساساً إلى الفكر الألفي الاسترجاعي البروتستانتي وإلى وضع اليهود داخل الحضارة الغربية كجماعة وظيفية وإلى الإمبريالية الغربية. كما أن المؤسسة الحاخامية التلمودية ذات العلاقة الوثيقة بأثرياء اليهود في كل أنحاء العالم، والتي امتزجت مصالحها بمصالحهم بحيث أصبح الفريقان يشكلان النخبة القائدة، كانت تقف ضد فكرة العودة المشيحانية لأن مصالح هذه النخبة (ومصالح الجماعة الوظيفية ككل) كانت مرتبطة تمام الارتباط بمجتمعاتها المختلفة ومتجذرة فيها، ومن هنا كان حرصها على تأسيس حلقات ومدارس تلمودية (أكاديميات ـ يشيفات) تعمل على تخريج حاخامات ملمين بالأوضاع المحلية الخاصة، قادرين على إصدار الفتاوى الملائمة التي تفسر الأوضاع الجديدة وتتكيف معها. وبعد التهجير البابلي، استقلت الحلقات التلمودية في بابل، وحينما ظهرت حضارة الأندلس حرص أثرياء الجماعة اليهودية هناك على استقلال الحلقات فيها. وقد استقل يهود الغرب الإشكناز بحاخاماتهم ومدارسهم التلمودية. ولم يكن من مصلحة هؤلاء الأثرياء العودة إلى فلسطين، بل كانت مصلحتهم في البقاء في المنفى. ومن هنا، يتواتر الحديث في التلمود عن أن "شريعة الدولة هي شريعتنا"، وعن ضرورة انتظار الماشيَّح في صبر وأناة حتى يأذن الإله. ومن هنا أيضاً، وقفت المؤسسة الحاخامية التلمودية ضد النزعات المشيحانية الصهيونية التي كانت أساساً نزعات شعبية تعبِّر عن بؤس فقراء اليهود، وعدم إدراكهم للعلاقات الدولية أو لطبيعة البؤس الواقع عليهم. وقد ظلت هذه المؤسسة واقفة بقوة ضد كل المشحاء الدجالين تستعدي عليهم السلطات وتجند فقهاءها لإثبات كذبهم كما فعل الحاخام نحميا مع شبتاي تسفي. كما كانت تُكفِّر كل من كان يفكر

стр. 5393

في العودة وتُوجِّه إليه تهمة أنه ارتكب جريمة التعجيل بالنهاية (دحيكات هاكتس) . ويُلاحَظ أن ظهور الصهيونية الحديثة مرتبط بتآكل المؤسسة الحاخامية التلمودية وبانهيار نفوذ التلمود تماماً. وحينما نشر هرتزل كتيب دولة اليهود، عارضه كبار الحاخامات جميعاً، وبالذات الأرثوذكس (التلموديون) . ولذا، فإن التلمود، على مستوى من المستويات، كان مسئولاً إلى حدٍّ ما عن تخفيف حدة النزعة المشيحانية في اليهودية، وبالتالي نجح في صد الصهيونية. وقد تقصَّى الدكتور أسعد رزوق موقف التلمود من العرب، فوجد أنه (في بعض نواحيه) تعبير عن الانعزالية المتعالية نفسها. وقد جاء في سفر سوكاه (٥٢ ب) أن الإله ندم على خلقه أربعة أشياء: المنفى، والكلدانيين، والإسماعيليين (أي العرب) ، ونزعة الشر. وينسب التلمود إلى العرب أعمال السحر، فقد جاء في سفر سنهدرين (٦٧ب) أن عربياً امتشق السيف وقطع به الناقة، ثم قرع جرساً فنهضت دون وجود آثار عليها. والعرب، حسبما جاء في التلمود، خبراء في الطب، وخصوصاً الطب الشعبي. ويرد في التلمود العديد من القصص الطريفة والأعاجيب عن العرب. وهناك قصص ليست في صالح راويها الحاخامي إذ أن بعضها يدل على خبرة العرب وبراعتهم واحترامهم موتى اليهود أكثر من احترام الحاخام إياهم. وأخيراً، فقد جاء في سفر السبت (١١ أ) القول التالي: "لا بأس من الخضوع لحكم واحد من أبناء إسماعيل بدلاً من حكم الغريب [أي الأدومي] ". وبحسب ما جاء في حاشية الشارح، فإن المقصود بذلك هو تفضيل الحكم العربي على البيزنطي، وهو ما يشكل أساساً تلمودياً للمصالحة مع العرب بل قبولهم حكاماً!

стр. 5394

هذه بعض الأفكار والموضوعات الأساسية في التلمود. ويجب أن نقرر مع جيمس باركس، وهو مؤرخ غير يهودي متعاطف مع اليهودية، قوله: «إنه لم يكن من الصعب أن يقتبس أي دارس للتلمود، وبيسر شديد، كثيراً من الآراء والمشاعر التافهة والمضحكة بل الكريهة، وبوسعه أن يفعل ذلك دون أن يخطئ في الاستشهاد أو يزيف السياق، إذ أن مثل هذه النصوص توجد في الأدب الحاخامي [الجيولوجي] الضخم وغير المترابط» . ونحن إذا وافقناه على رأيه هذا، فلن نحيد عن طريق الصواب، فهذا أيضاً هو رأي الحاخام جيكوب آجوس أحد أهم مؤرخي اليهودية. وهذا هو أيضاً رأي المؤلف اليهودي الصهيوني برنارد لازار، الذي وصف التلمود بأنه "كتاب ضد المجتمع". وقد لعب دوراً حاسماً في تحويل اليهود إلى شعب واحد، فهو الذي صنع النفس اليهودية وصاغ خصائصها، وهو "خالق الجنس أو صانع العنصر اليهودي"، و"هو الذي علَّم اليهود الاستعلاء والتفوق المليء بعصبية ضيقة وضارية". ولعل مثل هذه الآراء، التي تفسر سلوك اليهود في إطار بعض ما جاء في التلمود، هي المسئولة عن موقف المعادين لليهود الذين يجعلون كل يهودي في كل زمان ومكان مسئولاً عما ورد فيه من آراء متعصبة. ومثل هذا الرأي ينم عن عدم إدراك لطبيعة التلمود أو طبيعة علاقة اليهودية به. فالتلمود ليس كلاًّ متجانساً، كما أن اليهود ليسوا على معرفة بما جاء فيه ككل، وهو لا يحدِّد سلوك اليهود كافة في كل زمان ومكان. والواقع أن من يحوِّل التلمود إلى نموذج تفسيري لسلوك اليهود أو أعضاء الجماعات اليهودية (كما يفعل كثير من الدارسين) ، يكون قد حكم على نفسه بالانفصال عن الواقع والفشل الذريع في التنبؤ. سمات التلمود الأساسية Essential Characteristics of the Talmud

стр. 5395

حينما يتم تناول أي نص أياً كانت قداسته، لابد أن يؤخذ في الاعتبار سياقه التاريخي، فلا يمكن فهم ما جاء في العهدين القديم والجديد إلا بفهم الوضع في فلسطين منذ التسلل العبراني في كنعان حتى ظهور المسيح، ولا يمكن فهم ما يقوله المسيح (رغم أهميته الدينية والأخلاقية المطلقة) إلا بإدراك الأبعاد التاريخية في أقواله. فالمطلق رغم مطلقيته، لابد أن يتبدَّى من خلال النسبي (في لحظات) إذ أن الإنسان الذي يعيش في التاريخ لا يمكنه أن يدرك المطلق إلا من خلال النسبي. ورؤية المطلق في علاقته بالنسبي، والإلهي في علاقته بالتاريخي، لا تعني بالضرورة أن يُردَّ الأول برمته إلى الثاني، وإنما تعني أن الثاني هو المجال الذي يتبدى من خلال الأول. وإذا كان هذا ينطبق على الكتب الدينية (المقدَّسة) ، فهو لا شك ينطبق بشكل أكبر على كتب الشروح والتفسير، مهما خلعت على نفسها من قداسة وإطلاق. والتلمود هو، في نهاية الأمر، كتاب تفسير وضعته القيادة الدينية لأقليات متناثرة كانت تعيش في قلق وخوف وإحساس بالخطر المحدق بها (الحقيقي والوهمي) في عصور لم يكن يُعترَف فيها بحقوق أعضاء المجتمع، ناهيك عن حقوق أعضاء الأقليات، تلك الأقليات التي كانت تلعب دور الجماعة الوظيفية المرتبطة بالطبقة الحاكمة، ولكنها كانت غير محبوبة منها، كما كانت قريبة من الطبقات الشعبية ولكنها مكروهة منها. لقد كانت هذه الجماعة تعيش، إذن، في عزلة عن الجميع (وكان التلمود من أهم وسائل هذا العزل) . وقد نتج عن هذا الوضع إحساس زائد بالذات، ولذا فَقَد أعضاء الجماعات اليهودية وقياداتهم قدراً كبيراً من علاقتهم بالواقع وانفصل فكرهم عنه، وأصبح التلمود مجالاً للتعويض عما يلاقونه من اضطهاد، فتحوَّل التلمود إلى صياغات لفظية يمارسون من خلالها الانتقام من أعدائهم، عن طريق الحط من شأنهم وإظهار التفوق اليهودي، وخصوصاً في آخر الأيام بعد عودة الماشيَّح حيث يبطشون ويبطش ربهم بكل

стр. 5396

أعدائهم. وقد كان شراح التلمود ينغمسون في هذه التهويمات اللفظية في الوقت الذي كانوا يعانون فيه صنوف العذاب ويُعامَلون معاملة الحيوان في بعض الأحيان. ومما له دلالته العميقة أن التلمود البابلي أكثر تسامحاً تجاه الأغيار من التلمود الفلسطيني، نظراً لأن وضع أعضاء الجماعة اليهودية في بابل كان أفضل من وضع أعضاء الجماعة في فلسطين، الأمر الذي صعَّد حدة العملية الانتقامية التعويضية في فلسطين وخفف من حدتها في بابل. والتلمود كان يُكتَب بلغة أو لغات ميتة لا تفهمها الشعوب التي كان اليهود يعيشون بين ظهرانيها، كما أن عدم وجود الطباعة ووسائل النشر ذات الإمكانيات العالية كان يجعل الحصول على نسخة من التلمود مسألة صعبة، فتحوَّل التلمود إلى جيتو لفظي يمارس فيه اليهودي حريته الوهمية كاملة!

стр. 5397

وقد بدأت عملية التفسير والتعليق على العهد القديم حين كان اليهود يعيشون في وسط حلولي وثني مشرك، الأمر الذي جعل نبرة الفتاوى والشروح الحاخامية الأولى بشأن الأغيار حادة رافضة، وهي حدة تعود إلى العهد القديم نفسه حين وجد اليهود أنفسهم مكروهين يعيشون بين شعوب وثنية (كنعانيين ثم بابليين وفرس وهيلينيين ورومان) وتحت هيمنتها أحياناً، ويشكل التعامل معهم خطراً على الدين التوحيدي الجديد. ومن هنا جاءت النظرة المتطرفة إلى الأغيار، والتي تُسوِّغ الاستيلاء على أملاك الوثنيين وتستنكر تقديم أيِّ نوع من المساعدة إلى عبدة الأصنام. ورغم أن المجتمعات التي كان يعيش فيها أعضاء الجماعات قد تغيَّرت بعد أن تبنت ديانات سماوية توحيدية، فإننا نجد أن اليهودية وقد تحولت إلى عقيدة أقلية، مهددة، تود الحفاظ على هويتها، وتبنت رؤية حلولية متعالية للذات مقابل الآخر. وحدث الخلط بين عبدة الأوثان والمسيحيين، كما يظهر في إشكالية العكوم، فقد وُجِّه إلى التلمود اتهام بأن كلمة «عكوم» الواردة فيه ليست في حقيقتها اختصاراً للعبارة العبرية «عوفيد كوخانيم أومزالوت» ، أي «عابد الكواكب وأبراج النجوم» ، وإنما اختصار لعبارة «عبودت كريستوس وميريام» ، أي «عبدة المسيح ومريم» ، أي «المسيحيين» . والمسألة موضع نقاش ونظر ولكنها تبين طبيعة الخلط.

стр. 5398

ويتكون التلمود من نص، وشرح، وتعليق، وتعليق على التعليق، وإضافات شتى. وقد استمرت عملية وضعه مئات الأعوام في أزمنة وأمكنة مختلفة، ربما ابتداءً من التهجير إلى بابل حتى تم الانتهاء من تدوينه وإضافة التعليقات في القرن الثاني الميلادي. واستمرت التعليقات حتى نهاية القرن التاسع عشر، أي أن كتابته استمرت عبر التاريخ واشترك فيها ما يزيد على ألف حاخام. فهو يتكون، إذن، من تراكم مستويات على مستويات أخرى دون أن تتفاعل معها بالضرورة مثل تراكم الطبقات الجيولوجية. ولذا، يمكننا أن نقول إن التلمود ليس الثمرة النهائية للتفكير بقدر ما هو عملية التفكير نفسها، ولكنه على أية حال ليس تفكيراً يتسم بحد أدنى من الوحدة، بل ينبع من حركيات اجتماعية وثقافية واقتصادية مختلفة ويتأثر بها. واستمرت عملية التراكم هذه دون حذف الأفكار الانعزالية الكريهة التي عبر عنها بعض الحاخامات بغير رقابة ذاتية أو خارجية عليها. وقد عمَّق هذا الاتجاه تلك القداسة التي خلعها التلمود على نفسه. وقد أدَّى هذا إلى أن عملية التحرير، والتغيير والتعديل، أصبحت أمراً مستحيلاً لا يمكن حتى التفكير فيه، فالنص المقدَّس لا يصح تعديله أو الخوض فيه أو تبديله. ومع هذا، فقد جرت محاولة لإعادة صياغة التلمود تهدف إلى تضييق المجال الدلالي لبعض الكلمات، بحيث تحل الكلمة المحددة محل الكلمة العامة حتى لا ينطبق ما جاء فيه من آراء وأحكام على كل الناس في كل زمان ومكان، وبحيث يضيق المجال الدلالي لكلمة مثل «الأغيار» وتحل محلها كلمة «الكنعانيين» ، أو «البابليين» .

стр. 5399

ولكل ما تقدَّم، لا يتسم التلمود بالاتساق الداخلي، إذ يحوي داخله العديد من الأفكار والأطر الفلسفية المتناقضة. فثمة تعارض بين العقل والطبقة التوحيدية من جهة والنزعة الحلولية من جهة أخرى، وهناك الاهتمام المفرط بالطقوس مقابل الاهتمام بالتجربة الدينية الداخلية. وهناك من النصوص ما يؤيد هذا الموقف أو ذاك. وقد أشرنا أثناء عرضنا بعض أفكار التلمود الأساسية إلى أفكار مثل الشعب المختار وضرورة العودة إلى أرض الميعاد، بل إلى أفكار أكثر تطرفاً تحمل الضغينة والكراهية نحو الآخرين. وقد أشرنا إلى أن التلمود يضم أيضاً أفكاراً متناقضة جداً تتصل بهذه الأفكار المحورية نفسها. ويقتصر المعادون لليهود عادةً على اقتباس الأفكار السلبية الحلولية الانعزالية والمتعالية وحدها متجاهلين الأفكار الإنسانية. وحتى نبين مدى عمق ذلك التناقض، يمكننا أن نقتبس من التلمود بعض النصوص ذات البعد الإنساني العميق التي تتجاوز الانعزالية والحلولية. وسيُلاحَظ على سبيل المثال أن الاختيار يكتسب أبعاداً دينية عالمية، إذ أن الإله سينزل العقاب باليهود: "إن لم يتحدثوا عن قداسته للعالمين". فقد نُفيت جماعة يسرائيل وشُتِّتَتْ بهدف واحد هو "الدعوة لليهودية وكسب المتهودين" (بساحيم ٨٧ب) . وهذه النزعة التبشيرية، التي تحدد اليهودية باعتبارها عقيدة لا باعتبارها ميراثاً عرْقياً وإثنياً، تفترض تساوي البشر وتتجاوز الحلولية التي ترى أن الإله محصور بين اليهود مقصور عليهم، وقد تبنت اليهودية الإصلاحية هذا الموقف من عملية التهويد. وتصل الإنسانية قمتها في ذلك النص الذي جاء فيه أن الروح القدس تستقر على الجميع، اليهودي وغير اليهودي، الرجل أو المرأة، العبد والجواري، كل امرئ "حسب أفعاله". كما جاء في جطين (٦١٦) أن أحد الحاخامات أوصى بإطعام فقراء الأغيار مع فقراء اليهود، "وبزيارة مرضاهم مثلما نزور مرضانا، وأن يُدفَن موتاهم مع موتانا حتى ندعم سبل السلام".

стр. 5400

ومن الأمور الأخرى التي تُعاب على التلمود، باعتباره أحد الكتب الدينية، أنه يتناول من الموضوعات ما قد يرى البعض، استناداً إلى تجربتهم الدينية، أنها لا علاقة له بالدين مثل الطب وطريقة شراء العبيد. ولكن ما هو مقدَّس لا يوجد بمعزل عما هو دنيوي. كما أن كل نموذج ديني يُعرِّف ما هو ديني ومقدَّس وما هو دنيوي بطريقته الخاصة. وقد اتسع نطاق القداسة في اليهودية بسبب الطبقة الحلولية داخلها ليضم كثيراً من مناحي الحياة. فالأوامر والنواهي (متسفوت) والبالغ عددها ٦١٣ تغطي تقريباً كل كبيرة وصغيرة في حياة اليهودي. كما أن التلمود ليس كتاباً دينياً وحسب، وإنما هو أيضاً كتاب فلكلور الجماعات اليهودية. والواقع أن تناقضاته الداخلية لا تنصرف إلى موضوعاته ومنطلقاته الدينية والفلسفية وحسب وإنما تنصرف أيضاً إلى نوعه أو جنسه الأدبي، فهو كتاب فقه وقصص وحكم وأمثال. وعلى قارئ التلمود ودارسه أن يفرق بين ما هو ديني وما هو شعبي.

стр. 5401

وفي نهاية الأمر، لابد أن نشير إلى أن كثيراً من الأقوال والأحكام التي وردت في التلمود لا علاقة لها بأي واقع محدد، وإنما هي أحكام خاصة بالهيكل بعد تشييده، أو بدلائل آخر الأيام، وما سيحدث فيها فيما بعدها، الأمر الذي يجعل علاقتها واهية بالسلوك السياسي للأفراد والجماعات. كما أن قضية التفسير أساسية حينما نتناول أي نص ديني. ورغم أن التلمود هو نفسه تفسير، فإنه يخضع دائماً لعملية تفسير من قبل الحاخامات (وتنطوي عملية التفسير على انتقاء واختيار واستبعاد) . ولما كان التلمود كتاباً ضخماً متناقضاً، فهو بالضرورة «حمَّال أوجه» ، ويمكن أن يُفسَّر بألف طريقة. وفي كثير من المختارات التي تَصدُر في العصر الحديث، يُلاحَظ أن محرريها يستبعدون العبارات الجارحة والأفكار الكريهة والمواقف العنصرية ويفسرون ما قد يرد منها تفسيراً يضفي عليها معاني إنسانية. وقد تهدف عملية الانتقاء والتفسير هذه إلى إخفاء الجوانب السلبية للتلمود، حتى لا تسبب حرجاً لليهود، ولكن الإحساس بالحرج نفسه يدل على الرغبة في الابتعاد عن المضمون الحلولي العنصري المتعالي. التلمود وأعضاء الجماعات اليهودية The Talmud and the Jewish Communities

стр. 5402

يفترض المعادون لليهود الذين يهاجمون أعضاء الجماعات اليهودية بسبب ما جاء في التلمود، أن كل يهودي قد درس التلمود بعناية فائقة، وأنه يُخْضع كل حركاته وسكناته لما ورد فيه من تعاليم سلبية. لكن هذا تصوُّر ساذج وتبسيط آلي، فما يحدد سلوك فرد ما، يهودي أو غير يهودي، ليس كتبه الدينية ومُثُله العليا وحسب وإنما مركب هائل من الأسباب التاريخية (الاقتصادية والاجتماعية) التي تختلف باختلاف الزمان والمكان. ولا يمكن فهم سلوك العرب المحدثين في ضوء ما جاء في تراثهم الديني، أو في ضوء ميثاق جامعة الدول العربية، رغم أهمية كل ذلك في تحديد هذا السلوك. والواقع أن دراسة التلمود مسألة شاقة للغاية تتطلب معرفة بالقراءة والكتابة باللغتين العبرية والآرامية، وهما لغتان ساميتان يصعب على الإنسان غير المتخصص دراستهما في الوقت الحاضر. ولذا، لم يكن يقرأ التلمود سوى أعضاء النخبة المتعلمة التي كانت في المراكز الدينية. أما جماهير اليهود، فكانت لا تعرف ما جاء فيه لأنها لم تكن تملك المقومات الثقافية لذلك. بل إن صغار الحاخامات أنفسهم الذين وجدوا في القرى المتناثرة، أو أولئك البعيدين عن المدارس التلمودية العليا، لم يكونوا يعرفون ما جاء فيه.

стр. 5403

وقد تكون علاقة أعضاء أكبر جماعة يهودية في العالم (أي يهود بولندا) في بدايات العصر الحديث بالتلمود مثلاً جيداً على طبيعة العلاقة بين اليهود وهذا المجلد الضخم (التلمود) . فقد انتشر اليهود، في القرن السادس عشر، في الشتتلات التي شيدها النبلاء البولنديون (شلاختا) في أوكرانيا وغيرها، فعاشوا بجوار الفلاحين الأوكرانيين المسيحيين السلاف بعيداً عن مراكز الدراسات التلمودية، واكتسبوا عبر السنوات سمات الفلاحين الذين كانوا يعيشون بينهم ومنها فلكلورهم الشعبي وبعض معتقداتهم الدينية (والواقع أن التمييز بين معتقدات دين ومعتقدات دين آخر مسألة صعبة بعض الشيء على المستوى الشعبي، كما أن الديانات الشعبية تركيبات جيولوجية تتسم في معظمها بالحلولية) . ولقد أدَّى هذا الوضع إلى انتشار الحركات المشيحانية والصوفية بين اليهود ابتداءً من القرن السابع عشر، وهي حركات شعبية يهودية كانت موجهة ضد المؤسسة الحاخامية التلمودية الأرستقراطية، وكانت تجد تربة خصبة في الأطراف (وخصوصاً في مقاطعة بودوليا) بعيداً عن سلطة المؤسسة. وفي التربة نفسها، ظهرت الحركة الفرانكية والحركة الحسيدية، وكلتاهما حركتان شعبيتان ترفضان سلطة التلمود. وقد كان الفرانكيون يطلقون على أنفسهم اسم «الزوهاريين» نسبة إلى كتاب الزوهار القبَّالي. وقد انضم إلى هذه الحركات أساساً صغار التجار والحرفيين وصغار الحاخامات الذين لم تكن لهم علاقة كبيرة بالمؤسسة التلمودية الأرستقراطية.

стр. 5404

ومع تحديث أغلبية اليهود وعلمنتهم التدريجية داخل الحضارة الغربية، ومع انتقاد اليهودية الإصلاحية للتلمود ورفضها له، ضعفت العلاقة بين اليهود والتلمود حتى اختفت تماماً بالنسبة إلى الأغلبية العظمى. فالأمريكيون اليهود (اليهود الجدد) والإسرائيليون لا يعرفون ما جاء في التلمود، ويُصدَم كثير منهم حينما تُذكَر أمامهم بعض أقواله. ويبدو أن أهم مفكرين دينيين يهوديين في العصر الحديث، مارتن بوبر وفرانز روزنزفايج، لم يدرسا التلمود، وربما لم يقرآه كاملاً. وقد حصل بوبر على أول نسخة منه في عيد ميلاده الستين! وفي استطلاع للرأي أُجري في إسرائيل صرح ٨٤% ممن شملهم الاستطلاع أنهم لم يقرأوا التلمود قط. لكل ما تقدَّم، يجب ألا تُجرَّد النصوص التلمودية من سياقها، وألا يُجرَّد التلمود نفسه من سياقه التاريخي، بل يجب أن يُنظَر إليه في كليته لا ككتاب ديني وحسب وإنما أيضاً ككتاب أدب شعبي لا يتسم بكثير من التناسق أو التجانس، كما يجب أن يُقرأ باعتباره كتاباً يحوي الفكرة ونقيضها، وباعتباره كتاباً لا يحدد وحده سلوك الفرد اليهودي الذي عادةً ما يجهل ما جاء فيه. والواقع أن استخدام التلمود كنموذج تحليلي ينم عن الكسل الفكري، فهو رفض للتعمق في كلية الظاهرة اليهودية وتركيبيتها وتنوعها بحيث يصبح كل أعضاء الجماعات اليهودية في كل زمان ومكان مجرد يهود، ويصبح المحدد الأساسي لسلوكهم هو التلمود (وهذا ضرب من ضروب الحلولية المعرفية إذ يتم اختزال الواقع بأسره إلى مستوى واحد ويتم القضاء على التعددية وعلى كل الثنائيات) . وينجم عن هذا، بطبيعة الحال، فشل كامل في رصد سلوك أعضاء الجماعات اليهودية أو التنبؤ به. كتب التفسير (مدراش) Midrash «مدراش» من الكلمة العبرية «درش» ، أي «استطلع» أو «بحث» أو «درس» أو «فحص» أو «محص» . والكلمة تُستخدَم للإشارة إلى ما يلي:

стр. 5405

١ ـ منهج في تفسير العهد القديم يحاول التعمق في بعض آياته وكلماته، والتوسع في تخريج النصوص والألفاظ، والتوسع في الإضافات والتعليقات، وصولاً إلى المعاني الخفية التي قد تصل إلى سبعين أحياناً. وهناك قواعد مدراشية للوصول إلى هذه المعاني. ومثل هذه المعاني الخفية، تُذكَر دائماً مقابل الـ «بيشات» أي «التفسير الحرفي» . ٢ ـ ثمرة هذا المنهج من الدراسات والشروح، فالتلمود مثلاً يتضمن دراسات مدراشية عديدة، بمعنى أنها اتبعت المنهج المدراشي. ولكن هناك كتباً لا تتضمن سوى الأحكام والدراسات والتفسيرات المدراشية المختلفة ويُطلَق عليها أيضاً اسم «مدراش» . ويُفترَض أن مثل هذه الكتب المدراشية تعود إلى تواريخ قديمة شأنها في هذا شأن كل فروع الشريعة الشفوية. ويبدو أن العلماء المعروفين باسم الكتبة (سوفريم) ، بدأوا بعد العودة من بابل بزعامة عزرا، في دراسة التفسيرات التقليدية للشريعة المكتوبة، وأخذوا يطبقونها على الاحتياجات اليومية للجماعة اليهودية، واستمروا في ذلك حتى بداية ظهور معلمي المشناه (تنائيم) . وقد ازدهر الأدب المدراشي في عصر معلمي المشناه (تنائيم) ، لكن البدء في تدوين كتب المدراش لم يحدث إلا بعد عدة قرون من إلقاء المواعظ. وهناك نحو أربع وعشرين مجموعة مدراشية يمكن تقسيمها إلى عدة أقسام حسب المرحلة التاريخية: ١ ـ الكتب المدراشية المبكرة (وتم جمعها في الفترة ٤٠٠ ـ ٦٠٠) . ٢ ـ كتب المرحلة الوسطى (٦٤٠ ـ ١٠٠٠) . ٣ ـ كتب المرحلة المتأخرة (١٠٠٠ ـ ١٢٠٠) . وهناك مختارات مدراشية من القرن الثالث عشر، إلى جانب مواعظ مدراشية يمكن أن ترد في مجموعات مدراشية مختلفة أو في الجماراه. وتنقسم كتب المدراش إلى نوعين: ١- المدراش التشريعي الهالاخي (مشنوي) ، وهي كتب المدراش التي تتضمن، أساساً، المبادئ الهادية إلى أحكام الشرع الديني (هالاخاه) - وهي تعليق على النصوص الشرعية، ومن أهمها:

стр. 5406

أ) المخيلتا، وهذه كلمة آرامية تعني «المعيار» أو «المكيال» أو «الوعاء» ، وتتضمن تسعة أبواب تُعالَج فيها أحكام شرعية موجودة في نص الكتاب المقدَّس (سفر الخروج) وتبدأ بالإصحاح رقم ١٢، وترجع المخيلتا إلى القرن الرابع أو القرن الخامس الميلادي. ب) مخيلتا الحاخام شمعون بن يوحاي، وهي أيضاً تدور حول ما جاء في سفر الخروج من أحكام. جـ) السفرا، أي «الكتابة» أو «الكتاب» ، ويُسمَّى أيضاً «توراة الكهنة» ، وهو تعليق على سفر اللاويين. د) السفري (جمع سفرا) ، وهو تعليق على سفر العدد، ابتداءً من إصحاحه الخامس، وعلى سفر التثنية بكامله. هـ) سفر زوتا، وهو عن سفر العدد وحده. ويختلف المخيلتا والسفري، عن بقية الكتب المدراشية، في المصطلح والمنهج. ويجب هنا أن نذكر ما يُسمَّى «مدراش معلمي المشناه (تنائيم) » ، وهو تعليق على سفر التثنية ويتألف من فقرات مدراشية متفرقة وُجدت ضمن مختارات عُثر عليها في اليمن وتُسمَّى «مدراش هاجَّادول» أي «المدراش الأكبر» . ـ المدراش الأجادي، وهي التي كتبها الشراح (أمورائيم) وتتكون من المواعظ التي ألقوها في المعابد، واتبعوا فيها الأسلوب الأجادي أو الشرح القصصي على سبيل الوعظ. ومن أهم كتب المدراش الأجادية «مدراش رابا» (المدراش الكبير) الذي يتضمن أسفار موسى الخمسة، وتُدعى «بريشت (تكوين) راباه» و «شيموت (خروج) راباه» وهكذا في نشيد الأنشاد وراعوث وإستير وغيرها. وهناك مصنفات مدراشية أجادية أخرى مثل مدراش تنحوما ومدراش جالوت.

стр. 5407

ويتكون التلمود أساساً، وخصوصاً المشناه، من أحكام مدراشية، ولكنه يتميَّز عن هذه الكتب المدراشية بأنه عبارة عن مناقشات وشروح تدور حول نصوص الأحكام الشرعية الناتجة من التفسير المدراشي بحيث لا يستند الشرح والتفسير إلى نصوص العهد القديم استناداً تاماً. فالمشناه تقدم الشريعة مجردة دون الأصل التوراتي، على عكس المدراش الذي يفسِّر نصاً أو نصوصاً توراتية. والاستخدام الشائع الآن لكلمة «مدراش» هو المدراش بالمعنى الأجادي أو القصصي الوعظي. ويُقال إن يهود المدينة في عصر البعثة المحمدية كانوا لا يعرفون التلمود وكانوا يتداولون فيما بينهم بعض كتب المدراش. المشناه Mishnah «مشناه» كلمة عبرية مشتقة من الفعل العبري «شنَّاه» ومعناه «يُثنِّي» أو «يكرر» . ولكن، تحت تأثير الفعل الآرامي «تانا» ، صار معناها «يدرس» . ثم أصبحت الكلمة تشير بشكلٍّ محدد إلى دراسة الشريعة الشفوية، وخصوصاً حفظها وتكرارها وتلخيصها. والمشناه مجموعة موسوعية من الشروح والتفاسير تتناول أسفار العهد القديم، وتتضمن مجموعة من الشرائع اليهودية التي وضعها معلمو المشناه (تنائيم) على مدى ستة أجيال (١٠ـ ٢٢٠) .

стр. 5408

وتُعَدُّ المشناه مصدراً من المصادر الأساسية للشريعة، وتأتي في المقام الثاني بعد العهد القديم الذي يُطلَق عليه لفظ «مقرا» (من «قرأ» ) باعتبار أن العهد القديم هو الشريعة المكتوبة التي تُقرأ. أما المشناه، فهي الشريعة الشفوية، أو التثنية الشفوية، التي تتناقلها الألسن، فهي إذن تكرار شفوي لشريعة موسى مع توضيح وتفسير ما التبس منها، ولابد من دراسته (وتسمية العهد القديم بالمقرا حدثت في العهد الإسلامي، وهي صدى للتفرقة بين القرآن والسنة، فظهرت التفرقة بين المقرا والمشناه) . ولهذا، فإن المشناه تُسمَّى «الشريعة الثانية» . وتتضارب الآراء المتصلة بمدلول كلمة «مشناه» ، فيذهب البعض إلى أنها تشير إلى الشريعة الشفوية بكاملها (مدراش وهالاخاه وأجاداه) . ولكن الرأي الآن مستقر على أن المشناه تعني الهالاخاه فقط، حتى أن كلمتي «مشناه» و «هالاخاه» أصبحتا مترادفتين تقريباً. ومع هذا، فإن هناك فقرات أجادية في نهاية كل قسم من أقسام المشناه. وعلى أية حال، فإن فقرة واحدة تتضمن سنة واحدة في الفقهيات التشريعية يُسمَّى «مشناه» وجمعها «مشنايوت» . أما كتاب المشناه ككل فيشار إليه أحياناً بأنه «هالاخاه» وجمعها «هالاخوت» .

стр. 5409

وقد دوِّنت المشناه نتيجة تراكم فتاوى الحاخامات اليهود (معلمي المشناه) وتفسيراتهم وتضاعفها كمياً بحيث أصبح من المستحيل استظهارها، فبدأ تصنيفها على يد الحاخام هليل (القرن الأول الميلادي) ، وبعده الحاخام عقيبا ثم مائير. أما الذي قيدها في وضعها الحالي كتابةً، فهو الحاخام يهودا الناسي (عام ١٨٩م) الذي دونها بعد أن زاد عليها إضافات من عنده (ولكن هناك من يقول إنه لم يدونها رغم اقترانها باسمه، وقد ظلت الأجيال تتناقلها حتى القرن الثامن الميلادي) . ويتكون كل من التلمود الفلسطيني والتلمود البابلي من المشناه والجماراه. ووجه الاختلاف بينهما في الجماراه، أما المشناه فهي مشتركة بين التلمودين. والواقع أن لغة المشناه هي تلك اللغة العبرية التي أصبحت تحتوي على كلمات يونانية ولاتينية وعلى صيغ لغوية يظهر فيها تأثر عميق بقواعد الآرامية ومفرداتها، وتُسمَّى عبرية المشناه. ويصل حجم المشناه في الترجمة الإنجليزية إلى ٧٨٩ صفحة. ولذا، ورغم أنها تعليق على العهد القديم، فإنها أكبر منه حجماً. ويجب التمييز بين المشناه والمدراش، فالمدراش (حتى التشريعي الهالاخي) تعليق على النصوص التوراتية نفسها، أما المشناه فتهدف إلى تقديم المضمون القانوني للشريعة الشفوية بشكل مجرد ودون العودة إلى النصوص التوراتية. وتنقسم المشناه إلى ستة أقسام) سداريم) : ١ ـ سدِّر زراعيم، أي البذر أو الإنتاج الزراعي: ويُعنى بالقوانين الدينية الخاصة بالزراعة والحاصلات الزراعية وبنصيب الحاخام من الثمار والمحصول. ٢ ـ سدِّر موعيد، أي العيد: ويُعنى بالأعياد (والسبت) ، والأحكام الخاصة بها. ٣ ـ سدِّر ناشيم، أي النساء: وفيه النظم والأحكام الخاصة بالزواج والطلاق.

стр. 5410

٤ ـ سدِّر نزيقين، أي الأضرار: ويتناول الأحكام المتعلقة بالأشياء المفقودة والبيع والمبادلة والربا والغش والاحتيال، كما يُعنى بالحديث عن عصر المسيح ومحاكمته وصلبه. وهذا الكتاب موضع اهتمام الذين حاولوا إرجاع ما يُسمَّى «الأخلاق اليهودية» إلى تعاليم التلمود. ٥ ـ كتاب قُدَاشيم، أي المقدَّسات: ويحوي الشرائع الخاصة بالذبح الشرعي، والطقس القرباني وخدمة الهيكل. ويُقال إن واضعي المشناه قد أدركوا أنه (بعد القضاء على ثورة بركوخبا) لم يَعُد هناك احتمال في المستقبل القريب لإعادة بناء الهيكل، ولذا فقد وضعوا القوانين الخاصة بالهيكل على مستوى آخر حيث أصبحت دراسة قوانين الهيكل بديلاً دينياً للطقوس المقدَّسة التي يقوم بها الكهنة في المعبد. ٦ ـ كتاب طهاروت أو الطهارة: ويعالج أحكام الطهارة والنجاسة. وهذه الكتب الستة أو السداريم (جمع سدر) ، أصبحت تُسمَّى «شيشا سداريم» ، وهي تنقسم بدورها إلى أحكام فرعية أو مباحث تُسمَّى «ماسيختوت» ، ومفردها «مسيخت» ، وهي من جذر آرامي بمعنى «نسج» ، أو «حاك» ، ويُقال لها أيضاً «الأسفار» أو «المقالات» . ويتناول كل كتاب موضوعاً بعينه في عدة فصول أو براقيم أو مفاصل. ويتألف كل فصل بدوره من فقرات عديدة تُعرف باسم «هالاخوت» (جمع هالاخاه) وهي الأحكام الشرعية.

стр. 5411

ويرى واضعو المشناه أنها جزء لا يتجزأ من الوحي الذي تلقاه موسى، فهي التوراة (أو الشريعة الشفوية) لا بمعنى أن بعض أجزائها تلقاه موسى شفاهة في سيناء ثم تم تناقلها شفاهة عبر الأجيال من حاخام إلى آخر، وإنما بمعنى أن تقاليد التوراة الشفوية لا تزال مستمرة حتى وقتنا هذا. بل يرى بعض العلماء اليهود أن المشناه هي المقابل اليهودي للعهد الجديد، فكلاهما إكمال للعهد القديم وشريعة موسى. والمشناه هي، في الواقع، الرد اليهودي على العهد الجديد. بل إن بعض العلماء اليهود يرون أن المشناه، شأنها شأن المسيح، هي تجسيد للعقل الإلهي، أي أنها اللوجوس (الكلمة) . وإذا كان المسيح هو اللوجوس، وقد أصبح بشراً، فإن هذا التجسيد يأخذ في المشناه شكل لغة قانونية متزنة تشكل وتنظم مسار الواقع. وقد ظلت المشناه أهم كتب اليهود المقدَّسة والمصدر الحقيقي للتشريع والأحكام والفتاوى، رغم كل الأبهة الشعائرية التي تحيط بالعهد القديم. ومع هذا، فإن المشناه بدأت تفقد منذ القرن السادس عشر، مثلها مثل باقي أقسام الشريعة الشفوية ككل، شيئاً من أهميتها ومركزيتها، وذلك مع شيوع القبَّالاه وازدياد نفوذ القبَّاليين الذين أخذوا يهاجمون الحاخامات ويُصدرون الفتاوى استناداً إلى الزوهار وأقوال لوريا. وكان القبَّاليون يشيرون إلى المشناه بأنها «مقبرة موسى» ويشيرون إلى الحاخام بلفظ «الحمار المشناوي» (لأنه ينوء تحت طقوس المشناه ويكررها أحياناً دون فهم لمعناها) . الجماراه Gemara

стр. 5412

«جماراه» كلمة آرامية تعني «التتمة» أو «التكملة» أو «الدراسة» . وهي عبارة عن التعليقات والشروح والتفسيرات التي وضعها على المشناه الفقهاء اليهود الذين يسمَّون بالشراح (أمورائيم) في الفترة ٢٢٠ ـ ٥٠٠م. وهي تأخذ عادةً شكل أسئلة وأجوبة. وتُعَدُّ الجماراه جزءاً من الشريعة الشفوية. لكن تسميتها بالجماراه، أي «المكملة» ، هي من قبيل المجاز، فالشراح لم يكتفوا بالتفسير والتوضيح فحسب، بل قاموا بالتعديل حتى تطابق المشناه ظروف الزمان والمكان، أي أنهم فعلوا بالمشناه ما فعله رواة المشناه بالعهد القديم. وكما أن المشناه أطول من العهد القديم، فإن الجماراه أطول من المشناه. وهناك جماراتان إحداهما فلسطينية والأخرى بابلية. ويبلغ عدد كلمات الأولى نحو ثلث عدد كلمات الثانية. وفي القرن الرابع، نسقت مدارس فلسطين التلمودية شروحها في الصورة المعروفة بالجماراه الفلسطينية. أما الجماراه البابلية، وهي أطول من المشناه عشر مرات، فقد جُمعت في مائة عام كاملة، وظل الحاخامات المفسرون (صبورائيم) نحو مائة وخمسين سنة أخرى يراجعون هذه الشروح الضخمة ويصقلونها حتى أخذت صورتها التي لدينا. ووجه الاختلاف بين التلمود البابلي والتلمود الفلسطيني ماثلٌ في الجماراه وليس في المشناه، فالمشناه مشتركة بينهما. ولما كانت الجماراه البابلية أكمل وأشمل من الجماراه الفلسطينية، ويزيد حجمها على حجم الجماراه الفلسطينية، فإن التلمود البابلي هو التلمود المتداول الآن بين اليهود، وهو الكتاب القياسي عندهم. والواقع أن كلمة «التلمود» ، في الأوساط العلمية، تشير إلى الجماراه وحسب. ولغة الجماراتين هي الآرامية (الآرامية الشرقية في حالة التلمود البابلي والآرامية الغربية في حالة التلمود الفلسطيني) ، وقد كُتبتا بأسلوب إيضاحي بسيط. وإذا كان معظم المشناه تشريعياً قانونياً هالاخياً، فإن الجماراه تجمع بين القانون والمواعظ والقصص (أجاداه) . التشريع والشريعة

стр. 5413

Halakhah مصطلح «التشريع» هو المقابل العربي لكلمة «هالاخاه» العبرية. وهذا المصطلح يعني «القانون» أو «التشريع» . وكلمة «هالاخاه» من أصل آرامي، ومعناها الحرفي هو «الطريق القويم» ، وإن كان يُقال في التفسيرات الحديثة إن معنى الكلمة الأصلي هو «الضريبة» أو «القاعدة الثابتة» . وكلمة «هالاخاه» لها معنى ضيق، وقد ورد لأول مرة في كتابات معلمي المشناه (تنائيم) وكانت تعني في بداية الأمر «الحكم الشفهي الذي يصدره الفقهاء» ثم أصبحت تشير إلى «الفقرة الواحدة المُتضمَنة في سنة واحدة في الفقهيات الشرعية» . ثم أصبحت الكلمة تشير إلى الجانب التشريعي لليهودية ككل (وضمن ذلك الشريعة الشفوية) بحيث أصبحت تشمل في نطاقها العرف والعادة والقوانين المحلية والمراسيم الشرعية وهي في ذلك مثل كلمة «لو Law» في الإنجليزية أو «قانون» في العربية، فيمكن أن نشير مثلاً إلى «قانون العقوبات» ، وإلى «القانون الجنائي» كما يمكن أن نشير إلى «القانون» بشكل عام. وهكذا يُقال: "ما الهالاخاه المتصلة بهذا الموقف؟ "، أي "التشريع الخاص بهذا الموقف"، كما يمكن القول "لقد امتلك فلان ناصية الهالاخاه" أي "التشريع بشكل عام". والكلمة تكاد تكون مرادفة لكلمة «توراة» التي تعني أيضاً «الشريعة» و «القانون» بالمعنى العام. ولعل الفرق يكمن في أن كلمة «توراة» تظل ذات دلالة عامة فقط، بينما كلمة «هالاخاه» تكون أحياناً ذات معنى عام أو معنى خاص. وحتى لا نخلط، يمكن القول بأن «هالاخاه» تشير إلى الصياغة القانونية المحددة لتفاصيل الشريعة اليهودية، وذلك في مقابل: ١ ـ المدراش: الدارسة والوعظ الذي يعتمد دائماً على الاستشهاد بالتوراة، وعلى البحث عن المعاني الخفية. ٢ ـ الأجاداه: التي تعتمد على الوعظ عن طريق القصص.

стр. 5414

ويحتوي التلمود على أجزاء هالاخية تشريعية، أي قانونية مختلفة، وأخرى أجادية قصصية وعظية. ولكن المشناه تتميز بأنها تحتوي على تشريع أكثر مما تحوي القصص والمواعظ، في حين تتسم الجماراه بأن فيها من الأجاداه (أي من القصص والمواعظ) أكثر مما فيها من الهالاخاه (أي من التشريع) . وتُعَدُّ المصادر الأساسية للتشريعات: الشريعة المكتوبة (أي التوراة) والشريعة الشفوية والعرف الساري بين اليهود. ويرى بعض الحاخامات أن التشريع بكامله مُوحى به من الإله. بل إن بعضهم يدعي أنه، منذ هدم الهيكل، لم يَعُد هناك من شغل شاغل للإله إلا هذا التشريع. ويُلاحَظ أن كلمة «تشريع» أو «هالاخاه» يضيق نطاقها أحياناً لتشير إلى الشعائر بالدرجة الأولى، بحيث إن الحوار بشأن الهالاخاه أصبح حواراً بشأن الشعائر. وهنا يمكننا أن نقول إن نطاق كلمة «هالاخاه» بهذا المعنى هو تعبير عن الطبقة الحلولية داخل اليهودية. بل إن ترادف كلمة «هالاخاه» بمعنى «قانون» و «هالاخاه» بمعنى «شعيرة» هو نفسه تعبير عن النزعة الحلولية حيث تتلاحم كل الدلالات وحيث يقل التجريد والتسامي. ويتبدَّى النسق الحلولي لا في الإيمان بالله الواحد وإنما في ممارسة عدد هائل من الشعائر التي تعبِّر عن قداسة الممارس وعزلته عن الآخرين.

стр. 5415

ويُلاحَظ أن الفلاسفة الدينيين اليهود في العالم الإسلامي، مثل سعيد بن يوسف الفيومي وموسى بن ميمون، لم يطبقوا تفكيرهم الفلسفي على التشريع والشعائر مكتفين بالتعامل مع القضايا الفلسفية الكبرى المجردة. فموسى بن ميمون، في كتابه مشنيه توراة، وهو مُصنَّفه التشريعي الضخم، يكتب فصلاً فلسفياً تمهيدياً لا علاقة له بالتشريعات اليهودية التي ترد في الكتاب. بل إنه يشير إلى أن التشريعات اليهودية، مثل تحريم طبخ الجدي في لبن أمه وغير ذلك من الوصايا والنواهي والشعائر، هي بقايا عبادات وثنية اختفت منذ زمن قديم، وأنها طريقة إلهية لمخاطبة عقول البسطاء والبدائيين. وبالنسبة للفلاسفة، لا يوجد أي معنى للتشريعات، وإن وجد معنى ما، فهو معنى فلسفي مجرد يُقلل شأن التشريع نفسه. ولكن القبَّاليين نجحوا فيما فشل فيه الفلاسفة، إذ جعلوا التشريع جزءاً من عالمهم السحري، بحيث أصبح تنفيذه كالتميمة السحرية والوسيلة الأكيدة للتأثير في العالم العلوي ومعنى هذا أنهم وصلوا بالنسق الحلولي إلى نتيجته المنطقية. وفي إسرائيل، يواجه الناس كثيراً من المشاكل الناجمة عن محاولة تطبيق التشريعات بحذافيرها بعد تفسيرها حرفياً. وقد أنشئ معهد للتكنولوجيا والهالاخاه (التشريع) ، الهدف منه حل بعض المشاكل الناجمة عن محاولة إقامة الشعائر التي نص عليها الشرع، فتم تطوير نوع من أنواع النباتات العلفية التي لا تنتشر حتى لا تختلط مع النباتات الأخرى، الأمر الذي يُعَد تحايلاً على التحريم الخاص بعدم الخلط بين النباتات المختلفة. كما تم تطوير طريقة لزراعة الخضر في الماء حتى يمكن إراحة الأرض في السنة السبتية. كما تم التوصل كذلك إلى أدوات كهربائية ذات مفاتيح زمنية يتم ضبطها قبل يوم السبت، بحيث تنير من تلقاء نفسها يوم السبت.

стр. 5416

والتشريعات المختلفة هي محور الخلاف بين الفرق اليهودية في العصر الحديث. ويرى اليهود الأرثوذكس أنهم ملتزمون بتنفيذ كل ما جاء في التشريعات، وأن نمط حياتهم يتبع قواعدها. أما الإصلاحيون، فيرون أن التشريعات مرتبطة بزمان ومكان محددين، وأن قواعدها غير ملزمة لهم. ويرى اليهود المحافظون أنهم ينفذون روح التشريعات دون حرفيتها. وقد تخلَّى معظم يهود العالم عن تنفيذ التشريعات اليهودية من الناحية الفعلية والنظرية، أي أنهم لا يتبعونها من ناحية المبدأ. كما أن هناك أعداداً كبيرة تخلت عنها من ناحية الممارسة وحسب، دون أن تتخلى عنها من ناحية المبدأ. ولم يبق سوى جماعة صغيرة (تتراوح بين ٥% و١٠%) ترى أن ما جاء في هذه التشريعات مُلزم لها وتحاول وضعها موضع التطبيق. هالاخاه Halakhah «هالاخاه» كلمة عبرية تعني «التشريع» أو «الشريعة» . وعادةً ما يتم الحديث عن «هالاخاه» مقابل «أجاداه» (القصص والمواعظ) . ويحتوي التلمود على أجزاء هالاخية وأخرى أجادية، أي على أجزاء تشريعية وأخرى قصصية وعظية. التفسيرات القصصية الأسطورية (أجاداه) Agadah لفظ «أجاداه» أو «هجاداه» آرامي، ويعني «روى» أو «حكى» أو «قص» ، كما يعني أيضاً «أسطورة» أو «حدوتة فلكلورية» ، وهو مشتق من أصل عبري غير معروف على وجه الدقة، فيُقال إنه من فعل «هَجْيد» بمعنى «قيل» للإشارة إلى القصص الشفوية مقابل القصص المدوَّنة. وإن كان يُقال إنه مشتق من عبارة «هجَّدْتا لبنيخا» ، أي «تخبر ابناءك» (خروج ١٣/٨) . وتستخدم هذه الكلمة للإشارة إلى الفقرات والقطع التلمودية التي تعالج الجوانب الأخلاقية أو القصصية الوعظية أو الأدعية أو الصلوات أو مديح الأرض المقدَّسة أو التعبير عن الأمل في وصول الماشيَّح. كما تشير إلى الأجزاء التي تتناول التاريخ والسير والطب والفلك والتنجيم والسحر والتصوف.

стр. 5417

وتُقرَن الأجاداه دائماً بالهالاخاه. وتُعرَف الأجاداه بأنها ذلك الجزء من التعاليم الحاخامية الذي لا يعالج الهالاخاه (أو الجوانب القانونية أو التشريعية) . وحتى حينما تتعرض الأجاداه إلى مثل هذه الجوانب، فإنها تقتصر دائماً على الحديث عن الحكمة من إرسال القوانين. ويقول الحاخامات إنه يمكن استخلاص الأجاداه من الهالاخاه، ولكن العكس غير صحيح لأن الهالاخاه هي الأصل والأساس. والأجاداه هي من باب التفسير القصصي، ولذلك فليس لها وزن وثقل الهالاخاه. وتختلط العناصر الأجادية بالعناصر الهالاخية في التلمود. وتتسم المشناه بقلة العنصر الأجادي فيها على عكس الجماراه. وتُطبَع أحياناً المقطوعات الأجادية من التلمود في كتب، ويُطلَق على مثل هذه الكتب أيضاً «أجاداه» . وتتَّسم القصص الأجادية بمبالغاتها الأسطورية ومعانيها الغريبة. وقد حاول الفلاسفة اليهود الدينيون أن يفسروها تفسيراً عقلانياً، ولكنهم لم يهتموا بها كثيراً. وهذا على عكس المفكرين القبَّاليين الذين اهتموا بها وطوروها واستفادوا منها في تفسيراتهم المفتعلة. وقد أثرت الأجاداه تأثيراً عميقاً في الوجدان الديني الشعبي اليهودي، ونبتت في تربتها القبَّالاه. ويمكن القول بأن الأجاداه والقبَّالاه هما اللذان صاغا هذا الوجدان. أما الجوانب التشريعية في التلمود، فقد كانت مقصورة على الأرستقراطية الدينية التي كانت موجودة في المدارس التلمودية العليا (الأكاديميات - اليشيفات) والمراكز الدينية الكبرى بعيداً عن القرى والمدن الصغيرة. وقد ثار كثير من المفكرين الإصلاحيين على الأجاداه، وإن كانت الصهيونية بنزعتها الأسطورية تقدس التلمود، والجوانب الأجادية فيه بشكل خاص.

стр. 5418

وتُستخدَم كلمة «هاجاداه» أحياناً للإشارة إلى «أجاداه» ، وإن كان معظم العلماء يفضلون استخدام كلمة «أجاداه» على أن يقتصر استخدام كلمة «هاجاداه» على الإشارة إلى صلوات عيد الفصح والكتب التي تضم الأدعية والصلوات الخاصة بهذا العيد. أجاداه Agadah انظر: «التفسيرات القصصية الأسطورية (أجاداه) » . الفتاوى Responsa «بسْاقوت» بالعبرية من فعل «بسق» بمعنى «قضى» أو «أفتى» أو «حكم» . وللفتاوى أهمية خاصة في اليهودية باعتبار أن الشريعة الشفوية (أي تفاسير الحاخامات) تفوق في أهميتها ومنزلتها الشريعة المكتوبة، أي العهد القديم، ومن ثم فإن الشرح الذي يقدمه الفقهاء أهم من المتن الموحى به. ونظراً لتعدد الأوامر والنواهي في اليهودية، واختلاف الظروف التاريخية والجغرافية التي عاش فيها أعضاء الجماعات اليهودية، يجد اليهودي نفسه مضطراً دائماً إلى العودة للحاخامات لاستفتائهم، وخصوصاً أن اليهودية كتركيب جيولوجي تراكمي تحوي قدراً كبيراً من التناقض وعدم التجانس، ومن هنا تراكمت الفتاوى والتفاسير عبر العصور ويضم التلمود عدداً ضخماً منها. ولكن المصطلح العبري «شئيلوت أوتشوفوت» ، أي «أسئلة وأجوبة» ، الذي يُترجَم عادةً بكلمة «فتاوى» بالمعنى الاصطلاحي، يشير إلى الخطابات التي كان يرسلها اليهود إلى أحد الحاخامات، يسألونه رأيه في أحد موضوعات الشريعة وإجابته عليهم. وقد ظهر هذا النوع من الفتاوى، منذ القرن السادس حتى القرن الحادي عشر، في العالم الإسلامي، وقد ارتبط اسم الفقهاء (جاؤنيم) بهذه الفتاوى. ويُلاحَظ أن ترابط العالم الإسلامي، والحركة التجارية النشيطة، ساعدا على تناقل الأفكار، كما أن أسلوب الفتاوى نفسه تأثر بأسلوب الفتاوى الإسلامية المماثلة. وقد لعبت الفتاوى دوراً أساسياً في إشاعة الشريعة الشفوية والتلمود البابلي كمصدرين أساسيين للشريعة. وقد جُمعت بعض هذه الفتاوى في كتيب، ويزيد ما جُمع منها حتى الآن على نصف مليون فتوى.

стр. 5419

ولم يتوقف الحاخامات عن إصدار الفتاوى بعد ذلك التاريخ إذ أن وضع أعضاء الجماعات اليهودية دخلت عليه تغييرات كثيرة مع انتهاء العصور الوسطى، ثم مع الثورة الصناعية وعصر الانعتاق، الأمر الذي أدَّى إلى ضرورة التكيف والبحث في التراث الديني عن سوابق تبرر عمليات التحديث (على المستويات الجمالية والعقائدية) التي دخلت اليهودية. ولكن عدم تجانس النسق الديني اليهودي، وتركيبه الجيولوجي التراكمي، هو الذي جعل من اليسير على المفكرين الدينيين اليهود أن يطرحوا آراء عديدة متناقضة (بعضها توحيدي والبعض الآخر حلولي إلحادي) وجدت كلها تسويغاً لها في التراث الديني. ويُعتبَر موقف اليهودية من الصهيونية مثلاً جيداً على ذلك. فحينما نشأت الصهيونية، عارضتها جميع المنظمات الدينية اليهودية، الأرثوذكسية والإصلاحية، وقد استندوا في ذلك إلى التراث الديني. فالتلمود، في بعض أجزائه، يُحرِّم العودة (التعجيل بالنهاية) ، وصدرت فتاوى بذلك. ولكن، بالتدريج، تمت عملية صهينة لليهودية تستند هي الأخرى إلى التراث الديني. وصدرت فتاوى أيضاً بذلك، حتى أصبحت الصهيونية واليهودية مترادفتين في ذهن كثير من أعضاء الجماعات اليهودية أنفسهم. وقد أصدر الحاخامات الصهاينة الكثير من الفتاوى لتسهيل عملية الاستيطان الصهيوني، من أهمها الفتوى الخاصة بأن اليهود يمكنهم الاستيطان في فلسطين تمهيداً لعودة الماشيَّح بدلاً من انتظاره. كما أن ثمة فتاوى تؤكد أن ضم الضفة الغربية وغزة تنفيذ لتعاليم دينية. ومن أطرف الفتاوى، تلك الخاصة ببيع أرض يسرائيل لأحد الأغيار، في السنة السبتية، حتى يتمكن المستوطنون الصهاينة من زراعتها، إذ يتعيَّن على اليهود إراحة الأرض مرة كل ستة أعوام إن كانوا يمتلكونها.

стр. 5420

والفتاوى مرتبطة أساساً بالمؤسسة الحاخامية وتستند إلى التوراة والتلمود. ولكن القبَّاليين، ابتداءً من القرن السادس عشر، أصدروا أيضاً فتاواهم مستندين إلى الزوهار، ومعارضين المؤسسة الحاخامية. ولقد جُمعت فتاواهم في كتب خاصة حتى يمكن الرجوع إليها عند الحاجة. القواعد التكميلية (تاقانوت) Takkanot عبارة «القواعد التكميلية» العربية هي المقابل الاصطلاحي لكلمة «تاقانوت» العبرية، ومفردها «تاقاناه» ومعناها «اجتهاد لإصلاح» . وعادةً ما يأتي هذا المصطلح العبري في صيغة الجمع «تاقانوت» ، ويشير إلى مجموعة القواعد التي وضعها الحاخامات لسد الفراغات التي تركتها التوراة. وقد تراكمت هذه القواعد التكميلية على مر العصور ومن أهمها: ضرورة قراءة التوراة يوم السبت، وأن تُعقَد المحاكم اليهودية يومي الاثنين والخميس، وضرورة أن تعيِّن الجماعات اليهودية مدرسين للمدارس الابتدائية، وأن على الأب أن يعول أولاده القصر. وقد كانت القواعد التكميلية تنظم حياة الجماعات اليهودية، وأصبحت في غاية الأهمية بعد أن أصبحت الجماعات اليهودية جماعات وظيفية إذ كانت لابد أن تتسم بغاية الانضباط والترابط حتى يمكنها أداء وظيفتها. ومن أهم أمثلة القواعد التكميلية، ما يُسمَّى «قوانين الترف» . وقد أصدر مجلس البلاد الأربعة عدداً ضخماً من القواعد التكميلية. الأعراف (منهاج) Minhag

стр. 5421

«الأعراف» ترجمة لكلمة «منهاج» العبرية ومعناها الحرفي «عادة» ، وهو مفهوم في الفقه اليهودي يشير إلى مجموعة من الأعراف التي أصبحت مُلزمة رغم أنها ليست جزءاً من الشريعة المكتوبة أو الشفوية. وقد تنوعت الأعراف بتنوع البلدان والجماعات، الأمر الذي زاد عدم تجانس اليهودية وخاصيتها الجيولوجية. ومن أهم الأمثلة على ذلك، الخلاف بين السفارد والإشكناز (المنهاج الإشكنازي والمنهاج السفاردي) . ولذا، يشير يوسف كارو في الشولحان عاروخ إلى منهاج السفارد، أما موسى إيسيرليز (موشيه يسرائيليتش) فيشير إلى منهاج الإشكنار في مصنفه الذي وضعه تعليقاً على الشولحان عاروخ التي وضعها على المؤلف نفسه. وهناك الخلاف بين منهاج الحسيديين ومنهاج المتنجديم. وفي التلمود، ذهب بعض الحاخامات إلى أن الأعراف السائدة بين الجماعات اليهودية يمكن أن تَجُّب بعض قوانين الشريعة. وهذا يتفق مع الرؤية الحلولية، ومع فكرة الشريعة الشفوية التي تعطي مرتبة ثانوية للنص المقدَّس المكتوب (الموحى به) قياساً إلى اجتهادات الحاخامات. القرارات (جزيروت) Gezerot «القرارات» ترجمة لكلمة «جزيروت» العبرية التي مفردها «جزيراه» وتعني «قرار» أو «أمر» . والقرارت مصطلح يشير إلى عدة مدلولات من بينها الأوامر الإلهية التي لا يُفهَم سببها، والأوامر التي يصدرها حاكم غير يهودي بمنع ممارسة الشعائر اليهودية والاضطهاد الديني، وأخيراً (وهذا ما يهمنا في هذا المدخل) فإنه يشير إلى قرار تصدره المحاكم الحاخامية بهدف الحفاظ على الشريعة وإحاطتها بسياج (حسبما أوصى رجال المجمع الكبير) . ومن أهم هذه القرارات، تلك التي أصدرها تلاميذ هليل وشماي في بداية القرن الأول الميلادي لإقامة حواجز بين اليهود وغير اليهود، وخصوصاً فيما يتعلق بالعلاقات الجنسية. وهذه القرارات الحاخامية مُلزمة لليهود، وإن حدث وكانت متناقضة مع الشريعة المكتوبة (المُرسَلة) فإنها تجُب الشريعة. بيلبول Pilpul

стр. 5422

«بيلبول» كلمة تُستخدَم للإشارة إلى عدة مناهج لدراسة التلمود والشريعة الشفوية في الأكاديميات التلمودية. والكلمة مشتقة من كلمة «بلبل» ، (الأصل «فلفَل» ) ويُقال إنها من كلمة «بلبل» بمعنى «يبحث» ، وهي تعني أسلوب التحليل والتركيب الذي يعتمد على المنطق المحض (الذي يتصف بالتحايل والتخريجات) مقابل المعرفة العابرة بالنصوص (وهو ما يُسمَّى «دراش» ) . ومنهج البيلبول قديم، إذ كان يُفترض في أعضاء السنهدرين أن يمتلكوا ناصيته، وكذا علماء بابل. وقد استُخدم المنهج في المدارس التلمودية في أوربا في العصور الوسطى، كما استفاد منه أصحاب الشروح الإضافية (توسافوت) ، واستُخدم في مدارس إسبانيا التلمودية العليا (يشيفا) في القرن الرابع عشر، ومن ثم فهو من أهم آليات الشريعة في محاولتها الدائبة إحلال الاجتهاد الحاخامي محل الوحي الإلهي.

стр. 5423

وقد تجمَّد منهج البيلبول وأصبح مجموعة من القواعد التي تستند إلى الإيمان الحلولي بأن الحكماء القدامى (سواء الذين يرد ذكرهم في التلمود أو أولئك الذين كتبوا الشروحات عليه) معصومون وإن اختلفوا في الرأي، فخلافهم لا يعدو أن يكون خلافاً ظاهرياً، وغاية الطالب هي العثور على وسيلة جدلية تَصلُح لإزالة الفروق وتسوية الخلافات. وقد كان العالم يحاول اكتشاف التناقضات الكامنة في التلمود، وفي التعليقات عليه، ثم يطرح الحلول التي تفسر هذه التناقضات، وبعد أن يتم ذلك تُكتَشف التناقضات في الحلول نفسها، ثم تُطرَح حلول جديدة. وتستمر هذه العملية إلى أن يتم توضيح الموضوع موضع النقاش وتُزال أية تناقضات ظاهرة كانت أم كامنة. ولكن النقاش الجدلي كان يأخذ أحياناً شكلاً متطرفاً حتى أصبح الهدف منه شحذ القريحة وحسب، وتحوَّل إلى ضَرب من السفسطة. ولذا، كان المنهج يُستخدَم في خلق بنيً ذهنية منطقية وفي التوصل إلى توازنات فكرية ليس لها أساس علمي أو واقعي. وأصبح المنهج، في النهاية، وسيلة في يد طلاب المدارس التلمودية العليا لتحميل النص بأي معنى يريدون، وهو ما أدَّى إلى تحريف المعنى الحقيقي، كما صار سلاحاً يستخدمه طلاب الوظائف الحاخامية المختلفة بحيث أصبح تَملُّك ناصية المنهج أكثر أهمية من معرفة الشريعة المكتوبة أو الشفوية نفسها. ومع بدايات التحديث والعلمنة في أوربا، كان هذا منهج التفكير الأساسي بين الحاخامات اليهود، وإن كان قد عارضه الحاخام إلياهو زلمان (فقيه فلنا) الذي حاول أن يبعث التقاليد الحاخامية من الداخل. الكتاب الخارجي (برايتا) Baraita

стр. 5424

«الكتاب الخارجي» يقابلها في الآرامية «بْرَّايتاه» ، وتشير الكلمة إلى أقوال معلمي المشناه (تنائيم) ، والتي استبعدها يهودا الناسي فجمع أهمها في كتاب التذييل (توسفتا) . كما يظهر عدد كبير منها متناثراً في التلمود. وتُعَد هذه الأقوال بمنزلة أبوكريفا المشناه، أو كتُبها غير القانونية أو الخارجية، والأحكام الواردة فيها مُلزمة إلا إذا تناقضت مع ما جاء في المشناه. التذييل) توسفتا) Tosephta «التذييل» هي المقابل العربي لكلمة «توسفتا» الآرامية وتعني «التذييل» أو «الزيادة» أو «الإضافة» . والتوسفتا عمل تشريعي ملحق بالمشناه مكمل لها. وقد ورد في التلمود ذكر لأكثر من تذييل، ولكن لم يبق من ذلك سوى واحد. والتذييل الذي بين أيدينا يتكون من ستة أقسام (سداريم) تحمل عناوين أقسام المشناه نفسها. وتختلف الآراء بشأن التوسفتا، فيذهب أحد علماء التلمود إلى أن التذييل هو في الواقع المشناه الفلسطينية، ويذهب آخر إلى أن واضعي التلمود البابلي لم يكونوا يعرفون هذا التذييل بتاتاً. ويضم التذييل كثيراً من الفقرات الخارجية أو البرانية. الشولحان عاروخ Shulhan Arukh

стр. 5425

«الشولحان عاروخ» عبارة عبرية تعني «المائدة المنضودة» أو «المائدة المعدة» ، والشولحان عاروخ هو مُصنَّف تلمودي فقهي يحتوي على سائر القواعد الدينية التقليدية للسلوك، ويُعَدُّ حتى يومنا هذا، المصنَّف المعوَّل عليه بلا منازع للشريعة والعرف اليهوديين، ويشار إليه باعتباره التلمود الأصغر. أعده جوزيف كارو ونشره عام ١٥٦٥ مستنداً إلى العهد القديم والتلمود وآراء الحاخامات اليهود وفتاواهم وتفسيراتهم (الشريعة الشفوية) . ومما هو جدير بالذكر أن حياة اليهود تكبلها العديد من الشعائر والقيود والتشريعات، الأمر الذي يضطرهم إلى البحث عن مصدر دائم للفتاوى. ولكن التوصل إلى إجابة على أحد التساؤلات الدينية من خلال التلمود مسألة شاقة جداً، إذ يتعيَّن على المتسائل أن يقرأ أربع أو خمس فقرات في مجلدات مختلفة منه ثم يبحث عن التعليقات المختلفة على كل الفقرات وهي تعليقات تحوي كل واحدة منها تفسيرات مختلفة ومتناقضة. ولتبسيط هذه العملية، لجأ مؤلف الشولحان عاروخ إلى إسقاط جميع المناقشات الفقهية الطويلة والآراء المختلفة والأحكام المتناقضة، فلم يدوَّن إلا الأحكام الشرعية المستقرة التي تبيِّن ما هو حلال وما هو حرام، وأوردها في نص واحد. وينقسم الشولحان عاروخ إلى أربعة أقسام: ١ ـ أورَّح حاييم، أي «سبيل الحياة» : ويتناول قواعد الصلاة والبركات والأعياد. ٢ ـ يوريه ديعاه، أي «أستاذ المعرفة» : ويتناول قوانين الطعام الشرعي والطهارة والنجاسة والنذور وقواعد الحزن والحداد وقواعد الصدقات. ٣ ـ إيفين هاعوزير، أي «الحجر المعين» : ويتناول أحكام الزواج والطلاق، وكذلك سائر ما يتعلق بالنساء. ٤ ـ حوشين مشباط، أي «صندوق القضاء الشامل» : ويتناول القوانين المدنية والجنائية وأصول المحاكمات، كما يحوي أحكام الميراث والوصاية والوصايا والتوكيلات والشهادة واليمين والعقود والتسجيل.

стр. 5426

ولأن الكتاب يحتوي على مختلف التعاليم مصنفةً تصنيفاً جيداً، فقد لاقى نجاحاً كبيراً بين الجماهير اليهودية. ومع أن الحاخامات الإشكناز هاجموا الشولحان عاروخ في بادئ الأمر، فإنه صار الكتاب المُعتمَد لدى اليهود الأرثوذكس، وخصوصاً بعد أن قام موسى إيسيرليز (يسرائيليتش) (١٥٢٠ ـ ١٥٧٢) بإضافة الهوامش والملاحق المتعلقة بالمنهاج الإشكنازي. وقد ظهرت هذه الهوامش والإضافات في كل طبعة من طبعات الكتاب وسُمِّىت «ماباه» أي «مفرش المائدة» ، وتشير عبارة «شولحان عاروخ» إلى كلٍّ من المائدة والمفرش.

стр. 5427

ويحوي الكتاب كثيراً من الأحكام العنصرية التي وردت في التلمود، فالشولحان عاروخ يُفرِّق بكل حدّة بين اليهودي وغير اليهودي، حتى في الأمور الإنسانية المبدئية، فقتل اليهودي يختلف عن قتل غير اليهودي، وإنقاذ حياة يهودي أو علاجه يختلف عن إنقاذ حياة غير يهودي أو علاجه. وعلى سبيل المثال، يسأل الشولحان عاروخ عما إذا كان ينبغي على اليهودي أن يزيل أنقاض منزل تهدَّم على سكانه يوم السبت؟ والإجابة بالنفي، ولكن إن كان بين السكان يهودي وجب على اليهودي أن يساعد في إزالة الأنقاض. كما ينبغي عليه أن يشترك في عملية الإنقاذ، إذا كان إحجامه عن ذلك قد يلحق الأذى باليهود بوصفهم جماعة لأن الأغيار يتحكمون في اليهود. وبناء على ذلك لا يجوز إنقاذ حياة اليهودي القرائي لأنه لا سلطان له على اليهود الحاخاميين. وكذلك ينبغي على الطبيب اليهودي ألا يعالج غير اليهودي، وإذا اضطر إلى ذلك وجب عليه أن يجعل الهدف الدفاع عن اليهود لا علاج المريض غير اليهودي. ويُحرِّم الشولحان عاروخ سرقة يهودي يهودياً آخر أو غير يهودي. ومع هذا، تحل سرقة غير اليهودي، إذا كان تحت حكم اليهود. وقد استُخدمت هذه الأحكام لتبرير سرقة الفلسطينيين. وقد جعل المعلقون على الشولحان عاروخ الإيمان بالقبَّالاه إحدى فرائض اليهودية. وقد هاجم دعاة حركة التنوير اليهودي ومفكرو اليهودية الإصلاحية هذا الكتاب باعتباره تجسيداً لكثير من الجوانب المتخلفة في اليهودية، وبسبب تشدُّده وتحجُّره. ولا يزال الكتاب حتى الآن من أهم المصادر التي تستقى منها المؤسسة الأرثوذكسية تفسيرها للشريعة اليهودية في إسرائيل وخارجها.

стр. 5428

الباب السابع: الفقهاء (الحاخامات) الحاخامات (بمعنى «الفقهاء» ) Rabbis «حاخام» كلمة عبرية معناها «الرجل الحكيم أو العاقل» . وكان هذا المصطلح يطلق على جماعة المعلمين الفريسيين «حاخاميم» ، ومنها أُخذت كلمة «حاخام» لتدل على المفرد. أما كلمة «راباي» ، فهي في عبرية التوراة بمعنى «عظيم» ، وهي من الجذر السامي «رب» بمعنى «سيِّد» أو «قيِّم على آخرين» مثلما نقول في العربية «رب البيت» ، ولكنها على أية حال لا ترد في التوراة نفسها. وتطوَّر معنى الكلمة في عبرية المشناه، وأصبحت بمعنى «سيد» مقابل «عبد» ولكنها في كتابات مُعلِّمي المشناه (تنائيم) أصبحت لقباً للحكماء. وكلمة «راباي» تعني «سيدي» ، وينطقها السفارد «ربي» ، وكانت تُطلَق على أعضاء السنهدرين. ولما كان اللقب لا يُخلَع إلا على من تم ترسيمه حاخاماً (ولم يكن هذا يتم إلا في فلسطين) ، فلم يكن لفظ «راباي» يُطلَق إلا على علماء فلسطين. أما الشراح (أمورائيم) في العراق، فكانوا يحملون لقب «راف» . وقد حلت كلمة «راباي» محل «حاخام» في معظم المناطق. ومع هذا، ظلت كلمة «حاخام» متداولة في بعض المناطق، وخصوصاً في الدولة العثمانية حيث كان الزعيم الملي لليهود يحمل لقب «حاخام باشي» ، كما كان عضواً في المجلس الاستشاري للسلطان. ومن الكلمات الأخرى التي تُستخدَم للإشارة إلى الحاخام في اللغة العربية كلمة «حَبْر» وجمعها «أحبار» و «الرباني» وجمعها «الربانيون» .....

стр. 5429

وفي هذه الموسوعة، نستخدم كلمة «حاخام» للإشارة إلى الفقهاء اليهود والأحبار والربيين (جمع ربي) ، أو الرابيين (جمع راباي) ، الذين فسروا التوراة (الشريعة المكتوبة) وابتدعوا الشريعة الشفوية (التوراة الشفوية أو التلمود) وجعلوها الأساس الذي تستند إليه اليهودية والمحور الذي تدور حوله. وهم الذين طوروا اليهودية المعيارية أو اليهودية الكلاسيكية، التي تُسمَّى أحياناً «اليهودية الربانية» ، والتي نُطلق عليها «اليهودية الحاخامية» ، ومنهم الكتبة (سوفريم) ، ومعلمو المشناه (تنائيم) ، والشراح (أمورائيم) ، وعلماء التلمود كافة مثل: أصحاب الشروح الإضافية (توسافوت) ، وراشي، وموسى بن ميمون، وإلياهو فقيه فلنا، وغيرهم. وكانت الأكاديميات التلمودية (يشيفا) في العراق وغيرها المراكز التي يتجمعون فيها للنقاش والحوار والتعلم. ومن ثم، فإننا نتحدث أيضاً عن التعاليم الحاخامية والمؤسسة الحاخامية حين نشير إلى المؤسسة الفقهية والتعاليم الفقهية التي أخذت تدريجياً تكتسب مركزية بين أعضاء الجماعات اليهودية وفي النسق الديني اليهودي منذ عام ٧٠م إلى أن تبلورت اليهودية الحاخامية وأصبحت هي اليهودية منذ القرن السابع الميلادي وحتى نهاية القرن التاسع عشر. كما تُستخدَم الكلمة للإشارة إلى القائد الديني للجماعة اليهودية الذي كان يقوم بتفسير التوراة وإصدار الفتاوى تماماً مثل فقهاء اليهود القدامى، إلى جانب قيامه بالإشراف على الصلوات في المعبد اليهودي، وكثيراً ما كان يضطلع بوظائف دنيوية مثل جمع الضرائب والإشراف على تنفيذ تعاليم الحكومة. الكتبة (سوفريم) (٤٤٠-١٠٠ ق٠م) Sopherim

стр. 5430

«الكتبة» هي المقابل العربي لكلمة «سوفريم» وهي صيغة جمع عبرية بنفس المعنى، وهي مصطلح يُطلَق على الكتبة والعلماء اليهود الذين قاموا بتدريس وتعليم وشرح الشريعة من حوالي منتصف القرن الخامس قبل الميلاد إلى حوالي عام ١٠٠ ق. م، وقد جُمعت أقوالهم واجتهاداتهم في كتب المدراش. وبهذا المعنى، يكون عزرا أول الكتبة حين وضع أساس الدراسات الحاخامية، والكتبة هم أولئك الذين قاموا بوضع الشريعة الشفوية فعلاً. وتعود أهمية الكتبة إلى أنهم أول من بدأوا الدراسات الحاخامية (وبالتالي، فإن ظهورهم يُعتبَر بداية المرحلة اليهودية، مقابل المرحلة اليسرائيلية أو العبرانية من تواريخ الجماعات اليهودية في العالم) . وقد قام الكتبة بتحقيق العهد القديم وتنقيحه وتدوينه، وتنسب إليهم المصادر اليهودية تحقيق المآثر التالية: ١ ـ قراءة نصوص الشريعة في أيام معينة من الأسبوع. ٢ ـ تحديد الصلوات اليومية، وإدخال شعائر الشكر بعد تناول الطعام (صلاة المائدة) . ٣ ـ إدخال الشعائر والطقوس الدينية مثل عادة سكب الماء على الأرض في عيد المظال والدوران بمركب حول المذبح حاملين أغصان الصفصاف. ٤ ـ وضع القواعد المتعلقة بإعداد تميمة الصلاة (تفيلين) أو شال الصلاة (طاليت) بجدائله الأربع (تسيت تسيت) . ٥ ـ تعديل بعض الشرائع التوراتية وتكييفها وفقاً لمتطلبات الحياة، وتخفيف قسوة الشرع الموسوي فيما يختص بشريعة القصاص التوراتية في حالة الاعتداء، والتساهل في تطبيق قوانين السبت خلافاً لبعض الفرق المتشددة في تمسُّكها بحرفية القانون وفي امتناعها عن القيام بأية نشاطات جسدية في يوم الراحة. وكذلك تخفيف صرامة القانون الخاص بإثبات وفاة الزوج بحيث أصبحت شهادة رجل واحد تكفي لكي يحق للزوجة أن تتزوج من جديد، حتى لو كانت هذه الشهادة تستند إلى مجرد الشائعات.
следующие страницы →