Полный текст (8 511 стр.). Показаны 5566–5605 · переход к 5571.
стр. 5566
وقد ذهب أوتينجر إلى القبَّالي اليهودي كويل هيخت المقيم في جيتو فرانكفورت طالباً منه المزيد من المعرفة عن القبَّالاه، فأجابه الأخير بأن ما كتبه المسيحيون عن القبَّالاه أوضح بكثير مما جاء في كتاب الزوهار، وكان على حق في هذا، فالقبَّالاه المسيحية كانت من الذيوع والوضوح بحيث أن كثيراً من المتصوفين اليهود الذين كانوا يريدون تعميق معرفتهم بالقبَّالاه كانوا يقرأون كتب القبَّالاه المسيحية بل كتب القبَّالاه اليهودية التي نشرها المسيحيون!
ويتضح هذا الاختلاط بين القبَّالاه والسحر في رموز الماسونيين الأحرار في منتصف القرن الثامن عشر. وقد ظهرت بعد ذلك أعمال مارتين دي باسكوالي Martin de Pasqually (١٧٢٢ ـ ١٧٧٤) التي تركت أثراً عميقاً في تلميذه الفرنسي لوي كلود دي سان مارتين Louis Claude de St. Martin، وهو من أهم المتصوفين الفرنسيين قبيل الثورة الفرنسية. وقد حامت الشكوك حول انتماء باسكوالي إلى يهود المارانو (وهي شكوك أيدتها البحوث الحديثة) . ومن أهم الأعمال القبَّالية المسيحية، كتابات فرانز جوزيف موليتور Franz Josef Molitor الألماني (١٧٧٩ ـ ١٨٦١) .
وقد أصبحت القبَّالاه جزءاً لا يتجزأ من رؤية كثير من المثقفين الغربيين، أو النموذج أو الصورة المجازية الكامنة في فكرهم، حتى أنه لا يمكن الحديث عن أصولها اليهودية. فالمفكر الديني السويدي عمانويل سويدنبورج Swedenborg الذي أثَّر في ويليام بليك William Blake، الذي تشبع بالمنظومة القبَّالية حتى أصبحت منظومته الفكرية قبَّالية غنوصية دون أن يطلع على أية مصادر يهودية.
стр. 5567
ويتبدَّى أثر قبَّالاة الزوهار على مدام بلافاتسكي Blavatsky وهي من أشهر المشتغلات بالتأملات الثيو صوفية في أوربا في أواخر القرن التاسع عشر (وكانت من جماعة الدوخوبور الروسية التي تركت أثراً عميقاً في مؤسسي اليهودية الحسيدية) . وقد تركت القبَّالاه أثراً عميقاً في سترندنبرج الذي كتب في مفكرته السرية ما يلي: "فتحت الكتاب فوجدت القبَّالاه ... وكنت أفكر أن يهوه إن هو إلا أيون سفلى". وقد طوَّر الشاعر الأيرلندي و. ب. ييتس W. B. Yeats نسقاً قبَّالياً غنوصياً. وكان كارل يونج، معجباً أيما إعجاب بالقبَّالاه وبخاصة فكرة تهشُّم الأوعية (شفيرات هكليم) وكيف يشارك الإنسان في إصلاحها (تيقون) "فلأول مرة تنبثق فكرة أنه يجب على الإنسان أن يساعد الإله في رأب الصدع الحادث من عملية الخليقة".
وبإمكان الدارس أن يجد آثاراً عميقة كامنة للقبَّالاه في أدب فرانز كافكا وبورخيس، بل في مؤلفات الكاتب الألماني الماركسي وولتر بنجامين. ويُقال إن أشعار الشاعر الإنجليزي ناثانيل تارن Nathaniel Tarn وروايات الروائي الأسترالي باتريك وايت Patrick White، وخصوصاً روايته راكبو العربة (١٩٦١) ، تُبيِّن الأثر العميق للقبَّالاه. ويتبدَّى أثر القبَّالاه بشكل واضح وصريح في كتابات الناقد الأمريكي المعاصر هارولد بلوم والفيلسوف الفرنسي ذي الأصل السفاردي جاك دريدا اللذين يؤسسان نقدهما الأدبي على أُسس غنوصية عدمية.
стр. 5568
والواقع أن ذيوع القبَّالاه في الحضارة الغربية ليس مجرد تعبير عن تهويد المسيحية أو الحضارة الغربية، وإنما هي في واقع الأمر تعبير عن عنصر أكثر عمقاً وبنيوية، وهو شيوع التفكير الحلولي الكموني الذي يدور في إطار مادي تجسدي، بحيث يصبح اللوجوس كامناً في المادة لا متجاوزاً لها، ويصبح الإله متوحِّداً مع الطبيعة والتاريخ لا منزَّهاً عنهما. وهو توُّحد يتم تدريجياً إلى أن يتحقق تماماً في مرحلة وحدة الوجود التي يشحب فيها الإله ثم يموت ليبقى العالم المادي وحده واللوجوس (أو القوانين الطبيعية) الكامنة فيه. وهذا هو الإطار الذي حقَّق فيه المفكرون اليهود بروزهم، وهو إطار لا هو بالمسيحي ولا هو باليهودي، إطار معاد للتوحيد ومعاد للإله المنزَّه ويتجه نحو المادية والتجسد، وهو إطار معرفي إمبريالي علماني.
فلافيوس ميثراديتس (القرن الخامس عشر)
Flavius Mithradites
هو صمويل بن نسيم الفراج من صقلية. تَنصَّر وتَسمَّى باسم جوليلموس (أي الصقلي) علَّم العربية والعبرية والآرامية في إيطاليا وفرنسا وألمانيا، وكان أحد مُعلمي بيكو ديللا ميراندولا. عُيِّن أستاذاً في روما وقام بترجمة عدة كتب من العربية والعبرية واليونانية إلى اللاتينية (وضمن ذلك أجزاء من القرآن) . كما ترجم لديللا ميراندولا بعض التفاسير اليهودية للتوراة (المكتوبة بالعبرية) ، وكتاباً لموسى بن ميمون عن البعث، وبعض الأعمال القبَّالية. وألقى موعظة أمام البابا عن عذاب المسيح على الصليب مستخدماً المدراش وبعض المصادر اليهودية. يُعدُّ ميثراديتس شخصية مهمة في تعريف العالم الغربي بالقبَّالاه ووضع أسس القبَّالاه المسيحية.
بيكو ديللا ميراندولا (١٤٦٣-١٤٩٤)
Pico della Mirandola
стр. 5569
مفكر إيطالي من عصر النهضة، ويُعدُّ أبا القبَّالاه. وُلد لأسرة إقطاعية كانت تحكم مقاطعة ميراندولا وكونكورديا في شمال إيطاليا. درس العربية والعبرية على يد مُعلمين يهود، فترجم له دبلميديجو كتاب ابن رشد، وتعلَّم العربية والآرامية على يد فلافيوس ميثراديتس، الذي ترجم له أيضاً عدداً لا بأس به من الكتابات القبَّالية، والتي تُعدُّ المصدر الأساسي لكتابات ديللا ميراندولا القبَّالية. وديللا ميراندولا له كتاب في القبَّالاه، يُسمَّى استنتاجات قبَّالية حسب رأيه الخاص.
قضى ديللا ميراندولا جزءاً كبيراً من حياته في فلورنسة حيث أصبح، مع فيشينو، عضواً في أكاديمية فلورنسة الأفلوطينية وهناك قابل سافونا رولا. أهم أعماله كتاب الخطب (١٤٨٦) وأهم الخطب خطبة عن كرامة الإنسان (باللاتينية: أورايتو دي هومينيس ديجنيتاتي oratio de hominis dignitate) .
وفي عام ١٤٨٦، قدَّم ديللا ميراندولا ٩٠٠ أطروحة استقاها من كل فروع المعرفة للدفاع عن المسيحية، ودعا إلى مناظرة عامة بشأنها، وكان كثير من الأطروحات ذا نزعة قبَّالية واضحة. وقد أحست الكنيسة أن هذه الأطروحات مُهرطقة فمنعت المناظرة. وتُعدُّ هذه الأطروحات البداية الحقيقية للقبَّالاه المسيحية. وفي كتابه عن كرامة الإنسان ضم ١٣ أطروحة من هذه الأطروحات التي رفضتها الكنيسة. وتقول إحدى الأطروحات: "ليس بإمكان علم أن يجعلنا أكثر إيماناً بألوهية المسيح أكثر من القبَّالاه".
ويظهر أثر القبَّالاه اليهودية كذلك في كتابه هيبتايلوس (١٤٨٩) وهو تفسير من سبعة مستويات للخلق، وكتابات ديللا ميراندولا مليئة بالإشارات إلى مؤلفين يهود مثل عزرا وليفي بن جرشوم.
стр. 5570
كان ديللا ميراندولا لا يؤمن بأن كل الأساطير والمدارس الفلسفية واللاهوتية تحتوي على جزء من الحقيقة العالمية (الطبيعية) ، وتستحق الدراسة والدفاع عنها (وهو ما يُسمَّى باللاتينية: بريسكوس ثيولوجوس priscus theologus) . ولذا، كانت كتاباته تشير إلى كثير من المصادر مثل كتابات الهرمسية والأورفية والقبَّالية وكتابات فيثاغورث وأرسطو وأفلاطون وزرادشت وابن رشد وابن سينا (وغيرهما من الفلاسفة العرب) . وكان ديللا ميراندولا يرى أنها كلها غير متناقضة، ومن ثم كان يبذل قصارى جهده للتوفيق بينها كلها في ديانة طبيعية عقلية عالمية واحدة، ولذا كان اهتمام ديللا ميراندولا ينصب في واقع الأمر إما على الكتابات الحلولية بالدرجة الأولى (مثل النصوص الهرمسية) أو على الجوانب الحلولية في النصوص التي يدرسها.
стр. 5571
وديللا ميراندولا، شأنه شأن فيشينو، كان يرى أن أفلاطون تعلَّم الحكمة من الكتابات الهرمسية والزرادشتية والأورفية وغيرها من المصادر الشرقية. فالأفلاطونية بالنسبة له (وكما هو الحال بالنسبة لكثير من كُتَّاب عصر النهضة) هي في واقع الأمر أفلوطينية غنوصية. وتوجُّهه الحلولي يُفسِّر اهتمامه العميق بالهرمسية وبالكتابات القبَّالية اليهودية. وقد لاحظ ديللا ميراندولا التشابه بين الكتابات الهرمسية والقبَّالاه في فكرة الخلق من خلال الكلمة، فزاوج بين هذه الكتابات والقبَّالاه، فبدأ بذلك التقاليد الهرمسية/القبَّالية والحلولية الكمونية الواحدية التي تجمع بين اليهودية والمسيحية وأية عقيدة توحيدية أو وثنية حديثة أو قديمة (وهذا هو جوهر فكرة اللاهوت القديم) . ولكن ديللا ميراندولا هو أول عالم مسيحي يستخدم أدبيات القبَّالاه اليهودية وإطارها المعرفي في تفسير النصوص المقدَّسة وفي رؤيته للعالم. بل كان ديللا ميراندولا يؤمن بأن الكتابات القبَّالية تحتوي على معرفة سرية ثمينة، فالقبَّالاه في تصوُّره تنبع من روايات شفوية قديمة موغلة في القدم تعود إلى أيام موسى (كان الظن السائد في عصر النهضة أن موسى وهرمس هما شخص واحد أو أن أحدهما تعلَّم من الآخر) ، ولذا فالقبَّالاه ـ بالنسبة له ـ كانت ذات حجية تماثل حجية كتابات هرمس وزرادشت والكتاب المقدَّس. بل يمكن القول بأن القبَّالاه، لأنها «أصلية» ، أقدم من الكتاب المقدَّس. ولأنها سرية، بمعنى أنها تحمل المعنى الباطني بشكل مباشر، ولذا فهي أكثر حجية من الكتاب المقدَّس نفسه. وقد حاول ديللا ميراندولا أن يُبيِّن أنه لا يوجد أيُّ فارق واضح بين القبَّالاه واللاهوت المسيحي (شأنها في هذا شأن العهد القديم) . وأنه يمكن النظر للقبَّالاه باعتبارها رؤية تُبشر بالعقيدة المسيحية وبرهاناً على صدقها. وقد وضع بذلك الأساس للقبَّالاه المسيحية التي دافع عنها كثير من المفكرين المسيحيين في القرن
стр. 5572
السادس عشر وبعد ذلك.
ويتضح أثر القبَّالاه في بيكو ديللا ميراندولا في تفسيره للعهد القديم، فهو يستخدم التفسيرات الرقمية (الجماتريا) ويستخلص المعنى الباطني من النص بأن يُحل كلمة محل أخرى، شريطة أن تكون قيمتهما الرقمية واحدة. كما أنه يعطي الكتاب المقدَّس معاني تتماثل مع أجزاء الكون المختلفة (وثمة تقابل بين العالم وجسد الإنسان في القبَّالاه، وهنا أصبح التقابل بين العالم والكتاب المقدَّس) . ويُلاحَظ هنا كيف أن الحلولية أصبحت النقطة التي تلتقي فيها اليهودية بالمسيحية ويذوبان سوياً (مع أية تيارات وكتابات دينية أخرى) ويصبحان ديانة طبيعية علمانية واحدة!
وتظهر رؤية ديللا ميراندولا الحلولية في رؤيته للإنسان والكون، فالطبيعة بالنسبة له هي كلٌ متصل تسري فيه الحياة (كما هو الحال عند جيوردانو برونو) ، وأجزاء الكون هي أجزاء من الكل الكوني وحسب ليس لها وجود مستقل، والإنسان جزء لا يتجزأ من الكون تسري فيه القوة الكونية.
هذه الرؤية الحلولية تترجم نفسها دائماً إما إلى تمركُّز حول الموضوع (تأليه الطبيعة) أو تمركُّز حول الذات (تأليه الإنسان) . وهي تأخذ الشكل الثاني في حالة بيكو ديللا ميراندولا. فالإنسان، لأنه جزء من الكون تسري فيه القوى الكونية، قادر على اختراق كل طبقات السماء من خلال قواه ليصل إلى المصدر الإلهي لكل الحياة. وهو، لهذا، يستطيع إعادة صياغة العالم وإعادة صياغة ذاته، فالإنسان يمكنه أن يصبح ما يريد وأن يشغل المكان الذي يريد في الكون حسب مقدرته ومن خلال معرفته الغنوصية (كان ديللا ميراندولا يؤمن تماماً بالمقدرات السحرية للنصوص القبَّالية والغنوصية) .
стр. 5573
وينسب ديللا ميراندولا إلى الإله هذه الكلمات في خطابه لآدم: «إرادتك حرة لا تحدها حدود. أنت الذي ستُقرر لطبيعتك حدودها. أنت صاحب المقدرة على أن تهبط إلى أدنى أشكال الحياة، وأنت أيضاً صاحب المقدرة على أن ُتولَد من جديد في أسمى الأشكال العليا ـ الإلهية» . أي أن الإنسان من خلال مقدرته يمكنه أن يصبح إلهاً. وهو المنطق الهيجلي الحلولي نفسه الذي يزيل أي حاجز بين المقدَّس والزمني أو الدنيوي.
وقد لاحظ كاسيرر أن إنسان ديللا ميراندولا ليس سليل آدم (أعطاه الإله المعرفة) وإنما هو سليل بروميثيوس الذي سرق النار (والمعرفة) من الآلهة، أي أنه سوبرمان وليس إنساناً. ولكن، في الواقع، يمكن القول بأن ما يظهر هو ثنائية السوبرمان (ما فوق الإنسان) والسبمان (ما دون الإنسان) . فالذين يصلون إلى المصدر الإلهي ومصاف الآلهة ويتألهون ليس كل البشر وإنما نخبة من أصحاب العرفان، أما بقية البشر فيعيشون في الطبقات الدنيا وعليهم الإذعان والامتثال لأصحاب الغنوص. ويغيب في ثنايا كل هذا الإنسان الإنسان، الثنائي المركب.
باولوس ريسيوس (؟ - ١٥٤١)
Paulus Ricius
مترجم من دعاة الحركة الإنسانية. وُلد في ألمانيا وعُمِّد في إيطاليا عام ١٥٠٥. عُيِّن أستاذاً للفلسفة والطب، وطبيباً خاصاً للإمبراطور ماكسيمليان وأستاذاً للعبرية في جامعة بافيا. ونشر ريسيوس عدة كتب من بينها ترجمات لنصوص إسلامية ويهودية، وكذلك بعض الأعمال الأدبية ذات التوجه الصوفي.
يُعَدُّ ريسيوس من مؤسسي القبَّالاه المسيحية. وقد استخدم النصوص القبَّالية اليهودية دليلاً على أن البشارات بالمسيح تُوجَد في تلافيفها وأن مفهوم التثليث المسيحي هو الآخر يوجد كامناً داخل رموزها.
يوحانيس ريوشلين (١٤٥٥-١٥٢٢)
Johannes Reuchlin
مفكر ألماني وأحد رواد الفكر الإنساني الهيوماني والفكر الاستناري والدراسات العبرية، وأحد واضعي أُسس القبَّالاه المسيحية.
стр. 5574
درس ريوشلين العبرية واللغويات العبرية ونشر دراسة في الموضوع، كما نشر نصاً عبرياً/لاتينياً لبعض المزامير وكتب تعليقاً عليه. وعُيِّن أستاذاً للدراسات اليونانية والعبرية في جامعات هولندا وألمانيا.
ورغم أن ريوشلين لم يكن مهتماً بمصير اليهود كبشر إلا أنه كان مهتماً بشكل كبير بالكتابات اليهودية. وقد دخل فيما يُسمَّى «معركة الكتب» وهو الصراع الذي دار بين بعض دعاة حرق التلمود والكتب العبرية، والتي تزعَّمها يهودي متنصر في كولونيا وسانده الرهبان الدومينكان. ورغم أن ريوشلين كان مهتماً أساساً بالقبَّالاه، إلا أنه رفض الدعوة إلى حرق التلمود «لأننا لا نعرف ما جاء فيه» ولأنه يجب ألا يُحرَق سوى الكتب المعادية للمسيحية بشكل واضح مثل توليدوت يشو.
وقد بدأ اهتمام ريوشلين بالقبَّالاه تحت تأثير بيكو ديللا ميراندولا (الذي قابله في إيطاليا عام ١٤٩٠) ومن خلال طبيب فريدريك الثالث اليهودي. وقد أحس ريوشلين بالتشابه بين العناصر الأفلوطينية في الكتابات القبَّالية وكتابات الفيلسوف الألماني نيكولاس من كوزا (أي أنه أحس بوجود منظومة حلولية كمونية في كل من القبَّالاه وفي كتابات الفيلسوف الألماني) .
стр. 5575
وإعجاب ريوشلين بالقبَّالاه، الذي لازمه طيلة حياته، هو سبب أساسي وراء حماسه للدراسات العبرية. فالقبَّالاه في نظره منهج لقراءة نصوص العهد القديم (لا يعرفه سوى اليهود) الهدف منه هو معرفة سر اسم الإله الأعظم، وهي معرفة إن توصَّل لها الإنسان وصل إلى معرفة تشير إلى ما وراء العهد القديم، أي إلى العهد الجديد، أي أنها قراءة تفكيكية تركيبية. وقد توقَّع ريوشلين، شأنه في هذا شأن بيكو ديللا ميراندولا، أن يجد مسيحية سرية في حالة جنينية داخل الكتابات القبَّالية. ومثل هذا الفهم للقبَّالاه يعطي شرعية للتوراة ويُبيِّن صدقها، ولكن هذا الصدق محدود إذ أنها تحوي داخلها ما يشير إلى غيرها. ومن هنا احترام ريوشلين للقبَّالاه، ومن هنا أيضاً رفضه التلمود باعتباره العقبة الكؤود أمام تنصير اليهود.
стр. 5576
نشر ريوشلين في بازل عام ١٤٩٤ كتاباً باللاتينية عنوانه الكلمة صانعة المعجزات وهو أول كتاب باللاتينية يُكرَّس لموضوع القبَّالاه. وهو حوار خيالي بين المؤلف وفيلسوف أبيقوري ويهودي. يؤمن ثلاثتهم بأن كل الأديان، رغم اختلاف رموزها، تكشف عن الحقيقة الأزلية الواحدة نفسها. ولكن ريوشلين يبيِّن لهم أن المسيحية هي التعبير الأدق عن هذه الحقيقة. ومن خلال خطاب ثيو صوفي يربط ريوشلين بين مفهوم التجسد المسيحي وفكرة أسماء الإله المقدَّسة. فيبيِّن أنه يمكن تقسيم التاريخ الإنساني إلى مراحل. أولاها مرحلة الآباء حيث كشف الإله للإنسان عن نفسه تحت اسم «شدَّاي» ثم كشف لهم عن نفسه في مرحلة موسى تحت اسم التتراجراماتون (اسم يهوه) . وأما في فترة الخلاص (الفترة المسيحية) فهو ليس يهوه YHWH وإنما يهشوه YHSHWH وهو الاسم العبري ليسوع المسيح (وإضافة الشين للاسم لإبراز دلالته هي إحدى الطرق القبَّالية لتفسير النصوص للوصول لمعناها الخفي أو لتوراة الفيض مقابل توراة الخلق) . وحينما يصبح «يهوه» هو «يهشوه» فإن الشيم هامفوراش أو اسم الخالق الذي يُحرِّم التفوّه به يصبح مباحاً للبشر النطق به. ويُلاحَظ أن هذا التقسيم الثلاثي لتاريخ العالم يقابل تقسيماً يهودياً حيث يُقسِّم تاريخ العالم إلى: فوضى ـ توراة ـ عودة الماشيَّح. ويقابل هذا أحد التقسيمات المسيحية الثلاثية التي ترى أن تاريخ العالم مقسَّم إلى: حكم الأب ـ حكم الابن ـ حكم الروح القدس (وهو تقسيم ترك أثره في جدل هيجل الثلاثي الإيقاع) .
стр. 5577
وقد ذهب ريوشلين إلى أن العبارة العبرية «بريشيت برا إلوهيم» تشير في واقع الأمر إلى «الابن والروح والأب» باعتبار أن أول حرف في كلمة «بريشيت» هو الباء التي تعادل كلمة «بن» أي الابن، والحرف الثاني في «برا» هو الراء، والتي تعادل كلمة «روح» ، أما الحرف الأول في كلمة «إلوهيم» فهو الألف والتي تعادل كلم «الأب» (وهذه قراءة تتبع نظام النوطريكون، أي التفسير بالحروف الأولى) . ويُركِّز الكتاب أساساً على أسماء الإله وتضميناتها السحرية وكيف أنها مجرد إعداد للمسيحيين، فكأن ريوشلين هنا هو الساحر (ماجوس magus) المسيحي يفك اسم الإله الأعظم. وبالفعل، ينتهي الكتاب بتحوُّل الأبيقوري واليهودي إلى المسيحية، ويُطلَب من اليهود ترك التلمود.
وقد تَعمَّق ريوشلين بعد ذلك في القبَّالاه ثم كتب كتاباً جديداً في الموضوع وهو في علم القبَّالاه (١٥١٧) وأهداه للبابا ليو العاشر. ومرة أخرى، تبنَّى المؤلف أسلوب الحوار الخيالي ولكنه هذه المرة بين يهودي ومسلم وممثل للفلسفة الفيثاغورثية. ويتوحد ريوشلين هنا مع اليهودي القبَّالي ويُبيِّن علاقة القبَّالاه بفكر نيكولاس من كوزا، كما يُبيِّن العلاقة بين الاتجاهات الثيوصوفية في القبَّالاه وكتابات أبى العافية وجيكاتيلا ويشير إلى أسماء الإله وتحولاتها وكيفية استخدامها في السحر. وقد أصبح هذا الكتاب من كلاسيكيات القبَّالاه المسيحية.
стр. 5578
ورغم اهتمام ريوشلين باليهودية إلا أن اهتمامه باليهود هامشي، بل إنه اهتمام ينم عن العداء الشديد، فهو يهتم بهم بمقدار إمكان تنصيرهم. وقد طالب بعتق اليهود فهم ليسوا عبيداً وإنما «مواطنون مثلنا» ويجب أن يصبحوا مواطنين في الإمبراطورية والمدن الألمانية. ولكن كل هذا محدود برؤيته الكلية، فاليهود شعب بائس، بؤسه عقاب له على خطيئته الجماعية (ضد المسيح) ، وهم مواطنون مشاركون لنا في مملكة الدنيا ولكنهم أعداء في مملكة الرب. وهذا الخطاب يتأرجح بين الخطاب الديني التقليدي والخطاب الحديث. ولكن حداثة خطاب ريوشلين تظهر حينما يتحدث عن «ضرورة «إصلاح اليهود» (شأنه في هذا شأن دعاة الاستنارة) . وقد جعل حصولهم على الحقوق مرتبطاً بمدى إصلاحهم لأنفسهم. ولخص ريوشلين موقفه في العبارة اللاتينية «ريفورماندي سيو إكسبلندي reformondi seu expellendi» ومعناها: إما أن تصلحوا أنفسكم أو تُطردوا. والإصلاح يعني ابتعادهم عن الأعمال الهامشية مثل العمل بالربا الذي يجب أن يقلعوا عنه.
إلياهو دا نولا (١٥٣٠-١٦٠٢)
Elijah Da Nola
هو إلياهو بن مناحم دانولا، حاخام وعالم طبيعة إيطالي يهودي، وكان أحد كبار الحاخامات في إيطاليا في أواخر القرن السادس عشر. ساعد في ترجمة العهد القديم إلى الإيطالية وعُيِّن معلماً للعبرية في الفاتيكان، وفي هذه الفترة، تنصر وعُيِّن مراقباً في مكتبة الفاتيكان حيث قام بنسخ المخطوطات العبرية.
نشر دانولا كتاباً عن دلالة الرقم سبعة في العهد القديم وآخر عن رحلته من اليهودية إلى المسيحية حيث بيَّن أنه لم يعتنق المسيحية لتحقيق أي ربح مادي وإنما بسبب إيمانه بأن المسيحية هي الدين الأسمى. كما استخدم دانولا كُتب القبَّالاه اليهودية ومنهج الجماتريا ليبيِّن أن هذه الكتب نفسها تحتوي على نبوءات تبشر بالمسيح.
стр. 5579
الباب الحادى عشر: الشعائر
الشعائر
Ceremonial Law; Religious Ceremonies
«الشعائر» في الخطاب الإسلامي هي ما دعا إليه الشرع الديني وأمر بالقيام به من صلوات وغيرها، مفردها «شعيرة» ، و «شعائر الحج» هي مناسكه، ومواضع المناسك هي «المشاعر» ومفردها «مَشْعَر» . وفي الخطاب الديني المسيحي يُشار إلى الشعائر بكلمة «الطقوس» ومفردها «طقس» ، وهو نظام الخدمة والصلوات والاحتفالات الدينية. ويتم التمييز، في الفكر الديني عامة، بين «الشعائر» و «العقائد» . وهي، في نهاية الأمر، تعبير عن ثنائية الجسد والروح (أو المادة وما وراء المادة) الكامنة في أي نسق ديني. ففي الإسلام، ثمة فارق بين الإيمان الداخلي وإشهار الإسلام الخارجي (دون أن يدخل الإيمان القلب) . ولكن، مع هذا، نجد أن الثنائية داخل إطار الديانات التوحيدية ثنائية فضفاضة لا تؤدي إلى استقطاب حاد، ولذا تظل إقامة الشعائر والمناسك أمراً أساسياً إذ أنها وسيلة كبح الذات الإنسانية والتقرب بها إلى الله، فهي تنفيذ لتعاليمه والدليل الخارجي على الإيمان الداخلي. ويُلاحَظ أن هذا التمييز بين العقائد والشعائر يأخذ شكلاً متطرفاً في الدين المسيحي على وجه الخصوص، إذ تؤكد العقيدة المسيحية الجانب الروحي على حساب الجانب المادي، وهذا ما يجعلها تميل أحياناً إلى شكل من أشكال الثنائية الصلبة التي تؤدي إلى الاستقطاب.
وللشعائر تاريخ طويل في اليهودية، فهي تعود إلى أيام عبادة يسرائيل والعبادة القربانية. وقد استمر تراكم الشعائر، وإن كان بعضها قد تساقط بعد هدم الهيكل واختفاء العبادة القربانية وشعائرها المرتبطة بالزراعة والأرض، مثل: السنة السبتية، والخلط المحظور بين النباتات، وبعض الصلوات كصلاة الاستسقاء، والتضحية بكبشين في يوم الغفران، وتقديم أولى ثمار المحاصيل، وافتداء الابن الأكبر.....
стр. 5580
والشعائر اليهودية كثيرة وصارمة. ومن أهمها الصلاة التي لا يمكن أن تُقام إلا بوجود النصاب (منيان) ، وعلى المصلين ارتداء شال الصلاة (طاليت) ، وتمائم الصلاة (مزوزاه وجمعها مزوزوت) ، وطاقية الصلاة (يرملك) . وتصاحب الأعياد والأيام الخاصة (مثل يوم السبت) شعائر كثيرة، ربما كان أهمها وأكثرها تعقيداً شعائر عيد الفصح.
وعلى اليهودي أن يقيم شعائر كثيرة من المهد إلى اللحد، فبعد الولادة يجري ختان المولود وإطلاق اسم عليه، وعند بلوغه سن الثانية عشرة (سن التكليف الديني) ، تُقام شعائر (أو بالأحرى احتفالات) البرمتسفاه. وعليه، طوال حياته، أن يتبع قوانين الطعام، وخصوصاً الذبح الشرعي. وعند وفاة أحد أفراد أسرته، عليه قراءة القاديش وإقامة مراسم الدفن. وإلى جانب هذا، هناك عشرات الشعائر الأخرى، مثل: شعائر الطهارة والنجاسة، والحمام الطقوسي، وتمائم الباب (مزوزوت) واللحية والسوالف. ويعد الكثير من الأوامر والنواهي (متسفوت) تنفيذاً لهذه الشعائر. والنساء غير مكلفات بالقيام بالشعائر المرتبطة بزمن محدد مثل إقامة الصلاة. ويُلاحَظ أن طريقة أداء بعض الشعائر عند الإشكناز تختلف عنها بين السفارد. كما أن شعائر الجماعات اليهودية الصغيرة المتفرقة، مثل يهود كوشين ويهود كايفنج ويهود الفلاشاه، تختلف جوهرياً عن شعائر اليهودية الحاخامية. واليهودية الحاخامية لا تعرف التفرقة بين الشعائر والعقائد، فهي لم تحاول توحيد اليهود عن طريق توحيد العقائد والرؤية والقيم الأخلاقية وتأكيد شموليتها وفاعليتها، وإنما حاولت أن تفعل ذلك عن طريق توحيد الشعائر وطريقة أدائها.
стр. 5581
والشعائر تعزل اليهود وتوحِّدهم. وقد يُقال إن اليهودية تشبه، في هذا، الإسلام أو أي دين. ولكن ثمة فارقاً عميقاً، فاليهودية لم تحدد عقائدها الأساسية، الأمر الذي جعل الشعائر حركات خارجية لا تدل على شيء خارج نفسها (أي أنها دال دون مدلول) . كما أن اليهودية، كتركيب جيولوجي تراكمي، تحوي داخلها طبقات عقائدية غير متجانسة بل متعارضة. وفي غياب سلطة دينية مركزية، اكتسبت الشعائر مضامين عقائدية مختلفة حتى صارت الشعيرة نفسها تحمل مدلولات مختلفة، ولكنها مع هذا ظلت تُؤدَّى بالطريقة نفسها. وأصبحت طريقة الأداء أهم من المضمون الديني أو العقيدي، بل أصبح بإمكان اليهود الملاحدة أن يؤدوا الشعائر دون الإيمان بالإله.
وقد تساءل كثير من الفلاسفة اليهود عن هذه الشعائر، وهل تتفق مع العقل أم أنها جزء من التقاليد الدينية أو من الأوامر الإلهية التي على المؤمن قبولها. وقد انقسموا في هذا الشأن إلى ثلاثة أقسام، فمنهم من نادى بأنها عقلية، ومنهم من قال إنها لا علاقة لها بالعقل، ومنهم من أخذ موقفاً وسطاً. والتلمود هو الكتاب الذي يضم هذه الشعائر ويفصل بين أحكامها بعناية وتفصيل. وقد قام يوسف كارو بتلخيص هذه الأحكام وتصنيفها في كتاب واحد هو الشولحان عاروخ الذي صار كتاباً معتمداً لدى اليهود.
стр. 5582
وقد حاول بعض دارسي العقائد اليهودية تفسير ظاهرة تزايد الشعائر وصرامتها. ونحن نذهب إلى أن تزايد درجة الحلولية في الأديان يؤدي إلى موقفين من الشعائر متناقضين تماماً، ولكنهما، في الوقت نفسه، متماثلان تماماً ويؤديان إلى النتيجة نفسها (وهذا هو الحال دائماً مع الثنائية الصلبة، إذ يتقابل النقيضان) . أما الموقف الأول، فهو تزايد هذه الشعائر بشكل متطرف، وهو أمر مفهوم باعتبار أن تزايد درجة الحلولية يتبعه تزايد معدلات القداسة التي يظن الإنسان أنه يتمتع بها. ومن ثم تصبح كل أفعاله، وضمن ذلك أدنى الأفعال الإنسانية وأحطها وأكثرها دناءة، مقدَّسة. ولذا، يجب أن تتبع هذه الأفعال نظاماً مقدَّساً محدداً، أي الشعائر. والشعائر هنا، في النسق الحلولي، تحل محل الأخلاق في النسق التوحيدي. إذ أن هدف الوجود في النسق الحلولي ليس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإنما التقرب من الإله والالتصاق به ثم التوحد معه عن طريق إقامة شعائر معينة، تنتهي في نهاية الأمر إلى التوصل إلى التحكم في الإرادة الإلهية (ومن ثم نجد أن هذه الشعائر ترتبط دائماً بالسحر) . لكل هذا، تختفي النزعة الأخلاقية الروحانية تماماً وتكتسب الشعائر، خصوصاً شعائر الطهارة، أهمية بالغة. كما أن وظيفة الشعائر هنا تصبح عزل الإنسان (المقدَّس) عن محيطه الديني، التاريخي أوالنسبي أو الإنساني. ورغم أن الحاخامات لم يعبِّروا عن هذا الرأي بهذا الشكل المباشر، فإن كثيراً من أقوالهم الخاصة بأن الشعائر منزلة من عند الإله، حتى يقترب اليهود منه ويصبحوا جزءاً منه ويعزلوا عن الأغيار، تحمل هذا المضمون أو على الأقل تتضمنه. وقد وصل هذا التيار إلى قمته في القبَّالاه اللوريانية التي جعلت حركات اليهودي وسكناته أموراً ذات دلالة شعائرية عميقة، وجعلت صلاته وسيلةً لإنجاز الزواج المقدَّس بين الابن (التجلي السادس) والابنة (التجلي العاشر) والذي يأتي بالخلاص لليهود ولكل البشر، بل
стр. 5583
للإله نفسه. وقد عَدَّل القبَّاليون بعض الشعائر، وأضافوا من الأدعية والبركات ما يؤكد ذلك المعنى.
ولكن النسق الحلولي لا يمكنه أن يفسر هذه الظاهرة بمفرده، فثمة عناصر في الواقع التاريخي ساعدته على التحقق. ويمكننا أن نقول أيضاً إن تحوُّل اليهود إلى جماعات وظيفية كان عنصراً حاسماً في هذه القضية، فالجماعة الوظيفية ترى أنها موضع القداسة، وتعاني من مركب الشعب المختار، كما أنها لابد أن تحافظ على عزلتها عن طريق العديد من الشعائر. وقد دعمت السلطة الحاكمة سيطرة القيادة الدينية على الجماعات اليهودية، حتى يتسنى لها أن تضرب سياجاً من حولها يضمن لها أداء وظيفتها. وإقامة الشعائر كانت وسيلة أساسية لإنجاز هذا الهدف. ومن هنا، كانت الحكومات غير اليهودية حريصة على أن يحافظ أعضاء الجماعات اليهودية على أداء الشعائر اليهودية وعلى أن يؤدوها بانتظام.
стр. 5584
لكن ثمة جانباً آخر لتزايد النزعة الحلولية، وهو أنها تنتهي بانفجار مشيحاني يتبدى في شكل خرق سائر الشرائع وعدم إقامة الشعائر وإسقاطها. فحينما تزداد قداسة الإنسان، يزداد حلول الإله فيه ويصل الحلول إلى نقطة وحدة الوجود، وعند هذه النقطة يفقد الإله نفسه ويبدأ في الشحوب، إلى أن يحل تماماً في الإنسان وبذا يصير الإنسان هو نفسه إلهاً. ولكن الإله لا يحل في الإنسان وحسب وإنما في الطبيعة أيضاً. ومن ثم، فإن الإله والإنسان يُردّان إلى الطبيعة حتى نصل إلى درجة الواحدية المادية الكونية حيث تُختَزل كل المستويات (الإنسانية والإلهية) إلى مستوى كوني أو طبيعي واحد (ويصبح الإنسان إنساناً طبيعياً) . ولذا، فإن الحلولية تؤدي إلى العلمانية والمادية وتأليه الإنسان وتطبيعه، أي دمجه في الطبيعة في الوقت نفسه، وهو اختفاء الجانب الروحي والأخلاقي. ومن ثم، تصبح إقامة الشعائر أمراً سخيفاً لا قيمة له. وهذا يتضح أيضاً في التراث القبَّالي وفي التفسيرات القبَّالية في الحديث عن توراة الفيض (مقابل توراة الخلق) وهي توراة لا يقرؤها إلا العارفون بأسرار القبَّالاه. وتتميز هذه التوراة بأنها لا تتضمن أية شعائر أو أوامر أو نواه (فالأوامر والنواهي تفترض الحدود، بينما العارفون بتوراة الفيض مقدَّسون لا حدود لهم ويتحكمون في الإرادة الإلهية نفسها) . وقد تبدَّى هذا في الحركات الشبتانية حيث كان زعماء هذه الحركات يقومون بإبطال الشريعة والدعوة إلى خرق الشعائر. ولقد ذهب بعضهم إلى تحويل الوصايا العشر إلى نقائضها أو إلى إعادة تفسيرها. فوصية مثل «لا تسرق» تحولت إلى «لا تسرق إلا بحذر» أو «فلتسرق» . والشيء نفسه يُقال عن الوصية الخاصة بالزنى. وقد وصل هذا إلى قمته في حركات مثل الدونمه والحركة الفرانكية.
стр. 5585
ومرة أخرى، لم يكن النسق الحلولي يقدر بمفرده على أن يصل باليهود إلى هذه المرحلة الترخيصية دون وجود عناصر تاريخية وحضارية ساعدت على تَحقُّقه. ومن أهم هذه العناصر، انتشار يهود المارانو الذين لم يكونوا يعرفون الشعائر اليهودية، إذ كانت ديانتهم مجموعة من العقائد الخفية المنفصلة عن الشعائر التي لم يكن بوسعهم القيام بها. كما أن ضعف دور الجماعات اليهودية، كجماعة وظيفية، ولَّد لديهم رغبة في الانفلات من العزلة الجيتوية والشعائرية التي فرضتها عليهم وظيفتهم. وأخيراً، كان عدد الشعائر قد تزايد بشكل رهيب مع بدايات القرن السابع عشر حتى صرح أحد اليهود، في منتصف القرن الثامن عشر، بأنه أصبح من الصعب على الإنسان أن يكون إنساناً ويهودياً في الوقت نفسه.
كما أن تزايد الشعائر سبَّب الكثير من المشاكل لأعضاء الجماعات اليهودية، فقد كان أعضاء الأغلبيات يتهمونهم بأنهم يعزلون أنفسهم عمداً عن بقية الشعب. بل يبدو أن تهمة الدم تعود إلى أن كثيراً من الناس لم يفهموا شعائر عيد الفصح البالغة التعقيد. ولعل أحد أسباب ظاهرة الجيتو هو حاجة اليهود، الواحد منهم إلى الآخر، حتى يتسنى لهم إقامة الشعائر الدينية.
وقد ظهر داخل اليهودية، منذ بداية تاريخها، نقد للتطرف الشعائري، فقد هاجم الأنبياء (المدافعون عن الفكر التوحيدي) الشعائر والقرابين وتكريس الذات لها بدلاً من الإيمان الحقيقي الداخلي. فالإله لا يُسرُّ بالذبائح وإنما بالعيش حسب قواعد الأخلاق. ويمكن القول بأن سبب الأزمات المختلفة التي واجهتها اليهودية كان يتمثل في تزايد الشعائر وصرامتها وجفافها على حساب العقائد. وقد انتصرت المسيحية على اليهودية في القرن الأول الميلادي لأن العبادة القربانية كانت قد تحولت إلى شعائر خارجية خالية من المعنى، وطرحت المسيحية بدلاً من ذلك فكرة الإيمان الذي يُفصح عن نفسه عن طريق قربان الشفتين والقلب (أي الإيمان والصلاة) وجعلته سبيل الخلاص.
стр. 5586
ومع بدايات القرن السابع عشر، كانت اليهودية الحاخامية (كما أسلفنا) قد بدأت تواجه الأزمة نفسها مرة أخرى، إذ تزايدت الشعائر وتوارت العقائد وتراجع الإيمان. وقد شنت الحركات المشيحانية الهجوم على اليهودية الحاخامية، فكانت تخرق الشعائر وتبطلها تماماً. وقد ذهب مندلسون إلى أن اليهودية ليست ديناً بالمعنى المتعارف عليه، فهي مجموعة من القوانين والقواعد الأخلاقية السلوكية والشعائر المُرسَلة التي تهدف إلى وضع أسس لسلوك اليهود لا إلى تقنين تفكيرهم وعقيدتهم. أما العقائد اليهودية، من وجهة نظره، فهي أمور عقلية عامة وبديهية يستطيع العقل أن يصل إليها دون حاجة إلى دين مرسل. ومن هنا، فإن الشعائر تُجسد في نظره الخصوصية اليهودية (القومية) ، أما العقائد فلا يوجد فيها ما يجعل اليهودية مختلفة عن غيرها من الديانات.
وقد تقبل اليهود الإصلاحيون هذه الأطروحة، ولكنهم خَلصوا منها إلى ضرورة الحفاظ على العقائد العقلية العامة وضرورة التخلص من الشعائر ومن الخصوصية ومن النزعة القومية التي تعزل اليهود وتمنعهم من الاندماج، وقد كان هذا الخط العام لحركة التنوير اليهودية. وذهب دعاة اليهودية المحافظة إلى ضرورة الحفاظ على الشعائر باعتبارها جزءاً من التقاليد اليهودية الشعبية، وعلى أساس أنه قد يكون من الضروري تغييرها وإعادة تفسيرها لتتفق مع روح العصر. ولكن عملية التغيير هذه يجب أن تتم بحذر شديد ومن خلال شكل من أشكال الاجتهاد أو الإجماع الشعبي.
وفي أواخر القرن الثامن عشر، وعبر القرن التاسع عشر، كانت الحكومات المطلقة في أوربا تحاول تشجيع أعضاء الجماعات بشتى الطرق للتخلي عن إقامة الشعائر، خصوصاً ما يعمق منها الهوية اليهودية ويعزل اليهود عن بيئتهم الحضارية، مثل إطلاق اللحية والسوالف. كما كانت تمنع أحياناً تعيين اليهود الذين يطلقون لحاهم، وتمنع تدريس التلمود في المدارس اليهودية.
стр. 5587
وقد استجاب كثير من اليهود لهذه الدعاوى التنويرية، ولكن العقائد اليهودية ظلت غير واضحة أو مستقرة، ولم يتم تعريفها. ولذا، فإن اليهودي حينما يتخلى عن إقامة الشعائر لا يبقى له شيء من اليهودية. وهناك من السوابق التاريخية ما يبين أن التخلي عن الشعائر يؤدي إلى اختفاء اليهودية كما حدث مع يهود كايفنج مثلاً. ولعل هذا هو أيضاً ما حدث ليهود آشور بعد التهجير الآشوري. وهذا يفسر ارتفاع نسبة التنصُّر بين اليهود في العصر الحديث، أو تَحوُّل الأغلبية الساحقة منهم إلى يهود ملحدين أو لا أدريين أو مجرد يهود إثنيين. وفي هذه الحالة، يتحول ما تبقَّى من شعائر إلى مجرد رموز إثنية أو عرْقية قومية يتمسك بها كثير من اليهود الملحدين أو الإثنيين، لا إيماناً بعقيدة دينية أو قيمة أخلاقية وإنما تعبيراً عن الهوية. وبالتالي، تُفرَّغ الشعائر من مضمونها بل تكتسب مضموناً مناقضاً لمعناها الديني الأصلي. والواقع أن إقامة الشعائر هي، من المنظور الديني (التوحيدي) ، محاولة لكبح الذات والتقرب من الإله. أما من المنظور الإثني (الحلولي) ، فهي تأكيد للذات والتفاف حولها وتعبير عن توثنها. والصهيونية، في جوهرها، امتداد لهذا الموقف، فهي محاولة للاستمرار في الشعائر الدينية باعتبارها تعبيراً عن الروح القومية اليهودية، وهي لذلك شكل من أشكال توثن الذات.
ويُلاحَظ أن أهمية الشعائر تتحدد حسب شعائر مجتمع الأغلبية. ففي الولايات المتحدة، تآكلت شعائر السبت والطعام الشرعي تماماً (حيث لا يقيمها سوى قلة قليلة من يهود الولايات المتحدة لأنها تتناقض مع إيقاع المجتمع) . ورغم أن عيد التدشين غير مهم من منظور اليهودية الحاخامية بالمرة، فقد اكتسب أهمية غير عادية بسبب وقوعه في التاريخ نفسه الذي يقع فيه الكريسماس (عيد الميلاد) . بينما تراجعت أهمية عيد المظال مثلاً، برغم أنه من أعياد الحج الثلاثة، لأنه لا يتزامن مع أي عيد أمريكي ولا يقع بالقرب منه.
стр. 5588
ويواجه بعض أعضاء الجماعات اليهودية صعوبة بالغة في تنفيذ الشعائر. ولعل قوانين الطعام أكثر الشعائر اصطداماً بالواقع العلماني الغربي، إذ يجد اليهودي صعوبة في الحفاظ عليها، فرغم تميُّز أعضاء الجماعات اجتماعياً، فإنهم لا يجدون جزاراً يقدم لهم لحوماً تتبع قواعد الذبح الشرعي. كما أن بعض الدول، مثل الدول الإسكندنافية، تحرم الذبح الشرعي باعتبار أنه يشكل قسوة ضد الحيوانات. وتشكل إقامة مظلة السوكاه (في عيد المظال) مشكلة بالنسبة إلى اليهود الذين يعيشون في البلاد الباردة، ويتم التغلب على هذا إما عن طريق إقامتها في المعبد اليهودي أو في الشرفة (وهي امتداد للمنزل) ويمكن تدفئتها.
стр. 5589
وقد بُعثت في إسرائيل بعض الشعائر المرتبطة بالأرض، مثل لاج بعومير (يوم الحصاد) ورأس السنة للأشجار، كما يحاول بعض المتدينين تطبيق شعائر السنة السبتية وإن كانوا يجدون صعوبة بالغة في ذلك. وتحاول المؤسسة الدينية، من خلال أجهزة الحكومة، تذليل الصعوبات أمام من يود أن يؤدي الشعائر. وقد تأسس في إسرائيل معهد خاص يحاول التوصل إلى طرق يمكن بها تأدية الشعائر في المجتمع الحديث، فيمكن مثلاً برمجة أضواء كهربائية في ليلة السبت حتى تعمل آلياً في اليوم التالي. كما أن كثيراً من المصالح الحكومية تأخذ الشعائر في الاعتبار فلا تؤسس فنادق إلا وبها مطبخان حتى يمكن تنفيذ الشعائر الخاصة بالطعام. ومع هذا، لا يمكن القول بأن الإسرائيليين حريصون على أداء الشعائر، فهم يلتهمون كميات كبيرة من لحم الخنزير بشراهة غير عادية، وأصبح يوم السبت يوم عطلة نهاية الأسبوع يخرجون فيه ويمارسون سائر الأنشطة التي يمارسها الإنسان الغربي في المجتمعات العلمانية، كما يذهبون إلى دور العرض السينمائي. وإهمال الشعائر هو تعبير عن حلولية الإسرائيليين الوثنية. فالإله يحل في المستوطنين (الذين يحلون في أرض فلسطين) . وهم بذلك يصبحون «قوة التشريع» ولذا تُعطَّل الشرائع. وكما تقول إحدى شخصيات رواية يائيل ديان طوبى للخائفين: "لا تقم الشعائر يا بني، فديننا هو أرضنا وتوراتنا هي الدولة، وعلمنا هو شعارنا وهو تميمتنا عوضاً عن المزوزاه". وهذا يخل باتفاق الوضع القائم (وهو ذلك الوضع الذي كان قائماً في فلسطين قبل عام ١٩٤٨ بشأن تنفيذ الشعائر فيها حيث كانت الشعائر تُنفَّذ في بعض القطاعات وتُستبَعد في قطاعات أخرى، فمثلاً كان تُباح مشاهدة مباريات كرة القدم يوم السبت ولكن كان يُمنع عرض أفلام سينمائية) . وحتى عهد قريب، كانت المدن الإسرائيلية مُقسَّمة حسب مدى التزامها بتنفيذ الشرائع، فكانت تل أبيب غير مكترثة بها، بينما كانت أعلى درجات الالتزام بالشعائر في
стр. 5590
القدس. وفي الآونة الأخيرة، بدأ الزحف العلماني نحو القدس. وقد تقدَّم أحد زعماء الجماعة اليهودية الأرثوذكسية المعادية للصهيونية بمذكرة إلى ياسر عرفات، يشكو فيها من إقامة محلات لبيع المواد الإباحية في القدس.
ويُصدَم كثير من أعضاء الجماعات اليهودية، من المتدينين وغير المتدينين، حينما يقومون بزيارة إسرائيل (فلسطين المحتلة) بسبب هذه الظاهرة. أما المتدينون، فيرون في هذا تراجعاً عن المثل الدينية، وأما غير المتدينين فيرون فيه تآكلاً للهوية. وقد صُدم يهود الفلاشاه أيضاً بهذه الظاهرة، وأشاروا إلى مفارقة أن المؤسسة الحاخامية لا تعترف بيهوديتهم رغم حرصهم على إقامة الشعائر بدرجة تفوق حرص الإسرائيليين.
الأوامر والنواهي (متسفوت)
Mitzvot
«الأوامر والنواهي» هي المقابل العربي لكلمة «متسفوت» العبرية التي تعني أيضاً «الوصايا» أو «الفرائض» . و «متسفوت» صيغة جمع مفردها «متسفاه» . وللكلمة (داخل النسق الديني اليهودي) معنيان: معنى عام، وهو القيام بأي فعل خيِّر تمتزج فيه الأفعال الإنسانية بالقيم الدينية، فإذا ساعد يهودي أخاه منطلقاً من حبه له فهذه «متسفاه» (وتأتي عادةً في هذه الصيغة) . أما المعنى الخاص للكلمة (ويأتي عادةً في صيغة «متسفوت» ) فهو الوصايا أو الأوامر والنواهي (متسفوت) التي تُكوِّن في مجموعها التوراة. وتشمل المتسفوت ستمائة وثلاثة عشر عنصراً، منها مائتان وثمانية وأربعون أمراً، وثلاثمائة وخمسة وستون نهياً، وهي موجهة إلى اليهود وحسب (إذ أن أبناء نوح لهم وصايا خاصة بهم) .
стр. 5591
وقد صُنِّفت المتسفوت إلى أوامر ونواهٍ توراتية وأخرى حاخامية. كما قُسِّمت إلى أوامر ونواه أقل أهمية وأخرى أكثر أهمية، وإلى أوامر ونواه عقلانية (أي تُفهَم بالعقل) وأخرى مُوحىً بها (أي يطيعها اليهودي دون تفكير) . ومن التصنيفات الأخرى، أوامر ونواه تُنفَّذ بالأعضاء وأخرى بالقلب، وتلك التي لا تُنفَّذ إلا في فلسطين (إرتس يسرائيل) ، وتلك التي تنفذ داخلها وخارجها. واليهودي البالغ ثلاثة عشر عاماً ويوماً يُكلف بتنفيذها، وكذلك اليهودية البالغة اثني عشر عاماً ويوماً. ومن هنا تسمية الصبي اليهودي الذي يبلغ سن التكليف الديني «برمتسفاه» ، أما الفتاة فهي «بت متسفاه» . والنساء غير مكلفات بتنفيذ الأوامر المرتبطة بزمن محدَّد أو فصل محدَّد، مثل إقامة الصلاة، وإن كن مكلفات بإقامة شعائر السبت برغم ارتباطها بزمن محدَّد، وكلٌ من الذكور والإناث مكلفون بالنواهي.
والأوامر تختص بالإله (١ ـ ٩) ، وبالتوراة (١٠ ـ ١٩) ، والهيكل والكهنة (٢٠ ـ ٣٨) ، والقرابين (٣٩ ـ ٩١) ، والإيمان (٩٢ ـ ٩٥) ، والطهارة (٩٦ ـ ١١٣) ، والهبات للهيكل (١١٤ ـ ١٣٣) ، والسنة السبتية (١٣٤ ـ ١٤٢) ، وذبح الحيوانات (١٤٣ ـ ١٥٣) ، والأعياد (١٥٤ ـ ١٧٠) ، والجماعة (١٧١ - ١٨٢) ، والشرك (١٨٥ ـ ١٨٩) ، والحرب (١٩٠ ـ ١٩٣) ، والعلاقات الاجتماعية (١٩٤ ـ ٢٠٨) ، والأسرة (٢٠٩ ـ ٢٢٣) ، والشئون الاقتصادية (٢٢٤ ـ ٢٣١) ، والعبيد (٢٣٢ ـ ٢٣٥) ، والأذى (٢٣٦ ـ ٢٤٨) .
أما النواهي، فتختص بالشرك (١ ـ ٥٩) ، والهرطقة (٦٠ ـ ٦٦) ، والهيكل (٧٦ ـ ٨٨) ، والقرابين (٨٩ ـ ١٥٧) ، والكهنة (١٥٨ ـ ١٧١) ، وقوانين الطعام (١٧٢ ـ ٢٠١) ، ونذيرو الإله (٢٠٢ ـ ٢٠٩) ، والزرعة (٢١٠ ـ ٢٢٩) ، والإقراض بالربا والتجارة ومعاملة العبيد (٢٣٠ ـ ٢٧٢) ، والعدل (٢٧٣ ـ ٣٢٩) ، وجماع المحارم والعلاقات المحرمة الأخرى (٣٣٠ ـ ٣٦١) ، والملكية (٣٦٢ ـ ٣٦٥) .
стр. 5592
ومن أهم الأوامر، تلك الأوامر المتصلة بالختان وزراعة الأرض (السنة السبتية) والطعام والأسرة وغيرها. والواقع أن عدم الالتزام بالأوامر والنواهي يعني عدم الانتماء إلى الشعب اليهودي. ومن الملاحَظ أن كثرة الأوامر والنواهي والشعائر المرتبطة بها (في اليهودية) قد أدَّت إلى تكبيل اليهود وإلى زيادة سلطة الحاخامات، الأمر الذي جعل عملية تحديث اليهودية أمراً عسيراً.
ولا شك في أن تزايد الأوامر والنواهي وتقنينها تعبير عن عنصرين مترابطين أولهما الطبقة الحلولية داخل التركيب الجيولوجي اليهودي. فالحلولية تتبدَّى دائماً في كثرة الشعائر وتطرفها، فهي شكل من أشكال تأكيد قداسة من يتمتع بالحلول الإلهي مقابل من يقع خارج دائرة القداسة، أما ثانيهما فهو تحوُّل الجماعات اليهودية إلى جماعات وظيفية وهي جماعات عادةً ما تفرض على نفسها عدداً هائلاً من الأوامر والنواهي حتى تحتفظ بهويتها المحايدة الضرورية للاضطلاع بوظيفتها.
وقد حاول الفلاسفة اليهود تفسير الأوامر والنواهي، ففسَّرها موسى بن ميمون بأنها تنازل من جانب الإله للعقل البدائي. وقد أصبحت المتسفوت، بالنسبة إلى القبَّاليين، مثل الأسرار الدينية أو التعويذات السحرية. وهي تشبه، في هذا، السر المقدَّس عند المسيحيين. ولما كان اليهود يشغلون، حسب الرؤية القبَّالية، مركزاً أساسياً في عملية الخلاص الكونية، فإن قيامهم بتنفيذ الأوامر والنواهي مسألة ذات أهمية كونية إذ يستطيع اليهود، من خلال قيامهم بها، أن يسرعوا بزواج الابن/الملك من الابنة/الملكة، أو الإله من الشخيناه، حتى يتوحدا معاً (بالمعنى الجنسي) . ولذا، فإن على اليهودي قبل أن يقوم بتنفيذ إحدى الوصايا، أن يقول: «من أجل توحيد الواحد القدوس والشخيناه (أنثاه) » .
стр. 5593
وهناك كثير من الأوامر والنواهي (مثل تلك الخاصة بالملكية أو بالهيكل أو اللاويين أو الكهنة أو القرابين) ليس لها سوى أهمية جيولوجية تراكمية، بمعنى أنها مرتبطة بمواقف تاريخية سابقة لم يَعُد لها وجود. ومن ثم، لم يَعُد من الممكن تنفيذها رغم ورودها. ولعل أهم هذه الأوامر والنواهي تلك الخاصة بمؤسسة الملكية والهيكل، واللاويين والقرابين. ومع هذا، بدأت بعض هذه الأوامر والنواهي تدب فيها الحياة في إسرائيل مرة أخرى وتكتسب أهمية خاصة. فمع محاولات بعض المتطرفين الدينيين في إسرائيل أن يُعيدوا بناء الهيكل، بدأت إعادة بعث الشعائر الخاصة به، وأُسِّس معهد خاص لدراستها والتأكد من دقة تنفيذها. كما بُعثت بعض الوصايا الخاصة بالشعوب الأخرى مثل تلك التي تدعو اليهودي إلى أن يبيد الأقوام الكنعانية السبعة (١٨٧) ، وإلى أن يمحو ذكرى العماليق (١٨٨) ، وإلى تَذكُّر ما فعل أولئك بجماعة يسرائيل (١٨٩) ، وكذا الوصايا التي تَنْهَى عن الزواج من العمونيين أو المؤابيين (٥٣) ، أو عن عقد سلام معهم (٥٤) ، كما تَنْهَى عن نسيان ما فعله العماليق باليهود (٥٩) . ويعود بعث هذه الأوامر والنواهي إلى الجو العنصري المتزايد في التجمع الصهيوني الذي يعبِّر عن الحلولية الخالية من إله فهذه الأسماء مرتبطة في الوجدان الصهيوني بالعرب داخل أو خارج فلسطين، كما أن العرب يُشار إلىهم في أدبيات جوش إيمونيم بمثل هذه التسميات.
стр. 5594
والأهم من كل هذا هو قضية التفسير، فكثير من هذه الوصايا والأوامر، في صيغتها المباشرة، تبدو كأنها مجرد أوامر ونواه ذات طابع أخلاقي عام يتعيَّن على اليهودي التمسك بها، ولكن التفسير يعطيها مضموناً مغايراً تماماً. وللبرهنة على ما نقول، يمكننا أن نشير إلى أحد كتب الأوامر والنواهي وهو كتاب التربية، الذي كتبه حاخام مجهول في القرن الرابع عشر، وصنف فيه الأوامر والنواهي بحسب ترتيب ورودها في العهد القديم، وشرحها حسبما جاء في التلمود. ومن أهم أهداف هذا الكتاب تحديد المضمون الدقيق للوصايا والنواهي والمُصطلَحات المستخدمة فيها. ومن أهم هذه المُصطلَحات كلمة «أخوك» ، أو كلمة «رجل» التي يفسرها بأنها تعني اليهودي وحسب. ولذا، فإن الأوامر والنواهي الخاصة بأن «تحب أخاك» وألا «تسرق أمواله» ولا «تزني بزوجته» ، وكذلك ألا تخدعه أو تؤذيه أو تنتقم منه، لا تنطبق إلا على اليهود وحدهم. وتفسر الوصية الخاصة بضرورة إعتاق العبد اليهودي بأنها تعني ضرورة أن يظل العبد غير اليهودي عبداً أبد الدهر. ويُفسِّر الكتاب هذا التكليف الديني بأنه يستند إلى أن الشعب اليهودي أرقى الأنواع البشرية، وأن اليهود خُلقوا ليعرفوا إلههم ويعبدوه، ولذا فهم يستحقون أن يقوم عبيد على خدمتهم، وهم إن لم يستعبدوا الشعوب الأخرى سيضطرون لاستعباد إخوانهم في الدين. ويرى الكتاب أن هذا هو معنى الفقرة الآتية من سفر اللاويين (٢٥/٣٩ ـ ٤٦) : «وإذا افتقر أخوك عندك وبيع لك فلا تستعبده استعباد عبد، كأجير كنزيل يكون عندك، إلى سنة اليوبيل يخدم عندك. ثم يخرج من عندك هو وبنوه معه ويعود إلى عشيرته. وإلى ملك آبائه يرجع. لأنهم عبيدي الذين أخرجتهم من أرض مصر لا يباعون بيع العبيد. لا تتسلط عليه بعنف. بل اخش إلهك. وأما عبيدك وإماؤك الذين يكونون لك فمن الشعوب الذين حولكم. منهم تقتنون عبيداً وإماءً. وأيضاً من أبناء المستوطنين النازلين عندكم منهم تقتنون ومن عشائرهم
стр. 5595
الذين عندكم الذين يلدونهم في أرضكم فيكونون ملكاً لكم. وتستملكونهم لأبنائكم من بعدكم ميراث ملك. تستعبدونهم إلى الدهر. وأما إخوتكم بنو يسرائيل فلا يتسلط إنسان على أخيه بعنف» . وتُفسَّر الوصية الخاصة بأخذ فائدة على الأموال المُقرَضة للأغيار بأنها تعني ضرورة ألا يبدي اليهودي نحوهم أية رحمة (لأنهم لا يعبدون الرب) . وتُفسَّر الوصية الخاصة بعدم اتباع عادات الأغيار بأنها لا تعني فقط أن يعزل اليهودي نفسه عن الأغيار وحسب، وإنما أن يتحدث عنهم بالسوء أيضاً.
وقد كانت مثل هذه الآراء المتطرفة حبيسة الكتب الفقهية التي كُتبت في جيتوات شرق أوربا (مثل كتاب التربية) والتي تشكِّل رغبة من جانب الضعيف في أن ينتقم من الآخرين على الورق، ولذا لم يكن يتداولها سوى بعض الحاخامات الأرثوذكس، وخصوصاً بعد أن رفضت اليهودية الإصلاحية والمحافظة هذه الأوامر والنواهي. ولكن، بعد حرب عام ١٩٦٧، ومع النفوذ المتزايد للمؤسسة الأرثوذكسية الصهيونية، بدأت تظهر هذه الآراء في الصحف والمجلات الإسرائيلية، بل في الإذاعة والتليفزيون. وقد طُبع كتاب التربية طبعة شعبية مدعومة من الحكومة ويُوزَّع على طلبة المدارس. ويستخدم أعضاء جماعة جوش إيمونيم ما جاء في هذا التفسير لتسويغ الاستيطان واستغلال العمالة العربية، كما أنهم يقتبسون الأوامر والنواهي الخاصة بالعماليق والكنعانيين ويطبقونها على العرب.
стр. 5596
وتظهر الخاصية الجيولوجية التراكمية لليهودية في اقتراح الحاخام اليهودي المحافظ فاكنهايم إضافة وصية جديدة (الوصية رقم ٦١٤) وهي «واجب البقاء» بمعنى أن واجب اليهود هو البقاء، وقد وصفها بأنها الوصية الأساسية التي تحل محل كل الأوامر والنواهي الأخرى. وهم في الواقع يطلقون على هذه الفكرة اسم «لاهوت ما بعد أوشفيتس» ، أي اللاهوت الذي يتصدى للواقع اليهودي بعد الإبادة النازية ليهود أوربا والذي يهدد وجودهم. والبقاء (كما هو معروف) ليس خاصية أخلاقية، وإنما هو خاصية طبيعية داروينية، ولكنه تحوَّل على يد فاكنهايم إلى المتسفاه الأساسية. واليهودية التجديدية تطرح، هي الأخرى، البقاء باعتباره المتسفاه الأساسية بل الوحيدة بالنسبة إلى الشعب اليهودي.
الوصايا
Mitzvot
«الوصايا» ترجمة عربية لكلمة «متسفوت» ، وهي تعني «الأوامر والنواهي» ، ونحن نفضل استخدام المُصطلَح الأخير في معظم الأحيان نظراً إلى أن كلمة «الوصايا» قد تشير أيضاً إلى «الوصايا العشر» ، وهي مختلفة عن «الأوامر والنواهي» .
الختان
Circumcision
«الختان» تقابلها في العبرية كلمة «ميلاَّه» ، ويُقال أحياناً «بريت ميلاَّه» ، أي «عهد الختان» ، وأحياناً «بريت» فقط، أي «عهد» . ويختن الطفل اليهودي بعد ميلاده بسبعة أيام على الأكثر، حتى ولو وقع اليوم السابع في يوم السبت، أو في عيد يوم الغفران، أكثر الأيام قداسة. وقد ذُكر الختان في العهد القديم في ثلاثة مواضع أهمها في سفر التكوين (١٧/١٠ ـ ١٥) .
والختان عادة قديمة جداً، شاعت بين أمم العالم القديم، وهو ضرب من الطقوس الخاصة بالدم (عهد الدم) التي تدخل ضمن القرابين البشرية الشائعة في الشرق الأدنى القديم، أو ضمن شعائر بلوغ سن الرشد. وقد نقلها العبرانيون عن المصريين الذين كانوا يكنون ازدراءً خاصاً للشعوب التي لا تمارس الختان، وهو ما يفسر العبارة الواردة في سفر يشوع (٥/٩) : "اليوم قد دحرجت عنكم عار مصر".
стр. 5597
والختان داخل الإطار التوحيدي تعبير عن تَقبُّل الحدود ورغبة الإنسان في طاعة ربه، ولكنه في اليهودية أصبح يعبِّر عن حلولية النسق الديني اليهودي، وعن تداخل المطلق والنسبي، ولذا فهو يعتبر مناسبة قومية، فهو علامة العهد بين الإله وإبراهيم وجماعة يسرائيل، وهو ما أسبغ القداسة عليهم. ولهذا، فإن من لم يُختن لا يعتبر فرداً من الشعب المقدَّس لأن الإله لا يحل فيه. والختان علامة أن الإله منح جماعة يسرائيل أرض الميعاد ( «وأُعطي لك ولنسلك من بعدك أرض غربتك كل أرض كنعان ملكاً أبدياً وأكون إلههم» [تكوين ١٧/٨] ) . وإذا كان الإله يمنحهم الأرض، فإن الختان على مستوى من المستويات هو القربان الذي يقدمونه له. ويتأكد الطابع القومي الحلولي للختان في الطقوس التي تصاحبه، والتي تأخذ شكل حفل يحضره عشرة أفراد، وهو نفس النصاب اللازم للقيام بصلاة الجماعة اليهودية. ويجلس الجد على كرسي وإلى جواره كرسي آخر يُترَك خالياً يُسمَّى «كرسي إلياهو» ، صاحب العهد بين الإله وجماعة يسرائيل، ويقوم بعملية الختان نفسها الموهيل (كلمة عبرية تشير إلى من يقوم بهذه المهمة) . وقد حل محله طبيب في العصر الحديث. بل إنه إذا مات الطفل قبل مرور سبعة أيام من ميلاده، فإن جثمانه يُختن ويُعطى اسماً عبرياً ليكتسب الهوية اليهودية.
стр. 5598
وقد كان الختان في الماضي يُجرى للذكور بصورة بسيطة تتيح للشخص مجالاً للادعاء بأنه غير مختون، ليتقي عدوان غير اليهود عليه، وليتفادى تهكم نساء الأغيار عليه إن عاشرهن جنسياً. وحينما زاد اندماج اليهود في العصر الهيليني، كان بعضهم تُجرَى له عملية تمكِّنه من إخفاء آثار الختان. وبعد التمرد الحشموني، أُمر الكهنة بأن تزال الغلفة عن آخرها، حتى لا يتمكن اليهود من الاندماج مع الأغيار. وكان الحشمونيون يفرضون التهود والختان على الشعوب التي يهزمونها (مثل الإيطوريين) . وقد منع أنطيوخوس الرابع (إبيفانيس) الختان في محاولته دمج يهود فلسطين في إمبراطوريته السلوقية، كما منعه الإمبراطور هادريان، ويُقال إن هذا أحد أسباب ثورة بركوخبا. ومع ظهور المسيحية، أصبح الختان العلامة الأساسية التي تميِّز اليهود عن المسيحيين.
وقد حاولت اليهودية الإصلاحية إسقاط هذه الشعيرة واستمر الجدل عدة سنوات. ويبدو أنه، مع انتشار عادة الختان في الغرب، لأسباب صحية، توقفت المناقشة وقبلته الفرق اليهودية كافة.
وعند استيطان أعداد من يهود الفلاشاه في إسرائيل، طلبت منهم الحاخامية أن يتهودوا، باعتبار أن يهوديتهم مشكوك فيها ومن ثم مرفوضة. وحينما رفضوا ذلك، وافقت الحاخامية أن تتم عملية تهويد اسمية تأخذ شكل عملية ختان مخففة (استنزاف نقطة دم واحدة من مكان الختان) . وحينما وافق بعض أعضاء الفلاشاه، تم ختانهم مرتين، مرة على يد الحاخامية الإشكنازية، والأخرى على يد الحاخامية السفاردية. وقد كان كثير من المهاجرين السوفييت غير مختونين، ولكن أعداداً كبيرة منهم قبلت عملية التهويد والختان حرصاً منهم على فرصة الاستقرار في إسرائيل ومن ثم الحراك اجتماعياً.
стр. 5599
ولا يمارس ختان الإناث بين يهود العالم الغربي، ولكنه يمارس في المجتمعات التي تسود فيها هذه العادة، ومن ثم فإننا نجده بين يهود الفلاشاه. وتحت تأثير حركة التمركز حول الأنثى، ظهر ما يُسمَّى «بريت بنوت يسرائيل» ، أي «عهد بنات إسرائيل» ، رداً على البريت ميلاَّه (عهد الختان) . وتصاحب بريت بنوت يسرائيل صلاة خاصة تؤكد أهمية الأمهات؛ ليليت التي قاومت ورفضت أن يطأها آدم، وحواء، وزوجة نوح، وسارة، ورفقة، وليئة، وراحيل.
بلوغ سن التكليف الديني (برمتسفاه وبت متسفاه)
Bar Mitzvah and Bat Mitzvah
«بلوغ سن التكليف الديني» هي الترجمة العربية لعبارة «برمتسفاه» وهي عبارة آرامية معناها «الابن (بر) المسئول عن تنفيذ الأوامر والنواهي (متسفاه) » ، أي التكليف الديني. ويُطلَق هذا المُصطلَح على اليهودي عند بلوغه سن النضج واكتسابه الهوية اليهودية (الثالثة عشرة ويوماً بالنسبة إلى الذكور والثانية عشرة ويوماً بالنسبة إلى الإناث «بت متسفاه» ) . ويُقام في هذه المناسبة احتفال ديني في المعبد يعقبه احتفال عائلي في المنزل. ويصبح من حق اليهودي البالغ أن يلبس شال الصلاة (طاليت) وينضم إلى صلاة الجماعة إذ يمكن حسابه ضمن النصاب (منيان) ، وأن يقرأ التوراة في المعبد، وعليه أن ينفذ الأوامر والنواهي.
وتنص الشريعة اليهودية على أن سن الثالثة عشرة هي السن المثلى لقيام الشخص الصغير بتحمل مسئولياته الدينية والقانونية كاملة، استناداً إلى أن إبراهيم كان في الثالثة عشرة عندما تصرَّف كشخص ناضج وأنكر على أبيه عبادة الأصنام. وهي أيضاً السن التي تعني اكتمال نضوج الصبي (أو الصبية) وبلوغه من الناحية الفسيولوجية الجنسية بحيث يصبح مؤهلاً للزواج وإنجاب الأطفال.
стр. 5600
لكن عادة الاحتفال بهذه المناسبة ليس لها سند في الكتابات الدينية اليهودية الحاخامية، فلم يرد لها ذكر في التلمود، بل عارضها اليهود الأرثوذكس في شرق أوربا بشدة حينما أُدخلت لأول مرة وقتلوا أحد الحاخامات الإصلاحيين بأن دسوا له السم لقيامه بعقد أحد هذه الاحتفالات. وقد كان الاحتفال يأخذ شكلاً دينياً صرفاً، فيُنادى الشاب البالغ ليقرأ التوراة في المعبد. ولم يكن هناك أي احتفال آخر. ولم يكن يوجد أي احتفال بمناسبة «بت متسفاه» على الإطلاق، فهذا تقليد ابتدعه مردخاي كابلان (مؤسس حركة اليهودية التجديدية) . ومن المنظور الديني التقليدي، كان الاحتفال بالختان مهماً جداً. ورغم كل هذا، أصبح الاحتفال ببلوغ سن التكليف الديني (لا الختان) من أهم المناسبات بين يهود الولايات المتحدة، فهم يبالغون في الاحتفال بها، بطريقة تفرغها من أي محتوى ديني أو حتى تقليدي، الأمر الذي جعل بعض الزعماء الدينيين اليهود يدعون إلى ضرورة المطالبة بالتقليل من شأنها. وقد صار الاحتفال يتسم بالسوقية والابتذال ويعبِّر عن الاستهلاكية المتزايدة في المجتمع الأمريكي. بل إنه لم يَعُد احتفالاً ببلوغ سن الاضطلاع بالأعباء الدينية، وإنما تمت علمنته تماماً فأصبح خليطاً من الاحتفال بعيد الميلاد (بيرثداي بارتي birthday party) والاحتفال بالهوية الإثنية.
стр. 5601
ولتفسير هذه الظاهرة، يمكننا الإشارة إلى أن اليهودية تتأثر إلى حدٍّ كبير بمحيطها الثقافي، وتكتسب هويتها من خلاله. ولذا تتدعم فيها تلك الجوانب التي لها ما يقابلها في الواقع وتتآكل تلك التي ليس لها نظير. والاحتفال بالختان هو احتفال يهودي محض لا نظير له في المجتمع الأمريكي المسيحي، رغم أن هؤلاء يختنون أولادهم لأسباب صحية. وبالتالي، فإننا نجد أن الختان بين اليهود قد تراجعت أهميته وصار يقوم به طبيب دون أي احتفال ديني أو دنيوي. أما الاحتفال ببلوغ سن التكليف الديني، فقد تحوَّل إلى احتفال ضخم لأنه يقابل الاحتفال المسيحي، بتثبيت العماد بالنسبة إلى الأولاد والبنات المسيحيين. ولذا، كان من الضروري أن يظهر شيء مماثل بين أعضاء الجماعة اليهودية على هيئة «برمتسفاه» و «بت متسفاه» ، وذلك رغم عدم وجود أي أساس ديني لها (ولذا، فإن هذا العيد ليس له وجود بين أعضاء الجماعة اليهودية في المجتمعات الإسلامية، على حين أن الاحتفال بالختان لا يزال عيداً مهماً وأساسياً بينهم) .
برمتسفاه
Bar Mitzvah
انظر: «بلوغ سن التكليف الديني (برمتسفاه وبت متسفاه) » .
اللحية
Beard
стр. 5602
تُعتبَر إطالة اللحية في الحضارات القديمة علامة على بلوغ مرحلة الرجولة، وأحد أشكال الهوية. ولذا، كان المصريون يقصون لحيتهم بطريقة تختلف عن قص الآشوريين لها. ويمنع العهد القديم بصريح العبارة حلق أركان اللحية (لاويين ١٩/٢٧) . ولذا، كان إطلاق اللحية أحد الأوامر الدينية التي يتعيَّن على اليهودي أن ينفذها. وينظر التلمود إلى اللحية بوصفها حلية الوجه، وقد نسب إليها المتصوفة من اليهود أسراراً لا يمكن سبر غورها. ويظهر اليهود في الصور المرسومة في العصور الوسطى في الغرب بدون لحى محفوفة، وهو ما يشير إلى تزايد معدلات الاندماج الحضاري بينهم. وفي عام ١٤٠٨،منع المرسوم الإسباني الصادر في ذلك العام اليهود من أن يحلقوا لحاهم، ربما حتى يتميَّزوا عن بقية السكان، وهو في هذا كان يشبه المراسيم النازية التي صدرت بعد ذلك.
وأثناء فترة الإعتاق، كانت الحكومات تمنعهم من إطلاق لحاهم باعتبار أن هذا نوع من التحديث، إذ كانت اللحية تُعَد شكلاً من أشكال الانعزال الحضاري. ولا يُطلق اليهود الغربيون لحاهم في الوقت الحاضر، لكن الأرثوذكس لا يزالون يحرمون حلق اللحية، في حين يسمح الأرثوذكس الجدد بحلاقتها بالشفرة الكهربائية، أي أنهم لا يقصونها.
السوالف
Side-Locks
كلمة «السوالف» يقابلها في العبرية «بيئوت» ، أي «أركان» ، ومفردها «بيئاه» وهي السالف المتدلي. وقد ورد في العهد القديم: «لا تقصروا رؤوسكم مستديراً ولا تفسد عارضيك» (لاويين ١٩/٢٧) ، وهي توصية ضد قص الشعر حول محيط الرأس. وكان من علامات التقوى أن يترك اليهودي جزءاً من شعره غير مقصوص (متدلياً فوق صدغيه وفوق الأذن) . ويترك اليهود الأرثوذكس (من الإشكناز) سوالف طويلة، أما السفارد فإن سوالفهم قصيرة.
стр. 5603
وقد نسبت القبَّالاه اللوريانية صفات عجائبية إلى السوالف، فالقيمة الرقمية للكلمة العبرية «بيئاه» تعادل القيمة الرقمية لكلمة «إلوهيم» ، والسالفان واللحية تساهمان في ربط الإنسان بالإله من خلال التجليات النورانية العشرة (سفيروت) . ولذا، يترك الحسيديون سوالفهم دون أن يقصوها. ونجد الوضع نفسه بين يهود اليمن الذي تأثروا بالقبَّالاه اللوريانية.
وبعد إعتاق اليهود، قص كثير من اليهود سوالفهم مثلما تخلوا عن اليديشية واللحية والقفطان حتى يتم اندماجهم مع المواطنين كافة. وقد حَرَّمت الحكومة الروسية على اليهود ترك السوالف، عدا الحاخامات. وقد اختفت السوالف تقريباً بين اليهود إلا بين غلاة الأرثوذكس.
الطعام والقوانين الخاصة به في اليهودية
Dietary Laws
تُسمَّى القوانين الخاصة بالطعام في العبرية «كاشروت» وهي صيغة الجمع من كلمة «كاشير» أو «كوشير» ومعناها «مناسب» أو «ملائم» . وتُستخدَم هذه الكلمة لتشير إلى مجموعة القوانين الخاصة بالأطعمة وطريقة إعدادها وطريقة الذبح الشرعي عند اليهود، وهي قوانين مصدرها التوراة. ويُسمَّى الطعام الذي يتبع قوانين الكاشروت «كوشير» ، ومعناها الطعام «المباح أكله» في الشريعة اليهودية. وهذه القوانين تحرم على اليهودي أكل أنواع معينة من الطعام، وتُبيح له أكل أنواع أخرى. والواقع أن المحرمات تتعلق أساساً بلحوم الحيوانات، لكن هناك بعض التحريمات الأخرى، مثل: ثمرة الشجرة التي لم يمض على غرسها سوى أربعة أعوام، أو أي نبات غُرس مع نبات آخر (باعتبار أن خلط النباتات مثل الزواج المختلط محرم) . ويُطبَّق هذا الحظر على أرض يسرائيل (أي فلسطين) وحسب. ويُحظَر كذلك شرب أي خمر أعدها أو لمسها شخص من الأغيار. بل يُحرَّم أيضاً أكل خبز أو طعام أعده شخص من الأغيار حتى لو أُعدَّ حسب قوانين الطعام اليهودي. وهناك تحريم أكل الخبز المُخمَّر في عيد الفصح. أما بالنسبة إلى لحوم الحيوانات، فالأمر كالتالي:
стр. 5604
أ) يحل لليهودي أن يأكل الحيوانات والطيور النظيفة، وهي الحيوانات ذوات الأربع، والتي لها ظلف مشقوق وليس لها أنياب، وتأكل العشب وتجتر (تثنية ١٤/٤ - ٢٥، ولاويين ١١/٣) ، والطيور هي الطيور الأليفة التي يمكن تربيتها في المنازل والحقول وبعض الطيور البرية آكلة العشب والحب. وما عدا ذلك من الحيوانات والطيور فهي غير نظيفة. ولذلك يُحرَّم أكل الخيل والبغال والحمير لأنها ليست ذات أظلاف مشقوقة، وكذلك الجمل لأنه ذو خف وليس ذا أظلاف، ويُحرَّم الخنزير لأنه ذو ناب مع أن أظلافه مشقوقة. أما الأرانب وأشباهها، فهي من القوارض آكلة العشب، ولكنها ذات أظفار لا أظلاف مشقوقة. أما الطيور غير النظيفة، فهي كل طير له منقار معقوف أو مخلب، وهي أوابد الطير التي تأكل الجيف والرمم، مثل الصقر والنسر والبومة والحدأة والببغاء.
ب) يُحرَّم على اليهودي أن يأكل لحم الحيوانات، إن لم يكن قد ذبحها ذابح شرعي (شوحيط) ، وبالطريقة الشرعية بعد تلاوة صلاة الذبح (الذبح الشرعي) .
جـ) يُحرَّم أيضاً أكل أجزاء معينة من الحيوانات، مثل عرْق النسا، حيث يجب أن يزال من الحيوانات، أو لا يؤكل. كذلك يُحرَّم أكل أجزاء الحيوان الذي لا يزال حياً واللحم الذي لم يُسحَب منه الدم من خلال التمليح (بالعبرية: مليحاه) . (غسل اللحم لمدة ثلاثين دقيقة ـ تصفية ما تبقى من الدم ـ تغطية اللحم بالملح لمدة ساعة - غسل اللحم مما تبقَّى من دم وملح) . وعادةً ما يقوم الجزار بهذه المهمة.
د) يحل أكل السمك الذي له زعانف وعليه قشور، أما أي شيء آخر، مثل الجمبري والكابوريا وأنواع الأخطبوط والإستاكوزا، فهو محرَّم. وكذا المحارات.
هـ) يحل لليهودي أكل أربعة أنواع من الجراد، ولكن يُحرَّم عليه أكل الحشرات والزواحف.
стр. 5605
و) يُحرَّم الجمع بين اللحم واللبن. ولذا، يُحرَّم طبخ اللحوم في السمن والزبد بل يجب أن تُطبَخ في زيوت نباتية، كما يحرم تناول اللحم والجبن أو الزبد أو نحوهما في وجبة واحدة (ويجب أن يفصل بين تناول أيٍّ منها والآخر ست ساعات) . بل من المُحرَّم أن يوضع اللحم في إناء كان قد وُضع فيه لبن أو جبن من قبل، أو أن تُستعمَل سكين واحدة في تقطيع اللحوم والجبن أو ما إليهما. ولذلك، تُضطر المطاعم التي تقدم الأكل المباح شرعاً (كاشير أو كوشير) إلى أن يكون لديها مجموعتان من الأوعية، واحدة لطبخ اللحوم وأخرى للألبان، على أن يحفظا في مكانين منفصلين.
ولا يُحرَّم على اليهودي أكل أية خضراوات أو فاكهة. ومع هذا، لا يجوز له أن يأكل من المحاصيل الأربعة الأولى لشجرة. وهناك كذلك التحريم الخاص بالخميرة في عيد الفصح.
كما يُحرَّم على اليهودي تناول خمر أعدها وثني أو حتى لمسها. ويُقال إن الحكمة من هذا التحريم هي أنه قد يكون قد كرَّسها لآلهته. غير أن الحاخامات وسعوا نطاق التحريم بحيث أصبح يشمل ما أعده الوثني أو أي إنسان غير يهودي. كما لم تَعُد المسألة إعداد الخمر وإنما مجرد فتح الزجاجة. وينطبق هذا القانون أساساً على المسيحيين، وبدرجة أخف على المسلمين. فإذا فتح مسيحي زجاجة وجب سكبها، ولكن إذا لمسها مسلم فإنه يحرم شربها ولكن يحل بيعها. كما حرَّم بعض الحاخامات تناول الطعام الذي أعده الأغيار حتى لو كان هذا الطعام شرعياً، كما حرَّموا تناول الطعام في منزل الأغيار أو حتى معهم.
следующие страницы →