Полный текст (8 511 стр.). Показаны 5776–5815 · переход к 5781.
стр. 5776
١١ ـ تُصنَع شطيرة (ساندويتش) من رغيف خبز الفطير الثالث (السفلي) والأعشاب المريرة، وتُؤكل.
١٢ ـ تُؤكل الأطعمة الأخرى في مأدبة العيد.
١٣ ـ يبحث الأطفال عن نصف الرغيف المخبأ ويُؤكل.
١٤ ـ تُتلى صلاة شكر، وتُشرب الكأس الثالثة.
١٥ ـ تُتلى مزامير الشكر للإله (مزامير ١١٥ ـ ١١٨) ، وتُشرب الكأس الرابعة، ويُفتَح باب المنزل. ومع نهاية المأدبة، تُتلى بعض فقرات العهد القديم (خروج ١٢/٤٢) للدلالة على أن أعضاء جماعة يسرائيل لا يخافون شيئاً، وإن كان يُقال إن السبب الحقيقي هو إعطاء فرصة لغير اليهود لأن يروا أنهم لا يأكلون خبزاً معجوناً بدم طفل مسيحي، وللسبب نفسه كانوا يشربون نبيذاً أبيض، مع أن النبيذ الأحمر مُفضَّل حسب العرف الديني.
خبز الفطير (متساه)
Matzah
стр. 5777
«خبز الفطير» هو الخبز الذي لا تدخله خميرة، ويعبَّر عنه في العبرية بكلمة «متساه» وجمعها «متسوت» ، وهو نوع من الخبز يمكن إعداده بسرعة. ولذا، يُشار إليه بأنه الخبز الذي يُعَدُّ للضيوف غير المُتوقَّعين (تكوين ١٩/٣) . وهو أيضاً «خبز الخروج» أو الخبز الذي يأكله اليهود في عيد الفصح الذي يُسمَّى أيضاً «عيد المتسوت» . والتفسير الديني لخبز الفطير هو أن أعضاء جماعة يسرائيل، عند خروجهم من مصر، كانوا في عجلة من أمرهم، فعجنوا خبزهم بدون خميرة، لأنه لم يكن لديهم وقت للتأنق. ولكن يبدو أن هذا الخبز يعود إلى أحد احتفالات الربيع في كنعان، فقد كانت تُعَد فطائر من عجين غير مخمر من المحصول الجديد وتُؤكل بوصفها جزءاً من الطقس الديني. ويُلاحَظ أن حظر استخدام الخميرة في المنزل ينطبق على كل أيام عيد الفصح. أما أكل خبز الفطير نفسه، فهو فريضة دينية يجب أن يؤديها اليهودي في اليوم الأول من عيد الفصح (وفي اليومين الأول والثاني بين أعضاء الجماعات خارج إسرائيل) وإن كان من المستحسن أن يُؤكل هذا الخبز طيلة الأسبوع. وفي إسرائيل يتزاحم المواطنون اليهود على المخابز العربية لشراء خبز عادي، حتى لا يضطروا إلى أكل خبز الفطير حيث يكون محظوراً على المخابز اليهودية أن تحتفظ بخميرة أثناء فترة العيد. ومؤخراً، طُبِّق هذا الحظر على المخابز العربية في القدس. وفي الآونة الأخيرة، لجأت الحاخامية إلى حيلة شرعية حتى لا يكون هناك أي خميرة في إسرائيل فتُباع أية خميرة في إسرائيل لأحد العرب قبل عيد الفصح، ثم تُشترَى بعد العيد!
كتاب احتفالات عيد الفصح (هاجاداه)
Haggadah
стр. 5778
«هاجاداه» كلمة عبرية معناها «القص» أو «القول» ، وهي الصيغة الثابتة التي تُروَى بها قصة الخروج في الليلة الأولى من احتفالات عيد الفصح، وهي جزء من السدر (النظام) . والنطاق الدلالي للكلمة مرن، فهي قد تُستخدَم للإشارة إلى كل السدر، كما تُستخدَم للإشارة إلى الكتب التي تحوي القصة، أو تشير إلى كتب السدر نفسها. وهي تشير أيضاً إلى مجموعة الصلوات والأدعية والتعليقات المدراشية والمزامير وقصة العبودية في مصر والخروج منها، وإلى شكر الإله على تخليص اليهود من العبودية والتوسل إليه أن يخلصهم في العام القادم.
وسرد قصة الخروج فرض ديني، فقد جاء في سفر الخروج (١٣/٨) : «وتخبر ابنك في ذلك اليوم قائلاً من أجل ما صنع إليّ الرب حين أخرجني من مصر» . ويكتفي القراءون بقراءة الفقرات المناسبة في العهد القديم، ولكن اليهود الحاخاميين يفضلون أن يأخذ القص شكل العرض والتفسير المدراشي لهذه الفقرات، فتأخذ شكل أسئلة وأجوبة. ويطرح هذه الأسئلة أصغر الأطفال الموجودين في المأدبة، فيقول: «ماه نيشتاناه» : أي "لم هذه الليلة مختلفة عن بقية الليالي؟ "، ثم يتبعه بأربعة أسئلة عن خبز الفطير (متسوت) ، والأعشاب المرة (مارور) ، وعن عادة الاضطجاع أثناء الأكل. والإجابة عن هذه الأسئلة هي الهاجاداه بالمعنى المحدد للكلمة. وهي تأخذ أيضاً شكل صيغة ثابتة مقررة من قبل، فتبدأ الإجابة بالإشارة إلى أن اليهود كانوا عبيداً في مصر، يتبعها بعض التعليقات المدراشية على فقرات من سفر التثنية (٢٦/٥ ـ ٨) وذكر الأوبئة العشرة، ثم تُتلى أنشودة شكر.
стр. 5779
وكتب الهاجاداه مكتوبة بالعبرية وبها بعض العبارات الآرامية، وهي عادةً محلاة بالصور. وتحتفظ كثير من الكيبوتسات في إسرائيل بهاجاداه خاصة بها، مُصوَّرة تصويراً خاصاً، ولها ألحانها الخاصة أيضاً. كما أصدر الجيش الإسرائيلي هاجاداه خاصة به محلاة بصور عسكرية، وتهدف هذه الطبعة إلى المزج بين كل المهاجرين الذي يتسمون بعدم التجانس الثقافي. وقد بدأت بعض الجماعات اليهودية مؤخراً في إصدار طبعات من الهاجاداه تحذف بعض الصيغ التقليدية، وتضيف مادة جديدة مثل الإشارة إلى الحركة الصهيونية وتأسيس إسرائيل. وقد ألَّف الكاتب الإسرائيلي حاييم حزاز هاجاداه إسرائيلية حديثة تماماً للاحتفال بعيد الاستقلال لا بعيد الفصح، باعتبار أن استقلال إسرائيل أكثر أهمية من الخروج القديم من مصر فهو يمثل التحرر الحقيقي والكامل لليهود من كل بلاد العبودية. كما وضعت بعض مفكرات حركة اليهودية المتمركزة حول الأنثى كتاب هاجاداه خاصاً بالنساء، فبدلاً من كأس النبي إلياهو وضعن كأس الكاهنة مريم وبدلاً من الأبناء الأربعة نجد البنات الأربع، وهكذا. كما وضعت إحدى الجماعات اليهودية المدافعة عن البيئة هاجاداه «بعد تحرير الحمل» ، أي أنه لا يتم التضحية بالحمل أو أكل لحمه ويُكتفى بأكل الأعشاب والخضروات.
الميمونه
Maimuna
стр. 5780
يُقال إن كلمة «الميمونه» تعود إلى كلمة «ميمون» العربية بمعنى «السعيد» ، و «الميمونه» احتفال يعقده يهود المغرب، وكثير من العرب اليهود، في آخر يوم من أيام عيد الفصح. وهو اليوم الذي يوافق ذكرى وفاة ميمون بن يوسف (والد موسى بن ميمون) الذي عاش في فاس لبعض الوقت. وفي هذا اليوم، تُصَف على الموائد تلك الأطعمة والمشروبات التي لها دلالة رمزية مثل دوارق اللبن الحلو، وأكاليل أوراق الشجر والزهور، وغصون شجر التين، وسنابل القمح، كما يوضع دورق فيه سمكة حية (رمزاً للخصوبة) . ويتضمن الطعام خساً يُغمَس في العسل واللبن المخيض، وفطائر مغطاة بالزبد والعسل. ويُوضع إناء فيه دقيق، داخله بعض الأشياء والحلي الذهبية (رمزاً للثراء) ، وإناء فيه خميرة (لخَبْز أول رغيف بالخميرة بعد انتهاء الحظر على استخدامها) . وأحياناً يُوضع طبق من الدقيق عليه خمس بيضات، وخمس حبات فول وبلح. وفي ليلة هذا الاحتفال، لا يأكل اليهود سوى منتجات الألبان وبسكوبت صُنع بطريقة خاصة تُسمَّى «موفليتا» ، ولا يأكلون أي نوع من اللحم. كما أنهم يزورون بعضهم البعض ويتبادلون الطعام. وفي يوم الميمونه نفسه، يخرج اليهود إلى الحقول والمقابر والشواطئ. ويحتفل يهود المغرب في إسرائيل بالميمونه، وهو ما يثير حفيظة اليهود الإشكناز بسبب طابعه الشرقي.
عيد الاستقلال
Independence Day
стр. 5781
«عيد الاستقلال» ترجمة لعبارة «يوم هاعتسماءوت» العبرية. و «عيد الاستقلال» هو العيد الذي يحتفل فيه الإسرائيليون بإنشاء الدولة الصهيونية (يوم ١٤ مايو حسب التقويم الميلادي، ٥ إيار حسب التقويم اليهودي) . ويشير له الفلسطينيون باصطلاح «النكبة» ، باعتبار انه ذكرى ما حل بهم من تشريد نتيجة لاغتصاب المستوطنين الصهاينة لواطنهم. وإذا كان يوم ٥ إيار يوم جمعة أو سبت، فإن الاحتفال بالعيد يكون يوم الخميس الذي يسبقه ويكون عطلة رسمية في إسرائيل. وتبدأ احتفالات العيد على جبل هرتزل في القدس بجوار مقبرته. ويبدأ المتحدث باسم الكنيست الاحتفال بأن يوقد شعلة، ثم اثنتى عشرة شعلة أخرى رمزاً للقبائل العبرية الاثنتى عشرة، ثم يسير حملة المشاعل في استعراض. وكان الاستعراض العسكري للقوات المسلحة الإسرائيلية، والذي كانت تُعرَض فيه أحدث الأسلحة التي حصلت عليها الدولة، أهم فقرات الاحتفال، ولكنه توقَّف بعد عام ١٩٦٨. وقد حل محله الآن استعراض عسكري لفصائل الجدناع. وتُقام احتفالات رياضية وراقصة، كما تُمنَح جوائز إسرائيل في ذلك اليوم. وينتهي الاحتفال بإطلاق المدافع، على أن يكون عدد الطلقات مساوياً لعدد سني الاستقلال، ولهذا فقد أُطلقت أربعون طلقة عام ١٩٨٨.
وداخل الإطار الحلولي، يكتسب الاحتفال بمناسبة قومية أبعاداً دينية ويكون للاحتفال جانب ديني، وقد قررت الحاخامية الكبرى في إسرائيل أن يبدأ الاحتفال بقراءة المزامير (١٠٧، ٩٧، ٩٨) ، وينتهي بالنفخ في البوق (شوفار) الذي لا يُستخدَم إلا في المناسبات الدينية الجليلة مثل عيد رأس السنة (روش هشَّاناه) . وتُتلى العبارات التالية: «فلتكن مشيئتك أن تجعل من نصيبنا أن نسمع الشوفار يعلن مقدم الماشيَّح سريعاً، كما جعلت من نصيبنا أن نرى بداية الخلاص» . وتُعدَّل الصلوات في ذلك اليوم، كما هو الحال دائماً مع الأعياد اليهودية.
стр. 5782
وبرغم صبغ المناسبة القومية بصبغة دينية فاقعة، فإن بعض العناصر التي يقال لها «دينية» في إسرائيل لا ترى أن تعبير الحاخامية عن أهمية المناسبة كاف. وبالفعل، فقد أدخلت هذه العناصر كثيراً من التعديلات على الصلوات، كما قرروا قراءة أجزاء من التوراة (من سفر التثنية ٧/١ـ ٨/١٨ و٣٠/١ ـ ١٠) . وهناك دعوة الآن إلى إلغاء يوم الصيام الخاص بهدم الهيكل وبسقوط القدس في أيدي الرومان باعتبار أنه تم استردادها كما تم إنشاء الهيكل الثالث (الدولة الصهيونية) .
وقد قامت الأوساط غير الدينية، هي الأخرى، بصياغة قراءات وأدعية للاحتفال بهذا اليوم على نمط الاحتفال بعيد الفصح. وقد كتب المؤلف الإسرائيلي حاييم حزاز هاجاداه للجيش الإسرائيلي بهذه المناسبة. أما وزارة المعارف، فقد نشرت مختارات وأدعية، وقررت شرب ثلاث كؤوس من الخمر (على غرار الكؤوس الأربعة في عيد الفصح) : أولاها للدولة، والثانية للقوات المسلحة، والثالثة للشعب اليهودي. ومن بين الإضافات الأخرى، إعلان عدد السنوات التي مرت منذ استقلال الدولة قبل النفخ في البوق (شوفار) في صلاة المساء، وهم في هذا يتبعون نمطاً دينياً معروفاً لدى يهود اليمن الذين يتبعون النهج السفاردي، إذ يُتلى دعاء يذكر فيه المصلون السنوات التي مرت منذ هدم الهيكل. أما العبارة التي تُتلى في عيد الاستقلال في إسرائيل، فهي: "اسمعوا يا إخوتي، ... اليوم [كذا] مضت [كذا] سنوات منذ بداية خلاصنا، وعلامته تأسيس الدولة". ولعل تغيير الصلوات والأدعية للتعبير عن المناسبة القومية، وكذلك صياغة الاحتفال بعيد الاستقلال على نمط الأعياد اليهودية، وخصوصاً عيد الفصح، تعبير آخر عن تداخل الجانب الديني والجانب القومي، والمطلق والنسبي، الذي هو بدوره تعبير عن الطبقة الحلولية داخل التركيب الجيولوجي اليهودي.
стр. 5783
ويحتفل نواطير المدينة، وهي جماعة يهودية معادية للصهيونية، بيوم الاستقلال على أنه يوم صوم وحداد، ويحرقون فيه علم إسرائيل. هذا، وعادةً ما تُستخدَم كلمة «استقلال» في العالم الثالث للإشارة إلى استقلال بلد مُستعمَر في آسيا أو أفريقيا عن القوة الإمبريالية الغربية التي تستعمره. أما بالنسبة إلى إسرائيل، فقد تم إعلان الدولة الصهيونية حينما نجح المستوطنون الصهاينة، بمعاونة الإمبريالية الغربية، في احتلال جزء من فلسطين، وفي طرد جزء كبير من سكان البلد الأصليين، وفرضوا وجودهم فرضاً عن طريق القوة المسلحة، أي أن ما يُسمَّى «الاستقلال الإسرائيلي» هو في واقع الأمر «احتلال واستيطان وإحلال» من منظور الفلسطينيين الذي فقدوا أرضهم.
ويسبق عيد الاستقلال، يوم الذكرى، وهو يوم إحياء ذكرى الجنود الذين سقطوا في حرب ١٩٤٨. وكانت إسرائيل قد أعدت لاحتفالات ضخمة للذكرى الأربعين لإنشاء الدولة، كما أعدت لعمل إعلامي ضخم. ولكن اندلاع الانتفاضة فوَّت الفرصة على الصهاينة إذ أن الصحافة العالمية ركزت اهتمامها على الفلسطينيين، وعلى إبداعهم في نضالهم اليومي ضد الدولة الصهيونية.
يوم الذكرى
Remembrance Day
«يوم الذكرى» هو ترجمة لعبارة «يوم هازيخارون» العبرية. و «يوم الذكرى» هو يومٌ يقيمه المستوطنون الصهاينة قبل يوم ٥ إيار، وهو اليوم الذي يحتفلون فيه بعيد الاستقلال. ويكرَّس هذا اليوم لذكرى الجنود الذين سقطوا في حرب ١٩٤٨ والحروب التي تلتها.
стр. 5784
ويبدأ هذا اليوم بإطلاق صفارة إنذار في كل أنحاء الدولة في مغرب اليوم السابق، فتُنكَّس الأعلام، وتُغلَق دور اللهو بأمر القانون، وتُقام الصلوات في المعابد اليهودية، وتُوقَد الشموع فيها، كما تُعلن صفارات الإنذار في الصباح عن دقيقتي حداد يتوقف فيهما النشاط تماماً في الدولة الصهيونية بكاملها. ثم تُطلَق صفارة إنذار أخرى للإعلان عن انتهاء اليوم وبداية عيد الاستقلال. ويُتلى في الصلوات التي تُقام في ذلك اليوم المزمور (١٤٤) الذي يقول: "مبارك الرب صخرتي الذي يُعلِّم يدي القتال وأصابعي الحرب ". وقد لاحَظ الفيلسوف الديني الإسرائيلي اليهودي يشياهو لابيوفيتش أن الاحتفال بيوم الذكرى يزداد حدة عاماً بعد عام لأن قائمة أسماء الضحايا تزداد يوماً بعد يوم.
عيد الأسابيع (شفوعوت)
Shavout
«عيد الأسابيع» يشار إليه بالعبرية بكلمة «شفوعوت» أي «الأسابيع» . وعيد الأسابيع أحد الأعياد اليهودية المهمة، فهو من أعياد الحج الثلاثة، مع عيد الفصح وعيد المظال جنباً إلى جنب. ويأتي هذا العيد بعد سبعة أسابيع من عيد الفصح ومن هنا تسميته. ومدة هذا العيد يومان، هما السادس والسابع من شهر سيفان (٩ - ١٠ يونيه) ، وهو بهذا يُعتبَر من أعياد الحصاد. وكان يهود مصر الذين لا يعرفون العبرية يسمونه باليونانية «بنتيكوست» ، ويعني «الخمسين» ، لأنه كان يقع بعد مرور تسعة وأربعين يوماً، أو بعد سبعة أسابيع من اليوم الذي يقدِّم فيه الفلاحون اليهود أولى ثمار الحصاد (بكوريم) ، مع رغيفين، إلى الكهنة في الهيكل.
стр. 5785
لكن هذا العيد ليس عيداً زراعياً وحسب، وإنما هو أيضاً عيد له مناسبة تاريخية، وهي نزول التوراة والوصايا العشر على موسى فوق جبل سيناء، فهو إذن عيد زواج الإله بالشعب. ولذا، فهم يزينون المعابد بالزهور والنباتات ويقيمون حفل زفاف للتوراة وكأنها عروس. أما في التراث القبَّالي، فإن الليلة السابقة على العيد هي الليلة التي تُعدُّ فيها العروس نفسها للزواج من العريس. ولهذا، فإن كل من يقرأ في كتب العهد القديم الأربعة والعشرين ويفسرها تفسيراً صوفياً حلولياً، يُعتبَر وكأنه يُزيِّن العروس. وأثناء الليل، يصبح القبَّالي الدارس للتوراة شاهداً على زفاف التوراة (أو الشخيناه) إلى الإله. وإذا سئل العريس (الإله) في اليوم التالي عمن زيَّن الشخيناه، فستكون الإجابة: إنه ذلك العارف بأسرار القبَّالاه. وقد تطورت طريقة الاحتفال حتى أنه (في اليوم التالي) كان أحد اليهود يرفع التوراة قبل قراءة الوصايا العشر، ثم يقرأ عقد زواج بين العريس (الرب) والعذراء (جماعة يسرائيل) التي هي أيضاً الشخيناه. وقد أوحى إليهم الرقم ٤٩، وهو حاصل ضرب ٧*٧، بتأويلات صوفية حلولية عديدة، فهو يمثل الفترة التي قضاها أعضاء جماعة يسرائيل في الصحراء بعد خروجهم من مصر إلى أن حان وقت خلاصهم وزواجهم بالتوراة.
ويُقرَأ في هذا العيد سفر راعوث، وهي امرأة من مؤاب تهودت وأظهرت ولاءً للشعب اليهودي. ويُقال أيضاً إن الملك داود، وهو من نسل راعوث، تُوفي في ذلك اليوم. كما تَرد في سفر راعوث إشارة إلى الشعير والقمح. وفي إسرائيل يأخذ أعضاء مزارع الكيبوتس والموشاف باكورة إنتاج الأرض، ويقدمونه لا إلى الهيكل، وإنما إلى الصندوق القومي اليهودي.
التاسع من آف
Ninth of Av
стр. 5786
«التاسع من آف» ترجمة لعبارة «تشعاه بآف» العبرية. وهو يوم صوم وحداد عند اليهود في ذكرى سقوط القدس وهدم الهيكلين الأول والثاني (وهما واقعتان حدثتا في التاريخ نفسه تقريباً حسب التصور اليهودي) . وتربط التقاليد اليهودية بين هذا التاريخ وكوارث يهودية أخرى يُقال إنها وقعت في اليوم نفسه، حتى وإن كان الأمر ليس كذلك، مثل: سقوط قلعة بيتار (١٣٥م) ، وطرد اليهود من إنجلترا (١٢٩٠) ، وطردهم من إسبانيا (١٤٦٢) .
ويُقرَأ كتاب المراثي في المعبد اليهودي بعد صلاة المساء في هذا العيد. كما تُقرأ أثناء صلاة الصباح، أو بعدها، مراث تتناول كوارث التاريخ اليهودي في ضوء شموع خافتة، ويجلس المصلون إما على الأرض أو يجلسون على مقاعد منخفضة (علامة الحداد) . ويزور اليهود المدافن في ذلك اليوم، ويصلون من أجل عودة جماعة يسرائيل إلى فلسطين. وفي التاسع من آب، يُحرَّم الاستحمام والأكل والشرب والضحك والتجمل، ولا يحيي المصلون بعضهم البعض في ذلك اليوم.
ويُقال إن الماشيَّح سيولد في التاسع من آف ـ ولذا، فإن بعض نساء اليهود يمسحن شعورهن بالزيت. ولا يحتفل اليهود الإصلاحيون بهذا اليوم. وقد اقترح مناحم بيجين أن يُحتفَل بذكرى الإبادة في التاسع من آب، ولكن المؤسسة الدينية رفضت اقتراحه بدعوى أن التاسع من آب مناسبة دينية، أما الإبادة فليست كذلك.
بهجة التوراة (سمحات توراه)
Simchat Torah
стр. 5787
«بهجة التوراة» ترجمة لعبارة «سمحات توراه» العبرية، وهو عيد يلي اليوم الثامن الختامي (شميني عتسيريت) وهو اليوم الأخير من عيد المظال. وخارج فلسطين، يُدمَج العيدان، ويُحتفَل بهما في يوم واحد. وهو عيد ظهر متأخراً في العراق (في القرن التاسع أو العاشر) . وهو أيضاً اليوم الذي تُختَتم فيه الدورة السنوية لقراءة أسفار موسى الخمسة في المعبد. ويُحتفَل به داخل المعبد بأن تُحمَل لفائف الشريعة، ثم يتم الطواف بها سبع مرات (أما الأولاد، فإنهم يحملون الأعلام الصغيرة ويسيرون أمام الكبار) . ويُسمَّى كل طواف باسم أحد الآباء؛ فالطواف الأول باسم إبراهيم، والثاني باسم إسحق، والثالث باسم يعقوب، والرابع باسم موسى، والخامس باسم هارون، والسادس باسم يوسف، والسابع باسم داود. ويُقرَأ في هذا الاحتفال آخر سفر من أسفار موسى الخمسة. والمصلي الذي يقوم بالقراءة يُطلَق عليه اسم «عريس التوراة» . ثم يُدعَى مصلٍّ آخر، ويُسمَّى «عريس سفر التكوين» ليبدأ الدورة السنوية لقراءة أسفار موسى الخمسة مرة أخرى. ويُسمَّى القارئ باسم «العريس» لأن التوراة عروس جماعة يسرائيل، وكل قراءة جديدة هي بمثابة حفل عرس متجدد.
وقد سُمِّي هذا العيد بعدة تسميات، إلى أن استقر اسمه على ما هو عليه. ففي فترة التلمود، كان يُسمَّى «آخر أيام العيد» . وعلى أيام الفقهاء (جاءونيم) ، كان يُسمَّى «يوم الكتاب» و «يوم النهاية» . ولم يُسمَّ «سمحات توراه» إلا في آخر أيام هؤلاء الفقهاء.
عيد الثامن الختامي (شميني عتسيريت)
Shemini Atzeret
стр. 5788
«الثامن الختامي» تُطابق العبارة العبرية «شميني عتسيريت» . وعيد الثامن الختامي عيد يهودي مستقل عن عيد المظال، ولكنه ضُم إليه كيوم ثامن. ولا يُعرَف السبب في الاحتفال بهذا العيد، وإن كان من الواضح أنه عيد زراعي قديم، إذ يتم فيه ترديد دعاء خاص بطلب نزول المطر، وذلك أثناء دعاء الصلاة الإضافية (مُوساف) . فقد جاء في سفر اللاويين (٢٣/٣٦) : «في اليوم الثامن يكون لكم محفل مقدَّس» . ويُضاف يوم تاسع للاحتفال خارج فلسطين، وهو يوم بهجة التوراة (سمحات توراه) . أما في فلسطين، فإنهم يحتفلون ببهجة التوراة وعيد الثامن الختامي في يوم واحد.
عيد رأس السنة للأشجار
New Year for Trees
«رأس السنة للأشجار» هي ترجمة للعبارة العبرية «روش هشَّاناه لا إيلانوت» . ويُحتفَل بهذا العيد في السادس عشر من شفاط حسب مدرسة هليل، والأول من شفاط حسب مدرسة شماي. وهو اليوم الذي يجب بعده أن يحسب اليهودي عشور النباتات التي كان عليه أن يقدمها للهيكل، فأي ثمار بعد ذلك التاريخ تجب عليها العشور. ولم ترد في التلمود أية إشارات إلى طريقة محددة للاحتفال بهذا العيد، وإن كان من المعروف أنه يُحرَّم فيه الصوم. وقد اكتسب العيد دلالة خاصة لدى القبَّاليين حيث تكتسب الشجرة في رؤيتهم للكون دلالة ومركزية. ويحتفل الإشكناز بتناول أنواع معيَّنة من الفواكه، وخصوصاً التي تنبت في فلسطين. أما السفارد، فإنهم يحتفلون به بطريقة مركبة، إذ يأكلون خمسة عشر نوعاً مختلفاً من الفواكه. ويُصاحب ذلك قراءة نصوص مناسبة من العهد القديم والتلمود والزوهار. وفي إسرائيل، فإن هذا العيد قد أصبح العيد القومي للشجرة حيث يقوم أطفال المدارس بغرس الأشجار.
عيد القمر الجديد
New Moon
стр. 5789
«القمر الجديد» هي ترجمة للعبارة العبرية «روش حودش» . ويُحتفَل به بعد رؤية القمر الجديد كل شهر. وكان العبرانيون يمتنعون عن العمل في هذا اليوم ويذهبون إلى الهيكل، ولعله كان استمراراً لأحد أعياد القمر الوثنية. ولكن الطقوس الاحتفالية قد اختفت بعد العودة من بابل (إلا النساء، فكن يُمنحَن إجازة في ذلك اليوم مكافأة لهن على إحجامهن عن إعطاء حليهن لصنع العجل الذهبي) . ولكن اليوم، مع هذا، لم يفقد أهميته إذ أن تحديد التقويم (وأوَّل يوم في الشهر) كان من أهم الوظائف التي يضطلع بها السنهدرين. وفي هذا اليوم، يُحرَّم الصوم والحداد.
لاج بعومير
Lag Ba'omer
كلمة «لاج» معناها «الثالث والثلاثون» ، أما «عومير» فمعناها «حزمة من محصول الشعير» . وهو عيد يهودي غير مهم يُحتفَل به في يوم ١٨ إيار، أي في اليوم الثالث والثلاثين من فترة السبعة أسابيع الممتدة من ثاني أيام عيد الفصح حتى عيد الأسابيع. وفي هذا اليوم، يتم إنهاء فترة الحداد ويُسمح بالزواج وبقص الشعر.
ولا تُعرَف المناسبة التي من أجلها يُحتفل بهذا العيد. ويُقال إنه انتهى في هذا اليوم الوباء الذي انتشر بين تلاميذ الحاخام عقيبا. ولذا، فإنه يُسمَّى «عيد العلماء» . ولكن جاء أيضاً في بعض الأقوال الحاخامية الأخرى أنه اليوم الذي حدث فيه طوفان نوح، وأنزل فيه الإله المن من السماء. وفي العصور الوسطى، اعتُبر أن هذا اليوم اليوم الذي مات فيه الحاخام سيمون بار يوحاي الذي يُنسَب إليه الزوهار. ولذا، يحتفى القبَّاليون بهذا اليوم. وقد أصبح قبره في الجليل مزاراً يحج إليه الحسيديون في ذلك اليوم، فيأتون بأطفالهم ليقصوا شعورهم لأول مرة ويُشعلوا النيران ويرقصوا طيلة الليل. ويُحتفَل بهذا العيد في إسرائيل حتى الوقت الحالي.
السنة السبتية (شنة شميطاه) وسنة اليوبيل
Shemittah and Jubilee Year
стр. 5790
«السنة السبتية» (بالعبرية: «شنة شميطاه» ) هي السنة التي يجب أن تُراح فيها الأرض، وكلمة «شميطاه» كلمة عبرية معناها «تبوير الأرض لإراحتها» . وقد جاء في العهد القديم، في سفر اللاويين وفي مواضع أخرى، أن الإله يأمر شعبه بأن يزرع الأرض ست سنوات على أن يريحها في السنة السابعة. وكل ما ينمو على الأرض في هذه السنة يُصبح ملكاً مشاعاً للجميع يُحرَّم الاتجار فيه، كما تصبح كل الديون بين اليهود وكأنها قد وُفيِّت ودُفعت، كما يُحرَّر العبيد اليهود في هذه السنة. ويذكر المؤرخ يوسيفوس ثلاث سنوات سبتية في الفترة التاريخية التي يتناولها. ويبدو أن مثل هذه الاحتفالات كان موجوداً بين شعوب الشرق الأدنى القديم. ويُلاحَظ أن شعائر السنة السبتية تنطبق على فلسطين وحدها، أما الشعائر الخاصة بالديون فتنطبق على أعضاء الجماعات اليهودية أينما كانوا.
ولا شك في أن الدافع وراء الاحتفال بالسنة السبتية ديني قومي، أي أنه تعبير عن النزعة الحلولية داخل اليهودية. فهو، من ناحية، تنفيذ لكلمة الإله وتعبير عن الإيمان بأن الأرض هي ملك له وحده يهبها من يشاء. ولكنه، من ناحية أخرى، تأكيد للرابطة العضوية (الحلولية) التي تربط اليهودي بالأرض المقدَّسة، كما أنه ينطوي على إسقاط حق أي إنسان في امتلاك هذه الأرض حتى ولو كان فلسطينياً عاش فيها مئات السنين. ولأن الإله في الوجدان اليهودي يصطبغ بصبغة قومية يهودية، فإن ملكيته للأرض تأكيد لملكية اليهود لهذه الأرض بصورة أبدية.
стр. 5791
وتتسع دائرة سنة الراحة حتى إنه، بعد سبع دورات كل دورة فيها مكونة من سبعة أعوام، تحل السنة الخمسون التي يُطلَق عليها «سنة اليوبيل» نسبة إلى كلمة «يوبيل» ، وهي كلمة عبرية تشير إلى «قرن الكبش» (أي بوق الشوفار) . وفي سنة اليوبيل، تُطبَّق كل شعائر السنة السبتية وتُضاف إليها شعيرة أخرى، وهي إعادة الأرض المرهونة إلى أصحابها، كما تُعاد الأرض المبيعة إلى ملاكها الأصليين، وكأن من اشتراها قد استأجرها وحسب طيلة هذه المدة، ولا يبقى سوى الأرض الموروثة في حوزة صاحبها.
وتأخذ دائرة السنة السبتية في الاتساع إلى أن تشمل الزمان كله ثم تنغلق حين تصل إلى «سبت التاريخ» ،أي نهايته، حين تستريح الأرض كلها ويأتي الماشيَّح ليقود شعبه بأسره إلى أرض الميعاد. وهكذا تظل الدائرة في الاتساع إلى أن تبتلع كل الزمان والمكان كما هو الحال دائماً في الأنظمة الحلولية. وقد أفتى بعض علماء اليهود بأن طقوس سنة اليوبيل لا تُنفَّذ إلا بعودة جميع اليهود واستيطانهم في فلسطين (ذلك لأن الاحتفال بها يؤدي إلى مجاعة، باعتبار أن السنة الخمسينية اليوبيلية تتبع عادةً سنة سبتية، أي السنة السابعة في الدورة السابعة) .
стр. 5792
وقد تسبَّبت السنة السبتية في التضييق على اليهود إذ كان أصحاب الأموال يرفضون إقراضها خشية إلغاء الديون في السنة السبتية. ولذا، فقد أصدر الحاخامات ما سُمِّي «بروزبول» ، وهي كلمة يونانية معناها «قبل المجلس» تمنع إلغاء الديون في السنة السبتية. ولإقامة شعائر السنة السبتية يلجأ الإسرائيليون إلى كل أنواع الفتاوى والحيل (التحلة) ، فقد أصدر بعض الحاخامات (ومن بينهم الحاخام الصهيوني كوك) فتوى في أوائل هذا القرن، مفادها أن على القاطنين في الأرض المقدَّسة أن يبيعوها بشكل صوري إلى بعض الأغيار، وبذلك تصبح الأرض غير يهودية، ويمكن بالتالي زراعتها (وهذا يشبه من بعض الوجوه الفتوى الخاصة بضرورة بيع تذاكر مباريات كرة القدم التي تجرى يوم السبت في اليوم الذي يسبقه) . وبالفعل، يتم بيع أرض إسرائيل كل ست سنوات إلى جندي درزي، على أن يبيعها مرة أخرى إلى الحكومة الإسرائيلية بعد انتهاء العام (ويُعَدُّ هذا من أهم الأمثلة على التحلة) . هذا وقد اعترض بعض الحاخامات بأن بيع الأرض نفسه مُحرم، فكان الرد أن بيعها بيعاً حقيقياً أمر محرم، لكن بيعها الوهمي ليس مُحرماً! ويحاول الإسرائيليون من اليهود الأرثوذكس إجراء تجارب دينية علمية لزراعة الخضراوات في الماء لتحاشي زراعتها في اليابس. ولكن بعض الأرثوذكس ينطلقون من الرؤية اليهودية الخاصة بالبقية الصالحة، ويُنفِّذون تعاليم التوراة بحذافيرها ويمتنعون عن زراعة الأرض، وإن كانوا يقومون بتخزين الحبوب، كما يحاولون التحايل على الدورة الزراعية. وقد أثيرت القضية مرة أخرى عام ١٩٨٦ ـ ١٩٨٧، وكانت سنة سبتية، إذ اقتُرح أن تستورد إسرائيل الحبوب. وقد فتح بعض اليهود الأرثوذكس محلات لبيع فواكه مستوردة غير مزروعة في فلسطين، كما صدَّروا المحاصيل الإسرائيلية. ويساهم يهود الولايات المتحدة في تمويل الاحتفال بالسنة السبتية عن طريق «صندوق شميطاه» لجمع التبرعات وإرسالها إلى الإسرائيليين الذين
стр. 5793
ينفذون التعاليم الدينية تنفيذاً حرفياً. وقد كان عام ١٩٩٣ ـ ١٩٩٤ (عام ٥٧٥٤ في التقويم اليهودي) سنة سبتية.
سنة اليوبيل
Jubilee Year
انظر: «السنة السبتية وسنة اليوبيل» .
الباب التاسع عشر: الفكر الأخروي
الفكر الأُخروي (إسكاتولوجي)
Eschatology
«الفكر الأخروي» يُشار إليه في الإنجليزية بكلمة «إسكاتولوجي» من الكلمة اليونانية «إسكاتوس» ومعناها «آخر» أو «بعد» . ويشير المصطلح إلى المفاهيم والموضوعات والتعاليم الخاصة بما سيحدث في آخر الزمان، وإلى العقائد الخاصة بعودة الماشيَّح، والمحن التي ستحل بالبشرية بسبب شرورها، والصراع النهائي بين قوى الشر وقوى الخير (حرب يأجوج ومأجوج) ، والخلاص النهائي، وعودة اليهود المنفيين إلى أرض الميعاد، وإلى يوم الحساب وخلود الروح والبعث، وهي الموضوعات التي تظهر أساساً في كتب الرؤى (أبوكاليبس) ، والتي تعود جذورها إلى الحضارات البابلية والمصرية والكنعانية، وخصوصاً الفارسية الزرادشتية.
стр. 5794
وقبل الخوض في هذا الموضوع بتعريفاته المختلفة وتناقضاته المتعددة، لابد أن نميِّز بين التفكير الأخروي داخل إطار حلولي والتفكير الأخروي داخل إطار توحيدي، فالفكر الديني التوحيدي يفترض وجود إله خارج الزمان والطبيعة ويتجاوزهما ومن ثم تتحدد الثنائيات الفضفاضة المختلفة (التي يشكل الإله نقطة الوصل بينها دون أن يملأ الثغرة التي تفصل بينها) . وينجم عن ذلك أن التفكير الأخروي يتحدد باعتباره حدثاً كونياً يقع لا في آخر الزمان وإنما خارجه، ولا يقتصر على مجموعة من البشر دون أخرى بل يشمل كل البشر، ويرتبط تماماً بفكرة الثواب والعقاب للفرد لا للجماعة، أي أن التفكير الأخروي (ورؤية الخلاص) يدور في إطار أخلاقي عالمي إنساني. أما التفكير الأخروي في الإطار الحلولي، فيقف على النقيض من ذلك تماماً وبسبب حلول الإله في التاريخ والإنسان والطبيعة وكمونه فيها، فإن كل الثنائيات تَمَّحي (أو تتحدد بشكل صلب) ، وتقع الآخرة في نهاية التاريخ (داخل الزمان لا خارجه) ، وهي حدث تاريخي وكوني في آن واحد تدور أحداثه حول شعب واحد مختار لا أفراد مسئولين، كما أنها لا ترتبط بالقيم الأخلاقية أو الثواب والعقاب. فرؤية الخلاص لا علاقة لها بالقيم الأخلاقية.
ويمكننا أن نقول إن التفكير الأخروي اليهودي كان يدور في البداية داخل إطار حلولي كامل ثم تحرَّر منه بالتدريج في كتب الأنبياء. ثم عاد وبدأت عملية السقوط التدريجي في الحلولية في أسفار الرؤى (أبوكاليبس) ، وتزايدت معدلات الحلولية في التلمود، إلى أن نصل إلى القبَّالاه حيث نصل إلى نقطة وحدة الوجود الروحية التي يتبعها حلول بدون إله في العصر الحديث، أي وحدة الوجود المادية.
стр. 5795
وهناك، في العهد القديم، عبارة ليست مرادفة تماماً لكلمة «إسكاتولوجي» وهي عبارة «أحرِّيت هياميم» التي تحمل تضمينات أخروية وتعني حرفياً «نهاية الزمان» أو «آخر الأيام» . وتعني عبارة «آخر الأيام» التي سنستخدمها في هذه الموسوعة ثلاثة أشياء مختلفة:
١ ـ ففي أسفار موسى الخمسة، قد تكون العبارة بمعنى «في المستقبل» أو «في الأيام المقبلة» . وبالتالي، فإن الإشارة في مثل هذا السياق تنصرف إلى مراحل تاريخية زمنية تالية، وقد تأتي بعدها مراحل أخرى.
٢ ـ ولكن العبارة قد ترد أيضاً بمعنى «الأيام الأخيرة» ، وهي هنا تعني «آخر المراحل التاريخية» التي لا تأتي بعدها مراحل أخرى، ولكنها تظل مع هذا مرحلة زمنية.
٣ ـ ثم اكتسبت العبارة، فيما بعد، دلالة جديدة تماماً، بحيث أصبحت تشير إلى ما بعد البعث. وفي القرون الأخيرة قبل الميلاد وبعده، ظهر مصطلح آخر هو «كيتس هيَّاميم» ، ويعني حرفياً «نهاية الأيام» (دانيال ١٢/١٣) ، وهو مفهوم يشير بوضوح إلى ما بعد البعث، قارن ذلك بمصطلح «وقت المنتهى» (دانيال ٨/١٧) .
وقد اجتازت المفاهيم الأخروية عدة تطورات، ولكن على الطريقة الجيولوجية التي يتسم بها النسق الديني اليهودي. فالمفاهيم الحلولية القديمة للآخرة لم تكن تُستبعَد، بل كان يُكتفَى بضم المفاهيم الجديدة إليها، فتتعايش معها جنباً إلى جنب أو تكون الواحدة فوق الأخرى. ولذا، لا يتسم الفكر الأخروي اليهودي عبر تاريخه بالوضوح أو التحدد، إذ ظلت هناك أسئلة خلافية تُركَت دون حسم من بينها ما يلي:
١ ـ هل ستقع آخر الأيام داخل الزمان والتاريخ أم ستقع خارجهما؟
٢ ـ هل تختص آخر الأيام بمصير الشعب اليهودي وحده أو تختص بمصير الشعوب كافة؟ وهل للشعب اليهودي دور خاص أم أنه سيكون شعباً واحداً ضمن شعوب أخرى عديدة متساوية في المصير؟
٣ ـ هل المقصود بالشعب اليهودي الشعب ككيان جماعي أو اليهود كأفراد؟
٤ ـ ما هي علاقة البعث بالثواب والعقاب في آخر الأيام؟
стр. 5796
وإذا نظرنا إلى أسفار موسى الخمسة وأسفار يوشع والقضاة، وإلى الفكر الديني اليسرائيلي في القرون الأولى من حكم الملوك، لما وجدنا أية إشارة إلى مفاهيم أخروية محددة حقيقية. ومع هذا، يمكن القول بأن ثمة عناصر أخروية تسم الفكر الديني اليهودي في مرحلة ما قبل السبي. فأعضاء جماعة يسرائيل كانوا يعبدون الإله الذي اختارهم، وعقد عهداً أو ميثاقاً معهم، وحلَّ في تاريخهم، ولذا فإنه يتجلى فيه من آونة إلى أخرى مثلما فعل حينما خرج بهم من مصر، ثم هزم أعداءهم ووعدهم بأرض كنعان وساعدهم على غزوها. ولقد أصبح تَدخُّل الإله في التاريخ، ونصره للشعب، من ثوابت الفكر الأخروي اليهودي فيما بعد، وإن كانت الآخرة هنا مجرد نقطة تحوُّل جوهرية في التاريخ نفسه، مثل الخروج من مصر أو الاستيطان في كنعان، ولا تشكل نقطة نهاية إذ تتبعها مرحلة تاريخية أخرى مختلفة نوعياً عن المرحلة السابقة ولكنها تظل مع هذا نقطة في الزمان، وهي في هذا لا تختلف كثيراً عن التغيرات النوعية أو الطفرات التي تؤدي إلى «التقدم» إذا ما أردنا استخدام المصطلحات الحديثة. والواقع أن هذا المفهوم الأخروي يعني التدخل المستمر من قبل الإله في التاريخ وحلوله فيه، وإن كان ثمة نهاية، فهي تتجلى في الفكرة البدائية الخاصة بيوم الرب، ذلك اليوم الذي ستسود فيه جماعة يسرائيل على الجميع، أي أنها رؤية أخروية حلولية مادية تتحقق داخل التاريخ.
стр. 5797
وقد تطوَّر الفكر الأخروي اليهودي على يد الأنبياء، وظهر كلٌّ من عاموس وهوشع مع بداية حكم الملوك، فطوَّر الأول فكرة يوم الرب، بحيث تحولت إلى فكرة يوم الحساب، وهو مفهوم أكثر عالمية وأخلاقية إذ أنه اليوم الذي سيحاسب فيه الإله اليهود وغير اليهود. وقد تَعمَّق المفهوم الأخروي، إذ يشير عاموس إلى تغيرات ستدخل على الطبيعة مثل كسوف الشمس، وقد استخدمها بشكل مجازي، ولكنها مع هذا فُسِّرت حرفياً ثم أصبحت عنصراً ثابتاً في الفكر الأخروي منذ ذلك التاريخ. ورغم أن عاموس يتحدث عن عقاب الآثمين من اليهود وغير اليهود، فإنه يعرف أن الإله وفيٌّ لشعبه. وهنا ظهرت في سفر عاموس، ثم في سفر هوشع، فكرة البقية الصالحة التي ستنجو من الهلاك، وظهرت أيضاً فكرة تجديد الميثاق أو العهد مع الإله واسترجاع جماعة يسرائيل وعودتها، كما ظهرت فكرة السلام الذي سيعم الأرض ويشمل كل الأمم.
ورغم أن كثيراً من ثوابت الفكر الأخروي اليهودي قد تحددت على يد الأنبياء، فلم تكن هناك حتى هذه الفترة إشارات إلى آخرة تقع خارج التاريخ، إذ تظل الآخرة مجرد مرحلة زمنية لها ملامحها الفريدة ومختلفة عما سبقها من مراحل. ويُلاحَظ أن الفكر الأخروي يتطور من خلال سياقين: أحدهما محلي، وهو ما يحدث داخل المجتمع العبراني، والآخر دولي، وهو ما يحدث حوله ويؤثر فيه. وقد تأثر فكر عاموس الأخروي بالاستقطاب الاجتماعي الذي شهده عصره، فظهرت فكرة العقاب الذي سيحيق بالآثمين من جماعة يسرائيل. كما أن ظهور القوة الآشورية يشكل القطب الثاني، فقد تحولت القوة العالمية التي تتهدد العبرانيين إلى أداة العقاب التي سيستخدمها الإله للقصاص من الشعب المذنب.
стр. 5798
وتَعمَّقت كل هذه الاتجاهات في نبوءات أشعياء الذي تنبأ بخراب كامل لجماعة يسرائيل وللأمم الوثنية (ويُلاحَظ أن الاضطرابات التي تصاحب آخر الأيام بدأت تأخذ بُعداً كونياً) . وقد قام أشعياء بوصف المُلك الثاني ليهودا والذي سيكون في المستقبل، وأدخل بذلك فكرة الماشيَّح، كما وصف السلام الذي سيعم العالم، ويأخذ شكل عودة إلى حديقة عدن، وبذا بدأت تظهر بذور فكرة الجنة في الفكر الأخروي. أما في سفر ميخا، فتظهر فكرة جبل صهيون كمركز للخلاص النهائي، كما تظهر موضوعات مثل قرب النهاية في سفر صفنيا، والحرب الكونية التي تسبق النهاية في سفر يوئيل. ويُلاحَظ أن الآخرة، رغم كل التحولات التاريخية والكونية المصاحبة لها، لا تزال زمنية، وما يحدث فيها هو واقعة تاريخية داخل الزمان.
وتشكل واقعة السبي نقطة تحوُّل في تاريخ الأفكار الأخروية، إذ تكتسب فكرة العودة وإعادة بناء الهيكل مركزية حقيقية تظهر في سفر حزقيال، وتصبح الحرب الكونية، حرب ياجوج وماجوج، من العلامات المهمة على آخر الأيام. ويصبح التاريخ مجرد تعبير عن خطة إلهية مقررة مسبقاً. كما أن الأبعاد الكونية أصبحت أكثر وضوحاً وبروزاً، وأصبحت الأفكار الأخروية لا تتحدث عن بداية مرحلة تاريخية جديدة، وإنما عن تحوُّل كوني كامل نتيجة تَدخُّل إلهي. ثم تظهر، في سفر ملاخي، شخصية إلياهو العجائبية التي ستأتي في يوم الرب.
стр. 5799
ويدل ظهور كل هذه الموضوعات ضمن الفكر الأخروي، على أن الفكر الرؤياوي (الأبوكاليبسي) أخذ يتغلغل ويحل محل الفكر النبوي، كما يتضح في الإصحاحات الستة الأخيرة في سفر زكريا التي أشارت إلى أن الشعب المختار سيعاني قبل الخلاص. وتبدأ النزعة الرؤيوية في التعمق حتى أن إصحاحات ٢٤/١ ـ ٢٧/١٣من سفر أشعياء يُطلَق عليها «أبوكاليبس أشعياء» . وقد كان مجال التفكير الأخروي، كما تقدَّم، هو «هذه الدنيا» ، و «المستقبل» . ولكن عدة انتكاسات حلت باليهود فقد سمح لهم قورش بالعودة، وبناء الهيكل دون أن يسمح لهم بتأسيس مُلك يهودي في ولاية يهودا، أي دون أن يسمح بعودة القوة السياسية اليهودية، وبالتالي لم يسودوا العالمين كما كانت تقول النبوءات الأولى. ثم زال حكم الفرس وظهرت الإمبراطورية اليونانية كقوة عظمى، وبعدها الإمبراطورية الرومانية التي أحكمت قبضتها عليهم تماماً وهدمت الهيكل. بعد هذه الانتكاسات العديدة، اكتسب التفكير الأخروي أبعاداً جديدة، وأصبح مجاله «العالم الآخر» ، «في المستقبل» ، «خارج الزمان» .
стр. 5800
وقد اكتملت ملامح الفكر الأخروي اليهودي ومعظم ثوابته مع سفر دانيال، فهو يقدم رؤية لتاريخ العالم، وتاريخ الممالك الأربع التي ستزول وتحل محلها المملكة التي لا تزول (الملكوت الأبدي) . كما يظهر مفهوم ابن الإنسان الذي يأتي مع سُحُب السماء (أي من الإله) مقابل وحوش البحر الأربعة (الإصحاح السابع) . ويبدو أن ثمة إرهاصات لفكرة البعث في أشعياء (٢٦/١٩) وفي المزامير (٧٣ / ٢٣ـ ٢٦) ، ولكنها تظهر في دانيال بشكل لا إبهام فيه (١٢/١ـ ٣) ، ويصبح البعث بعثاً لأفراد لا لأمم، وبالتالي يصبح الحساب حساباً أخلاقياً فردياً لا قومياً جماعياً. وتظهر في آخر سفر دانيال واحدة من أولى المحاولات لحساب آخر الأيام. وقد ازدادت الرؤية الأخروية اليهودية تبلوراً بعد ذلك، فظهرت في القرنين الثاني والأول قبل الميلاد كتب الرؤى التي تدور حول موضوعات أخروية نشورية. ويُلاحَظ أن فكرة شيول غير المحددة اكتسبت تَحدُّدها في آخر هذه الفترة وأصبحت كلمة «جهنم» تدل عليها، ووُضعت «جهنم» مقابل «حديقة عدن» التي تَحدَّد مفهومها هي الأخرى فأصبحت «الجنة» . وأصبح الشيئان مرتبطين بفكرة البعث والثواب والعقاب في العالم الآخر.
ومع هذا، فإن عدم التجانس وسمة الجيولوجية ظلا واضحين في الفكر اليهودي الأخروي، فعند هَدْم الهيكل، أي في تاريخ متأخر نسبياً، كان هناك فريق كبير من اليهود (الصدوقيون) لا يزال ينكر البعث. أما الأسينيون، فمع أنهم اهتموا بالتفكير الأخروي وجعلوه محور رؤاهم، فإن الآخرة بالنسبة إليهم كانت في هذه الدنيا، ولا يوجد أي ذكر للبعث في المخطوطات التي خلفوها، فمخطوطات البحر الميت تتحدث عن النهاية ولا تتحدث قط عن جنة أو جهنم (فقد كان يدور الحديث عن الموت كعقاب أزلي للآثمين، وعن الحياة الأزلية للصالحين) .
стр. 5801
وفي يهودية العصور الوسطى في الغرب، أخذ الحاخامات بالمفاهيم الأخروية بعد تبلورها. ولكن عملية التبلور لم تكن كاملة، فالمضمون الأخلاقي للأفكار الأخروية بدأ يزداد شحوباً مرة أخرى، واكتسبت رؤية الخلاص مضموناً قومياً. كما ميَّز الحاخامات بين أيام الماشيَّح، أو العصر المشيحاني، وبين العالم الآتي أو الآخرة، إذ أن الأولى تسبق الثانية، وتشكل مرحلة انتقالية، وهذا يدل على أن عدم التجانس مازال قائماً بين الإيمان بالآخرة كمرحلة تاريخية داخل الزمان والإيمان بها كآخرة تقع في آخر الزمان وخارجه. ويُلاحَظ أن الحاخامات قد نصحوا اليهود بألا يحاولوا أن يحسبوا متى تأتي آخر الأيام ونهاية الزمان، كما أنهم حرَّموا أن يحاول اليهودي التعجيل بالنهاية (دحيكات هاكيتس) ، وأصبح الإيمان بالآخرة إحدى العقائد اليهودية الأساسية التي تبناها القبَّاليون، ولكنهم أدخلوها في أنساقهم الحلولية فظهرت الدورات الكونية والتناسخ وعودة الشخيناه. ولذا، نجد أن من هموم القبَّاليين الكبرى الحسابات القبَّالية الخاصة بالنهاية. وقد انسلخ الفكر الأخروي تماماً عن الفكر الأخلاقي وأصبح مرتبطاً إلى حدٍّ كبير بالسحر وبالخلاص القومي للشعب اليهودي وهلاك كل الأغيار. ويُلاحَظ أن الفكر الأخروي اليهودي في العصر الحديث يزداد اختلاطاً، إذ تتراجع أفكار أخلاقية أساسية مثل البعث والثواب والعقاب والآخرة لتحل محلها أفكار عامة مثل العصر المشيحاني (في اليهودية الإصلاحية) أو فكرة التقدم (في اليهودية التجديدية) .
стр. 5802
وقد تأثر الفكر الصهيوني بالفكر الأخروي اليهودي الحلولي (حلولية بدون إله) بمعنى أن الآخرة هي النهاية داخل الزمان أو آخر مرحلة تاريخية، أو هي نهاية التاريخ التي تصل بالجدل والصراع والانحرافات إلى نهايتها، فيكون «الخروج» الكامل من تاريخ الأغيار بكل شذوذه وعنفه، ويكون «الدخول» في كنعان حيث يمكن استئناف التاريخ اليهودي بكل مثالياته. ومثل هذا التفكير الأخروي البدائي عادة ما يأخذ شكلاً هندسياً متناسقاً تكون فيه النهايات شبيهة بالبدايات.
وإذا كانت بداية التاريخ اليهودي من وجهة النظر الصهيونية هي الخروج من أرض العبودية في مصر ودخول أرض الميعاد، فالنهاية الأخروية هي الخروج أيضاً من أرض العبودية في مصر أو روسيا أو أي منفى آخر، ودخول أرض الميعاد أيضاً، أي أن النهاية لابد أن تشبه البداية حتى يكتمل الاتساق الهندسي. وإذا كان دخول كنعان قد أدَّى إلى إنشاء الهيكل والعبادة القربانية المركزية (حيث يحل الإله وسط الشعب في قدس الأقداس) ، فإن الدخول الحديث إلى فلسطين يؤدى إلى إنشاء الدولة الصهيونية، بحيث يحل الإله فيها بالنسبة للمتدينين اليهود، فتصبح دولة مقدَّسة. أما بالنسبة إلى الملحدين، فهي دولة مقدَّسة بذاتها إذ أن حلوليتهم حلولية بدون إله ووحدة وجود مادية.
أسفار الرؤى (أبوكاليبس)
Apocalypse
стр. 5803
«الرؤيا» ترجمة لكلمة «أبوكاليبس» اليونانية الأصل والتي تعني الكشف عن الغيب، وخصوصاً عن آخر الأيام (إسكاتولوجي) ويوم الحساب. ويتم الكشف عن طريق الأحلام والرؤى والغيب، وفي الدراسات العربية يُطلَق على الكتب التي تتناول هذه الأشياء مصطلح «أسفار الرؤي» ، وذلك لاعتمادها على الرؤى في سرد الأحداث وفي شرح الأفكار المُتضمَنة فيها. وتُستخدَم الكلمة للإشارة إلى الكتب الدينية اليهودية والمسيحية التي تحتوي على مثل هذه الرؤى، مثل سفري حنوخ وسفر صعود موسى وسفر باروخ وكتاب اليوبيل، وتُعَدُّ ضمن الكتب الخارجية أو الخفية (أبوكريفا) . وتُعَدُّ الإصحاحات الأخيرة من سفر دانيال (٨/١٧ ـ ١٢/١٣) ضمن أسفار الرؤى، ويُشار إلى بعض إصحاحات كتاب أشعياء بوصفها أبوكاليبس أشعياء (٢٤/١ ـ ٢٧/١٣) . كما أن مخطوطات البحر الميت، هي الأخرى تدخل ضمن كتب الرؤى وتضم الكثير من الأسرار التي تقع خارج نطاق المعرفة الإنسانية كأسرار السماء والأرض والملائكة والشياطين.
стр. 5804
وتأخذ كتب الرؤى شكل نبوءة على لسان بطل تاريخي قديم (ذائع الصيت مات منذ زمن بعيد) يدَّعي أنه يرى أحداث ذلك التاريخ كله منذ بدايته حتى نهايته، وأن هذه المعرفة قد أُخفيت (باليونانية «أبوكريفون» ) طيلة هذه السنين حتى الوقت الحاضر، وهو عادةً زمن الأزمة (ومن هنا نجد أن معظم كتب الرؤى من الكتب الخفية) . ولا تُعنَى كتب الرؤى بالحاضر، كما أنها تورد إشارات سريعة إلى الماضي، أما المستقبل والنهاية فقد وُجه إليهما اهتمام بالغ فتم وصفهما بالتفصيل. وتنقل هذه الكتب رؤاها من خلال نسق مركب من الرؤى الرمزية والصور الخيالية الباهرة تلعب فيه الحيوانات والطيور والزواحف والوحوش ذات الرؤوس البشرية دوراً أساسياً. والواقع أن أدب الرؤى غامض للغاية، يحتمل العديد من التفسيرات بحيث يمكن توظيفه لأي غرض ولإثبات أي شيء، وهي سمة سيتصف بها الماشيَّح فيما بعد. ويرى مؤرخو اليهودية أن جذور الصوفية اليهودية والقبَّالاه ترجع إلى هذه الكتب. ولأن الرؤية الواردة في هذه الكتب لم تكن تساندها شرعية الرؤية الإلهية، فمؤلفوها كانوا ينسبونها إلى شخصيات توراتية. كما أن الخوف من الاضطهاد السياسي كان سبباً أساسياً لإخفاء شخصية المؤلف. وقد استخدم مؤلفو كتب الرؤى موضوعات كتب الأنبياء بعد تطويرها وتغيير معناها بما يتناسب مع ظروف وشخوص تاريخية معاصرة لهم.
وكتب الرؤى تعبير عن الطبقة الحلولية في اليهودية تنبع من الإيمان بأن أعضاء الشعب المختار الراهن أمة من الأنبياء والقديسين والكهنة يمتلكون إمكانيات نبوية خارقة خاصة، وأن تقاليد النبوة عندهم لا تزال ممكنة ومفتوحة ومتاحة.
стр. 5805
ومما يزيد من حدة التأملات الرؤياوية (الأبوكاليبسية) عندهم أنهم، وهم الشعب المختار، كانوا دائماً يذوقون صنوف الويل والعذاب الأرضيين، فتجربتهم التاريخية هزيمة تلو هزيمة، وانكسار إثر انكسار، على أيدي الآشوريين والبابليين، ثم زادت الأمور سوءاً بعد العودة من بابل، وتوقُّف سلسلة أنبياء اليهودية، وبعد إعادة بناء الهيكل. وقد عاد اليهود من المنفى تحدوهم تطلعات مشيحانية، وأمل في أن تسود جماعة يسرائيل مرة أخرى. ولكن الماشيَّح لم يأت بل تدهور حالهم وأصبح الحاضر تحفه المشاكل، وبدأت نذر الشر تظهر في الأفق، فقد ظهرت الإمبراطورية الرومانية بقوتها الضخمة لتهيمن على الشرق الأدنى القديم، وفلسطين، ثم دمرت الهيكل تماماً على يد تيتوس، ثم القدس على يد هادريان. وفي هذه المرحلة الأخيرة الخطرة (من القرن الثاني قبل الميلاد إلى القرن الثاني بعد الميلاد) ظهرت أسفار الرؤى.
стр. 5806
وقد ساعد كل ذلك على انصراف اليهود عن الحاضر إلى التأمل الأخروي في آخر الأيام، إذ كان من غير المنطقي، من وجهة نظرهم، أن يتركهم الإله في عذابهم الدنيوي دون نهاية سعيدة. وقد تَرسَّخ لديهم الإيمان، تحت تأثير الأفكار الفارسية، بالفكرة الثنوية التي ترى أن الوجود يتكون من عالمين: العالم الحاضر ويحكمه الشيطان ومصيره الزوال، والعالم القادم ويحكمه إله الخير والنور؛ وهو عالم حر تنتشر فيه السعادة الأبدية، يأتي بعد انتصار إله النور على إله الظلام. ولذا، فقد آمنوا بأن الإله سيرسل حتماً من يرفع عنهم العذاب. بل إنهم يؤمنون بأنه كلما تأخر يوم الخلاص، زادت شدة العذاب الذي سيحيق بأعدائهم، علماً بأن زيادة الآلام علامة اقتراب الخلاص والنصر (وهذا هو النمط الأساسي في كتب الرؤى) . وستأخذ النهاية الرؤياوية للبؤس اليهودي صورة عودة الماشيَّح أو انتصار داود أو تنصيب سليمان معلماً للأمم، أو عودة اليهود إلى أرض الميعاد. وقد تبنَّى مؤلفو كتب الرؤى فلسفة للتاريخ ذات أصل فارسي، فقد كان الفرس يُقسِّمون تاريخ العالم إلى ممالك ثلاث: الآشورية والميدية والفارسية، ثم أضافوا إليها فيما بعد المملكة اليونانية. وقد تبنَّى مؤلفو كتب الرؤى هذا التقسيم، وأحلوا محل آشور بابل التي كانت لا تزال عالقة بذاكرتهم التاريخية، وأضافوا مملكة خامسة هي مملكة اليهود الأزلية. وهناك بعض رؤى الأبوكاليبس المسيحية التي ترى أن الخلاص النهائي مرتبط بعودة اليهود إلى فلسطين وتَنصُّرهم، وتُسمَّى «الرؤى الاسترجاعية» نسبة إلى استرجاع اليهود إلى فلسطين، أو «الرؤى الألفية» نسبة إلى الألف عام التي سيحكم فيها الماشيَّح الأرض.
وتجب التفرقة بين كتب الرؤى (أبوكاليبس) وكتب النبوة، فكلتاهما وسيلة لمعرفة الإرادة الإلهية. ولكن، بينما تدور كتب الأنبياء داخل نطاق رؤية توحيدية، تدور أسفار الرؤى داخل رؤية حلولية، وتمكن التفرقة بينهما على النحو التالي:
стр. 5807
١ ـ من نقط الاختلاف الأساسية، موقف كتب الأنبياء والرؤى من التاريخ والمجتمع. فالأنبياء توجهوا برسالاتهم مباشرة إلى مجتمعاتهم وركزوا على الحاضر، وأشاروا إلى الخيارات الفلسفية والأخلاقية المطروحة مطالبين جماعة يسرائيل باتخاذ موقف محدَّد واستجابة مباشرة. وقد كان المستقبل بالنسبة إلى الأنبياء لا يزال عملية مستمرة تستطيع الإرادة الإنسانية أن تلعب فيها دوراً. أما مؤلفو كتب الرؤى، فكانوا يركزون على البدايات والنهايات، وعلى النهايات أكثر من البدايات. فكانوا يرون التاريخ عملية موصدة مغلقة، وما العصر الذي يعيش فيه الكاتب سوى حلقة من سلسلة متكاملة قررها الإله من قبل، وهي عادةً الحلقة الأخيرة. ويُقال إن هذه الرؤية متأثرة بالرؤية الإغريقية الهيلينية للتاريخ والتي تنظر إليه باعتباره دائرة هندسية مغلقة. ولكن يمكننا أن نقول إن انغلاق كتب الرؤى تعبير عن الحلولية الكامنة فيها.
٢ ـ لا تنشغل كتب الرؤى بالتاريخ انشغال كتب الأنبياء به، فهى قد تتعامل معه ومع أحداثه ولكنها لا تحترم تفاصيله. فالعقلية الرؤياوية تتوقع وتؤيد التغيير في المجتمع، لكنه تغيير غير تاريخي لأنه غير مرتبط بمسار التاريخ، كما أنه يأخذ شكل انفجارأو تحوُّل فجائي جوهري في كل شيء إذ يتم التحول عن طريق التدخل (أو الحلول) المباشر والفجائي للإله في شئون البشر وفي التاريخ. هذا على عكس رؤية معظم الأنبياء التي كانت تبشر بأن إرادة الإله تتحقق داخل التاريخ من خلال أحداثه لا من خلال تَدخُّل مباشر، فتصبح آشور مثلاً أداة العقاب الإلهي.
стр. 5808
٣ ـ لكل هذا، نجد أن كتب الأنبياء منشغلة بالمضمون الأخلاقي لرسالاتهم وبإبلاغها، وبكيفية تحقيق الخلاص داخل التاريخ أو تعديل مساره عن طريق التوبة والعودة. ويُحجم الأنبياء عن ذكر ما رأوه في لحظة الوحي، أما كُتَّاب الرؤى فيعطون وصفاً تفصيلياً لكل شيء؛ السماء أو البلاط المقدَّس أو الملائكة. وعيون كُتَّاب الرؤى مركزة دائماً على النهاية (لحظة التدخل الفجائي) حين ينتهي التاريخ كليةً، فالنهاية دائماً وشيكة الوقوع، هذا على عكس النهاية الأخروية عند الأنبياء، فقد كانت هذه النهاية عند معظمهم في المستقبل البعيد. ويُلاحَظ أن رؤية النهاية عند كُتَّاب كتب الرؤى كانت شخصية وتاريخية في آن واحد، إذ يرد في الإصحاح ١٢ من سفر دانيال أول ذكر واضح لبعث الموتى ولعملية العقاب والثواب (دانيال ١٢/١٣) . ومن الواضح أن كتب الرؤى تشكل عودة لرؤية الحلولية اليهودية، كما مهدت للقضاء على تأثير رؤى الأنبياء التي وجدت تطورها الحقيقي في المسيحية.
والتفكير الصهيوني تفكير رؤياوي علماني يؤمن بأنه لا حل للمسألة اليهودية عن طريق التدرج التاريخي (الاستنارة أو الاندماج أو الثورة الاجتماعية) أو عن طريق التعامل مع الواقع التاريخي المتعين، وإنما يجب أن يتم «الآن وهنا» على الفور (الدولة الصهيونية ـ العودة ـ تكوين جيش من اليهود يغزو فلسطين ويطرد العرب) ، أي أن الصهيونية تتعجل وتعمل من أجل «نهاية التاريخ» ، وذلك بطرح رؤى مثالية فاشية يتم فرضها على الواقع التاريخي لا عن طريق الحلول الإلهي لصالح الشعب اليهودي وإنما عن طريق العنف والتحالف مع الإمبريالية (مثلاً) ، ومن هنا فإن الصهيونية تعبير عن الحلولية بدون إله.
الآخرة أو العالم الآخر (الآتي)
World to Come
стр. 5809
«الآخرة» أو «العالم الآخر» هي المقابل العربي للمصطلح العبري «عولام هبّا» ، وهو مصطلح يهودي أخروي يعني «العالم الآتي في آخر الأيام» (مقابل «عولام هازّيه» ، أي «هذا العالم» ) . ومفهوم الآخرة أو العالم الآخر مفهوم أخروي، أخذ في الظهور التدريجي، واكتسب كثيراً من ملامحه بعد العودة من بابل، ثم صار إحدى الأفكار الدينية الأساسية في التلمود. وهذا العالم الآتي يشير إلى عدة أشياء متناقضة، فهو قد يشير إلى المستقبل وحسب، وقد يشير إلى العصر المشيحاني (الألفي) قبل أو بعد يوم الحساب وقبل أو بعد البعث، وقد يشير إلى الآخرة بمعنى نقطة خارج الزمان. وقد قرنه بعض الحاخامات بالجنة وحسب. وهو قد يشهد التَحرُّر القومي لليهود من ظلم الأمم الأخرى، ولكنه قد يشهد تَحرُّر الكون بأسره، أي أنه يعكس كل تناقضات التفكير الأخروي اليهودي، وتأرجحه ما بين الرؤية الحلولية والرؤية التوحيدية.
آخر الأيام (اليوم الآخر)
End of Days; Aharit Ha Yamim
«آخر الأيام» أو «اليوم الآخر» مصطلح عربي يقابل المصطلح العبري «أحريت هياميم» ، وهو مصطلح أخروي يهودي، ويكون بأحد معنيين:
١ ـ يكون بمعنى «في المستقبل» أو «في الأيام المقبلة» ، أي في فترة زمنية مقبلة تتلوها أيام وفترات أخرى.
٢ ـ ويكون بمعنى «في الأيام الأخيرة» ، ويعني آخر المراحل الزمنية التي لن يأتي بعدها مراحل أخرى، ومع هذا، فإن هذه المرحلة الأخيرة تقع داخل الزمان.
وإذا كان المعنيان السابقان مختلفين، فإنهما متفقان في أنهما يقعان داخل الزمان. ومع هذا، فقد تغيَّر المجال الدلالي للمصطلح قليلاً في القرن الأول قبل الميلاد بحيث أصبح يشير إلى آخر الزمان كمرحلة تقع خارج التاريخ كلية، يتم فيها بعث الموتى وحسابهم.
يوم الرب
Day of the Lord
стр. 5810
«يوم الرب» مصطلح يهودي أُخروي حلولي، وهو اليوم الذي سيكشف فيه الإله عن نفسه للأمم بكل قوته وعظمته في آخر الأيام ليحطم أعداء جماعة يسرائيل، بسبب ما اقترفوه من آثام في حق شعبه المقدَّس المختار. وستعلو جماعة يسرائيل في ذلك اليوم، وتسمو على العالمين، بعد أن تتجدد قوتها وتنتقم من أعدائها، وتؤسس مملكة قوية. وهذا المفهوم البدائي القومي ينم عن رغبة عميقة في الانتقام، ويحمل تضمينات عسكرية (تماماً كما نقول في العربية «يوم داحس والغبراء» أو «يوم الخندق» ) ، ويجعل الآخرة أمراً مختصاً بالجماعة لا بالأفراد.
وقد حوَّل عاموس المفهوم تماما حين أسماه «يوم يهوه» ، فلم يعد هذا اليوم يوم انتقام جماعة يسرائيل من أعدائهم، وإنما أصبح «يوم الحساب» أو «يوم الحكم» أو «يوم القضاء العالمي الشامل» ، وهو اليوم الذي سيحاسب فيه الإله كل الناس، يهوداً كانوا أو أغياراً، دون تمييز أو تفرقة. ويُعَدُّ هذا أهم التطورات التي دخلت على المفاهيم اليهودية الأخروية.
يوم الحساب
Day of Judgement
стр. 5811
«يوم الحساب» ترجمة لمصطلح «يوم هدِّين» ، وهو مصطلح عبري بمعنى "اليوم الذي سيحاسب فيه الإله كل البشر في آخر الأيام". وهو تطوير لمصطلح «يوم الرب» ذي الطابع الحلولي القومي المتطرف الذي كان يعني حدوث الخلاص (الثواب والعقاب) داخل إطار قومي. وقد تَحوَّل هذا المفهوم القومي الأخير (على يد النبي عاموس وغيره من الأنبياء) إلى مصطلح «يوم الحساب» أو «يوم الحكم والقضاء» (العالمي والشامل) ، وهو يوم سيُحاسَب فيه كل الناس يهوداً كانوا أو أغياراً دون تمييز أو تفرقة. وقد حذر عاموس شعبه من أن الإله سيحطم جماعة يسرائيل بسبب فسادها (عاموس ٥/١٨) ، وأكد كلٌّ من إرميا وحزقيال (إرميا ٣١/٢٩ ـ ٣٠، حزقيال ١٨) المسئولية الفردية، كما أكَّد كثير من الأنبياء أن النفي عقوبة تستحقها جماعة يسرائيل. لكن أول إشارة للثواب والعقاب بعد البعث ترد في أشعياء (إصحاح ٢٦) ، ودانيال (١٢/٢) : "وكثيرون من الراقدين في تراب الأرض يستيقظون، هؤلاء إلى الحياة الأبدية وهؤلاء إلى العار، للازدراء الأبدي". وتطوَّر المفهوم، فأصبح المصطلح يشمل الموتى الذين سيُبعثون يوم الحساب "حتى يشملهم الحساب هم أيضاً ".
стр. 5812
ويُلاحَظ أن مفهوم يوم الحساب، الذي لم يستقر بصورته الجديدة إلا بعد المرحلة البابلية، لم يفقد محتواه القومي تماماً، إذ نكتشف أن اليهود سيتطهرون في يوم الحساب من آثامهم ثم تعود البقية الصالحة منهم إلى أرض الميعاد ليحيوا حياة سعيدة هنيئة كما جاء في سفر هوشع (٢، ١٤) . كما يجب التنبيه أيضاً إلى أن يوم الحساب ليس مثل يوم القيامة أو الآخرة، لأنه (حسب كثير من التفسيرات) سيحل قبل البعث النهائي، أي أنه واقعة تاريخية (وفي هذه الدنيا) ، وهو مثل المرحلة الألفية سيقع قبل الآخرة ولن يُحاسَب فيه إلا الأحياء الموجودون في الدنيا بالفعل. وكان البعض يرى أن الإله يحاسب العالمين أربع مرات كل عام. وكان البعض يؤمن بأن عيد رأس السنة اليهودية هو اليوم الذي يحاسب فيه الإله البشر، وأن أحكامه تصبح نهائية في يوم الغفران.
والواقع أن دولة إسرائيل هي، بمعنى من المعاني، محاولة علمانية لترجمة مفهوم الفردوس اليهودي الأرضي إلى واقع حقيقي.
البعث
Resurrection
стр. 5813
«البعث» تقابلها في العبرية كلمة «تحيَت همِّيتيم» . وفي الواقع، فإن ثمة إطارين لفهم فكرة البعث: الإطار التوحيدي، وفي نطاقه نجد أن الإيمان بالبعث يعني الإيمان بعودة الروح إلى الجسد في المستقبل (في اليوم الآخر) لتثاب أو تُعاقَب. وداخل الإطار الحلولي، وفي نطاقه أشكال مختلفة لفكرة البعث من بينها الإيمان بتناسخ الأرواح، أو الإيمان بخلود الروح وحسب دون بَعْث، أو الإيمان بأن بعض الأرواح وحدها هي التي تُبعَث ولا يُبعَث البعض الآخر، أو الإيمان بأن الموتى يحيون بعد الموت في عالم خاص بهم. ولا توجد في كتب العهد القديم الأولى أية إشارات إلى بعث الموتى أو الحياة الأبدية، إذ يبدو أن العبرانيين القدامى لم يكونوا من المؤمنين بالبعث، وإنما كانوا يؤمنون بأن الإنسان جسد يفنى بالموت. وحتى بعد أن ظهرت فكرة خلود الروح، فإن هذه الفكرة لم تكن بعد مرتبطة بفكرة البعث والخير والشر والثواب والعقاب، إذ أن الروح كانت تذهب بعد الموت إلى مكان مظلم يُسمَّى «شيول» ، حيث تبقى إلى الأبد، بغض النظر عما ارتكبته من أفعال في هذا العالم الدنيوي. وتتضح هذه الرؤية العدمية في سفر أيوب الذي جاء فيه: «اذكر أن حياتي إنما هي ريح، وعيني لا تعود ترى خيراً ... السحاب يضمحل ويزول، وهكذا الذي ينزل إلى الهاوية (شيول) لا يصعد» (أيوب ٧/٧ ـ ٩) . "أما الرجل فيَبلى ويموت الإنسان يسلم الروح فأين هو ... الإنسان يضطجع ولا يقوم، لا يستيقظون حتى لا تبقى السماوات ولا ينتبهون من نومهم" (أيوب ١٤/١٠ ـ ١٢) .
стр. 5814
وقد كانت مكونات فكرة البعث موجودة، فإحدى صفات الإله أنه يُحيي الموتى، وقد رُفع إليه إلياهو بالفعل. ويبدو أن هناك إرهاصات لفكرة البعث في سفر أشعياء (٢٦/١٩) ، ولكنها لا تظهر بشكل واضح لا إبهام فيه إلا في سفر دانيال (وتحت تأثير فارسي) : "وكثيرون من الراقدين في تراب الأرض يستيقظون، هؤلاء إلى الحياة الأبدية وهؤلاء إلى العار، للازدراء الأبدي" (سفر دانيال ١٢/١ ـ ٣) . وبعد ظهور المفهوم، حاول مفسرو العهد القديم أن يقوموا بعملية إسقاط لهذه الفكرة على نصوص سابقة لتفسَّر على أنها تتحدث عن البعث، كما فعل راشي مع مزمور ١٧/١٥. ومع هذا، لم تستقر الفكرة تماماً في اليهودية. وعند هدم الهيكل، كان الصدوقيون لا يزالون ينكرون البعث. ويبدو أن الأسينيين أيضاً لم يكونوا يؤمنون به، على عكس الفريسيين.
стр. 5815
وترى اليهودية الحاخامية أن الإيمان ببعث الموتى إحدى العقائد الأساسية في اليهودية، وأحد أُسُس الإيمان، كما ترى أن البعث بعث للروح والجسد. ولكن، حتى بعد ظهور فكرة البعث بشكلها الكامل، ظهرت عدة إشكاليات من بينها زمن البعث، فالتفكير الأخروي اليهودي يتضمن عنصرين: أحدهما زمني وهو العصر المشيحاني، والآخر لا زمني هو صيغة من صيغ آخر الأيام. كما أن علاقة البعث بيوم الحساب وجهنم والجنة لم تتحدد (وهذه أسئلة أثارها حسداي قريشقش) . كما أن فكرة البعث احتفظت بكثير من العناصر الحلولية، ولذلك نجد أنها تكتسب بُعداً قومياً وتظل مرتبطة بالعودة القومية إلى الأرض. وحتى بين هؤلاء الذين يؤمنون بفكرة البعث، هناك خلاف حول من يُبعَث من البشر إذ قال موسى بن ميمون إن الأبرار وحدهم هم الذين سيُبعَثون، وذهب آخرون إلى أن كل أفراد جماعة يسرائيل سيُبعَثون، وقال فريق ثالث إن الجنس البشري بأسره سيُبعَث في آخر الأيام. وثمة بعض المفكرين من اليهود ينكرون حتى الآن عقيدة البعث. وتنكر اليهودية الإصلاحية فكرة أن البعث هو عودة الروح إلى الجسد وحسابها، مكتفيةً بتأكيد عقيدة خلود الروح. وقد تم تعديل كتاب الصلوات ليتفق مع العقائد الجديدة.
следующие страницы →