Полный текст (8 511 стр.). Показаны 5811–5850 · переход к 5816.
стр. 5811
«يوم الحساب» ترجمة لمصطلح «يوم هدِّين» ، وهو مصطلح عبري بمعنى "اليوم الذي سيحاسب فيه الإله كل البشر في آخر الأيام". وهو تطوير لمصطلح «يوم الرب» ذي الطابع الحلولي القومي المتطرف الذي كان يعني حدوث الخلاص (الثواب والعقاب) داخل إطار قومي. وقد تَحوَّل هذا المفهوم القومي الأخير (على يد النبي عاموس وغيره من الأنبياء) إلى مصطلح «يوم الحساب» أو «يوم الحكم والقضاء» (العالمي والشامل) ، وهو يوم سيُحاسَب فيه كل الناس يهوداً كانوا أو أغياراً دون تمييز أو تفرقة. وقد حذر عاموس شعبه من أن الإله سيحطم جماعة يسرائيل بسبب فسادها (عاموس ٥/١٨) ، وأكد كلٌّ من إرميا وحزقيال (إرميا ٣١/٢٩ ـ ٣٠، حزقيال ١٨) المسئولية الفردية، كما أكَّد كثير من الأنبياء أن النفي عقوبة تستحقها جماعة يسرائيل. لكن أول إشارة للثواب والعقاب بعد البعث ترد في أشعياء (إصحاح ٢٦) ، ودانيال (١٢/٢) : "وكثيرون من الراقدين في تراب الأرض يستيقظون، هؤلاء إلى الحياة الأبدية وهؤلاء إلى العار، للازدراء الأبدي". وتطوَّر المفهوم، فأصبح المصطلح يشمل الموتى الذين سيُبعثون يوم الحساب "حتى يشملهم الحساب هم أيضاً ".
стр. 5812
ويُلاحَظ أن مفهوم يوم الحساب، الذي لم يستقر بصورته الجديدة إلا بعد المرحلة البابلية، لم يفقد محتواه القومي تماماً، إذ نكتشف أن اليهود سيتطهرون في يوم الحساب من آثامهم ثم تعود البقية الصالحة منهم إلى أرض الميعاد ليحيوا حياة سعيدة هنيئة كما جاء في سفر هوشع (٢، ١٤) . كما يجب التنبيه أيضاً إلى أن يوم الحساب ليس مثل يوم القيامة أو الآخرة، لأنه (حسب كثير من التفسيرات) سيحل قبل البعث النهائي، أي أنه واقعة تاريخية (وفي هذه الدنيا) ، وهو مثل المرحلة الألفية سيقع قبل الآخرة ولن يُحاسَب فيه إلا الأحياء الموجودون في الدنيا بالفعل. وكان البعض يرى أن الإله يحاسب العالمين أربع مرات كل عام. وكان البعض يؤمن بأن عيد رأس السنة اليهودية هو اليوم الذي يحاسب فيه الإله البشر، وأن أحكامه تصبح نهائية في يوم الغفران.
والواقع أن دولة إسرائيل هي، بمعنى من المعاني، محاولة علمانية لترجمة مفهوم الفردوس اليهودي الأرضي إلى واقع حقيقي.
البعث
Resurrection
стр. 5813
«البعث» تقابلها في العبرية كلمة «تحيَت همِّيتيم» . وفي الواقع، فإن ثمة إطارين لفهم فكرة البعث: الإطار التوحيدي، وفي نطاقه نجد أن الإيمان بالبعث يعني الإيمان بعودة الروح إلى الجسد في المستقبل (في اليوم الآخر) لتثاب أو تُعاقَب. وداخل الإطار الحلولي، وفي نطاقه أشكال مختلفة لفكرة البعث من بينها الإيمان بتناسخ الأرواح، أو الإيمان بخلود الروح وحسب دون بَعْث، أو الإيمان بأن بعض الأرواح وحدها هي التي تُبعَث ولا يُبعَث البعض الآخر، أو الإيمان بأن الموتى يحيون بعد الموت في عالم خاص بهم. ولا توجد في كتب العهد القديم الأولى أية إشارات إلى بعث الموتى أو الحياة الأبدية، إذ يبدو أن العبرانيين القدامى لم يكونوا من المؤمنين بالبعث، وإنما كانوا يؤمنون بأن الإنسان جسد يفنى بالموت. وحتى بعد أن ظهرت فكرة خلود الروح، فإن هذه الفكرة لم تكن بعد مرتبطة بفكرة البعث والخير والشر والثواب والعقاب، إذ أن الروح كانت تذهب بعد الموت إلى مكان مظلم يُسمَّى «شيول» ، حيث تبقى إلى الأبد، بغض النظر عما ارتكبته من أفعال في هذا العالم الدنيوي. وتتضح هذه الرؤية العدمية في سفر أيوب الذي جاء فيه: «اذكر أن حياتي إنما هي ريح، وعيني لا تعود ترى خيراً ... السحاب يضمحل ويزول، وهكذا الذي ينزل إلى الهاوية (شيول) لا يصعد» (أيوب ٧/٧ ـ ٩) . "أما الرجل فيَبلى ويموت الإنسان يسلم الروح فأين هو ... الإنسان يضطجع ولا يقوم، لا يستيقظون حتى لا تبقى السماوات ولا ينتبهون من نومهم" (أيوب ١٤/١٠ ـ ١٢) .
стр. 5814
وقد كانت مكونات فكرة البعث موجودة، فإحدى صفات الإله أنه يُحيي الموتى، وقد رُفع إليه إلياهو بالفعل. ويبدو أن هناك إرهاصات لفكرة البعث في سفر أشعياء (٢٦/١٩) ، ولكنها لا تظهر بشكل واضح لا إبهام فيه إلا في سفر دانيال (وتحت تأثير فارسي) : "وكثيرون من الراقدين في تراب الأرض يستيقظون، هؤلاء إلى الحياة الأبدية وهؤلاء إلى العار، للازدراء الأبدي" (سفر دانيال ١٢/١ ـ ٣) . وبعد ظهور المفهوم، حاول مفسرو العهد القديم أن يقوموا بعملية إسقاط لهذه الفكرة على نصوص سابقة لتفسَّر على أنها تتحدث عن البعث، كما فعل راشي مع مزمور ١٧/١٥. ومع هذا، لم تستقر الفكرة تماماً في اليهودية. وعند هدم الهيكل، كان الصدوقيون لا يزالون ينكرون البعث. ويبدو أن الأسينيين أيضاً لم يكونوا يؤمنون به، على عكس الفريسيين.
стр. 5815
وترى اليهودية الحاخامية أن الإيمان ببعث الموتى إحدى العقائد الأساسية في اليهودية، وأحد أُسُس الإيمان، كما ترى أن البعث بعث للروح والجسد. ولكن، حتى بعد ظهور فكرة البعث بشكلها الكامل، ظهرت عدة إشكاليات من بينها زمن البعث، فالتفكير الأخروي اليهودي يتضمن عنصرين: أحدهما زمني وهو العصر المشيحاني، والآخر لا زمني هو صيغة من صيغ آخر الأيام. كما أن علاقة البعث بيوم الحساب وجهنم والجنة لم تتحدد (وهذه أسئلة أثارها حسداي قريشقش) . كما أن فكرة البعث احتفظت بكثير من العناصر الحلولية، ولذلك نجد أنها تكتسب بُعداً قومياً وتظل مرتبطة بالعودة القومية إلى الأرض. وحتى بين هؤلاء الذين يؤمنون بفكرة البعث، هناك خلاف حول من يُبعَث من البشر إذ قال موسى بن ميمون إن الأبرار وحدهم هم الذين سيُبعَثون، وذهب آخرون إلى أن كل أفراد جماعة يسرائيل سيُبعَثون، وقال فريق ثالث إن الجنس البشري بأسره سيُبعَث في آخر الأيام. وثمة بعض المفكرين من اليهود ينكرون حتى الآن عقيدة البعث. وتنكر اليهودية الإصلاحية فكرة أن البعث هو عودة الروح إلى الجسد وحسابها، مكتفيةً بتأكيد عقيدة خلود الروح. وقد تم تعديل كتاب الصلوات ليتفق مع العقائد الجديدة.
стр. 5816
والواقع أن في إنكار البعث إنكاراً للمسئولية الشخصية وإنكاراً لفكرة الضمير الفردي، فالأخلاقيات اليهودية الحلولية أخلاقيات جماعية قومية لا تميِّز بين الخير والشر بقدر تمييزها بين اليهود والأغيار. وإنكار البعث تعبير مباشر عن النزعة الحلولية. فإذا كان الإله يحل في الأمة والأرض ولا يتجاوز المادة والتاريخ ويجمع بينهما، فإن البعث الفردي (والمسئولية الخلقية) تصبح أموراً مستحيلة وغير مرغوب فيها، فالبعث هو التوحد مع الأمة المقدَّسة والبحث عن الاستمرار والخلود من خلالها، وربما الدفن في الأرض المقدَّسة. ومن هنا كان الاهتمام المتطرف في إسرائيل بالدفن والمدافن، وباستعادة جثث الموتى من الجنود الإسرائيليين، بل من الشائع لدى بعض الجماعات اليهودية شراء تراب من أرض فلسطين (ومن القدس بالذات) ليُنثر على رأس المتوفي أملاً في أن يحوز بذلك البركة الخاصة بالبعث. وفي إطار الحلولية الصهيونية بدون إله ووحدة الوجود المادية التي تقدِّس الأرض، بدأ بعض الشباب الإسرائيلي يشعر بأن هذه الأرض المقدَّسة أصبحت تطالب بمزيد من المدافن وصناديق دفن الموتى. ولعل ما يدعم إحساسهم هذا، رفض يهود العالم الهجرة إليها وحرص الكثيرين منهم في الوقت نفسه على أن يدفن فيها.
تناسخ الأرواح
Transmigration of the Souls
стр. 5817
«تناسخ الأرواح» مصطلح يقابله في العبرية مصطلح «جلجول هنيفيش» ، وهو يعني الإيمان بأن أرواح البشر تعود بعد الموت إن عاجلاً أو آجلاً وتستقر في جسد إنسان آخر، وهي عقيدة مرتبطة تماماً بالفكر الحلولي وتحل محل فكرة البعث التوحيدية (وتشبه فكرة العود الأزلي لنيتشه) وهي عقيدة تستند إلى الإيمان بخلود الروح ولكنها لا تحرِّر الروح تماماً من الزمن. وقد آمن القراءون بشكل من أشكال تناسخ الأرواح. وتظهر الفكرة أيضاً وبشكل أوضح في القبَّالاه؛ سواء في الزوهار أو في القبَّالاه اللوريانية. وبحسب ما جاء في التراث القبَّالي، كانت أرواح كل البشر جزءاً من الآدم قدمون؛ الإنسان الأول أو الكامل، ولكن خطيئة آدم الأولى أدَّت إلى اغتراب روح البشر عن الإله. وروح كل إنسان جزء من روح آدم، ومن هنا فإن كل الأرواح تشارك في حالة السقوط والنفي. فإذا اقترف الإنسان آثاماً في حياته، فإن روحه تتجسد في أشكال أدنى من الحياة. ولذا، يتعيَّن على الإنسان أن يفعل الخير حتى تحل روحه في أجساد الأبرار لكي تصل الروح إلى حالة الإصلاح (تيقون) وهي استقرارها في مكانها الطبيعي في روح آدم. وقد تستقر روح أحد المذنبين في جسد إنسان آخر، فتمتلكه وتستحوذ عليه، وتشكل أثراً سيئاً فيه، ويمكن طرد هذه الروح بطقوس دينية خاصة.
стр. 5818
ومن المفاهيم المهمة الأخرى المرتبطة بتناسخ الأرواح، فكرة «تلقيح الروح» (بالعبرية: عبُّور) ، وذلك حينما تلقى روح شخص ما ظلالها على روح شخص آخر (حيّ) دون أن تسكن جسده بالضرورة. وقد يكون الهدف من عملية التلقيح هذه سلبياً أو إيجابياً. وإذا كانت الروح الهائمة روحاً مذنبة، فهي تلقي بظلالها على الشخص لتكفِّر عن سيئاتها. وبالتالي، فهي ستتلبس الشخص الحي، وفي هذه الحالة، يُقال لها «ديَبُّوق» ولابد من طردها. وقد تلقي الروح الهائمة بظلالها على روح شخص آخر لهدايته، وإضفاء هيبة عليه. وتذكر القبَّالاه اللوريانية حالات عديدة لتناسخ الأرواح، منها أن روح هارون حلت في عزرا، كما حلت روح يعقوب في مردخاي، في حين أن روحى موسى وسيمون بن يوحاي كانتا تلقيان بظلالهما على روح إسحق لوريا. ويُقال إن روح حاييم فيتال (تلميذ لوريا) لم تتأثر قط بخطيئة آدم.
وفكرة تناسخ الأرواح تعبير عن التيار الحلولي في اليهودية، وقد سادت هذه الفكرة بين اليهود وهيمنت على كثير منهم منذ القرن السابع عشر، فقد كان شبتاي تسفي (ومن تبعه) يتحدث عن حلول روح الإله في تسفي أو حلول روح تسفي فيمن أتى بعده. وقد أصبحت هذه الفكرة مركزية بين الحسيديين. ومن مظاهر ذلك ما يفعله الأتباع على قبر أبي حصيرة إذ يلقون أجسادهم عليه أملاً في أن تحل روحه فيهم وتُسمَّى تلك العملية «شيطَّوح» أو «التسطح على القبر» .
خلود الروح
Immortality of the Soul
стр. 5819
لا يوجد في يهودية ما قبل التهجير، ولا في معظم العهد القديم، إيمان واضح بخلود الروح. ولعل هذا يعود إلى النزعة الحلولية التي تمحو كل الثنائيات وترى أن الروح إن هي إلا جزء من الجسد تفنى بفنائه، وأن الموت إن هو إلا نقصان فيما يُسمَّى «المادة الحيوية» . ولذا، فقد أخذت الحياة الآخرة عندهم شكل شيول، وهو مكان محايد لا يعرف الثواب أو العقاب. ولم يُقدَّر لمفهوم خلود الروح أن يتبلور، بسبب تخبط الفكر الديني اليهودي بين الفكر الديني التوحيدي المصري وفكر بلاد الرافدين الحلولي، فقد أخذ بخلود الروح عن المصريين من ناحية وعن بلاد الرافدين من ناحية أخرى. وفي عبادة يسرائيل، أي في يهودية ما قبل التهجير، نجد أن ما يضفي معنى على الأشياء ليس حياة الفرد، وإنما تاريخ الأمة. ولذا، فإن الكتاب المقدَّس هو تاريخ الأمة، ويصبح هذا التاريخ محط اهتمام الإله واهتمام الشعب، ويصبح الخلود هو خلود الشعب. وقد طرح بعض الأنبياء فكرة خلود روح الفرد، وإن كان بشكل متردِّد وغير قاطع. ولا نعرف على وجه الدقة متى بدأت الفكرة تضرب بجذور راسخة في العقيدة اليهودية، ولكن يمكن القول بأن الفكرة بدأت تأخذ شكلاً محدداً في القرنين الثاني والأول قبل الميلاد وبدأ الفريسيون يبشرون بها. واليهودية الهيلينية تفترض هي الأخرى فكرة خلود الروح، وأصبحت فكرة البعث التي تفترض خلود الروح إحدى العقائد الأساسية لليهودية.
стр. 5820
ومع تزايد هيمنة الحلولية على النسق الديني اليهودي، نجد أن خلود الروح يأخذ عند القبَّاليين شكلاً آخر هو إيمانهم بتناسخ الأرواح. وهو مفهوم يفترض خلود الروح ولكنه لا يحررها تماماً من الزمان. وقد يكون مما ساعد على عدم تبلور فكرة موحَّدة ومحدَّدة عن البعث، تَخبُّط الفكر الأخروي اليهودي بين الأفكار المتناقضة عن العصر المشيحاني والآخرة أو العالم الآخر (الآتي) ، وكذلك العقائد الألفية قبل وبعد العصر المشيحاني. ويظهر هذا التخبط في فكر موسى بن ميمون نفسه الذي أنكر أن كل الناس ستُبعَث.
وفي العصر الحديث، أُعيد طرح القضية مرة أخرى، وبُعثَت من جديد بعض الأفكار الحلولية القديمة. فرفض المفكر الديني موريتس لازاروس فكرة خلود روح الفرد وفكرة الآخرة. أما هرمان كوهن، فيرى أن خلود الروح في اليهودية ينطبق على الشعب ككل، لا على أفراده، فالشعب هو وحده الذي لا يموت (فتاريخه أزلي) ، والروح الفردية تكتسب استمرارها من خلال هذا التاريخ، وهذا هو ما ورد في العهد القديم، أما ما عدا ذلك فأساطير، ولذا يجب ألا يجرى التفكير في مصير الإنسان بعد الموت. أما المفكر الصهيوني آحاد هعام، فيرى أن الإيمان بخلود الروح علامة من علامات الضعف ومرض الروح، ولذا فهو يسخر من الآخرة ومن الإيمان بها، ويرى أن الالتصاق العضوي بالأمة يحقق مثل هذا الخلود، وبذا تحل فكرة الشعب العضوي (فولك) محل فكرة خلود الروح والبعث واليوم الآخر.
الموت
Death
стр. 5821
كلمة «موت» العربية يقابلها في العبرية كلمة «مافت» ، التي كانت تُستخدَم كذلك للإشارة إلى إله الموت في العبادة الكنعانية القديمة الذي كان دائماً يصارع بعل إله المطر والخصب. ويعود بعل في شهر المطر ويموت في نهايته، أما موت، فيعود إلى الحياة حينما يتوقف المطر، ويموت حينما يهطل المطر مرة أخرى. وهذه رؤية ثنوية للإله وجدت طريقها إلى العهد القديم، إذ يُنظَر إلى الموت باعتباره قوة مستقلة عن الإله، وله رسله (هوشع ١٣/١٤، أمثال ١٦/١٤) . وتوجد عبارات عديدة في العهد القديم يُفهَم منها أن أعضاء جماعة يسرائيل تصوروا أن الموت ضرب من ضروب العودة إلى الأسلاف والانضمام إليهم (تكوين ٤٩/٣٣، عدد ٢٧/١٣) وهو تعبير عن الطبقة الحلولية داخل اليهودية باعتبارها تركيباً جيولوجياً تراكمياً، ومن هنا الاهتمام بمكان الدفن في اليهودية إذ أصبح من الضروري أن يدفن اليهودي بجوار أسلافه. وقد تأثر مفهوم الموت بعدم الإيمان بالبعث، فكان الموت يُنظَر إليه (في سفر أيوب مثلاً) باعتباره نهايةً مطلقةً وعدماً كاملاً وفناءً لا يُرجى منه شفاء.
стр. 5822
وقد ورد في العهد القديم سببان يفسران الموت: الأول أن الإنسان خُلق من تراب، ولذا فإنه لابد أن يعود إلى التراب (تكوين ٢/٧، أيوب ١٠/٩) . أما سفر التكوين، فيعطي سبباً آخر وهو أن الموت عقاب على الذنوب التي يرتكبها الإنسان وعلى معصية آدم (الأولى) التي طُرد بسببها من الجنة، فلم يعد بمقدوره أن يأكل من شجرة الحياة الأزلية (تكوين ٣/٢٢ ـ ٢٤) . والموت، بهذا المعنى، عقوبة سيرفعها الإله عن الناس في الآخرة، أي في العالم الآخر (الآتي) . وكان الموت يعني الذهاب إلى أرض الموتى (شيول) التي لا عودة منها دون أن يكون هناك ثواب أو عقاب. وظهر فيما بعد الإيمان بخلود الروح وبالبعث، وذلك بعد الاحتكاك بالفُرْس واليونان، وتطورت المفاهيم الأخروية، وتَقبُّل الفكر الحاخامي الموت كحقيقة طبيعية حتمية. وحينما ظهر التفكير القبَّالي، طُرحَت قضية الموت مرة أخرى، فالفكر القبَّالي يرى أن الموت نتيجة خلل حدث في الكون بعد حادثة تَهشُّم الأوعية. وقد حاول الفكر القبَّالي أن يهِّون من نهائية الموت، فطرح فكرة تناسخ الأرواح التي تجعل الزمان الإطار المرجعي الأساسي، إن لم يكن الوحيد، والذي تمكن هزيمته عن طريق دورات التناسخ.
стр. 5823
وفي العصر الحديث، اتخذ الفكر اليهودي مواقف متفاوتة متضاربة من حقيقة الموت تعكس التناقضات القديمة. وقد عاد الفكر القبَّالي إلى الظهور من خلال الحاخام الصهيوني إسحق كوك الذي يرى، على طريقة القبَّالاه اللوريانية، أن الموت ليس حقيقة نهائية يقبلها المؤمن، وإنما هو عيب في الخَلْق، وعلى الشعب أن يصلح هذا العيب ويزيله وينقذ الطبيعة من الموت بالتوبة والصلاة. ويتفق هذا الموقف تماماً مع موقف كوك الحلولي المتطرف. فالحلولية لا يمكن أن تقبل الموت لأن هذا يعني وجود مسافة بين الخالق والمخلوق. وقد كان كوك يرى أن تزايد متوسط عمر الفرد في القرن العشرين إحدى علامات اقتراب زوال الموت، وربما الانتصار النهائي عليه، وهذا اتجاه غنوصي واضح.
الانتحار
Suicide
بالعبرية «إيبّود» ، ويُعَدُّ الانتحار، حسب التصور الديني اليهودي، جريمة مثل القتل. ويشير الحاخامات إلى ما جاء في سفر التكوين (٩/٥) على أنه تحريم للانتحار. ولهذا، فإن المنتحر أو القاتل المحكوم عليه بالإعدام كان لا يُدفن في داخل المقابر اليهودية، كما أنه لم تكن تُقام من أجله الشعائر الدينية الخاصة بالدفن. ومع هذا، فقد ورد في العهد القديم أربع حالات انتحار، وهي انتحار كلٍّ من: شمشون، وشاؤول وحامل درعه، وأحيتوفل. وفي العصر الحديث، قرَّر الحاخامات أن من ينتحر لا يتمتع بكامل قواه العقلية، ولذلك يمكن دفنه مع بقية الموتى وبالطريقة نفسها التي يُدفَنون بها.
стр. 5824
وتختلف معدلات الانتحار بين اليهود والإسرائيليين باختلاف الظروف الاجتماعية ومعدلات التقدم والتخلف. فقد لاحَظ دوركهايم، في أواخر القرن التاسع عشر، أن معدلات الانتحار بين أعضاء الجماعات اليهودية منخفضة قياساً إلى الكاثوليك والبروتستانت. كما لوحظ أن نسبة الانتحار في إسرائيل كانت آخذة في التناقص حتى عهد قريب. ولكن، مع زيادة نسبة الاضطرابات النفسية في الكيان الصهيوني، زادت نسبة الانتحار، فقد بلغ عدد المنتحرين عام ١٩٨٤ نحو مائتين وسبعين منهم مائتان وأربعون يهودياً، وهي نسبة ليست عالية بالقياس إلى اليابان أو الدول الاسكندنافية المشهورة بارتفاع معدلات الانتحار فيها ولكنها على أية حال أعلى في إسرائيل منها في معظم الدول الغربية. وقد بلغ عدد الذين حاولوا الانتحار وأخفقوا ودخلوا المستشفى للعلاج نحو ألف وأربعمائة، وهذا يشكل نصف العدد الحقيقي لأنه لا يتم عادةً الإبلاغ عن محاولات الانتحار. ولا تضم هذه الأرقام حالات الانتحار في الحبس أو السجون. ويُقال أيضاً إن هذه الأرقام ليست دقيقة لأن الاعتبارات الدينية تجعل بعض الأسر تبلغ عن حادث الانتحار كما لو كان حادثة عادية، كما يُقال إن بعض المنتحرين ينفذون انتحارهم بحيث يبدو كما لو كان حادثة حتى لا يسببوا حرجاً لأسرهم. وقد لوحظ ارتفاع معدلات الانتحار بين الجنود الإسرائيليين أثناء التورط الإسرائيلي في لبنان. كما انتحر عدد من يهود الفلاشاه بعد استيطانهم فلسطين بسبب عدم تكيفهم مع الأوضاع الجديدة. وبعد الانتفاضة، انتحر أكثر من ثلاثين جندياً خلال عام ١٩٨٩، وكان معظمهم من الجنود النظاميين (ولذا، فقد أدخل الجيش الإسرائيلي لأول مرة ضباطاً متخصصين في الطب النفسي) . وتمجِّد الصهيونية فكرة الانتحار الجماعي. ومعظم الأساطير القومية، مثل أسطورة ماسادا وشمشون بل وبركوخبا، هي أساطير انتحارية. ولذلك، فإن أحد المفكرين الإسرائيليين (يهوشفاط حركبي) سَمَّى النزعة
стр. 5825
الانتحارية عند الإسرائيليين «أعراض بركوخبا» . ويتحدث الكتاب الغربيون عن «عقدة ماسادا» .
الدفن والمدافن
Burial and Burial Places
تتسم العقائد الأخروية «قبيراه» عند اليهود بعدم تحدُّدها أو تبلورها، إذ تتعايش داخل إطارها عدة أفكار غير متجانسة بل ومتناقضة على طريقة اليهودية الجيولوجية، بعضها حلولي بدرجات متفاوتة من الحلول والبعض الآخر توحيدي. ويُلاحَظ أن شعائر الدفن والمدافن تكتسب أهمية خاصة داخل الإطار الحلولي. وقد دخل على اليهودية بعض المفاهيم البابلية عن أرض الموتى. وحسب هذه المفاهيم، يتوقف مصير الموتى لا على ما اقترفوه من آثام، وما أدوه من حسنات، وإنما على الطريقة المادية للدفن، وهل تمت طقوس الدفن حسب القواعد المرعية أم لا؟ وهل وُضع بجوارهم طعام أم لا؟ وتوجد مثل هذه الأفكار في العهد القديم، إذ يجب تقديم طعام للموتى على أن يكون قد دُفعَت عشوره.
ويؤكد العهد القديم أهمية الدفن، وخصوصاً في مقبرة الأسرة (تكوين ٤٧/٢٩ ـ ٣٠، ٤٩/٢٩) . وقد اهتم الآباء بمكان دفنهم وأعدوا العدة لذلك. والسير التي وردت في العهد القديم تنتهي دائماً بسرد تفاصيل دفن الشخص الذي وردت سيرته. ويُعَدُّ عدم دفن الجثمان عقوبة قاسية تلحق بصاحبه، ومع هذا لم تكن هناك طريقة عبرانية محدَّدة للدفن إذ استمر العبرانيون في استخدام طرق الدفن السائدة في فلسطين قبل التسلل العبراني. ولم ترد قواعد محددة للدفن في العهد القديم.
стр. 5826
لكل ما تقدَّم، تشغل طقوس الدفن جزءاً مهماً في اليهودية، وتأخذ أشكالاً متنوعة. ويقوم اليهود بغسل موتاهم في أسرع وقت ممكن، ثم يقومون بدفنهم في احتفال يجب أن يتسم بالبساطة بعد أن يتلوا صلاة القاديش. ويستخدم الإشكناز توابيت يدفنون فيها الموتى، أما اليهود الشرقيون فيدفنون موتاهم في الأرض مباشرة كما هي عادة المسلمين. وعادةً ما يُدفَن اليهودي الذي يموت ميتة طبيعية في شال الصلاة (طاليت) الذي كان يستخدمه أثناء حياته. أما من يُقتَل فيؤخذ بملابسه الملطخة، ويُلَف بشاله حتى لا يفقد أي جزء من أعضاء جسمه. ويقوم اليهود بختان الطفل الذي يموت قبل أن يُختن، ثم يُطلق عليه اسم عبري ويُدفَن.
وهناك عدة طقوس ذات طابع حلولي شعبي مرتبطة بمراسم الدفن، فإحدى صلوات الإشكناز في الجنازة اليهودية كانت تتضمن طلب الغفران من الجثة، وهي عادة ظلت قائمة حتى عام ١٨٨٧ حينما أوقفها الحاخام الأكبر في إنجلترا. ويلقي السفارد عملات في الجهات الأربع كهدية أو رشوة للأرواح الشريرة. ويُدفَن اليهود في اليمن وأقدامهم موجهة نحو القدس. وفي ليبيا، إذا كانت أرملة الميت حبلى، فإنهم يرفعون النعش وتمر الأرملة تحته حتى تبين أن الميت هو أبو الجنين الذي تحمله. ولا شك في أن كل هذه العادات متأثر بالمحيط الحضاري الذي يعيش فيه أعضاء الجماعات اليهودية.
وتحظى المدافن اليهودية بالاهتمام نفسه الذي تحظى به طقوس الدفن، وهي تُسمَّى «بيت الأحياء» ، كما يُطلَق عليها أيضاً اسم «بيت الأزلية» . وتقع المدافن اليهودية عادةً خارج حدود المدينة لأن جثث الموتى أحد مصادر النجاسة. ويزور اليهود المقابر في الأعياد ليقدموا الصلوات أمام قبور الموتى حتى يتشفعوا لهم عند الإله. ولابد من دفن جميع اليهود في المكان نفسه بالطريقة نفسها، ويُحتَفَظ بأماكن خاصة في المدافن للعلماء والحاخامات والشخصيات البارزة.
стр. 5827
وللدفن في الأرض المقدَّسة دلالة خاصة (وهذا أمر منطقي في الإطار الحلولي) ، فمع حلول الإله في الأرض والشعب، وعدم تجاوزه لهما، فإن الخلود الفردي يتراجع ويحل محله الخلود عن طريق التوحد مع الأمة والأرض. فإبراهيم اشترى لنفسه قبراً في فلسطين، أما موسى فلم يُدفَن هناك، وقد قلل هذا من شأنه. ولا يزال كثير من أثرياء اليهود في العالم يشترون قطع أرض في إسرائيل ليُدفَنوا فيها. وجرت العادة خارج فلسطين على أن يُرش على رأس الميت تراب يُحضَر خصيصاً من فلسطين. كما أن الحكومة الإسرائيلية وجهت عنايتها البالغة لنقل رفات معظم الزعماء الصهاينة فور إعلان دولة إسرائيل، وبذلت جهداً كبيراً لاسترداد جثث الجنود الإسرائيلين الذي قُتلوا أثناء حرب أكتوبر. ولا يجوز إخراج جثة اليهودي المدفونة من الأرض إلا لإعادة دفنها في مدافن العائلة أو في أرض إسرائيل. ويُقال في الفلكلور الديني في التلمود إن جثة الميت خارج فلسطين تزحف تحت الأرض بعد دفنها حتى تصل إلى الأرض المقدَّسة وتتوحد معها.
وقد تحوَّلت المدافن إلى حلبة أساسية للصراع بين أعضاء الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية. فالإشكنازي الذي يتزوج سفاردية كان لا يمكن أن يُدفَن في مدافن السفارد. كما أن السيطرة على المدافن أصبحت من أهم مظاهر الهيمنة الحاخامية في أمريكا اللاتينية، الأمر الذي حدا بأحد الباحثين إلى القول بأنه إذا كانت الكنيسة الكاثوليكية تؤكد أنه لا خلاص للمسيحي خارج الكنيسة، فإن المؤسسات اليهودية في أمريكا اللاتينية حولت الدفن في المقابر اليهودية إلى شيء يشبه الخلاص من خلال الكنيسة (لا خلاص خارج المدافن!) . وتقوم مجالس الجماعات اليهودية المختلفة بجمع الرسوم الباهظة من أعضاء الجماعة اليهودية. ومع تزايد معدلات العلمنة، بدأت تخف حدَّة هذا التوتر نظراً لعدم اكتراث كثير من أعضاء الجماعات، في الوقت الحالي، بمكان الدفن أو مراسمه.
стр. 5828
وتُشكِّل القداسة والنجاسة مشكلة أساسية في عملية الدفن كما هو متوقع في الإطار الحلولي، وتعبِّر القداسة (أو انعدامها) عن درجات الحلول الإلهي. فالكهنة، أي أولئك اليهود الذي يُفترَض أنهم من نسل الكهنة، وهم الذين يعبِّرون عن الحلول الإلهي بدرجة أعلى من بقية اليهود، يُدفَنون إما في نهاية صف المقابر أو في الصف الأمامي وعلى بعد أربع خطوات من المقبرة، وذلك حتى يتسنى إقامة حاجز يقي أقارب الميت (وهم أيضاً من الكهنة) من الدنس الذي قد يلحق بهم لو لمسوا جثث الموتى من اليهود العاديين أو اقتربوا منها. وعادةً لا يجوز دفن اليهود في مقابر غير اليهود. ولكن، إن لم تتوافر مدافن خاصة بهم، فيمكن دفنهم في مقبرة عامة على أن يكون هناك فاصل من أربع خطوات بين مقبرة اليهودي ومقبرة أيٍّ من الأغيار (ونلاحظ أن الخطوات الأربع هي أيضاً المسافة التي يجب أن تفصل الكاهن عن اليهود العاديين) .
стр. 5829
ويتبدَّى الفصل الحاد بين اليهود والأغيار، الذي يشكل مقولة أساسية في اليهودية، في الموقف من مدى قداسة المدافن والموتى أو نجاستها. فمدافن غير اليهود، على عكس مدافن اليهود، لا تُدنِّس الكهنة نظراً لانعدام قداستها. ولا يمكن إزالة مدافن اليهود لأنها مقدَّسة، أما مدافن العرب والمسلمين وغير اليهود فيمكن هدمها بكل بساطة. وعلى سبيل المثال، أُزيلت مئات المقابر في إسرائيل لإقامة هيلتون تل أبيب. ولكن، عندما هدمت الحكومة الأردنية بعض مقابر اليهود على جبل الزيتون، حدث احتجاج على ذلك وبشدة. وقد أثيرت مؤخراً قضية مقابر اليهود في حي البساتين في القاهرة، إذ تقرر بناء طريق سريع حول القاهرة يمر بهذه المقابر، وهو ما سيؤدي إلى نقل بعضها بضعة أمتار. وهناك فتاوى حاخامية تذهب إلى أنه يجوز نقل هذه المقابر، وهناك سوابق لذلك. ومع هذا، قررت المؤسسة الصهيونية تحويل هذه الواقعة إلى مناسبة للصراع، وإلى وسيلة للضغط على الحكومة المصرية، وتأكيد فكرة الشعب اليهودي على حساب السيادة المصرية. فصرح الحاخام هرتس فرانكيل (من بروكلين) بأن المقبرة، حسب العقيدة اليهودية، أكثر قداسة من المعبد اليهودي، وهو أمر قد يكون صحيحاً من منظور حلولي يهودي يساوي بين الإله (المعبد) والإنسان (المقبرة) بل يُعلي من شأن الإنسان على الإله ومن ثم يُعلي من شأن المقبرة على المعبد. ولكن ذلك ليس صحيحاً من منظور حاخامي توحيدي معتدل. وقد أضاف الحاخام فرانكيل أيضاً أن المقابر اليهودية جزء من التراث اليهودي وتاريخ الشعب اليهودي، فأعطى مضموناً أيديولوجياً للمقابر. وقد جندت المؤسسة الصهيونية بعض رجال الكونجرس للضغط على الحكومة المصرية لبناء كوبري يمر فوق المقبرة بدلاً من نقل المقابر. وقد طُبع مؤخراً في إسرائيل ما يُسمَّى «محذوفات التلمود» جاء فيه أنه إذا مرَّ يهودي على مقبرة فعليه أن يلقي عليها دعاءً بالبركة إن كانت المقبرة مقبرة يهودي، وعليه أن
стр. 5830
يلعن أمهات الموتى إن كانت المقبرة لغير يهودي.
وقد غيَّر اليهود الإصلاحيون كثيراً من طقوس الدفن، فأصبح من الممكن دفن الميت بعد يوم أو يومين في ملابس عادية، كما أنهم يصرحون بإحراق الجثة. وفي الآونة الأخيرة، هناك اتجاه أخذ في التزايد نحو إحراق جثمان الميت وذَرِّ رماده أو الاحتفاظ به في وعاء خاص، وذلك بسبب تزايد العلمنة، وهي ممارسة يعترض عليها اليهود الأرثوذكس لأنها تتنافى مع الشريعة اليهودية.
وتُطبَّق قوانين الدفن والمدافن تطبيقاً كاملاً في إسرائيل. وقد أثار أفنيري، في الكنيست، مسألة التفرقة التي تمارسها الدولة في دفن الجنود الإسرائيليين الذين يسقطون أثناء القتال، إذ يُدفَنون دون تمييز في بادئ الأمر، ثم تقوم دار الحاخامية (سراً) بغرس شجرة أمام القتلى الذين لم تعترف الحاخامية بيهوديتهم، حتى يتم عزلهم عن بقية المدفونين.
стр. 5831
وقد أثيرت مؤخراً حادثة جثة تيريزا أنجليلوفيتش، المستوطنة الصهيونية التي هاجرت من رومانيا إلى إسرائيل مع زوجها ودُفنَت في مقابر اليهود، وقد اختُطفَت جثتها لدفنها في مقبرة منفصلة، لأنها لم تتهوَّد بالطريقة المعتمدة لدى الحاخامية. وفي نهاية الأمر، أُعيد دفنها في مقابر اليهود. وتقدمت شولاميت ألوني باقتراح إنشاء مقابر لليهود العلمانيين مستقلةً عن مقابر المتدينين. ومن القضايا التي أُثيرت أخيراً، الطلب الذي تقدمت به إحدى أمهات الجنود الإسرائيليين الذين قُتلوا في لبنان بأن يُزال من فوق شاهد قبر ابنها عبارة «عملية السلام من أجل الجليل» ، وهو الاسم الرسمي للغزو الإسرائيلي للبنان. وقد أشارت الأم إلى أنها لم تكن عملية وإنما كانت حرباً، ولم تكن من أجل السلام كما أنها لم تحققه. كما أشارت إلى أن ابنها لم يسقط في الجليل وإنما في لبنان. وطلبت الأم تغيير التاريخ المكتوب على قبر ابنها من التاريخ العبري إلى التاريخ الجريجوري، وقد وافقتها المحكمة على طلبها هذا. ويطلب كثير من أعضاء الجماعات اليهودية أن يُدفَنوا في إسرائيل، الأمر الذي أدَّى إلى ارتفاع ثمن المقابر. وقد لوحظ أن بعض المهاجرين السوفييت يصلون أحياناً ومعهم توابيت لبعض أفراد الأسرة ليُدفَنوا في فلسطين، ولكنهم يكتشفون أن أسعار المدافن باهظة، وأنهم غير قادرين على دفع الثمن. وتنوي بلدية القدس المحتلة بناء مقابر تابعة لها في الضفة الغربية بالقرب من معليه أدوميم.
التشريح
Autopsy
стр. 5832
لا يوجد تحريم واضح لعملية التشريح في العهد القديم. وبحسب ما جاء في القانون الإسرائيلي، يمكن تشريح جثث الموتى إذا لم يطالب بغير ذلك آخر، أو نصَّ الميت على ذلك في وصيته. كما يمكن تشريح الجثث لأسباب قانونية لمعرفة سبب الوفاة أو لأي أسباب أخرى. وقد وافق الحاخام الأكبر على القانون الإسرائيلي، إلا أن ثمة معارضة قوية من جانب بعض الحاخامات الأرثوذكس. وتُطرَح القضية من آونة إلى أخرى في إسرائيل.
الثواب والعقاب
Retribution, Reward and Punishment
الإيمان بالثواب والعقاب في الآخرة هو إحدى العقائد الأساسية في الطبقة التوحيدية في اليهودية، وهي طبقة واحدة توجد بجوار طبقات أخرى مختلفة عنها من أهمها الطبقة الحلولية. ولذا، لا توجد إشارات واضحة في أسفار موسى الخمسة إلى فكرة الثواب والعقاب، وإن كان ثمة ثواب وعقاب فإنهما يأخذان شكلاً قومياً ينصرف إلى الشعب اليهودي ككل، أو إلى الشعوب الأخرى، لا إلى الأفراد. كما أن الثواب والعقاب في العهد القديم عادةً ما يتمان داخل الزمان. ولذا، فقد جاء في الوصايا العشر أن طاعة الوالدين تطيل العمر. كما جاء في سفر التثنية: "فإذا سمعتم لوصاياي ... أُعطي مطر أرضكم في حينه" (١١/١٣ ـ ١٤) . ويثير سفر أيوب قضية معاناة الأبرار وازدهار الأشرار، ومع هذا فإن السفر يحل هذه الإشكالية بالعودة إلى النمط المادي القديم، أي بمكافأة أيوب في هذا العالم. فبعد طول معاناة، وبعد تأملات عدمية تنكر البعث، يقول السفر: "بارك الرب آخرة أيوب أكثر من أولاه، وكان له أربعة عشر ألفاً من الغنم وستة آلاف من الإبل وألف فدان من البقر وألف أتان، وكان له سبعة بنين وثلاث بنات... ولم توجد نساء جميلات كبنات أيوب في كل الأرض وأعطاهن أبوهن ميراثاً بين إخوتهن" (٤٢/١٣ ـ ١٥) .
стр. 5833
ولكن بعد أن أكد الأنبياء فكرة المسئولية الخلقية، أصبح من الصعب تَقبُّل هذا الرأي الخاص بالمكافأة المادية المباشرة في هذا العالم، وظهرت فكرة يوم الحساب، ثم فكرة البعث وفكرة جهنم حيث يُعاقَب الفرد المخطئ ويُثاب المصيب. وقد وضع فقهاء اليهود الثواب والعقاب في إطار أخروي، رغم وجود النصوص التوراتية التي تؤكد أن مسألة الثواب والعقاب الإلهى تتعلق بأمور الدنيا. وقد ساد هذا التفسير بين فقهاء اليهود في العصور الوسطى في الغرب وفي العالم الإسلامي، وإن كان التلمود يضم نصوصاً كثيرة هي استمرار للأفكار الحلولية القديمة. ويتعمق التيار الحلولي مع القبَّالاه التي ترى أن الثواب والعقاب يَتمَّان من خلال تناسخ الأرواح. فإذا كان الإنسان خيِّراً، حلت روحه في جسد إنسان خير. أما إذا كان شريراً، فإنها تحل في جسد إنسان وضيع أو حتى في جماد أو حيوان.
وعلى كلٍّ، فإن فكرة الثواب والعقاب، برغم تحدُّدها وتبلورها في الفكر الديني اليهودي، لم تستبعد الأفكار الأخرى، وبما أن اليهودية تركيب جيولوجي تراكمي يضم الأفكار دون صهرها بحيث تتعايش هذه الأفكار بكل تناقضاتها داخل النسق الواحد. فليس من المستغرب أن يطرح الفكر الديني اليهودي فكرة الثواب والعقاب للنقاش مرة أخرى في العصر الحديث. وقد ذكر كلٌّ من كوهلر وكابلان وبوبر أن فكرة الثواب والعقاب لا يمكن أن تؤخذ بشكل حرفي، بل لا تنطبق على الفرد، فهي تنطبق على المجتمع ككل، وبذلك فقد قرنوا فكرة الثواب والعقاب بفكرة التقدم والتخلف، بل إن كابلان يقرن الإله نفسه بالتقدم.
стр. 5834
وقد طُرحَت القضية مرة أخرى بعد الحرب العالمية الثانية، أي بعد الإبادة النازية ليهود أوربا، وظهر ما يُسمَّى «لاهوت ما بعد أوشفيتس» ، وهي عبارة تشير إلى تساؤل أساسي يطرحه الفلاسفة الدينيون اليهود، وهو: هل من الممكن، بعد أوشفيتس، الاستمرار في الإيمان بالإله بعد ما حاق باليهود من عذاب وإبادة؟ وقد تحدَّث بوبر عن «خسوف الإله» . أما ريتشارد روبنشتاين، فقال إنه لم يعد بوسعه أن يقبل المفهوم التقليدي للإله، إذ أن مثل هذا الإله عليه أن يتحمل مسئولية أوشفيتس، باعتبار أن الإبادة النازية لليهود كانت حدثاً فريداً في تاريخ اليهود، ورفض أن يكون النازيون هم أداة عقاب الإله. ولقد رد عليهم فاكنهايم فقال إن رَفْض الفكرة التقليدية للإله يعني انتصار هتلر. وتؤمن الجماعات الأصولية المسيحية في الولايات المتحدة برغم صهيونيتها الواضحة بأن أوشفيتس عقاب إلهي حل باليهود نظراً لرفضهم المسيح عيسى بن مريم. كما أن الحاخام مناحيم إيمانويل هارتوم يرى أن الإبادة النازية عقاب لليهود من الإله على خطاياهم، وحيث إنهم لا يزالون مستمرين فيما هم فيه، فقد يحل بهم العقاب مرة أخرى.
حلقة الأعالي
Academy on High
стр. 5835
«حلقة الأعالي» هي ترجمة للعبارة العبرية «يشيفا شيل معلاه» . وقد وردت في الأدب الأخروي (إسكاتولوجي) ، وخصوصاً في العصر التلمودي، فكرة حلولية مفادها أنه توجد حلقة تلمودية (يشيفا) في السماء يترأسها الإله حيث يستمر الأتقياء والعلماء في دراسة التوراة، ومناقشاتهم لها وللقضايا الدينية الأخرى. وفي كل يوم، يطرح الإله تفسيره للتوراة، ويذكر آراء العلماء الآخرين. وتذكر الأجاداه أن المناقشات الحادة كانت تدور بين الإله وأعضاء حلقة الأعالي. ويدرس في هذه الحلقة التلمودية الأطفال الصغار الذين ماتوا قبل أن تتاح لهم فرصة دراسة الشريعة. ولكن لا يدخل هذه الحلقة، من بين الكبار، إلا من درس في الحلقات التلمودية أو المدارس التلمودية العليا على الأرض، أو أولئك الذين لم يدرسوا ولكنهم عاونوا الآخرين على الدراسة.
وقد طوَّر القبَّاليون هذا المفهوم، بحيث أصبح هناك حلقتان: تُسمَّى إحداهما حلقة السماء، وتُسمَّى الأخرى حلقة الأعالي. ويترأس الأولى ملاك، ويترأس الثانية الإله. ويمكن أن ينتقل عضو الحلقة الأولى بعد أن ينجح إلى الحلقة الثانية التي تُعَدُّ أعلى مرتبة.
وهذه الفكرة الأخروية الطريفة الساذجة هي تعبير حاد عن التيار الحلولي اليهودي في اليهودية الذي يعادل تماماً بين الإله والإنسان، وبين الأرض والسماء، بحيث يُسقط تناقضات العالم الأرضي وصراعاته وسماته على ما يدور في السماء. وفي صلاة يوم الغفران، يطلب المصلون، قبل تلاوة دعاء كل النذور، أن تسمح لهم هذه الحلقة بإقامة الصلاة مع المخطئين.
الجنة
Paradise
стр. 5836
«الجنة» هي الترجمة العربية لكلمة «جن عيدن» العبرية. كما توجد كلمة أخرى في العبرية هي «باراديس» وتعني «جنة» . والكلمة من أصل فارسي، وتعني «بقعة يحيط بها سور» ، ولعلها ذات صلة بالكلمة اليونانية «باراديوس» التي أصبحت في الإنجليزية «باراديز paradise» . ويشكل مفهوم الجنة أحد المفاهيم الأخروية اليهودية المتأخرة. وقد ورد في العهد القديم (سفر التكوين) أن الإله غرس جنة عدن ليقطن فيها آدم وحواء. وهذه الجنة بقعة جغرافية في هذا العالم. والواقع أن اليهودية الأولى، أي عبادة يسرائيل الحلولية، لم تعرف الحياة الآخرة أو العالم الآخر أو البعث. وثمة مشاكل عديدة في قصة جنة عدن هذه تتعلق بشجرة الحياة والمعرفة ودلالتها الرمزية. ومفهوم جنة عدن هو أصل مفهوم الفردوس الأرضي (الموجود بعيداً في الشرق) الذي يقطن فيه الصالحون.
стр. 5837
وقد تطوَّر مفهوم الجنة مع تطوُّر المفاهيم الأخروية الأخرى، وظهرت مفاهيم مثل: العالم الآخر (الآتي) ، والمستقبل، والعصر المشيحاني، وكلها مفاهيم تدور حول فكرة الفردوس (وإن كان هذا الفردوس فردوساً أرضياً داخل الزمان) . ومع ظهور فكرة البعث وفكرة الثواب والعقاب الفرديين، صارت فكرة الجنة مرتبطة بهذه الأفكار وأصبحت جنة عدن "حديقة في العالم الآخر". بل ذهب بعض الحاخامات، لحل مشكلة الثنائية بين جنة عدن والجنة أو الفردوس الأرضي والفردوس السماوي، إلى أن جنة عدن نُقلَت إلى السماء. ومع هذا، لم يتبلور المفهوم تماماً، واختلط بمفهوم العالم الآتي وتداخل مع المفاهيم الفردوسية الأخرى. وهكذا، فإننا نجد أن الفكر القبَّالي يجعل الجنة (باراديس) في متناول العارفين بالقبَّالاه الذين يصلون إلى معنى التوراة الخفي، فيخترقون سطح توراة الخالق ليصلوا إلى توراة الفيض، ومن هنا ذهب القبَّاليون إلى أن بارديس هي التفسير المتعمق للتوراة. والحروف المكوِّنة لكلمة «بارديس» هي الحروف الأولى لمستويات التفسير الأربعة: ب = بيشاط (حرفي) ، ر = ريميز (رمزي) ، د = ديراش (وعظي) ، س = سود (باطني أو صوفي حلولي) . وفي العصر الحديث، تخلَّى الفكر الديني اليهودي عن هذه الفكرة تماماً، وهي لم تكن في أي وقت إحدى العقائد الأساسية.
أرض الموتى (شيول)
Sheol
«أرض الموتى» ترجمة لكلمة «شيول» العبرية التي تُستخدَم كاسم عَلَمْ، وهي مجهولة الأصل وتأتي دائماً في صيغة المؤنث وبدون أداة تعريف ولا تظهر في اللغات السامية الأخرى. وتشير الكلمة إلى مكان يسكن فيه الموتى. وقد أُشير إليه بأسماء أخرى، مثل «عفر» ، أي «تراب» ، و «جفر» ، أي «قبر» ، كما استُخدمت عبارات شتى للإشارة إليه مثل «مكان السكنى» ، و «أماكن الأرض السفلى» ، و «أرض الظلمة» . وتقع شيول إما تحت الأرض، أو تحت الماء، أو تحت قاعدة الجبال، وأحياناً تُصوَّر على هيئة تنين مخيف.
стр. 5838
وتُعتبَر شيول مكاناً محايداً، أي أنه لم يكن مكاناً للثواب والعقاب يتساوى فيه الملوك والعامة والأثرياء والفقراء والسادة والعبيد والأخيار والأشرار، بل هو يكاد يكون مجرد مكان للدفن. ورغم أن الإله يتحكم (حسب التصور اليهودي) في العالمين العلوي والسفلي، فإن الموتى لا يمكنهم التواصل معه أو التسبيح له (مزامير ١١٥/١٧) ، ذلك أنهم قد انحدروا إلى أرض السكون. ومع هذا، فيمكن استدعاء الموتى من هناك ليجيبوا عن أسئلة الأحياء. وشيول تشبه في كثير من النواحي عالم الأراللو أو عالم الظلمات في بلاد أرض الرافدين، فهو عالم مظلم لا حساب فيه ويُنسى من ينزل إليه.
ومفهوم كلمة «شيول» مفهوم منطقي في السياق الحلولي الوثني للعهد القديم وعبادة يسرائيل، فالديانة القديمة ترى أن الجسد والروح شيء واحد، وأن الحياة الآتية امتداد للحياة الحالية. ولذا، فإن حياة ما بعد الموت، إن وُجدت، فليست إلا صورة شاحبة لهذه الحياة تتسم بنوع من نقصان الحيوية. وحين يموت المرء، تذهب روحه وجسده إلى أرض الموتى.
وقد تطوَّر هذا المفهوم فيما بعد، في فترة ما بعد السبي البابلي حين ظهرت فكرة الثواب والعقاب الفرديين، بحيث أصبحت شيول المكان الذي ينتظر فيه الموتى يوم الحساب حين يُبعثون ليُحاسَبوا. ولذا، فقد قُسِّمت شيول إلى أقسام مختلفة، ينتظر الأخيار في مكان خاص بهم، وينتظر الأشرار في أماكن أخرى مختلفة كل حسب درجة شرِّه. ومن هنا، تداخل مفهوم كلمة «شيول» مع مفهوم كلمة «جيهنوم» (جهنم) وهو مكان العذاب الدائم للمذنبين.
جهنم
Hell
стр. 5839
«جهنم» من الكلمة الآرامية «جيهينوم» ، ويقابلها في العبرية كلمة «جي بني هنوم» ، أي «وادي أبناء هنوم» . و «جهنم» أحد المفاهيم الأخروية اليهودية، ولم يظهر إلا متأخراً. فقد ظهرت في بداية الأمر كلمة أرض الموتى (شيول) ، وهي كلمة ذات مفهوم محايد غير مرتبط بالثواب والعقاب أو البعث والحساب. ومع تطوُّر الفكر اليهودي من الحلولية إلى التوحيدية، ودخول أفكار خلود الروح الفردي والبعث والحساب، تطوَّر مفهوم أرض الموتى لتعبِّر عنه كلمة «جهنم» ، أي «المكان الذي سيُعاقَب فيه الأشرار» . وكان المعروف أن عقاب المذنبين سيتم داخل الزمان، ولذا كان يُشار إليه باعتباره «الوادي الملعون» ، ثم تحوَّل إلى المكان الذي سيُعاقَب فيه الآثمون بعد البعث.
ومع هذا، ظل المفهوم قلقاً غير محدد، مثله مثل معظم المفاهيم الأخروية، فليس من المعروف ما إذا كان الآثمون سيدخلون جنهم بعد البعث أم بعد الموت؟ ولم يحدد الفكر الديني مدى العقوبة، فثمة رأي يذهب إلى أن الآثمين من جماعة يسرائيل سيُعاقَبون مدة عام، ثم تباد أرواحهم بعد ذلك. وذهب الحاخام عقيبا إلى أنهم سيذهبون إلى الجنة بعد قضاء فترة العقوبة. وكان الرأي يذهب إلى أن كل أعضاء جماعة يسرائيل، باستثناء قلة مذنبة صغيرة، سيكون لهم نصيب في الآخرة أو العالم الآخر (الآتي) . ويُقال إن إبراهيم سيقف عند باب جهنم وينقذ من دخولها المختونين من نسله. وسيستريح كل المذنبين من العذاب، ومن ضمنهم غير اليهود، يوم السبت. وقد أنكر بعض حاخامات فلسطين وجود جهنم وقالوا إن أرواح الأشرار ستباد تماماً يوم الحساب. وفي العصر الحديث، أسقط كثير من المفكرين الدينيين اليهود فكرة جهنم تماماً. وقد كان الأمر بالنسبة إليهم يسيراً لأنها لم تصبح قط ضمن العقائد اليهودية المستقرة.
الملائكة
Angels
стр. 5840
«الملائكة» صيغة جمع عربية لكلمة «ملاك» التي تقابلها «ملاك» العبرية ومعناها «مُرسَل» لأداء «مل آخاه» أي «مهمة» أو «بعثة» . ويمكن القول بأن الملائكة داخل إطار حلولي تختلف تماماً عنها داخل إطار توحيدي، فهم داخل الإطار التوحيدي رمز للغيب وتعبير عن قدرة الإله اللانهائية التي تتجاوز مقدرات البشر وإدراكهم. أما داخل الإطار الحلولي، فالأمر جدُّ مختلف، فهم ليسوا رسل الإله وحسب وإنما هم جزء منه ووسطاؤه. ولذا، يشار إلى الملائكة في التراث الديني اليهودي باعتبارهم «بنو إلوهيم» أو «بنو إليم» ، أي «أبناء الإله» أو «قيدوشيم» ، أي «المقدَّسون» ، وأحياناً «إيش» ، أي «رجل» . أما أسماء مثل: «آرئيليم» ، أو «كروبيم» أو «سيرافيم» أو «أوفانيم» ، فتُستخدَم للإشارة إلى الملائكة المرتبطين بالعرش أو المركبة الإلهية. وقد عرف الشرق الأدنى القديم آلهة مجنحة لها رؤوس بشر ذكور وإناث، هي التي تظهر أمام القصور الآشورية، كما عرفتها العبادة الكنعانية.
ويظهر الملائكة في الأجزاء الأولى من العهد القديم على هيئة بشر. وهم يضطلعون بوظائف عديدة، من بينها حماية العبرانيين أثناء خروجهم من مصر وأثناء تجوالهم في البرية، ويفسرون لزكريا ودانيال الرؤى (أبوكاليبس) التي شاهدها. كما أنهم يقومون بعقاب المذنبين، مثلما فعلوا عند تحطيم سدوم وعموراه. وهم يحيطون بالعرش الإلهي، ومنهم أيضاً الجوقة التي تسبح للإله. ومن أهم أحداث العهد القديم، حادثة الصراع بين يعقوب والملاك (الذي ظهر فيما بعد أنه الإله) ، وقد صرعه يعقوب، وسُمِّي «يسرائيل» ، أي «الذي تصارع مع الإله» أو «من صرع الإله» . ويرتكب الملائكة الحماقات، فقد ورد في العهد القديم (تكوين ٦/١ـ ٢) : "وحدث لما ابتدأ الناس يكثرون على الأرض وولد لهم بنات، أن أبناء الإله رأوا بنات الناس أنهن حسنات. فاتخذوا لأنفسهم نساء من كل ما اختاروا".
стр. 5841
وبعد العودة من بابل ترسَّخ مفهوم الملائكة في العقيدة اليهودية، وأصبح للملائكة أسماء وطبقات. وقد تزايد عددهم وتزايدت أسماؤهم في كتب الرؤى (أبوكاليبس) ، وظهرت فكرة رئيس الملائكة الذي سقط. ومع هذا، فقد استمرت فرق مثل الصدوقيين في إنكار الملائكة، وهو جزء من إنكارها لفكرة البعث والإله المتجاوز للطبيعة والتاريخ.
والإيمان بالملائكة داخل الإطار الحلولي هو إحدى العقائد الأساسية في التلمود. وقد تَعمَّق الاهتمام بهم مع ظهور التراث القبَّالي ووصوله إلى ذروته، وهو تعبير عن هيمنة الحلولية. ويضم كتاب الزوهار، وغيره من الكتب القبَّالية، قوائم طويلة بأسماء الملائكة، ومهمة كل واحد منها والوقت الذي يزداد فيه نفوذ كل ملاك ومكانه في الأبراج السماوية. وقد استُخدمت أسماؤهم في القبَّالاه العملية، في إعداد التمائم والتعاويذ المختلفة. بل يصبح الملائكة، شأنهم في هذا شأن عزازيل، قوى مستقلة عن الذات الإلهية، أي آلهة صغيرة لها إرادة مستقلة تقف على باب السماء تمنع دخول أدعية البشر للإله، ولذا يحاول اليهود خداعهم. ولاتقاء شرهم، يتلون بعض الأدعية في صلاة الصباح بالآرامية بدلاً من العبرية. وحينما يسمع الملائكة الأدعية بالآرامية، فإنهم يحتارون في أمرها. وأثناء حيرة حارس بوابة السماء، تدخل الأدعية الأخرى دون أن يدري.
стр. 5842
وقد اتُهم اليهود بأنهم من عبدة الملائكة من فرط اعتمادهم عليها وتَضرُّعهم لها. ولا يزال كتاب الصلوات الأرثوذكسي يتضمن تضرعات موجهة إلى الملائكة، مثل تلك الموجهة إلى ملاك الرحمة (ملآخ هارحيم) . أما أنشودة "شالوم عليخم مل آخي هاشاريت"، أي "السلام عليكم يا ملائكة العون"، فهي تُنشَد في المعبد أو في المنزل بعد صلاة المساء. وتتضمن الصلاة الإضافية (موساف) التي تُتلى في السبت والأعياد في المعابد الأرثوذكسية تضرعاً إلى الملائكة، وكذا الأدعية التي تُتلى أثناء نفخ الشوفار في احتفال رأس السنة. هذا على الرغم من أن موسى بن ميمون أدان أية صلاة لغير الإله.
وقد استبعدت كتب اليهودية الإصلاحية أية إشارة إلى الملائكة تقريباً، كما استبعدت اليهودية المحافظة معظمها، وخصوصاً تلك الصلوات ذات الأصل القبَّالي. وقد احتفظ الأرثوذكس بطقوس الصلوات القديمة، دون أن يضفوا أهمية غير عادية على الكلمات والفقرات الصوفية كما كان الحال في الماضي.
وقد أُثيرت مؤخراً (في إسرائيل) قضية خاصة بالملائكة، إذ صنع المثَّال الإسرائيلي إدوارد لفين ثلاثة تماثيل للملائكة لتزيين دار البلدية في القدس، ولكنه نظراً لأنه نشأ في روسيا جعل الملائكة تشبه تلك التي تظهر في الأيقونات البيزنطية، وقد طُلب إليه تهويدها فأضاف إليها نجمة داود!
الكروب (الملائكة)
Cherub; Kerub
стр. 5843
«كروب» كلمة عبرية تعني «ملاك» وجمعها «كروبيم» . وهي مشتقة من الكلمة الأكادية «كاريبو» بمعنى «شفيع» . وكانت «الكاريبو» في بلاد الرافدين، خصوصاً في آشور، عبارة عن ثيران أو أسود مجنحة لها رؤوس بشر. وكانت هذه التماثيل توضع على مداخل المعابد والقصور. والكروب آلهة ثانوية تتدخل لدى كبير الآلهة لصالح الإنسان. وقد عُثر على تماثيل للكروبيم في سوريا أيضاً، وكان بعضها على هيئة بشر ذوي جناحين. وتعود فكرة الملائكة (كروبيم) في اليهودية إلى أصول آشورية وسورية وكنعانية وربما مصرية أيضاً. وقد استُخدمت الكروبيم لإضفاء طابع جمالي على الهيكل. ولم تكن الملائكة آلهة ثانوية في اليهودية، وإنما كائنات خلقها الإله، وهي تحمل عرشه وتحرس بوابات جنة عدن وشجرة الحياة والهيكل، وتظهر على هيئات مختلفة، فقد تم تخُّيلها على أنها ذات وجهين؛ وجه بشر ووجه حيوان. وفي رواية أخرى صُوِّرت على هيئة حيوانات ذات أربعة أوجه؛ إنسان وأسد وثور ونسر.
стр. 5844
ووجود تماثيل الملائكة في الهيكل يدل على أن اليهودية لم تكن معادية تماماً للتصوير. فقد كان هناك أيضاً العجول الذهبية (في دان وبيت إيل) التي شُيِّدت كرموز ليهوه. وقد وُجدت تماثيل للملائكة (كروبيم) في الهيكل، كما وُجدت صور لها على الحوائط والستائر. وداخل قدس الأقداس، فوق تابوت العهد، كان يوضع تمثالان من الذهب طول كل منهما خمسة عشر قدماً، وأجنحتها بالطول نفسه. وقد تلامس جناحان من أجنحتها في حين يلامس الجناحان الآخران حائط قدس الأقداس. وتغيَّرت صورتهما، في مرحلة لاحقة بعد العودة من بابل، وأصبحا على هيئة رجل وأنثى مجنحين في عناق ذي طابع جنسي، رمز الحب بين الإله وجماعة يسرائيل (وقد ذكر راشي أن الملاكين كانا متصلين أحدهما بالآخر، وملتصقين ومتعانقين، كما يعانق الذكر الأنثى) . وكان الإله يكلِّم موسى من فوق غطاء تابوت العهد ومن بين الملاكين الذين يظللان التابوت. وقد حاول فيلون أن يفسر دلالة الملاكين بأنهما رمز للخير والسيادة، ولكن راب فتينا (وهو فقيه من بابل في القرنين الثالث والرابع) بيَّن أنهما يمثلان رموزاً جنسية مقدَّسة، وأنهما كانا يُعرضان أثناء الحج على جماهير اليهود، فيزاح ستار قدس الأقداس، ويُقال: "انظروا إن حبكم للإله هو مثل حب الذكر للأنثى".
ميتاترون
Metatron
стр. 5845
«ميتاترون» هو اسم أعلى الملائكة بحسب ما جاء في الأجاداه والتراث القبَّالي، ويبدو أن الاسم من اللاتينية «ميتاتور» وتعني «من يخطط الحدود» ، أو من اليونانية «ميتاثرونون» وتعني «أقرب إلى العرش الإلهي» . ولعل هذا الاسم يعود إلى اسم الإله الفارسي «ميثرا» . ويُقال إن «ميتاترون» تعني «الملاك حامل الاسم الرباعي» . وأحياناً يُطلَق عليه «أمير الحضور» وكأنه شخيناه مُذكَّرة، ويُقرَن بالملاك ميخائيل. ويقوم ميتاترون بتسجيل حسنات الناس وسيئاتهم، وأحياناً يصبح الوسيط بين الإله والعالم والذي خلق العالم من خلاله، وهو إحدى حلقات الفيض الإلهي. وتعادل القيمة الرقمية لاسمه القيمة الرقمية لاسم أحد أسماء الإله (شدَّاي) ، وأحياناً كان يُقرن بالإله والإنسان في آن واحد، أي أن الحلقة الحلولية تكتمل من خلاله. ويُتداوَل اسم «ميتاترون» بين الدروز في لبنان، ومن الواضح أن أصل ميتاترون غنوصي.
الجن والشياطين
Demons
توجد في العهد القديم إشارات عديدة إلى كائنات خرافية قد تكون خيرة أو شريرة حسب الوظيفة التي تقوم بها. ومن هذه الكائنات الشياطين، وأهمها عزازيل وليل (ليليت) .
ليل (ليليت)
Lilith
стр. 5846
«ليل أو (ليليت) » شيطانة في التراث الديني اليهودي الشعبي. ويبدو أن كلمة «ليل» صيغة مُعَبْرَنة للشيطانة البابلية ليليتو، ومن خلال ربط اسمها بالكلمة العبرية «ليلاه» ، أي «ليل» ، فُسِّرت ليل بأنها شيطانة الليل والظلام التي تأتي بالأحلام الجنسية للرجال وتسبب القذف أثناء النوم، وتقتل الأطفال المولودين وأمهاتهم، وخصوصاً في الأيام السبعة الأولى بعد الميلاد، وتظهر صورتها في آثار سومر على هيئة أنثى عارية مجنحة تقف على ظهر أسد، ولها مخالب طائر. وحسبما جاء في التلمود، كانت ليل عشيقة آدم في الفترة التي افترق فيها عن حواء بعد طردهما من الجنة وولَدت له عدة شياطين. وفي رواية أخرى، كانت ليل هذه زوجته الأولى قبل حواء، خُلقَت مثله من طين لا من ضلعه، ولكنهما تشاجرا لأنها لم توافق على أن يطأها الرجل في عملية الجماع، وذلك لأنها ترى أن في هذا إذلالاً لها وهيمنة للرجل عليها، فنطقت باسم يهوه وهربت وأقسمت أن تنتقم منه. ولذا، فهي تقتل أولاد حواء. ولكن يمكن أن يُوقَف مفعول لعنتها عن طريق استخدام الحجاب المناسب.
والواقع أن شخصية ليل (أو ليليت) مثال جيد للسمة الجيولوجية في النسق الديني اليهودي، فهي قد ذُكرَت في العهد القديم بشكل عابر (أشعياء ٣٤/١٤) باعتبارها إحدى الأرواح أو أحد الوحوش المفترسة التي ستدمر الأرض في آخر الأيام. ثم نُسجَت حولها الأساطير بحيث أصبح داخل اليهودية قصتان متناقضتان للخلق يتعايشان جنباً إلى جنب. وقد أصبحت ليليت إحدى بطلات حركة التمركز حول الأنثى في أمريكا والعالم الغربي وعلماً على الأنثى المتمردة.
عزازئيل
Azazel
стр. 5847
«عزازئيل» اسم عبري معناه «الرب يقوي» ، و «قوة الرب» ، وكذلك «القوة المناوئة للرب» كما يُقال إن الاسم يعود إلى اسم الإله السوري الكنعاني «عزيز» . وعزازئيل روح شريرة أو شيطان ورد اسمه في العهد القديم (لاويين ١٦/٨ ـ ١٠ ـ ٢٦) . وهو أحد قواد الملائكة الذين سقطوا من السماء. ويعيش عزازئيل حسب الرؤية اليهودية القديمة في البرية بالقرب من أورشليم. وكان كبير الكهنة يُقدِّم في يوم الغفران كبشين: أحدهما قرباناً ليهوه، والآخر قرباناً لعزازئيل. وكان الكبش الثاني لا يُذبَح، وإنما يُطلَق سراحه في البرية، حاملاً ذنوب جماعة يسرائيل، ولكنه مع هذا كان يُذبَح فيها أو يُدفَع به من عل حتى لا يعود حاملاً هذه الذنوب.
ومن الواضح أن عزازئيل هذا هو استمرار لطقوس وثنية وأفكار غنوصية، فهو رمز الشر، بل هو خالق كل الشرور في العالم، وهو نقيض يهوه خالق الخير. ويبدو أن هذا الطقس يفترض أن يهوه وعزازئيل عنصران متكاملان يشبهان في هذا علاقة إله الخير بإله الشر في عبادات الفرس الثنوية. وقد توارى وجوده بعض الشيء أثناء الفترة التلمودية، ولكنه عاد إلى الظهور مرة أخرى مع انتشار القبَّالاه.
وقد صار عزازئيل في القبَّالاه قوة مستقلة تصارع ضد الإله، ولذلك يقرأ القبَّاليون أدعية لإرضاء الإله وأخرى لإرضاء الشيطان. بل ويؤمن القبَّاليون بأن بعض القرابين في الهيكل كانت تُقدَّم إلى الشيطان، وهم ليسوا مجانبين الصواب تماماً في ذلك. ويُقال إن كل القرابين في الأيام السبعة الأولى من عيد المظال كانت تُقدَّم إلى عزازئيل باعتباره حاكم الأغيار، حتى يظل مشغولاً عن اليهود، وحتى يمكن تقديم القرابين إلى الإله في اليوم الثامن.
стр. 5848
الباب العشرون: الماشيح والمشيحانية
الماشيَّح والمشيحانية
Messiah and Messianism
«ماشيَّح» كلمة عبرية تعني «المسيح المخلِّص» ، ومنها «مشيحيوت» أي «المشيحانية» وهي الاعتقاد بمجيء الماشيَّح، والكلمة مشتقة من الكلمة العبرية «مشح» أي «مسح» بالزيت المقدَّس. وكان اليهود، على عادة الشعوب القديمة، يمسحون رأس الملك والكاهن بالزيت قبل تنصيبهما، علامة على المكانة الخاصة الجديدة وعلامة على أن الروح الإلهية أصبحت تحل وتسري فيهما. وكما يحدث دائماً مع الدوال في الإطار اليهودي الحلولي، نجد أن المجال الدلالي لكلمة «ماشيَّح» يتسع تدريجياً إلى أن يضم عدداً كبيراً من المدلولات تتعايش كلها جنباً إلى جنب داخل التركيب الجيولوجي التراكمي اليهودي. فكلمة «الماشيَّح» تشير إلى كل ملوك اليهود وأنبيائهم، بل كانت تشير أيضاً إلى قورش ملك الفرس، أو إلى أي فرد يقوم بتنفيذ مهمة خاصة يوكلها الإله إليه. كما أن هناك في المزامير إشارات متعددة إلى الشعب اليهودي على أنه شعب من المشحاء.
وهناك أيضاً المعنى المحدد الذي اكتسبته الكلمة في نهاية الأمر إذ أصبحت تشير إلى شخص مُرسَل من الإله يتمتع بقداسة خاصة، إنسان سماوي وكائن معجز خلقه الإله قبل الدهور يبقى في السماء حتى تحين ساعة إرساله. وهو يُسمَّى «ابن الإنسان» لأنه سيظهر في صورة الإنسان وإن كانت طبيعته تجمع بين الإله والإنسان، فهو تَجسُّد الإله في التاريخ، وهو نقطة الحلول الإلهي المكثف الكامل في إنسان فرد. وهو ملك من نسل داود، سيأتي بعد ظهور النبي إليا ليعدل مسار التاريخ اليهودي، بل البشري، فينهي عذاب اليهود ويأتيهم بالخلاص ويجمع شتات المنفيين ويعود بهم إلى صهيون ويحطم أعداء جماعة يسرائيل، ويتخذ أورشليم (القدس) عاصمة له، ويعيد بناء الهيكل، ويحكم بالشريعتين المكتوبة والشفوية ويعيد كل مؤسسات اليهود القديمة مثل السنهدرين، ثم يبدأ الفردوس الأرضي الذي سيدوم ألف عام، ومن هنا كانت تسمية «الأحلام الألفية» و «العقيدة الاسترجاعية» .....
стр. 5849
ولأن إله اليهود لا يَحلّ في التاريخ فحسب، وإنما يحل في الطبيعة أيضاً، فإننا نجد أن العصر الذهبي (أو العصر المشيحاني) يشمل التاريخ والطبيعة معاً. فعلى مستوى التاريخ، نجد أن السلام ـ حسب إحدى الروايات ـ سيعم العالم، وأن الفقر سيزول، وستُحول الشعوب أدوات خرابها إلى أدوات بناء، ويصبح الناس كلهم أحباء متمسكين بالفضيلة، ولكن صهيون ستكون بطبيعة الحال مركز هذه العدالة الشاملة، كما ستقوم كل الأمم على خدمة الماشيَّح. وفي رواية أخرى؛ ستسود صهيون الجميع وستحطم أعداءها. أما على مستوى الطبيعة، فإننا نجد أن الأرض ستُخصب وتطرح فطيراً، وملابس من الصوف، وقمحاً حجم الحبة منه كحجم الثور الكبير، ويصير الخمر موفوراً.
والفكر المشيحاني فكر حلولي متطرف يعبِّر عن فشل الإنسان في تَقبُّل الحدود، وعن ضيقه بالفكر التوحيدي الخاص بفكرة الإله المتجاوز للطبيعة والمادة والتاريخ، وعن ضيقه بفكرة حدود الإرادة الإنسانية والعقل البشري، وبالتاريخ باعتباره المجال الذي تركه الإله للإنسان ليمارس حريته (فكأنه ضيق طفولي بالوضع الإنساني) . يضيق الإنسان بكل هذا ويتخيل تساقط الحدود ليحل الإله في التاريخ والطبيعة والإنسان وينهي كل المشاكل دفعة واحدة إما بتَدخُّله الفجائي والمباشر في التاريخ أو بإرساله المخلِّص (كريستوس) في المنظومة الغنوصية لينجز المهمة (وتظهر هذه الفجائية في أسفار الرؤى على عكس كتب الأنبياء الذين يرون التاريخ مجالاً للفعل الإنساني الحر والرقي التدريجي) .
стр. 5850
وقد أضعفت عقيدة الماشيَّح انتماء أعضاء الجماعات (وخصوصاً في الغرب) لمجتمعاتهم، وزادت انفصالهم عن الأغيار، ذلك أن انتظار الماشيَّح يلغي الإحساس بالانتماء الاجتماعي والتاريخي، ويلغي فكرة السعادة الفردية. أما الرغبة في العودة، فتلغي إحساس اليهودي بالمكان وبالانتماء الجغرافي. ويبدو أن اضطلاع أعضاء الجماعات اليهودية بدور الجماعة الوظيفية واشتغالهم بالتجارة الدولية في الغرب، كعنصر تجاري غريب لا ينتمي إلى المجتمع، هو الذي عمَّق أحاسيسهم المشيحانية، فالتاجر لا وطن له، ولا تحد وجدانه أو تصوراته أية قيود أو حدود، على عكس الفلاح الذي لا يجيد التعامل إلا مع قطعة معينة من الأرض. ومما له دلالته أن الحركات المشيحانية ارتبطت دائماً بالتصوف الحلولي وتراث القبَّالاه الذي ينطلق من رؤية كونية تلغي الفوارق والحدود التاريخية بين الأشياء.
وأصل عقيدة الماشيَّح المخلِّص فارسية بابلية، فالديانة الفارسية ديانة حلولية ثنوية تدور حول صراع الخير والشر (إله النور وإله الظلام) صراعاً طويلاً ينتهي بانتصار الخير والنور. وقد بدأت هذه العقيدة تظهر أثناء التهجير البابلي، ولكنها تدعمت حينما رفض الفرس إعادة الأسرة الحاكمة اليهودية إلى يهودا. وقد ضربت هذه العقيدة جذوراً راسخة في الوجدان اليهودي، حتى أنه حينما اعتلى الحشمونيون العرش، كان ذلك مشروطاً بتعهدهم بالتنازل عنه فور وصول الماشيَّح.
следующие страницы →