← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 5881–5920 · переход к 5886.

стр. 5881

وتستند هذه الرؤية للماشيَّح إلى فكرة شبتانية أساسية، وهي فكرة التوراتين: توراه دي أتسليوت، أي توراة العالم العلوي أو توراة الفيض والخلاص، وتوراه دي بريئاه، أي توراة الخلق أو توراة الظاهر والعالم الحسي أو السفلي. فحسب التصور الشبتاني (وهو مجرد تطوير وتعميق للفكر القبَّالي) ، هناك معنىان للتوراة؛ أحدهما ظاهري والآخر باطني. ويرتبط المعنى الظاهري بهذا العالم، عالم الخير والشر والحياة والموت والزوال والدنس والشتات والنفي. ولذا، فإن هذه التوراة، توراة الخلق والخليقة، تحوي الوصايا والأوامر والنواهي التي يجب على اليهودي اتباعها ليساعد الشخيناه (المنفية مع اليهود) في محنتها. ويُشار إلى توراة الخلق هذه بأنها رداء الشخيناه في سبيها. أما المعنى الباطني للتوراة، فيرتبط بالعالم السامي، عالم الخير والحياة الأزلية، وهو عالم ثابت لا نفي فيه ولا شتات، وتوراته هي توراة الخلاص، ولا يدرك كنهها سوى القديسين، والماشيَّح المخِّلص. وبرغم التشابه بين التوراتين في المحتوى والألفاظ، فإن طريقة فهم كل منهما مختلفة لأن تفسير كل توراة يتم وفقاً للعالم الذي نزلت من أجله. فالتوراة في العصر السابق على الخلاص (العصر الشبتاني أو المشيحاني) ، تُقرأ في ضوء من الوصايا والنواهي والتحريمات المعروفة لدينا. أما توراة الخلاص والفيض فتسمح بالمحرمات، بل إن انتهاك توراة الخليقة لينهض دليلاً على مجيء العصر الجديد الذي بشَّر به شبتاي تسفي.

стр. 5882

ويستند كل هذا إلى مفهوم محوري في الفكر الشبتاني، هو مفهوم قداسة الرذيلة. فالأفعال المدنَّسة هي في الواقع أفعال مقدَّسة، شكلها الخارجي وحسب هو المدنَّس (ويظهر هنا تأثير المارانو مرة أخرى) . ويصبح العقل المدنَّس مقدَّساً إن عمل بحماس ديني. وقد وجد الشبتانيون تبريراً لرأيهم هذا في التلمود الذي ورد فيه أن الخطيئة التي تُقتَرف لذاتها هي أعظم من وصية لا تُؤدَّى لذاتها. كما أن المختارين لا يمكن أن يُحكَم عليهم بالمقاييس العادية، فهم ينتمون إلى قانون مختلف هو قانون الفيض، وهم فوق الخير والشر (مثل الإنسان الأعلى عند نيتشه) . فمن المستحيل على الذين يعيشون في عالم التيقون أن يرتكبوا الخطيئة، لأن الشر بالنسبة إليهم فَقَد معناه لأنهم وصلوا إلى الخلاص الداخلي الكامل. وقد بشَّر باروخيا روسو أتباعه بأن الست والثلاثين خطيئة القاطعة التي تنص الشريعة اليهودية على قتل من يرتكبها، هي خطايا من وجهة نظر توراة الخلق فقط. أما وقد تم الوصول إلى مرحلة الخلاص، مرحلة توراة الفيض، فإن تلك الخطايا قد أصبحت من المحللات. وأصبح الشبتانيون يتحللون من كل الأوامر ويترخصون في كل النواهي، بل أصبحوا يرون أن من واجبهم انتهاك الشريعة وتدنيس الأخلاقيات الشائعة باسم المعاني الباطنية والمبادئ السامية. وصار شعارهم الأساسي عبارة شبتاي تسفي: "الحمد لك يارب، يا من تُحلِّل المحرمات".

стр. 5883

والمعنى الباطني للتوراة هو المعنى الحقيقي بالنسبة إلى المبشرين بعالم الخلاص، وبالنسبة إلى الذين وصلوا إليه. ومن العلامات الحقة لإيمانهم أنهم يخفون دينهم الحقيقي ويبقونه سراً خفياً عن عيون البشر. بل يجب على المؤمن الحق أن يدخل كل الأديان وينتمي إليها بصورة ظاهرة، على أن يبطن دينه الحقيقي. وهو بذلك سيتمكن من أن يهدم الأديان كلها التي سيرتديها فقط كغطاء خارجي. ويبدو أن يهود المارانو الذين كانوا يعتنقون اليهودية سراً والمسيحية علناً، قد لعبوا دوراً أكيداً في إشاعة هذه الأفكار وفي قبولها. ويرى بعض الدارسين أن ثمة تأثراً بالتراث الديني المسيحي في الفكر الشبتاني، يتبدى في مركزية فكرة الماشيَّح الفرد الذي يُصلَب (والصلب في حالة الفكر الشبتاني قد يكون حقيقياً وقد يأخذ شكل الارتداد والتدنس) . كما يتبدى الفكر المسيحي في تأكيد الخلاص الداخلي، والحرية الباطنية. بل يذهب الدارسون إلى وجود ثالوث شبتاني: الإله الخفي وإله جماعة يسرائيل والشخيناه، أو تنويعات على هذا الثالوث. وقد تأسست بعد موت تسفي مراكز شبتانية في أطراف الدولة العثمانية في البلقان، وفي كلٍّ من إيطاليا وبولندا وليتوانيا. وأهم الحركات الشبتانية هي حركة جيكوب فرانك. ولقد كانت الحركة الشبتانية منتشرة بشكل عميق في أوربا إذ ظل الشبتانيون داخل اليهودية الحاخامية، وأبطنوا آراءهم، وقاموا بالدعوة لها سراً، حتى أن أحد عُمُد اليهودية الحاخامية (الحاخام إيبيشويتس) كان من دعاتها. وقد أصبح الشبتانيون من أهم العناصر الثورية والعدمية في أوربا واحتفظوا بآرائهم داخل أنفسهم، حتى ظهرت الثورة الفرنسية، فصار كثير منهم من دعاتها ورسلها. وكان موسى دوبروشكا، أحد المرشحين لرئاسة حركة فرانك، من زعماء الثورة الفرنسية ممن أُعدموا مع دانتون عام ١٧٩٤.

стр. 5884

والحركة الشبتانية واحدة من الحركات اليهودية المشيحانية الحديثة التي تعبِّر عن بؤس اليهود، وعن أزمة اليهودية التي انتهت بظهور الحسيدية ثم الصهيونية، وكلها حركات شعبية هروبية ترفض الزمان والمكان وتطالب بالانتقال من وضع تاريخي متعين متأزم إلى مجتمع جديد مثالي يُشيَّد على أرض فلسطين. وقد اتخذت حركة الهروب هذا الشكل المشيحاني، بسبب الحلولية الكامنة في النسق الديني اليهودي، التي تشكل واحداً من أهم طبقاته الجيولوجية. ويرى أحد المفكرين اليهود أن الحركة الشبتانية هي بداية اليهودية الحديثة، فظهورها تعبير عن ضعف اليهودية المعيارية، أي اليهودية الحاخامية. وهي، بإسقاطها كل النواميس، تشبه في كثير من النواحي الحركات اليهودية المعاصرة، أي اليهودية التي تحاول أن تطرح جانباً القيود المتزمتة التي فرضتها اليهودية الحاخامية على اليهود. وبالتالي، فإن الوريث الحقيقي للشبتانية هو اليهودية الإصلاحية. فهذه، هي الأخرى، ثورة على التقاليد التلمودية الحاخامية، ويُقال إن أحد أهم زعماء اليهودية الإصلاحية في المجر (أرون كورين) كان شبتانياً في شبابه. وثمة رأي آخر يرى أن الوريث الحقيقي للحركة الشبتانية هو الصهيونية، فهي ترفض الأوامر والنواهي، ولا تقبل الانتظار حتى يشاء الإله أن يأتي الماشيَّح. ولكن الطبقة الحلولية اليهودية هي التي تجمع بين كل هذه الحركات التي تُعدُّ مجرد تجليات لهذه الطبقة التي تنكر وجود الإله المفارق، وتبحث عن المطلق والركيزة النهائية في المادة نفسها، ولذا يحل الإله تماماً في الطبيعة والتاريخ وتتقدس المادة، ومن ثم تصبح كل الأمور متساوية (نسبية) وتَسقُط المطلقات الأخلاقية لتصبح الرذائل فضائل والفضائل رذائل. الدونمه Donmeh الدونمه» كلمة تركية بمعنى «المرتدين» :

стр. 5885

١ ـ كلمة «دونمه» مكوَّنة من كلمتين تركيتين مدغمتين «دو» بمعنى «اثنين» و «نمه» بمعنى «عقيدة» فهم أصحاب عقيدتين واحدة ظاهرة وهي الإسلام، والثانية مبطنة وهي اليهودية. ٢ ـ يُقال إن الكلمة مشتقة من كلمة «دونماك» بمعنى «العائدين» ، أي يهود المارانو الذين هاجروا من شبه جزيرة أيبريا إلى الدولة العثمانية. وقد أُطلق هذا الاسم على جماعة يهودية تركية شبتانية من اليهود المتخفين استقرت في سالونيكا وأشهرت إسلامها تشبُّهاً بشبتاي تسفي (الماشيَّح الدجال) . فقد اعتقد كثيرون من أتباعه المؤمنين به أن ارتداده عن دينه واعتناقه الإسلام تلبية لأمر خفي من الرب وتنفيذ للإرادة الإلهية، فحذوا حذوه، ولكنهم ظلوا متمسكين سراً بتقاليد اليهودية. وهم يختلفون عن يهود المارانو في أنهم اعتنقوا الإسلام طواعية دون قسر، فلم تكن الدولة العثمانية تُكره أحداً على اعتناق الإسلام. وعقيدة الدونمه عقيدة حلولية غنوصية متطرفة فهم يؤمنون بألوهية شبتاي تسفي، وأنه الماشيَّح المنتظر الذي أبطل الوصايا العشر وغيرها من الأوامر والنواهي. وهم يرون أن التوراة المُتداوَلة (توراة الخلق) فارغة من المعنى وأنه أحل محلها توراة التجليات، وهي التوراة بعد أن أعاد تسفي تفسيرها.

стр. 5886

وكان مركز الجماعة في بادئ الأمر في أدرنة ثم انتقل إلى سالونيكا. ويحمل كل عضو من أعضاء الدونمه اسمين: اسم تركي مسلم وآخر عبري يُعرَف به بين أعضاء مجتمعه السري. وكانوا يعتبرون أنفسهم يهوداً، فكانوا يتدارسون التلمود مع بقية اليهود ويستفتون الحاخامات فيما يقابلهم من مشاكل، كما كانوا يحتفلون بجميع الأعياد اليهودية ويقيمون شعائرهم عدا شعيرة الكف عن العمل يوم السبت حتى لا يلفتوا النظر إلى حقيقتهم. وقد أضافوا إلى الأعياد عيداً آخر اعتبروه أقدس الأعياد على الإطلاق وهو عيد ميلاد شبتاي تسفي. ويدفن الدونمه موتاهم في مدافن خاصة بهم، ولكن كل فريق منهم يتعبد في معبده الخاص الذي يُسمَّى «القهال» (الجماعة أو جماعة المصلين) ، والذي يوجد عادةً في مركز الحي الخاص بهم مخبأً يخفيهم عن عيون الغرباء. وكانت صلواتهم وشعائرهم تُكتَب في كتب صغيرة الحجم حتى يَسهُل عليهم إخفاؤها، ولهذا لم يطلع عليها أحد حتى عام ١٩٣٥. وكانت كتب الصلوات بالعبرية أصلاً، لكن اللادينو حلت محل العبرية سواء في الأدب الديني أم الدنيوي، ثم حلت التركية محل اللادينو في منتصف القرن التاسع عشر. وقد اتُهمت هذه الجماعة، أو على الأقل إحدى فرقها، بالاتجاهات الإباحية وبالانحلال الخلقي والانغماس في الجنس، وذلك بسبب تحليل الزيجات التي حرمتها الشريعة اليهودية وبسبب الحفلات التي كانوا يقيمونها ويتبادلون خلالها الزوجات (وهذا أمر شائع في أوساط الجماعات الحلولية التي تُسقط كل الحدود، بمعنى حدود الأشياء والعقاب) . وللدونمه صيغة خاصة من الوصايا العشر لا تُحرِّم الزنى، بل إنها تُحوِّل عبارة «لا تزن» إلى ما يشبه التوصية بأن يتحفظ الإنسان فقط في ارتكاب الزنى وليس أن يمتنع عنه تماماً. والموعظة الطويلة التي تركها أحد زعمائهم تحتوي على دفاع قوي عن إسقاط التحريمات الخاصة بالجنس في «توراة الخلق» . وتؤكد الموسوعة اليهودية أنهم يعقدون احتفالات ذات طابع

стр. 5887

عربيدي داعر في عيد من أعيادهم الذي يُسمَّى «عيد الحمل» (٢٢ مارس/آدار) وهو عيد بداية الربيع. وإن كان يبدو أن مثل هذه الاحتفالات مقصورة أساساً على فرقة القنهيليه، وهي على كل حال أكبر فرق الدونمه عدداً. وتنقسم الدونمه إلى عدة فرق: ١ ـ اليعقوبلية: بعد موت تسفي، أعلنت آخر زوجاته أن روح زوجها قد حلت في أخيها يعقوب فيلسوف (أو يعقوب قويريدو، أي المحبوب) ، وأن تسفي تجسَّد مرة أخرى من خلاله. وقد اعتنق أتباع يعقوب الإسلام بل أدَّى هو فريضة الحج عام ١٦٩٠ ومات أثناء عودته. وقد تبعه ما يقرب من ثلاثمائة أسرة انقسمت عن جماعة الدونمه ككل. وقد سُمِّي أتباع يعقوب «اليعقوبلية» أي «اليعقوبيون» ، وهم يسمون باللادينو «أرابادوس» ، أي «الحليقون النظفاء» لأنهم يحلقون شعور رؤوسهم تماماً، وإن كانوا يرسلون لحاهم. وكان الأتراك يسمونهم «الطربوشلوه» أي «لابسو الطرابيش» لأنهم كانوا يرتدون الطرابيش. ويضم هذا الفريق أساساً أفراداً من الطبقات الوسطى أو الدنيا من الموظفين الأتراك. وهم مندمجون في المجتمع التركي تماماً، على الأقل من الناحية الشكلية. ٢ ـ الأزميرليه: وقد أُطلق على بقية الدونمه اسم «الأزميرليه» ، ولكنهم ما لبثوا أن انقسموا إلى قسمين:

стр. 5888

أ) القنهيليه ( «القونيوسوس» باللادينو، و «كاركاشلر» بالتركية) . وقد حدث انقسام آخر في صفوف هؤلاء عام ١٧٠٠ حين ظهر قائد جديد هو باروخيا روسو الذي أعلن أنه تجسُّد جديد لشبتاي تسفي وأعلن أتباعه أنه التجسد أو التجلي المقدَّس وأنه ربهم. وكان باروخيا روسو (وكان اسمه التركي مصطفى شلبي، كما كان يُعرَف باسم الحاخام باروخ فونيو) أكثر الدونمه راديكالية. فقد قام بتعليم التوراة المشيحانية الخفية، أو توراة التجليات التي تطالب بقلب القيم، فطالب على سبيل المثال بإيقاف العمل بالستة والثلاثين حظراً التي وردت في التوراة والتي تُعرَف باسم «القاطعة» (بالعبرية: كيريتوت) ، وقد كانت عقوبة من يخالفها هو اجتثاث الروح من جذورها وإبادتها تماماً، بل وحوَّلها إلى أوامر واجبة الطاعة. وقد كان ذلك يتضمن العلاقات الجنسية، ومن ذلك العلاقات بين المحارم. وأعضاء هذه الفرقة من الدونمه هم أساساً من الحرفيين، مثل الحمالين والإسكافيين والجزارين، ويُقال إن جميع الحلاقين في سالونيكا كانوا من أتباع هذه الفرقة. وكانوا يرسلون لحاهم ولا يحلقون شعر رأسهم (وهذا مثل جيد لجماعة وظيفية تَتبنَّى الرؤية الحلولية) . وتُعَدُّ فرقتهم أكثر الفرق تطرفاً نظراً لعدميتهم الدينية. وقد قام هذا الفريق من الدونمه بنشاط تبشيري كثيف بين أعضاء الجماعات اليهودية، وأُسِّست جماعات تابعة له في أماكن عدة. وقد ظهرت الحركة الفرانكية من أحد هذه الأماكن.

стр. 5889

ب) القبانجي: بعد موت باروخيا، انفصلت مجموعة أخرى سُمِّيت «القبانجي» ، وهي كلمة تركية تعني «القدماء» أو «القائمون على حراسة الأبواب» (باللادينو: «كافاليروس» ) ، رفضوا الاعتراف بقويريدو، كما رفضوا الطبيعة المشيحانية لباروخيا، ولم يعترفوا إلا بشبتاي تسفي، وأصبح اسم «الأزميرلية» يُطلَق عليهم وحدهم، وأصبحوا أرستقرّاطية الحركة الشبتانية. وتضم هذه الفرقة المهنيين (من أطباء ومهندسين) وأصحاب المهن الحرة وأثرياء اليهود. وهؤلاء كانوا يحلقون رؤوسهم ولا يطلقون لحاهم. وكان كل فريق من الدونمه يعيش بمعزل عن الآخر. وقد لعب الكثير من أعضاء الدونمه دوراً قيادياً في الثورة التركية سنة ١٩٠٩، وخصوصاً داود بك الذي أصبح فيما بعد وزيراً للمالية، وكان من نسل باروخيا رئيس الجماعة القنهيلية المتطرفة. ويُشاع بين يهود سالونيكا أن كمال أتاتورك نفسه كان من الدونمه.

стр. 5890

ولا تُعرَف أعداد الدونمه إلا على وجه التقريب. ويُقال إن عددهم وصل إلى ما بين عشرة آلاف وخمسة عشر ألفاً قبل الحرب العالمية الأولى. وقد تَفرَّق شملهم على أثر اتفاقية تبادل السكان التي وقعتها تركيا واليونان بعد الحرب عام ١٩٢٤ بسبب اضطرار أعضائها، باعتبارهم مسلمين اسماً، إلى ترك مقرهم في سالونيكا والاستقرّار في جهات متفرقة في تركيا، خصوصاً إستنبول. وقد حاولوا أن ينضموا مرة أخرى إلى الجماعة اليهودية، ولكن طلبهم رُفض لأن أولادهم يُعتبَرون غير شرعيين (مامزير) . وتم أخيراً إزاحة النقاب عن سر هذه الجماعة بعد أن نجحت طويلاً في إخفاء حقيقة أمرها عن المسلمين واليهود على السواء، فقد ظهرت وثائق ومخطوطات كشفت عن عدميتهم المتأصلة وبعدهم التام عن الإسلام وعن اليهودية. وقد فشلت جميع المحاولات التي بُذلت لإقناعهم بالهجرة إلى إسرائيل، ولم يكن بين المهاجرين الأتراك غير أفراد قلائل من الدونمه. وثمة دلائل تشير إلى أن القنهيليه استمرت موجودة حتى الستينيات، وأنها لا تزال تبقي على إطارها التنظيمي، وأن رئيس الجماعة أستاذ في جامعة إستنبول. ويبدو أن أعضاءها تربطهم علاقة وثيقة بالحركات الماسونية في تركيا ويلعبون دوراً نشيطاً في عملية علمنة تركيا، وهو ما يُعطي الحركة الماسونية طابعاً خاصاً. المناظرة الشبتَّانية Shabattean Controversy نشبت معركة فكرية بين يعقوب أمدن وجوناثان إيبيشويتس، وكلاهما كان من كبار العلماء التلموديين في عصرهما، حين قام أمدن باتهام إيبيشويتس بأنه مؤمن بالأفكار الشبتانية سراً رغم تحريمه إياها علناً. وقد أثبت أمدن، بالأدلة القاطعة، صدق اتهامه. وقد هزت المعركة المؤسسة الحاخامية، وأضعفت هيبتها وبينت مدى تغلغل الأفكار القبَّالية (أساس الشبتانية) داخل المؤسسة التلمودية. جوناثان إيبيشويتس (١٦٩٠-١٧٦٤) Johnathan Eybeshuetz

стр. 5891

واحد من أكبر العلماء التلموديين والقبَّاليين في عصره. وُلد في بولندا وتَعلَّم في براغ حيث استقر عام ١٧١٥. صادق بعض العلماء غير اليهود، من بينهم الكاردينال هاسباور الذي استصدر له رخصة لطبع التلمود شريطة أن يستبعد العبارات المعادية للمسيحية. ولكن المشروع لم يتحقق بسبب معارضة زعماء الجماعة اليهودية. وكان إيبيشويتس أحد القضاة الذين حكموا بتحريم المذهب الشبتاني. وقد عُيِّن حاخاماً لمتز وثلاث مدن أخرى عام ١٧٥٠. ويرتبط اسم إيبيشويتس بالمناظرة الشبتانية الكبرى حين اتهمه جيكوب أمدن بأنه يروج للشبتانية سراً. وقد وقف إلى جانبه حاخامات بولندا (وطنه الأصلي) ووقف ضده حاخامات ألمانيا (الوطن الذي استقر فيه) . وقد استعرت المعركة بين الفريقين، فاضطر إلى اللجوء إلى السلطات غير اليهودية التي وقفت في صفه. وظهرت المشكلة مرة أخرى، حينما تبين وجود عدد من أتباع الاتجاه الشبتاني بين تلامذته، كما أعلن ابنه ديفيد أنه نبي شبتاني، الأمر الذي أدَّى إلى إغلاق المدرسة التلمودية التي كان يدرِّس فيها إيبيشويتس الأب. وتعود أهمية إيبيشويتس إلى أنه كان من أهم علماء اليهودية الحاخامية، ومن كبار المعارضين العلنيين للشبتانية. ولذا، فإن اتهامه باتباعها، وإثبات ذلك، يدل على مدى تَجذُّر الشبتانية وهيمنتها. وفي عام ١٧٢٤، ظهرت مخطوطة كتبها إيبيشويتس، وهي شبتانية النزعة دون جدال. كما قام يعقوب أمدن بحل طلاسم بعض الأحجبة التي كتبها إيبيشويتس، وبين أنها تحوي صيغاً شبتانية. جيكوب أمدن (١٦٩٧-١٧٧٦) Jacob Emden عالم تلمودي من أصل ألماني، قاد معركة ضارية ضد النزعة الشبتانية، وهو معروف بمعركته مع جوناثان إيبيشويتس التي سُمِّىت «المناظرة الشبتانية الكبرى» . هولجر بولي (١٦٤٤-١٧١٤) Holger Paulli

стр. 5892

تاجر دنماركي من غلاة البروتستانت، وصاحب ادعاءات مشيحانية يهودية. وُلد في الدنمارك في مدينة كوبنهاجن، ودرس اللاهوت في جامعتها، ثم اشتغل بعد ذلك في تجارة العبيد في جزر الهند الغربية فحقق ثروة طائلة. وفي عام ١٦٩٤، عاد إلى الدنمارك. ثم انجذب بشكل حاد نحو الدين، فهجَّر أسرته وترك بلده وسافر إلى فرنسا ثم إلى أمستردام حيث أصدر أول منشور ديني له عام ١٦٩٧ دعا فيه إلى دمج اليهودية والمسيحية، وأعلن نفسه المسيح الجديد وملك اليهود الذي اختاره الإله لكي يعيد بناء الإمبراطورية اليهودية في فلسطين. وفي عام ١٧٠٠، كتب منشوراً آخر موجهاً إلى ملوك أوربا أبلغهم أن المملكة اليهودية ستقام مرة أخرى عام ١٧٢٠، كما طالب ملك فرنسا بالتخلي عن العرش والانضمام له لتنصير اليهود بالقوة. وقد قامت السلطات في أمستردام بسجن بولي عام ١٧٠١ بتهمة التحريض على أعمال الشغب. وقد أُفرج عنه بفضل وساطة أسرته وأصدقائه الذين التمسوا له العذر بحجة جنونه. وقد انتقل بعدها إلى ألمانيا ثم عاد إلى الدنمارك حيث منعته السلطات منعاً باتاً من التدخل في الشئون الدينية أو الاتصال باليهود.

стр. 5893

والواقع أن قصة بولي تبين بكل جلاء التداخل الواضح بين الأجنحة المتطرفة في البروتستانتية واليهودية (وعلى أية حال، فقد كان كثير ممن ادعوا أنهم مشحاء، مثل تسفي وفرانك، يتحولون عن اليهودية وينخرطون في دين آخر) . كما تبين هذه القصة أن النزعة المشيحانية بين اليهود ليست مرتبطة بالنسق الديني اليهودي، وإنما هي مرتبطة بعناصر في الحضارة الغربية، وأن تَفجُّرها لا يمكن تفسيره إلا بالعودة لآليات وحركيات هذه الحضارة. ويمكن القول بأن النزعة المشيحانية الصهيونية (مسيحية كانت أم يهودية) هي في واقع الأمر تعبير عن اتساع أطماع الإنسان الغربي وتَفتُّح أفقه وشهيته وظهور الرؤية المعرفية الإمبريالية حيث قرَّر هذا الإنسان غزو العالم وتسخيره، ويبدو أن الخطاب المشيحاني هو الوسيلة الدينية لهذه الرؤية الإمبريالية. والذي حدث بعد ذلك هو أن هذه النزعة المشيحانية تمت علمنتها وتجريدها من أية رواسب أو ديباجات دينية، إلى أن نصل إلى الدعوة الاستعمارية الصريحة في القرن التاسع عشر. ومع هذا، لا يعدم الأمر وجود شخصية مثل بلفور، وهو وزير إنجليزي ذو توجُّه استعماري واضح، يظل يُدافع عن مشروعه الصهيوني في فلسطين من منظور ديني. الحركة الفرانكية Frankist Movement

стр. 5894

الحركة الفرانكية نسبة إلى جيكوب فرانك، التي تعود نشأتها إلى عام ١٧٥٩ حين تَنصَّر فرانك هو ومجموعة من أتباعه على الطريقة المارانية، أي أظهروا المسيحية وأبطنوا عقيدتهم الغنوصية. ويمكن القول بأن منظومة فرانك الحلولية هي منظومة يصل الحلول فيها إلى منتهاه إذ يحل الإله في المادة ويموت وتصبح وحدة وجود مادية كاملة، المادة فيها مقدَّسة تماماً، والإنسان فيها إله، ومن ثم فهي أيضاً النقطة التي تَسقُط فيها كل الحدود ويتساوى فيها المطلق والنسبي والمقدَّس والمدنَّس والمُحرَّم والمُباح وتنقلب القيم رأساً على عقب ويتساوى الخير والشر والوجود والعدم، ولذا فإن منظومة فرانك أكثر حداثة وجذرية من منظومة نيتشه على سبيل المثال. ويتحدد إسهام فرانك في أنه خلَّص القبَّالاه من رموزها الكونية المترابطة المركبة، ووضعها في مصطلح شعبي مزخرف، وفي إطار أسطوري، بل طَعَّمها بصور مسيحية مألوفة لدى يهود شرق أوربا الذين اختلطوا بالفلاحين السلاف في الريف، وابتعدوا عن مراكز الدراسة التلمودية في المدن. وقد تأثر الفرانكيون بالفرق الأرثوذكسية الروسية المنشقة، وخصوصاً الدوخوبور والخليستي. وتدور العقيدة الفرانكية حول ثالوث جديد يتكون مما يلي: ١ ـ الإله الخيِّر أو الأب الطيب. وهو إله خفي يختبئ وراء ثاني أعضاء الثالوث، ولا علاقة له بعملية الخلق أو المخلوقات، فهو لم يخلق الكون (فلو أنه خلق الكون لأصبح هذا الكون خالداً وخيِّراً، ولكانت حياة الإنسان أبدية) . وهو مقابل الإين سوف في العقيدة القبَّالية.

стр. 5895

٢ ـ الأخ الأعظم أو الأكبر، ويُسمَّى أيضاً «هذا الذي يقف أمام الإله» . وهو الإله الحقيقي للعقيدة الذي يحاول العبد التقرب منه، ومن خلال الاقتراب منه يستطيع العابد أن يحطم هيمنة حكام العالم الثلاثة (قيصر روسيا، والسلطان العثماني، وحاكم إحدى القوى العظمى الأخرى ولعلها النمسا أو ألمانيا) الذين يهيمنون على العالم ويفرضون عليه شريعة غير ملائمة. والأخ الأعظم (المقابل للتفئيريت أو الابن، ولبعض التجليات الأخرى) مرتبط بالشخيناه التي هي الأم التي يُقال لها «علماه» . ٣ ـ الأم «علماه» ، أو العذراء «بتولاه» ، أو «هي» . وهي خليط من الشخيناه والعذراء مريم. والواقع أن صورة الأنثى في الثالوث الفرانكي جعلت العنصر الجنسي الكامن في القبَّالاه اللوريانية أو في الحركة الشبتانية عنصراً أكثر وضوحاً. وقد استخلص الفرانكيون أن التجربة الدينية الحقة لابد أن تأخذ شكل ممارسة جنسية. ولن يصل العالم إلى الخلاص إلا باكتمال الثالوث الجديد السابق. وهذا الثالوث أقرب إلى شخصيات المنظومة الغنوصية (الإله الخفي أو الديوس أبيسكونديتوس، والمخلص أو الكريستوس، وصوفيا أو الحكمة) . وشبتاي تسفي نفسه، حسب التصور الفرانكي، ليس إلا أحد تجليات الإله، فهو تجسيد جديد للأخ الأعظم، ولكنه تملَّكه الضعف وهو بعد في منتصف الطريق، فلم يستطع تحقيق أي شيء. ووصولاً إلى الخلاص، لابد أن يظهر ماشيَّح جديد يكمل الطريق، ولابد أيضاً أن تظهر العذراء (تجسيد العنصر الأنثوي) . وحتى يتحقق الخلاص، ينبغي أن يسير المؤمن بالعقيدة الفرانكية في طريق جديد تماماً، لم يطرقه أحد من قبل، وهو طريق عيسو (أدوم) الذي يُشار إليه في الأجاداه بلفظ «أدوم» ويُستخدَم اللفظ نفسه للإشارة إلى «روما» ، أي القوى الكاثوليكية. فعيسو رمز تَدفُّق الحياة الذي سيحرر الإنسان والحياة فهو قوة لا تخضع لأي قانون فهي حالة سيولة كونية ورحمية.

стр. 5896

وقد جاء في التوراة أن يعقوب قال إنه سيزور أخاه (تكوين ٣٣/١٤) ولكنه لم يفعل لأن الطريق كان صعباً عليه. وقد حان الوقت لأن يسير الماشيَّح في ذلك الطريق الذي يؤدي إلى الحياة الحقة التي تحمل كل معاني الحرية والإباحية (ولنلاحظ هذا الارتباط بين حالة السيولة الرحمية والإباحية الجنسية وهو أمر متكرر في الأنماط الحلولية) . فالطريق الجديد يؤدي إلى عالم لا توجد فيه قوانين ولا حدود، عالم تم فيه التجرد من كل الشرائع والقوانين والأديان، لكنه عالم ليس فيه حدود (الحد بمعنى «الحاجز الذي يفصل بين شيئين» وبمعنى «عقوبة مُقدَّرة وجبت على الجاني» وبمعنى «حدود الشخصية» أي هويتها) ، وتصبح العدمية والتخريب هما طريق الخلاص. إن هذا العالم الشرير لم يخلقه الإله الخفي، وهو مادة دنيئة تقف في وجه وصول الإنسان إلى الأخ الأعظم (ويُلاحَظ هنا الأثر العميق للغنوصية) . وحتى يتم إنجاز هذا الهدف، لابد أن تُحطَّم كل القوانين والتعاليم والممارسات التي تعوق تدفُّق الحياة: «لقد أتيت لأحرر العالم من كل الشرائع والعادات الموجودة فيه. إن مهمتي هي إزالة كل شيء حتى يستطيع الإله أن يكشف عن نفسه» . ثم تظهر العدمية الدينية بشكل أوضح في الحديث عن الطريق إلى الحياة الجديدة، فهو طريق جديد تماماً، وكما يقول فرانك: «أينما كان يخطو آدم، كانت تنشأ مدينة. لكن أينما أضع أنا قدمي، يجب أن يُدمَّر كل شيء، فقد أتيت إلى هذا العالم لأُدمِّر وأبيد» .

стр. 5897

والطريق الجديد طريق غير مرئي، لا يكون إلا في الخفاء. ولذا، فإنه يتعين على المؤمنين أن يرتدوا رداء عيسو (أي المسيحية) ، فعليهم أن يتظاهروا بالتنصر (والواقع أن التظاهر بدين واعتناق دين آخر من أهم ممارسات جماعة الدوخوبور من المسيحيين الروس المنشقين) . وقد عبر المؤمنون إلى الأمة اليهودية والإسلام (الإشارة إلى شبتاي تسفي) ولم يبق سوى المسيحية. والمؤمن الحق يختبئ تحت «عبء الصمت» يحمل الإله في قلبه الصامت فيعتنق الديانات الواحدة تلو الأخرى ويمارس شعائرها. لكن التغلب على الأديان الأخرى وتدميرها يتطلب من الفرد أن يكون صامتاً تماماً ومخادعاً: «فالإنسان الذي يرغب في غزو حصن لا يفعل ذلك بالكلام والإعلان، بل يتسلل إليه في صمت وسكون، لقد تحدَّث الأجداد كثيراً، لكنهم لم يفعلوا شيئاً. لذلك يجب الآن تَحمُّل الصمت. وحينئذ، لن يكون الفرد في حاجة إلى الدين» (ويتضح هنا أثر يهود المارانو المتخفين) . وحينما يمارس المؤمن طقوس الديانات الأخرى دون أن يتقبل أياً منها، بل يحاول أن يحطمها من الداخل، فهو يؤسس الحرية الحقة. فالواقع أن الديانة المنظمة على أساس مؤسسي التي يعتنقها اليهودي المتخفي ليست سوى عباءة يرتديها المرء كرداء يلقي به (فيما بعد) في طريقه إلى المعرفة المقدَّسة، وهي المعرفة الغنوصية بالمكان الذي تُحطَّم فيه كل القيم التقليدية في تيار الحياة، طريق غير مرتبط بأي قانون وإنما مرتبط بإرادة فرانك وحده. وإذا كان الإفصاح عن الإيمان بالمسيحية ضرورياً، فإن الاختلاط بالمسيحيين وكذلك الزواج منهم محظور.

стр. 5898

وفرانك نفسه تجسيد آخر للأخ الأعظم تقمصته الروح القدس. سمَّى نفسه «سانتو سنيورا» ، أي «السيد المقدَّس» ، وروج للمفهوم القبَّالي اللورياني للشر، وهو مفهوم يرى أن الشر ليس حقيقياً، وكل شيء، وضمن ذلك الشر نفسه، هو خير أو علقت به شرارات إلهية على الأقل. ومن هنا، فقد أعلن فرانك أن ظهور الماشيَّح أضفى القداسة على كل شيء في الحياة حتى الشر. وبهذا، برزت فكرة «الخطيئة المقدَّسة» التي ترى أنه ينبغي الوقوع في الخطيئة الكبرى حتى ينبثق عالم لا مكان فيه للخطيئة، عالم هو الخير كله. ولكي يصعد الإنسان، يجب عليه أن يهبط أولاً: «إنني لم آت إلى هذا العالم لكي أصعد بكم، بل لأهبط بكم إلى قاع الهوة، حيث لا يستطيع الإنسان أن يصعد بقوته الذاتية» . أما النزول إلى تلك الهوة، فهو لا يقتضي فقط ترك كل الأديان والمعتقدات، بل يوجب أيضاً اقتراف أعمال آثمة غريبة. وهذا يتطلب أن يتخلى الإنسان عن الإحساس بذاته إلى درجة تصبح معها الوقاحة والفجور هما ما يقود إلى إصلاح الأرواح. وقد عَيَّن فرانك اثني عشر من الإخوة أو الحواريين أو الرسل، هم تلاميذه الأساسيون (مثل حواريي المسيح) ، ولكنه عَيَّن أيضاً اثنتي عشرة أختاً كن في واقع الأمر خليلاته (فمن الواضح أن فرانك استمر في الممارسات الجنسية التي كان يمارسها باروخيا) . وأعلن أنه سيخلص العالم من كل النواميس الموجودة وسيتجاوز كل الحدود، فقضى ببطلان الشريعة اليهودية. ورغم أن الإله أرسل رسلاً إلى جماعة يسرائيل، فإن التوراة تتضمن شرائع يصعب مراعاتها وثبت عدم جدواها. والشريعة الحقة هي إذن التوراة الروحية أو توراة الفيض التي أتى بها شبتاي تسفي. وشن فرانك حرباً شعواء على التلمود، وأعلن أن الزوهار هو وحده الكتاب المقدَّس. وكان الفرانكيون يُدعَون باسم «الزوهاريين» لهذا السبب. ومع هذا، وصلت العدمية بفرانك إلى منتهاها إذ طلب من أتباعه التخلي عن الزوهار نفسه، وعن كل تراث قبَّالي.

стр. 5899

كانت كل هذه الأفكار تعمل على إعداد أتباعه للتَنصُّر الماراني الظاهري، حيث كان لهم شرط أساسي هو الاحتفاظ بشيء من هويتهم اليهودية العلنية كأن يمتنعوا عن حلاقة سوالفهم، وأن يرتدوا الثياب الخاصة بهم، ويُبقوا أسماءهم اليهودية إلى جانب أسمائهم المسيحية الجديدة، وألا يأكلوا لحم الخنزير، وأن يستريحوا يوم السبت (ولعل من المفارقات أن مثل هذه الشعائر السطحية كانت كل ما تبقى من اليهودية بالنسبة للبعض) . كما طالبوا بإعطائهم رقعة أرض في شرق جاليشيا تستطيع جماعتهم أن تؤسس فيها حياتها الجديدة، وخصوصاً أن مسرح الخلاص في الرؤية الفرانكية هو بولندا وليس صهيون. هذا مع وضع برنامج لتحويل اليهود إلى قطاع منتج، كأن يعملوا بالزراعة مثلاً. وقد أكد فرانك أهمية الجوانب العسكرية في تنظيمه. وكان ينادي بأن يترك اليهود الكتب والدراسات الدينية، وأن يتحولوا إلى شعب محارب. وكان معظم أتباع فرانك من الفقرّاء أو من اليهود الذين يشغلون وظائف هامشية أو وظائف لم يَعُد لها نفع. فكان منهم الذين يعملون في تقطير الكحول، وكان منهم أصحاب حانات وأعضاء في الطبقات من بقايا يهود الأرندا، وكان هؤلاء قد فقدوا علاقتهم بالمؤسسة الحاخامية وزادت علاقتهم بالفلاحين السلاف، حتى أنهم تأثروا بفكرهم ومعتقداتهم. كما انضم إليه عدد كبير من صغار الحاخامات الذين لم يحققوا ما كانوا يطمحون إليه من نجاح. ومع هذا، فقد كانت الحركة تضم غير قليل من كبار التجار الأثرياء. وقد ظهرت الفرانكية في الواقع تعبيراً عن أزمة كان يجتازها كل من اليهود واليهودية:

стр. 5900

١ ـ أما اليهودية، فمن المعروف أنها كانت قد وصلت، مع انتصاف القرن الثامن عشر، إلى طريق مسدود. فقد تحولت إلى عبادة عقلية جافة، سيطر عليها الحاخامات بدراساتهم التلمودية المنفصلة عن أي واقع وتمثلت فيما يشبه التمارين المنطقية. وربما كانت العدمية الواضحة في فكر فرانك تعبيراً عن الملل والسأم من هوية يهودية دينية قد تآكلت. ٢ ـ وقد بدأت الدراسات القبَّالية تحل محل الدراسات التلمودية، ولكن القبَّالاه التي سادت كانت القبَّالاه اللوريانية بنزعتها المشيحانية المتفجرة واتجاهها الحلولي المتطرف. ولهذا، فإنها لم تَصلُح كإطار لحركة تجديد وإصلاح اجتماعية. ٣ ـ تَعرَّض اليهود لهجمات شميلنكي، ثم الهايدماك والفلاحين القوزاق، ولهجمات سكان المدن البولندية والكنيسة الكاثوليكية. ولهذا، فقد لاذوا بمنطقة كانت تتنازعها الدول المجاورة؛ فهي تارة تابعة إلى بولندا وتارة تابعة إلى روسيا، أو النمسا (أوكرانيا وجاليشيا) . وكانت مقاطعة بودوليا (التي نشأت فيها الفرانكية وغيرها من الحركات) تابعة للدولة العثمانية بعض الوقت. ولا شك في أن هذا الوضع السياسي القلق سبَّب للجماهير اليهودية كثيراً من الخوف وعدم الاطمئنان جعلها تبحث عن مخرج. ٤ ـ بدأت الجماعات اليهودية تفقد دورها كجماعة وظيفية وسيطة تعمل بالتجارة والوظائف الأخرى، وذلك بظهور عناصر بولندية محلية أخذت تحل محلها وتضطلع بما كان اليهود يؤدونه من وظائف ويقومون به من دور، وبدأ وضع اليهود الاقتصادي يسوء تبعاً لذلك. وتنعكس الأزمة الاقتصادية للجماعة اليهودية في أزمة القهال الذي تحوَّل إلى مؤسسة مدنية تثقلها الأعباء المالية، كما أصبحت مسرحاً للتوترات الاجتماعية بين أعضاء الجماعة اليهودية بدلاً من أن تكون مؤسسة لحلها.

стр. 5901

٥ ـ وبرغم تفاقم الأزمة، فلم تظهر فرص اقتصادية بديلة، كما لم تظهر أشكال اجتماعية، داخل الجماعة اليهودية أو خارجها، تحل لها أزمتها وتساعد أعضاءها على الاندماج في المجتمع مرة أخرى من خلال الاضطلاع بوظيفة إنتاجية محددة توجد داخل المجتمع نفسه لا في مسامه. ولذا، كانت الصيغة الشبتانية المارانية صيغةً ملائمة للاندماج ولحل الأزمة. فما كان يقترحه فرانك هو تكوين جماعات يهودية مسيحية، تتساوى في الحقوق مع المواطنين كافة، ويمكنها أن تذوب فيهم. وكان هدف هذه الصيغة التقليل من آلام الانتقال، فجماعة يهودية مسيحية تعيش داخل منطقة زراعية مقصورة عليها يمكنها التكيف والاندماج، وفي نهاية الأمر الانصهار في المجتمع الأكبر، دون أن تضطر إلى تَبنِّي الأشكال المسيحية البولندية دفعة واحدة. والفرانكية تشبه، في هذا، الربوبية والماسونية، وهما حركتان تستخدمان خطاباً دينياً يخبئ مضموناً علمانياً لتخفيف آلام الانتقال من عقيدة إلى أخرى.

стр. 5902

٦ ـ ومن أهم القضايا التي كانت تواجهها الجماعة اليهودية في أوربا، وبولندا بالذات، بُعدها عن القرّار السياسي ومناطق النفوذ، أو ما كان يُسمَّى بمشكلة العجز (أي انعدام السيادة وعدم المشاركة في السلطة) . وقد حُلَّت هذه المشكلة بالتدريج في أوربا الغربية باندماج اليهود في المجتمع وتحوُّلهم من عنصر تجاري نافع غريب إلى عنصر قد يكون متميِّزاً دينياً أو إثنياً ولكنه بدون وظيفة محددة. وبالتالي، فقد أصبح اليهود مواطنين أعضاء في مؤسسات صُنع القرّار. أما في شرق أوربا، فقد ازدادت المشكلة تفاقماً وازداد يهود اليديشية عزلة، وخصوصاً أن أعدادهم كانت كبيرة، وكان يكفيهم مجرد الانكفاء على الذات لتزداد مشكلتهم حدة. وفي الواقع، فإن الحركات الشبتانية المشيحانية كانت، في أحد جوانبها، تعبيراً عن رغبة عارمة في السلطة وفي الهيمنة عليها، وفي حل هذه الإشكالية. ويتجلى ذلك بشكل حاد في مطالب فرانك وفي سلوكه حيث حاول أن يشبع هذه الرغبة (على نحو ما فعل تسفي من قبل) ، فقد طالب فرانك بمنطقة شبه مستقلة يمارس اليهود من خلالها شيئاً من السلطة، كما أنه هو نفسه كان خليطاً من الباشا التركي والنبيل البولندي، فكان يرتدي غطاء رأس تركياً، ويركب مركبة يسير حولها مجموعة من الخدم المترجلين والراكبين تشبهاً بالنبلاء البولنديين. وكان التشبه بالنبلاء البولنديين أمراً شائعاً بين يهود بولندا، بعد أن قرنوا أنفسهم بهم عشرات السنين من خلال مؤسسات الإقطاع الاستيطاني البولندي (وخصوصاً نظام الأرندا) . وربما كان النظام العسكري الذي فرضه فرانك على أتباعه تعبيراً آخر عن الرغبة في التشبه بالنبلاء البولنديين. وظهر حب السلطة في شخصية فرانك في سلوكه الدكتاتوري الكامل مع أتباعه، ورغبته في السيطرة عليهم تماماً حتى عن طريق الجنس وغيره من الطرق، كما أنه كان يَعدُ أتباعه بطريقة الملوك. وحينما راقته امرأة ذات مرة، أخبرها بأن فيها شرارة ملكية. بل

стр. 5903

يُقال إن ما كان فرانك يرمي إليه من وراء حركته هو خلق قاعدة جماهيرية تشكل أساساً للقوة، وأن عملية التنصر لم تكن إلا محاولة لخلق هوية مستقلة لهذه الجماهير عن كل من اليهود والمسيحيين حتى يمثلوا قاعدة جماهيرية له. ومع الفرانكية، ظهرت الحسيدية في المرحلة الزمنية نفسها وفي المكان نفسه (بودوليا) جنباً إلى جنب، وانتشرتا بين الجماهير نفسها (الفلاحين اليهود، وأصاحب الحانات، ومستأجري الامتيازات من يهود الأرندا، والوعاظ المتجولين الذين لم يكونوا أعضاء في النخبة الدينية) . والواقع أن نقاط التشابه بينهما كثيرة وعميقة. فكلتاهما تنطلقان من القبَّالاه (وخصوصاً اللوريانية) كإطار فكري، وتؤكدان أهمية التلقائية والحرية، وتهملان دراسة التوراة والتلمود (والفرانكية تعادي التلمود) ، كما أن كلتيهما تأثرتا بالنزعة الشبتانية وبكثير من أفكارها، واتخذتا موقفاً متحرراً جدلياً من مشكلة الخطيئة والذنب، كما أن كلتيهما جعلت من المنفى حالة شبه نهائية على اليهود تَقبُّلها. ورغم أن الحسيدية تعبِّر عن حب عارم لفلسطين، فإن الحسيديين لم يشجعوا الهجرة إليها قط، بل وقفوا ضدها. أما فرانك، فلم يكترث كثيراً لفلسطين، وقد تَضمَّن برنامجه الإصلاحي (المشيحاني) تأسيس جماعة زراعية في إحدى مناطق بولندا. وقد وقفت كل من الحركتين موقفاً معادياً من المؤسسة الحاخامية. ولكن الفرانكية فشلت كحركة جماهيرية في حين أن الحسيدية نجحت حتي أصبحت أهم الحركات الدينية بين يهود اليديشية في شرق أوربا. ويرجع هذا إلى عدة أسباب: ١ ـ بينما قامت الفرانكية بإعلاء الخطيئة وجعلها فضيلة، وانغمس أتباعها في الممارسات الجنسية، قللت الحسيدية من أهمية مشكلة الخطيئة وحسب وجعلت التساديك واسطة الغفران. وقد كان موقف الفرانكية الراديكالي العدمي موقفاً متفجراً غير اجتماعي. أما موقف الحسيديين، فهو على العكس يساعد على الترابط التنظيمي والاجتماعي.

стр. 5904

٢ ـ لجأت الفرانكية، في النهاية، إلى الكنيسة الكاثوليكية، وكان تحديها للمؤسسة الدينية اليهودية تحدياً جذرياً رافضاً. أما الحسيدية، فقد ظلت تعمل من داخل الجماعة اليهودية. ٣ ـ جعلت الفرانكية الخلاص ممكناً من خلال شخص الماشيَّح. لكن تعليق مصير الحركة على شخص واحد كان لابد أن يؤدي إلى أزمة عميقة في حالة فشل هذا الشخص أو انحرافه، وهو الأمر الذي أودي في نهاية الأمر بالفرانكية. أما الحسيدية، فقد جعلت المشيحانية مسألة لفظية، وفتتت النزعة المشيحانية بتوزيعها على شخصيات متعددة هم التساديك، وبالتالي لم تصل إلى مرحلة الأزمة. ٤ ـ ظل الحلم الفرانكي، حتى النهاية، قابلاً للتحقيق من خلال رجل باطش وشخصية كاريزمية. أما الحسيدية، فقد ظلت دون حلم واضح محدد المعالم وإنما انعكست في عدة ممارسات تهدف إلى تخفيف حدة اغتراب اليهود وآلامهم وتأكيد أهمية الجماعة. والواقع أن كلاًّ من الفرانكية والحسيدية تشبه الصهيونية من بعض الوجوه، لكن الأولى أكثر قرباً إلى الصهيونية من الثانية. فالفرانكية والصهيونية، كلتاهما، ترفضان التراث الديني اليهودي بشكل راديكالي، وكلتاهما تخرقان الشريعة ولا تلتزمان بها، كما أن قضية السلطة أساسية بالنسبة إلى الفريقين. وقد انتقد فرانك فكرة أن ينتظر اليهود عودتهم إلى صهيون في آخر الأيام، ورأى فيها فكرة سلبية تماماً، وهو يتفق في ذلك مع الصهاينة. وكذلك، فإن الصياغة الفرانكية لدمج اليهود كجماعة تم تطبيعها (أي تنصيرها جزئياً وتحويلها إلى شعب منتج) لا تختلف كثيراً عن التصور الصهيوني الخاص بإخلاء أوربا من يهودها، وتجميع هؤلاء اليهود في فلسطين، وتطبيعهم داخل إطار الدولة اليهودية التي ستندمج في المجتمع الدولي. كما أن اهتمام فرانك بالزراعة والتنظيم العسكري له ما يناظره في النظرية والممارسة الصهيونيتين.

стр. 5905

والعدمية الفرانكية تشبه في كثير من النواحي العدمية المتغلغلة في الفكر الغربي الحديث، ولا ندري إن كان هذا أثراً من آثار الفرانكية أم هو مجرد تماثل بنيوي. ونحن لا نستبعد أن يكون سيجموند فرويد قد تأثر بنمط تفكير فرانك. وفي الواقع، فإن النمط الفكري لجيكوب فرانك يشبه إلى حدٍّ ما الفلسفة الأدبية السائدة الآن في الغرب باسم «التفكيكية» التي ترمي إلى هَدْم فكرة المعنى أساساً وترى أن مهمة الناقد ليست تفسير العمل الأدبي وإنما تفكيكه وإظهار افتقاره إلى المعنى. ويجب أن نشير إلى أن التقاليد السفاردية العدمية بدأت بإسبينوزا وشبتاي تسفي، ثم تبعهما في ذلك الدونمه والحركة الشبتانية، ثم انتقلت هذه التقاليد إلى جيكوب فرانك (السفاردي) ، وأخيراً انتقلت إلى كلٍّ من جاك دريدا وإدموند جابيس. جيكوب فرانك (١٧٢٦-١٧٩١) Jacob Frank جيكوب فرانك هو مؤسس الحركة الفرانكية. وُلد في بودوليا باسم جيكوب يهودا ليب لأسرة متواضعة، وكان أبوه يعمل تاجراً ومقاولاً صغيراً. وقد درس فرانك في مدرسة دينية أولية خاصة (حيدر) ، ولكن يبدو أنه لم يكن على معرفة كبيرة بالتلمود، وكان يتباهى بجهله، وبأنه رجل بسيط جاهل (بالبولندية: بروستاك) . ولبعض الوقت، عمل جيكوب فرانك في بوخارست، كتاجر ملابس وأحجار نفيسة، كما عمل في وظائف أخرى عديدة أتاحت له أن يتنقل بين مدن البلقان التابعة للدولة العثمانية في الفترة من ١٧٤٥ إلى ١٧٥٥.

стр. 5906

اتصل بأتباع الحركة الشبتانية في مرحلة مبكرة من حياته، ودرس الزوهار، واتبع مذهب الدونمه (طائفة الباروخيا أو اليعقوبية المتطرفة) . وقد قضى فرانك مدة طويلة من حياته في الدولة العثمانية، يتصرف كيهود السفارد ويتحدث اللادينو. وكان الإشكناز يشيرون إليه باسم «فرانك» (وهي الكلمة اليديشية التي تُطلَق على السفارد) بما كانت تحمله من إيحاءات تربط بينه وبين الشبتانية ولعل هذا يعود إلى أثر القبَّالاه اللوريانية ذات الأصول الإسبانية السفاردية. وقد قَبل هو هذا التعريف لهويته، وعدَّل اسمه إلى جيكوب فرانك. وفي عام ١٧٥٣، سافر فرانك إلى سالونيكا لأول مرة، وتعرَّف على أتباع باروخيا. وسافر إلى بعض المدن العثمانية الأخرى، ثم عاد إلى سالونيكا عام ١٧٥٥ وبدأ يتلبس دور الماشيَّح. وكانت حلقته تطلق عليه اسم «الحاخام جيكوب» . وأعلن فرانك أن الروح التي كانت تسكن في شبتاي تسفي وباروخيا (اللذين كان يشير إليهما فرانك بكلمتي «الأول» و «الثاني» ) قد تقمصته، وأنه تجسيد جديد لها. ضُبط فرانك عام ١٧٥٦ وهو يقود إحدى الجماعات الشبتانية في طقوس ذات طابع جنسي تشبه طقوس جماعة «اليعقوبية» ، وقُبض على أتباعه، وأطلقت السلطات سراحه ظناً منها أنه مواطن تركي. فسافر إلى تركيا ومكث فيها بعض الوقت، واعتنق الإسلام عام ١٧٥٧، ولكنه كان يزور أتباعه في بودوليا سراً.

стр. 5907

وحينما عاد فرانك علناً إلى بولندا، اعترف به الشبتانيون (في جاليشيا وأوكرانيا والمجر) زعيماً لهم، لكن المحكمة الدينية اليهودية (بيت دين) قررت أن ممارساته الجنسية تتعارض مع اليهودية وكل الأديان، وطالبت الكنيسة الكاثوليكية بالحرب ضد الفرانكيين. لكن هذا أتى بنتيجة عكسية، إذ أسقط الفرانكيون الواجهة اليهودية تماماً، وأكدوا المعتقدات الدينية المشتركة بينهم وبين الكنيسة، وأعلنوا أنهم معادون للتلمود، وطلبوا حماية الكنيسة التي وافقت على ذلك على أمل أن يتنصروا بشكل جماعي. وأُجريت مناظرة علنية (١٧٥٩) بين الفرانكيين والحاخامات، حول موضوعات مثل تهمة الدم، وعقيدة الماشيَّح، وهل المسيح عيسى بن مريم هو الماشيَّح الذي يرد ذكره في الكتابات الدينية اليهودية، وقد انتهت المناظرة بتَقبُّل فرانك التعميد والتنصر ولكنه كان تنصراً على الطريقة المارانية، أي أنه أبطن معتقداته الغنوصية المتأثرة بالقبَّالاه اللوريانية والتي تطرفت في حلوليتها حتى وصلت إلى حد الفوضوية الكاملة والعدمية التامة. وقد اكتُشف أمر فرانك وجماعته، فقُبض عليه وأُودع السجن. وقد استمر أتباعه في تقديسه واعتبروه الماشيَّح المعذب. ثم أفرجت عنه السلطات الروسية بعد التقسيم الأول لبولندا (عام ١٧٧٢) ، ولكنها عادت وألقت القبض عليه فيما بعد. ومات فرانك عام ١٧٩٩ (ودُفن في مقابر المسيحيين) دون أن يترك وراءه أعمالاً مكتوبة، ولكنه مع هذا ترك كتاباً بعنوان أقوال السيد يُعَدُّ أهم مصدر لمعرفة أفكاره. وعلى أية حال، فإن هناك نقصاً شديداً في المادة والوثائق الخاصة بالفرانكية.

стр. 5908

ومن المعروف أنه، بعد وفاة فرانك، خلفته ابنته الحسناء إيف في قيادة الجماعة، واستمرت هي الأخرى، مثلها مثل أبيها، في الممارسات الجنسية الشاذة (ويبدو أنها كانت تربطها علاقة جنسية به، فالجماع بالمحارم هو قمة العدمية الفلسفية والرفض الكامل لأية حدود أو مُطْلَقات) . أما أتباعه المتنصرون، فقد استمروا في التزاوج فيما بينهم بعض الوقت، وأصبح بعضهم من كبار النبلاء البولنديين، كما انخرط كثير من أبنائهم في سلك حركة التنوير اليهودية وفي الحركات الليبرالية والماسونية، وكان من بينهم بعض رجالات الثورة الفرنسية (وخصوصاً اليعاقبة منهم) . وهذا ولا شك ترجمة لمفهوم عبء الصمت حيث ينخرط الفرانكي في عدة ديانات ومؤسسات بهدف تقويضها من الداخل ثم نبذها بعد ذلك. موسى دوبروشكا (١٧٥٣-١٧٩٤) Moses Dobrushka يهودي من أتباع الحركة الفرانكية. وُلد في الإمبراطورية النمساوية في أسرة ثرية من ملتزمي الضرائب والمتعهدين العسكريين ممن كانوا متحكمين في تجارة التبغ إبان حكم الإمبراطورة ماريا تريزا. ونظراً لأن أمه هي ابنة عم جيكوب فرانك مؤسس الحركة الفرانكية، فإن بيتها في برونو كان مكاناً يلتقي فيه أتباع الحركة. وقد استقر فرانك نفسه في هذه المدينة التي كان يقع فيها هذا المنزل لمدة ثلاثة عشر عاماً (١٧٧٣ ـ ١٧٨٦) بعد أن خرج من السجن.

стр. 5909

تلقى دوبروشكا تعليماً تلمودياً تقليدياً، كما درس الأفكار الشبتانية بالإضافة إلى دراسة الأدب الألماني وبعض اللغات الأجنبية في مرحلة مبكرة من حياته. وفي عام ١٧٧٣، تزوج من ابنة واحد من أثرياء براغ. وقد دخل دوبروشكا مجال الأعمال المالية حينما كانت النمسا تُعد للحرب ضد الأتراك، وجمع ثروة كبيرة باعتباره المتعهد العسكري الأساسي. وقد منحه الإمبراطور جوزيف الثاني لقب «نبيل» . وسمَّى دوبروشكا نفسه فرانز توماس أدلر فون شونفلد، واستقر في فيينا في أواخر الثمانينيات من القرن الثامن عشر حيث عاش حياة الأثرياء، وكانت له حلقة كبيرة من المعارف من أعضاء الطبقة الثرية والحاكمة، كما كانت له صلات واسعة مع كبار الكُتَّاب الألمان. وقد رُشح دوبروشكا ليخلف فرانك في رئاسة الحركة الفرانكية ولكنه رفض ذلك. كتب دوبروشكا عدة مؤلفات ذات اتجاه تنويري، كما انخرط في صفوف الحركة الماسونية وأدخل عليها عناصر من القبَّالاه ذات طابع شبتاني. وقد كان دوبروشكا (أو شونفلد) معجباً بمبادئ الثورة الفرنسية (كان هناك عدد كبير من الشبتانيين والفرانكيين والماسونين من مؤيديها) ، وأصبحت حياته مرتبطة بها تماماً منذ بداية التسعينيات. وصل دوبروشكا إلى ستراسبورج في مارس ١٧٩٢، وغيَّر اسمه إلى جوتلوب جوليوس فراي، ثم انتقل إلى باريس في يونيه من العام نفسه وانضم إلى نادي اليعاقبة فيها، واشترك في اقتحام قصر التويلري، وكتب مؤلفاً فلسفياً سياسياً عنوانه الفلسفة الاجتماعية: إلى الشعب الفرنسي. والكتاب دفاع حار عن اليعاقبة وهجوم شديد على موسى والشريعة الموسوية.

стр. 5910

وفي يناير ١٧٩٣، تعرَّف دوبروشكا على واحد من أهم المحرضين اليعاقبة يُدعى فرانسوا شابو الذي تزوج من أخت دوبروشكا في أكتوبر من ذلك العام. ولكن دوبروشكا اتُهم بعد ذلك بأنه عميل نمساوي كما اتُهم بالفساد الخلقي حيث كان متورطاً في جريمة مالية، فأُلقي القبض عليه هو وشابو، وحُكم عليه بالإعدام ونُفِّذ فيه الحكم في أبريل ١٧٩٤ (مع دانتون) . وبعد إعدامه، انتشرت شائعة مفادها أن دوبروشكا ذهب في مهمة سرية لتحرير الملكة ماري أنطوانيت من معتقلها. ولقد كانت حياة موسى دوبروشكا حياة فريدة، ولكنها كانت مع هذا ذات دلالة عامة وعميقة، فهو نتاج أزمة اليهودية الحاخامية وتآكلها؛ تبنَّى الرؤية الفرانكية، ثم التحق بالحركة الماسونية، وكتب دراسات تنويرية يهودية، وانخرط في عبادة العقل التي مورست بشكل حرفي إبَّان الثورة الفرنسية. ولعل العنصر المشترك في كل هذا هو رفضه الواقع رفضاً كاملاً، وكذلك رفض التصالح معه، ومحاولة التحكم فيه والسيطرة عليه، سواء من خلال الصيغ السحرية أو من خلال العقل، الأمر الذي يدل على وجود العنصر الحلولي الغنوصي في فكره.

стр. 5911

الجزء الثالث: الفرق الدينية اليهودية الباب الأول: الفرق الدينية اليهودية (حتى القرن الأول الميلادى) الفرق الدينية اليهودية Jewish Religious Sects توجد في اليهودية فرق كثيرة تختلف الواحدة منها عن الأخرى اختلافات جوهرية وعميقة تمتد إلى العقائد والأصول، فهي في الواقع ليست كالاختلافات التي توجد بين الفرق المختلفة في الديانات التوحيدية الأخرى. ومن ثم، فإن كلمة «فرقة» لا تحمل في اليهودية الدلالة نفسها التي تحملها في سياق ديني آخر. فلا يمكن، على سبيل المثال، تصوُّر مسلم يرفض النطق بالشهادتين ويُعترَف به مسلماً، أو مسيحي يرفض الإيمان بحادثة الصلب والقيام ويُعترَف به مسيحياً. أما داخل اليهودية، فيمكن ألا يؤمن اليهودي بالإله ولا بالغيب ولا باليوم الآخر ويُعتبر مع هذا يهودياً حتى من منظور اليهودية نفسها. وهذا يرجع إلى طبيعة اليهودية بوصفها تركيباً جيولوجياً تراكمياً يضم عناصر عديدة متناقضة متعايشة دون تمازج أو انصهار. ولذا، تجد كل فرقة جديدة داخل هذا التركيب من الآراء والحجج والسوابق ما يضفي شرعية على موقفها مهما يكن تطرفه. وأولى الفرق اليهودية التي أدَّت إلى انقسام اليهودية فرقة السامريين التي ظلت أقلية معزولة بسبب قوة السلطة الدينية المركزية المتمثلة في الهيكل ثم السنهدرين.....

стр. 5912

ولكن، مع القرن الثاني قبل الميلاد، خاضت اليهودية أزمتها الحقيقية الأولى بسبب المواجهة مع الحضارة الهيلينية. فظهر الصدوقيون والفريسيون، والغيورون الذين كانوا يُعَدون جناحاً متطرفاً من الفريسيين، ثم الأسينيون. ومما يجدر ذكره أن الصدوقيين كانوا ينكرون البعث واليوم الآخر، ومع هذا كانوا يجلسون في السنهدرين، جنباً إلى جنب مع الفريسيين، ويشكلون قيادة اليهود الكهنوتية. وقد حققت هذه الفرق ذيوعاً، وأدَّت إلى انقسام اليهودية. ولكنها اختفت لسببين: أولهما انتهاء العبادة القربانية بعد هدم الهيكل، ثم ظهور المسيحية التي حلت أزمة اليهودية في مواجهتها مع الهيلينية إذ طرحت رؤية جديدة للعهد يضم اليهود وغير اليهود ويحرر اليهود من نير التحريمات العديدة ومن جفاف العبادة القربانية وشكليتها. وجابهت اليهودية أزمتها الكبرى الثانية حين تمت المواجهة مع الفكر الديني الإسلامي. فظهرت اليهودية القرائية كنوع من رد الفعل، فرفضت الشريعة الشفوية وطرحت منهجاً للتفسير يعتمد على القياس والعقل، أي أنها انشقت عن اليهودية الحاخامية تماماً. ويمكن أن نضيف إلى الفرق اليهودية يهود الفلاشاه ويهود الهند الذين لا يشكلون فرقاً بالمعنى الدقيق، فهم لم ينشقوا عن اليهودية الحاخامية بقدر ما انعزلوا عنها عبر التاريخ وتطوَّروا بشكل مستقل ومختلف، فهم لا يعرفون التلمود أو العبرية، كما أن كتبهم المقدَّسة مكتوبة باللغات المحلية. وتجدر ملاحظة أن ثمة فرقاً صغيرة، مثل الإبيونيين والمغارية والعيسوية والثيرابيوتاي وغيرها، وهي فرق صغيرة لكل منها تصوُّرها الخاص عن اليهودية. ولكنها، نظراً لعزلتها، لم تؤثر كثيراً في مسار اليهودية وقد اختفى معظمها من الوجود. أما القرّاءون، فإنهم بعد عصرهم الذهبي في القرن العاشر، سقطوا في حرفية التفسير، الأمر الذي قلَّص نفوذهم حتى تحولوا إلى فرقة صغيرة آخذة في الاختفاء.

стр. 5913

وقد جابهت اليهودية أزمتها الكبرى الثالثة في العصر الحديث (في الغرب) مع الانقلاب التجاري الرأسمالي الصناعي. وقد ظهرت إرهاصات الأزمة في شكل ثورة شبتاي تسفي على المؤسسة الحاخامية، فهو لم يهاجم التلمود وحسب، وإنما أبطل الشريعة نفسها، وأباح كل شيء لأتباعه، الأمر الذي يدل على أن تراث القبَّالاه الحلولي، الذي يعادل بين الإله والإنسان، كان قد هيمن على الوجدان الديني اليهودي، وقد وصف الحاخامات تصوُّر القبَّاليين للإله بأنه شرك. وبعد أن أسلم شبتاي تسفي، هو وأتباعه الذين أصبحوا يُعرفون بـ «الدونمه» ، ظهر جيكوب فرانك الذي اعتنق المسيحية (هو وأتباعه) وحاول تطوير اليهودية من خلال أطر مسيحية كاثوليكية. وقد تفاقمت الأزمة واحتدمت مع الثورة الفرنسية، حيث إن الدولة القومية الحديثة في الغرب منحت اليهود حقوقهم السياسية، وطلبت إليهم الانتماء السياسي الكامل، الأمر الذي كان يعني ضرورة تحديث اليهود واليهودية وما تسبب عن ذلك من أزمة أدَّت إلى تصدعات جعلت أتباع اليهودية الحاخامية التقليدية (أي اليهود الأرثوذكس) أقلية صغيرة، إذ ظهرت اليهودية الإصلاحية ثم المحافظة ثم التجديدية، وهي فرق أعادت تفسير الشريعة أو أهملتها تماماً، واعترفت بالتلمود أو وجدت أنه مجرد كتاب مهم دون أن يكون مُلزماً. كما أنها عَدَّلت معظم الشعائر، مثل شعائر السبت والطعام، وأسقطت بعضها، وعَدَّلت أيضاً كتب الصلوات وشكل الصلاة، أي أن فهمها لليهودية وممارستها لها يختلف بشكل جوهري عن اليهودية الحاخامية الأرثوذكسية. ومن الواضح أن هذه الفرق الجديدة هي الآخذة في الانتشار، في حين أن الأرثوذكس يعانون من الانحسار التدريجي.

стр. 5914

ومنذ أيام الفيلسوف إسبينوزا، ظهر نوع جديد من اليهود لا يمكن أن نقول إنه فرقة ولكن لابد من تصنيفه حيث يشكل الأغلبية العظمى من يهود العالم (نحو ٥٠%) . وهذا النوع من اليهود هو الذي يترك عقيدته اليهودية، ولكنه لا يتبنى عقيدة جديدة، وهو لا يؤمن عادةً بإله على الإطلاق، وإن آمن بعقيدة ما فهو يؤمن بشكل من أشكال الدين الطبيعي أو دين العقل أو دين القلب، ولا يمارس أية طقوس. وهؤلاء يُطلَق عليهم الآن اسم «اليهود الإثنيون» ، أي أنهم لا ينتمون إلى أية فرقة دينية تقليدية أو حديثة، ولكنهم مع هذا يسمون أنفسهم يهوداً لأنهم ولدوا لأم يهودية! وتنعكس الخلافات بين الفرق اليهودية المختلفة على الدولة الصهيونية الأمر الذي يزيد صعوبة تعريف الهوية اليهودية. الخلافات الدينية اليهودية Jewish Religious Controversies الخلاف الديني هو خلاف غير جوهري لا يمتد إلى العقائد الدينية الأساسية، ويختلف عن الصراع بين الفرق الدينية، وهو ما تناولناه في مدخل آخر. وقد ظهرت عبر تاريخ اليهودية خلافات عديدة، بعضها عميق وبعضها سطحي. وأول هذه الخلافات، ما ورد في سفر العدد، عن قورح بن يصهار وأتباعه، حين اجتمعوا على موسى وهارون، أنهم قالوا لهما: «كفاكما، إن كل الجماعة بأسرها مقدَّسة وفي وسطها الرب. فما بالكما ترتفعان على جماعة الرب» (عدد ١٦/٢ ـ ٣) . وقد انتهى الأمر بأن ابتلعت الأرض قورح وصحبه. ويبدو أن القصة تعبير عن رغبة الملوك في تعزيز نفوذ طبقة الكهنة التي كانت تشاركهم في إدارة دفة الحكم. ولعل الخلاف الثاني في تاريخ اليهودية هو هجوم الأنبياء على الكهنة، وعلى الجوانب السلبية في مؤسسة الملكية. ومن هنا، كان الأنبياء، أمثال عاموس وإرميا، يُسجَنون ويُعذَّبون بل كانوا يعدمون.

стр. 5915

ثم ظهر الخلاف مرة أخرى، في القرن الثاني قبل الميلاد، في شكل صراع بين الفريسيين والصدوقيين، ولكن من الواضح أنه لم يكن خلافاً دينياً وحسب وإنما كان اختلافاً في العقائد يجعل من كل فريق فرقة دينية مستقلة، على عكس الخلاف بين الفريسيين والغيورين، ذلك الاختلاف الذي كان أمراً يتعلق بالتفاصيل والأولويات والأصول. وقد أثارت كتابات موسى بن ميمون الكثير من الخلافات المريرة حتى أنه اتُهم بالهرطقة. ومن أهم الخلافات، ما يُسمَّى «المناظرة الشبتانية الكبرى» بين يعقوب إمدن وجوناثان إيبشويتس بشأن الأحجبة التي كان يكتبها الأخير. وفي العصر الحديث، ظهر خلاف بين الحسيديين وأعدائهم من المتنجديم (الحاخاميين) انتهى بظهور حركة التنوير. ولا تزال الخلافات مستمرة في العصر الحديث، فهناك الخلاف بين اليهود الأرثوذكس أتباع أجودات إسرائيل الذين يؤيديون الصهيونية والأرثوذكس الذين يرفضونها تماماً. ويوجد داخل إسرائيل صراع بين اليهود الأرثوذكس الذين يشجعون الاستيطان على أسس دينية وأولئك الذين يعارضونه على أسس دينية أيضاً. أزمة اليهودية Crisis of Judaism

стр. 5916

عاشت اليهودية في كنف عدة حضارات تأثرت بها وشكَّل بعضها تحدياً لها ولقيمها. فقد تحركت اليهودية (أو العبادة اليسرائيلية إن توخينا الدقة) داخل التشكيلات الحضارية المختلفة في الشرق الأدنى القديم وتأثرت بها وتبنَّت رموزها وقيمها. ومن الواضح مثلاً أن العبرانيين استوعبوا فكرة التوحيد من المصريين القدماء. ثم حَدَث التغلغل العبراني في كنعان وحدثت المواجهة الأولى مع الحضارة الكنعانية وحدثت المواجهة الثانية مع الحضارة البابلية. وقد أدَّت هذه المواجهات إلى أن النسق الديني السائد بين العبرانيين قد استوعب الكثير من العناصر الدينية والثقافية من هاتين الحضارتين (ثم من الحضارة الفارسية) وهو ما أدَّى إلى تزايد تركيبها الجيولوجي التراكمي. ولكن المواجهات الثالثة والرابعة والخامسة، مع الحضارة الهيلينية والإسلامية ثم المسيحية على التوالي، كانت أكثر حدة، وأدَّت إلى ما يشبه الأزمة في حالة المواجهة مع الحضارة الهيلينية إذ دخل كثير من الأفكار اليونانية على النسق الديني اليهودي. وتأغرقت النخبة، وأدَّى هذا إلى التمرد الحشموني في نهاية الأمر وإلى انتشار المسيحية وتنصُّر أعداد كبيرة من أعضاء الجماعات. أما المواجهة مع الإسلام والمسيحية فقد أدَّت إلى تطوير التلمود الذي كان بمنزلة السياج الذي فرضه الحاخامات على أعضاء الجماعات ليحموا هويتهم الدينية والإثنية. وكان الاحتجاج القرائي تعبيراً عن واحدة من أهم أزمات اليهودية الحاخامية.

стр. 5917

ولكن مصطلح «أزمة اليهودية» حينما يُستخدَم في هذه الموسوعة، وفي غيرها من الدراسات، فإنه يشير في العادة إلى الأزمة التي دخلتها اليهودية الحاخامية ابتداءً من القرن السابع عشر نتيجة الجمود الذي أصاب المؤسسة الحاخامية، حتى تحولت العقيدة اليهودية إلى مجموعة من الشعائر والعقائد الخارجية. ونتيجةً لذلك، ازدهر التراث القبَّالي، وخصوصاً القبَّالاه اللوريانية، لحل مشكلة المعنى، ولتزويد اليهودي بنسق ديني يستجيب لحاجاته العاطفية والإنسانية. وقد أدَّى هذا الوضع إلى ضرب عزلة على الجماهير اليهودية عما حولها من تحولات، كما زاد من الهوة التي تفصل بينهم وبين المؤسسة الحاخامية. وكانت حركة شبتاي تسفي أول تعبير عن هذه الأزمة من داخل المؤسسة، وفلسفة إسبينوزا من خارجها، وكلاهما طرح حلاًّ حلولياً للأزمة، فرأى الأول الطبيعة في الإله، ورأى الآخر الإله في الطبيعة. وبعد هاتين الهجمتين لم تفق اليهودية الحاخامية وانزوت على نفسها وزاد تغلغل الفكر القبَّالي، وانتشرت الحركات الشبتانية (مثل الفرانكية) ، وانتشرت الحركة الحسيدية بحيث ضمت معظم جماهير يهود اليديشية في شرق أوربا (أي الكتلة البشرية اليهودية الكبرى) . وظل الصراع بين الحسيديين والمتنجديم (ممثلاً بالمؤسسة الحاخامية) قائماً إلى أن أفاق الطرفان ليواجها اندلاع أهم تعبير عن الثورة العلمانية الكبرى والفكر العقلاني، أي الثورة الفرنسية وحركة الإعتاق، وحدثت المواجهة السادسة مع الحضارة العلمانية في الغرب. ومنذ تلك اللحظة التاريخية، اتضحت معالم الأزمة تماماً، إذ انتشر فكر حركة الاستنارة وأخذ اليهود يحاولون إعادة صياغة اليهودية على نمط العالم الغربي المسيحي العلماني، فظهرت حركة التنوير التي وَجَّهت نقداً قاسياً للفقه اليهودي ولما يُسمَّى «الشخصية اليهودية» . وظهرت حركة اليهودية الإصلاحية والمحافظة والحركات الثورية المختلفة، وتصاعدت معدلات التنصر والاندماج والعلمنة

стр. 5918

والإلحاد بين اليهود بحيث أصبح اليهود الأرثوذكس (الحاخاميون) ، أي اليهود الذين يمكن اعتبارهم يهوداً بمقاييس دينية يهودية، لا يشكلون سوى نحو ٥ ـ١٠% من يهود العالم. ومما أدى إلى تفاقم الأزمة أن اليهود الذين تركوا العقيدة اليهودية أصروا على الاستمرار في تسمية أنفسهم «يهوداً» . وقد حاولت الصهيونية حل أزمة اليهودية بالعودة إلى النموذج الحلولي (ولكنها حلولية بدون إله) إذ جعلت الدولة الصهيونية موضع القداسة (بدلاً من الإله) بالنسبة إلى العلمانيين، أو باعتبارها أهم تجلٍّ لهذه القداسة الإلهية بالنسبة إلى المتدينين الذين تمت صهينتهم. ويرى اليهود الأرثوذكس المعادون للصهيونية أن الصهيونية، بهذا المعنى، ليست حلاًّ لأزمة اليهودية وإنما هي تعبير عنها. بل إنها تشكل الآن مصدر الأزمة وأكبر خطر يواجه اليهودية. فالصهيونية قد تبنت المصطلح الديني، وتطرح نفسها بوصفها نظاماً كلياً شاملاً شبه ديني، يحل محل العقيدة اليهودية باعتبارها رؤية للكون ومصدراً للمعنى ومنظماً للسلوك. السامريون Samaritanss «السامريون» صيغة جمع عربية، وهي كلمة معربة من كلمة «شوميرونيم» العبرية، أي سكان السامرة. ويُشار إليهم في التلمود بلفظة «كوتيم» وتعني «الغرباء» . لكن هذه التسميات هي تسميات اليهود الحاخاميين لهم. وكان يوسيفوس يسميهم الشكيميين نسبةً إلى «شكيم» (نابلس الحالية) . أما هم فيطلقون على أنفسم «بنو يسرائيل» ، أو «بنو يوسف» ، باعتبار أنهم من نسل يوسف. كما يطلقون على أنفسهم اسم «شومريم» ، أي «حفظة الشريعة» ، باعتبار أنهم انحدروا من صلب يهود السامرة الذين لم يرحلوا عن فلسطين عند تدمير المملكة الشمالية عام ٧٢٢ ق. م، فاحتفظوا بنقاء الشريعة.

стр. 5919

ومهما كانت التسمية، ومهما كان تفسيرها، فمن المعروف تاريخياً أنه، بعد تهجير قطاعات كبيرة من سكان المملكة الشمالية، قام الأشوريون بتوطين قبائل من بلاد عيلام وسوريا وبلاد العرب لتحل محل المهجرين من اليهود، وتسكينهم في السامرة وحولها. وامتزج المستوطنون الجدد مع من تبقَّى من اليهود، واتحدت معتقداتهم الدينية مع عبادة يهوه. وقد نتج عن ذلك اختلاف عن بقية اليهود. ولكن الانشقاق النهائي حدث عام ٤٣٢ ق. م، بين اليهود والسامريين، بعد عودة عزرا ونحميا من بابل، حيث دافعا عن فكرة النقاء العرقي. وثمة قصتان لتاريخ الانشقاق، أولاهما ترد في العهد القديم (نحميا ١٣/٢٣ ـ٢٨) "في تلك الأيام، كان واحد من بني يوياداع بن الياشيب الكاهن العظيم صهراً لسنبلط الحوروني فطردته من عندي". وقد وردت عن يوسيفوس رواية أخرى مفادها أن منَسَّى شقيق الكاهن الأعظم تزوج من ابنة حاكم السامرة سنبلط الثالث (الفارسي) ، فخيَّره الكهنة بين أن يطلق زوجته أو أن يتخلى عن مكانته وسلطاته الكهنوتية. فلجأ منَسَّى لحميه الذي بنى لزوج ابنته هيكلاً على عادة العبرانيين القدامى على جبل جريزيم لينافس هيكل القدس، وأصبح الشاب المطرود كاهن السامريين. وبعد أن أسس الهيكل، انضم إليه عشرات الكهنة الآخرين المتزوجين من أجنبيات وعناصر يهودية أخرى غير راضية عن المؤسسة الدينية في القدس. ومن الواضح أن ثمة عناصر مشتركة بين القصتين تتمثل في بعض الأسماء والعلاقات الأساسية وفي عملية الطرد. ومع أن هناك قرناً من الزمان يفصل بين القصتين الأولى والثانية، فإن من الواضح أنهما تشيران إلى الواقعة نفسها. ويحل المؤرخون هذه القضية بأن يأخذوا بقصة يوسيفوس ويرجعوا بتاريخها إلى زمن نحميا.

стр. 5920

وقد نشبت صراعات بين السامريين وبقية اليهود، لكنهم تعرضوا لكثير من التوترات التي تَعرَّض لها اليهود في علاقتهم بالإمبراطوريات التي حكمت المنطقة. فبعد أن فتح الإسكندر المنطقة عام ٣٢٣ ق. م، هاجر بعض السامريين إلى مصر وكونوا جماعات فيها. وهذه هي بداية الشتات السامري أو الدياسبورا السامرية التي امتدت وشملت سالونيكا وروما وحلب ودمشق وغزة وعسقلان. وحينما قرر أنطيوخوس الرابع (١٧٥ ـ ١٦٤ ق. م) دَمْج يهود فلسطين في إمبراطوريته لتأمين حدوده مع مصر، كان السامريون ضمن الجماعات التي استهدف دمجها وإذابتها رغم أنهم أعلنوا أنهم لا ينتمون إلى الأصل اليهودي. وحينما استولى الحشمونيون على الحكم (١٦٤ ق. م) ، واجه السامريون أصعب أزمة في تاريخهم إذ سيطر الحشمونيون على شكيم وجريزيم، واستولوا على مدينة السامرة وحطموها. وقد حطم يوحنا هيركانوس هيكلهم عام ١٢٨ ق. م. ومع هذا، فقد استمر السامريون في تقديم قرابينهم على جبل جريزيم. كما أن هَدْم الهيكل لم ينتج عنه انتهاء طبقة الكهنة على عكس اليهود أو اليسرائيليين الذين انتهت عبادتهم القربانية المركزية وطبقة الكهنة التي تقوم بها بهدم هيكل القدس. ويبدو أن السامريين لم يساعدوا اليهود أثناء التمرد اليهودي الأول، ومع هذا نشب تمرُّد مستقل في صفوفهم ضد فسبسيان عام ٦٧ ق. م، وتم قمعه. كما ثار السامريون ضد الرومان عام ٧٩ ـ ٨١ م، فهُدمت شكيم وبُني مكانها نيابوليس (نابلس) أي «المدينة الجديدة» . وتمتع السامريون بمرحلة ازدهار فكري في القرن الرابع الميلادي تحت قيادة زعيمهم القومي بابا رابا. ومن أهم مفكريهم الدينيين مرقه الذي عاش في القرن نفسه، وكاتب الأناشيد التي تُسمَّى «إمرالم دارا» .
следующие страницы →