← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.

стр. 5846

«ليل أو (ليليت) » شيطانة في التراث الديني اليهودي الشعبي. ويبدو أن كلمة «ليل» صيغة مُعَبْرَنة للشيطانة البابلية ليليتو، ومن خلال ربط اسمها بالكلمة العبرية «ليلاه» ، أي «ليل» ، فُسِّرت ليل بأنها شيطانة الليل والظلام التي تأتي بالأحلام الجنسية للرجال وتسبب القذف أثناء النوم، وتقتل الأطفال المولودين وأمهاتهم، وخصوصاً في الأيام السبعة الأولى بعد الميلاد، وتظهر صورتها في آثار سومر على هيئة أنثى عارية مجنحة تقف على ظهر أسد، ولها مخالب طائر. وحسبما جاء في التلمود، كانت ليل عشيقة آدم في الفترة التي افترق فيها عن حواء بعد طردهما من الجنة وولَدت له عدة شياطين. وفي رواية أخرى، كانت ليل هذه زوجته الأولى قبل حواء، خُلقَت مثله من طين لا من ضلعه، ولكنهما تشاجرا لأنها لم توافق على أن يطأها الرجل في عملية الجماع، وذلك لأنها ترى أن في هذا إذلالاً لها وهيمنة للرجل عليها، فنطقت باسم يهوه وهربت وأقسمت أن تنتقم منه. ولذا، فهي تقتل أولاد حواء. ولكن يمكن أن يُوقَف مفعول لعنتها عن طريق استخدام الحجاب المناسب. والواقع أن شخصية ليل (أو ليليت) مثال جيد للسمة الجيولوجية في النسق الديني اليهودي، فهي قد ذُكرَت في العهد القديم بشكل عابر (أشعياء ٣٤/١٤) باعتبارها إحدى الأرواح أو أحد الوحوش المفترسة التي ستدمر الأرض في آخر الأيام. ثم نُسجَت حولها الأساطير بحيث أصبح داخل اليهودية قصتان متناقضتان للخلق يتعايشان جنباً إلى جنب. وقد أصبحت ليليت إحدى بطلات حركة التمركز حول الأنثى في أمريكا والعالم الغربي وعلماً على الأنثى المتمردة. عزازئيل Azazel

стр. 5847

«عزازئيل» اسم عبري معناه «الرب يقوي» ، و «قوة الرب» ، وكذلك «القوة المناوئة للرب» كما يُقال إن الاسم يعود إلى اسم الإله السوري الكنعاني «عزيز» . وعزازئيل روح شريرة أو شيطان ورد اسمه في العهد القديم (لاويين ١٦/٨ ـ ١٠ ـ ٢٦) . وهو أحد قواد الملائكة الذين سقطوا من السماء. ويعيش عزازئيل حسب الرؤية اليهودية القديمة في البرية بالقرب من أورشليم. وكان كبير الكهنة يُقدِّم في يوم الغفران كبشين: أحدهما قرباناً ليهوه، والآخر قرباناً لعزازئيل. وكان الكبش الثاني لا يُذبَح، وإنما يُطلَق سراحه في البرية، حاملاً ذنوب جماعة يسرائيل، ولكنه مع هذا كان يُذبَح فيها أو يُدفَع به من عل حتى لا يعود حاملاً هذه الذنوب. ومن الواضح أن عزازئيل هذا هو استمرار لطقوس وثنية وأفكار غنوصية، فهو رمز الشر، بل هو خالق كل الشرور في العالم، وهو نقيض يهوه خالق الخير. ويبدو أن هذا الطقس يفترض أن يهوه وعزازئيل عنصران متكاملان يشبهان في هذا علاقة إله الخير بإله الشر في عبادات الفرس الثنوية. وقد توارى وجوده بعض الشيء أثناء الفترة التلمودية، ولكنه عاد إلى الظهور مرة أخرى مع انتشار القبَّالاه. وقد صار عزازئيل في القبَّالاه قوة مستقلة تصارع ضد الإله، ولذلك يقرأ القبَّاليون أدعية لإرضاء الإله وأخرى لإرضاء الشيطان. بل ويؤمن القبَّاليون بأن بعض القرابين في الهيكل كانت تُقدَّم إلى الشيطان، وهم ليسوا مجانبين الصواب تماماً في ذلك. ويُقال إن كل القرابين في الأيام السبعة الأولى من عيد المظال كانت تُقدَّم إلى عزازئيل باعتباره حاكم الأغيار، حتى يظل مشغولاً عن اليهود، وحتى يمكن تقديم القرابين إلى الإله في اليوم الثامن.

стр. 5848

الباب العشرون: الماشيح والمشيحانية الماشيَّح والمشيحانية Messiah and Messianism «ماشيَّح» كلمة عبرية تعني «المسيح المخلِّص» ، ومنها «مشيحيوت» أي «المشيحانية» وهي الاعتقاد بمجيء الماشيَّح، والكلمة مشتقة من الكلمة العبرية «مشح» أي «مسح» بالزيت المقدَّس. وكان اليهود، على عادة الشعوب القديمة، يمسحون رأس الملك والكاهن بالزيت قبل تنصيبهما، علامة على المكانة الخاصة الجديدة وعلامة على أن الروح الإلهية أصبحت تحل وتسري فيهما. وكما يحدث دائماً مع الدوال في الإطار اليهودي الحلولي، نجد أن المجال الدلالي لكلمة «ماشيَّح» يتسع تدريجياً إلى أن يضم عدداً كبيراً من المدلولات تتعايش كلها جنباً إلى جنب داخل التركيب الجيولوجي التراكمي اليهودي. فكلمة «الماشيَّح» تشير إلى كل ملوك اليهود وأنبيائهم، بل كانت تشير أيضاً إلى قورش ملك الفرس، أو إلى أي فرد يقوم بتنفيذ مهمة خاصة يوكلها الإله إليه. كما أن هناك في المزامير إشارات متعددة إلى الشعب اليهودي على أنه شعب من المشحاء. وهناك أيضاً المعنى المحدد الذي اكتسبته الكلمة في نهاية الأمر إذ أصبحت تشير إلى شخص مُرسَل من الإله يتمتع بقداسة خاصة، إنسان سماوي وكائن معجز خلقه الإله قبل الدهور يبقى في السماء حتى تحين ساعة إرساله. وهو يُسمَّى «ابن الإنسان» لأنه سيظهر في صورة الإنسان وإن كانت طبيعته تجمع بين الإله والإنسان، فهو تَجسُّد الإله في التاريخ، وهو نقطة الحلول الإلهي المكثف الكامل في إنسان فرد. وهو ملك من نسل داود، سيأتي بعد ظهور النبي إليا ليعدل مسار التاريخ اليهودي، بل البشري، فينهي عذاب اليهود ويأتيهم بالخلاص ويجمع شتات المنفيين ويعود بهم إلى صهيون ويحطم أعداء جماعة يسرائيل، ويتخذ أورشليم (القدس) عاصمة له، ويعيد بناء الهيكل، ويحكم بالشريعتين المكتوبة والشفوية ويعيد كل مؤسسات اليهود القديمة مثل السنهدرين، ثم يبدأ الفردوس الأرضي الذي سيدوم ألف عام، ومن هنا كانت تسمية «الأحلام الألفية» و «العقيدة الاسترجاعية» .....

стр. 5849

ولأن إله اليهود لا يَحلّ في التاريخ فحسب، وإنما يحل في الطبيعة أيضاً، فإننا نجد أن العصر الذهبي (أو العصر المشيحاني) يشمل التاريخ والطبيعة معاً. فعلى مستوى التاريخ، نجد أن السلام ـ حسب إحدى الروايات ـ سيعم العالم، وأن الفقر سيزول، وستُحول الشعوب أدوات خرابها إلى أدوات بناء، ويصبح الناس كلهم أحباء متمسكين بالفضيلة، ولكن صهيون ستكون بطبيعة الحال مركز هذه العدالة الشاملة، كما ستقوم كل الأمم على خدمة الماشيَّح. وفي رواية أخرى؛ ستسود صهيون الجميع وستحطم أعداءها. أما على مستوى الطبيعة، فإننا نجد أن الأرض ستُخصب وتطرح فطيراً، وملابس من الصوف، وقمحاً حجم الحبة منه كحجم الثور الكبير، ويصير الخمر موفوراً. والفكر المشيحاني فكر حلولي متطرف يعبِّر عن فشل الإنسان في تَقبُّل الحدود، وعن ضيقه بالفكر التوحيدي الخاص بفكرة الإله المتجاوز للطبيعة والمادة والتاريخ، وعن ضيقه بفكرة حدود الإرادة الإنسانية والعقل البشري، وبالتاريخ باعتباره المجال الذي تركه الإله للإنسان ليمارس حريته (فكأنه ضيق طفولي بالوضع الإنساني) . يضيق الإنسان بكل هذا ويتخيل تساقط الحدود ليحل الإله في التاريخ والطبيعة والإنسان وينهي كل المشاكل دفعة واحدة إما بتَدخُّله الفجائي والمباشر في التاريخ أو بإرساله المخلِّص (كريستوس) في المنظومة الغنوصية لينجز المهمة (وتظهر هذه الفجائية في أسفار الرؤى على عكس كتب الأنبياء الذين يرون التاريخ مجالاً للفعل الإنساني الحر والرقي التدريجي) .

стр. 5850

وقد أضعفت عقيدة الماشيَّح انتماء أعضاء الجماعات (وخصوصاً في الغرب) لمجتمعاتهم، وزادت انفصالهم عن الأغيار، ذلك أن انتظار الماشيَّح يلغي الإحساس بالانتماء الاجتماعي والتاريخي، ويلغي فكرة السعادة الفردية. أما الرغبة في العودة، فتلغي إحساس اليهودي بالمكان وبالانتماء الجغرافي. ويبدو أن اضطلاع أعضاء الجماعات اليهودية بدور الجماعة الوظيفية واشتغالهم بالتجارة الدولية في الغرب، كعنصر تجاري غريب لا ينتمي إلى المجتمع، هو الذي عمَّق أحاسيسهم المشيحانية، فالتاجر لا وطن له، ولا تحد وجدانه أو تصوراته أية قيود أو حدود، على عكس الفلاح الذي لا يجيد التعامل إلا مع قطعة معينة من الأرض. ومما له دلالته أن الحركات المشيحانية ارتبطت دائماً بالتصوف الحلولي وتراث القبَّالاه الذي ينطلق من رؤية كونية تلغي الفوارق والحدود التاريخية بين الأشياء. وأصل عقيدة الماشيَّح المخلِّص فارسية بابلية، فالديانة الفارسية ديانة حلولية ثنوية تدور حول صراع الخير والشر (إله النور وإله الظلام) صراعاً طويلاً ينتهي بانتصار الخير والنور. وقد بدأت هذه العقيدة تظهر أثناء التهجير البابلي، ولكنها تدعمت حينما رفض الفرس إعادة الأسرة الحاكمة اليهودية إلى يهودا. وقد ضربت هذه العقيدة جذوراً راسخة في الوجدان اليهودي، حتى أنه حينما اعتلى الحشمونيون العرش، كان ذلك مشروطاً بتعهدهم بالتنازل عنه فور وصول الماشيَّح.

стр. 5851

وقد أخذت عقيدة الماشيَّح في البداية صورة دنيوية تعبِّر عن درجة خافتة للغاية من الحلول الإلهي ولكنها أصبحت بعد ذلك تعبيراً عن حلول إلهي كامل في المادة والتاريخ. وحسب هذه الصورة، فإن الماشيَّح محارب عظيم (أو هو الرجل الممتطي صهوة جواده) الذي سيعيد مُلْك اليهود ويهزم أعداءهم (أشعياء ٩/٩ ـ ٧) . وتزايدت درجة الحلول، ومن ثم ازدادت القداسة، فيظهر الماشيَّح بن داود على أنه ابن الإنسان أو ابن الإله (دانيال ٧/١٣) . ولما لم تتحقق الآمال المشيحانية، ظهرت صورة أخرى مكملة للأولى، وهي صورة الماشيَّح ابن يوسف الذي سيعاني كثيراً، وسيخر صريعاً في المعركة، وستحل الظلمة والعذاب في الأرض (وهذه هي الفكرة التي أثرت في فكرة المسيح عند المسيحيين) . ولكن، سيصل بعد ذلك الماشيَّح العجائبي الخارق من نسل داود، والذي سيأتي بالخلاص. ويفسر الحاخامات تأخُّر وصول الماشيَّح بأنه ناتج عن الذنوب التي يرتكبها الشعب اليهودي، ولذا فإن عودته مرهونة بتوبتهم. وصورة المسيح في الفكر الديني المسيحي متأثرة بكل هذه التراكمات؛ فهو أيضاً مُرسَل من الإله، وهو ابن الإنسان وابن الإله، وهو يتعذب كثيراً بل يُصلَب ثم يقوم وسيُحرز أتباعه النصر. ولعل الفارق الأساسي بين الرؤية المشيحانية في اليهودية والرؤية المشيحانية في المسيحية هو أن المسيحية جعلت الحلول الإلهي في شخص بعينه (عيسى ابن مريم) وهو حلول مؤقت ونهائي وغير قابل للتكرار، على عكس الفكرة المشيحانية في اليهودية. كما أن الخلاص في الفكر المسيحي غير مرتبط بمصير أمة بعينها وإنما هو ذو أبعاد عالمية، فباب الهداية مفتوح للجميع.

стр. 5852

والنزعة المشيحانية يمكن أن تأخذ أشكالاً مختلفة، فهي باعتبارها تعبيراً عن الحلولية اليهودية (أي حلول الإله في مخلوقاته وتوحُّده معهم) تكتسب بُعداً مادياً قومياً شوفينياً متطرفاً (إذ كانت حلولية ثنائية صلبة) ، حيث إن وصول الماشيَّح يعني عودة الشعب المختار إلى صهيون، أو وصوله إلى أورشليم التي سيحكم منها الماشيَّح، قائد الشعب اليهودي، بل قائد شعوب الأرض قاطبة، فهنا هو خلاص لليهود وحدهم وسينتقم اليهود من أعدائهم شر انتقام، ويشغلون مكانتهم التي يستحقونها كشعب مقدَّس. ولكن ثمة صورة أخرى عالمية وغير قومية للعصر المشيحاني (تعبير عن الحلولية الكونية الشاملة السائلة) ، فهو حسب هذه الرؤية عصر يسود فيه السلام والوئام بين الأمم. وإذا كان الشعب اليهودي ذا مكانة خاصة، فإن هذا لا يستبعد الشعوب الأخرى من عملية الخلاص. وإذا كانت الرؤية الأولى تؤكد الفوارق الصلبة الصارمة بين اليهود والأغيار، فالرؤية الثانية تُلْغي الفوارق تماماً بحيث تنتج عن ذلك حالة سيولة كونية محيطية (تشبه حالة الطفل في الرحم قبل الولادة) ، ينتج عنها إسقاط الحدود تماماً وذوبان اليهود في بقية الشعوب.

стр. 5853

ويمكن أن تأخذ المشيحانية طابعاً ترخيصياً مارانياً (نسبة إلى يهود المارانو المتخفين) كما هي الحالة مع الشبتانية (نسبة إلى شبتاي تسفي) ، وكذلك الدونمه والفرانكية، فالماشيَّح وأتباعه كانوا يخرقون الشريعة ويسقطونها ويتمتعون بالحرية الناجمة عن ذلك ويمارسون الإحساس بما تبقَّى من هوية يهودية في الخفاء، ومن خلال أشكال أبعد ما تكون عن اليهودية. ولعل هذا يعود إلى أن اللحظة المشيحانية هي لحظة حلول الإله تماماً في الإنسان (الماشيَّح) ، فهي لحظة وحدة وجود ومن ثم لحظة شحوب كامل أو حتى موت للإله إذ يتحول إلى مادة بشرية. وإذا حدث ذلك، فإن شرائعه التي أرسل بها باعتباره الإله تموت وتسقط. وقد ارتبطت المشيحانية بالتعبير الفجائي وبمظاهر العنف الذي قد يأخذ شكل البعث العسكري أحياناً، كما هو الحال مع كلٍّ من أبى عيسى الأصفهاني، وداود الرائي، وديفيد رءوبيني، ويعقوب فرانك (والصهيونية في نهاية الأمر) .

стр. 5854

وثمة محاولة داخل اليهودية الحاخامية لتهدئة التطلعات المشيحانية المتفجرة، فركزت على الجانب الإلهي لعودة الماشيَّح، وعلى الماشيَّح من حيث هو أداة الإله في الخلاص. وبناءً على ذلك، أصبح من الواجب على اليهود انتظار عودة الماشيَّح في صبر وأناة. ويصبح من الكفر أن يحاول فرد أو جماعة التعجيل بالنهاية (دحيكات هاكتس) . وقد نجحت المؤسسة الحاخامية في ذلك إلى حد كبير، إلى أن انتشر يهود المارانو في أوربا، وبعض أجزاء الدولة العثمانية (وخصوصاً البلقان) . وقد كانت النزعة المشيحانية بينهم عميقة متجذرة، وانتشرت القبَّالاه اللوريانية بين أعضاء الجماعات بما تتضمنه من رؤى مشيحانية، وأصبح اليهودي مركز الكون. وأصبحت صلاته، وقيامه بأداء الأوامر والنواهي (متسفوت) بمنزلة مساهمة نشيطة فعالة من جانبه للتعجيل بمجيء الماشيَّح. وقد خلق هذا تربة خصبة لشبتاي تسفي والشبتانية. ومن المعروف أن المؤسسة الحاخامية بذلت قصارى جهدها عبر تاريخها للوقوف ضد كل هذه النزعات، ولكن أزمة اليهود واليهودية كانت قد وصلت إلى منتهاها. وقد ظهر بين أعضاء الجماعة اليهودية عدد من المشحاء الدجالين، نذكر من بينهم كلاًّ من: بركوخبا، وأبى عيسى الأصفهاني، ويودغان، وداود الرائي. أما في العصر الحديث في الغرب، فيمكن أن نذكر منهم: ديفيد رءوبيني وشبتاي تسفي وجوزيف فرانك.

стр. 5855

ويُلاحَظ أن النزعة المشيحانية في العصر الحديث، رغم جذورها السفاردية، قد انتشرت في شرق أوربا وفي الأجزاء الأوربية من الدولة العثمانية. وبعد البدايات السفاردية، أصبحت المشيحانية مقصورة على الأقليات الإشكنازية. فالفرانكية، والحسيدية، وأخيراً الصهيونية، هي حركات إشكنازية بالدرجة الأولي. ولعل هذا يعود إلى وجود الإشكناز في تربة مسيحية، فالمسيحية تُركِّز الحلول الإلهي في شخص واحد هو المسيح عيسى بن مريم، وهو ما تقوم به أيضاً الحركات المشيحانية إذ أنها تنقل الحلول الإلهي من الشعب اليهودي إلى شخص الماشيَّح الذي سيأتي بالخلاص.

стр. 5856

ومع ذلك، فيمكن القول بأن الرؤى المشيحانية إمكانية كامنة في جميع الحضارات ولا تفجرها سوى حركة التاريخ نفسه، وأن الانفجارات المشيحانية اليهودية المتكررة في العصر الحديث تعبير عن أزمة اليهود واليهودية. فالمجتمع الأوربي كان يتحرك بسرعة منذ عصر النهضة، حين بدأت البورجوازية بقيمها الدينامية في الظهور، في حين أن أعضاء الجماعات اليهودية في الجيتو كانوا غير قادرين على مواكبة التطور لأن المجتمع لم يساعدهم على ذلك، ولأن تقاليدهم الدينية الفكرية المعقدة جعلت التكيف أمراً عسيراً إن لم يكن مستحيلاً. وكلما كانت هامشية أعضاء الجماعات تتزايد، كان الاضطهاد الواقع عليهم يتزايد، وبازدياد الاضطهاد كانت التوقعات تزداد أيضاً وكذلك الانفجارات المشيحانية. ففي أوقات الضيق والبؤس، كانت الجماهير اليهودية التي تتحرك داخل إطار حلولي ساذج وبسيط تتذكر دائماً الرسول الذي سيبعثه إله الطبيعة والتاريخ، والذي سيأتي بكل المعجزات اللازمة لإصلاح أحوالهم. كما أن الماشيَّح الملك يشبع رغبة أعضاء الجماعات في تَملُّك زمام السلطة السياسية التي حُرموا منها. ويمكن القول بأن المشيحانية هي الثورة الشعبية اليهودية، ولذا كانت تجتذب الفقرّاء والعناصر التي تم استبعادها من النخبة. ولكنها، مع هذا، كانت ثورة حمقاء عاجزة عن إدراك الأسباب الحقيقية للأزمة، وبالتالي فهي عاجزة عن الإتيان بحلول. وهي بذلك تشبه نزعة معاداة اليهود بين أعضاء الطبقات الشعبية المسيحية، فهي الأخرى شكل من أشكال الثورة الشعبية العاجزة عن إدراك سبب إفقار الجماهير وآليات الاستغلال. ولذا، فبدلاً من أن تصل إلى لب المشكلة وتهاجم المستغل الحقيقي، كانت الجماهير الشعبية تنحرف عن هدفها وتهاجم الجماعات اليهودية لأنها كانت الأداة الواضحة المباشرة للاستغلال.

стр. 5857

ومن المهم التأكيد على أن للحركات المشيحانية سياقين: أحدهما محلي، والآخر دولي. كما يهمنا أن نؤكد على أن تلاقي السياقين هو عادةً ما كان يؤدي إلى الانفجار. أما العنصر المحلي فيتمثل كما أشرنا في تزايد بؤس اليهود، وأما العنصر الدولي فيتمثل في وجود لحظة مفصلية يتصور الماشيَّح المزعوم أنها الفرصة المواتية له (انتهاء العصر الأموي بالنسبة لأبي عيسى الأصفهاني، والتطلعات البابوية لتجديد حروب الفرنجة بالنسبة لداود الرائي، وبدايات الاستعمار الغربي وأول هزيمة للعثمانيين بالنسبة إلى شبتاي تسفي) . وتتميَّز المشيحانية بأنها صيغة هلامية لا يمكن أن تُهزَم. فإذا ظهر ماشيَّح، فإن ظهوره علامة على صدق الرؤية المشيحانية، وإذا لم يظهر فإن الواجب هو الانتظار. أما إذا ظهر الماشيَّح وانتصر في المراحل الأولى، فهذا علامة على صدقه. وإذا انهزم فهزيمته نفسها تعد علامة صدقه، فهو يتعذب من أجل شعبه. وإذا أخذت الهزيمة شكل ارتداد عن اليهودية، فإن هذا (حسب التصورات المشيحانية) من باب التمويه والتقية. كما أنه، باعتباره الماشيَّح، عليه أن ينزل إلى عالم الشر ذاته لمواجهته (ومن هنا ارتداده عن اليهودية) . كما أنه إذا قُتل أو مات، فإن أتباعه عادةً ما يؤمنون بأنه لم يمت أو يُقتَل وإنما اختفى وسيعود. وتكون جماعة التابعين المنتظرين، شيعة أو فريقاً دينياً مستقلاً عن المؤسسة الحاخامية، تدور عقائدها حول أفكار الماشيَّح، وتدور ممارساتها حول انتظاره. وهذا هو، في الواقع، النمط الكامن في معظم الحركات المشيحانية (اليهودية وغير اليهودية) التي عادةً ما تنتهي بالإخفاق، فيدفع المؤمنون بها الثمن غالياً.

стр. 5858

ويُلاحَظ زيادة حدة النزعة المشيحانية في العصر الحديث في الغرب، ابتداءً من القرن السابع عشر، وهو بداية المشروع الاستعماري الغربي وتزايد علمنة الحضارة الغربية، بكل ما يطرحه ذلك من إمكانات أمام الإنسان الغربي لحل مشاكله عن طريق تصديرها وعن طريق غزو العالم. كما شهدت هذه الفترة تصاعد التفكير الصهيوني (الألفي) في الأوساط البروتستانتية التجارية. وقد ظلت هذه النزعة المشيحانية كامنةً بعد فشل محاولات شبتاي تسفي وجيكوب فرانك، إلى أن ظهرت الصهيونية. ويمكن القول بأن الحركة الحسيدية هي أيضاً حركة مشيحانية دون ماشيَّح أو حركة مشيحانية مبعثرة بحيث تشتت الحلول الإلهي في عدد كبير من الأولياء الذين يُسمَّون «تساديك» وكان كل واحد منهم يجسد قدراً من الحلول الإلهي ويلتف حوله عدد كبير من التابعين. ولا يعرف اليهود القرّاءون عقيدة الماشيَّح، وربما يرجع ذلك إلى تأثير الإسلام، وقد حذروا أتباعهم من أولئك الذين يتنبأون بظهور الماشيَّح. أما موسى بن ميمون فإنه، برغم إيمانه بأن السلام سيعم المجتمع بمقدم الماشيَّح، أكد أن الطبيعة لن تغيِّر قوانينها، كما شكَّك في مدعي المشيحانية في أيامه وحذَّر منهم. وفي العصر الحديث، يؤمن اليهودالأرثوذكس بالعودة الشخصية للماشيَّح، على عكس اليهودية الإصلاحية التي ترفض هذه الفكرة وتُحلّ محلها فكرة العصر المشيحاني، أي مشيحانية بدون ماشيَّح، وهذا تعبير عن الحلولية بدون إله.

стр. 5859

والصهيونية، بمعنى من المعاني، عقيدة مشيحانية. ويمكن القول بأن السياق المحلي للحركة المشيحانية الصهيونية هو تزايد بؤس يهود شرق أوربا، وخصوصاً بعد تَعثُّر التحديث. أما سياقها الدولي، فهو ضعف الدولة العثمانية، وتزايد حدة الهجمة الإمبريالية الغربية على الشرق. والكتابات الصهيونية تزخر بإشارات إلى العودة، والعصر المشيحاني الذهبي، والماشيَّح. وفي يوميات هرتزل، نجد أن جزءاً من أوهامه عن نفسه يأخذ طابعاً مشيحانياً. وإذا كان بعض الصهاينة لا يؤمنون بعودة الماشيَّح شخصياً، فإنهم جميعاً يؤمنون بفكرة العصر المشيحاني أو «سبت التاريخ» على حد قول هس، أو «نهاية التاريخ» ، وهي فكرة لا تختلف كثيراً عن التصورات الدينية التقليدية، إلا في استبعاد شخصية الماشيَّح نفسه، أي أنها مشيحانية بدون ماشيَّح (نابعة من حلولية بدون إله) . وباستبعاد شخصية الماشيَّح أصبح من الممكن أن يتحالف المؤمنون والملحدون، وأصبح من الممكن أن تظهر مشيحانية لا دينية، أي محاولة استرجاع العصر المشيحاني الذهبي في فلسطين عن طريق التكنولوجيا والعنف والوسائل اللادينية كافة، دونما انتظار مقدم أي مبعوث إلهي، ولكن المشيحانية الملحدة لا تختلف كثيراً عن التصور اليهودي للقضية في صورته الدنيوية الأولى التي وصفناها آنفاً. وتحافظ الصهيونية على المشاعر والتوقعات المشيحانية بين أعضاء الجماعات بتصعيد إحساسهم بالاضطهاد وبعدم الانتماء لبلادهم، حتى يفقدوا صلتهم بالزمان والمكان ويتجهوا إلى إسرائيل. ومن يدرس التجارب التاريخية لأعضاء الجماعات يعرف أنه لم يحدث قط أن تمكنت أية حركة مشيحانية من السيطرة على يهود العالم جميعاً، وذلك بسبب عدم ترابطهم. ولذلك، فإن إخفاق أية حركة مشيحانية، وتحوُّل أتباعها عن اليهودية في أية منطقة، لم تكن تَنتُج عنه هزة شاملة لليهودية في كل البلاد الأخرى. أما في العصر الحديث، فقد حدث لأول مرة أن تمكنت حركة مشيحانية مثل

стр. 5860

الصهيونية من الوصول إلى يهود العالم تقريباً. وحركة جوش إيمونيم حركة مشيحانية في كثير من جوانبها؛ في توقعاتها وخطابها ورموزها. ويمكن القول بأن حدة التفكير الثوري والعدمي عند بعض المفكرين اليهود أو مفكرين من أصل يهودي في العصر الحديث (إسبينوزا برؤيته لعالم هندسي مادي مصمت، وماركس برؤيته لعالم شيوعي خال من الجدل، ودريدا برؤيته لعالم يسوده اللامعنى) قد يكون نتيجة التراث المشيحاني. كما يمكن القول بأن ثوريتهم وعدميتهم ورفضهم الكامل للحدود التاريخية والبشرية تعبير عن حالة متطرفة من المشيحانية بدون ماشيَّح، وعن رغبة طفولية في اختزال العالم إلى عنصر أو اثنين والعودة إلى حالة السيولة الكونية (الرحمية) التي تسم الفكر المشيحاني. أبو عيسى الأصفهاني (القرن الثامن الميلادي) Abu-Issa Al-Asfahani اسمه الحقيقي إسحق بن يعقوب، وهو من مواليد أصفهان. ويُعتبَر أبو عيسى مؤسس فرقة يهودية في فارس، وهي أولى الفرق بعد هدم الهيكل الثاني. وحسبما ورد عند المؤرخ القرّائي (القرقساني) ، كان أبو عيسى خياطاً أمياً عاش في زمن الخليفة عبد الملك بن مروان (٨٦٥ ـ ٧٠٥) ، بينما يذهب الشهرستاني إلى أنه عاش في الفترة بين حكم الخليفة الأموي مروان بن محمد (٧٤٤ ـ ٧٥٠) والخليفة العباسي المنصور (٧٥٤ ـ ٧٧٥) ، ويبدو أن هذا التاريخ الأخير أكثر دقة، فقد كانت هذه الفترة فترة انتقال شهدت سقوط الدولة الأموية وظهور الدولة العباسية، وعادةً ما كانت الحمى المشيحانية تتصاعد بين اليهود (والأقليات بشكل عام) في مثل هذه الفترات.

стр. 5861

وفي عام ٧٥٥، أعلن أبو عيسى أنه الماشيَّح الذي سيحرِّر اليهود من الأغيار، وأن هناك خمسة أنبياء (من بينهم موسى وعيسى ﵉، ومحمد صلوات الله وسلامه عليه) سبقوا ظهور الماشيَّح، وأنه هو خاتم المرسلين. وقد قيل إنه لم يعلن أنه الماشيَّح نفسه، وإنما المبشر به، أي الماشيَّح ابن يوسف الذي يُمهِّد لظهور الماشيَّح الحقيقي (الماشيَّح ابن داود) . وقاد بهذه الصفة، ثورة ضد الحكم العباسي. ويُلاحَظ أن ثورة أبى عيسى الأصفهاني، رغم اعتدالها، كانت أولى الثورات ضد المؤسسة الحاخامية، ومن ثم تُعَدُّ ثورته أولى الثورات المعادية للتلمود. وقد أدخل بعض التعديلات على الشعائر، فجعل الصلوات سبعاً بدلاً من ثلاث، ومنع الطلاق (متأثراً بالمسيحية) ، ومنع أكل اللحم، وشرب الخمر، والنواح بسبب هدم الهيكل. لكن أتباع الأصفهاني لم يَجر طردهم من حظيرة الدين اليهودي. قاد الأصفهاني تمرداً ضد الحكم الإسلامي، وانضم له العديد من يهود فارس، لكن هذا التمرد تم إخماده بعد عدة سنوات وقُتل أبو عيسى. لكن أتباعه، كما هي العادة، أعلنوا أنه لم يقتل وإنما دخل كهفاً واختفى. كما تداولوا بعض القصص عن المعجزات التي أتى بها، من بينها أنه ضرب المسلمين ضربة قوية وأنه انضم لأبناء موسى في الصحراء ليطلق نبوءاته. وقد تأسست من بعده فرقة العيسوية التي ظلت قائمة حتى حوالي عام ٩٣٠. ويُقال إن يودغان وعنان بن داود (مؤسسي المذهب القرّائي) تأثرا برؤية أبى عيسى وبأفكاره. يودغان (القرن الثامن الميلادي) Yudghan

стр. 5862

يُقال إن كلمة «يودغان» صيغة فارسية لكلمة «يهودا» . ويودغان هو مؤسس «اليودغانية» وهي فرقة يهودية، وقد عاش في أصفهان (وربما في حمدان) ، في النصف الأول من القرن الثامن. وجاء في القرقشاني أن يودغان ظهر بعد أبى عيسى الأصفهاني (ويُقال إنه تلميذه) ، وكان أتباعه يسمونه «الراعي» . وقد ادعى يودغان النبوة، كما ادعى أنه الماشيَّح. وهو يشبه أبا عيسى في كثير من عقائده، فقد قدَّم تفسيراً باطنياً للعهد القديم، وخصوصاً النصوص التي تخلع على الإله صفة إنسانية، ونادى بأن الإنسان مخيَّر لا مسيَّر، وقد اعترف يودغان برسالة كلٍّ من عيسى ﵇ ومحمد ﷺ ، وحرَّم أكل اللحم وفرض شعيرة الصيام. وكان يودغان يذهب إلى أن شعائر السبت والأعياد ليست ملزمة لليهود، فهي مجرد تذكرة لهم بالماضي. ويُقال إن عنان بن داود مؤسس المذهب القرّائي تأثر بأفكار يودغان. داود الرائي (القرن الثاني عشر) David Alroy هو داود بن سليمان، ويُدعى أيضاً داود الرائي (أو الروحي) . سمَّى هو نفسه مناحِّم، أي «المواسِّي» ، وهو أحد الألقاب التي كانت تُطلَق على الماشيَّح. وقد قيل إن كلمة «الروحي» أو «الرائي» تصحيف لكلمة «الدوحي» ، وهو اسم اسرته بالعربية. وهو من مواليد مدينة آمد في إقليم كردستان سنه ١١٣٥، درس التوراة والمدراش والمشناه، كما أتقن علوم العرب التي كانت مزدهرة آنذاك وتعلَّم فنون السحر والتصوف اليهودية. وفي شمال شرق القوقاز، بدأت دعوته المشيحانية بين يهود الجبال، وذلك بعد هجوم قبائل الكبشاك (من شعوب الإستبس المقيمين حول البحر الأسود) وهو الهجوم الذي ألحق البؤس الشديد بأعضاء الجماعة اليهودية. ويبدو أن هجمات الفرنجة على فلسطين، والفوضى في العالم العربي، طرحت إمكانات العودة وتحرير القدس في مخيلة أعضاء الجماعة.

стр. 5863

بدأت الحركة على يد سليمان (أبي داود) الذي أعلن أنه إليا المبشَّر به. وقد أخذ داود الرائي في نشر دعوته بين يهود بغداد والموصل والمناطق المحيطة، وتَجمَّعت حوله أعداد كبيرة من يهود أذربيجان. وبعد أن انكسرت قواته، حاول نقل مركز حركته إلى آمد (في جبال كردستان) على الطريق الإستراتيجي الموصل بين مملكة الخزر اليهودية التركية (ولعل شيئاً من ذكراها كان لا يزال عالقاً بذهنه أو وجدانه) والممالك الصليبية. وقد انتشرت حوله الشائعات، فأُشيع أنه أودع السجن ولكنه فرَّ منه بسحره. وقد دعا الرائي يهود أذربيجان وفارس والموصل إلى أن يأتوا إلى آمد مخبئين أسلحتهم، ليشهدوا كيف سيستولي على المدينة. ويبدو أن بعض المحتالين زيفوا خطاباً باسمه، وعد فيه يهود بغداد بأنه سينقلهم إلى القدس ليلاً على أجنحة الملائكة، وصدق كثيرون ما جاء في الخطاب. فانتظروا وصول الماشيَّح طوال الليلة الموعودة، وفي الصباح أصبحوا أضحوكة الجميع. ومما يجدر ذكره، أن المؤسسة الحاخامية، كعادتها، وقفت ضد هذه الدعوى المشيحانية وحاولت رد داود الرائي عن عزمه دون جدوى. وفي نهاية الأمر، قتله والد زوجته بعد أن تقاضى مكافأة من حاكم المدينة. وبعد مقتله، تحوَّل إلى أسطورة حافلة بالخوارق والمعجزات الخرافية. وقد بقى المؤمنون من يهود أذربيجان ينتظرون عودته، وكانت فرقتهم تُسمَّى «النحمانيين» . وقد كتب دزرائيلي رواية خيالية تدور أحداثها حوله. ديفيد رءوبيني (؟ -١٥٣٥) David Reuveni

стр. 5864

مغامر ذو تطلعات مشيحانية. والمصدر الأساسي لمعرفة هويته الحقيقية مذكراته وبعض خطاباته. كان ديفيد رءوبيني يدَّعي أنه ابن لملك يُدعى سليمان، وأخ لملك يُدعى يوسف يحكم قبائل رءوبين وجاد، وكذلك نصف قبائل منَسَّى في خيبر بالقرب من المدينة المنورة، ومن هنا كان اسمه «الرءوبيني» . وقد كانت رواياته عن أهله متضاربة، فقد ذكر في مناسبة أخرى أنه من نسل قبيلة يهودا وأنه رسول من ملك يُدعى يوسف. وانتقل من بلد إلى آخر، حتى وصل إلى روما راكباً فرسه الأبيض (إحدى علامات الماشيَّح) . وذهب إلى البابا كليمنت السابع عام ١٥٢٤، وأخبره بأن أخاه لديه ثلاثمائة ألف جندي مدربين على الحرب، ولكنهم لسوء الحظ ينقصهم السلاح، وطلب إلى البابا تزويدهم بما ينقصهم حتى يمكنهم طرد المسلمين من فلسطين. وقد استقبله البابا استقبَّالاً حسناً (فقد كان رءوبيني يخبره أن رؤيته بالنسبة له كانت مثل رؤية الإله) . وقد التف يهود روما من حوله، واكتتبوا ببعض الأموال له، حتى يعيش على مستوى يليق بمقام سفير ملك اليهود. وقد نجح رءوبيني في مقابلة ملك البرتغال عام ١٥٢٥، وفي التأثير فيه، حتى إنه أوقف محاكمات يهود المارانو الذين أحرز رءوبيني شعبية واسعة بينهم، وكان من بينهم ديوجو بيريس الذي أخذه الحماس فتهود وتختن وغيَّر اسمه إلى سولومون ملكو وتبع رءوبيني وكانت له هو الآخر تطلعات مشيحانية. وقد طلب الاثنان (رءوبيني ومولوخو) من إمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدَّسة تشارلز الخامس تسليح المارانو ليحاربوا ضد المسلمين. ولكن نظراً لانشغال الإمبراطور بأمور عظمى (تهديد البروتستانتية لحكمه من الداخل والعثمانيين من الخارج) لم يكن عنده متسع من الوقت فقبض عليهما وأحرق أحدهما لخروجه على المسيحية وأودع الآخر السجن في إسبانيا حيث مات مسموماً.

стр. 5865

ولحياة رءوبيني دلالة عميقة، إذ يبدو أنه كان يرى أن مهمته تمهد للعصر المشيحاني، وربما إلى عودة الماشيَّح، وبالتالي يمكن أن نعده قائد أولى الحركات ذات الطابع المشيحاني، والتي ظهرت تعبيراً عن ضائقة أعضاء الجماعات اليهودية وبداية أزمة اليهودية نفسها في الغرب. كما يمكننا أن نرى في سيرة حياة رءوبيني ملامح من الحل الصهيوني للمسألة اليهودية. فرغم استفادته من التطلعات المشيحانية لدى اليهود، لم يَدَّع أنه نبي أو ماشيَّح، بل حاول أن يقدم برنامجاً سياسياً واقعياً عملياً، وأن يقدم نفسه كقائد عسكري، ويُلاحَظ أيضاً أنه أكد الفائدة العسكرية لليهود. وهذا ما حاولت الصهيونية إنجازه، فقد قدمت نفسها هي الأخرى باعتبارها الحل السياسي العسكري الواقعي للمسألة اليهودية. وقد علمنت الصهيونية التطلعات المشيحانية، وحولتها إلى حركة استيطانية. وقد أدرك رءوبيني إمكانية الاستفادة من التطلعات العسكرية لأوربا نحو الشرق، ومن الصراعات الداخلية فيها. فقد كان يعلم أن البابا يود تعزيز سلطته الدنيوية، وأن قيام حملة صليبية (على حد تعبيره) تحت رعايته لابد أن تنجز مثل هذا الهدف. وقد قدَّم هو حملته اليهودية على أنها تفي بهذا الغرض. والصهيونية دائمة الاستفادة من الصراعات داخل العالم الغربي، ومن التطلعات الاستعمارية للغرب. والواقع أن الحل الصهيوني ومخطط رءوبيني متماثلان، فكلاهما مبني على التحالف بين أعضاء الجماعات والغرب لتهجير اليهود وإعادة توطينهم في الشرق، وبذلك تتخلص أوربا منهم، وفي الوقت نفسه تفتح أجزاء من العالم المتخلف للنفوذ الغربي، أي أن حل رءوبيني شبه المشيحاني هو الحل الصهيوني الاستعماري.

стр. 5866

ومن الأمور الأخرى التي تثيرها حياة رءوبيني أن الدعوة الاسترجاعية والألفية كانت أمراً منتشراً في أوربا بأسرها ليس بين أعضاء الجماعات اليهودية وحسب، وإنما بين أعضاء النخبة الحاكمة الدينية والسياسية. فنجد أن شخصية أساسية مثل البابا يستقبل رءوبيني وتابعه ويبسط عليهما حمايته (رغم تحريم المسيحية الكاثوليكية للعقيدة الألفية وحربها ضدها) . كما نجد أن ملك البرتغال هو الآخر يسلك السلوك نفسه. ولا شك في أن انتشار الأحلام الاسترجاعية نتيجة متوقعة لظهور الرؤية الإمبريالية الغربية. سولومون ملكو (١٥٠٠-١٥٣٢) Solomon Molcho اسمه الحقيقي هو ديوجو بيريس. وهو يهودي من المارانو، تلقَّى تعليماً علمانياً وعُيِّن سكرتيراً لملك البرتغال. قابل الماشيَّح الدجال ديفيد رءوبيني في لشبونة عام ١٥٢٥. وتَملَّكه الحماس فتختن وأعلن يهوديته وسمَّى نفسه ملكو، ربما من الكلمة العبرية «ميليك» أي «ملك» ، ومن ثم فإن اسمه يعني «سليمان الملك» . فرَّ مع رءوبيني واستقر بعض الوقت في سالونيكا (عاصمة المارانو) حيث درس القبَّالاه، ونشر كتابه الدراشوت «المواعظ» (١٥٢٩) وهي مواعظ مليئة بالادعاءات المشيحانية.

стр. 5867

وحينما نُهبت روما عام ١٥٢٧ على يد تشارلز الخامس رأى علامات على مقدم النهاية والخلاص وعاد إلى إيطاليا عام ١٥٢٩، وقد جذبت مواعظه عديداً من الناس، ومنهم المسيحيون. ولكن أحد المارانو وشى به، قائلاً إن ملكو كان مسيحياً أبطن اليهودية ثم أظهرها حينما سنحت الفرصة، وهو الأمر الذي كانت محاكم التفتيش لا تسمح به، ولذا اضطر إلى الفرار من روما. وحتى يؤكد أنه الماشيَّح، وكي ينفذ إحدى النبوءات الخاصة بالماشيَّح، ارتدى ملكو ملابس الشحاذين وجلس لمدة ثلاثين يوماً مع المرضى والشحاذين والعجزة على كوبري على نهر التيبر في روما. وقد نجح ملكو في كسب ثقة البابا كلمنت السابع الذي منحه الحماية عام ١٥٣٠، وخصوصاً أنه كان قد تنبأ بوقوع فيضان في روما وزلزال في البرتغال وتحققت نبوءاته. ثم وشى به أحد الوشاة مرة أخرى لمحاكم التفتيش فحُكم عليه بالحرق، ولكن البابا تَدخَّل شخصياً وحُرق رجل آخر مكانه، وعندئذ ذهب إلى شمال إيطاليا حيث قابل رءوبيني عام ١٥٣٢ وذهبا معاً إلى تشارلز الخامس (إمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدَّسة) ليقنعاه بتجنيد جيش من يهود المارانو للحرب ضد الدولة العثمانية، ولكنه سلمهما لمحاكم التفتيش التي حكمت بحرقه ونفذت فيه حكم الإعدام. شبتاي تسفي (١٦٢٦ – ١٦٧٦) Shabettai Tzevi

стр. 5868

ماشيَّح دجال. وُلد في أزمير لأب إشكنازي يشتغل بالتجارة، وكان إخوته أيضاً من التجار الناجحين. وقد تلقَّى تسفي تعليماً دينياً تقليدياً، فدرس التوراة والتلمود، ولكنه استغرق في دراسة القبَّالاه وخصوصاً القبَّالاه اللوريانية بنزوعها الغنوصي. وتتزامن الفترة التي وُلد ونشأ فيها تسفي مع بداية تعاظم نفوذ الرأسمالية البريطانية والهولندية (البروتستانتية) ، وبدايات مشروعهما الاستعماري العالمي، وبداية حلولهما محل المشروع الاستعماري الإسباني والبرتغالي (الكاثوليكي) . كان أبوه مندوباً لشركتين تجاريتين: إحداهما بريطانية والأخرى هولندية. وقد شهد عام ١٦٤٨ حدثين من أخطر الأحداث في تاريخ الجماعات اليهودية في الغرب: أولهما انتهاء حرب الثلاثين عاماً (١٦١٨ ـ ١٦٤٨) ، وهي حرب استفاد منها أعضاء النخبة من يهود البلاط، وعانت منها الجماهير اليهودية أيما معاناة. وبرغم استفادة أثرياء اليهود، فإن نهاية الحرب نفسها كانت بداية تدهور الشبكة التجارية اليهودية العالمية، وتَدنِّي وضع النخبة اليهودية بسبب تصاعد عملية تَركُّز السلطة في يد الدولة القومية المركزية الذي أدَّى إلى الاستغناء عن اليهود كجماعة وظيفية. أما الحدث الثاني، فهو انتفاضة فلاحي أوكرانيا والقوزاق تحت قيادة شميلنكي (١٦٤٨) التي هزت قواعد التجمع اليهودي في بولندا، أكبر تجمُّع يهودي في العالم آنذاك. وكان مجلس البلاد الأربعة أهم مؤسسة يهودية تتمتع بشرعية لم تحققها مؤسسة يهودية أخرى منذ زمن بعيد. وقد كان لهذه الانتفاضة أعمق الأثر في يهود العالم كافة. ومن الطريف أن كتاب الزوهار، حسب بعض التفسيرات، كان قد تنبأ بوصول الماشيَّح عام ١٦٤٨، وقد أعقب ذلك كله حروب عام ١٦٥٥ (بين روسيا والسويد) في مناطق تَركُّز اليهود في بولندا، ثم هجمات القوزاق الهايدماك. وتُعرَف هذه الفترة من تاريخ بولندا باسم «الطوفان» .

стр. 5869

وشهدت هذه الفترة إرهاصات الفكر الصهيوني بين المسيحيين في إنجلترا، وبداية الاهتمام باليهود، واسترجاعهم كشرط أساسي للخلاص. وكانت هناك نبوءة تسري في الأوساط المسيحية (البروتستانتية الصهيونية في إنجلترا وبعض فرق المنشقين المسيحيين في روسيا) بأن عام ١٦٦٦ هو بداية العصر الألفي الذي سيتحقق فيه استرجاع اليهود لفلسطين. ولا شك في أن مثل هذه النبوءات الاسترجاعية ذات علاقة قوية بالجو الاستعماري والاستيطاني النشيط في تلك المرحلة. وقد تزايد في تلك الفترة أيضاً نشاط محاكم التفتيش في إسبانيا والبرتغال، وظهر الإصلاح المضاد في إيطاليا بنزعته المعادية لليهود. وفي هذا الجو من الإحباط والثورات والتردي الحضاري والاقتصادي، حققت القبَّالاه اللوريانية انتشاراً غير عادي (يرى جيرشوم شوليم أن الفترة بين عامي ١٦٣٠ و١٦٤٠ هي التي حققت فيها القبَّالاه اللوريانية الهيمنة الكاملة التي جعلت اليهود مركزاً لعملية الخلاص الكونية، وإن كان شبتاي قد عدَّل هذه الصياغة بحيث يتم الخلاص من خلال شخصية الماشيَّح، أي أنه جعل شخص الماشيَّح مركز الحلول الإلهي بدلاً من الجماعة اليهودية) . ومن العوامل الأخرى الأساسية التي هيأت الجو للانفجار المشيحاني انتشار يهود المارانو في كثير من موانئ البحر الأبيض المتوسط والمدن التجارية، فقد كانوا يحملون فكراً قبَّالياً، كما أنهم كانوا يعانون من الضيق بعد أن شهدوا أيامهم الذهبية في الأندلس وإسبانيا المسيحية، وكانوا يعيشون أيضاً خارج نطاق السلطة وبعيداً عن مراكز صُنع القرّار، الأمر الذي جعل من العسير عليهم تَقبُّل الوضع القائم. وفي الواقع، فإن كل هذا قد هيأ الجو لتصاعُد الحمى المشيحانية، وقامت أعداد كبيرة من اليهود بالإعداد لوصول الماشيَّح، وبدأت الإشاعات تنتشر عن جيش يهودي جرار يجرى إعداده في الجزيرة العربية ليخرج منها ويفتح فلسطين.

стр. 5870

في هذا المناخ، ظهر شبتاي تسفي. ويبدو أن حياته النفسية لم تكن سوية، مثله مثل حياة جيكوب فرانك الماشيَّح الدجال الذي جاء بعده، فقد كان محباً للعزلة، كثير الاغتسال والتعطر، حتى أن أصدقاءه الشبان كانوا يعرفونه برائحته الزكية. وكان يظهر عليه ما يُسمَّى في علم النفس بالسيكلوثاميا، وهي حالة نشاط وهيجان بالغين يعقبهما انقباض وقنوط، وقد صاحبته هذه الحالة حتى الأيام الأخيرة من حياته. وكثيراً ما كان شبتاي يتغنى بالأشعار وينشد المزامير في حالة نشاطه. وحيث إنه تلقى تعليماً دينياً تلمودياً كاملاً، فلم يتهمه أحداً قط بالجهل. وتزوج شبتاي فتاة بولندية يهودية حسناء تُدعى سارة تربت في أحد الأديرة الكاثوليكية أو ربما في منزل أحد النبلاء البولنديين إذ يبدو أن أباها كان من يهود الأرندا، أي وكيلاً مالياً للنبيل في منطقة أوكرانيا، ويبدو أنها كانت سيئة السمعة من الناحية الأخلاقية، وهناك من يقول إنها كانت عاهرة وكانت تدَّعي أنها لن تتزوج إلا الماشيَّح ولذا فإن الإله قد أعطاها رخصة أن تعاشر من تشاء جنسياً إلى أن يظهر الماشيَّح ويعقد قرّانه عليها. وحينما نشبت انتفاضة شميلنكي التي اكتسحت الإقطاع البولندي في أوكرانيا، كما اكتسحت وكلاء النبلاء الإقطاعيين، كان أبواها من ضحاياها. وقد قابل تسفي سارة في القاهرة، أو ربما سمع عنها، فأرسل إليها وتزوجها. وقام تسفي بخرق الشريعة عامداً عام ١٦٤٨، فأعلن أنه الماشيَّح، ونطق باسم يهوه (الأمر الذي تحرمه الشريعة اليهودية) ، وأعلن بطلان سائر النواميس والشريعة المكتوبة والشفوية. ولتأكيد مشيحانيته، طلب أن تُزَفَّ التوراة إليه، فهي عروس الإله. وقد رفض الحاخامات الاعتراف به، فطُرد من أزمير. وقد تنقَّل تسفي في الأعوام العشرة التالية في مدن اليونان، فذهب إلى سالونيكا وغيرها، وقضى بضعة أشهر في إستنبول. وقام بخرق الشريعة مرة أخرى في هاتين المدينتين، إذ نَظَّم أدعية أو ابتهالات

стр. 5871

تتلى في الصلوات للإله ليحلل ما حرَّم. وحينما زار القاهرة، انضم إلى حلقة من دارسي القبَّالاه كان من أعضائها رئيس الجماعة اليهودية، روفائيل يوسف جلبي، مدير خزانة الدولة. ثم رحل إلى فلسطين عام ١٦٦٢. وقد بشَّر به اليهودي الإشكنازي نيثان الغزاوي عام ١٦٦٤، على أنه الماشيَّح الصادق الموعود، وأنه ليس مجرد المسيح ابن يوسف، وإنما هو المسيح بن داود نفسه. وأعلن نيثان أنه هو نفسه النبي المرسل من هذا الماشيَّح، وكتب عدة رسائل لأعضاء الجماعات اليهودية يخبرهم فيها بمقدم الماشيَّح الذي سيجمع الشرارات الإلهية التي تبعثرت أثناء عملية الخلق، والذي سيستولى على العرش العثماني ويخلع السلطان (وهذه من الأفكار الأساسية للقبَّالاه اللوريانية) .

стр. 5872

وقد دخل شبتاي القدس في مايو عام ١٦٦٥، وأعلن أنه المتصرف الوحيد في مصير العالم كله، وركب فرساً (كما هو متوقع من الماشيَّح) وطاف مدينة القدس سبع مرات هو وأتباعه، وقد عارضه الحاخامات وأخرجوه من المدينة. ولكن تسفي أعلن عام ١٦٦٦ أنه سيذهب إلى تركيا ويخلع السلطان. وقد زاد ذلك حدة التوقعات المشيحانية بين يهود أوربا وزاد حماسهم. وقد وصلت الأنباء إلى لندن وأمستردام وهامبورج. وصارت الجماهير اليهودية تحمل بيارق الماشيَّح في بولندا وروسيا. ومما يجدر ذكره أن أهم مؤسسة يهودية في العالم آنذاك، وهي مجلس البلاد الأربعة، اكتسحتها الحمى المشيحانية فأرسلت مندوبين عنها للحديث معه والاعتراف به (ولم تُصدر هذه المؤسسة قرّاراً بطرده إلا عام ١٦٧٠ بعد تردُّد طويل) . بل إن بعض الأوساط المسيحية بدأت تؤمن بأن تسفي سيُتوَّج ملكاً على فلسطين. وحينما حاول حاخامات أمستردام الاعتراض على رسائل تسفي وما جاء فيها، كادت الجماهير تفتك بهم. ولقد باع بعض الأثرياء كل ما يملكونه استعداداً للعودة، واستأجروا سفناً لتنقل الفقرّاء إلى فلسطين، واعتقد البعض الآخر أنهم سيُحمَلون إلى القدس على السحاب. وسيطرت الهستريا على الجماهير، فكان أتباعه يُغشَى عليهم ويرونه في رؤاهم ملكاً متوجاً. وانقسم كثير من الجماعات اليهودية بصورة حادة. وقد سمى الحاخامات أتباع تسفي بأنهم الكفار (بالعبرية: كوفريم) . ولكن تسفي تمادى في دوره، وبدأ في توزيع الممالك على أتباعه، وألغى الدعاء للخليفة العثماني الذي كان يُتلى في المعبد اليهودي، ووضع بدلاً من ذلك الدعاء له هو نفسه كملك على اليهود ومخلِّص لهم. وأخذ تسفي يضفي على نفسه ألقاباً يوقع بها رسائله. ومن هذه الألقاب: «ابن الإله البكر» و «أبوكم يسرائيل» و «أنا الرب إلهكم شبتاي تسفي» . وتوجَّه تسفي إلى إستنبول في فبراير عام ١٦٦٦ حيث أُلقي القبض عليه.

стр. 5873

ويبدو أن السلطات العثمانية التي اعتادت عدم التجانس الديني في الإمبراطورية الشاسعة، لم تكن تريد أية مواجهات مع أتباعه، ولذلك تم سجنه في قلعة جاليبولي المخصصة للشخصيات المهمة. وقد تحوَّل السجن بالتدريج إلى بلاط ملكي لشبتاي تسفي (فكان يحتفظ بعدد كبير من الحريم، ومع هذا كانت له تصرفات تنم عن ميول نحو الشذوذ الجنسي، أي أنه كان مخنثاً) . وكان الحجاج يأتونه من كل بقاع الأرض، وكُتبت الأناشيد الدينية تسبيحاً بحمده، وأُعلنت أعياد جديدة وطقوس جديدة. فألغى صيام اليوم السابع عشر من تموز من التقويم اليهودي، كما ألغى صيام التاسع من آب وجعله عيداً لميلاده. وقد أعلن نيثان أن التغييرات الحادة التي تطرأ على مزاج الماشيَّح تعبير عن الصراع الدائر داخل نفسه بين قوى الخير والشر. وفي سبتمبر من ذلك العام، جاء الحاخام القبَّالي نحميا (من بولندا) لزيارة شبتاي، وقضى ثلاثة أيام في الحديث معه رفض بعدها دعواه بأنه الماشيَّح، بل أخبر السلطات التركية بأنه يحرض على الفتنة، فقُدِّم للمحاكمة وخُيِّر بين الموت أو أن يعتنق الإسلام، فأشهر إسلامه وتعلَّم العربية والتركية ودرس القرآن. وأسلمت زوجته من بعده، ثم حذا حذوه كثير من أتباعه الذين أصبح يُطلَق عليهم اسم «دونمه» . ولكنه، مع هذا، لم يقطع الأمل في أن يستمر في قيادة حركته، وظل كثير من أتباعه على إيمانهم به، لأن الماشيَّح في التصور القبَّالي «سيكون خَيِّراً من داخله، شريراً من خارجه» ، وهذه مواصفات تنطبق على تسفي تمام الانطباق. ويتضح هنا تأثر تسفي بتفكير يهود المارانو بشأن ضرورة أن يُظهر المرء غير ما يُبطن. وقد نقل العثمانيون تسفي في نهاية الأمر إلى ألبانيا حيث مات بوباء الكوليرا عام ١٦٧٦.

стр. 5874

وظهور شبتاي تسفي تعبير عن الأزمة العميقة التي كانت تخوضها اليهودية الحاخامية بسبب تَآكُل العالم الوسيط في الغرب بل ونهايته، وهو العالم الذي نشأت فيه اليهودية الحاخامية التي فشلت في التعامل مع العالم الجديد. ويشبه شبتاي تسفي في هذا معاصره إسبينوزا، فكلاهما تعبير عن أزمة واحدة، وكلاهما تَحدَّى الشريعة (هالاخاه) وطرح رؤية ذات جوهر علماني تركِّز على هذا العالم المادي. وبينما تحداها تسفي من الداخل، تحداها إسبينوزا من الخارج. وكلاهما كان يؤمن بنسق حلولي يَصدُر عن رؤية حلولية كونية واحدية (أخذت طابعاً دينياً عند تسفي وطابعاً فلسفياً لا دينياً عند إسبينوزا) . ويمكن القول بأن تسفي يمثل وحدة الوجود الروحية، أي أن يحل الإله في الطبيعة والتاريخ ويظل محتفظاً باسم الألوهية، أما إسبينوزا فيمثل مرحلة وحدة الوجود المادية، حيث يصبح الإله هو قوانين الحركة، ولكنه مع هذا كان من الدهاء بحيث أبقى اسم الإله ولكنه قال إن الإله هو الطبيعة. ولذا يُشار إلى إله إسبينوزا بأنه الإله/الطبيعة.

стр. 5875

وتُعتبَر حركة شبتاي تسفي أهم الحركات المشيحانية على الإطلاق، فقد هزت اليهودية الحاخامية من جذورها، حتى لم تقم لها قائمة بعد ذلك. وانتشر أتباع تسفي في كل مكان، وانتشر معهم الفكر الشبتاني حتى بين بعض القيادات الحاخامية، ويتضح ذلك في المناظرة الشبتانية الكبرى التي ظهر خلالها أن الحاخام جوناثان إيبيشويتس، وهو من أهم العلماء التلموديين في عصره، كان شبتانياً. وبعد ذلك، ظهرت الحركتان الحسيدية والفرانكية اللتان رفضتا القيادة التقليدية التلمودية، وأخيراً ظهرت الصهيونية التي ورثت كثيراً من النزعات المشيحانية. وثمة رأي يذهب إلى أن تسفي بهجومه على اليهودية الحاخامية التقليدية مهد الطريق للصهيونية التي ترفض القيود الدينية، كما ترفض الأوامر والنواهي وتُعلِّي الذات القومية على كل شيء. كما أن تَوجُّه تسفي للعمل على العودة الفورية إلى فلسطين يشبه، في كثير من النواحي، المشيحانية الصهيونية العلمانية التي ترفض الموقف الديني التقليدي الذي ينصح اليهود بالانتظار، بل تبادر إلى الإسراع بالنهاية ليبدأ العصر المشيحاني دون انتظار مشيئة الإله. وقد كان تيودور هرتزل معجباً للغاية بتسفي وكان يفكر في كتابة أوبرا عنه لتمثيلها في الدولة الصهيونية بعد إنشائها. نيثان الغزاوي (١٦٤٣-١٦٨٠) Nathan of Gaza

стр. 5876

الداعية الأول لشبتاي تسفي وأهم المبشرين به، وهو من أصل إشكنازي. درس القبَّالاه، واستقر في غزة، ثم أعلن أن شبتاي تسفي هو الماشيَّح. وبعد أن أسلم تسفي، تجوَّل نيثان في شبه جزيرة البلقان، وطوَّر الفكر الشبتاني مستنداً إلى القبَّالاه اللوريانية، فقال إن روح الماشيَّح عليها أن تنزل إلى عالم الظلمات التي هي القشرة الخارجية (قليبوت) لهذا العالم، لتخلص الشرارات الإلهية (نيتسوتسوت) التي التصقت بها ويتحقق إصلاح الخلل الكوني (تيقون) فيستعيد حالته الأصلية. وبذلك، حل نيثان مشكلة أساسية واجهها أتباع تسفي وهي اعتناقه الإسلام، فقد فسَّر مسلك شبتاي على أنه نزول إلى عالم الظلمات. وقد استخدم الشبتانيون هذه الفكرة فيما بعد لتفسير الانحلال الأخلاقي عند زعمائهم. جيكوب قويريدو (؟ -١٦٩٠) Jacob Querido أحد أتباع شبتاي تسفي ووريثه الأساسي. أظهر الإسلام، وأبطن اليهودية منذ عام ١٦٨٣، هو وثلاثمائة أسرة من أتباعه، واستمروا في ممارسة الطقوس الشبتَّانية سراً. وهو مؤسس طائفة الدونمه. الحركة الشبتَّانية Shabbateanism «الشبتَّانية» مصطلح يُطلَق على الحركات المشيحانية الدينية الباطنية (الغنوصية) اليهودية التي ظهرت في الغرب وأطراف الدولة العثمانية بعد أن أسلم شبتاي تسفي. وكلها هرطقات ضد الدين اليهودي، وضد الصياغة التلمودية على وجه الخصوص. وتُعَدُّ الشبتانية شكلاً من أشكال الثورة ضد الدين اليهودي، وتعبيراً عن أزمة اليهودية. وقد ساهمت القبَّالاه اللوريانية وانتشارها في خلق التربة الخصبة لانتشار الأفكار الشبتانية.

стр. 5877

والواقع أن المفهوم القبَّالي الخاص بإصلاح الخلل الكوني (تيقُّون) قد غيَّر كثيراً من المفاهيم اليهودية التقليدية تماماً. فقد كان الخلاص يعني العودة إلى أرض الميعاد، أما التيقون فقد جعل الخلاص هو إصلاح الخلل الكوني وإنهاء حالة النفي التي تَسم الكون بأسره. والنفي ليس وضعاً خارجياً كامناً في وجود اليهود خارج فلسطين، وإنما هو وضع داخلي كامن في الطبيعة البشرية نفسها ويتمثل في ابتعادها عن الإله وعدم التصاقها به (ومن هنا أهمية الأوامر والنواهي والوصايا لكل من اليهود والأغيار) . وتبدأ عملية الخلاص في هذا العالم الداخلي الباطني، أي في عقل الإنسان وقلبه، استعداداً للخلاص الخارجي، بمعنى أن الحالة العقلية النفسية أكثر أهمية من اللحظة التاريخية. وبذلك، فقد مزجت القبَّالاه اللوريانية النزعة القبَّالية الباطنية (الذاتية) بالنزعة المشيحانية الخارجية، وجعلت الثانية تعتمد على الأولى، ومهدت الطريق بذلك لظهور شبتاي تسفي والشبتانية ككل.

стр. 5878

ولكن أتباع شبتاي تسفي قاموا بتعديل التصور اللورياني وتعميقه، فالقبَّالاه اللوريانية، مثلها مثل قبَّالاة الزوهار (برغم حلوليتها المتطرفة وهرطقتها) ، كانت تحوي داخلها إمكانية تعميق الولاء للشريعة وممارسة شعائرها، وبالفعل جعلت الخلاص المشيحاني وإصلاح الخلل الكوني (تيقون) مرتبطاً بممارسة اليهود للشعائر وتنفيذهم الأوامر والنواهي. أما شبتاي تسفي وأتباعه، فقد كان موقفهم معادياً للشريعة والشعائر بشكل واضح وصريح، بل تعمدوا خرق قوانينها وإبطال أوامرها ونواهيها. وإذا كان الشعب اليهودي يشغل في التصور اللورياني مركز عملية الخلاص، فإن شخصية الماشيَّح تشغل هذا المركز في التصورات الشبتانية. فالمؤمن هو من يؤمن بالأفعال الصوفية الخارقة التي يأتي بها شبتاي تسفي كماشيَّح مخلِّص. ولعل التأكيد على شخصية الماشيَّح، بدلاً من الشعب اليهودي، يعود إلى وجود اليهودية إما في تربة مسيحية (بولندا وروسيا) أو على مقربة منها (في شبه جزيرة البلقان) . وقد قضى يهود المارانو عشرات السنين يعانون من الاضطهاد الناجم عن قولهم إن المسيح عيسى بن مريم ليس هو الماشيَّح الحقيقي، وأن الماشيَّح اليهودي سيأتي لينقذ شعبه. وهكذا تحوَّلت النزعة المشيحانية إلي إيمان بشخصية الماشيَّح.

стр. 5879

وكان من الممكن أن يؤدي ظهور شبتاي تسفي إلى سد الفجوة بين الظاهر والباطن. ولكنه، كما هو متوقع، فشل في ذلك تماماً، الأمر الذي أدَّى إلى ظهور الحركة الشبتانية برؤيتها للكون. ويُعدُّ نيثان الغزاوي أهم مفكري الشبتانية وأبرز دعاتها، فقد أعاد تفسير كثير من الأفكار اللوريانية، وأضاف إليها حتى خَلَق نسقاً فكرياً يُعدُّ تنويعاً جديداً على النسق اللورياني. وأهم أفكار نيثان هي فكرة "النور الذي لا عقل له" مقابل " النور العاقل". وحسب هذا التصور، يحوي الإين سوف (الإله الخفي أو العدم) النورين داخله. أما الأول، فهو قوة مدمرة هائلة لا عقل لها، وهي لا تكترث كثيراً بعملية الخلق بل تعاديها فهي قوة العدم. وأما النور العاقل، فهو النور الذي يفكر في عملية الخلق ويقوم بها في نهاية الأمر. وقد حدثت عملية الانكماش الإلهي (تسيم تسوم) ليس في الوجود الإلهي بنوريه العاقل والمعادي للعقل وإنما حدثت في النور العاقل وحده استعداداً لعملية الخلق، فانفصل النور العاقل عن النور الذي لا عقل له فصار هذا النور العدمي قوة نابعة من الإين سوف (الإله الخفي) مستقلة عنه، وبذلك فقد أصبح قوة الشر، أي أن الشر الماثل في الدنيا إن هو إلا جزء من الإله. ويقوم هذا النور بتدمير كل ما ينتجه النور العاقل الذي اخترق، رغم هذا، الفضاء العلوي وشيَّد العالم. ومع هذا، فقد ظل النصف السفلي، أو الهوة الكبرى (الهيولي السفلي) ، مظلماً بعيداً عنه وعن سلطانه. ويصبح جدل الكون هو محاولة النور العاقل الوصول إلى العالم السفلي، وقيام النور غير العاقل بصد الإشعاعات (وهذا تعبير عن الثنوية القوية داخل التركيب الجيولوجي اليهودي) . ولا يمكن في الواقع أن تصل هذه الإشعاعات إلا من خلال شخصية الماشيَّح، فهو وحده القادر على توصيلها وعلى إعادة تشكيل الهيولي السفلي. بل إن روح الماشيَّح توجد في هذا العالم السفلي، فهو إحدى الشرارات الإلهية التي التصقت بالقشرة

стр. 5880

(قليبوت) ، ولذا فهو ليس خاضعاً لسلطان التوراة أو القانون، وهو وحده القادر على بدء عملية التيقون. والبشر جميعاً خاضعون لسلطة الشريعة، التي هي تعبير عن النور العاقل والأرواح المتصلة به، على عكس الماشيَّح الذي لا يخضع لسلطانه. فهو يحوي النورين، وله من الرخص ما لم يُمنَح لبشر. وقد مكَّنت هذه الفكرة نيثان الغزاوي من أن يفسر تلك الأعمال الغريبة التي صدرت عن الماشيَّح. وقد وصفه بأنه البقرة الصغيرة الحمراء التي ورد ذكرها في العهد القديم (عدد ١٩) ، فهو يطهر المدنَّسين ولكنه هو نفسه مدنَّس، وهو أيضاً الثعبان المقدَّس الذي سيُخضع ثعابين الهوة (والواقع أن كلمة «ناحاش» العبرية، أي ثعبان، لها القيمة الرقمية نفسها التي لكلمة «ماشيَّح» ، ولذا فإنه مقدَّس مهما أتى من أفعال قد تبدو مُدنَّسة) .

стр. 5881

وتستند هذه الرؤية للماشيَّح إلى فكرة شبتانية أساسية، وهي فكرة التوراتين: توراه دي أتسليوت، أي توراة العالم العلوي أو توراة الفيض والخلاص، وتوراه دي بريئاه، أي توراة الخلق أو توراة الظاهر والعالم الحسي أو السفلي. فحسب التصور الشبتاني (وهو مجرد تطوير وتعميق للفكر القبَّالي) ، هناك معنىان للتوراة؛ أحدهما ظاهري والآخر باطني. ويرتبط المعنى الظاهري بهذا العالم، عالم الخير والشر والحياة والموت والزوال والدنس والشتات والنفي. ولذا، فإن هذه التوراة، توراة الخلق والخليقة، تحوي الوصايا والأوامر والنواهي التي يجب على اليهودي اتباعها ليساعد الشخيناه (المنفية مع اليهود) في محنتها. ويُشار إلى توراة الخلق هذه بأنها رداء الشخيناه في سبيها. أما المعنى الباطني للتوراة، فيرتبط بالعالم السامي، عالم الخير والحياة الأزلية، وهو عالم ثابت لا نفي فيه ولا شتات، وتوراته هي توراة الخلاص، ولا يدرك كنهها سوى القديسين، والماشيَّح المخِّلص. وبرغم التشابه بين التوراتين في المحتوى والألفاظ، فإن طريقة فهم كل منهما مختلفة لأن تفسير كل توراة يتم وفقاً للعالم الذي نزلت من أجله. فالتوراة في العصر السابق على الخلاص (العصر الشبتاني أو المشيحاني) ، تُقرأ في ضوء من الوصايا والنواهي والتحريمات المعروفة لدينا. أما توراة الخلاص والفيض فتسمح بالمحرمات، بل إن انتهاك توراة الخليقة لينهض دليلاً على مجيء العصر الجديد الذي بشَّر به شبتاي تسفي.

стр. 5882

ويستند كل هذا إلى مفهوم محوري في الفكر الشبتاني، هو مفهوم قداسة الرذيلة. فالأفعال المدنَّسة هي في الواقع أفعال مقدَّسة، شكلها الخارجي وحسب هو المدنَّس (ويظهر هنا تأثير المارانو مرة أخرى) . ويصبح العقل المدنَّس مقدَّساً إن عمل بحماس ديني. وقد وجد الشبتانيون تبريراً لرأيهم هذا في التلمود الذي ورد فيه أن الخطيئة التي تُقتَرف لذاتها هي أعظم من وصية لا تُؤدَّى لذاتها. كما أن المختارين لا يمكن أن يُحكَم عليهم بالمقاييس العادية، فهم ينتمون إلى قانون مختلف هو قانون الفيض، وهم فوق الخير والشر (مثل الإنسان الأعلى عند نيتشه) . فمن المستحيل على الذين يعيشون في عالم التيقون أن يرتكبوا الخطيئة، لأن الشر بالنسبة إليهم فَقَد معناه لأنهم وصلوا إلى الخلاص الداخلي الكامل. وقد بشَّر باروخيا روسو أتباعه بأن الست والثلاثين خطيئة القاطعة التي تنص الشريعة اليهودية على قتل من يرتكبها، هي خطايا من وجهة نظر توراة الخلق فقط. أما وقد تم الوصول إلى مرحلة الخلاص، مرحلة توراة الفيض، فإن تلك الخطايا قد أصبحت من المحللات. وأصبح الشبتانيون يتحللون من كل الأوامر ويترخصون في كل النواهي، بل أصبحوا يرون أن من واجبهم انتهاك الشريعة وتدنيس الأخلاقيات الشائعة باسم المعاني الباطنية والمبادئ السامية. وصار شعارهم الأساسي عبارة شبتاي تسفي: "الحمد لك يارب، يا من تُحلِّل المحرمات".

стр. 5883

والمعنى الباطني للتوراة هو المعنى الحقيقي بالنسبة إلى المبشرين بعالم الخلاص، وبالنسبة إلى الذين وصلوا إليه. ومن العلامات الحقة لإيمانهم أنهم يخفون دينهم الحقيقي ويبقونه سراً خفياً عن عيون البشر. بل يجب على المؤمن الحق أن يدخل كل الأديان وينتمي إليها بصورة ظاهرة، على أن يبطن دينه الحقيقي. وهو بذلك سيتمكن من أن يهدم الأديان كلها التي سيرتديها فقط كغطاء خارجي. ويبدو أن يهود المارانو الذين كانوا يعتنقون اليهودية سراً والمسيحية علناً، قد لعبوا دوراً أكيداً في إشاعة هذه الأفكار وفي قبولها. ويرى بعض الدارسين أن ثمة تأثراً بالتراث الديني المسيحي في الفكر الشبتاني، يتبدى في مركزية فكرة الماشيَّح الفرد الذي يُصلَب (والصلب في حالة الفكر الشبتاني قد يكون حقيقياً وقد يأخذ شكل الارتداد والتدنس) . كما يتبدى الفكر المسيحي في تأكيد الخلاص الداخلي، والحرية الباطنية. بل يذهب الدارسون إلى وجود ثالوث شبتاني: الإله الخفي وإله جماعة يسرائيل والشخيناه، أو تنويعات على هذا الثالوث. وقد تأسست بعد موت تسفي مراكز شبتانية في أطراف الدولة العثمانية في البلقان، وفي كلٍّ من إيطاليا وبولندا وليتوانيا. وأهم الحركات الشبتانية هي حركة جيكوب فرانك. ولقد كانت الحركة الشبتانية منتشرة بشكل عميق في أوربا إذ ظل الشبتانيون داخل اليهودية الحاخامية، وأبطنوا آراءهم، وقاموا بالدعوة لها سراً، حتى أن أحد عُمُد اليهودية الحاخامية (الحاخام إيبيشويتس) كان من دعاتها. وقد أصبح الشبتانيون من أهم العناصر الثورية والعدمية في أوربا واحتفظوا بآرائهم داخل أنفسهم، حتى ظهرت الثورة الفرنسية، فصار كثير منهم من دعاتها ورسلها. وكان موسى دوبروشكا، أحد المرشحين لرئاسة حركة فرانك، من زعماء الثورة الفرنسية ممن أُعدموا مع دانتون عام ١٧٩٤.

стр. 5884

والحركة الشبتانية واحدة من الحركات اليهودية المشيحانية الحديثة التي تعبِّر عن بؤس اليهود، وعن أزمة اليهودية التي انتهت بظهور الحسيدية ثم الصهيونية، وكلها حركات شعبية هروبية ترفض الزمان والمكان وتطالب بالانتقال من وضع تاريخي متعين متأزم إلى مجتمع جديد مثالي يُشيَّد على أرض فلسطين. وقد اتخذت حركة الهروب هذا الشكل المشيحاني، بسبب الحلولية الكامنة في النسق الديني اليهودي، التي تشكل واحداً من أهم طبقاته الجيولوجية. ويرى أحد المفكرين اليهود أن الحركة الشبتانية هي بداية اليهودية الحديثة، فظهورها تعبير عن ضعف اليهودية المعيارية، أي اليهودية الحاخامية. وهي، بإسقاطها كل النواميس، تشبه في كثير من النواحي الحركات اليهودية المعاصرة، أي اليهودية التي تحاول أن تطرح جانباً القيود المتزمتة التي فرضتها اليهودية الحاخامية على اليهود. وبالتالي، فإن الوريث الحقيقي للشبتانية هو اليهودية الإصلاحية. فهذه، هي الأخرى، ثورة على التقاليد التلمودية الحاخامية، ويُقال إن أحد أهم زعماء اليهودية الإصلاحية في المجر (أرون كورين) كان شبتانياً في شبابه. وثمة رأي آخر يرى أن الوريث الحقيقي للحركة الشبتانية هو الصهيونية، فهي ترفض الأوامر والنواهي، ولا تقبل الانتظار حتى يشاء الإله أن يأتي الماشيَّح. ولكن الطبقة الحلولية اليهودية هي التي تجمع بين كل هذه الحركات التي تُعدُّ مجرد تجليات لهذه الطبقة التي تنكر وجود الإله المفارق، وتبحث عن المطلق والركيزة النهائية في المادة نفسها، ولذا يحل الإله تماماً في الطبيعة والتاريخ وتتقدس المادة، ومن ثم تصبح كل الأمور متساوية (نسبية) وتَسقُط المطلقات الأخلاقية لتصبح الرذائل فضائل والفضائل رذائل. الدونمه Donmeh الدونمه» كلمة تركية بمعنى «المرتدين» :

стр. 5885

١ ـ كلمة «دونمه» مكوَّنة من كلمتين تركيتين مدغمتين «دو» بمعنى «اثنين» و «نمه» بمعنى «عقيدة» فهم أصحاب عقيدتين واحدة ظاهرة وهي الإسلام، والثانية مبطنة وهي اليهودية. ٢ ـ يُقال إن الكلمة مشتقة من كلمة «دونماك» بمعنى «العائدين» ، أي يهود المارانو الذين هاجروا من شبه جزيرة أيبريا إلى الدولة العثمانية. وقد أُطلق هذا الاسم على جماعة يهودية تركية شبتانية من اليهود المتخفين استقرت في سالونيكا وأشهرت إسلامها تشبُّهاً بشبتاي تسفي (الماشيَّح الدجال) . فقد اعتقد كثيرون من أتباعه المؤمنين به أن ارتداده عن دينه واعتناقه الإسلام تلبية لأمر خفي من الرب وتنفيذ للإرادة الإلهية، فحذوا حذوه، ولكنهم ظلوا متمسكين سراً بتقاليد اليهودية. وهم يختلفون عن يهود المارانو في أنهم اعتنقوا الإسلام طواعية دون قسر، فلم تكن الدولة العثمانية تُكره أحداً على اعتناق الإسلام. وعقيدة الدونمه عقيدة حلولية غنوصية متطرفة فهم يؤمنون بألوهية شبتاي تسفي، وأنه الماشيَّح المنتظر الذي أبطل الوصايا العشر وغيرها من الأوامر والنواهي. وهم يرون أن التوراة المُتداوَلة (توراة الخلق) فارغة من المعنى وأنه أحل محلها توراة التجليات، وهي التوراة بعد أن أعاد تسفي تفسيرها.
следующие страницы →