Полный текст (8 511 стр.). Показаны 5951–5990 · переход к 5956.
стр. 5951
ولا يوجد في الفكر القرّائي هذا العدد الضخم من الأوامر والنواهي التي حددها الفكر الحاخامي. وتختلف صلاة القرّائين عن صلاة الحاخاميين في عدة أوجه، أهمها أن القرّائين يكتفون بصلاتين: واحدة في الصباح، وأخرى في المساء، وتتضمن صلاتهم الشماع، ولكنهم حذفوا الثماني عشرة بركة (شمونه عسريه) . كما أن شكل الصلاة عند القرّائين استقر وأخذ شكلاً نهائياً، على عكس الصلاة عند الحاخاميين. ويرتدي القرّاءون شال الصلاة (طاليت) أثناء أدائها، ولكنهم لا يرتدون تمائم الصلاة (تفيلِّين) ، ولا يضعون تمائم الباب (مزوزوت) على منازلهم لأن الإشارات الواردة بشأن هذه التمائم ذات معنى مجازي على عكس ما يتصور الحاخاميون الذي فسروا الإشارات تفسيراً حرفياً. ولا يحتفل القرّاءون بعيد التدشين لأنه ظهر بعد تدوين التوراة، ولهم تقويم خاص بهم. كما أن قوانين الطعام عند القرّائين تختلف عنها لدى الحاخاميين، وخصوصاً في القواعد الخاصة باللحم واللبن. وتتسم قواعد الزواج عند القرّائين بالتزمت إذ زادوا عدد المحارم زيادة غير عادية. كما أن القرّائين يصومون سبعين يوماً (من ١٣ نيسان إلى ٢٣ سيفان) على طريقة المسلمين، بل يُحرِّم بعضهم استخدام الأدوية حيث لا شافي إلا الإله.
وقد اشتد الصراع بين القرّائين والحاخاميين إلى حد أن كل طائفة قامت بتكفير الأخرى وإعلان نجاستها وحرمانها من رحمة الإله. وقد اعتبر الحاخاميون طائفة القرّائين من الأغيار في شئون الطعام والشراب والزواج. وفي العصر الحديث، بذل القرّاءون جهوداً كبيرة للاحتفاظ بالمسافة بينهم وبين الحاخاميين.
стр. 5952
ومع هذا، لم تنتشر اليهودية القرّائية بين اليهود، وهو الأمر الذي يحتاج إلى تفسير. ويُقال إن القرّائين كانوا يضمون في صفوفهم كثيراً من التقاة الذين تمسكوا بالتفسير الحرفي للتوراة، وقد أدَّى هذا إلى تَجمُّد فكرهم، وتحوُّلهم إلى حفرية دينية. ولقد وجد كثير من الجماعات القرّائية في تربة إسلامية. ولعلهم وجدوا أن من المنطقي، بعد أن طهروا اليهودية من النزعة الحلولية، وبعد فَرْض الصيغة التوحيدية عليها، أن يعتنقوا الإسلام، وخصوصاً أن ثمة إشارات إلى أن عنان بن داود كان يؤمن، مثله مثل أبى عيسى الأصفهاني، بأن عيسى ﵇ ومحمداً ﷺ من الأنبياء.
عنان بن داود (القرن الثامن الميلادي (
Anan Ben David
مؤسس مذهب القرّائين، ويُقال إنه كان ابن رأس الجالوت في العراق. وقد درس ابن داود الشريعة، ولكن رؤساء الحلقات التلمودية رفضوا تعيينه مكان أبيه، حسب المصادر اليهودية الحاخامية، فرفض الإذعان لقرارهم ودخل في خلاف حاد معهم عام ٧٦٢. وحينما أُلقي به في السجن بتهمة التمرد، طالب بالإفراج عنه باعتبار أنه ينتمي إلى جماعة دينية مختلفة عن الجماعة اليهودية، فأُجيب طلبه. وبعد الإفراج عنه، أسس ابن داود الفرقة الجديدة في الفترة ٧٦٢ ـ ٧٦٧ والتي كانت تُسمَّى في بادئ الأمر بـ «العنانية» ، ونشر عام ٧٧٠ كتابه سفر هامتسفوت باللغة الآرامية (كتاب الأوامر والنواهي) ولم يبق من الكتاب سوى بضعة أجزاء. ولكن لا يمكن تفسير ظهور هذه الفرقة على أساس هذا الحادث الشخصي، فمن الواضح أن اليهودية كانت تواجه تحدياً فكرياً ضخماً بعد انتشار الإسلام، وكان عليها أن تستجيب له. وكان عنان بن داود يمثل أولى هذه الاستجابات، ثم تبعه سعيد بن يوسف الفيومي، المتحدث باسم اليهودية الحاخامية ومحددها.
стр. 5953
وحجر الزاوية في فكر عنان بن داود هو العودة إلى النص المقدَّس المكتوب نفسه، أي العهد القديم، مستخدماً طريقة القياس التي استقاها من الفقه الإسلامي، وخصوصاً من فكر الإمام أبي حنيفة. كما أنه رفض الشريعة الشفوية التي تعبِّر عن الحلولية اليهودية. وقد بذل ابن داود جهداً كبيراً في تفسير التناقضات الموجودة في العهد القديم. وكان يفضل التشدد في كثير من الأمور، مثل الزواج وشعائر السبت. ومع هذا، يظل المفتاح الأساسي لفهم فكره الديني هو عبارته: "فلتبحث بعناية فائقة في النص، ولا تعتمد على رأيي".
بنيامين بن موسى النهاوندي (منتصف القرن التاسع الميلادي (
Benjamin Ben Moses Nahawandi
عالم قرّائي عاش في فارس والعراق. ويُعَدُّ (مع عنان بن داود) مؤسس المذهب القرّائي. وهو صاحب مصطلح «قرّائي» . وكان النهاوندي يتسم بعلمه الواسع في العلوم الإسلامية الدينية والدنيوية. كما أنه حدَّد عقائد القرّائين، وبذل جهداً كبيراً في تطهير الفكر الديني من أية اتجاهات لخلع صفات بشرية على الإله. ولذا، فقد أصر على قوله بأن الشريعة لم تُوحَ إلى موسى مباشرة وإنما أُوحيَت إليه من خلال ملاك. وأصر على أن الإله لم يَخلُق العالم مباشرة وإنما خلقه من خلال ملاك أيضاً (وقد رفض القرّاءون رأيه هذا) . ورغم تأكيده أهمية النص المقدَّس، كما هو الحال مع القرّائين، فإنه لم يمانع في الاستفادة من الشريعة الشفوية (أي تفاسير الحاخامات) دون أن يخلع عليها أية قداسة. وقد وضع النهاوندي معظم مؤلفاته بالآرامية، ومن أهمها شروح العهد القديم، إلى جانب بعض الدراسات القانونية الأخرى.
أبو يوسف يعقوب القرقساني (النصف الأول من القرن العاشر الميلادي (
Abu Yusuf Yaqub Qirqisani
стр. 5954
عالم قرّائي استوعب العلوم الإسلامية الدينية والدنيوية في عصره، وكان على إلمام كبير بالتراث الحاخامي. وأهم كتبه كتاب الأنوار والمراتب (بالعربية) ، وهو مصنف في القوانين القرّائية، أما الكتاب الثاني فهو كتاب الرياض والحدائق، وهو تعليق على الأجزاء التي لا تتناول الشرائع في العهد القديم. وهو، في جميع كتاباته، يُحكِّم عقله ويستند إلى قواعد التفسير التي وضعها العلماء القرّاءون من قبله.
أبراهام فيركوفيتش (١٧٨٦-١٨٧٤ (
Abraham Firkovich
عَالم قرّائي روسي بولندي المولد، بذل جهوداً كبيرة لفصل اليهود القرّائين عن اليهود الحاخاميين، فهاجم اليهودية الحاخامية والحسيدية هجوماً لاذعاً. وقد قدَّم فيركوفيتش مذكرة عام ١٨٢٥ إلى الحكومة الروسية القيصرية بيَّن فيها أن القرّائين يتسمون بالنشاط والإنتاجية، على عكس اليهود الحاخاميين الذين يتسمون في رأيه بالكسل والطفيلية. وقد اقترح في المذكرة أن تقوم الحكومة القيصرية بتهجير الحاخاميين من المناطق المتاخمة للحدود الغربية، حتى تُوقفهم عن الاشتراك في عمليات التهريب، وحتى يتم تشجيعهم على الاشتغال بالزراعة (وقد كان القرّاءون في شبه جزيرة القرم يشتغلون بكل المهن، ومنها الزراعة، كما كانوا يمتلكون مزارع تبغ) . وقد بيَّن فيركوفيتش في دراساته أن القرّائين هاجروا من فلسطين بعد انقسام مملكة سليمان، وأنهم استوطنوا القرم منذ القدم، وأن قبيلة الخزر تهوَّدت على أيديهم. وقد قام بجمع العديد من المخطوطات العبرية في فلسطين (وربما مصر) ، كما استشهد بالاكتشافات الأثرية، وخصوصاً شواهد القبور اليهودية، ليثبت قوله. ونشر فيركوفيتش آراءه عام ١٨٧٢، وقد تقبَّلها كثير من المؤرخين اليهود في عصره. ولكن بعض العلماء يرون أن فيركوفيتش كان يزيف الشواهد التاريخية لتأييد وجهة نظره، ولا تزال هذه القضية خلافية.
стр. 5955
وتُعَدُّ مجموعتا فيركوفيتش بالمكتبة العامة في سانت بطرسبرج أكبر مجموعتي كتب ومخطوطات عبرية في العالم.
الإسرائيليات (تهويد الإسلام (
Israeliyat (Judazation of Islam)
«الإسرائيليات» هي مجموعة من القصص والتفسيرات لقصص وأحكام القرآن. ويتناول كثير من هذه الإسرائيليات قصصاً وأساطير أبطالها شخصيات من العهد القديم ورد ذكرهم في القرآن. وتفترض الإسرائيليات أن ثمة استمراراً بين قصص العهد القديم وقصص القرآن، وأن إبراهيم، الذي ذُكر في التوراة هو نفسه سيدنا إبراهيم ﵇ الذي ذُكر في القرآن. ولما كان القرآن لم يذكر قصص الأنبياء كاملة فإن كتاب الإسرائيليات يلجأون، في تفاسيرهم، إلى ملء الثغرات بالعودة إلى كتب اليهود الدينية. وتتناول الإسرائيليات كذلك عقائد، مثل: المسيح المخلِّص (المهدي المنتظر) ، وآخر الأيام، وعذاب القبر، واسم الإله الأعظم. ويتسم معظم الإسرائيليات بطابعه الحلولي المتطرف (الذي يتناقض بشكل حاد مع الفكر التوحيدي) ومن المعروف أن افتراض الاستمرار الكامل، ومحاولة ملء كل الفراغات، هي من سمات الأنساق الحلولية التي لا تقبل جود أية مساحات داخل نسق فضفاض.
ويروي ابن خلدون في مقدمته من أسباب تسرب الإسرائيليات إلى المسلمين وأسباب استكثارهم من روايتها أن العرب لم يكونوا أهل كتاب أو علم، وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية وإذا تشوقوا إلى معرفة شيء، مما تتشوق إليه النفوس البشرية وأسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود، فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم، ويستفيدون منهم، وهم أهل التوراة من اليهود، وهم أنفسهم كانوا أهل بادية منهم، ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب، ومعظمهم من حمْيَر الذين أخذوا بدين اليهودية، فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم.
стр. 5956
وتساهل المفسرون وملأوا كتب التفسير بهذه المنقولات، وأصلها عن أهل التوراة الذين يسكنون البادية ولا تحقيق عندهم (الحفني) . ومعنى كل هذا أن ثمة رغبة شعبوية بدائية في معرفة أصل الأشياء، ملأها المفسرون من خلال احتكاكهم بيهود الجزيرة العربية الذين كانوا يؤمنون هم أنفسهم بيهودية شعبوية بعيدة عن التوحيد أو تميل إلى الحلولية ولذا تود ملء كل الثغرات.
ويضرب الحفني مثلاً على ذلك: أسماء أصحاب الكهف، ولون كلبهم، وعددهم، وعصا موسى من أي الشجر كانت، وأسماء الطيور التي أحياها الله لإبراهيم، ونوع الشجرة التي كلَّم الله منها موسى، وكلها تفاصيل روائية، لا فائدة من معرفتها، ولكن العقل الشعبي يود دائماً الإحاطة بالتفاصيل المادية إذ يجد صعوبة غير عادية في التجريد وتجاوز المادة. والموقف الإسلامي من هذا واضح فقد ورد في القرآن (كما يُبيِّن الدكتور الحفني) أن ثمة أموراً أبهمها الله، ولا فائدة من تعيينها تعود على المكلفين في دينهم ولا دنياهم، وبقي الاختلاف عنهم في ذلك جائزاً ("سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم، ويقولون خمسة سادسهم كلبهم، رجماً بالغيب، ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم، قل ربي أعلم بعدتهم، ما يعلمهم إلا قليل، فلا تُمار فيهم إلا مراءً ظاهراً، ولا تستفت فيهم منهم أحدا" [الكهف ٢٢ [) .
стр. 5957
دخل الكثير من الإسرائيليات إلى كتب التفسير الإسلامية عن طريق اليهود الذين اعتنقوا الإسلام في مرحلة مبكرة مثل كعب الأحبار. ولكن، بعد فترة، لم يَعُد اليهود الذين أسلموا وحدهم مصدر الإسرائيليات، فكثير من المفسرين المسلمين كانوا يعودون بأنفسهم إلى الكتب الدينية اليهودية، أو الفلكلور اليهودي، لتفسير القصص القرآني. كما أن الوجدان الشعبي نسج وولَّد قصصاً وتفسيرات على منوال الإسرائيليات. ونحن نذهب إلى أن الخطاب الغنوصي ظل سائداً بين العامة ووجد طريقه إلى عمليات التفسير في كل الديانات التوحيدية. ويجب أن نتذكر أن كثيراً من الإسرائيليات هي، في جوهرها، فلكلور يهودي نجح في أن يصبح جزءاً من العقائد الدينية اليهودية الرسمية، والتلمود كتاب فلكلور بقدر ما هو كتاب تفسير. ونحن نذهب إلى أن شخصيات العهد القديم تختلف في سماتها وسلوكها عن مثيلتها التي تحمل الأسماء نفسها في القرآن الكريم. ومن ثم، فإن إبراهيم الذي ورد ذكره في التوراة يتميَّز عن سيدنا إبراهيم ﵇ الذي ترد قصته في القرآن الكريم (ولهذا، فإن اسم الأول خلافاً للثاني يرد هنا مجرداً من لفظ «سيدنا» (.
عبد الله بن سبأ (القرن السابع الميلادي (
Abdallah Ibn Saba
стр. 5958
ويُسمَّى أيضاً ابن السوداء. وهو عربي يهودي من أهل صنعاء في اليمن. وقد ادَّعى ابن سبأ بعد موت الرسول ﷺ أن الرسول ﷺ هو الماشيَّح الذي سيرجع مرة أخرى، فكان يقول: "العجب ممن يزعم أن عيسى يرجع، ويكذِّب برجوع محمد". وقد أيَّد رأيه بآية من القرآن: "إن الذي فرض عليك القرآن لرادُّك إلى معاد" (القصص ٨٥) ومن ثم فإن محمداً أحق بالرجوع من عيسى. وقال أيضاً إنّ في التوراة أنّ "لكل نبي وصياً، وإن علياً (زوج ابنة الرسول ﷺ هو وصيه، ولذا فعليٌّ هو خاتم الأوصياء بعد محمد خاتم النبيين". بل يُقال إنه لما بويع علي قام إليه ابن سبأ فقال له:"أنت خلقت الأرض وبسطت الرزق".
стр. 5959
وقد ذهب عبد الله بن سبأ إلى القول بالتناسخ. وبحسب قوله، فإن روح الرسول ﷺ لم تمت مع محمد بل استمرت حية تتعاقب في ذريته، فروح الله التي تبعث الحياة في الرسل تنتقل بعد وفاة أحدهم إلى آخر، وأن روح النبوة بصفة خاصة انتقلت إلى عليّ واستمرت في عائلته، ومن ثم فعليّ ليس مجرد خلف شرعي للخلفاء الذين سبقوه، وهو ليس في مستوى واحد مع أبي بكر وعمر اللذين اندسا مغتصبين بينه وبين الرسول ﷺ وأخذا الخلافة بغير وجه حق، إنما هي «الروح القدسية» تجسدت فيه وهو وريث الرسالة، ومن ثم فهو بعد وفاة محمد الحاكم الوحيد الممكن للأمة، تلك الأمة التي يجب أن يكون على إمامتها مثل حيّ لله. وقد استطاع ابن سبأ تكوين خلايا سرية في عديد من الأمصار الإسلامية التي مرَّ بها (الحجاز والبصرة والكوفة والشام ومصر) ، وجرت بينه وبين أعضاء هذه الخلايا مكاتبات، وحاك ابن سبأ المؤامرات ووضع مخططات للثورة. وبعد مقتل عليّ ﵁ عام ٦٦١، أنكر عبد الله أن علياً قد قُتل، زاعماً أن من قُتل هو في واقع الأمر شيطان يشبه علياً وأن علياً نفسه فيه الجزء الإلهي وأنه هو الذي يجئ في السحاب، وأن الرعد صوته والبرق سوطه، ولذا كان أتباعه يقولون عند سماع الرعد: "السلام عليك يا أمير المؤمنين". وأنه لابد أن ينزل إلى الأرض فيملأها عدلاً كما مُلئت جوراً.
وقد أسَّس ابن سبأ الطائفة السبئية التي تقول بألوهية عليّ. ويُقال للسبئية «الطيارة» لزعمهم أنهم لا يموتون وإنما موتهم طيران نفوسهم في الغَلَس (قبيل انبلاج النهار) . ويُقال إن عبد الله بن سبأ جاء إلى الإمام عليّ ﵁ مع جماعته وقالوا له «أنت الله» فأحرقهم بالنار، فجعلوا يقولون: "الآن صحَّ عندنا أنه الله لأنه لا يعذِّب بالنار إلا رب النار".
стр. 5960
وقد انشغل المؤرخون المسلمون (في الماضي والحاضر) بقضية هل كان عبد الله بن سبأ شخصية حقيقية وُجدت فعلاً أم شخصية مُختَلَقَة، وهي في الواقع قضية قد تكون على قدر من الأهمية ولكنها تترك المسألة الأساسية، أي بنية أفكار ابن سبأ (وهي أفكار كان هناك من يحملها ويروجها بغض النظر عن وجود ابن سبأ نفسه) . ولنضرب مثلاً لنوضح ما نرمي إليه: ينتشر كثير من الأفكار الرومانتيكية وتتبناها جماعات من الناس في أنحاء العالم دون أن يطلعوا بالضرورة على كتابات الشعراء أو الفلاسفة الرومانتيكيين في الغرب، وحتى دون أن يعرفوا بوجود شيء يُسمَّى «الحركة الرومانتيكية» . والواقع أن القضية هي بنية هذه الأفكار ومدى تأثيرها في سلوكهم ومدى تأثيرهم فيمن حولهم بعد حَمْلهم هذه الأفكار، وهكذا. أما قضية الأصول والتأثير والتأثر، وهل اطلع هؤلاء بالفعل على النصوص الأساسية للحركة الرومانتيكية الغربية أم لا، فهي قضية ثانوية رغم أهميتها، وخصوصاً أن كثيراً من الأفكار الإنسانية تتوالد من داخل العقل الإنساني، دون حاجة لتأثير خارجي. والأفكار الحلولية (التي تشكل الإطار الذي تتحرك داخله المنظومة السبئية) أمر كامن في تجارب الإنسان الأولى.
ويمكن القول بأن النسق الفكري الذي يُنسَب إلى اسم بن سبأ نسق حلولي غنوصي كامل يستحق الدراسة من هذا المنظور:
стр. 5961
١ ـ فهو نسق يفترض الحلول الدائم للإله في الطبيعة والتاريخ، ولذا فالرعد هو صوت عليّ والبرق سوطه، فالإله يتجسد في الطبيعة. كما أن ثمة إيماناً بأن روح الإله تنتقل من رسول إلى آخر ولابد أن يكون هناك إمام هو مثل حيّ (تَجسُّد ـ حلول) للإله في التاريخ. ويُلاحَظ أنه في الأنساق الحلولية، لابد أن يكون هناك تجسُّد دائم ومستمر للإله في الطبيعة وتناسخ دائم عبر التاريخ، حتى يظل الإله دائماً متجسداً في الزمان والمكان كامناً فيهما لا متجاوزاً أو مفارقاً لهما. والإله، في هذه المنظومة، جزء لا يتجزأ من الطبيعة والتاريخ ويُردُّ إليهما لملء كل الفراغات والمجالات والثغرات بحيث يتصل الزمان بالمكان في وحدة وجود روحية لا تبقى للإله من الألوهية سوى الاسم.
٢ ـ ويتضمن النسق الديني الحلولي إلغاء فكرة محمد خاتم المرسلين، وهي الفكرة التي تتضمن أن التاريخ أصبح المجال الذي يتفاعل فيه الإنسان مع الإله وأن التاريخ هو الرقعة التي يختبر الإله فيها الإنسان، وبإمكان الإنسان أن يخطىء ويصيب فيها (فهو حرّ الإرادة) . بدلاً من ذلك يطرح النسق السبئي الحلولي فكرة نهاية التاريخ. كما يتضمن النسق الحلولي إلغاء فكرة الضمير الشخصي ووجود الإنسان الفرد.
٣ ـ يمكن أن يتحقق الحلول الإلهي في شخص بدرجة مركزة بحيث يصبح هذا الشخص إلهاً لا يموت، وهذه هي صفات عليّ ﵁ في النسق السبئيّ أو صفات محمد ﷺ الذي لابد أن يعود أو صفات من يتحقق فيه الحلول الإلهي عبر التاريخ.
стр. 5962
٤ ـ يُلاحَظ أن الحلول الإلهي مسألة متوارثة في مجموعة من الناس، فكأن الإله بحلوله في عائلة ما يصبح جزءاً عضوياً يجري في عروقها، وكأن الربانية أصبحت صفة بيولوجية وليست صفة تعبر عن نفسها في أعمال أخلاقية تتبدَّى من خلالها التقوى. والنظم الحلولية نظم عضوية، والإنسان الذي يتمتع بالحلول يتجاوز الخير والشر. وهذه صفات موجودة في النسق السبئي. ولم تذكر المصادر التي توافرت لنا شيئاً عن سلوك السبئيين وما إذا كانوا قد انغمسوا في ممارسات جنسية داعرة تعبر عن الحلول الإلهي العضوي في أجسادهم أو تعبِّر عن سقوط القيم الأخلاقية.
٥ ـ المنظومة الحلولية تتسم بعدم النضج المعرفي، فهي تنحو نحو اختزال الكون في عناصر سببية بسيطة، فالإمام سيملأ الدنيا عدلاً بعد أن امتلأت جوراً، أي أن كل الثغرات ستُسد ويظهر عالم واضح عضوي مصمت، لا ثغرات فيه، عالم متأيقن تماماً، السبب مرتبط تماماً فيه بالنتيجة. أما من الناحية النفسية فالإنسان الحلولي يرفض الحدود ويفضل البقاء في حالة سيولة كونية رحمية (نسبة إلى الرَحم) ، ومن ثم يرفض أن يكبح جماح غرائزه بل يرفض الموت، الحد الأكبر المفروض على الإنسان والنتيجة الطبيعية لإيمان الإنسان بالإله الواحد. ويتبدَّى هذا أيضاً في المنظومة السبئية حيث تُرفَض فكرة الموت بالنسبة لعليّ ﵁ ولمن يرث الروح الإلهية. فكأن النسق الحلولي يعد أتباعه بأنهم سيصيبون الأزلية في الدنيا، أي سيصبحون آلهة. بل يمكن القول بأن تحديد المنظومة السبئية لعليّ ﵁ ، كنقطة للحلول الإلهي، هو بحث عن نقطة فردوسية (غنوصية) طاهرة تماماً لا يوجد فيها أي تركيب أو تناقض، نقطة الوحدة الحقّة للوجود.
стр. 5963
٦ ـ تفترض المنظومة الحلولية تداخل كل الأشياء وترابطها من خلال الحلول الإلهي المستمر. وهذه الرؤية هي التي أدَّت إلى ظهور الإسرائيليات في الإسلام حيث افترض بعض المفسرين وجود استمرار بين التوراة التي بين أيدينا وبين القرآن. وكما أشرنا من قبل، تستند المنظومة السبئية إلى مقدِّمات وردت في التوراة تُستخلَص منها نتائج إسلامية، فكأن ثمة استمراراً بين التوراة والقرآن وبين الإسلام واليهودية.
هذه بعض ملامح المنظومة السبئية الحلولية المتطرفة، وهي منظومة كان لها تابعوها وتأثر بها العديدون. وقد ظهرت هذه المنظومة بأشكال أخرى بين جماعات أخرى لها أسماء أخرى، ومن ثم يكون هذا الانشغال المتطرف بشخصية ابن سبأ انشغالاً شاذاً إلى حدٍّ ما.
ويمكننا الآن أن نسأل: ما مصدر هذه الحلولية؟ وما جذورها التاريخية وربما البيئية؟ وللإجابة عن هذا السؤال، قد نحتاج إلى بحث مكثف. ويمكن أن نذهب هنا إلى أن المنظومة ذات أصول يمنية، ولعل المؤرخين الذين جعلوا عبد الله بن سبأ يمنياً كانوا يشيرون إلى هذا. وفي هذه الحالة، لابد أن ندرس بتعمق أنماط اليهودية التي كانت منتشرة آنذاك في جنوب الجزيرة العربية، ومدى اختلاطها بعناصر وثنية من العبادات العربية المجاورة، وهو أمر متوقع تماماً لسببين: أولهما أن يهودية الجزيرة العربية كانت منعزلة إلى حدٍّ كبير عن المراكز والحلقات التلمودية سواء في فلسطين أو بابل. كما أن الطبيعة الجبلية لليمن تضمن استمرار كثير من العبادات والعادات ذات الطابع البدائي الجيولوجي المتحجر (وهذه طبيعة المناطق الجبلية كما هو الحال في الشام وبلاد شبه جزيرة القوقاز) . ويُلاحَظ أن الفرس قد احتلوا اليمن لبعض الوقت، والفكر الحلولي سمة أساسية في العبادات الفارسية. ولعلنا لو اكتشفنا قوة الطبقة الحلولية داخل اليهودية الموجودة في اليمن لأمكننا إلقاء مزيد من الضوء على الإسرائيليات وعلى تطوُّر اليهودية نفسها.
стр. 5964
والواقع أن التشابه بين المنظومة السبئية والمنظومة الغنوصية تشابه يثير التساؤل ويدعم نظريتنا القائلة بأن الغنوصية ليست مجرد حركة ظهرت في زمان ومكان معينين (الشرق الأدنى في القرن الأول الميلادي) وإنما هي رؤية كامنة في داخل الإنسان وتظهر في كثير من الحضارات وتعبِّر عن فشل الإنسان في تجاوز الوثنية والحواس، كما تعبِّر عن الرغبة في الذوبان في السيولة الكونية الأولية للوصول إلى عالم الواحدية الكونية، حيث لا حدود ولا هوية، ولا أعباء أخلاقية أو نفسية، ولا مسئولية من أي نوع. ولعل هذا الخطاب الغنوصي الكامن هو الذي يفسر التشابه بين حركة مثل السبئية نشأت في القرن السادس الميلادي في الجزيرة العربية وانتشرت في ربوع العالم الإسلامي وحركة مثل البهائية نشأت في إيران في القرن الثامن عشر وانتشرت منها في أنحاء العالم المختلفة.
كعب الأحبار (؟ -٦٤٧ (
Kaab al-Ahbaar
«كعبُ الأحبار» هو أبو إسحق، كعب بن مانع الحمْيري، وأصله من يهود اليمن (حيث كانت اليهودية تنتشر هناك في زمن معاصر للدعوة الإسلامية) ، وقد أدرك الجاهلية وأسلم في فترة الخلافة الراشدة. سُمِّي «كعب الأحبار» من باب التعظيم تقديراً لعلمه بكتب الأنبياء وأخبار الماضين.
ويحتل كعب الأحبار مكانة مهمة بين المفسرين الأوائل بصفته يهودياً. وقد كان يرجع (بعد إسلامه) إلى التوراة والتعاليم الإسرائيلية في دراسته للإسلام، لذلك فإن كثيراً من المصادر الدارسة للتفسير والعلوم الإسلامية تتشكك في مروياته ومقولاته التي جاءت مشَّبعة بالإسرائيليات.
стр. 5965
ويُتهم كعب الأحبار بالإطلاع على مكيدة قتل عمر بن الخطاب، ثاني الخلفاء الراشدين، وصياغته لها في صورة نبوءة إسرائيلية. وترجع بعض الإسرائيليات، وخصوصاً في التفسير وفي مباحث النبوءات وذكر الأنبياء السابقين، إلى محاولة المفكرين الجاهليين الذين أسلمو التوفيق بين الرؤية الدينية التي كانت عندهم والتي كانت تتنبأ ببعثة الرسول ﷺ وبين العقائد الإسلامية الخاصة بهذا الموضوع.
صموئيل بن عباس (١١٢٥-١١٧٥ (
Samuel Ibn Abbas
ويُعرف أيضاً باسم «ابن يحيي المغربي» . مؤلف عربي وعَالم رياضيات وطبيعة وُلد في بغداد وعاش في سوريا والعراق وإيران. حقق ذيوعاً كمؤلف يهودي وعالم طبيعة. وفي عام ١١٦٣، اعتنق الإسلام في أذربيجان وكتب كتيباً بعنوان إفحام اليهود. وفي عام ١١٦٧، أصدر نسخة موسعة من الكتيب وأضاف لها سيرة ذاتية حيث أعلن أن النبي صمويل والرسول محمد ﵊ جاءاه في المناه وأمراه أن يعتنق الإسلام. ولكنه أضاف أن الرؤية لم تكن السبب الوحيد في تحوُّله إلى الإسلام، فالسبب الحقيقي هو مجموعة من المقدمات العقلانية والنتائج المنطقية توصَّل إليها عقل عالم رياضيات، وأن الرؤية لم تكن سوى العنصر الحاسم الذي حدد زمن التحول إلى الإسلام. وقد حقق الكتيب والسيرة ذيوعاً كبيراً واستخدمه المفكرون الإسلاميون في النقاش الدائر بين المسلمين واليهود.
стр. 5966
ويذهب ابن عباس في كتابه إلى أن نسخة العهد القديم التي وصلت إلينا هي تشويه للوحي الأصلي (الذي نزل على موسى ﵇ ، فهي من وضع عزرا الذي كان من الكهان الهارونيين (أتباع هارون) المعادين لبيت داود الملكي. ويبيِّن ابن عباس أن هناك قصصاً كثيرة في العهد القديم تشوه سيرة الأنبياء وتسيء إليهم، وإلى أن ثمة نزعة تشبيهية تنسب إلى الإله صفات إنسانية لا تليق به، كأن يُقال إن الإله يندم على أفعاله. كما بيَّن أن هناك من المقطوعات ما يدل على أن القانون الموسوي قد تم نسخه، ومع ذلك يصر اليهود على التمسك به وتطبيقه. ويُهاجم ابن عباس التلمود والشريعة الشفوية ككل ويعطي تاريخاً مبسطاً لظهور التلمود والصلوات في المعبد اليهودي وتفسيرات قانون الطعام المباح شرعاً. كما يُحدِّد ابن عباس عدة مقطوعات في العهد القديم يرى أنها تُبشر بمقدم الرسول محمد ﵊ . وقد تُرجم كتيبه إلى اللاتينية وإلى عدد من اللغات الأوربية.
الباب الثالث: اليهودية والمسيحية
تنصير اليهودية
Christianization of Judaism
«تنصير اليهودية» مصطلح نحتناه لنصف عملية حدثت للنسق اليهودي وحولته تحويلاً جذرياً، وهي ظاهرة رصدها بشكل جزئي متفرق كثير من دارسي اليهودية من الغربيين ولكنهم لم يعطوها المركزية التفسيرية التي تستحقها. وابتداءً، لابد أن نقرر أن «التنصير» المشار إليه عملية بنيوية مركبة تمت داخل اليهودية بشكل تلقائي طوعي غير واع على مستوى البنية الكامنة وليس من الخارج. ولذا، فهي لا تأخذ شكل اقتراض فكرة هنا أو شعيرة هناك، وإنما تأخذ شكلاً أكثر جذرية. كما أن تنصير اليهودية لا يعني أن اليهودية أصبحت نصرانية، إذ أن اليهودية فقدت كثيراً من سماتها الخاصة واستوعبت بعض السمات البنيوية للمسيحية. ولكن الثمرة النهائية لهذه العملية هو تَشوُّه كلٍّ من اليهودية والسمات المسيحية التي استوعبتها.
стр. 5967
وتعود ظاهرة تنصير اليهودية إلى عدة عناصر:
١ ـ تركيب اليهودية الجيولوجي يساعد كثيراً على تَقبُّله سمات وعناصر من الأنساق الدينية الأخرى.
٢ ـ أصول المسيحية يهودية، فالسيدة مريم العذراء عاشت وماتت يهودية، والسيد المسيح نفسه والحواريون كانوا في بداية الأمر يهوداً يدورون في إطار الثقافة الآرامية السائدة. وقد بدأت المسيحية باعتبارها دعوة موجهة إلى اليهود أساساً، ثم إلى كل الناس بعد ذلك، والمسيحية لم تَجُبّ اليهودية وإنما أكملتها (على حد قول السيد المسيح (.
٣ ـ تَبنَّت المسيحية التوراة (كتاب اليهود المقدَّس) كتاباً مقدَّساً، حتى بعد أن سَمَّته العهد القديم، وأصبح الشعب ضمن أتباع الكنيسة، وأصبحت الكنيسة نفسها تُسمَّى «إسرائيل الحقيقية» (باللاتينية: «إسرائيل فيروس Israel verus» ) ، وأصبحت العودة إلى صهيون والقدس (بالمعنى الروحي) إحدى الركائز الأساسية للتفكير الأخروي المسيحي. وهناك بعض المفاهيم المشتركة بين اليهودية والمسيحية مثل ابن الإله والاختيار.
٤ ـ منذ القرن الرابع عشر، عاشت غالبية يهود العالم في العالم الغربي في تربة مسيحية. ولكن يهود المارانو هم أهم العناصر التي ساعدت على تنصير اليهودية حيث أشاعوا القبَّالاه، وخصوصاً القبَّالاه اللوريانية، التي استوعبت كثيراً من الأفكار المسيحية لدرجة أن أتباع المفكر القبَّالي أبو العافية تنصروا لاكتشافهم الشبه بين نسقه الفكري والمسيحية.
стр. 5968
ويجب ألا ننسى أن كثيراً من المارانو كانوا مسيحيين صادقين في إيمانهم، وفُرضت عليهم اليهودية فَرْضاً بسبب غباء محاكم التفتيش وعنصريتها. ولذا، فإنهم كانوا يفكرون من خلال إطار مسيحي كاثوليكي. وحتى أولئك اليهود المتخفون الذين احتفظوا بيهوديتهم سراً، أصبح إطارهم المفاهيمي كاثوليكياً. فهم، على سبيل المثال، كانوا يؤمنون بالقديسة «سانت إستير» ، بل إن بعض شعائرهم تأثرت بالشعائر المسيحية وتأثرت رؤيتهم للماشيَّح برؤية المسيحيين للمسيح.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل استمر التأثر بالمسيحية بين يهود اليديشية، وقد كانت مراكز اليهودية الحاخامية في المدن الكبرى، أما أغلبية اليهود فكانوا في الشتتلات يعيشون مع الفلاحين السلاف، جنباً إلى جنب، بعيداً عن قبضة المؤسسة الحاخامية، فاصطبغ فكرهم الديني بصبغة فلكلورية سلافية أرثوذكسية.
ولفهم عملية تنصير اليهودية، لابد أن نتناول قضية معالجة كلٌ من المسيحية واليهودية لقضية الحلول الإلهي أو اللوجوس. فاللوجوس في المسيحية، هو ابن الله الذي ينزل ويتجسد لفترة زمنية محددة ويُصلَب ويقوم ويترك التاريخ، ومن ثم، فإن الحلول شخصي مؤقت ومنته. أما اللوجوس في اليهودية، فهو الشعب اليهودي، مركز التاريخ والطبيعة، ولذا فالحلول جماعي ودائم ومتواصل، وتَجسُّد المطلق في التاريخ مسألة دائمة. وهذا الفارق بين الحلين لمشكلة الحلولية (أو لنقطة تلاقي المطلق والنسبي) هو الذي يشكل مفتاحاً لفهم طبيعة تنصير اليهودية.
стр. 5969
ويتبدَّى تداخل عناصر مسيحية والنسق الديني اليهودي في زعم الحاخامات أن المشناه تجسيد للوجوس، تماماً كالمسيح عند المسيحيين. ولعل تفسير راشي للاختيار بأنه سر من الأسرار هو أيضاً تأثر بالمفاهيم المسيحية الخاصة بحادثة الصلب باعتبارها سراً من الأسرار الإلهية التي يؤمن بها الإنسان دون أن يتساءل عنها. لكن مثل هذه الأفكار يمكن أن تُولَد داخل أي نسق ديني إيماني دون تأثر بأنساق دينية أخرى، فتعيين بعض الأفكار التي لا يمكن التساؤل عنها أو عن سببها مسألة أساسية في كل دين (بل في كل العقائد وضمن ذلك العقائد العلمانية) . ولكن يصعب أن نقول الشيء نفسه عن قول الحاخامات إن المشناه هي لوجوس خُلق قبل الخَلق (مع أنها تضم اجتهادات بعض الحاخامات اليهود (.
وإذا كان هناك إبهام ما في حالة اليهودية الحاخامية في بدايات العصور الوسطى، فإن الأمر يختلف تماماً بعد هيمنة القبَّالاه. ويمكننا الآن أن نبيِّن بعض نقط التلاقي بين القبَّالاه وبعض العقائد المسيحية. إن أهم مفاهيم القبَّالاه (التجليات النورانية العشرة) هو صدى لفكرة التثليث المسيحية. وقد قال أحد الحاخامات إنه إذا كان المسيحيون يؤمنون بثلاثة آلهة فالقباليون يؤمنون بعشرة، وإذا كانت المسيحية ترى أن الكنيسة جسد المسيح وأن المسيحي يشكل جزءاً من هذا الجسد فإن القبَّالاه جعلت التجلي العاشر للإله «جماعة يسرائيل» نفسها أو «كنيست يسرائيل» .
وفي هذه التجليات، نجد أن التجلي الثالث هو الأب العلوي أو السماوي (والعلة الذكرية الأولى) . أما التجلي الثاني، فهو الأم العلوية أو السماوية والعلة الأنثوية الأولى، وهما يتزاوجان وينجبان التجلي السادس، وهذا صدى لفكرة ابن الإله وابن الإنسان. والتجلي السادس هو الملك والعريس، وتربطه علاقة بالتجلي العاشر (شخيناه) التعبير الأنثوي عن الإله والملكة والعروس.
стр. 5970
وفي القبَّالاه اللوريانية، نجد أن أبا وأما يكوِّنان النمط الأعلى للزواج المقدَّس. ثم نجد بعد ذلك «زعير أنبين» ، أي «ذا الوجه القصير» و «نقيفاه زعير» ، أي «أنثى زعير» (وهي مقابل التجلي العاشر) .
وفي حادث تهشُّم الأوعية (شفيرات هكليم) ونفي الشخيناه صدى لحادثة الصلب، كما أن إصلاح الخلل الكوني (تيقون) فيه أيضاً صدى لبعث المسيح بعد الصلب. وهناك من يذهب إلى أن الشخيناه هي أم الشعب اليهودي التي تشفع له عند الإله، وأنها الوسيط بين الإله والكون، فهي إذن تشبه العذراء مريم في اللاهوت الكاثوليكي. كما أن الشخيناه هي أيضاً جماعة يسرائيل وجزء من جسد الإله، وهذا يشبه المفهوم المسيحي (الكاثوليكي) للكنيسة.
وقد انتشرت القبَّالاه بأفكارهاالغنوصية شبه المسيحية، وجعلت التربة خصبة للحركات الشبتانية التي كانت في جوهرها حركات حلولية متطرفة كان قادتها يعلنون أن الإله حلَّ فيهم، أو أنهم هم أنفسهم الإله، كما فعل شبتاي تسفي أو جيكوب فرانك اللذان تألها، وجعلا نفسيهما جزءاً من ثالوث إلهي خاص ابتدعاه.
стр. 5971
ويرى بعض الدارسين أن ثمة تأثراً في الفكر الشبتاني بالتراث المسيحي يتبدَّى في مركزية فكرة الماشيَّح الفرد، كما يتبدَّى في فكرة الخلاص الداخلي وفي الحرية الباطنية. ولكن التشابه الأصلي يتبدَّى أساساً في شخصية الماشيَّح. فالمسيح عيسى بن مريم، حسب العقيدة المسيحية، هو تجسد الإله في ابنه الذي يُصلَب، وهي فكرة مبنية على فكرة التناقض (بارادوكسا) وتَقبُّلها، فالإله يصبح بشراً وهذا البشري يُصلَب. والواقع أن ثمة تناقضاً أساسياً في فكرة الماشيَّح عند الشبتانيين، وهو أن الماشيَّح هو ابن الإله البكر الذي ينزل إلى الظلمات والدنس فيرتد عن اليهودية ويعتنق المسيحية أو الإسلام أو يتظاهر بذلك، وارتداده شكل من أشكال الصلب، فكأن الماشيَّح المرتد المدنَّس هو المسيح المصلوب. ولكن ارتداده، مثل الصلب، مسألة غير حقيقية، فالمؤمنون يرون أن هذا هو عالم الظاهر والحس، كل ما فيه زائف، ويظل الباطن (القيام والطهر) هو الحقيقة. والفارق بين الشبتانيين المعتدلين والشبتانيين المتطرفين يتمثل في موقفهم من هذه الفكرة، فالمعتدلون منهم يرون أن عليهم الإيمان حتى يظهر الماشيَّح المرتّد، أما المتطرفون فيرون أن الإيمان لا يكفي وعليهم أن يتشبهوا به وأن يرتدوا هم أيضاً، وبذلك ينزلون إلى عالم الدنس مثل الماشيَّح المرتد المدنَّس. بل يرى بعض الدارسين أن الشبتانية تؤمن بثالوث هو: الإله الخفي (النور غير العاقل) ، وإله جماعة يسرائيل (النور العاقل) والشخيناه (جماعة يسرائيل) أو أيّ تنويع آخر، كما يرون أن هذا التثليث صورة سوقية مشوهة للتثليث عند المسيحيين.
ويظهر الثالوث الشبتاني في ثالوث الفرانكية:
١ ـ الأب الطيب (ويقابل الإين سوف في العقيدة القبَّالية) .
٢ ـ الأخ الأعظم أو الأكبر (ويقابل التفئيريت أو الابن) .
٣ ـ «الأم علماه» أو «العذراء بتولاه» أو «هي» ، وهي خليط من الشخيناه والعذراء مريم.
стр. 5972
والثالوث الفرانكي يضم كثيراً من عناصر الثالوث المسيحي بعد تشويهها تماماً. ويتجلى أثر المسيحية في اليهودية في الحركة الحسيدية التي يعتقد البعض أنها جوهر اليهودية، أو اليهودية الخالصة، بينما هي في واقع الأمر متأثرة تماماً بالمسيحية الأرثوذكسية السلافية، وخصوصاً جماعات المنشقين مثل الدوخوبور (المتصارعين مع الروح) والخليستي (من يضربون أنفسهم بالسياط) . وتُعَدُّ الجماعة الأخيرة أقرب الفرق إلى الحسيدية، فقد كان قادتها يعتقدون أن الروح القدس تحل في قائد الجماعة (تساديك) ، ولذا فهو مسيح قادر على الإتيان بالمعجزات. وكان التساديك يشبه القديس المسيحي في مقدرته على الإتيان بالمعجزات، كما كان نحمان البرتسلافي يستمع إلى اعترافات تابعيه، ويقوم بالإجراءات اللازمة ليحصلوا على المغفرة. وكان بعض التساديك يقبلون من أتباعهم فدية أو خلاص النفس (بالعبرية: فيديون نيفيش) مقابل الخلاص الذي يعطونه لأتباعهم. ولذا، فإن بعض الدارسين يُشبِّهون الفيديون نيفيش بصكوك الغفران. وكل تساديك أصبح مسيحاً، مركزاً للحلول الإلهي، له أرضه المقدَّسة التي لا ينافسه فيها أحد. وقد أخذ هذا الاتحاد شكلاً متطرفاً في حالة نحمان البراتسلافي الذي أعلن أنه الماشيَّح الوحيد (ويبدو أن أتباعه كانوا يعبدونه، ولذا لم يَخلُفه أحد) . بل إن مصطلحاً مثل «الحمل بلا دنس» وهو مصطلح يتضمن مفهوماً مسيحياً بعيداً كل البعد عن روح اليهودية الحاخامية، وجد طريقه إلى الحسيدية من خلال الخليستي. فكان الخليستي يعيشون بعيداً عن زوجاتهم باعتبار أن الإله شاء أن تحمل العذراء فحملت، وكذا الأمر معهم. وهذا ما فعله بعل شيم طوف، فعندما ماتت زوجته وعُرض عليه أن يتزوج من امرأة أخرى احتج ورفض وقال إنه لم يعاشر زوجته قط وأن ابنه هرشل قد وُلد من خلال الكلمة (اللوجوس) . وتظهر الفكرة نفسها في عذراء لادومير، وهي تساديك أنثى امتنعت عن الزواج وكان لها أتباعها، لكنهم
стр. 5973
انفضوا عنها بعد زواجها.
وفي العصر الحديث تأثر مارتن بوبر بالفكر الصوفي المسيحي (البروتستانتي) ومسألة تجسُّد الإله بشكل شخصي للمؤمن. ويظهر تَنصُّر الخطاب الديني اليهودي تماماً في خطاب الفيلسوف الصهيوني البرجماتي هوراس كالن الذي يرى أن اليهود أمة روحية، وأن ذكرياتهم وآمالهم ومخاوفهم وعقائدهم ومواثيقهم تضفي على نضالهم القومي وأعمالهم ووسائلهم قداسة خاصة. ويحوّل هذا البُعد الصوفي المقدَّس «المادة الفظّة» التي تتكون منها حياة اليهود اليومية تحويلاً كاملاً، يوافق ما تفعله العقيدة المسيحية الخاصة بالوجود الحق حين تحوَّل العشاء الرباني في فم المؤمن الحقيقي إلى «جسد المسيح» .
стр. 5974
ويمكن القول بأن هذا هو تنصير اليهودية في مرحلة حلولية شحوب الإله. أما في مرحلة وحدة الوجود وموت الإله (حلولية بدون إله) ، فإن التنصير يأخذ شكلاً مختلفاً. وقد ظهر مؤخراً ما يُسمَّى «لاهوت موت الإله» أو «ما بعد أوشفيتس» الذي يَصدُر عن القول بأن حادثة الإبادة النازية لليهود حدث مطلق يتجاوز الفهم الإنساني، ولذا فعلى المرء تَقبُّله دون تساؤل باعتباره سراً من الأسرار (بارادوكسا) ، من الواضح أن هذا اللاهوت تعبير عن تزايد معدلات العلمنة والإلحاد داخل العقيدة اليهودية. ولكن يمكننا أن نلاحظ أيضاً أنه تعبير عن تنصير النسق الديني اليهودي. فحادثة الصلب في الرؤية المسيحية هي اللحظة التي ينزل فيها الإله إلى الأرض متجسداً في شكل ابنه فيُصلَب فداءً للبشر، وهي حادثة تتجاوز الفهم الإنساني، وعلى الإنسان تَقبُّلها بكل تناقضاتها دون تساؤل وهي التي تعطي مغزى للتاريخ. وسنجد أن ما حَدَث داخل عقل المفكرين الدينيين اليهود أن الابن أصبح الشعب اليهودي المقدَّس الذي جاء إلى هذا العالم فاضطهده الأغيار إلى أن تمت حادثة الصلب على يد النازيين، فنظروا إلى هذه الحادثة التاريخية باعتبارها الواقعة الأساسية في تاريخ اليهود الحديث، بل في تاريخ اليهود بأسره. ويشكل هذا استمراراً للنمط التنصيري القديم نفسه، وقد أخذ نقطة الحلول (نزول الابن وصلبه وقيامه) وقام بتحويلها إلى شيء مستمر عبر التاريخ. وفي هذه الحالة، يكون ظهور الشعب اليهودي في التاريخ هو النزول، وتكون الكوارث التي لحقت به (ابتداءً بالخروج من مصر وانتهاءً بالإبادة) هي الصلب، أما القيام فهو عودة الشعب اليهودي إلى فلسطين وقيام الدولة الصهيونية.
стр. 5975
وإن تحدثنا عن تنصير اليهودية فلابد أيضاً من الحديث عن يهودية الفلاشاه، فهي تحوي عناصر مسيحية كثيرة تجعل من الصعب على بعض الدارسين تسميتها «يهودية» . فالفلاشاه لا يعرفون التلمود أو العبرية ويتعبدون بالجعيزية لغة الكنيسة الإثيوبية المقدَّسة وتضم كتبهم المقدَّسة مقتطفات من العهد الجديد، ولا يوجد عندهم حاخامات وإنما قساوسة ورهبان، وهكذا. ولذا، لا عجب أن مندوب الوكالة اليهودية نصحهم (عام ١٩٧٣) بأن يتنصروا حلاًّ لمشكلتهم. ومع هذا قبلتهم إسرائيل يهوداً في الثمانينيات مع تزايد حاجتها للمادة البشرية، كما قبلت الفلاشاه مورا من بعدهم. يقابل مصطلح «تنصير اليهودية» مصطلح «تهويد المسيحية» .
ابن الإله
Son of God
«ابن الإله» يقابلها «بن إلوهيم» في العبرية، وهي عبارة تشير إلى ما يلي:
١ ـ كل البشر باعتبار أن الإله هو أب لكل الناس (تثنية ٣/٦، أشعياء ٦٤/٧) .
٢ ـ أعضاء جماعة يسرائيل الذين يُشار إليهم في سفر الخروج باعتبارهم «إسرائيل ابني البكر» (٤/٢٢) ، وفي سفر التثنية باعتبارهم «أولاد للرب إلهكم» (١٤/١) ، وفي سفر هوشع باعتبارهم «أبناء الرب الحي» (١/١٠) ، وفي سفر أشعياء (٦٣/١٦) «فإنك أنت أبونا ... أنت يا رب أبونا» .
٣ ـ ملك اليهود (الماشيَّح) الذي يُشار إليه بأنه ابن الإله: "قال لي أنت ابني ... أنا اليوم ولدتك" (مزامير ٢/٧) وكذلك (أخبار أول ١٧/١٣) . ولذا، كان أحد ألقاب شبتاي تسفي «ابن الإله البكر» .
٤ ـ الملائكة (تكوين ٦/٢ وأيوب ١/٦، ٢/١) .
٥ ـ الأتقياء والعادلين (في الترجمة السبعينية فقط) .
٦ ـ الماشيَّح، في الترجوم، وفي بعض كتب الأبوكريفا الخفية، وفي التفسيرات.
٧ ـ يشير فيلون إلى اللوجوس باعتباره ابن الإله.
٨ ـ كان يُشار إلى التوراة باعتبارها ابن الإله.
٩ ـ كان يُشار إلى المشناه باعتبارها «اللوجوس» ، أي «الكلمة» التي هي «ابن الإله» في التراث المسيحي.
стр. 5976
ومع هذا، يجب التنبيه إلى أن هذه الفكرة رغم انتشارها هي مجرد طبقة جيولوجية واحدة تراكمت مع طبقات أخرى عديدة داخل النسق الديني اليهودي، بل إن كثيراً من اليهود، في العصور الوسطى، فقدوا حياتهم بسبب إنكارهم أن المسيح ابن الإله. وقد جاء في كثير من الردود الحاخامية على المسيحيين، رفض لفكرة ابن الرب. ولذا جاء في مدراش (تفسير) كتبه أحد الحاخامات يقول: «الرب يقول: أنا الأول (أشعياء ٤٤/٦) لأنني لا أب لي، وأنا الأخير، لا أخ لي ولا إله غيري، لأنني لا ابن لي» . فالتوحيد واحد من أهم الطبقات الجيولوجية التي تراكمت داخل اليهودية والتي تكتسب مركزية في بعض المداخل وفي كتابات بعض المفكرين اليهود. ولكن العكس صحيح أيضاً، فإذا كانت فكرة «ابن الإله» تعبيراً عن شكل من أشكال الحلول المؤقت الشخصي غير المتكرر في التاريخ (ذلك أن الإله يحل وبشكل مؤقت في الزمان وفي إنسان بعينه فيُصْلَب ويقوم مرة أخرى) فإن الفكر القبَّالي يصل إلى درجة أكثر تطرفاً في الحلول بحيث يصبح الشعب هو الإله ويصل هذا التيار ذروته حين تصبح الدولة الصهيونية ليست ابن الإله، وإنما هي الإله نفسه، العجل الذهبي الجديد.
стр. 5977
وقد جاء في سورة التوبة: «وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله، ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل» (التوبة ـ ٣٠) ، والمعنى هنا أن بعض اليهود هم الذين يؤمنون بأن عزير ابن الله، ونسب ذلك القول إلى اليهود جاء على عادة العرب في إيقاع اسم الجماعة على الواحد، فيُقال فلان يركب الخيول وهو لا يركب إلا واحداً منها، وفلان يجالس السلاطين وهو لا يجالس إلا واحداً. ويقول الشهرستاني صاحب الملل والنحل: إن الصدوقيين هم الذين قالوا ذلك من بين سائر اليهود. ولا ندري مدى صحة ذلك، ولكننا نعرف أن الصدوقيين أنكروا القيامة والبعث وخلود الروح. ويقول المقريزي: إن يهود فلسطين زعموا أن عزير ابن الله، وأنكر أكثر اليهود ذلك.
ومنذ ظهور اليهودية الحاخامية لم يَعُد هناك أثر للإيمان بعقيدة ابن الإله، وإن كان يُشار إلى التوراة باعتبارها «ابنة الإله» ، كما أن المشناه كان يُشار إليها باعتبارها «اللوجوس» ، أي «الكلمة» التي هي «ابن الرب» في التراث المسيحي.
المسيح (عيسى بن مريم (
Jesus
يُشار إلى المسيح (عيسى بن مريم) بكلمة «يشو» العبرية، ويُشار إليه في التلمود بوصفه «ابن العاهرة» ، كما يُشار إلى أنَّ أباه جنديٌّ رومانيٌّ حملت منه مريم العذراء سفاحاً (أما كلمة «ماشيَّح» ، فإنها تشير إلى المسيح المخلِّص اليهودي الذي سوف يأتي في آخر الأيام) . ويشير التلمود إلى أنَّ صلب المسيح تمَّ بناءً على حكم محكمة حاخامية (السنهدرين) بسبب دعوته اليهود إلى الوثنية، وعدم احترامه لسلطة الحاخامات. وكلُّ المصادر الكلاسيكية اليهودية تتحمَّل المسئولية الكاملة عن ذلك، ولا يُذكَر الرومان بتاتاً في تلك المصادر. وظهرت كتب مثل توليدوت يشو (ميلاد المسيح) وهي أكثر سوءاً من التلمود نفسه وتتهم المسيح بأنَّه ساحر.
стр. 5978
واسم المسيح نفسه (يشو) اسم مقيت. ولكن يُفسَّر على أنَّه كلمة مركَّبة من الحروف الأولى لكلمات أخرى (على نظام النوطيرقون) لعبارة معناها «ليفن اسمه ولتفن ذكراه» . وقد أصبحت الكلمة عبارة قدح في العبرية الحديثة، فيُقال «ناصر يشو» ، وهي تساوي «ليفن اسم ناصر، ولتفن ذكراه» وهكذا. ولا تساوي اليهودية الحاخامية المسيحية بالإسلام، فهي تعتبر أن المسيحية شرك ووثنية، ولكنها لا ترى أن الإسلام كذلك.
توليدوت يشُّو
Toledot Yeshu
«توليدوت يشُّو» عبارة عبرية تعني «حياة المسيح» وهي عنوان كتاب كان متداولاً بين أعضاء الجماعات اليهودية في العصور الوسطى في الغرب. ويُقدِّم هذا الكتاب التصور اليهودي لمولد وحياة المسيح. وقد تداخلت عدة عناصر لتكوِّن هذه الصورة من بينها بعض أقسام التلمود (سوطه أو المرأة المشبوهة ـ السنهدرين) وبعض الفتاوى في عصر الفقهاء (جاؤون) ، وبعض العناصر الفلكلورية المنتشرة بين أعضاء الجماعات اليهودية. ويُقدِّم الكتاب أحياناً صورة إيجابية إلى حدٍّ ما للعذراء مريم أم المسيح، فهي من عائلة طيبة وتعود جذورها لبيت داود، أما أبو المسيح فهو رجل شرير قام باغتصابها ثم هرب.
وتُبيِّن القصة أن المسيح شخص يتمتع بذكاء عال ولكنه لا يحترم شيوخ البلد وحكماءها. وهو يتمتع بمقدرات عجائبية لأنه سرق أحد الأسماء السرية للإله من الهيكل، ومع هذا ينجح أحد فقهاء اليهود في إبطال سره، وتوجد تفاصيل أخرى في الكتاب أكثر بشاعة وقبحاً.
стр. 5979
ويهدف الكتاب إلى تفريغ قصة المسيح من أي معنى روحي، كما أنها تحاول تفسير المعجزات التي تدور حول المسيح بطريقة تكشفها وتنزع عنها أيَّ سحر أو جلال أو هالات دينية. وهذا الكتاب يُسبِّب كثيراً من الحرج للجماعات اليهودية حينما تكتشف السلطات أمره. ولذا كان بعض الحاخامات يحرصون على تأكيد أن يسوع المشار إليه في الكتاب ليس المسيح وإنما هو شخص يحمل هذا الاسم عاش قرنين قبل الميلاد. وقد أُعيد طبع كتاب توليدوت يشو على نطاق واسع في إسرائيل.
تهويد المسيحية
Judaization of Christianty
«تهويد المسيحية» اصطلاح يشير إلى عمليات تحول بنيوية بدأت تدخل المسيحية منذ الإصلاح الديني وتبدَّت في المسيحية البروتستانتية. وجوهر التهود انتقال الحلول الإلهي من الكنيسة إلى الشعب.
وقد نتج عن ذلك زيادة الاهتمام بالعهد القديم وانتشار الحركات الصوفية الحلولية بين المسيحيين والقبَّالاه المسيحية. (انظر أيضاً: «البروتستانتية والإصلاح الديني» ) .
التراث اليهودي المسيحي
Judeo-Christian Tradition
«التراث اليهودي المسيحي» مصطلح ازداد شيوعاً في العالم الغربي في الآونة الأخيرة، وهو يعني أن ثمة تراثاً مشتركاً بين اليهودية والمسيحية، وأنهما يكوِّنان كلاًّ واحداً. وهو ادعاء له ما يسانده داخل النسق الديني المسيحي وإن كان لا يعبِّر عن الصورة الكلية إذ أن مصطلح «التراث اليهودي المسيحي» يتجاهل حقائق دينية أساسية:
стр. 5980
١ ـ هناك الاختلافات الأساسية الواضحة مثل الإيمان بالتثليث في المسيحية والإيمان بوحدانية الإله في اليهودية. والشيء نفسه ينطبق على موقف كلتا العقيدتين من تجسيم الإله وتصويره وتشبيهه بالبشر، إذ أن العقيدة المسيحية تقبله (وهنا لابد أن نشير إلى طبيعة اليهودية كتركيب جيولوجي تراكمي) . ولذا، فبرغم تأكيد التوحيد وعدم التشبيه والتجسيم على مستوى من المستويات، فإن ثمة سقوطاً في الحلولية المتطرفة التي تؤدي باليهودية إلى الشرك والتجسيم والتشبيه إلى درجات متطرفة لا تعرفها المسيحية نفسها. كما أن موقف اليهودية والمسيحية من الخطيئة مختلف بشكل جوهري، فالمسيحية تؤمن بأن الإنسان ساقط بسبب الخطيئة الأولى. أما اليهودية، فلا تؤمن بالخطيئة الأولى. ولذا، فإن أداء الشعائر، واتباع الأوامر والنواهي، كافيان لخلاص الإنسان.
٢ ـ وثمة خلافات بين العقيدتين حول فكرة المسيح، فبينما ترى اليهودية المسيح (أي الماشيَّح) باعتباره شخصية سياسية قومية سيقود شعبه إلى صهيون ويعيد بناء الهيكل ويؤسس المملكة اليهودية مرة أخرى، فإن المسيح في المسيحية إله إنسان مهمته خلاص كل البشرية لا الشعب اليهودي وحسب.
стр. 5981
٣ ـ تُعدُّ قضية صلب المسيح قضية أساسية ونقطة خلاف رئيسية. فمن المعروف أن كل أمة أو مجموعة عرْقية أو دينية تدَّعي أنها مدينة بوجودها لشكل من أشكال التضحية والفداء الرمزي، أو الفعلي الذي يكتسب مكانة رمزية ويصبح بمنزلة الركيزة النهائية للنسق ولحظة التأسيس. وحادثة الصلب في المسيحية هي هذه اللحظة، حين نزل ابن الإله إلى الأرض وارتضى لنفسه أن يُصلَب، وكان فعله هذا الفداء الأكبر. ولحظة الصلب هذه ليست لحظة زمنية، رغم حدوثها في الزمان، ولا ترتبط بفترة تاريخية معينة رغم وقوعها في التاريخ، فهي كونية، وفي احتفالات الجمعة الحزينة يحاول المسيحي المؤمن أن يستعيد ألم المسيح، هذه الواقعة الكونية التي لا يمكن أن تنافس واقعة أخرى. واليهود عنصر أساسي في حادثة الصلب، فحاخاماتهم هم الذين حاكموا المسيح وهم الذين أصروا على صلبه، فهم قتلة الرب، الذين يقتلونه دائماً، بإنكارهم إياه.
ورغم المحاولات العديدة، المسيحية واليهودية، لتغيير هذه البنية الرمزية للوجدان المسيحي، فإن مثل هذه المحاولات لا تُكلَّل بالنجاح نظراً لأن المجال الرمزي مجال إستراتيجي يتسم بقدر من الثبات. ولذا فكثيراً ما تنشب الصراعات فجأة وبلا مقدمات حين يقوم بعض المسيحيين بتمثيل بعض المسرحيات الدينية التي تبرز الرموز المسيحية وتسقط على اليهودي دور قاتل الرب. وقد نشب صراع حول أوشفيتس كان في جوهره صراعاً حول الرموز ومعناها. فحادثة الإبادة، أصبحت في الوجدان اليهودي لا تختلف عن حادثة الصلب في الوجدان المسيحي. ولذا حين أقامت بعض الراهبات الكرمليات ديراً في هذا المعتقل لإقامة الصلاة على الضحايا من أي عرْق أو دين أو جنسية اعترض ممثلو أعضاء الجماعات اليهودية، لأن هذا يعني فرض لحظة الصلب المسيحية، على لحظة الصلب اليهودية!
стр. 5982
٤ ـ ثمة رأي داخل المسيحية يقول بأن العهد الجديد لم ينسخ العهد القديم، ولكنه مع هذا حل محله وتجاوزه. ومع أن الكنيسة لم تستبعد العهد القديم (وقد كان مارسيون وبعض الغنوصيين يجاهرون بأن إله العهد القديم إله غيور، على حين أن إله العهد الجديد إله رحيم) ، فإن الإيمان المسيحي يستند إلى أن الشريعة (أو القانون) قد تحققت من خلال المسيح وتم تجاوزها، وأن الرحمة الإلهية والإيمان بالمسيح وسيلة للخلاص حلت محل الشريعة والأوامر والنواهي، ومن ثم كان رفض الشعائر الخاصة بالطعام والختان التي تَمسَّك بها اليهود. وقد ذهب المسيحيون إلى أن اليهودية دين الظاهر والتفسير الحرفي دون إدراك المعنى الداخلي أو الباطن، وأن الكنيسة هي يسرائيل فيروس، أي يسرائيل الحقيقية، وأنها يسرائيل الروحية (حسب الروح) ، أما اليهود فهم يسرائيل الزائفة الجسدية التي لا تدرك مغزى رسالتها. وبالتالي، فَقَد اليهود دورهم، وأصبحت اليهودية ديانة متدنية بالنسبة إلى المسيحيين، ووصف اليهود بأنه شعب يحمل كتباً ذكية ولكنه لا يفقه معنى ما يحمل.
٥ ـ لكل هذا، أعادت الكنيسة تفسير العهد القديم بحيث اكتسب مدلولاً جديداً مختلفاً تماماً عن مدلوله عند اليهود الذين استمروا في شرحه وتفسيره على طريقتهم، وفهمه فهماً حرفياً وحلولياً وقومياً. ومن ثم اختلف النسق الديني اليهودي عن النسق الديني المسيحي. ومن أهم أشكال الاختلاف أن المسيحية أصبحت ديناً عالمياً، باب الهداية فيه مفتوح للجميع (وهذا أمر متوقع بعد أن خففت المسيحية من حدة وتطرف الحلولية اليهودية بحصرها الحلول الإلهي في المسيح واعتبار الكنيسة جسد المسيح) ، على عكس اليهودية التي ظلت ديناً حلولياً مغلقاً مقصوراً على شعب أو عرْق بعينه يظل وحده موضع الحلول الإلهي. ثم تَعمَّق الاختلاف بحيث أصبحت للمسيحيين رؤية مختلفة تماماً عن رؤية اليهودية.
стр. 5983
٦ ـ وقد تبدَّى كل هذا في شكل صراع تاريخي حقيقي، فقد رفض اليهود المسيح (عيسى بن مريم) ولا يزالون يرفضونه. ويلوم الآباء المسيحيون الأوائل اليهود باعتبارهم مسئولين عما حاق بالمسيحيين الأولين من اضطهاد، وأنهم هم الذين كانوا يهيجون الرومان ضد المسيحيين ويلعنون المسيحيين في المعابد اليهودية، وأنهم هم المسئولون في نهاية الأمر عن صلب المسيح. وهم يرون أن هدم الهيكل وتشتيتهم هو العقاب الإلهي الذي حاق بهم على ما اقترفوه من ذنوب (وتشكِّل معاداة اليهود، باعتبارهم قتلة الرب، جزءاً أساسياً وجوهرياً من التراث الفني الديني المسيحي من موسيقى ورسم ومسرحيات) .
وقد استمر الصراع إلى أن تغلبت المسيحية في نهاية الأمر على اليهودية، وانتشرت بين جماهير الإمبراطورية الرومانية. واستمر من تَبقَّى من اليهود في الإيمان باليهودية ويعبِّرون عن رأيهم، في كتب مثل التلمود والقبَّالاه، يتحدثون عن المسيح والمسيحيين بنبرة سلبية وعنصرية للغاية.
وقد تَحدَّد موقف الكنيسة من اليهود في مفهوم الشعب الشاهد، وهو أن اليهود هم الشعب الذي أنكر المسيح الذي أرسل إليهم، وهم لهذا قد تشتتوا عقاباً لهم على ما اقترفوه من ذنوب. ولكن رفض اليهود للمسيح سر من الأسرار. فاليهود في ضعفهم وذلتهم وتشرُّدهم يقفون شاهداً على عظمة الكنيسة، أي أن اليهود بعنادهم تحولوا إلى أداة لنشر المسيحية.
стр. 5984
ومن ثم، يمكننا أن نقول إن العلاقة بين اليهودية والمسيحية علاقة عدائية متوترة إلى أقصى حد، ولكن مصطلح «التراث اليهودي المسيحي» يزداد مع هذا شيوعاً، وخصوصاً في الأوساط البروتستانتية واليهودية الإصلاحية وأحياناً المحافظة، أما اليهود الأرثوذكس فيرفضونه. وقد يكون قبول المصطلح من هذه الفرق تعبيراً عن عودة الحلولية داخل هذه الأنساق الدينية. ويمكن العودة إلى مداخل «القبَّالاه» حيث نبيِّن أنه بهيمنة القبَّالاه على اليهودية استولى عليها نسق حلولي كموني، عبَّر عن نفسه في بداية الأمر في هيئة انفجارات مشيحانية (شبتاي تسفي) وفلسفات علمانية حلولية (إسبينوزا) ثم فلسفات حلولية ربوبية (موسى مندلسون) وأخيراً على هيئة «اليهودية الإصلاحية» و «اليهودية المحافظة» و «اليهودية التجديدية» (انظر أيضاً: «الحلولية والتوحيد والعلمنة: حالة اليهودية [أطروحة ماكس فيبر وبيتر برجر] » ) . وبإمكان القارئ أن يعود إلى مدخل «البروتستانتية (القرن السادس عشر والسابع عشر) » ومدخل «عصر النهضة (القرن السادس عشر والسابع عشر) » حيث نبيِّن تصاعد الحلولية داخل النسق الديني المسيحي. فبدلاً من المفهوم الكاثوليكي للحلول (حلول مؤقت في شخص واحد ومنته ترثه الكنيسة كمؤسسة) تظهر فكرة الحلول البروتستانتية حيث ينتقل الحلول من مؤسسة الكنيسة إلى الشعب أو الفرد أو الجميع وهو حلول دائم، وهو في تصوُّرنا شكل من أشكال تهويد المسيحية. وفي الواقع فإن تزايد قبول المصطلح يعبِّر أيضاً عن تزايد علمنة الدين في الغرب (وثمة ترابط بين تزايد معدلات الحلولية ومعدلات العلمنة) بحيث يمكن الوصول إلى صيغ توفيقية تُفقد العقائد كثيراً من أبعادها وخصوصيتها، وهذا هو جوهر التسامح العلماني: أن يتخلى الجميع عن هويتهم ويلتقوا على مستوى علماني ويتوحدوا في هوية علمانية واحدة. وقد وصف أحد الباحثين التراث اليهودي المسيحي بأنه تعبير جديد عن الاتجاهات الربوبية في المجتمع
стр. 5985
الغربي التي تؤكد العناصر الأخلاقية المشتركة بين البشر وبعض افتراضاتهم الأخلاقية دون الإيمان بإله شخصي يرسل بالوحي (مع إسقاط أهمية الشعائر بسبب خصوصيتها) . ولعل عملية العلمنة هذه هي نفسها ما يُطلَق عليه «عملية التهويد» (وقد استخدم ماركس كلمة «تهويد» بهذا المعنى حين تَحدَّث عن انتشار الرأسمالية في المجتمع باعتباره عملية «تهويد» ، فجعل كلمة «اليهودية» مرادفة لكلمة «الرأسمالية «) .
وفي الوقت الحاضر تختلف المواقف المسيحية من الصهيونية وإسرائيل وتتباين، وإن كانت كلها تميل الآن نحو قبول الدولة الصهيونية والاعتراف بها. وتوجد نزعة صهيونية /معادية لليهود تسري في عقائد بعض الكنائس البروتستانتية المتطرفة (انظر: «شهود يهوه» ـ «المورمون» ـ «فرسان الهيكل» ) . وحتى عام ١٩٦٤ كانت الكنيسة الكاثوليكية تؤكد أن اليهود هم المسئولون عن دم عيسى. وكانت المؤسسة الصهيونية بدورها تتهم الفاتيكان بأنه وقف متفرجاً على مذابح اليهود وإبادتهم على أيدي هتلر. وبالتدريج اختلف موقف الفاتيكان حتى اعترفت بالدولة الصهيونية في ديسمبر ١٩٩٤، ومع هذا يؤكد المتحدثون باسم الفاتيكان بأن الاعتراف بالدولة الصهيونية لا علاقة له بالعقائد المسيحية.
الارتداد (خصوصاً التنصر (
(Apostasy (especially Conversion to Christianty
«الارتداد» بالعبرية «مينوت» من كلمة «مين» التي تعني «كُفْر» و «زندقة» مصطلح يطلقه أتباع أي دين على من يترك هذا الدين. ولا يتحدث العهد القديم قط عن أشخاص ارتدُّوا عن اليهودية (عبادة يسرائيل) ، وإنما يتحدث عن سقوط الشعب، أو قطاعات كبيرة منه، في الوثنية (حادثة العجل الذهبي والحوادث الأخرى المشابهة في تاريخ الملوك العبرانيين) . وقد كان معظم جهد الأنبياء موجهاً للحرب ضد هذا الابتعاد عن التوحيد، أي السقوط في الشرك والوثنية والارتداد عن عبادة يهوه.
стр. 5986
ويُلاحَظ أن «الارتداد» هنا كان يحمل أحياناً معنى الخيانة القومية باعتبار أن كل إله كان مقصوراً على شعب واحد بعينه ويحل فيه. ولم يُطبَّق مصطلح «الارتداد» في اليهودية إلا ابتداءً من العصر الهيليني، فقبل ذلك الوقت لم تكن اليهودية قد تحددت معالمها تماماً، ولم يكن الكتاب المقدَّس قد تم تدوينه بأكمله. ومع هذا، يجب أن نشير إلى عدة سمات في اليهودية تجعل لفظ «مرتد» دالاً غير مستقر الدلالة عبر تاريخها الطويل يجعل استخدامه صعباً:
١ ـ اليهودية، كنسق ديني، له طابع جيولوجي تراكمي تتعايش داخله طبقات متباينة. وقد كان الصدوقيون ينكرون البعث حتى آخر العصر الهيليني، وهم القيادة الكهنوتية. وقد ظلت الأفكار اليهودية الأخروية غير مستقرة بصورة غير محدَّدة.
٢ ـ لم تُحدِّد اليهودية العقائد الأساسية الملزمة لليهودي، ولم تضع أصولاً للدين. ولعل أول محاولة جادة هي محاولة موسى بن ميمون في القرن الحادي عشر، وهي محاولة تقبَّلتها اليهودية وحوَّلتها إلى طبقة جيولوجية أخرى تراكمت على ما قبلها من طبقات، دون أن تلغي ما قبلها ودون أن تمنع تكوُّن طبقات أخرى بعدها.
٣- عرَّفت الشريعة اليهودية اليهودي بأنه «من وُلد لأم يهودية» ، وإن ارتد اليهودي عن دينه فإنه يظل يهودياً.
стр. 5987
لذا، ظل اصطلاح «مرتد» غير مستقر. ومع هذا، يُلاحَظ أن المصطلح بدأ يتواتر ابتداءً من العصر الهيليني. ولكنه ظل ذا بُعْد إثني، بمعنى أن المرتد ليس من ترك دينه وإنما من ترك قومه. وهذا أمر مفهوم في الإطار الحلولي، حيث يحل الإله في الشعب تماماً، ويصبح الشعب موضع القداسة ومصدر المطلقية. ولذا، فإننا نجد إشارة إلى اليهود المتأغرقين في أيام أنطيوخوس الرابع (القرن الثاني قبل الميلاد) باعتبارهم «مرتدين» حرضوا على اضطهاد السلوقيين لليهود. وفي الواقع، فإن العبارة تحمل معنى الارتداد عن الدين وتحمل في الوقت نفسه معنى الخيانة القومية (ولعل استخدام لفظ «يورديم» العبري بمعنى «المرتدين» للإشارة للإسرائيليين الذين يهاجرون من أرض الميعاد هو بعث لهذا المعنى) . ومن المعروف أن التمرد الحشموني بدأ حين قام الكاهن ماثياس بذبح «المرتد» . وثمة إشارة أخرى إلى مريم (من بيت بيلجا) التي ارتدت وتزوجت أحد موظفي القصر الملكي، وحينما دخل السلوقيون الهيكل دخلت معهم وخربت المذبح بيدها «لأن الإله هجر شعبه» . ومن الواضح أن موقف مريم من الإله موقف عملي وثني. ومن أشهر المرتدين تايبريوس يوليوس ألكسندر أحد قادة جيش تيتوس حين قام بحصار القدس وهدم الهيكل الثاني. ومن أهم المرتدين العَالم الديني أليشاه بن أبوياه، الذي أصبح، فيما بعد (في كتابات ليلينبلوم وغيره من دعاة التنوير) .
ومع ظهور كلٌّ من المسيحية والإسلام، اختلف الوضع تماماً، إذ لم تَعُد اليهودية ديانة توحيدية في محيط وثني بل أصبحت ديانة توحيدية في محيط توحيدي يرى الخالق باعتباره القوة الكامنة وراء الطبيعة والتاريخ المتجاوزة لهما.
стр. 5988
وقد أسلم عدد من يهود الجزيرة العربية، مثل: عبد الله بن سلام، وعبد الله بن سبأ، وكعب الأحبار. ويبدو أن أعداداً كبيرة من اليهود، وخصوصاً في العراق، اعتنقت الإسلام، ويُقال إن كثيراً من الإسرائيليات دخلت الإسلام من خلالهم. وقد حكم علاقة الإسلام باليهود مفهوم أهل الذمة الذي لا يُحرِّم الدعوة إلى الإسلام بينهم، وإن كان يحرم فرض الإسلام عليهم عنوة. وتجب ملاحظة أن انتقال اليهودي من اليهودية إلى الإسلام لم يكن يشكل صعوبة بالغة في الماضي، لأن العنصر التوحيدي في اليهودية كان لا يزال قوياً، ولذلك فإن الرموز الإسلامية لم تكن غريبة عليه، على عكس الرموز المسيحية (الصليب والتثليث) ، وخصوصاً أن لحم الخنزير، رمز الدنس عند اليهود، مُحرَّم في الإسلام. ولا يساوي الشرع اليهودي بين اليهودي الذي يعتنق الإسلام واليهودي الذي يعتنق المسيحية، إذ يضع الأول في منزلة أعلى باعتبار أنه لم يشرك، أما المسيحية فقد وصفها بأنها شكل من أشكال الشرك. ورغم عدم وجود إحصاءات أو دراسات في الموضوع، فإننا نميل إلى القول بأن عدم تزايد عدد يهود العالم الإسلامي يعود إلى أن الكثيرين منهم اعتنقوا الإسلام. كما نعتقد أن الحركة القرّائية لعبت دوراً أساسياً في هذا الاتجاه، إذ صبغت اليهودية ببعض السمات الإسلامية إلى حدٍّ ما، وهو اتجاه تَعمَّق على المستوى الفكري في كتابات موسى بن ميمون حين طرح أصول اليهودية بشكل يجعلها لا تختلف، في كثير من أساسياتها، عن أصول الدين الإسلامي. وقد حاول ابنه من بعده (في القاهرة) أن يصبغ الشعائر اليهودية بالصبغة الإسلامية وأن يُقرِّبها من الشعائر الإسلامية. وفي تاريخ المسلمين، هناك حالات فُرض فيها الإسلام على اليهود عنوة. ولكن تيار التحول إلى الإسلام تراجَع ولا شك مع تراجُع الدولة الإسلامية نفسها ومع انتقال مركز اليهودية إلى أوربا المسيحية.
стр. 5989
أما علاقة اليهودية بالمسيحية، فهي علاقة متوترة للغاية، وثمة عناصر مشتركة كثيرة بين الديانتين أشرنا إليها في مدخل «تنصير اليهودية» . وقد ظهرت المسيحية في وقت كانت فيه أعداد كبيرة من اليهود قد تأغرقت وبعُدت عن المركز الديني في القدس بهيكلها، كما أن اليهود المتأغرقين كانوا يعرفون الترجمة السبعينية التي تبنتها الكنيسة ككتاب مقدَّس. وقد أشارت الترجمة السبعينية إلى يهوه باعتباره رب العالمين، أي أنها ترجمة ابتعدت عن الإطار الحلولي. وكان التفكير الديني اليهودي قد بدأ يتخلص من كثير من حدوده الضيقة على يد فيلون الذي كان قد طوَّر مفهوم اللوجوس (الذي تبنته المسيحية فيما بعد وأصبح جزءاً من ثالوثها) .
стр. 5990
ويبدو أن الحُمَّى المشيحانية آنذاك كانت قد تصاعدت بين اليهود في فلسطين، وهي الحُمَّى التي اندلعت على هيئة التمرد اليهودي الأول ضد روما وانتهى بتحطيم الهيكل عام ٧٠ ميلادية فكان بمثابة ضربة قاضية لليهودية. ولكل هذه الأسباب، تنصَّر كثير من اليهود. لكن هذه الجماعات كانت جماعات مسيحية يهودية أو يهودية مسيحية، بمعنى أنها كانت جماعات من اليهود تؤمن بالمسيح عيسى بن مريم، مثل الأبيونيين، كما كانت ترى أن المسيح نبي وليس الكريستوس أو الماشيَّح. وكان بعضهم يرى أنه الماشيَّح، ولكنهم رفضوا الاعتراف بألوهيته وبنوته للرب كما أنكروا مفهوم التثليث وأن الشريعة اليهودية قد تم نسخها. وقد ظلت هذه الفرق قائمة إلى أن انفصلت تماماً عن اليهودية، وخصوصاً بعد أن أدخل الحاخامات في الثمانية عشر دعاء (شمونة عسريه - وهي أهم أجزاء الصلاة اليهودية) الدعاء الثاني عشر الذي يشير إلى المينيم (الكفرة) ويلعنهم. وكان الهدف من إدخال هذا الدعاء منع المسيحيين اليهود من المشاركة في الصلاة. والواقع أنه لا يمكن تفسير نقصان عدد اليهود في العالم من سبعة ملايين في القرن الأول الميلادي إلى أقل من مليون في بداية العصور الوسطى (في الغرب) إلا بتنصر أعداد هائلة منهم.
следующие страницы →