← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 5986–6025 · переход к 5991.

стр. 5986

ويُلاحَظ أن «الارتداد» هنا كان يحمل أحياناً معنى الخيانة القومية باعتبار أن كل إله كان مقصوراً على شعب واحد بعينه ويحل فيه. ولم يُطبَّق مصطلح «الارتداد» في اليهودية إلا ابتداءً من العصر الهيليني، فقبل ذلك الوقت لم تكن اليهودية قد تحددت معالمها تماماً، ولم يكن الكتاب المقدَّس قد تم تدوينه بأكمله. ومع هذا، يجب أن نشير إلى عدة سمات في اليهودية تجعل لفظ «مرتد» دالاً غير مستقر الدلالة عبر تاريخها الطويل يجعل استخدامه صعباً: ١ ـ اليهودية، كنسق ديني، له طابع جيولوجي تراكمي تتعايش داخله طبقات متباينة. وقد كان الصدوقيون ينكرون البعث حتى آخر العصر الهيليني، وهم القيادة الكهنوتية. وقد ظلت الأفكار اليهودية الأخروية غير مستقرة بصورة غير محدَّدة. ٢ ـ لم تُحدِّد اليهودية العقائد الأساسية الملزمة لليهودي، ولم تضع أصولاً للدين. ولعل أول محاولة جادة هي محاولة موسى بن ميمون في القرن الحادي عشر، وهي محاولة تقبَّلتها اليهودية وحوَّلتها إلى طبقة جيولوجية أخرى تراكمت على ما قبلها من طبقات، دون أن تلغي ما قبلها ودون أن تمنع تكوُّن طبقات أخرى بعدها. ٣- عرَّفت الشريعة اليهودية اليهودي بأنه «من وُلد لأم يهودية» ، وإن ارتد اليهودي عن دينه فإنه يظل يهودياً.

стр. 5987

لذا، ظل اصطلاح «مرتد» غير مستقر. ومع هذا، يُلاحَظ أن المصطلح بدأ يتواتر ابتداءً من العصر الهيليني. ولكنه ظل ذا بُعْد إثني، بمعنى أن المرتد ليس من ترك دينه وإنما من ترك قومه. وهذا أمر مفهوم في الإطار الحلولي، حيث يحل الإله في الشعب تماماً، ويصبح الشعب موضع القداسة ومصدر المطلقية. ولذا، فإننا نجد إشارة إلى اليهود المتأغرقين في أيام أنطيوخوس الرابع (القرن الثاني قبل الميلاد) باعتبارهم «مرتدين» حرضوا على اضطهاد السلوقيين لليهود. وفي الواقع، فإن العبارة تحمل معنى الارتداد عن الدين وتحمل في الوقت نفسه معنى الخيانة القومية (ولعل استخدام لفظ «يورديم» العبري بمعنى «المرتدين» للإشارة للإسرائيليين الذين يهاجرون من أرض الميعاد هو بعث لهذا المعنى) . ومن المعروف أن التمرد الحشموني بدأ حين قام الكاهن ماثياس بذبح «المرتد» . وثمة إشارة أخرى إلى مريم (من بيت بيلجا) التي ارتدت وتزوجت أحد موظفي القصر الملكي، وحينما دخل السلوقيون الهيكل دخلت معهم وخربت المذبح بيدها «لأن الإله هجر شعبه» . ومن الواضح أن موقف مريم من الإله موقف عملي وثني. ومن أشهر المرتدين تايبريوس يوليوس ألكسندر أحد قادة جيش تيتوس حين قام بحصار القدس وهدم الهيكل الثاني. ومن أهم المرتدين العَالم الديني أليشاه بن أبوياه، الذي أصبح، فيما بعد (في كتابات ليلينبلوم وغيره من دعاة التنوير) . ومع ظهور كلٌّ من المسيحية والإسلام، اختلف الوضع تماماً، إذ لم تَعُد اليهودية ديانة توحيدية في محيط وثني بل أصبحت ديانة توحيدية في محيط توحيدي يرى الخالق باعتباره القوة الكامنة وراء الطبيعة والتاريخ المتجاوزة لهما.

стр. 5988

وقد أسلم عدد من يهود الجزيرة العربية، مثل: عبد الله بن سلام، وعبد الله بن سبأ، وكعب الأحبار. ويبدو أن أعداداً كبيرة من اليهود، وخصوصاً في العراق، اعتنقت الإسلام، ويُقال إن كثيراً من الإسرائيليات دخلت الإسلام من خلالهم. وقد حكم علاقة الإسلام باليهود مفهوم أهل الذمة الذي لا يُحرِّم الدعوة إلى الإسلام بينهم، وإن كان يحرم فرض الإسلام عليهم عنوة. وتجب ملاحظة أن انتقال اليهودي من اليهودية إلى الإسلام لم يكن يشكل صعوبة بالغة في الماضي، لأن العنصر التوحيدي في اليهودية كان لا يزال قوياً، ولذلك فإن الرموز الإسلامية لم تكن غريبة عليه، على عكس الرموز المسيحية (الصليب والتثليث) ، وخصوصاً أن لحم الخنزير، رمز الدنس عند اليهود، مُحرَّم في الإسلام. ولا يساوي الشرع اليهودي بين اليهودي الذي يعتنق الإسلام واليهودي الذي يعتنق المسيحية، إذ يضع الأول في منزلة أعلى باعتبار أنه لم يشرك، أما المسيحية فقد وصفها بأنها شكل من أشكال الشرك. ورغم عدم وجود إحصاءات أو دراسات في الموضوع، فإننا نميل إلى القول بأن عدم تزايد عدد يهود العالم الإسلامي يعود إلى أن الكثيرين منهم اعتنقوا الإسلام. كما نعتقد أن الحركة القرّائية لعبت دوراً أساسياً في هذا الاتجاه، إذ صبغت اليهودية ببعض السمات الإسلامية إلى حدٍّ ما، وهو اتجاه تَعمَّق على المستوى الفكري في كتابات موسى بن ميمون حين طرح أصول اليهودية بشكل يجعلها لا تختلف، في كثير من أساسياتها، عن أصول الدين الإسلامي. وقد حاول ابنه من بعده (في القاهرة) أن يصبغ الشعائر اليهودية بالصبغة الإسلامية وأن يُقرِّبها من الشعائر الإسلامية. وفي تاريخ المسلمين، هناك حالات فُرض فيها الإسلام على اليهود عنوة. ولكن تيار التحول إلى الإسلام تراجَع ولا شك مع تراجُع الدولة الإسلامية نفسها ومع انتقال مركز اليهودية إلى أوربا المسيحية.

стр. 5989

أما علاقة اليهودية بالمسيحية، فهي علاقة متوترة للغاية، وثمة عناصر مشتركة كثيرة بين الديانتين أشرنا إليها في مدخل «تنصير اليهودية» . وقد ظهرت المسيحية في وقت كانت فيه أعداد كبيرة من اليهود قد تأغرقت وبعُدت عن المركز الديني في القدس بهيكلها، كما أن اليهود المتأغرقين كانوا يعرفون الترجمة السبعينية التي تبنتها الكنيسة ككتاب مقدَّس. وقد أشارت الترجمة السبعينية إلى يهوه باعتباره رب العالمين، أي أنها ترجمة ابتعدت عن الإطار الحلولي. وكان التفكير الديني اليهودي قد بدأ يتخلص من كثير من حدوده الضيقة على يد فيلون الذي كان قد طوَّر مفهوم اللوجوس (الذي تبنته المسيحية فيما بعد وأصبح جزءاً من ثالوثها) .

стр. 5990

ويبدو أن الحُمَّى المشيحانية آنذاك كانت قد تصاعدت بين اليهود في فلسطين، وهي الحُمَّى التي اندلعت على هيئة التمرد اليهودي الأول ضد روما وانتهى بتحطيم الهيكل عام ٧٠ ميلادية فكان بمثابة ضربة قاضية لليهودية. ولكل هذه الأسباب، تنصَّر كثير من اليهود. لكن هذه الجماعات كانت جماعات مسيحية يهودية أو يهودية مسيحية، بمعنى أنها كانت جماعات من اليهود تؤمن بالمسيح عيسى بن مريم، مثل الأبيونيين، كما كانت ترى أن المسيح نبي وليس الكريستوس أو الماشيَّح. وكان بعضهم يرى أنه الماشيَّح، ولكنهم رفضوا الاعتراف بألوهيته وبنوته للرب كما أنكروا مفهوم التثليث وأن الشريعة اليهودية قد تم نسخها. وقد ظلت هذه الفرق قائمة إلى أن انفصلت تماماً عن اليهودية، وخصوصاً بعد أن أدخل الحاخامات في الثمانية عشر دعاء (شمونة عسريه - وهي أهم أجزاء الصلاة اليهودية) الدعاء الثاني عشر الذي يشير إلى المينيم (الكفرة) ويلعنهم. وكان الهدف من إدخال هذا الدعاء منع المسيحيين اليهود من المشاركة في الصلاة. والواقع أنه لا يمكن تفسير نقصان عدد اليهود في العالم من سبعة ملايين في القرن الأول الميلادي إلى أقل من مليون في بداية العصور الوسطى (في الغرب) إلا بتنصر أعداد هائلة منهم.

стр. 5991

وقد بلورت الكنيسة موقفها في مفهوم الشعب الشاهد الذي يقرر أن التنصر لابد أن يتم بكامل حرية اليهودي. ولذا، فحينما كانت تحدث مذابح تؤدي إلى تنصر بعض اليهود، فإن السلطات كانت تسمح لهم بالعودة إلى دينهم. ومع هذا، كانت هناك أعداد كبيرة من اليهود تتنصر مع بدايات العصور الوسطى لأسباب عدة: روحية (مثل الإعجاب بالمسيحية) ، ومادية (مثل الرغبة في الثروة أو الحراك الاجتماعي أو الخوف من السلطة) . ولا توجد إحصاءات عن عدد المتنصرين، ولكن يبدو أن أعداد المتنصرين في إسبانيا المسيحية كانت عالية للغاية، خصوصاً بين أعضاء النخبة. والواقع أن يهود إسبانيا تنصروا بكامل حريتهم، نظراً لأنهم كانوا مندمجين أصلاً في المحيط الحضاري الإسباني الكاثوليكي، ونظراً لتآكل اليهودية بين أعضاء النخبة. بل ذهب بعض الحاخامات إلى القول بأن طرد اليهود من إسبانيا هو عقاب لهم على تَرْكهم للدين وعلى ارتداد نخبتهم. وقد ظهرت العقيدة الاسترجاعية في عصر النهضة والإصلاح الديني. وهي عقيدة تذهب إلى أن الخلاص لن يتم إلا بجمع شمل اليهود في فلسطين بعودتهم إليها، ثم تنصيرهم. وأصبحت العودة والتنصير من علامات الساعة. وهذا يفسر إبهام الموقف البروتستانتي من اليهود حيث ينحو منحى صهيونياً ويتخذ موقفاً معادياً لليهود في آن واحد. وقد قام يهود المارانو بدور حاسم في عملية تنصير اليهودية، فقد أشاعوا القبَّالاه (وخصوصاً القبَّالاه اللوريانية) المتأثرة بالمسيحية لدرجة أن أتباع أبي العافية تنصروا لاكتشافهم الشبه بين نسقه الفكري والمسيحية، كما أن كثيراً منهم كانوا مسيحيين صادقين في إيمانهم، وفُرضت عليهم اليهودية فرضاً بسبب غباء محاكم التفتيش وعنصريتها. ولذا، فإنهم كانوا يفكرون من خلال إطار مسيحي كاثوليكي. وحتى أولئك اليهود المتخفون الذين احتفظوا بيهوديتهم سراً، أصبح إطارهم المفاهيمي كاثوليكياً. فهم، على سبيل المثال، كانوا يؤمنون بالقديسة «سانت إستير» ، بل

стр. 5992

إن بعض شعائرهم تأثرت بالشعائر المسيحية. وقد تأثر كثير من يهود اليديشية بالجو المسيحي السلافي الصوفي حولهم، وبخاصة هؤلاء الذين كانوا يعيشون بعيداً عن مراكز الدراسات التلمودية في المدن الكبرى. وكان كثير من المرتدين عن اليهودية يتحولون إلى أعداء شرسين لدينهم ولبني جلدتهم، فكانوا يحرضون الكنيسة عليهم ويكشفون لهم مواطن التعصب في العقيدة اليهودية التي يحرص اليهود على إخفائها. هكذا كان وضع اليهودية حتى ظهرت الحركات الشبتانية، وأهمها من منظور هذا المدخل الحركة الفرانكية التي كان لها ثالوثها الواضح وإيمانها بالتجسد. وقد انتهى الأمر بأعضاء هذه الحركة إلى أن تنصروا بشكل جماعي ودخلوا الكنيسة الكاثوليكية.

стр. 5993

ومع ظهور حركة الاستنارة والتنوير، تغيَّر الموقف في أوربا، فلم يَعُد هناك ضغط مباشر على اليهود ليتنصروا، ولكن ظهر نوع آخر من الضغط هو التسامح نحوهم. وكانت اليهودية الحاخامية قد دخلت مرحلة أزمتها وتكلست، فلم تَعُد تزود اليهودي بالإجابات عن الأسئلة الكونية التي تواجهه، كما لم يكن بوسعها أن تشفي غليله الديني. كما أن تأكيدها على الشعائر، جعل من الصعب على كثير من اليهود أن يقيموا هذه الشعائر ويحتفظوا بإنسانيتهم في آن واحد. ومن ناحية أخرى، فإن ثراء الحضارة الغربية، قياساً إلى الفقر الحضاري الشديد داخل الجيتو، جعل منها نقطة جذب قوية. وقد بدأت، داخل اليهودية في ألمانيا، حركة إصلاح على نمط حركة الإصلاح الديني البروتستانتي، فعُدِّلت بعض الشعائر، وأُلغي بعضها الآخر. ولكن، حينما أُنجزت هذه العملية، لم يبق سوى هيكل جاف من العقائد العامة لا يختلف في كثير من أساسياته عن العقائد المسيحية الأساسية. ويمكن أن نضيف إلى كل هذا دافع الرغبة في الحراك الاجتماعي، فالتنصر (على حد قول هايني) تذكرة الدخول إلى الحضارة الغربية. ولهذا، فإن كثيراً من أعضاء النخبة والقيادات اليهودية كانوا قد اندمجوا في محيطهم الحضاري الغربي. ولكل هذا، كان من المتوقع أن يتنصر اليهود بأعداد كبيرة. وهذا ما حدث بالفعل، حيث يذكر جرايتز أن نصف يهود برلين قد تنصروا في أواخر القرن الثامن عشر. ونحن نعرف أن أعضاء أسرة موسى مندلسون تنصروا جميعاً، وتنصر كثير من أعضاء أسرة فرايدلندر (الذي اقترح تنصيراً جماعياً لليهود) . وقد بدأ هرتزل أحلامه الصهيونية، في تخليص أوربا من يهودها، باقتراح تنصيرهم كما تنصر معظم أولاده. ومن أهم اليهود الذين تنصروا: هايني، ووالد كارل ماركس، ووالد بنجامين دزرائيلي. كما تنصَّر كثير من يهود روسيا، وخصوصاً هؤلاء الذين تم تجنيدهم في سن مبكرة. وكان من المتوقع أن يزيد عدد المتنصرين، لكن ظهور النظريات العرْقية أوقف

стр. 5994

هذه العملية لأن اليهودي الذي يتنصر يمكنه أن يهرب من هويته ويغيرها حسب التعريف الديني، أما النظريات العرْقية فتجعل الانتماء مسألة ميراث عرْقي، وبالتالي تصبح الهوية مسألة بيولوجية ولا يُجدي فيها التنصُّر فتيلاً. وفيما يلي، إحصاءٌ بعدد المتنصرين في القرن التاسع عشر والبالغ ٢٠٤.٥٤٢: آسيا وأفريقيا / ٦٠٠ أستراليا / ٢٠٠ النمسا / المجر / ٤٤.٧٥٦ فرنسا / ٢٤٠٠ ألمانيا / ٢٢.٥٢٠ بريطانيا العظمى / ٢٨.٨٣٠ هولندا / ١.٨٠٠ إيطاليا ٣٠٠ / أمريكا الشمالية / ١٣.٠٠٠ السويد والنرويج / ٥٠٠ رومانيا ١.٥٠٠ / روسيا / ٤٨.٥٣٦ تركيا / ٣.٣٠٠ ويميل كثير من الدارسين إلى القول بأن هذا العدد أقل من العدد الحقيقي بسبب صعوبة جمع الإحصاءات الدقيقة بالنسبة لموضوع مثل هذا. فالمتنصر يفضل ألا يجاهر بموقفه لاعتبارات اجتماعية عديدة. ولعل أصدق مثل على هذا ما حدث للوزير الإسرائيلي موشيه أرينز حينما مات أخوه في ولاية كونتيكت في الولايات المتحدة. فقد ذهب ليحضر جنازته، فإذا به يكتشف أنه كان تنصر. فامتنع أرينز عن حضور جنازته (هذا هو الموقف اليهودي التقليدي. وفي أحيان أخرى، كانت تُقام مراسم الدفن للمتهود فور تهوده) . وابتداءً من القرن التاسع عشر، كان كثير من اليهود المتنصرين يدخلون في الدين الجديد ولا يشغلون بالهم بالعقيدة القديمة. ولكن البعض الآخر كان يتخذ موقفاً متحيزاً، إما مع دينهم القديم أو ضده. ولكن يبدو أن النمط الأول كان هو الأغلب.

стр. 5995

ومن نمط المتحيزين ضد الدين القديم، فلهلم مار الذي قام بسك مصطلح «معاداة السامية» الغربي، أي «معاداة اليهود» . ويُقال إن كثيراً من أعداء اليهود، ومنهم أيخمان وهتلر، تجري في عروقهم دماء يهودية. لكن العداء لا يتخذ بالضرورة مثل هذا الشكل الشرس، فالروائي الروسي بوريس باسترناك رفض اليهودية بسبب فكرة الشعب اليهودي، ودعا اليهود إلى التنصر ليصبحوا أفراداً بدلاً من أن يظلوا شعباً. أما الأخ دانيال (أوزوالد روفايزين) اليهودي الذي تنصر وأصبح راهباً كاثوليكياً، فقد أصر على انتمائه للشعب اليهودي وطلب الجنسية بناء على قانون العودة (لكن طلبه رُفض) . وبطبيعة الحال، فإن المرتدين يثيرون قضية الهوية بكل حدة. ومع هذا، فإن اليهود المتنصرين والمرتدين قد ينقلون معهم، وبشكل غير واع، أفكارهم اليهودية الحلولية التي تشكل بصورة محددة إطاراً معرفياً كامناً، وهذا ما حدث مع كل من إسبينوزا وكافكا وفرويد. بل حدث الشيء نفسه مع ماركس بنزعته المشيحانية (تماماً كما حدث في صدر الإسلام مع اليهود الذين أسلموا وأدخلوا الإسرائيليات) .

стр. 5996

ومع تزايد معدلات العلمنة في المجتمع الغربي، لم يعد من الضروري اعتناق دين ما، وأصبح بوسع اليهودي أن يرفض يهوديته دون أن يعتنق ديناً آخر، على طريقة إسبينوزا، ومن هنا تأتي زيادة عدد اليهود الإثنيين واليهود الملحدين وتناقص عدد اليهود المتنصرين. وحالياً يتنصر اليهود، في الغالب، بسبب الزواج المختلط. كما أن بعض اليهود، ممن يكابدون عطشاً دينياً ويشعرون بأزمة المعنى، يجدون إجابة عن أسئلتهم في العقيدة المسيحية (كما حدث في حالة سكرتيرة هايدجر التي اعتنقت المسيحية وأصبحت راهبة وأحرقها النازيون بسبب إيمانها الديني) . وقد طرحت الكنائس المسيحية إطاراً جديداً يُسهِّل على اليهود عملية التنصر، فأصبح بإمكان اليهودي أن يتنصر دون الإيمان بألوهية المسيح (فيمكنهم اعتباره الماشيَّح) . ولعل هذا سر نجاح جماعة الموحداينة (بالإنجليزية: يونيتريان Unitarian) ، وهي جماعة مسيحية ربوبية تؤمن بوجود الإله الواحد المتجاوز دون تثليث، ولا تهتم بالشعائر ولا بالوحي. وهناك جماعة تُدعَى «اليهود من أجل المسيح» ، وهي من أنشط الجماعات التبشيرية المسيحية التي تحاول أن تنشر المسيحية بين اليهود بهذه الطريقة. ويبدو أن هناك بُعْداً مسيحياً قوياً في يهودية الفلاشاه، فهم يتعبدون باللغة الجعزية (لغة الكنيسة القبطية في إثيوبيا) ولديهم رهبان، كما أن حاخاماتهم يسمَّون «قسيم» (صيغة جمع عبرية لكلمة «قسيس» ) ، وكذلك يضم كتابهم المقدَّس أجزاءً من العهد الجديد. ولذا، فقد نصحهم مندوب الوكالة اليهودية عام ١٩٧٣ بأن يحلوا مسألتهم اليهودية عن طريق التنصر! وقد تنصرت أعداد كبيرة منهم منذ القرن التاسع عشر، ويُسمَّى المتنصرون «الفلاشاه موراه» . وقد كان التنصر من أكثر أسباب موت الشعب اليهودي في الماضي، وهو لا يزال عنصراً قوياً يساهم في عملية موت الشعب اليهودي في الوقت الحاضر، لكن أهميته قد تناقصت بسبب تزايد معدلات العلمنة. التنصر

стр. 5997

Conversion to Christianty انظر: «التبشير باليهودية والتهود والتهويد» ـ «الارتداد (خصوصاً التنصُّر (» . نيكولاس دونين) القرن الثالث عشر ( Niclolas Donin عالم وفقيه فرنسي يهودي درس في إحدى الأكاديميات في باريس، ولكن أستاذه طرده بسبب هرطقته القرّائية ورفضه الشريعة الشفوية. تنصر وانضم للرهبان الفرنسيسكان ثم كتب قائمة تضم تسعة وثلاثين اتهاماً ضد التلمود كان من أهمها أن التلموديين يذهبون إلى أن الشريعة الشفوية أكثر أهمية من الشريعة المكتوبة، وإلى أن التلمود يخلع الصفات البشرية على الإله وإلى أنه مليء بالهجوم القبيح على المسيح ومريم (وكلها «اتهامات» حقيقية) . وفي عام ١٢٤٠،عُقدت إحدى المناظرات الأساسية عن التلمود بإيعاز من دونين حضرها هو نفسه كما حضرها اثنان من أساتذته في الأكاديمية التي طُرد منها، وكانت نتيجة المناظرة أن صدر أمر بحرق التلمود. ويبدو أن دونين كان عقلانياً غير عنصري في هجومه على اليهودية. ولذا، وانطلاقاً من رؤيته العقلانية هذه، نشر عام ١٢٧٩، أي بعد تنصره، كتيباً يوجه فيه النقد اللاذع للرهبان الفرنسيسكان. أبنر من بورجوس (١٢٧٠-١٣٤٠ ( Abner of Borgos طبيب يهودي من مدينة بورجوس في إسبانيا. دبت الشكوك في نفسه بعد طول تأمل في عذاب اليهود، وفي حالة المنفى التي يعيشون فيها. ولم يجد إجابة شافية على تساؤلاته لا في الكتب الدينية اليهودية ولا في كتب الفلاسفة المسلمين، فانصرف إلى دراسة العهد الجديد وانتهى به الأمر إلى اعتناق المسيحية وهو في سن الخمسين. كتب عدة كتب يُفصح فيها عن آرائه الجديدة، ويُبيِّن رفضه للتفسيرات العقلانية المختلفة للعهد القديم التي سادت في عصره. وقد طرح أبنر، بدلاً من كل هذا، عقيدة التجسد المسيحية والثالوث. وهاجم أبنر التلمود بشراسة واتهم اليهود بأنهم يأخذون موقفاً معادياً من الأغيار. وقد تُرجمت كتاباته إلى اللغة القشطالية. بابلو دي سانتا ماريا (١٣٥٠-١٤٣٥ (

стр. 5998

Pablo de Santa Maria أسقف وعالم لاهوت مسيحي. اسمه الأصلي سولومون. وُلد لأسرة هاليفي اليهودية المعروفة التي جاء منها بعض كبار الممولين وملتزمي الضرائب في مملكة قشطالة. كان سولومون هاليفي واسع الإلمام بالفقه اليهودي وبالفلسفة الإسلامية وبأعمال الفلاسفة من أعضاء الجماعة اليهودية في شبه جزيرة أيبريا، كما كان مطلعاً على كثير من الأعمال اللاهوتية المسيحية. دبت الشكوك في نفسه نتيجة اطلاعه على فلسفة ابن رشد التي كانت قد هيمنت على عقول كثير من المثقفين من أعضاء الجماعة اليهودية في عصره، فاعتنق المسيحية وغيَّر اسمه إلى بابلو دي سانتا ماريا. ولعل تنصره احتجاج على مادية الفلسفة الرشدية. وقد تنصر معه أبناؤه الأربعة وابنته وإخوته الثلاثة وزوجته. وقد كتب خطاباً يشرح فيه الأسباب التي أدَّت إلى تنصره بيَّن فيه أنه حينما يتعمق الإنسان في الشريعة الشفوية والعهد القديم سيجد علامات على أن عيسى هو الماشيَّح. سافر بابلو إلى باريس عام ١٣٩٤ حيث رُسِّم قسيساً ونال حظوة البابا بنديكت الثامن. ثم بدأ بعد ذلك حملته ضد اليهود فحاول أن يقنع ملك أراجون بأن يصدر قوانين معادية لهم. وقد حقق صعوداً سريعاً في هرم النخبة الحاكمة حتى أصبح أسقف بوروجوس من عام ١٤١٥ حتى وفاته. بول- لوي- برنار دراش (١٧٩١-١٨٥٦) Paul-Louis-Bernard Drach فقيه فرنسي يهودي وزوج ابنة حاخام فرنسا الأكبر. نشر عدة كتب دينية يهودية، ولكنه تنصر عام ١٨٢٣ في احتفال مهيب، الأمر الذي سبَّب الكثير من الحزن لأعضاء الجماعة اليهودية في فرنسا. عمل أستاذاً للعبرية واشترك في ترجمة العهد القديم وكتب عدة قصائد عبرية في مدح البابا والكرادلة. كتب عدة كتب يحاول فيها تفسير الأسباب التي أدَّت إلى اعتناقه المسيحية. وقد نشأ أطفاله مسيحيين بل أصبحوا من رجال الدين المسيحي. إدوارد جانز (١٧٩٨-١٨٣٩ ( Edward Gans

стр. 5999

مؤرخ وعالم قانون ألماني يهودي. درس القانون في جامعتي برلين وهايدلبرج حيث تأثر بهيجل. عُيِّن محاضراً في جامعة برلين عام ١٨٢٠ حيث ذاع صيته كمحاضر. طالب بأن تتخلى اليهودية عن نزعتها الاعتزالية وتميُّزها وأن تندمج في الحضارة الأوربية المعاصرة. أسَّس عام ١٨١٩ بالاشتراك مع ليوبولد زونز جماعة الثقافة وعلم اليهودية التي كانت مهمتها نشر مُثُل حركة الاستنارة بين الشباب اليهودي وإبعادهم عن التفكير التقليدي. وقد حُلَّت الجمعية عام ١٨٢٤ وتنصر جانز في العام التالي (وهو ما ألقى بظلال الشك على مُثُل الاستنارة وعلى علم اليهودية) . عُيِّن أستاذاً في جامعة برلين عام ١٨٢٩ حيث طوَّر الرؤية الهيجلية الخاصة بالسيادة المطلقة للدولة وبمفهوم الحاكم كتجسيد لمفهوم الدولة. ويذهب جانز إلى أن الحضارة الأوربية مزيج من أحسن العناصر الموجودة في حضارات يسرائيل واليونان وروما والمسيحية. ولجانز دراسات عديدة في القانون، كما أنه حرَّر محاضرات هيجل عن القانون. لكن تَنصُّر مفكر ديني يهودي وعضو في النخبة الفكرية اليهودية لم يكن حدثاً استثنائياً في القرن التاسع عشر. فكل أولاد مندلسون ـ على سبيل المثال ـ تنصروا. وهذا يعود ولا شك، في بعض جوانبه، إلى الإغراءات المادية المختلفة، من تحقيق حراك اجتماعي إلى الحصول على وظائف مقصورة على المسيحيين. ولكن الإغراءات كانت هناك دائماً عبر التاريخ، ولذا فهي لا تصلح وحدها لتفسير الزيادة المذهلة لعدد المتنصرين بين أعضاء النخبة اليهودية المثقفة. ولعل أزمة اليهودية الحاخامية قد لعبت دوراً أساسياً في ذلك، كما أن هيمنة مُثُل حركة الاستنارة كانت العنصر الحاسم. فحركة الاستنارة تنظر إلى الإنسان باعتباره «الإنسان على وجه العموم» أو «الإنسان الأممي» أو «الإنسان الطبيعي» ، وهو ما يعني ضرورة تصفية كل الخصوصيات.

стр. 6000

ومع هذا، فقد صرح هايني بأن الطريق الحقيقي للتحرر والانعتاق والدخول إلى الحضارة الغربية هو التنصر. وقد كان هايني محقاً حين صرح بذلك. لكن ينبغي أن نشير إلى أن المسيحية التي كان على اليهودي المتنصر أن يؤمن بها في القرن التاسع عشر كانت مسيحية وجدانية تمت علمنتها من الداخل، كما أن الإيمان بها كان لا يُلقي على المؤمن بها أية أعباء شعائرية. ولذا، مع نهاية القرن التاسع عشر، تزايدت نسبة المتنصرين الراغبين في دخول الحضارة الغربية. ومع بداية القرن العشرين، أصبحت عملية التنصر غير ذات موضوع، ذلك باعتبار أن الحضارة الغربية نفسها تراجعت فيها المسيحية حتى في صيغتها العلمانية. وأصبحت تأشيرة الدخول إليها هي التخلي عن أية هوية دينية أو إثنية، فيكون اليهودي إنساناً على وجه العموم، الثمرة الحقيقية لعصر الاستنارة ولسنوات عمليات العلمنة والترشيد في إطار الطبيعة/المادة. سولومون ألكسندر (١٧٩٩-١٨٤٥) Solomon Alexander أول أسقف أنجليكاني في القدس. وُلد لعائلة يهودية أرثوذكسية في ألمانيا، وهاجر إلى إنجلترا حيث عمل بعض الوقت كذابح شرعي (شوحيط) ومرتل (حزان) . ولكنه بعد أن اتصل بالإرساليات المسيحية، تنصر عام ١٨٢٥ ثم انخرط في سلك الكنيسة عام ١٨٢٧. قامت جمعية نشر المسيحية بين اليهود بإرساله إلى ألمانيا ثم عُيِّن أستاذاً للغة العبرية من عام ١٨٣٢ حتى عام ١٨٤١ في جامعة لندن. وبعد القضاء على مشروع محمد علي النهضوي، تَقرَّر إقامة أسقفيتين في فلسطين: واحدة إنجليزية أنجليكانية والأخرى ألمانية لوثرية، نظراً للأهمية الإستراتيجية لفلسطين. وقد عُيِّن ألكسندر أسقفاً للأسقفية الأنجليكانية في القدس حيث بدأ نشاطه التبشيري وتفرَّع منها إلى عدة بلاد من بينها سوريا ومصر (التي مات فيها أثناء إحدى زياراته لها) . التبشير باليهودية والتهوُّد والتهويد Proselytizing, Conversion to Judasim, and Judaizing

стр. 6001

«التهود» هو اعتناق اليهودية بشكل طوعي دون قسر، أما «التهويد» فهو اعتناق اليهودية قسراً نتيجة الضغوط الخارجية. و «التبشير» هو الدعوة إلى عقيدة ما دون اللجوء إلى ضغوط خارجية مثل الإغراءات المالية. ورغم أن اليهودية ديانة توحيدية في أحد جوانبها، فإنها ليست ديانة تبشيرية تحاول أن تكتسب أتباعاً جدداً، نظراً لانغلاق النسق الديني الحلولي اليهودي. ومع هذا، هناك حالات كثيرة في العصور القديمة والحديثة تهودت فيها أعداد كبيرة من الناس نتيجة التبشير باليهودية، أو تم تهويدهم عنوة. والتهويد والتهود هما أكبر دليل على زيف ادعاءات نقاء اليهود عرْقياً. وقد شهدت فترة القرن الأول قبل الميلاد وبعده، مرحلة تبشيرية، نتيجة جهود الفريسيين الذين أعادوا صياغة اليهودية وحرروها من ارتباطها بالعبادة القربانية وبالهيكل. وقد تهودت أعداد كبيرة في حوض البحر الأبيض المتوسط، كما تهود أعضاء الأسرة الحاكمة في ولاية حدياب الفرثية. وقد كان التهود أحد أهم الأسباب التي أدَّت إلى تزايد عدد أعضاء الجماعات اليهودية خارج فلسطين حتى أن عدد اليهود المقيمين خارج فلسطين أصبح يفوق عدد المقيمين منهم فيها. وقد قام هيركانوس وأريسطوبولوس، وهم من ملوك الأسرة الحشمونية، (في ١٣٠ ـ ١٠٣ ق. م) بفرض اليهودية على الأدوميين وعلى أعداد كبيرة من الإيطوريين. كما تهود بعض المثقفين في روما حينما دخلت الوثنية الرومانية مرحلة أزمتها الأخيرة التي انتهت بظهور المسيحية. وقد استمر التبشير باليهودية في العصور الوسطى المسيحية حتى بعد أن أصدر الإمبراطور قسطنطين قراراً بمنعه عام ٣١٥ م. وأكبر دليل على استمراره وجود حالات متفرقة لمسيحيين تهودوا، من بينهم أحد كبار رجال الدين المسيحي في فرنسا وآخر في إنجلترا. كما أن تهود النخبة الحاكمة بين قبائل الخزر وأعداد كبيرة من أتباعهم يُعَدُّ دليلاً آخر.

стр. 6002

وقد تهود بعض المارانو بعد خروجهم من إسبانيا، لا لأنهم كانوا يهوداً متخفين وإنما لأن السلطة الحاكمة البروتستانتية كانت تبدي تسامحاً مع اليهود ولا تُبدي مثله تجاه الكاثوليك، الأمر الذي حدا بكثير من المارانو إلى التهود ابتغاء الأمن والحراك الاجتماعي. وفي العصر الحديث، يتهود بعض المسيحيين (أو العلمانيين) في الغرب حين يصر أحد أطراف الزواج المختلط أن يتهود الطرف الآخر (وإن كان الشائع أن يتنصر الطرف اليهودي في الزواج المُختلَط، أي يتبنى دين أعضاء الأغلبية) . وتبدأ مراسم التهود في العصر الحديث في الأوساط اليهودية الأرثوذكسية بسؤال طالب التهود عن سبب طلبه، فإن أجاب بأن السبب هو الزواج، يُرفَض طلبه لأن هذا لا يُعَدُّ سبباً كافياً. ثم يخبرون طالب التهود بأن الشعب اليهودي شعب بائس مطرود منفي يعاني دائماً، فإن أجاب بأنه يعرف ذلك وأنه لا يزال مُصّراً على التهود، فإنه يُقبَل في الجماعة الدينية اليهودية ويُختن إذا كان ذكراً. وعلى المتهود أو المتهودة أخذ حمام طقوسي (مكفاه) أمام ثلاثة حاخامات، وهو الأمر الذي يسبب الحرج للإناث المتهودات، حيث يتعين علىهن خلع ملابسهن لهذا الغرض. ثم يعلن المتهود أنه يقبل نير المتسفوت (الأوامر والنواهي) ، أي أن يعيش حسب شرائع التوراة. ويَطلُب بعض الحاخامات المتشددين من طالب التهود أن يبصق على صليب أو كنيسة، غير أن مثل هذه العادات ليست جزءاً من الشريعة وهي آخذة في الاختفاء. ولا يلتزم الحاخامات الإصلاحيون والمحافظون بهذه الخطوات إذ يكفي بالنسبة إلىهم أن يستمع طالب التهود إلى محاضرة عما يقال له «التاريخ اليهودي» على سبيل المثال، كما أن الختان ليس محتماً على الذكور بحسب رؤيتهم. ولا يتَّبع المحافظون المراسم التقليدية وإن كانوا يؤكدون ضرورة أن يقرأ المتهود بعض النصوص الدينية المهمة ويدرسها.

стр. 6003

وفي محاولة تشجيع التهود يُطلَق على التهود الآن في الولايات المتحدة عبارة «يهودي باختياره» (جو باي تشويس jew by choice) ويوجد في الولايات المتحدة في الوقت الحاضر ١٨٥ ألف متهود. ويحق للمتهود ـ حسب الشريعة اليهودية ـ أن يتزوج من أية يهودية، ولكن لا يُباح لمتهودة أن تتزوج من كاهن مثلاً، كما لا يمكن تعيين المتهود في مناصب عامة مهمة أو أن يعين قاضياً في محكمة جنائية بل في محاكم مدنية أحياناً. وبحسب إحدى الصياغات الدينية المتطرفة تُعَدُّ المرأة المتهودة «زوناه» (أي عاهرة) حتى نهاية حياتها. وهي صيغ متشدّدة لا تتمسك بها اليهودية الإصلاحية أو اليهودية المحافظة.

стр. 6004

ويُلاحَظ التزايد النسبي لطالبي التهود بسبب الزواج المختلط. ولكن هؤلاء يتهودون في الغالب على يد حاخامات إصلاحيين أو محافظين لا يعترف الأرثوذكس بواقع أنهم حاخامات، وبالتالي لا يعترفون بيهودية من يتهود على أيديهم. وتتفجر هذه القضية حينما يهاجر بعض هؤلاء المتهودين إلى إسرائيل، إذ تثير المؤسسة الدينية الأرثوذكسية قضية انتمائهم اليهودي. وتطالب المؤسسة الأرثوذكسية بتعديل قانون العودة وبتعريف اليهودي بحيث يصبح اليهودي من وُلد لأم يهودية أو تهود حسب الشريعة، أي على يد حاخام أرثوذكسي. ولكن تبنِّي ذلك التعريف يسقط انتماء آلاف من يهود الولايات المتحدة إلى العقيدة اليهودية، كما أنه يجعل اليهود الإصلاحيين والمحافظين (أي أكثر من نصف يهود أمريكا) ، يهوداً من الدرجة الثانية. ومن هنا، فقد اقترحت وزارة الداخلية الإسرائيلية، الواقعة تحت نفوذ الأحزاب الدينية، أن يُكتَب لفظ «متهودة» في بطاقة تحقيق الشخصية الخاصة بشوشانا ميللر وهي أمريكية متهودة على المذهب الإصلاحي. وقد رفضت المحكمة العلىا الطلب، فرضخت الوزارة في نهاية الأمر وقامت بتسجيلها يهودية. وطُلب من يهود الفلاشاه وبني إسرائيل وكوشين من الهند أن يتهودوا باعتبار أن يهوديتهم ناقصة. وحين احتجوا خُفِّفت مراسم التهود بالنسبة إلىهم. وقد عُرض التهود على بقايا يهود المارانو في البرتغال كشرط لهجرتهم إلى إسرائيل. وقد لوحظ أن كثيراً من المهاجرين السوفييت من مدَّعي اليهودية يقبلون التهود، ومن ذلك الختان، من أجل الحراك الاجتماعي الذي سيحققونه في إسرائيل إن تم اعتبارهم يهوداً. التهود والتهويد Conversion to Judasim, and Judaizing انظر: «التبشير باليهودية والتهود والتهويد» . إليعازر بودو (القرن التاسع الميلادي ( Eleazar Bodo

стр. 6005

متهود فرنسي. وكان من كبار رجال الدين المسيحي ومن أسرة أرستقراطية. كان يعمل في قصر لويس التقي، ويُقال إنه كان القسيس الذي كان يعترف له الإمبراطور وأسقفاً في الكنيسة الكاثوليكية. وترك بودو القصر عام ٨٣٨ بزعم أنه ذاهب إلى روما للحج، ولكنه بدلاً من ذلك فرّ إلى إسبانيا هو وابن أخيه وتهود وتختن وأُطلق عليه اسم إليعازر وتزوج فتاةً يهودية في سرقسطة. ثم ذهب بعد ذلك إلى قرطبة حيث حاول أن يقنع أميرها بأن يفرض على رعاياه إما الإسلام أو اليهودية. وقد تبادل بودو الرسائل مع باولو ألفارو ـ أحد كبار رجال الدين المسيحي في إسبانيا ـ وبيَّن في خطابات له أن المسيحية تحتوي على عقائد وممارسات وشعائر كثيرة التضارب، على عكس وحدة العقيدة والشعائر التي تتسم بها اليهودية، كما أشار إلى جشع رجال الدين المسيحيين. وقد كتب مسيحيو إسبانيا إلى تشارلز الأصلع وإلى أساقفة الإمبراطورية الكارولنجية طالبين استدعاء هذا المرتد حتى يخففوا من حدة الضغط الذي يسببه وجوده بينهم. يوهان سبايت (١٦٤٢ – ١٧٠١) Joahann Spaeth متهود ألماني وابن صانع أحذية كاثوليكي. وقع تحت تأثير الحركات البروتستانتية بعض الوقت ولكنه عاد مرة أخرى للكاثوليكية. وحيث إنه لم يجد الهدوء الروحي الذي ينشده، بدأ يقرأ في مؤلفات الصوفي جيكوب بومه وكتابات بعض الجماعات المسيحية التي ترفض التثليث (مثل السوسينيانز) ، وقد لاحظ التطابق المدهش بين تعاليم بومه والقبَّالاه اللوريانية. وبعد فترة من التأمل والغوص في الذات، قرَّر أن يتهود ويُسمِّي نفسه «موزيس جيرمانيكوس» ، أي «موسى الألماني» ، وتَختَّن في أمستردام عام ١٦٩٧ ثم تزوج من امرأة يهودية من فرانكفورت.

стр. 6006

دافع سبايت عن تهوده في كتيب دبَّجه خصيصاً لهذا الغرض. وقد ذهب سبايت في كتاباته إلى أن البابوية أساس الفساد، وإلى أن المؤسسة الكهنوتية ليست أصيلة في المسيحية بل تم اختلاقها في أيام قسطنطين الأكبر، وإلى أن الشهداء المسيحيين الأوائل كانوا في واقع الأمر يهوداً يدافعون عن تعاليم المسيح الذي لم يكن سوى معلم من معلمي الشريعة (هالاخاه) . وقد أكد سبايت أن المسيحية ليست سوى شكل مشوه للمبادئ الإسكاتولوجية التي انتشرت في فترة الهيكل الثاني (في القرن الأول الميلادي) . وفي النهاية، بيَّن سبايت أن يسرائيل وليس عيسى، هي خادم الإله المصلوب (الذي يعاني) . فالنتاين بوتوكي (؟ - ١٧٤٩ ( Valentine Potocki كونت بولندي من أسرة أرستقراطية عريقة اعتنق اليهودية. وقصة تهوده أقرب إلى الحكاية الشعبية منها إلى الحقيقة التاريخية. كان بوتوكي صديقاً لشاب أرستقراطي آخر يُسمَّى زاريمبا. وبينما كان الشابان في حانة في باريس، لاحظا أن صاحبها اليهودي العجوز يقرأ في التلمود بخشوع شديد. فطلبا منه أن يعلمهما مبادئ اليهودية، وأقسما أنه لو أقنعهما باليهودية لتركا المسيحية. وقد نسى زاريمبا القسم، أما بوتوكي فقد قضى بعض الوقت في روما للدراسة ثم ذهب إلى أمستردام حيث تهود. وحينما سمع زاريمبا بالخبر، تَذكَّر هو الآخر قسمه فأخذ أسرته وتهود ثم استقر في فلسطين. وذات مرة، زجر بوتوكي طفلاً أزعج المصلين من اليهود. فتضايق أبو الطفل وأخبر السلطات أن بوتوكي مرتد، وهو ما أدَّى إلى القبض عليه ومحاكمته وحرقه في عيد الأسابيع عند قلعة فلنا، وقد ظل يردد الشماع اليهودية وأن الإله واحد حتى لفظ آخر أنفاسه. وقام أحد اليهود بجمع رماده وقطعة من أصبعه ودفنها في المدافن اليهودية فنبتت منها شجرة باسقة أصبحت مزاراً يهودياً. ولا توجد أية قرائن تاريخية على صدق هذه الرواية. ويحتفل يهود فلنا بذكرى موت بوتوكي بقراءة صلاة القاديش وزيارة قبره.

стр. 6007

جورج جوردون (١٧٥١-١٧٩٣ ( George Gordon نبيل إنحليزي بروتستانتي. وُلد في لندن وكان والده دوقاً. خدم في الجيش والبحرية البريطانية. وفي عام ١٧٧٤، دخل البرلمان وكان رئيساً لجماعة «العصبة البروتستانتية الموحَّدة» التي قادت الحملة التي كانت تطالب بإلغاء القانون الذي منح الأهلية للكاثوليك، كما كانت على رأس المظاهرات المناهضة للكاثوليك التي اندلعت عام ١٧٨٠ والتي راح ضحيتها مئات من القتلى والجرحى. وقد قُدِّم جوردون للمحاكمة بتهمة الخيانة، ولكن تمت تبرئته. واستمر جوردون بعد ذلك في مناصرته للقضايا البروتستانتية وفي مناهضة الكاثوليك، ولكنه اختلف مع الكنيسة البروتستانتية في إنجلترا فحرمته من عضويتها عام ١٧٨٦. ورغم أن جوردون كان شديد التعصب للبروتستانتية، إلا أنه بدأ يفكر عام ١٧٨٦ في اعتناق اليهودية، وأقدم على ذلك بالفعل عام ١٧٨٧ فتم ختانه وأطال لحيته وارتدى ثياب اليهود الأرثوذكس واتخذ اسم إسرائيل بار أبراهام. والواقع أنه مثلما كان متعصباً في بروتستانتيته، كان كذلك متعصباً في يهوديته حيث كان شديد الحرص على ممارسة الطقوس الدينية اليهودية ومراعاة القوانين الخاصة بالمأكل والملبس والمظهر. كما رفض مخالطة أي يهودي غير ملتزم بقوانين دينه. وفي عام ١٧٨٨، حُكم على جوردون بالسجن بتهمة القذف بعد أن هاجم كلاًّ من الحكومة البريطانية وملكة فرنسا التي انتقد سلوكها الأخلاقي والسياسي. وفي السجن، استمر جوردون في التزامه الشديد بشرائع اليهودية، وكان يشترك كل سبت (مع مجموعة من اليهود البولنديين) في إقامة الصلاة. وقد اكتسب جوردون شهرة واسعة، وأقدم الكثيرون على زيارته في سجنه من بينهم بعض كبار القوم في عصره فكان يقيم لهم المآدب والحفلات داخل السجن. وقد تُوفي جوردون في السجن ورفضت الجماعة اليهودية في لندن دفنه في مقابرها، فدُفن في مقابر عائلته البروتستانتية.

стр. 6008

الباب الرابع: الحسيدية حسيد Hasid «حسيد» كلمة وردت في العهد القديم وتشير إلى «الرجل التقي الثابت على إخلاصه للإله وإيمانه به» . وقد استُخدمت هذه الكلمة بعد ذلك للإشارة إلى جماعات من مؤيدي التمرد الحشموني كانت تتسم بالحماس الديني والتقوى (القرن الثاني قبل الميلاد) ، ثم استُخدمت للإشارة إلى الحركة الصوفية التي نشأت في ألمانيا في القرن الثاني عشر، ثم أصبحت الكلمة تشير إلى أتباع الحركة الحسيدية التي نشأت في بولندا في القرن الثامن عشر. وهذا هو الاستخدام الشائع في الوقت الحالي. الحسيدية: تاريخ Hassidism: History

стр. 6009

«الحسيدية» بالعبرية «حسيدوت» وهو مصطلح مشتق من الكلمة العبرية «حسيد» ، أي «تقي» . ويُستخدَم المصطلح للإشارة إلى عدة فرق دينية في العصور القديمة والوسطى، ولكنه يُستخدَم في العصر الحديث للدلالة على الحركة الدينية الصوفية الحلولية التي أسسها وتزعمْها بعل شيم طوف. وبدأت الحركة في جنوب بولندا وقرى أوكرانيا في القرن الثامن عشر، وخصوصاً في مقاطعة بودوليا التي ظهرت فيها الحركة الفرانكية كما ظهرت فيها فرق مسيحية حلولية ذات طابع غنوصي متمردة على الكنيسة الأرثوذكسية الروسية (مثل الدوخوبور والخليستي والسكوبستي) . وقد كانت هذه المقاطعة تابعةً لتركيا في نهاية القرن السابع عشر، وانتشرت الحسيدية منها إلى وسط بولندا وليتوانيا وروسيا البيضاء ثم المناطق الشرقية من الإمبراطورية النمساوية المجرية: جاليشيا، وبوكوفينا، وترانسلفانيا، وسلوفاكيا، فالمجر ورومانيا. ولكن أقصى تركيز لها كان في الأراضي البولندية التي ضمتها روسيا إليها. وقد انتشرت الحسيدية في بادئ الأمر في القرى بين أصحاب الحانات والتجار والريفيين والوكلاء الزراعيين، ثم انتشرت في المدن الكبيرة حتى أصبحت عقيدة أغلبية الجماهير اليهودية في شرق أوربا بحلول عام ١٨١٥، بل يُقال إنها صارت عقيدة نصف يهود العالم آنذاك، إلى جانب أنها عقيدة أغلبية يهود اليديشية. ويُلاحَظ أن الحركة الحسيدية لم تضم في صفوفها كثيراً من العمال والحرفيين اليهود، لأن الأساس الاقتصادي لوجودهم كان ثابتاً، كما أن أولادهم كانوا لا يدرسون إلا التوراة، بل كانوا يتركون المدارس بسبب فقرهم. ولهذا، فإنهم لم يكونوا يخوضون في دراسة الشريعة الشفوية. وبالتالي، وجدوا أفكار الحسيدية غريبة وغير مفهومة، كما أن الأحزاب الاشتراكية والثورية نجحت في ضمهم إلى صفوفها.

стр. 6010

ويرجع نجاح الحسيدية إلى أسباب اجتماعية وتاريخية عدة، فالجماهير اليهودية كانت تعيش في بؤس نفسي وفقر اقتصادي شديد بسبب التدهور التدريجي للاقتصاد البولندي، إذ طُرد كثير من يهود الأرندا، وأصحاب الحانات من القرى الصغيرة، الأمر الذي زاد من عدد المتسولين واللصوص والمتعطلين. ويُقال إن عُشْر أرباب العائلات كانوا بلا عمل. وكانت قيادة الحركة الحسيدية - أساساً - من يهود الأرندا السابقين ومستأجري الحانات وأصحاب المحال الصغيرة. وكانت هذه الجماهير في خوف دائم بعد هجمات شميلنكي، وعصابات الهايدماك من الفلاحين القوزاق. كما كانت تشعر بالإحباط العميق، بعد فشل دعوة شبتاي تسفي وتحوُّله إلى الإسلام. وهي مشاعر زادت من حدتها التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي كانت تخوضها مجتمعات شرق أوربا آنئذ، هذه التحولات التي جعلت من القهال شكلاً إقطاعياً طفيلياً لا مضمون له، يقوم باستغلال اليهود لحساب الحكومة البولندية والنبلاء البولنديين، ولحساب موظفي القهال من اليهود الذين كانوا يشترون المناصب. وقد صاحب هذا الوضع تدنِّي الحياة الثقافية والدينية داخل الجيتو والشتتل إلى درجة كبيرة، وصار اليهود يعيشون في شبه عزلة عن العالم، بل في عزلة عن المراكز التلمودية في المدن الكبرى. وعلى أية حال، كانت اليهودية الحاخامية قد تحولت إلى عقيدة شكلية، تافهة وجافة، خالية من المضمون الروحي والعاطفي، تؤكد الأوامر والنواهي دون اهتمام بالمعنى الروحي لها.

стр. 6011

ويُلاحَظ أن القبَّالاه كانت قد أحكمت هيمنتها على الفكر الديني اليهودي بين جماهير اليهود وحتى بين طلاب المدارس التلمودية العليا وأعضاء المؤسسة الحاخامية. والفكر القبَّالي الحلولي قادر على إشباع التطلعات العاطفية لدى الجماهير الساذجة اليائسة. ومن المفارقات أن أعضاء الجماعات اليهودية، بعد أن عاشوا بين فلاحي أوكرانيا وشرق أوربا لمئات السنين، بعيداً عن المؤسسات الحاخامية في المدن الكبرى والمدن الملكية، تأثروا بفولكلور فلاحي شرق أوربا، وبمعتقداتهم الشعبية الدينية، وبوضعهم الحضاري المتدني بشكل عام. ويبدو أن الحسيديين تأثروا بالتراث الديني المسيحي، وخصوصاً تراث جماعات المنشقين (بالروسية: راسكولنيكس Raskolniks من فعل «راسكول raskol» بمعنى «ينشق» ) في روسيا وأوكرانيا. فالقرنان السابع عشر والثامن عشر شهدا ظهور جماعات دينية مسيحية متطرفة، مثل: الدوخوبور (المتصارعون مع الروح، وكان بينهم مدام بلافاتسكي) والخليستي (من يضربون أنفسهم بالسياط) والسترانيكي (الهائمون على وجوههم) (كان راسبوتين عضواً في هاتين الجماعتين) والسكوبتسي (المخصيون) ، والمولوكاني (شاربو اللبن) ، وغيرهم. وكان عدد أعضاء هذه الجمعيات كبيراً إلى درجة غير عادية حيث كان يصل إلى خمس عدد السكان حسب التقديرات الرسمية وإلى نحو نصفهم حسب التقديرات الأخرى. وكان أتباع هذه الفرق يتبعون أشكالاً حلولية متطرفة، فالسكوبتسي (على سبيل المثال) طالبوا بالإحجام عن الجماع الجنسي، ولكنهم كانوا يقومون في الوقت نفسه بتنظيم اجتماعات ذات طابع جنسي جماعي داعر. وقيادات هذه الجماعات كانوا يتسمَّون بأسماء غريبة مثل: «المسيح» أو «النبي» أو «أم الإله» ، فقد كانوا يؤمنون بأن القيادة هي تجسيد للإله، تماماً مثل المسيح.

стр. 6012

وأقرب الجماعات المسيحية المنشقة إلى الحسيدية هي جماعات الخليستي. وقد ذهب قادة هذه الجماعة إلى أنه حينما صُلب المسيح، ظل جسده في القبر. أما البعث، فهو هبوط الروح القدس بحيث تحل في مسيح آخر هو قائد الجماعة. ولذا، فإن قادتهم مسحاء قادرون على الاتيان بالمعجزات، يحل فيهم الإله. والواقع أن مفهوم التساديك في الحسيدية قريب جداً من هذا، فالتساديك هو القائد الذي يحل فيه الإله، وعادةً ما يتم توارث الحلول. ولذا، فإننا نجد أن قيادات الخليستي يكونون أسراً حاكمة يتبع كل واحدة منها مجموعة من الأتباع، وهذا ما حدث بين الحسيديين أيضاً. بل إن التماثل في التفاصيل كان يصل إلى درجة مدهشة، فكان الخليستي يعيشون بعيداً عن زوجاتهم باعتبار أن الإله إن شاء أن تحمل العذراء لحملت. وهذا هو موقف بعل شيم طوف، برغم أن فكرة «الحمل بلا دنس» أبعد ما تكون عن اليهودية. فعندما ماتت زوجته وعُرض عليه أن يتزوج من امرأة أخرى، احتج ورفض وقال إنه لم يعاشر زوجته قط، وإن ابنه هرشل قد وُلد من خلال الكلمة (اللوجوس) . وكان دانيال الكوسترومي (١٦٠٠ ـ ١٧٠٠) من أهم زعماء الخليستي. وقد وُلد ابنه (الروحي) بعد أن بلغت أمه من العمر مائة عام. وكذلك بعل شيم طوف، فقد وُلد، حسب الأساطير التي نُسجت حوله، بعد أن بلغت أمه من العمر مائة عام. وكان الخليستي يرتدون ثياباً بيضاء في أعيادهم، وكذلك الحسيديون. وقد كان الخليستي يُعدون أنفسهم، من خلال الغناء والرقص، لحلول روح المسيح فيهم، وهذا قريب من تمارين الحسيديين أيضاً. والمضمون الفكري الاجتماعي لكلٍّ من الخليستي والحسيديين مضمون شعبي يقف ضد التميزات الطبقية بشكل عام.

стр. 6013

وفي هذا المناخ، ظهر الدراويش الذين يحملون اسم «بعل شيم» ، أي «سيد الاسم» ، وهم أفراد كانت الجماهير البائسة تتصور أنهم قادرون على معرفة الأسرار الباطنية، وإرادة الإله، وطرد الأرواح الشريرة من أجساد المرضى، كما أنهم كانوا يتسمَّون بالتدفق العاطفي الذي افتقدته الجماهير في الحاخامات. وظهرت الحسيدية بحلوليتها المتطرفة وبريقها الخاص ورموزها الشعبية الثرية التي تروي عطش الجماهير اليهودية الفقيرة التي كان يخيم عليها التخلف. وقد تبدَّت هذه الأفكار الحلولية المتطرفة في التصادم الحاد بين الحسديين والمؤسسة الحاخامية (متنجديم) ، وهو تصادم كان حتمياً، باعتبار أن الحسيدية تمثل رؤية بعض قطاعات الجماعة اليهودية التي استُبعدت من جانب المؤسسة الحاخامية والقهال. وكانت الحسيدية تحاول أن تحقق لهم قسطاً ولو ضئيلاً من الحرية ومن المشاركة في السلطة. والحسيدية، في جانب من أهم جوانبها، محاولة لكسر احتكار المؤسسة التلمودية للسلطة الدينية، ومحاولة لحل مشكلة المعنى. وقد انعكس هذا التصادم، على المستوى الفكري، حين قام الحسيديون بالتقليل من شأن الدراسة التلمودية أو دراسة التوراة. فإذا كان الهدف من الحياة ليس الدراسة وإنما التأمل في الإله والالتصاق به والتوحد معه وعبادته بكل الطرق، فإن هذه العملية لابد أن تستغرق وقتاً طويلاً، وهو ما لا يترك للإنسان أي وقت لدراسة التوراة على الطريقة الحاخامية القديمة. كما أن التواصل المباشر مع الإله يطرح إمكانيةً أمام اليهود العاديين، ممن لا يتلقون تعليماً تلمودياً، لأن يحققوا الوصول والالتصاق (ديفيقوت) . بل إن الجهل، في إطار التجربة الوجودية المباشرة، يصبح ميزة كبرى.

стр. 6014

وهدف التجربة الدينية هو الفرح والنشوة، وهو إعادة تعريف للتجربة الدينية تؤكد العاطفة (الجوانية) كوسيلة للوصول إلى الإله، بدلاً من الشعائر والدراسات التلمودية (البرانية) ، فالإله (حسب تصوُّر بعل شيم طوف) لا يسمع الدعاء ولا يقبل الصلاة إلا إذا نبعت من قلب فَرح. ومن ثَّم، يصبح الإخلاص العاطفي أهم من التعليم العقلي. وقد قلَب الحسيديون الأمور رأساً على عقب، إذ تبنوا الفكرة اللوريانية الخاصة بحاجة الإله إلى الشعب اليهودي ككل، وخصوصاً القادة التساديك. وقد ذهب الحسيديون إلى أنه لا يوجد ملك دون شعب. وبالتالي، فإن ملك اليهود في حاجة إليهم، ومن خلال حاجته إليهم تتضاءل أهمية الأوامر والنواهي. وقد نجحت الحسيدية في تحقيق قدر من الاستقلال عن المؤسسة الحاخامية، فاتبعت بعض التقاليد السفاردية في الشعائر (ربما تحت تأثير القبَّالاه اللوريانية ذات الأصول السفاردية) ، كما أدخلوا بعض التعديلات على طريقة الذبح الشرعي (وهو ما يعني في واقع الأمر السيطرة على تجارة اللحم) . وأصبح للحسيديين معابدهم الخاصة وطريقة عبادتهم، ولذلك تحوَّلت الحركة من يهودية حسيدية إلى يهودية تساديكية (نسبة إلى التساديك الذي يقوم بالوساطة بين أتباعه والإله) . وقد أصبح هذا مفهوماً محورياً في الفكر الحسيدي. وكان الحسيديون يعمدون إلى إحلال التساديك محل الحاخام (لتقليص سلطان المؤسسة الحاخامية) كلما كان ذلك بوسعهم. والتساديك نوع من القيادة الكاريزمية يحل مشكلة المعنى والانتماء لأتباعه متجاوزاً المؤسسات التلمودية. وقد تحولت الحسيدية (التساديكية) إلى بيروقراطية دينية لها مصالحها الخاصة، واستولت على القهال في كثير من الأحيان، ولكنها لم تدخل أية إصلاحات اجتماعية. بل كان القهال أحياناً يزيد الضرائب على اليهود بعد استيلاء الحسيديين عليه.

стр. 6015

وقد ارتبطت كل جماعة حسيدية بالتساديك الخاص بها. ولذا، فقد انقسمت الحركة إلى فرق متعددة. فبعض هذه الفرق اتجه اتجاهاً صوفياً عاطفياً محضاً، في حين اتجه بعضها الآخر، مثل حركة حبد، اتجاهاً صوفياً ذهنياً يعتمد على دراسة كل من القبَّالاه والتلمود. كما أن وجود هؤلاء الحاخامات داخل دول مختلفة، زاد من هذا الانقسام. وأثناء الحرب النابليونية ضد روسيا، أيَّد بعض الحسيديين الروس روسيا ضد نابليون، ولكن بعض الجماعات أيدته ضد روسيا، بل تجسست لحسابه. وقد حاولت المؤسسة الحاخامية القضاء على الحسيدية، فأصدر معارضو الحسيدية الذين كان يُقال لهم المتنجديم قراراً بطرد اليهود من حظيرة الدين، وحرق كتاباتهم كلها، وعدم التزاوج بهم. وكان من أهم الشخصيات الحاخامية التي قادت الحرب ضدهم الحاخام إلياهو (فقيه فلنا) . ومع هذا، ورغم الانقسامات والخلافات بين الحسيدية واليهودية الحاخامية، فقد وحدوا صفوفهم في النهاية بسبب انتشار العلمانية ومُثُل الاستنارة والتنوير والنزعات الثورية بين اليهود. ولما كان القهال قد تداعى كإطار تنظيمي، فإن الحسيدية استطاعت أن تحل محله كإطار تنظيمي جديد. ولذا، فإن الحسيدية لم تنتشر جغرافياً وحسب، بل انتشرت عبر حدود الطبقات أيضاً. ويتكون الأدب الحسيدي من الكتب التي تلخص تفاسير الزعماء التساديك للكتاب المقدَّس، وتعاليمهم وأقوالهم، وقصص الأفعال العجائبية التي أتوا بها. ومن أشهر القادة التساديك شيناءور زلمان وليفي إسحق ونحمان البراتسلافي (حفيد بعل شيم طوف) . وكان لكل مجموعة من الحسيديين أغانيها وطرقها في الصلاة، وكذلك عقائدها وقصصها. وكانت لهم شبكة من العلاقات الاجتماعية والاقتصادية خارج القهال.

стр. 6016

وقد أتت النازية على المراكز الحسيدية الأساسية في شرق أوربا. وقد انتقلت الحركة الحسيدية إلى الولايات المتحدة، مع انتقال يهود اليديشية إليها، منذ ثمانينيات القرن التاسع عشر، لكن جماعات الحسيديين تفرقت وتبعثرت نظراً لابتعاد زعامتها المتمثلة في التساديك. وقد هاجر بعض القادة التساديك بعد الحرب العالمية الأولى، لكن الحركة الحسيدية لم تبدأ نشاطها الحقيقي إلا بعد الحرب العالمية الثانية. وقد استقر الحسيديون في بروكلين في منطقة وليامزبرج. وأهم الجماعات الحسيدية هي: جماعة لوبافيتش (حبد) ، وجماعة الساتمار، وبراتسلاف وتشرنوبيل، ولا تزال توجد بينهم جيوب قوية معارضة للصهيونية. ويوجد مركزان أساسيان للحسيدية في الوقت الحاضر: أحدهما في الولايات المتحدة والآخر في إسرائيل. الحسيدية والحلولية Hassidism and Pantheism

стр. 6017

الحسيدية تعبير متبلور عن الطبقة الحلولية داخل التركيب الجيولوجي اليهودي الذي يمزج بين الشعب والأرض والإله. وكثيراً ما كانت هذه الحلولية تتبدَّى في شكل حركات مشيحانية كان آخرها الحركة الشبتانية. ومع هذا، فإن الحسيدية قد حددت هذه الأفكار وعمقتها بطريقتين: فقد أوصلت كثيراً منها إلى نتائجها المنطقية وأكسبتها أبعاداً جديدة من خلال القبَّالاه اللوريانية التي تشكل الإطار النظري الكامن للحسيدية. فالقبَّالاه اللوريانية لا تركز على حادثة تَهشُّم الأوعية (شفيرات هكليم) وحسب، وإنما تركز أيضاً على تَبعثُّر الشرارات الإلهية (نيتسوتسوت) ، أي وجود الإله في كل مكان. ويظهر هذا في تأكيد بعل شيم طوف وجود الإله، أو الشرارات الإلهية، فعلاً في النبات والحيوانات، وفي أي فعل إنساني، بل في الخير والشر نفسيهما. ويرى الحسيديون أن العالم بمنزلة ثوب الإله، صَدَر عنه ولكنه جزء منه، تماماً مثل محارة الحيوان البحري المعروف بالحلزون، قشرته الخارجية جزء لا يتجزأ منه. والحسيديون يؤمنون بالتالي بأن الإله هو كل شيء وما عدا ذلك وهم وباطل، أي أن الحسيدية تعبير عن الحلولية في مرحلة وحدة الوجود الروحية التي لا تختلف عن وحدة الوجود المادية إلا في تسمية المبدأ الواحد أو القوة الكامنة في المادة الدافعة لها، إذ يسميها دعاة وحدة الوجود الروحية «الإله» ، أما دعاة وحدة الوجود المادية فيسمونها «قوانين المادة والحركة» .

стр. 6018

وقد استفادت الحركة الحسيدية كذلك من القبَّالاه اللوريانية في نزعتها الكونية. ولكن إذا كانت القبَّالاه اللوريانية تَحصُر اهتمامها في الكون والاعتبارات الكونية، فإن الحسيدية تربط بين الحقيقة النفسية والحقيقة الكونية، كما أنها حولت التأملات الميتافيزيقية إلى تأملات نفسية، وحولت القبَّالاه نفسها من نظرية عن أصل العالم وطرق إصلاحه (تيقون) إلى طريقة للوصول إلى السعادة الداخلية. ولذا، فإن الحسيدية تطالب اليهودي بالغوص في أعماق ذاته. وفي هذه الأعماق، يستطيع الإنسان أن يرتفع ويتسامى على حدود الكون والطبيعة حتى يصل إلى أن الإله هو الكل في الكل ولا يوجد سواه (الواحدية الكونية) . ولم تَعُد وسيلة الوصول إلى الإله هي التفكير العقلاني الجاف، وإنما الفرح والرقص والنشوة وصفاء الروح والنية الصادقة. وكان للإيمان بهذه الصيغة المتطرفة من الحلولية، أو وحدة الوجود، نتائج فكرية عديدة، نجملها فيما يلي: ١ ـ يرى الحسيديون أن الهدف من حياة الإنسان ليس فهم أو تغيير الكون وإنما الالتصاق بالإله والتوحد معه وبإرادته المستقلة (ديفيقوت) . وبتأكيد أن الإله هو كل شيء، لا يصبح هناك مجال لممارسة الإرادة الإنسانية ولا مجال للحزن أو المأسأة. ولذا، نجد أن الحسيديين يرفضون ثنائية الموقف الديني التقليدي (وهي مختلفة عن الثنوية) ويحلون محلها واحدية صوفية عمياء. والواقع أن رفضهم هذه الثنائية إنكار ضمني لوجود الإله، هذا الوجود الذي يفترض وجود قطبين متعارضين؛ التاريخ والإله، الإنسان والخالق، الأرض والسماء، وهكذا.

стр. 6019

٢ ـ ويُلاحَظ أن الحسيدية حاولت أيضاً أن تخفف عن اليهودي إحساسه بوطأة وجوده في المنفى. والمفهوم الحاخامي التقليدي يؤكد أن وجود اليهود في بلاد غير فلسطين هو عقاب لهم على ما اقترفوه من ذنوب. وقد كان هذا الإحساس بالذنب ثقيلاً، فجاءت الحسيدية وأنكرت حقيقة الشر، فالشر إن هو إلا اختفاء الخير وتشويهه، بل إن الشر ليس إلا جسراً للوصول إلى الخير، ويمكن تعديل الشر ليصبح خيراً. وقد ولَّدت هذه الرؤية شكلاً من أشكال القبول لدى اليهود لوضعهم البائس والرضا عنه، وخففت من حدة التطلعات المشيحانية التي تؤدي باليهود إلى الارتطام بالواقع والحكومات، كما خففها أيضاً التركيز على التأمل الباطني بدلاً من التفكير في الكون. ٣ ـ نادى الحسيديون بأن عبادة الإله يحب أن تتم بكل الطرق، كما يجب أن نخدمه بكل شكل: بالجسد والروح معاً مادام أنه إله غير مفارق، لا يتجاوز الطبيعة والتاريخ، كامن في كل شيء، حتى في مذاق الطعام وتدخين التبغ وفي العلاقات الجنسية والتجارية. وقد قال أحد زعماء الحسيدية إن على المرء أن يشتهي كل الأشياء المادية، ومنها المرأة، حتى يصل إلى ذروة الروحانية. فالفرح الجسدي عند الحسيديين، يؤدي إلى الفرح الروحي، والحسيدية تؤمن بروحانية المادة لأن الروح ليست إلا شكلاً من أشكال المادة. بل إن العبادة والخلاص بالجسد يصلان إلى حد عبادة الإله من خلال العلاقات الجنسية. ومثل هذا الموقف كامن في أية رؤية حلولية متطرفة، حيث تلتقي وحدة الوجود الروحية بوحدة الوجود المادية.

стр. 6020

٤ ـ وتنعكس الحلولية في شكلين هما في الواقع شيء واحد: حب عارم لفلسطين أو إرتس يسرائيل، يقابله كره عميق للأغيار. ولذلك، لم يكن مفر من أن يخرج الحسيديون من بين الأغيار المدنَّسين، وبلاد الأغيار المدنسة، ليستقروا في الأرض الطاهرة المقدَّسة التي هي هدف القداسة ومصدرها في وقت واحد. ومما دعَّم هذا الشوق إلى صهيون، تفاقم وضع يهود اليديشية بسبب عمليات التحديث والعلمنة في مجتمعات شرق أوربا. وتأثير الحركة الشبتانية على الحسيدية واضح، فقد نشأت الحركتان في التربة نفسها وفي المنطقة نفسها. وتتبدَّى نقط التشابه في صدورهما عن القبَّالاه اللوريانية، وفي الدعوة إلى المتعة الجسدية، وفي اعتبار هذه المتعة طريقاً إلى الخير (عفوداه بجشميوت، أي «الخلاص بالجسد» ) ، وفي تسامحهما في تنفيذ الشريعة، وفي مفهومهما المتساهل إزاء الشر، ورؤيتهما لإمكانية إعلاء الشر، بل في وجود عناصر من الخير داخل الأفكار الشريرة، ثم في إمكانية الوصول إلى الخير من خلال الشر. كما يأخذ الحسيديون بالرؤية اللوريانية للخلق والعالم. ولكنهم، بدلاً من التركيز على حادثة تَهشُّم الأوعية وسجن الشرارات، يؤكدون وجود الإله في كل الوجود.

стр. 6021

ولكن الحسيدية تختلف عن الشبتانية في أنها ظلت، في نهاية الأمر، داخل إطار من الشريعة يَتقبَّل الأوامر والنواهي. فالحسيديون قللوا، على سبيل المثال، من أهمية دراسة التوراة، ولكنهم لم ينكروا تعاليمها، وقد انسحبوا من المعابد اليهودية القائمة، لكنهم أسسوا معابدهم الخاصة التي كانوا يمارسون فيها صلواتهم. وهاجموا الحاخامات وطردوهم، ولكنهم أحلوا التساديك محل الحاخام. ورفضوا كتاب الصلوات الأشكنازي، ولكنهم تبنوا بدلاً منه كتاب الصلوات السفاردي. ورفضوا طريقة الذبح الشرعي السائدة، ولكنهم أحلوا محلها طريقة أخرى للذبح. والأهم من كل هذا أنهم رفضوا تماماً الفكرة الشبتانية القائلة بأن الماشيَّح قد وصل بالفعل (ومن هنا كان رفض الحسيدية للهجرة الفعلية) . كما أن الممارسات الجنسية ظلت في أضيق الحدود، وأخذت شكل طقوس ورقصات وشطحات، أكثر من كونها ممارسات فعلية. وقد تكون إحدى نقط الاختلاف الأساسية أن الشبتانية جعلت الفكرة المشيحانية تدور حول شخص الماشيَّح الواحد: شبتاي تسفي أو فرانك. أما الحسيدية، فقد أصبحت مشيحانية بلا ماشيَّح واحد، وأصبح هناك عدد من المشحاء الصغار، يظهرون في شخصية التساديك، وتتوزع عليهم القداسة أو الحلول الإلهي، وهو ما قلل من تركُّزه وقلل بالتالي من تَفجُّر الحسيدية. كما أن النزعة المشيحانية عبرت عن نفسها في النفس الإنسانية لا في الواقع الخارجي. وجعلت النفس البشرية مجال المشيحانية لا مسرح التاريخ. ولذا، كان على الحسيدي أن يغوص في فردوس الذات بدلاً من أن يحاول تحقيق الفردوس الأرضي. وإذا كانت الرؤية المشيحانية التقليدية رؤية أبوكاليبسية تَحدُث بغتة عن طريق تَدخُّل الإله في التاريخ، فالمشيحانية الحسيدية تدرجية، وقد حوَّلت المشيحانية إلى حركة بطيئة متصاعدة يشترك فيها كل جماعة يسرائيل، بقيادة عدد كبير من التساديك، ولا تتوقع أية تحولات فجائية (وقد تأثر الفكر الصهيوني بهذه الفكرة) .

стр. 6022

التساديك (الصديق) Tzaddik «تساديك» كلمة عبرية معناها «الرجل الصالح» أو «الصديق» . وتُعتبر كلمة «ربي» ، اسماً آخر للتساديك ومعناها «السيد» ، كما كان يُدعى أحياناً «أدمور» ، وهي اختصار للكلمات «أدونينو» و «مورينو» و «رابينو» ، أي «سيدنا» و «أستاذنا» و «معلمنا» . ويُعتبر هذا التصور لقائد الجماعة من أهم أشكال التمرد الحسيدي على المؤسسة الدينية، وعلى القيادة الحاخامية التي انعزلت عن الجماهير الفقيرة وارتبطت بالأقلية المالية التي كانت تسيطر على القهال. ومن المعروف أن منصب الحاخام، مع منتصف القرن الثامن عشر، كان يُباع ويُشتَرى، وتتحكم فيه الأقلية الثرية. وقد تَحدَّت الحسيدية المؤسسة الحاخامية، وخلخلت قبضتها على الجماهير في عدة مجالات من بينها وظيفة الحاخام الذي حل التساديك محله. والتساديك، حسب التصور الحسيدي المتأثر بتصورات القبَّالاه اللوريانية، تعبير متطرف عن الرؤية الحلولية اليهودية. فهو أولاً شخص ذو قداسة خاصة يقف في منزلة لا تتلو إلا منزلة الإله، وهو أحد التجليات النورانية العشرة (سفيروت) ، أي أنه جزء من الإله. بل هو أحد العُمُد التي تستند إليها الدنيا، وهو أساس العالم (يسود) . وأكثر من ذلك، فإن العالم خُلق من أجله. وكما هو الحال دائماً مع الحلولية، ينتهي بها الأمر إلى تعادل بين الإله ومخلوقاته، ثم إلى ترجيح كفة المخلوقات على حساب الإله، فالتساديك شخصية تبلغ حداً من القداسة يجعلها تقترن بكلام الإله وتتوحد معه، ولذا فقد كان الحسيديون يقولون دائماً: «لقد تحدَّث التساديك توراة» ، أي أن كلامه في قداسة التوراة وقداسة الإله، ولذا فإن من يعارضه يجدف في الإله.

стр. 6023

ولكن الحسيديين يدينون بالمفهوم اللورياني للشرارات الإلهية (نيتسوتسوت) وضرورة استعادتها بعد تَهشُّم الأوعية (شفيرات هكليم) . والواقع أن مهمة التساديك هي تحرير هذه الشرارات الإلهية المحبوسة، أي تحرير الإله. ومن هنا كانت حاجته إلى التساديك. بل إن الإله يحتاج إليه في أمر آخر، وهو الوصول إلى الناس، فالتساديك هو الوسيلة الوحيدة التي تربط الأرض بالسماء. ومهمة التساديك هي أن يقوم بقيادة جماعته، وأن يربط بينها وبين السماء، فهو قادر على التأمل الصوفي الذي يقربه من الإله ويوحده معه، وبذا فإنه يصبح حلقة الوصل بين الخالق ومخلوقاته، وهو إن لم يقم بهذه المهمة فلا معنى لوجوده. ولكن إذا كان التساديك حلقة الوصل، فإن الجماهير تحتاج إليه احتياج الإله إليه، فهو الذي يأتي إليها بالشفاعة، ويحضر لها الحياة من السماء، كما أنه يوصل روح الإله إليها، وهو قادر على الالتصاق بالإله (ديفيقوت) ، ومن خلال التصاقه هو بالإله تتمكن الجماهير هي الأخرى من تحقيق الالتصاق بالخالق. وقد تَعمَّق هذا المفهوم حتى أصبح الإيمان بالإله هو الإيمان بقدرات التساديك العجائبية. ويُعَدُّ هذا تطوراً جديداً كل الجدة في اليهودية التي ترفض الوساطة والكهانة، على الأقل من الناحية النظرية. وإذا كانت اليهودية التقليدية تدعو إلى احترام الحاخامات، فاليهودية الحسيدية تدعو إلى تقديس التساديك، فهو يشبه القديسين المسيحيين. وهنا يظهر أثر المعتقدات الدينية الفلاحية السلافية على الحسيديين، وخصوصاً فرقة الخليستي التي كان يرأسها مشحاء، تحل فيهم الروح القدس، فليست تعاليم التساديك هي التي تهم وإنما أفعاله، فكل فعل من أفعاله، مهما كان تافهاً، معبَّأٌ بالمعنى.

стр. 6024

لكل هذا، يتمتع التساديك بقدرات خرافية خارقة. وقد جاء في الأدب الحسيدي أنه كان يمكنه شفاء المرضى، وله سلطة على الحياة والموت تفوق قدرة الإله نفسه، إذ يمكنه أن يتدخل لدىه ويجعله يرجئ قراره بشأن موت فرد ما. وقد ورد في أحد الكتب الحسيدية أن مجموعة من الحسيديين كانوا في طريقهم بحراً إلى فلسطين، حين هبت عاصفة هددت السفينة. وحينئذ جمع التساديك كل رعاياه، وأمسك مخطوط التوراة، وقال للإله "إذا كان قد تقرر في محكمة الأعالي أن نقضي نحبنا، فإننا نعلم، باعتبارنا محكمة الجماعة المقدَّسة، أننا لا نوافق على هذا القرار". وقال الجميع «آمين» . فتوقفت العاصفة. وكان بعض القادة التساديك يلومون الإله على أي أذى يحل بهم، ويتناقشون معه بصوت عال. وتعود قدرات التساديك هذه ـ حسب التصور الحسيدي ـ إلى صفاء روحه وشفافيتها التي تمكِّنه من الوصول إلى تلك العوالم (سفيروت) التي لا توجد فيها أية قرارات أو حدود، لأن الرحمة وحدها هي التي تسود فيها.

стр. 6025

ولكن لمَ يتمتع التساديك بكل هذه القوى الخارقة وبكل هذه الإعجازية التي لم تُمنَح لعظماء اليهود في الماضي؟ ولمَ يتمتع وحده بهذه الشفافية وهذه المقدرات؟ يقول الحسيديون إن الشعب اليهودي يوجد الآن في المنفى. ولذلك، يحل الإله في أي إنسان متواضع شأنه في هذا شأن الملك المسافر الذي يمكنه أن يحط رحاله في أي منزل مهما بلغ تواضعه. وعلى العكس من هذا، فلو أن الملك كان في عاصمته، فإنه لن ينزل إلا في قصره وحده. وفي الماضي، كان الزعماء والأنبياء اليهود هم وحدهم القادرون على الوصول إلى الروح الإلهية، ولكن الشخيناه الآن في المنفى، ولذلك يحل الإله في أية روح خالية من الذنوب، أي أن التساديك أصبح تجسيد الإله، ومن ثم وسيلة اليهودي المنفي للوصول إلى الإله. إنها إذن الحلولية اليهودية في المنفى. وبدلاً من أن يحل الإله في أرض الميعاد ويتكون الثالوث الحلولي: الإله، الأرض، الشعب، يحل الإله في التساديك، ويظل الثالوث على حاله بعد تعديل طفيف (الإله ـ التساديك ـ الشعب في المنفى) . ويُلاحَظ هنا التشابه القوي بين المسيحية والحسيدية في أن الحلول الإلهي ينتقل من الشعب إلى شخص واحد هو: المسيح في المنظومة المسيحية والتساديك في المنظومة الحسيدية.
следующие страницы →